الصفحة 291
يزيد على ضلال يزيد... إلى آخره "(1).

وبعد هذا فهل يتوقّف أحد من لعن يزيد والبراءة منه؟ وإن كان فليس هؤلاء إلا الضلال والعناد أعاذ اللّه أولياءه من شرّ الحقد.

لمّا كثرت اللائمة على يزيد خشي الفتنة وانقلاب الأمر، فتداركه بإرجاع السجاد والعيال إلى وطنهم، ومكّنهم ممّا يريدون برأس الحسين إلى كربلاء ودفنه مع الجسد، ولم يختلف في ذلك إثنان من علماء الإمامية المعروفين بالبحث والتنقيب، ومن هنا نسبه المجلسي في البحار إلى المشهور بين العلماء(2).

وفي روضة الواعظين ص165(3) قال: ردّ الرأس إلى الجسد.

وقال ابن نما في مثير الأحزان ص58: إنّه المعول عليه(4).

وفي اللهوف لابن طاووس ص112(5): عليه عمل الإمامية.

وقال ابن شهراشوب في المناقب ج2 ص200: ذكر المرتضى في بعض رسائله أنّ رأس الحسين أُعيد إلى بدنه في كربلاء(6).

وقال الطوسي: ومنه زيارة الأربعين(7).

وفي مقتل العوالم ص154: إنّه المشهور بين علمائنا(8).

____________

(1) روح المعاني للآلوسي 26: 74، في تفسير قوله تعالى (فهل عسيتم أن توليتم) الآية.

(2) بحار الأنوار 45: 144.

(3) روضة الواعظين: 192.

(4) مثير الأحزان: 85.

(5) اللهوف في قتلى الطفوف: 114.

(6) مناقب آل أبي طالب 3: 231.

(7) تهذيب الأحكام 6: 114.

(8) العوالم: 327 والعبارة: " وذكر المرتضى في بعض مسائله: أنّ رأس الحسين (عليه السلام) ردّ إلى بدنه (عليه السلام) بكربلاء من الشام وضمّ إليه ".


الصفحة 292
وهو ظاهر الطبرسي في إعلام الورى ص151(1)، والسيّد في رياض المصائب.

وأما باقي الرؤوس فلم يتعرّض لها أرباب المقاتل، ولكن في نفس المهموم ص253، ورياض الأحزان ص155 عن حبيب السير: أنّ يزيد سلّم جميع الرؤوس إلى علي بن الحسين فألحقها بالأبدان الطاهرة في العشرين من صفر، ثُمّ توجه إلى المدينة(2).

ولعلّ الاعتبار يساعده، فإنّ يزيد لمّا نقم عليه الناس وكثر الاضطراب، لم يرَ بُداً من موافقة الإمام السجاد على كُلّ ما يريد وإخراجهم من الشام عاجلاً.

نعم، ذكر العلاّمة السيّد محسن الأمين في أعيان الشيعة ج4 ص290 القسم الأوّل: أنّه رأى في سنة 1321 هـ في المقبرة المعروفة بمقبرة باب الصغير بدمشق مشهداً وضع على بابه صخرة مكتوب عليها: " هذا مدفن رأس العبّاس ابن علي، ورأس علىّ الأكبر بن الحسين، ورأس حبيب بن مظاهر ".

قال: " ثُمّ إنّه انهدم بعد ذلك بسنين هذا المشهد، وأُعيد بناؤه، وأُزيلت هذه الصخرة، وبُني ضريح داخل المشهد، ونقش عليه أسماء كثيرة لشهداء كربلاء، ولكن الحقيقة أنّه منسوب إلى الرؤوس الشريفة الثلاثة المقدّم ذكرها بحسب ما كان موضوعاً على بابه كما مرّ، وهذا المشهد الظنّ القوي بصحة نسبته، لأنّ الرؤوس بعد حملها إلى دمشق والطواف بها وانتهاء غرض يزيد من إشهار

____________

(1) إعلام الورى 1: 476.

(2) معالي السبطين 2: 191.


الصفحة 293
الغلبة والتنكيل بأهلها والتشفّي، لابدّ أن تدفن في إحدى المقابر، فدفنت هذه الرؤوس الثلاثة في مقبرة باب الصغير، وحفظ محلّ دفنها واللّه أعلم... إلى آخره "(1).

