الصفحة 307

أولاده وأحفاده


كان للعباس من الأولاد خمسة: عبيد اللّه(1)، والفضل(2)، والحسن(3)، والقاسم(4)، وبنتان.

وعدّ ابن شهرآشوب من الشهداء في الطفّ ولد العبّاس محمّد(5).

فأمّا عبيد اللّه والفضل فأُمهما لبّابة بنت عبيد اللّه بن العبّاس ابن عبد المطلب، وأُمّها أُم حكيم جويرية بنت خالد بن قرظ الكنانية.

كانت من أجمل النساء وأوفرهنّ عقلا، ولمّا قتل بسر بن أرطأة ولديها عبد الرحمن وقثم، وكانا صبيين صغيرين، وهي تنظر إليهما، فقدت الصبر وأخذها الوجد، فكانت تدور في البيت ناشرة شعرها وتقول في رثائهما(6):


يا من أحسّ بابنيَّ اللذين هما كالدرّتين تشظّى عنهما الصدف

____________

(1) مستدركات علم الرجال للنمازي 6: 216.

(2) الجريدة في أنساب العلويين 4: 318.

(3) الجوهرة في نسب الإمام علي: 57.

(4) الجريدة في أنساب العلويين 4: 351.

(5) الجريدة في أنساب العلويين: 588.

(6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 13، تاريخ مدينة دمشق 10: 153، بلاغات النساء لابن طيفور: 202، الكامل في التاريخ 3: 384.


الصفحة 308

يا من أحسّ يا بنيّ اللذين هما سمعي وقلبي فمخي اليوم مختطف
نُبّئت بسراً وما صدّقت ما زعموا من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا
أنحي على ودجي ابنيّ مرهفة مشحوذة وكذاك الإفك يقترف
حتّى لقيت رجالا من اُرومته شمّ الاُنوف لهم في قولهم شرف
فالآن ألعن بسراً حقّ لعنته هذا لعمر أبي بسر هو السرف
مَن ذلّ والهة حرّى مولّهة على صبيّين ضلا إذ غدا السلف

فسمع قولها هذا رجل من أهل اليمن فرق لها واتصل ببسر حتّى وثق به، ثُمّ احتال لقتل ابني بسر، فخرج بهما إلى وادي أوطاس فقتلهما وهرب، وقال(1):


يا بسر بسر بني أرطأة ما طلعت شمس النهار ولا غابت على الناس
خير من الهاشميين الذين هم عين الهدى وسمام الأسوق القاسي
ماذا أردت إلى طفلي مولّهة تبكي وتنشد من اثكلت في الناس

____________

(1) الأغاني 15: 45.


الصفحة 309

أما قتلتهما ظلماً فقد شرقت من صاحبيك قناتي يوم أوطاس
فاشرب بكأسهما ثكلى كما شربت اُمّ الصبيّين أو ذاق ابن عباس

ولمّا بلغ قتلهما أمير المؤمنين (عليه السلام) دعا على بسر فقال: " اللّهم اسلبه دينه وعقله "(1)، فخرف بسر حتّى كان يلعب بخرئه ويقول لمن حضر: انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه هذا الخرء، فشدّوا يديه إلى ورائه ليُمنع من ذلك، فانجا يوماً في مكانه وأهوى بفمه ليتناول منه، فمنع منه، فقال: أنتم تمنعوني وعبد الرحمن وقثم يطعماني؟! وبقي على هذا حتّى مات في سنة 86 هجرية أيام الوليد بن عبد الملك(2).

خلف على لبابة بعد أبي الفضل (عليه السلام) زيد بن الحسن بن أمير المؤمنين، فأولدها نفيسة، تزوّجها الوليد بن عبد الملك بن مروان(3).

فولدت له ولداً، فكان زيد بن الحسن يفد إلى الوليد ويجلس معه على السرير ويكرمه، لمكان ابنته عنده، ووهب له ثلاثين ألف دينار دفعة واحدة(4).

