مقدمة 

 

‹ صفحة 3 ›

 

 لنعمل معا تمهيدا لعصر الظهور الهدف من إحياء التراث الإسلامي، وإشاعة العقيدة الحقة لمذهب أهل البيت (عليهم السلام ) في أوساط شبابنا الحائر بين تيارات الثقافات الغربية، الغريبة المشبعة بسموم أفكار الصهيونية والصليبية والماركسية، بتخطيط من الماسونية العالمية.

وكذلك غزو الآراء الشاذة الضالة، من بعض المذاهب التي تدعي الإسلام زورا وبهتانا، بدفع من الاستعمار والماسونية العالمية، بهدف التخريب والتفرقة وقطع الجسور الممتدة بين المسلمين كافة، وتكفير مذهب شيعة أهل البيت (عليهم السلام ) خاصة.. والغرض من تسليح شبابنا الناهض للوقوف بوجه تلكم

 

‹ صفحة 4 ›

 

 التيارات المنحرفة الضالة، ليدافع عن مبادئه وعقيدته كما دافع عنها سلفنا الصالح وتحمل العنت والعذاب في سبيل ذلك، لا سيما شبابنا الذين قهرتهم الظروف العصبية والالتجاء إلى أحضان دول الكفر، لسد حاجاتهم البايولوجية، كالمستجير من الرمضاء بالنار.. وحتى لا تكون هجرتهم هجرة تعرب (1)، بل تكون هجرتهم إلى الله بقصد التبليغ والدعوة إلى دين الإسلام، ومذهب أهل البيت (عليهم السلام).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التعرب: أي الهجرة من دار الإسلام إلى دار الكفر أينما صارت.

 

 

 

 

حسين الشاكري

الفاتح من شهر الصيام 1418

 

‹ صفحة 7 ›

 

موقف الإمام من تولي الحكم

 

بعد مقتل عثمان، توجهت أنظار الثوار إلى الإمام علي يطلبون منه أن يلي الحكم، ولكنه أبى عليهم ذلك، لا لأنه لم يأنس من نفسه القوة على ولاية الحكم وتحمل تبعاته، خصوصا بعد أن رأى المجتمع الإسلامي يتردى في هوة عميقة من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، بسبب سياسة ولاة عثمان خلال مدة خلافته، ورأى أن التوجيهات الإسلامية ومفاهيمها العظيمة التي عمل لها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) طيلة حياته فقدت الكثير من فاعليتها في توجيه الناس، وأخذت تتضاءل بعد وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم ).

 وإنما صار الناس إلى واقعهم هذا لأنهم فقدوا الثقة بالقوة الحاكمة التي تهيمن عليهم، فراحوا يسعون إلى إقرار حقوقهم

 

‹ صفحة 8 ›

 

وصيانتها بأنفسهم، وهكذا انقطعت الصلة بينهم وبين الرموز المعنوية التي يجب أن تقود حياتهم، والسبيل إلى تلافي هذا الفساد هو إشعار الناس أن حكما صحيحا يهيمن عليهم، لتعود إلى الناس ثقتهم الزائلة بحكامهم، ولكن هذا لم يكن سهلا قريب المنال، فثمة طبقات مستغلة منتفعة ناشئة لا تسيغ مثل هذا، ولذلك فهي حرية بأن تقف في وجه كل منهج إصلاحي ومحاولة تطهيره.

 إذن فقد كان الإمام (عليه السلام ) يدرك نتيجة لوعيه العميق للظروف الاجتماعية والنفسية التي كانت تجتاح المجتمع الإسلامي في ذلك الحين، ولأن المد الثوري الذي انتهى بالأمور إلى ما انتهت إليه بالنسبة إلى عثمان يقتضي عملا ثوريا يتناول دعائم المجتمع الإسلامي من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 ومن هنا كان رفض الإمام (عليه السلام ) وامتناعه عن الاستجابة الفورية لضغط الجماهير والصحابة عليه بقبوله الخلافة، فقد أراد أن يضعهم أمام اختبار يكتشف به مدى استعدادهم لتحمل أسلوب الثورة في العمل، لئلا يروا فيما بعد أنه استغفلهم واستغل اندفاعهم الثوري حين يكتشفون صعوبة الشروط التي يجب أن

 

‹ صفحة 9 ›

 

يناضلوا لاستئصال الفساد الذي ثاروا عليه في ظلها (1 ).

 ولهذا أجابهم الإمام (عليه السلام ) بقوله: " دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزير خير لكم مني أمير " (2 ).

 ولكن الناس أصروا عليه أن يلي الحكم، فاستجاب لهم.

