الصفحة 275

مشهد الرأس


ذكر أرباب المقاتل أنّ عمر بن سعد أمر بالرؤوس فقُطعت، فكانت ثمانية وسبعين رأساً، أخذت كندة ثلاثة عشر، وأقبلت هوازن باثني عشر، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وأقبلت بنو أسد بستّة عشر رأساً، واختصت مذحج بسبعة، ولسائر الجيش ثلاثة عشر رأساً(1).

وساروا بها إلى الكوفة، ثُمّ سيّر ابن زياد رأس الحسين ورؤوس من قُتل معه من أهله وصحبه مع السبايا إلى يزيد بالشام(2).

____________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف: 85، لواعج الأشجان: 197.

(2) تاريخ الطبري 4: 351، الكامل في التاريخ لابن الأثير 4: 83 الثقات لابن حبّان 2: 313، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي 3: 29، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 14: 280، بلاغات النساء لابن طيفور: 21، البداية والنهاية لابن كثير 8: 209.

وقد تعصّب ابن تيمية فأنكر بعث ابن زياد للسبايا والرؤوس إلى يزيد، وهو إنكار باطل ردّه كثير من المحدّثين والمؤرخين.

قال الذهبي في السير 3: 319: " أحمد بن محمّد بن حمزة: حدّثني أبي، عن أبيه، قال: أخبرني أبي حمزة بن يزيد الحضرمي قال: رأيت إمرأة من أجمل النساء وأعقلهن، يقال لها: (ريا)، حاضنة يزيد، يقال: بلغت مئة سنة، قالت: دخل رجل على يزيد، فقال: أبشر، فقد أمكنك اللّه من الحسين، وجي برأسه، قال: فوضع في طست، فأمر الغلام فكشف، فحين رآه خمر وجهه كأنه شمّ منه، فقلت لها: أقرع ثناياه بقضيب؟ قال: أي واللّه.

وقد حدّثني بعض أهلنا أنّه رأى رأس الحسين مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام، وحدّثتني ريا أنّ الرأس مكث في خزائن السلاح حتّى ولي سلمان، فبعث فجي به، وقد بقي عظاماً أبيض، فجعله في سفط، وطيّبه وكفّنه ودفنه في مقابر المسلمين، فلمّا دخلت المسودة سألوا عن موضع الرأس فنبشوه وأخذوه، فاللّه أعلم ما صنع به.

وذكر باقي الحكاية، وهي قوية الإسناد.

يحيى بن بكير، حدّثني الليث قال: أبى الحسين أن يستأسر حتّى قتل بالطفّ، وانطلقوا ببنيه علي وفاطمة وسكينة إلى يزيد، فجعل سكينة خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها، وعلي في غلّ، فضرب على ثنيتي الحسين وتمثل بذلك البيت.. ".

وفي مجمع الزوائد للهيثمي 9: 195 رواية الليث المتقدّمة، وقال عقبها: " رواه الطبراني ورجاله ثقات ".

والرواية في المعجم الكبير للطبراني 3: 104، وكذلك في تاريخ الإسلام للذهبي 7: 442، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 70: 15، الكامل في التاريخ لابن الاثير 4: 86.

وفي الإصابة 2: 71: " كان آخر ذلك أن قتل وأُتي برأسه إلى عبيد اللّه، فأرسله ومن بقي من أهل بيته إلى يزيد، ومنهم علي بن الحسين وكان مريضاً، ومنهم عمته زينب، فلمّا قدموا على يزيد أدخلهم على عياله ".

وكذلك في تاريخ الطبري 4: 352، وغيرها من المصادر الكثيرة التي نطقت بهذا الأمر، فالتعلّل بعدم إرسالهم إليه تعلّل باطل لم يستند إلى دليل بعدما أثبت المحدّثون والمؤرّخون ذلك.


الصفحة 276
ولم يترك سيّد الشهداء الدعوة إلى الدّين، وتفنيد عمل الظالمين حتّى في هذا الحال، وهو مرفوع على القناة، فكان متمّماً لنهضته المقدّسة التي أراق فيها دمه الطاهر، وقد استضاء خلق كثير من إشراقات رأسه الأزهر.