هذا ما ذكره السيّد أيده اللّه، ولو اطلع على حبيب السير لاعتقد عدم صحة الدفن هناك، على أنّ التغيير الذي ذكره يدلّنا على أنّ الحفظة لذلك المشهد لهم غرض آخر، وليس بالمستبعد أن ذلك المشهد محلّ صلب الرؤوس.

وحقيق أن يقال في كُلّ منها:


هامة في الحياة طاولت الشهب وما نالها هبوب الرياح
أنفت بعد موتها الترب فاختار ت لها مسكناً رؤوس الرماح

____________

(1) أعيان الشيعة 1: 627.


الصفحة 294

مشهد الكفين


لم يفتأ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) كما أنّهم يقتصّون آثارهم في معارفهم وتعاليمهم، يتبرّكون بتعيين كُلّ ما يتعلّق بهم من مشهد أو معبد أو مقام، فيتبعونها بالحفاوة والتبجيل، ويرون ذلك من متممّات الولاء ولوازم الاتباع والمشايعة.

وهو كما يرون لأنّه إمّا مشهد يزار، أو معبد يقصد للعبادة، أو محلّ مسرّة فيسرّهم ذلك، أو موقف مأساة فيستاؤون لهم، وهذا هو التشيّع المحض، والاقتداء الصحيح.

ومن ذلك ما نشاهده في كربلاء المشرّفة من المقام (لكفّي أبي الفضل) اللذين تناقلتهما الألسن، وأخذ حديثهما الخلف عن السلف والسيرة المستمرة بين الإمامية كافية في القطع بثبوت (المقامين)، ولولاها لانتقض الأمر في كثير من المشاهد والمعابد والمقامات.

يقع مقام (الكفّ اليمنى) في جهة الشمال الشرقي على حدّ محلّة باب بغداد ومحلّة باب الخان، قريباً من باب الصحن المطهّر الواقعة في الجهة الشرقية، وعلى جدار المقام شباك صغير، وعلى جبهته بيتان بالفارسية لم يكتب اسم ناظمهما، ولا تاريخ البناء، ولا وضع الشباك، والبيتان:


أُفتاد دست راست خدايا زِبيكرم بَر دامَنِ حسين بِرسان دَستِ ديكرم


الصفحة 295

دست جبم بجاست اكر نيست دست راست
اما هزار حيف كه يك دست بيصداست

ويقع مقام (الكفّ اليسرى) في السوق الصغير القريب من الباب الصغير للصحن الواقعة في الجنوب الشرقي، ويعرف بسوق باب العبّاس الصغير، وعلى الجدار شباك، وكتب بالقاشاني عليه: " هذا نظم الشيخ محمّد المعروف بالسراج ".


سل إذا ما شئت واسمع واعلم ثمّ خذ منّي جواب المفهم
إنّ في هذا المقام انقطعت يسرة العبّاس بحر الكرم
هاهنا يا صاح طاحت بعدما طاحت اليمنى بجنب العلقم
اِجر دمع العين وابكيه أساً حق أن يبكى بدمع عن دم


الصفحة 296

الزيارة


ذكرنا فيما تقدّم أنّ الزيارة من المأثور عن الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكمال فضله وعلمه الجمّ، وورعه الموصوف وكراماته الخارجة عن حدّ الإحصاء، كان في المثول حول مرقده الأقدس بداعي الزلفى إلى المولى تعالى مزيد لرسوخ العقيدة بأمر الدّين، وتعريف للأُمة بما وجب من حقّ اللّه تعالى على خلقه، وإنّ العبد كيف يجب عليه بذل ذاته في مرضاة اللّه عزّ وجلّ.

ثُمّ إنّ الزيارة وإن كانت مجرّد الحضور عند المزور والسلام عليه بأي لفظ جاء به المسلّم، كما يؤيّده حديث مسلم ابن ظبيان عن الصادق (عليه السلام): " إذا أتيت القبر يعني قبر الحسين فقل: صلّى اللّه عليك يا أبا عبد اللّه، فقد تمّت زيارتك "(1).

ولكنّ الألفاظ الواردة عن أهل البيت يلزم الاحتفاظ بها، لأنّها اشتملت على ما يناسب مقام المزور من الخواص، وما له من جهاد نافع في سبيل الدّين، مضافاً إلى ما فيها من التأدّب عند أداء السلام عليه.