وخلف عليها بعد زيد بن الحسن الوليد بن عبتة بن أبي سفيان فولدت له القاسم(5).

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2: 18، أنساب الأشرف: 460، الكامل في التاريخ 3: 385.

(2) مروج الذهب 2: 155.

(3) تذكرة الخواص 2: 71.

(4) سرّ السلسلة العلوية للبخاري: 29.

(5) المجدي في أنساب الطالبين: 231.


الصفحة 310
واتفق أرباب النسب على انحصار عقب العبّاس ابن أمير المؤمنين في ولده عبيد اللّه، وزاد الشيخ الفتوني العقب للحسن بن العبّاس، وكان عبيد اللّه من كبار العلماء موصوفاً بالجمال والكمال والمروءة مات سنة 155 هجرية(1).

تزوّج من ثلاث عقائل كرام: رقية بنت الحسن بن علي، وبنت معبد بن عبد اللّه بن عبد المطلب، وبنت المسوّر بن مخرمة الزبيري(2).

ولعبيد اللّه هذا منزلة كبيرة عند السّجاد كرامة لموقف أبيه (قمر بن هاشم)، وكان إذا رأى عبيد اللّه رقّ واستعبر باكياً، فإذا سُئل عنه قال: " إنّي اُذكر موقف أبيه يوم الطفّ فما أملك نفسي ".

وانحصر عقب عبيد اللّه في ولده الحسن، وكان لأُم ولد، عاش سبعاً وستّين سنة، أولد الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس خمسة:

1 ـ الفضل.

2 ـ حمزة.

3 ـ إبراهيم.

4 ـ العبّاس.

5 ـ عبيد اللّه.

وكُلّهم أجلاّء فضلاء أُدباء(3).

____________

(1) المجدي في أنساب الطالبين: 231.

(2) سرّ السلسلة العلوية: 90 وذكر أنهنّ أربعة بإضافة أم علي بن الحسين بن علي.

(3) المجدي في أنساب الطالبين: 231.


الصفحة 311
فأمّا الفضل فكان لسناً متكلّماً فصيحاً، شديد الدّين، عظيم الشجاعة، محتشماً عند الخلفاء(1)، ويقال له: (ابن الهاشمية). أعقب من ثلاثة: جعفر، والعبّاس الأكبر، ومحمّد، ولكُلّ منهم أولاد الأُدباء.

فمنهم أبو العبّاس الفضل بن محمّد بن الفضل بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس، كان خطيباً شاعراً، وقع عقبه إلى قم وطبرستان، وله أبيات في موقف جدّه العبّاس يوم الطف نذكرها في فضل المديح(2).

وأمّا حمزة فيشبه جدّه أمير المؤمنين، خرج توقيع المأمون بخطّه وفيه: يُعطي لحمزة بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس ابن أمير المؤمنين مائه ألف درهم، لشبهه بجدّه أمير المؤمنين.

تزوّج(3) زينب بنت الحسين بن علي بن عبد اللّه بن جعفر الطيار المعروف بـ (الزينبي)، نسبة إلى أُمه زينب بنت أمير المؤمنين، وكان حفيده محمّد بن علي بن حمزة متوجّاً شاعراً، نزل البصرة، وروى الحديث عن الرضا وغيره، مات سنة 286 هـ(4).

وسيأتي في ترجمة ابن أخيه الحمزة صاحب المشهد بقرب الحلّة: " إنّ أُمّ صاحب الزمان التجأت إلى بيته ".

وترجمه الخطيب في تاريخ بغداد ج2 ص63 وقال: " كان راوية للأخبار، وهو صدوق، وله الرواية عن جماعة كثير * (5).

____________

(1) سرّ السلسلة العلوية: 90، المجدي في أنساب الطالبيين: 232.

(2) المجدي في أنساب الطالبين.

(3) سرّ السلسلة العلوية: 91.