لهفي لرأسكَ فوق مسلوب القنا يكسوه من أنواره جلبابا
يتلوا الكتاب على السنان وإنّما رفعوا به فوق السنان كتابا


الصفحة 277
ولا غرابة بعد أن كان سيّد الشهداء دعامة من دعائم الدّين، ومنار هداه، وعنه يأخذ تعاليمه، ومنه يتلقّى معارفه، وهو صراطه المستقيم، ومنهجه القويم، دونه كانت مفاداته، وفي سبيله سبقت تضحيته، فهو حليف القرآن منذ أُنشئ كيانه، لأنّهما ثقلا رسول اللّه، وخليفتاه على أُمته، وقد نصّ المشرّع الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليه الحوض، فبذلك كان سلام اللّه عليه غير مبارح تلاوته طول حياته، في تهذيبه وإرشاده، في دعوته وتبليغه، في حلّه ومرتحله حتّى في موقفه يوم الطفّ، ذلك المأزق الحرج، بين ظهراني أُولئك الطغاة المتجمهرين عليه، ليتمّ عليهم الحجّة، ويوضح لهم المحجّة.

هكذا كان يسير إلى غايته المقدّسة سيراً حثيثاً، حتّى طفق يتلو القرآن رأسه الكريم، فوق عامل السنان، عسى أن يحصل من يكهربه نور الحقّ، غير أنّ داعية الحقّ والرشاد لم يصادف إلا قصراً في الإدراك، وطبعاً في القلوب، وصمماً في الآذان: { خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ }(1).

وبلغ من غلواء ابن زياد وتيهه في الضلال أن أمر بالرأس الشريف فطيف به في شوارع الكوفة وسككها(2).

يقول زيد بن أرقم: " كنت في غرفة لي، فمروا بالرأس على رمح، فسمعته يقرأ:{ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً }(3)، فوقف شعري، وقلت: رأسك أعجب و أعجب "(4).

____________

(1) البقرة: 7.

(2) تاريخ الطبري 4: 348.

(3) الكهف: 9.

(4) الإرشاد للشيخ المفيد 2: 117، إعلام الورى بأعلام الهدى للطبري: 473، الدر النظيم: 561.


الصفحة 278
ولمّا صُلب في سوق الصّيارفة، وهناك ضوضاء، فأراد (عليه السلام)لفت الأنظار نحوه، تنحنح تنحنحاً عالياً، فاتجه الناس نحوه، وأبهرهم الحال، فشرع في قراءة سورة الكهف إلى قوله تعالى: { اِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً }(1) "(2).

وعجب الحاضرون ; إذ لم تعهد هذه الفصاحة والإتيان على مقتضى الحال من رأس مقطوع، وبقي الناس واجمون لا يدرون ما يصنعون.

ولمّا صُلب على شجرة بالكوفة سمع يقرأ قوله تعالى: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ }(3).

قال هلال بن معاوية: سمعت رأس الحسين يخاطب حامله ويقول: فرّقت رأسي وبدني إفرق اللّه بين لحمك وعظمك، وجعلك آية ونكالاً للعالّمين، فرفع اللعين سوطاً وأخذ يضرب بين رأسه المطهّر(4).

وحدّث سلمة بن الكهيل أنّه سمع رأس الحسين بالكوفة يقرأ وهو مرفوع على الرمح: { فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(5)(6).

____________

(1) الكهف: 13.

(2) مناقب آل أبي طالب 3: 218.

(3) الشعراء: 227.

(4) مدينة المعاجز للبحراني 4: 100.

(5) البقرة: 137.

(6) نهاية الدراية للصدر: 217، الوافي بالوفيات للصفدي 15: 201 ; نفس الرحمن في فضائل سلمان للطبرسي: 362، شرح إحقاق الحقّ للمرعشي 33: 694.