 وتسلم الإمام الحكم في مجتمع ورث الفساد بكل أبعاده، وكانت تنتظره مشاكل معقدة كثيرة على مختلف الأصعدة، فعالجهم الإمام (عليه السلام ) بسياسته الثورية الجديدة التي قرر أن يتبعها من أجل تحقيق الأهداف التي قبل الحكم لأجلها.

 وقد تناولت سياسته (عليه السلام ) الثورية ثلاثة ميادين هي:

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) راجع للتوسع ثورة الحسين / محمد مهدي شمس الدين: 35 - 38.

( 2 ) نهج البلاغة 1: 217.

 

 

 

 

‹ صفحة 10 ›

 

 1 - الميدان الحقوقي.

 2 - الميدان المالي.

 3 - الميدان الإداري.

 وكانت أول مهامه (عليه السلام ) إزالة صور الانحراف المختلفة التي طرأت على الحياة الإسلامية، وأن يعود بالأمة إلى أصالة المنهج الإلهي، غير أن أطماع الطامعين، وحسد الحاسدين، وضغن الحاقدين حال دون ذلك، وخلقت للإمام (عليه السلام ) المشاكل والحروب الثلاثة، الناكثين، القاسطين، والمارقين، كما أخبره بذلك الرسول الأمين، وإليك عزيزي القارئ وصف ذلك موجزا، فإنا لله وإنا إليه راجعون:

 

 

 

‹ صفحة 11 ›

 

بيعة الإمام أمير المؤمنين وما جرى بعدها

 

الحمد لله، والصلاة على رسوله الأكرم وآله الأطهار.

 أشرح لكم بعض الوقائع التي حدثت لأمير المؤمنين (عليه السلام ) في الفترة التي تلت قتل الخليفة الثالث، واستلامه (عليه السلام ) مقاليد الخلافة الظاهرية إلى نكث الناكثين وتمردهم وإشعال فتنة الحرب المعروفة بمعركة الجمل.

 نقم الناس على عثمان أشياء كثيرة أحدثها وابتدعها في مدة خلافته البالغة إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا، فضاقوا بها ذرعا، وثاروا عليه بعد أحداث ومجادلات كثيرة يطول شرحها أدت إلى مقتله، ولعل من أهم تلك الأسباب سوء تصرفه في إدارة أمور البلاد الإسلامية، وتوليته أعداء الإسلام من المنبوذين والمنفيين من أبناء عشيرته وتسليطهم على دماء

 

 

 

‹ صفحة 12 ›

 

 المسلمين وأعراضهم وأموالهم بصورة مستهترة مفجعة كما وصف الحال أمير المؤمنين (عليه السلام ) في خطبته المعروفة ب‍ " الشقشقية "، أنقل محل الحاجة منها حيث قال (عليه السلام ): " "... إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه (1 )، بين نثيله ومعتلفه (2 )، وقام معه بنو أبيه يخضمون (3 ) مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع إلى أن انتكث عليه قتله، وأجهز عليه عمله، وكبت (4 ) به بطنته (5 ) ! فما راعني إلا والناس كعرف الضبع (6 ) إلي، ينثالون (7 ) علي من كل جانب، حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي (8 ) مجتمعين حولي كربيضة

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) أي رافعا لهما، وتقال للمتكبر.

( 2 ) النثيل: الروث وقذر الدواب.

المعتلف: موضع العلف.

( 3 ) الخضم: أكل الشئ الرطب.

( 4 ) من كبا به الجواد إذا سقط لوجهه.

( 5 ) البطنة: البطر والأشر والتخمة.

( 6 ) هو ما كثر على عنقها من الشعر، وأراد (ع ) الكثرة والازدحام.

( 7 ) أي يتتابعون.

( 8 ) أي شق جانباه من الاصطكاك.

 

 

 

‹ صفحة 13 ›

 

 الغنم (1 )، فلما نهضت بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون (2 ): كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين ) (3 ).

 بلى ! والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم، وراقهم زبرجها ! أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر (4 )، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا (5 ) على كظة (6 ) ظالم، ولا سغب (7 ) مظلوم،

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) هي الطائفة الرابضة من الغنم.

( 2 ) الناكثة أصحاب الجمل، والمارقة أصحاب النهروان، والقاسطون - أي الجائرون - أصحاب صفين.

( 3 ) القصص / 83.

( 4 ) قيل: أراد بالحاضر هنا من حضر لبيعته.

( 5 ) أي يوافقوا مقرين.