فالقول المأثور من أهل البيت (عليهم السلام) في السلام عليهم أو على أحد أولادهم أو أصحابهم راجح، ومن هنا أفتى صاحب الرسائل فيها وخاتمة المحدّثين النوري في المستدرك باستحباب زيارة

____________

(1) كامل الزيارات: 244، تهذيب الأحكام 6: 115.


الصفحة 297
الحسين بالزيارة المأثورة وآدابها، ولا خصوصية له على غيره من أئمة الهدى (عليهم السلام)، وبذلك المناط يتسرى إلى غيرهم.

ومن يقرأ ما ورد عن الإمام الصادق في زيارة أبي الفضل بتدبّر وإمعان يعرف رجحان الأخذ بقوله (عليه السلام)، وإنّ الزائر مهما يبلغ من المعرفة والكمال لا يحيط خبراً بحقيقة أبي الفضل، وما يليق بجليل قدره، وعظيم منزلته.

ومن هنا كان الراجح للزائر عند زيارة العبّاس أن يقف مواجهاً له مستدبراً القبلة، كما هو الشأن في زيارة المعصومين، وهو مقتضى التأدّب أمام "قمر بني هاشم"، فإنّ زيارته ميتاً كزيارته حياً (والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون)، ولا شّك أنّه لو كان حياً ودخل عليه الزائر يسلّم عليه إلا مواجهاً له.

ويشهد لذلك ما في مزار البحار ص165 عن المفيد وابن المشهدي والشهيد الأوّل أنّهم قالوا: إنّ الزائر للعبّاس يقف أولاً على باب السقيفة ويستأذن للدخول فيقول: سلام اللّه وسلام ملائكته... إلى آخره، ثُمّ يدخل وينكبّ على القبر ويقول: السلام عليك أيها العبد الصالح... إلى آخره، ثُمّ ينحرف إلى عند الرأس فيصلّي ويدعو، ويعود إلى الضريح ويقف عند الرجلين ويقول: السلام عليك يا أبا الفضل العبّاس... إلى آخره(1).

وقد يدّعى أنّ هذه العبارة وما رواه ابن قولويه عن أبي حمزة الثمالي يقتضي الوقوف على قبر العبّاس من دون تخصيص بجهة من الجهات، فإنّ العبارة: " ثُمّ ادخل وانكب على القبر وقل،... إلى

____________

(1) المزار للشيخ المفيد: 120، المزار للمشهدي: 389، وعنهما بحار الأنوار 98: 217.


الصفحة 298
آخره "(1)، ولم يبيّن كيفيّة الانكباب هل أنّه من جهة القبلة، كما هو شأن زيارة الإمام المعصوم، أو من جهة عكسها، أو من جهة الرجلين أو الرأس؟

إلا أنّ المنصرف من الإطلاق إرادة جهة القبلة، خصوصاً لو كان الباب التي يدخل منها إلى الروضة المطهرة في ذلك الزمان كما عليه اليوم، وحينئذ تكون زيارة أبي الفضل على حدّ زيارة المعصوم مواجهاً له مستدبراً القبلة.

فالتوقّف عن رجحان مواجهته حال الزيارة في غير محلّه، واستظهار المجلسي تخيير الوقوف في زيارته محّل المناقشة، فإنّه لم يرد عن الأئمة خبر التفصيل بين المعصوم وغيره باستحباب المواجهة له في الأوّل واستقبال القبلة في الثاني.

وغاية ما ورد في زيارة الحسين وأبيه (عليهما السلام) مواجهة القبر وجعل القبلة بين كتفيه، وهناك أخبار مطلقة بالوقوف على قبريهما كإطلاقها على قبري الجوادين والعسكريين والرضا (عليهم السلام)، فلا تخصيص للمعصوم على غيره.

وما ورد في صفة زيارة المؤمنين من استقبال القبلة، ووضع اليد على القبر، والتوقيع المروي في الإقبال عن صاحب الزمان عجّل اللّه فرجه: " إذا أردتَ زيارة الشهداء فقف عند رجلي الحسين فاستقبل القبلة بوجهك، فإنّ هناك حومة الشهداء، وقم وأشر إلى علي بن الحسين وقل: السلام عليك يا أوّل قتيل من نسل خير سليل... إلى آخره "(2).