الصفحة 279
كما سمعه ابن وكيدة يقرأ القرآن فشكّ أنّه صوته حيث لم يعهد مثله يتكلّم، فإذا الإمام (عليه السلام) يخاطبه: " يا بن وكيدة، أما علمت أنّ معاشر الأئمة أحياء عند ربّهم يرزقون، فزاد تعجّبه وحدّث نفسه أن يسرق الرأس ويدفنه، فنهاه الإمام وقال: يا بن وكيدة ليس إلى ذلك سبيل، إنّ سفكهم دمي أعظم عند اللّه من إشهارهم رأسي، فذرهم فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون "(1).

وفي طريقهم إلى الشام نزلوا عند صومعة راهب، وفي الليل أشرف عليهم الراهب، فرأى نوراً ساطعاً من الرأس الشريف، وسمع تسبيحاً وتقديساً وتهليلاً وقائلاً يقول: السلام عليك يا أبا عبد اللّه، فتعجّب الراهب! ولم يعرف الحال حتّى إذا أصبح وأراد القوم الرحيل سألهم عن الرأس؟ فأخبروه أنّه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب، وأُمه فاطمة، وجدّه محمّد المصطفى، فطلب الرأس من خولي الأصبحي، فأبى عليه، فاسترضاه بمال كثير دفعه إليه، وأخذ الراهب الرأس الشريف وقبّله وبكى وقال: تباً لكم أيتّها الجماعة، لقد صدقت الأخبار في قولها: إذا قتل هذا الرجل تمطر السماء دماً، ثُمّ أسلم ببركة الرأس الطاهر، وبعد أن ارتحلوا نظروا إلى الدراهم فإذا هي خزف مكتوب عليها: { وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَب يَنقَلِبُونَ }(2).

____________

(1) مدينة المعاجز للبحراني 3: 462.

(2) مدينة المعاجز 4: 104.


الصفحة 280
وحدّث المنهال بن عمر قال: " رأيت رأس الحسين بدمشق أمام الرؤوس ورجل يقرأ سورة الكهف فلمّا بلغ { أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً }، وإذ الرأس يخاطبه بلسان فصيح: وأعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي "(1).

وفي هذا الحال كُلّه لم ينقطع الدم من الرأس الشريف، وكان طريّاً، ويشمّ منه رائحة طيبة(2).

وبالرغم من جدّ يزيد في محو آثار أهل البيت واحتقار حرم النبّوة حتّى أنزلهم في الخربة التي لا تكنّهم من حرّ ولا برد(3)، واستعماله القسوة بالرأس المقدّس، من صلبه على باب الجامع الأُموي(4)، وفي البلد ثلاثة أيّام(5)، وعلى باب داره(6).

ولم يزل أهل الشام - ومن حضر فيها من غيرهم - يشاهدون كرامات باهرات من الرأس الزاهر لا تصدر إلا من نبىّ أو وصىّ نبىّ، فأحرجهم الموقف، خصوصاً بعد ما وقفت العقيلة زينب الكبرى سلام اللّه عليها في ذلك المجلس المغمور بالتمويهات والأضاليل، فأفادت الناس بصيرة بنوايا ابن ميسون السيئة، وموقفه من الشريعة الطاهرة، وأنّه لم يرد إلا استئصال آل الرسول، حيث لم يعهد في

____________

(1) الخرائج والجرائح للراوندي 2: 577، الصراط المستقيم للعاملي: 179، فيض الغدير في شرح الجامع الصغير للمناوي 1: 265، سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي 11: 76.

(2) الخطط المقريزية 4: 284.

(3) الأمالي للشيخ الصدوق: 232، روضة الواعظين: 192، إقبال الأعمال لابن طاووس 3: 101، الأنوار النعمانية 3: 246.

(4) الأمالي للشيخ الصدوق: 230، روضة الواعظين: 191.

(5) الخطط المقريزية 2: 129.

(6) العوالم: 443.


الصفحة 281
الإسلام مثل هذا الفعل الشنيع خصوصاً مع عيال النبّي الكريم، ذلك الذي ما زال يهتف في مواقفه الكريمة باحترام المرأة وعدم التعرّض لها بسوء، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يشدّد النكير إذا بلغه في مغازيه قتل النساء(1).

حتّى إنّ جماعة من المسلمين لمّا استأذنوه لقتل ابن أبي الحقيق أذن لهم، وأمرهم بعدم التعرّض للنساء والصبيان وهم مشركون(2).