( 6 ) هي ما يعتري الآكل من الثقل، والكرب عند امتلاء البطن بالطعام، وأراد استئثار الظالم بالحقوق.

( 7 ) أي شدة الجوع، والمراد: غصب حقوقه.

 

 

 

 

‹ صفحة 14 ›

 

 لألقيت حبلها على غاربها (1 )، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز!

 

 

المبايعة بالخلافة

 

نعم، لقد انهال الناس عليه من كل جانب، وهم ينادون: ما نختار غيرك.

 وترددوا إليه مرارا، وقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك.

 فقال (عليه السلام ): " إذا كان لا بد من ذلك ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفية، ولا تكون إلا في المسجد ".

 فخرج من بيته إلى المسجد، عليه قميص وعمامة خز، ونعلاه في يده، متوكئا على قوسه، فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ثم قال: " اعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل، وعتب العاتب. .. " (2 ).

 وسارعت الأمة مذعنة لشروطه، ومدت إليه يد البيعة على

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الغارب: الكاهل.

( 2 ) نهج البلاغة: نص رقم 92.

 

 

 

‹ صفحة 15 ›

 

 الطاعة، ولبى هو مطلبها ليواجه مسؤولياته القيادية في الأمة الإسلامية على الصعيد الفكري والعملي.

 وقد كانت أول مهامه (عليه السلام ) أن يزيل صور الانحراف المختلفة التي طرأت على الحياة الإسلامية، وأن يعود بالأمة ا لي أصالة المنهج الإلهي.

 وأول يد بايعه من الناس طلحة ثم الزبير وذلك طمعا منهما أن ينالا الحضوة لديه (عليه السلام ) ويحصلا على المناصب العليا، ويكسبا الأموال الطائلة، كما حصلا على ذلك من عثمان أبان حكمه.

 ثم بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين، حتى أن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام ) تشائموا من تلك الصفقة التي هي أول يد امتدت لتبايعه، لأنها كانت يد مشلولة عضباء، هي يد طلحة المشؤومة.

 ولما أراد طلحة والزبير أن يبايعا قال لهما أمير المؤمنين (عليه السلام ): " إن أحببتما أن تبايعاني، وإن أحببتما بايعتكما ؟ " فقال: بل نبايعك.

 وجاؤوا بسعد بن أبي وقاص، فقال له علي (عليه السلام ): " بايع ".

 قال: لا، حتى يبايع الناس، والله ما عليك مني بأس.

 فقال

 

 

 

‹ صفحة 16 ›

 

 الإمام: " خلوا سبيله ".

 وجاؤوا بعبد الله بن عمر فقالوا: بايع.

 فقال: لا، حتى يبايع الناس، فقال (عليه السلام ): " ائتني بكفيل ".

 قال: لا أرى كفيلا.

 فقال الأشتر: دعني أضرب عنقه.

 فقال الإمام: " دعوه، أنا كفيله ".

 وكان الازدحام على الإمام بصورة مدهشة، وكاد الناس أن يركب بعضهم البعض من شدة الزحام، فبويع له بالخلافة يوم الجمعة لثمانية عشر من ذي الحجة سنة 35 من الهجرة في بعض الروايات.

 ومن ذلك اليوم نهض علي (عليه السلام ) بأعباء الخلافة.

 

 

تقسيم بيت مال المسلمين بالسوية

 

وأول خطوة تقدم بها الإمام (عليه السلام ) إلى العدالة هو تقسيم بيت المال بين المسلمين بالسوية، وذلك في اليوم الثاني من بيعته، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وكان مما قال:

" أما بعد، لما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) استخلف الناس أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمر، فعمل بطريقته، ثم جعلها شورى بين ستة، فأفضى الأمر إلى عثمان، فعمل ما أنكرتم وعرفتم، ثم حصر، ثم قتل، ثم جئتموني فطلبتم إلي، وإنما أنا

 

 

‹ صفحة 17 ›

 

 رجل منكم، لي ما لكم، وعلي ما عليكم. .. " إلى آخر خطبته المعروفة. ثم التفت يمينا وشمالا فقال: " ألا لا يقولن رجل منكم قد غمرتهم الدنيا فاتخذوا العقار، وفجروا الأنهار، وركبوا الخيول الفارهة، واتخذوا الوصائف الروقة، فصار ذلك عليهم عارا وشنارا إذ منعتهم ما كانوا يخوضون فيه، وأصرتهم إلى حقوقهم التي يعملون، فينقمون ذلك ويستنكرون، يقولون: حرمنا ابن أبي طالب حقوقنا. وأيما رجل استجاب لله ورسوله، فصدق ملتنا، ودخل في ديننا، واستقبل قبلتنا، فقد استوجب حقوق الإسلام وحدوده، فأنتم عباد الله والمال مال الله، يقسم بينكم بالسوية، لا فضل لأحد على أحد وللمتقين غدا أحسن الجزاء وأفضل الثواب. وإذا كان غدا - إن شاء الله - فاغدوا علينا، فإن عندنا مالا نقسمه فيكم، ولا يتخلفن أحد منكم، عربي ولا عجمي، كان من أهل العطاء أو لم يكن، إذا كان مسلما حرا إلا حضر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ".