____________

(1) كامل الزيارات: 440.

(2) المزار للمشهدي: 486، إقبال الأعمال لابن طاووس 3: 73، وعنه البحار 45: 64.


الصفحة 299
أخصّ من المدّعى، على أنّ الاعتبار يشهد بأنّ السلام والثناء على المزور يستدعي مواجهته لا استدباره.

وكيف يكون الحال، فأبو الفضل ممتاز عن سائر المؤمنين بخواصّ لا يأتي البيان على حصرها، كيف وقد بلغ من الدرجات الرفيعة ما يغبطه عليها جميع الشهداء والصديقين، وقد أعلمنا الإمام الصادق بالزيارة التي علّمها أبا حمزة الثمالي بأنّ لأبي الفضل مكانة سامية ودرجات عالية لا ينالها إلا أُولوا العزم من الرسل.

فرجحان مواجهته عند السلام عليه متعيّن، كما هو الحال في أئمة الهدى، (عليهم السلام)وبذلك أفتى شيخنا الحجّة الشيخ عبد الحسين مبارك (قدس سره) في بشارة الزائرين ثُمّ قال:

" ولعمر أبيه الطاهر صلوات اللّه وسلامه عليهما أنّه بذلك لحقيق جدير، فإنّه ابن سيّد الوصيّين، والمواسي ريحانة خير الخلقّ أجمعين (صلى الله عليه وآله وسلم) ".

ومن هنا كان بعض العارفين من العلماء الأعلام يقدّم زيارة العبّاس على زيارة الحسين، لأنّه بابه في الحوائج، وهو في محلّه، وعليه العمل منذ عهد قديم، وفي هذا يقول الأديب السيّد مهدي الأعرجي (رحمه الله):


قصدتكَ قبل ابن النبىّ محمّد وأدمع عيني كالحيا في انسكابها
لأنّك في كلّ الحوائج بابه وهل يقصدون الدار من غير بابها


الصفحة 300

صلاة الزيارة


إنّ من الراجح المؤكّد صلاة ركعتين بعد الفراغ من زيارة أبي الفضل (عليه السلام)، ويشهد له ما في مزار البحار ص165 عن مزار المفيد وابن المشهدي من الرواية عن الأئمة (عليهم السلام) في كيفية زيارته وبعدها قال: " ثُمّ انحرف إلى عند الرأس فصلّ ركعتين، ثُمّ صلّ بعدهما ما بدا لك "(1).

وذكر السيّد ابن طاووس في مصباح الزائر الصلاة ركعتين بعد الفراغ من الزيارة.

كما أنّ الشيخ المفيد وابن المشهدي وابن طاووس ذكروا في مزاراتهم عند زيارة العبّاس يوم عيد الفطر والأضحى وليلة عرفة ويومها، الأمر بركعتي الزيارة بعد الفراغ منها(2).

وجاء في زيارة الأربعين: أن جابر الأنصاري زار العبّاس بن أمير المؤمنين ثُمّ صلّى ركعتين، ومن البعيد جداً أن يكون الحكم ممنوعاً منه عند الأئمة، ولا يعلمه مثل جابر المتخرّج من مدرستهم الكبرى، أو أنّه كان يغضّ الطرف عن هذا المنع، بل ظاهر الفعل أنّهما ركعتي الزيارة، وأنّه لِما علِمه من أئمته فسار على نهجهم.

____________

(1) المزار للشيخ المفيد: 123، المزار للمشهدي: 179، المزار للشهيد الأوّل: 280، بحار الأنوار 97: 428.

(2) المصادر السابقة.


الصفحة 301
وإنّ من المستبعد جداً أن يثبت هؤلاء الأعاظم، وهم عمد المذهب المنقّبون في الآثار، مثل هذه الوظائف من دون تخريج عن أئمتهم، بحيث يتورّطون في التشريع المحرّم والبدعة التي لا تقال عثرتها، (كلا وحاشا)، بل لم يودعوا في كتبهم ومزاراتهم إلا ما وقفوا عليه عن أئمتهم وإن لم نحط به خبراً ككثير ممّا وقفوا عليه.

وقد ذكر السيّد ابن طاووس في آخر مصباح الزائر أنّ ما وقع اختياره عليه في هذا الكتاب، قد وصل على الوجه الذي استحسنه واعتمد عليه من جهة الرواية.