وعلى سيرته مشى المسلمون، وإنّ سيّدهم أمير المؤمنين (عليه السلام)لمّا أنزل عائشة في الدار، قال له رجل من الأزد: واللّه لا تفلتنا هذه المرأة، فغضب أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: " صه، لا تهتكن ستراً، ولا تدخلن داراً، ولا تهيّجن إمرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسفهن أُمراءكم وصلحائكم، فانّهنّ ضعاف، ولقد كنّا نؤمر بالكفّ عنهنّ وإنهن لمشركات، وإنّ الرجل ليكافئ المرأة بالضرب، فيعير بها عقبه من بعده، فلا يبلغني عن أحد تعرض لامرأة فانكل به "(3).

من هذا عرف الناس ضلال يزيد وتيهه في الباطل، فاكثروا اللائمة عليه حتّى من لم ينتحل دين الإسلام.

وحديث رسول ملك الروم مع يزيد في مجلسه أحدث هزّة

____________

(1) مسند أحمد بن حنبل 1: 256، صحيح مسلم 4: 21 و 5: 144، سنن ابن ماجة 2: 947، وغيرها من المصادر.

(2) تاريخ الطبري 2: 184، البداية والنهاية لابن كثير 4: 157، السيرة النبوية لابن هشام 3: 747.

(3) تاريخ الطبري 3: 544، الكامل في التاريخ 3: 257، وقسم منه في نهج البلاغة بشرح محمّد عبده 3: 515 الكافي للكليني 5: 39.


الصفحة 282
في المجلس، وعرف يزيد الإنكار منهم، وأنّه لم تجد فيهم تلك التمويهات. وكيف تجدي وقد سمع من حضر المجلس صوتاً عالياً من الرأس المقدّس لمّا أمر يزيد بقتل ذلك الرسول: " لا حول ولا قوة إلا باللّه "(1).

وأىّ أحد رأى أو سمع قبل يوم الحسين (عليه السلام) رأساً مقطوعاً ينطق بالكلام الفصيح؟ وهل يقدر ابن ميسون أن يقاوم أسرار اللّه؟ أو يطفئ نوره تعالى شأنه؟ كلا.

ولقد أنكرت عليه زوجته هند بنت عمرو بن سهيل، وكانت عند عبد اللّه ابن عامر بن كريز، وهو ابن خال عثّمان بن عفان، فإنّ عامراً وارى أُم عثّمان أُمهم أُم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فاجبره معاوية على طلاقها لرغبة يزيد بها(2).

فإنّها لمّا أبصرت الرأس الزاهي مصلوباً على باب دارها، ورأت الأنوار النّبويّة تتصاعد إلى عنان السماء، وشاهدت الدم يقطر منه طرياً، أدهشها الحال، وعظم مصابه في قلبها، فلم تتمالك دون أن دخلت على يزيد في مجلسه، مهتوكة الحجاب، وهي تصيح رأس ابن بنت رسول اللّه على دارنا، فقام إليها وغطاها وقال لها: اعولي وابكي على الحسين، فإنّه صريخة بني هاشم، عجّل عليه ابن زياد(3).

____________

(1) العوالم: 443.

(2) مقتل الحسين للخوارزمي 2: 81، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 62: 85، تاريخ الطبري 4: 456، الكامل في التاريخ 4: 84، وفي هذه المصادر وغيرها اسمها هند بنت عبد اللّه بن عامر بن كريز، وليس عبد اللّه بن عامر زوجها بل أبوها.

(3) المصادر المتقدّمة باختلاف في بعض الألفاظ.


الصفحة 283
ورأت في منامها كأنّ رجالاً نزلوا من السماء وطافوا برأس الحسين يسلّمون عليه، ولّما انتبهت جاءت إلى الرأس، فأبصرت نوراً حوله، فطلبت يزيد لتقصّ عليه الرؤيا، فإذا هو في بعض الغرف يبكي ويقول: مالي ولحسين. وقد رأى مثل ما رأت(1)، فأصبح يزيد ومِلُْ إذنه حديث الأندية عن القسوة التي استعملها والجور الشديد، فلم يرَ مناصاً من إلقاء التبعة على عاتق ابن زياد وتبعيداً للسبّة عنه، ولكنّ الثابت لا يزال، وهذا هو السرّ في إنشاء كتاب صغير وصفه المؤرّخون بأنّه مثل (إذن الفأرة)، أرفقه بكتابه الكبير إلى الوالي بأخذ البيعة من المدينة عامّة، وفي الكتاب الصغير إلزام الحسين (عليه السلام) بالبيعة وإن أبى تضرب عنقه(2).