 

 

 

‹ صفحة 18 ›

 

 وعن عمار وابن عباس قالا: إنه (عليه السلام ) لما صعد المنبر قال لنا: " قوموا فتخللوا الصفوف، ونادوا: هل من كاره ؟ ". فتصارخ الناس من كل جانب: اللهم قد رضينا وسلمنا وأطعنا رسولك وابن عمه. فقال (عليه السلام ): قم يا عمار إلى بيت المال فاعط الناس، ثلاثة دنانير لكل إنسان، وادفع لي ثلاث دنانير، فمضى عمار وأبو الهيثم وجماعة من المسلمين إلى بيت المال. ومضى أمير المؤمنين إلى مسجد قباء يصلي فيه، فوجدوا ثلاثمائة ألف دينار، ووجدوا الناس مائة ألف، فقال عمار: جاء والله الحق من ربكم، والله ما علم بالمال ولا بالناس، وإن هذه الآية وجبت عليكم بها طاعة الرجل. فأخذ الناس ذلك القسم: حتى بلغوا طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وبني أمية فأمسكوا أيديهم وامتنعوا عن القبول، وقالوا: هذا منكم، أو من صاحبكم ؟ فقالوا: هذا أمره، لا يعمل إلا بأمره. قالوا: استأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه إذن. وبعد الأخذ والرد فقال (عليه السلام ): " وهذا كتاب الله فانظروا ما

 

 

 

‹ صفحة 19 ›

 

 لكم من حق فخذوه ". قالوا: فسابقتنا، قال: " أنتما أسبق مني ؟ ". قالوا: لا، فجهادنا، قال: " أعظم من جهادي ؟ ". قالوا: لا، قال: " فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري إلا منزلة سواء ". وأول شئ كرهه بعض الناس من علي أمير المؤمنين بعد خلافته تقسيمه العطاء بالسوية، فقد قال سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين ! هذا غلامي بالأمس، وقد أعتقته اليوم ! فقال (عليه السلام ): " نعطيه كما نعطيك " ! ! وأمر الإمام أن يبدأوا في العطاء بالمهاجرين، ثم يثنون بالأنصار، ثم من حضر من الناس كلهم، الأحمر والأسود. تخلف عن هذه القسمة يومئذ طلحة والزبير وعبد الله بن عمر وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم ورجال من قريش، ومن هنا بدأت التفرقة، ونشب الخلاف، وتولدت الفتنة. وأقبل هؤلاء وجلسوا في ناحية من المسجد، ولم يجلسوا عند الإمام (عليه السلام )، ثم قام الوليد بن عقبة فجاء إلى الإمام، فقال: يا أبا الحسن، إنك قد وترتنا جميعا، أما أنا فقتلت أبي يوم بدر

 

 

 

‹ صفحة 20 ›

 

 صبرا، وخذلت أخي يوم الدار بالأمس. وأما سعيد فقتلت أباه يوم بدر في الحرب، وكان ثور قريش. وأما مروان فسخفت أباه عند عثمان إذ ضمه إليه، ونحن إخوانك ونظراؤك من بني عبد مناف، ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال في يوم عثمان، وأن تقتل قتلة عثمان، وإنا إن خفناك تركناك والتحقنا بالشام. فقال (عليه السلام ): " أما ما ذكرتم من وتري إياكم فالحق وتركم، وأما وضعي عنكم ما أصبتم، فليس لي أن أضع حق الله عنكم ولا عن غيركم، وأما قتلة عثمان فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم أمس، ولكن لكم علي إن خفتموني أن أؤمنكم، وإن خفتكم أن أسيركم ". فقام الوليد إلى أصحابه فحدثهم، فافترقوا على إظهار العداوة وإشاعة الخلاف، فلما انتهى عمار وعبد الله بن رافع وغيرهما من تقسيم المال بين الناس بالسوية أخذ علي (عليه السلام ) مكتله ومسماته، ثم انطلق إلى بئر الملك فعمل فيها، فأخذ الناس ذلك القسم، حتى بلغوا الزبير وطلحة وعبد الله بن عمر فأمسكوا أيديهم، وامتنعوا عن القبول وقالوا: هذا منكم، أو من