(4) عمدة الطالب: 358.

(5) تاريخ بغداد 3: 328.


الصفحة 312
وفي تهذيب التهذيب ج9 ص352 وصفه بالعلوي البغدادي، ونقل عن ابن أبي حاتم: أنّه صدوق ثقة(1).

وأمّا إبراهيم ويُعرف بـ (جردقة) كان من الفقهاء الأُدباء والزهاد، وابنه علي أحد الأجواد، له جاه وشرف، مات سنة 264 هـ، أولد تسعة عشر ولداً، ومن أحفاده: أبو الحسن علي بن يحيى بن علي بن إبراهيم جردقة، كان خليفة أبي عبد اللّه بن الداعي على النقابة ببغداد(2).

وعبد اللّه بن علي بن إبراهيم جردقة جاء إلى بغداد، ثُمّ سكن مصر، وكان يمتنع من التحدّث بها، ثُمّ حدّث، وعنده كتب تسمّى (الجعفرية)، فيها فقه على مذهب الشيعة، توفي في مصر في رجب سنّة ثلاثمائة واثني عشر(3).

وقال أبو نصر البخاري في سرّ السلسلة في العبّاس بن الحسن ابن عبيد اللّه بن العبّاس السقا: " ما رؤي هاشمي أعضب لساناً منه ولا أجرأ "(4).

قدم بغداد في أيام الرشيد، وأقام في صحبته، ثُمّ صحب المأمون بعده، وكان من رجال بني هاشم فصاحة وشعراً(5)، ولجلالته وفضله وبلاغته وفصاحته يكنّى عند الرشيد(6) ومن شعره في أخاء أبي طالب لعبد اللّه والد الرسول الأقدس (صلى الله عليه وآله وسلم):

____________

(1) تهذيب التهذيب 9: 314.

(2) عمدة الطالب: 324.

(3) تاريخ بغداد: 10: 345.

(4) سر السلسلة العلوية: 90، عمدة الطالب: 359.

(5) تاريخ الإسلام للذهبي 13: 246، الوافي بالوفيات 16: 370.

(6) عمدة الطالب: 359.


الصفحة 313

انا وإن رسول اللّه يجمعنا أب وأُمّ وجدّ غير موصوم
جاءت بنا ربة من غير اُسرته غراء من نسل عمران بن مخزوم
حزناً يهادون مَن يسعى ليدركها قرابة من حواها غير مسهوم
رزقاً من اللّه أعطانا فضيلته والناس من بين مرزوق ومحروم(1)

وفي المجدي ممّا رثى به أخاه محمداً:


وارى البقيع محمّد للّه ما وارى البقيع
من نائل وندى ومعـ ـروف إذا ظنّ المنوع
وحبّاً لأيتام وأرملة إذا جفّ الربيع
ولى فولى الجود والمعـ ـروف والحسب الرفيع(2)

وقال وله أيضاً:


وقالت قريش لنا مفخر رفيع على الناس لا ينكر

____________

(1) تاريخ بغداد 12: 126، أعيان الشيعة 7: 413.

(2) المجدي في أنساب الطالبين: 236.


الصفحة 314

بنا تفخرون على غيرنا فأما علينا فلا تفخروا(1)

أولد العبّاس عشرة ذكور منهم عبد اللّه، وأُمّه أفطسية، كان أديباً شاعراً، فمن شعره ما في المجدي:


إنّي لا ستحي أخي أن أبرّه قريباً وإن أجفوه وهو بعيد
عليّ لإخواني رقيب من الهوى تبيد الليالي وهو ليس يبيد(2)

وفي سرّ السلسلة: " قدم على المأمون، فتقدّم عنده، ولمّا سمع بموته قال: استوى الناس بعدك يابن عباس، ومشى في جنازته، وكان يسميه الشيخ ابن الشيخ "(3).