وليس الغرض من إنشاء الكتاب الصغير إلا أنّ يزيد لمّا كان عالماً بأنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يجعله خليفة، ولا كانت بيعته ممّا اتفق عليها صلحاء الوقت وأشراف الأُمّة، وما صدر من الموافقة منهم يوم أرادها أبوه معاوية إنّما هو للوعيد والتهديد، فأراد يزيد أن يخلي رسمياته عن الأمر بقتل الحسين (عليه السلام) بحيث لو صدر ذلك من عامله ولامه الناس وخطّأوه، تدرّع بالعذر بخلوّ كتابه للعامل بهذا الفعل، وإنّما هو شي جاء به من قبل نفسه، وكان له المجال حينئذ في إلقاء التبعة على العامل.

ولكن هلمّ واقرأ العجيب الغريب في إحياء العلوم ج3 ص106 في الآفة الثامنة من آفات اللسان، فهناك ترى الغزالي تائهاً

____________

(1) بحار الأنوار 40: 80.

(2) تاريخ الطبري 4: 250، الكامل في التاريخ 4: 14، البداية والنهاية 8: 157.


الصفحة 284
في الغلواء لمّا وشجت عليه عروق النصب والتحيّز إلى الأمويّين، فأبى أن يلعن قاتل الحسين (عليه السلام) حتّى على الإجمال فيقال: " لعنة اللّه على قاتل الحسين "، معلّلاً باحتمال موته بعد التوبة. وقد فاته أنّ التائب إن قُبلت توبته لا يشمله اللعن، فإذن أىّ بأس إذا قيل: لعنة اللّه على قاتل الحسين (عليه السلام)، لولا ذلك العداء المحتدم بين الحوائج والبغض لأهل هذا البيت الطاهر؟!

وأغرب من ذلك قياسه يزيد بوحشي قاتل حمزة أسد اللّه وأسد رسوله، فقال فيه: إنّ وحشي تاب عن الكفر والقتل جميعاً، ولا يجوز أن يلعن، مع أنّ القتل كبيرة، فإذا لم يقيّده بالتوبة وأطلق كان فيه خطر... إلى آخره(1).

لا قياس بين يزيد ووحشي، فإنّ وحشياً قتل حمزة وهو كافر، فلّما أسلم سقطت عنه كُلّ تبعة كانت عليه، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله، بخلاف يزيد فإنّه قتل الحسين (عليه السلام) وهو يظهر الإسلام، وقد ارتدّ بقتله ; إما لأنّ الحسين (عليه السلام) إمام معصوم، أو لتشفّيه بذلك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بما صنعه مع خاله وجدّه يوم بدر.

على أنّ من المقطوع به أنّ من باء بذلك الإثم العظيم وهو قتل الحسين (عليه السلام) لا يتوفّق للتوبة نهائياً، فإنّه من الذنوب التي لا تدع صاحبها أن يتحيّز إلى خير أبداً.

كما أنّ من المقطوع به أنّ وحشياً وإن أظهر الإسلام أمام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

____________

(1) إحياء علوم الدين للغزالي 3: 186، الآفة الثامنة في اللعن.


الصفحة 285
وسكت عنه النبّي وقال: " غيّب وجهك عني "(1) فلا يختم له بالصلاح والسعادة أبداً، ولا يأتي يوم القيامة وعليه شارة الهدى، وقد قتل سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلب الشاهد للأنبياء بالتبليغ وأداء الرسالة.