وذكر ابن المشهدي في أوّل مزاره أنّ ما أودعه في الكتاب ما حصل لديه من الروايات الواردة عن أئمة الهدى(1).

إذن، فكيف يسعنا نسبة ما أودعوه في كتبهم إلى محض آرائهم من دون تخريج عن أهل البيت؟!

ولقد أفادنا بصيرة في تأكيد هذا شيخ المحقّقين الشيخ أسد اللّه الكاظمي (قدس سره) في كشف القناع ص230، وحاصل ما ذكره:

إنّ من الجائز أن يحصل لبعض حملة أسرار الأئمة العلم بقول الإمام الغائب عن الأبصار، إمّا بنقل أحد سفرائه سرّاً على وجه يفيد اليقين، وإمّا بتوقيعه ومكاتبته كذلك، وإمّا بالسماع منه (عليه السلام) مشافهة على وجه لا ينافي الرؤية في زمن الغيبة، فلا يسعه التصريح بما حصله من الحكم على هذه الوجوه، ولم يجد في الأدلة ما يدلّ عليه ولم يكن مخصوصاً بذلك الحكم، وممنوعاً عن إظهاره لسائر الناس، فلا مندوحة حينئذ من إظهار هذا الذي أطلع عليه بصورة

____________

(1) المزار للمشهدي: 27.


الصفحة 302
الاتفاق عليه والتسالم، وهذا هو الأصل في كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية، ولا مستند ظاهر من أخبارهم ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة وأسرارهم.

ومن ذلك ما رواه والد العلاّمة الحلّي والسيّد ابن طاووس عن السيّد الكبير العابد رضي الدّين محمّد بن محمّد الأزدي الحسيني المجاور بالمشهد الأقدّس الغروي، عن صاحب الزمان في طريق الاستخارة بالسبحة، وكما سمعه منه صلوات اللّه عليه ابن طاووس في السرداب، وكدعاء العلوي المصري المعروف الذي علّمه محمّد بن علي العلوي الحسني المصري في حائر الحسين وقد أتاه في خمس ليال حتّى تعلّمه(1).

وهذا هو الأصل في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الإمام لمّا وجده مخالفاً لمّا عليه الإمامية أو معظمهم ولم يتمكّن من إظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحقّ جعله قولا، ومن أقوالهم، واعتمد عليه، وأفتى به من دون تصريح بدليله.

فتحصّل من ذلك: أنّ العلماء لم يدّعوا في كتبهم حكماً من الأحكام من دون أن يعثروا عليه عن أئمتهم، وقد يكون بطريق المشافهة من إمام العصر أرواحنا له الفداء، فما ذكره المشايخ المتقدّمون في مزاراتهم من صلاة ركعتي الزيارة بعد الفراغ من زيارة أبي الفضل لا ينبغي الوقفة في رجحانه عند أهل البيت، إذ لعلّه وصل إليهم بالخصوص وإن جهلنا طريق الوصول إليهم.

____________

(1) بحار الأنوار 51: 307، معجم أحاديث المهدي: 487.


الصفحة 303
ولو تنازلنا عن ذلك لدلّنا حديث أبي حمزة الثمالي المروي في كامل الزيارة ص240 عن الإمام الصادق الواردة في زيارة الحسين المشتملة على المقدّمات والمقارنات الكثيرة وفيه قال الصادق (عليه السلام): " فإذا فرغت فصلّ ما أحببت، إلاّ أنّ ركعتي الزيارة لا بدّ منهما عند كُلّ قبر "(1) ; فإنّه أثبت بعمومه رجحان ركعتي الزيارة عند كُلّ مزور، وليس له مخصّص يدفع العموم.

وخلوّ بعض الروايات الواردة في زيارة غير المعصومين من التعرّض لركعتي الزيارة لا ينهض لمصادمة العموم، فالعامّ محكم في موارده حتّى يجيء المخصص المخرّج.

كما أنّ خلوّ رواية أبي حمزة الثمالي الواردة في زيارة العبّاس (عليه السلام) عن ذكر صلاة الزيارة لا يدل على عدم المشروعية.

والتنصيص في زيارة المعصومين لا يدلّ على عدم المشروعية في غيرهم.