وفي العمدة: " كان من أحفاد العبّاس السقا أبو الطيّب محمّد ابن حمزة بن عبد اللّه بن العبّاس بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس السقا، من أكمل الناس مروءة وسماحة، وصلة رحم، وكثرة معروف، مع فضل كثير، وجاه واسع، اتخذ بمدينة الأردن ـ وهي طبرية ـ ضياعاً وأموالا، فحسده طغج بن جف الفرغاني، فدسّ إليه جنداً قتلوه في بستان له بطبرية في صفر سنة 291 هـ، ورثته الشعراء، فمن ذلك ما في المجدي:


أيّ رزء جنى على الإسلام أي خطب من الخطوب الجسام(4)

____________

(1) المجدي في أنساب الطالبين: 236.

(2) المجدي في أنساب الطالبين: 237، عمدة الطالب لابن عنبة: 359.

(3) عمدة الطالب: 359.

(4) المجدي في أنساب الطالبين: 237.


الصفحة 315
ويقال لعقبه: بنو الشهيد.

وترجمه المرزباني في معجم الشعراء ص435 وقال: " شاعر الافتخار بآبائه، وكان في أيام المتوكّل وبعده، وهو القائل:


وإنّي كريم من أكارم سادة أكفّهم تندى بجزل المواهب
هم خير من يخفى وأفضل ناعل وذروة هضب العرب من آل غالب
هم المَنّ والسلوى لدان بوده وكالسمّ في حلق العدوّ المجانب(1)

وترجم له شيخنا الجليل العلاّمة ميرزا عبد الحسين الأميني في شعراء الغدير ج3 ص3 طبع النجف.

وأمّا عبيد اللّه بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس السقا (عليه السلام)، ففيه يقول محمّد بن يوسف الجعفري: " ما رأيت أحداً أهيب، ولا أهيأ، ولا أمرأ من عبيد اللّه بن الحسن، تولّى إمارة الحرمين مكة والمدينة والقضاء بهما أيّام المأمون سنة 204 هجرية "(2).

وفي سنة 204 هـ، وسنة 206 هـ ولاّه إمارة الحاج(3)، مات ببغداد في زمن المأمون، وكانت أُمّه وأُم أخيه العبّاس أم ولد(4) وقع عقب علي بن عبيد اللّه قاضي الحرمين إلى دمياط، ويقال: لهم بنو هارون، وإلى فسا ويقال: لهم بنو الهدهد، وإلى اليمن.

وأمّا الحسن بن عبيد اللّه الأمير القاضي فأولد عبد اللّه، كان له

____________

(1) الوافي بالوفيات 2: 220 ; الغدير 3: 2.

(2) تاريخ بغداد 10: 313.

(3) تاريخ الطبري 7: 156.

(4) تاريخ بغداد 10: 313.


الصفحة 316
إحدى عشر ذكراً، لهم أعقاب، منهم: القاسم بن عبد اللّه بن الحسن بن عبيد اللّه قاضي الحرمين بن الحسن بن عبيد اللّه بن العبّاس الشهيد السقا، له خطر بالمدينة، وأحد أصحاب الرأي، لسناً، متكلّماً، سعى بالصلح بين بني علي وجعفر، وهو صاحب أبي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام)(1).

فأحفاد العبّاس كُلّهم أجلاّء، لهم المكانة العالية بين الناس ; لأنّهم بين فقهاء ومحدّثين ونسّابين وأُمراء وأُدباء، ولا بدع بعد أن عرق فيهم (أبو الفضل)، فحووا عنه المزايا الحميدة والصفات الجميلة، فكانت ملامح الشرف والسؤدد تلوح على أسارير جبهاتهم، وملء أهابهم علم وعمل وحشو الردى هيبة ومنعة.

ومنهم السيّد الجليل صاحب الحرم المنيع والقبة السامية (الحمزة)، المدفون بالمدحتية قرب الحلّة.

____________

(1) عمدة الطالب: 349.