كيف لا يلعن يزيد وقد جوّز العلماء المنقّبون لعنه، وصرّحوا بخروجه عن طريقة الإسلام، كما أفصح عن ذلك شعره، فإنّه لمّا وردت عليه سبايا آل الرسول وأشرفوا على ثنية جيرون ونعب الغراب قال(2):


لمّا بدت تلك الحمول وأشرقت تلك الشموس على ربى جيروني
نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت من الرسول ديوني؟!

____________

(1) فتح الباري 7: 284، المعجم الأوسط للطبراني 2: 222، الاستيعاب لابن عبد البر 4: 65، أُسد الغابة لابن الاثير 5: 84، تهذيب التهذيب لابن حجر 11: 100، الكامل في التاريخ لابن الاثير 2: 251، الوافي بالوفيات للصفدي 27: 253، وذكر ابن الاثير في أُسد الغابة 5: 84: " قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: مات وحشي في الخمر، أخرجه الثلاثة "، وفي شرح مسند أبي حنيفة لملا علي القاري: 528، وابن كثير في البداية والنهاية 4: 22، السيرة النبوية لابن هشام 3: 592، السيرة الحلبية للحلبي 2: 538، واللفظ للأوّل: " وقال ابن الهمام: بلغني أنّ وحشياً لم يزل يحد في الخمر حتّى خلع من الديوان، فكان ابن عمر يقول: لقد علمت أنّ اللّه تعالى لم يكن ليدع قاتل حمزة رضي اللّه عنه هذا.. ".

(2) روح المعاني للآلوسي 26: 72، في تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم أن توليتم).


الصفحة 286
فمن أُولئك العلماء القاضي أبو يعلى، وأحمد بن حنبل، وابن الجوزي(1)، والكيا الهراسي(2)، والشيخ محمّد البكري، وسعد

____________

(1) قال سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص 2: 266: " وذكر جدّي أبو الفرج في كتاب الردّ على المتعصّب العنيد المانع من ذمّ يزيد، وقال: سألني سائل فقال: ما تقول في يزيد بن معاوية؟

فقلت له: يكفيه ما به.

فقال: أتجّوز لعنته؟

فقلت: قد أجازها العلماء الورعون، منهم أحمد بن حنبل، فإنّه ذكر في حق يزيد ما يزيد على اللعنة.

قال جدي: وأخبرنا أبو بكر محمّد بن عبد الباقي البزّار، أنبأنا أبو إسحاق البرمكي، أنبأنا أبو بكر بن عبد العزيز بن جعفر، أنبأنا أحمد بن محمّد الخلال، حدّثنا محمّد بن علي، عن مهنّا ابن يحيى قال: سألت أحمد بن حنبل عن يزيد بن معاوية؟

فقال: هو الذي فعل ما فعل!

قلت: وما فعل؟

قال: نهب المدينة!

قلت: فتذكر عنه الحديث؟

قال: لا، ولا كرامة، لا ينبغي لأحد أن يكتب عنه الحديث.

وحكى جدّي أبو الفرج عن القاضي أبي يعلى الفرّاء في كتابه (المعتمد في الأصول) بإسناده إلى صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: إنّ قوماً ينسبوننا إلى توالي يزيد؟

فقلت: فلم لا تلعنه؟

فقال: فمتى رأيتني لعنت شيئاً! با بنىّ لِمَ لا يلعن من لعنه اللّه في كتابه؟

فقلت: وأين لعن اللّه يزيد في كتابه؟

فقال: في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) محمّد: 22 - 23 فهل يكون فساد أعظم من القتل؟

وفي رواية لما سأله صالح فقال: يا بنىّ ما أقول في رجل لعنه اللّه في كتابه؟ وذكره.

قال جدّي: وصنّف القاضي أبو يعلى الفرّاء كتاباً ذكر فيه بيان من يستحقّ اللّعن، وذكر منهم يزيد، وقال في الكتاب المذكور: الممتنع من جواز لعن يزيد إمّا أن يكون غير عالم بذلك، أو منافقاً يريد أن يوهم بذلك، وربّما استفّز الجهّال بقوله (عليه السلام): " المؤمن لا يكون لعّاناً ".

قال القاضي أبو الحسن: وهذا محمول على من لا يستحقّ اللّعن.