فهذا العموم، وما ذكر في مزارات من تقدّم ذكرهم من النصّ عليها، كاف في المشروعية والرجحان.

فما حُكي عن بعض معاصري العلاّمة المجلسي من منع صلاة الزيارة لغير المعصومين(2)، مستدلاّ بخلو الأخبار الواردة في زياراتهم عنها، في غير محلّه ; لمّا عرفتَ من الدليل عليه.

مضافاً إلى ما حكاه المجلسي في مزار البحار ص180، عن مؤلّف المزار الكبير، عن صفوان الجمال، عن الصادق (عليه السلام)، من

____________

(1) كامل الزيارات: 417، بحار الأنوار 97: 133.

(2) بحار الأنوار 98: 378.


الصفحة 304
الأمر بصلاة ركعتي الزيارة بعد الفراغ من زيارة علي الأكبر(1)، ويتمّ في أبي الفضل بعدم القول بالفصل.

وفيه عن المزار الكبير(2)، ومزار الشهيد(3) بعد ذكر زيارة مسلم بن عقيل قال: " ثُمّ انحرف إلى عند الرأس فصلّ ركعتين، ثُم صلِّ بعدهما ما بدا لك "، وظاهره أن الركعتين للزيارة، ولكنّه نقل عن مزار السيّد ابن طاووس التصريح بذلك، فإنّه بعد الفراغ من الزيارة قال: " ثُمّ تقبّل الضريح وتصلّي صلاة الزيارة، وتهدي ثوابها له، ثمّ تودّعه وتنصرف "(4).

وفي مزار البحار عند ذكره زيارة هاني بن عروة قال: " ثُمّ صلّ صلاة الزيارة واهدها له، وادع لنفسك بما شئت، وودعه وانصرف "(5).

وعلى ما تقدّم من أنّ هؤلاء الأعلام لم يدعوا في مزاراتهم إلاّ ما رووه عن أئمتهم أو وجدوه مروياً واعتمدوا عليه.

ويتضح لنا رجحان ركعتّي الزيارة لمسلم وهانئ، على أنّ الإطلاق المذكور يشملهما.

فإذن في أبي الفضل (عليه السلام) بطريق أولى.

____________

(1) بحار الأنوار 98: 98.

(2) المزار للمشهدي: 179.

(3) المزار للشهيد الأوّل: 280.

(4) بحار الأنوار 97: 428.

(5) بحار الأنوار 97: 429.


الصفحة 305

تقبيل القبر


ممّا يدلّ على رجحان تقبيل قبر العبّاس بن أمير المؤمنين (عليه السلام)ما رواه في مزار البحار ص180، عن مؤلّف المزار الكبير، عن صفوان الجمال، عن الصادق... وساق الزيارة للحسين إلى أنّ قال:

" ثُمّ تأتي إلى قبر العبّاس بن علي وتقول: السلام عليك أيّها الولي ـ إلى أن قال ـ ثُمّ تنكب على القبر وتقبّله وتقول: بأبي وأُمّي يا ناصر دين اللّه، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين، السلام عليك يا ناصر الحسين الصدّيق، السلام عليك يا شهيد ابن الشهيد، السلام عليك منّي أبداً ما بقيت، وصلّى اللّه على محمّد وآل وسلم "(1).

وفيه كفاية لمن يتطلب النصّ على المشروعية والرجحان، ويضاف إليه ما ذكره المفيد وابن المشهدي وابن طاووس في مزاراتهم فإنّهم قالوا بعد الاستئذان: " ثُمّ ادخل وانكب على القبر وقل: السلام عليك أيّها العبد الصالح... إلى آخره ".

ولهذا وأمثاله كان شيخ المحقّقين ونخبة المرتاضين مجدّد المذهب في المائة الثانية عشر محمّد باقر البهبهاني إذا دخل إلى

____________

(1) المزار للمشهدي: 433، بحار الأنوار 98: 261.


الصفحة 306
حرم أبي الفضل (عليه السلام) يقبّل عتبة الباب كما يفعل في حرم سيّد الشهداء (عليه السلام)(1)، وفعل هذا المتبحّر حجّة، وعمله أكبر برهان لمن يتبع الحقّ: { أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ }(2).

____________

(1) أسرار الشهادة: 66.

(2) يونس: 35.