فإن قيل: فقوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ) محمّد: 22) نزلت في منافقي اليهود؟

قلت: فقد أجاب جدّي عن هذا في كتابه (الرد على المتعصب العنيد) وقال في الجواب: إنّ الذي نقل هذا مقاتل بن سليمان، ذكره في تفسيره، وقد أجمع عامّة المحدّثين على كذبه ; كالبخاري، ووكيع، والساجي، والسعدي والرازي، والنسائي، وغيرهم.

وقال: فسرّها أحمد بأنّها في المسلمين، فكيف يقبل قول أحد إنّها نزلت في المنافقين؟

فإن قيل: فقد قال النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: " أوّل جيش يغزو القسطنطينية مغفور له "، ويزيد أوّل من غزاها؟

قلنا: فقد قال النبىّ ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: "لعن اللّه من أخاف مدينتي" والآخر ينسخ الأوّل...

وأما قوله ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ: "أوّل جيش يغزو القسطنطينية"، فإنّما يعني أبا أيّوب الأنصاري، لإنّه كان فيهم.

ولا خلاف أنّ يزيد أخاف أهل المدينة، وسبى أهلها، ونهبها، وأباحها وتسمى وقعة الحرّة...

وقال جدىّ في كتاب (الردّ على المتعصب العنيد): ليس العجب من قتال ابن زياد الحسين، وتسليطه عمر بن سعد على قتله والشّمر، وحمل الرؤوس إليه، وإنّما العجب من خذلان يزيد، وضربه بالقضيب ثناياه، وحمل آل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [وآله] وسلّم ـ سبايا على أقتاب الجمال وعزمه على ان يدفع فاطمة بنت الحسين إلى الرجل الذي طلبها، وإنشاد أبيات ابن الزبعري: ليت أشياخي ببدر شهدوا..

وردّه الرأس إلى المدينة ـ وقد تغيّر ريحه ـ وما كان مقصوده إلا الفضيحة وإظهار رائحته للناس، أفيجوز أن يفعل هذا بالخوارج؟! أليس إجماع المسلمين أنّ الخوارج والبغاة يكفنون ويصلّى عليهم ويدفنون؟!

وكذا قول يزيد: لي أنّ أسبيكم ـ لمّا طلب الرجل فاطمة بنت الحسين ـ قول لا يقنع لقائله وفاعله اللّعنة.

ولو لم يكن في قلبه أحقاد جاهليّة، وأضغان بدريّة لاحترم الرأس لمّا وصل إليه، ولم يضربه بالقضيب، وكفّنه ودفنه، وأحسن إلى آل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [وآله] ـ.

قلت: والدليل على صحة هذا أنّه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً عظيمة، وتحفاً كثيرة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وجعله نديمه، وسكر ليلة فقال للمغنّي: غنّ، ثُمّ قال يزيد بديهاً:


اسقني شربة تروّي فؤادي ثُمّ مل فاسقِ مثلها ابن زياد
صاحب السرّ والأمانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي
قاتل الخارجي أعني حسيناً ومبيد الأعداد والحسّادِ

وقال ابن عقيل: وممّا يدلّ على كفره وزندقته ـ فضلاً عن جواز سبّه ولعنته ـ أشعاره التي أفصح فيها بالإلحاد، وأبان عن خبث الضمير وسوء الاعتقاد، فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها:


عُليّة هاتي واعلني وترنمي بذلك إنّي لا أحبّ التناجيا
حديث أبا سفيان قدماً سما بها إلى أحد حتّى أقام البواكيا
إلا هاتِ فاسقيني على ذاك قهوة تخيّرها العنسي كرماً شآميا
إذا ما نظرنا في أُمور قديمة وجدنا حلالاً شربها متواليا
وإن متُ ـ يا أُم الاحيمر ـ فانكحي ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا
فإنّ الذي حُدّثت عن يوم بعثنا أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا

إلى غير ذلك ممّا نقلته من ديوانه، ولهذا تطّرق إلى هذه الأُمة العار بولايته عليها، حتّى قال أبو العلاء المعرّي يشير بالشّنار إليها:


أرى الأيّام تفعل كُلّ نكر فما أنا في العجائب مستزيد
أليس قريشكم قتلت حسيناً وكان على خلافتكم يزيد

قلت: ولمّا لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الإمام الناصر وأكابر العلماء، قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا، فقال جدّي: (أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) هود: 95.

وحكي لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد؟

فقال: ما تقولون في رجل ولي ثلاث سنين: في السنة الأُولى قتل الحسين، وفي السنة الثانية أخاف المدينة وأباحها، وفي السنة الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدّمها وحرّمها؟

فقالوا: يلعن؟

فقال: فالعنوه " تذكرة الخواص 2 - 265 - 280، وارجع لكلام ابن الجوزي - الجدّ - في كتاب الردّ على المتعصب العنيد: 13 - 17.

(2) وفيات الأعيان 3: 287، فوات الوفيات 2: 641، جواهر المطالب في مناقب الإمام علي: 302، السيرة الحلبية 1: 367.


الصفحة 287

الصفحة 288

الصفحة 289
التفتازاني(1)، وسبط ابن الجوزي(2).

وقال الجاحظ: " إنّ المنكرات التي اقترفها يزيد من قتل الحسين وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، وحمل بنات رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) سبايا، وقرعه ثنايا الحسين (عليه السلام) بالعود، هل تدلّ هذه القسوة والعلظة على نصب وسوء، وأىّ حقد و بغضاء ونفاق ويقين مدخول؟

أم تدلّ على الإخلاص وحب النبىّ والحفظ له وصحة السيرة؟

وعلى هذا فلا يعدو الفسق والضلال، وذلك أدنى مناله، فالفاسق ملعون، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون "(3).

وقال العلاّمة الآلوسي: " لا توقّف في لعن يزيد، لكثرة أوصافه الخبيثة، وارتكابه الكبائر في جميع أيّام تكاليفه، ويكفي ما فعله أيام استيلائه بأهل المدينة ومكّة، والطامة الكبرى ما فعله بأهل البيت، ورضاه بقتل الحسين على جدّه وعليه أفضل الصلاة والسلام، واستبشاره بذلك وإهانته بأهل بيته ممّا تواتر معناه.

والذي يغلب على ظنّي أنّ الخبيث لم يكن مصدّقاً بالرسالة، وأنّ مجموع ما فعله مع أهل حرم اللّه وأهل نبيّه وعترته الطيّبين

____________

(1) السيرة الحلبية 1: 267.

(2) تذكرة الخواص 2: 265 - 280.

(3) رسائل الجاحظ: 298، الحادية عشر في بني أُمية.


الصفحة 290
الطاهرين في الحياة وبعد الممات، وما ورد منه من المخازي، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقائه ورقة من المصحف الشريف في قذر، ولا أظنّ أمره خافياً على أجلّة المسلمين إذ ذاك، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين، لم يسعهم إلا الصبر، ليقضِ اللّه أمراً كان مفعولاً.

ولو سلّم أنّ الخبيث كان مسلماً، فهو مسلّم جمع من الكبائر ما لا يحيط به نطاق البيان، وأنّا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين، ولو لم يتصوّر أن يكون له مثل من الفاسقين، والظاهر أنّه لم يتب، واحتمال توبته أضعف من إيمانه.

ويلحق به ابن زياد وابن سعد وجماعة، فلعنة اللّه عليهم أجمعين، وعلى أنصارهم وشيعتهم ومن مال ميلهم إلى يوم الدّين، ما دمعت عين على أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام)، ويعجبني قول شاعر العصر عبد الباقي أفندي العمري:


يزيد على لعن عريض جناية فأغدو به طول المدى العن اللعنا

ومن يخشى القيل والقال بلعن ذلك الضليل فليقل: لعن اللّه من رضي بقتل الحسين، ومن آذى عترة النبىّ بغير حقّ، ومن غصبهم حقّهم، فإنّه يكون لاعناً له، لدخوله تحت العموم دخولاً أولياً في نفس الأمر.

ولا يخالف أحد في جواز اللعن بهذه الألفاظ سوى ابن العربي المالكي وموافقيه، فإنّهم على ظاهر ما نقل عنهم لا يجوّزون لعن من رضي بقتل الحسين، وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي كاد