 

 

 

‹ صفحة 21 ›

 

 صاحبكم ؟ فقالوا: هذا أمره، لا نعمل إلا بأمره. قالوا: استأذنوا لنا عليه. قالوا: ما عليه آذن، هو في بئر الملك يعمل. ركبوا دوابهم حتى جاؤوا إليه، فوجدوه في الشمس ومعه أجير له، فقالوا: إن الشمس حارة، فارتفع معنا إلى الظل. فارتفع معهم إلى الظل، فقالوا له: لنا قرابة من نبي الله، وسابقة جهاد، وإنك أعطيتنا بالسوية، ولم يكن عمر ولا عثمان يعطوننا بالسوية، كانوا يفضلوننا على غيرنا. فقال (عليه السلام ): " فهذا قسم أبي بكر، وإلا تدعوا أبا بكر وغيره، وهذا كتاب الله فانظروا ما لكم من حق فخذوه ". قالوا: فسابقتنا. قال: " أنتما أسبق مني ؟ ". قالوا: لا، فقرابتنا من النبي. قال: أقرب من قرابتي ؟ قالوا: لا، فجهادنا. قال: أعظم من جهادي ؟ قالوا: لا.

 

 

 

‹ صفحة 22 ›

 

 قال: " فوالله ما أنا في هذا المال وأجيري إلا منزلة سواء ".

 

 

احتجاج طلحة والزبير

 

وفي اليوم الثاني جاء طلحة والزبير، وجلسا في ناحية المسجد، وجاء مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، و عبد الله بن الزبير، وجلسوا عندهما، وكان هؤلاء قد امتنعوا عن أخذ قسمتهم من بيت المال وجعلوا يطعنون في علي أمير المؤمنين (عليه السلام )، والتفت عمار بن ياسر إلى أصحابه وهم جلوس عنده في ناحية أخرى من المسجد، فقال: هلموا إلى هؤلاء النفر من إخوانكم، فإنه قد بلغنا عنهم، ورأينا ما نكره من الخلاف والطعن لإمامهم، وقد دخل أهل الجفاء بينهم وبين الزبير والأعسر العاق. يعني طلحة. فقام عمار ومن معه حتى جلسوا عندهم فتكلم أبو الهيثم وقال: إن لكم قدما في الإسلام، وسابقة، وقرابة من أمير المؤمنين، وقد بلغنا عنكم طعن وسخط لأمير المؤمنين، فإن يكن أمر لكما خاصة، فعاتبا ابن عمتكما وإمامكما، وإن تكن النصيحة للمسلمين، فلا تؤخراه عنه، ونحن عون لكما، فقد

 

 

 

‹ صفحة 23 ›

 

 علمنا أن بني أمية لن تنصحكما أبدا، وقد عرفتما عداوتهم لكما، وقد شركتما في دم عثمان، وملأتما. فسكت الزبير، وصاح طلحة - بصوت عال -: افزعوا جميعا مما تقولون، فإني قد عرفت أن في كل واحد منكم خطبه. فتدخل عمار وأبدى النصيحة، وتقدم ابن الزبير وتكلم بكلام خشن، فأمر عمار بإخراج ابن الزبير من المسجد، فقام الزبير منزعجا من هذا العمل، وخرج من المسجد. فقال عمار: ولو لم يبق أحد إلا خالف علي بن أبي طالب لما خالفته، ولا زالت يدي مع يده، وذلك أن عليا لم يزل مع الحق منذ بعث الله نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم )، فإني أشهد أن لا ينبغي لأحد أن يفضل عليه أحدا. فقام عمار وجماعته وجاؤوا إلى أمير المؤمنين، وأخبروه بانشقاق القوم وأنهم كرهوا الأسوة والقسمة بالسوية، إلى آخر كلامهم. فخرج الإمام من داره ودخل المسجد وصعد المنبر وقال بعد الحمد والثناء على الله: " يا معشر المهاجرين والأنصار ! أتمنون على الله ورسوله بإسلامكم ؟ بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان

 

 

 

‹ صفحة 24 ›

 

 إن كنتم صادقين، أنا أبو الحسن - وكان يقولها إذا غضب - ألا إن هذه الدنيا التي تتمنونها، وترغبون فيها، وأصبحت تغضبكم وترضيكم ليست بداركم ولا منزلكم الذي خلقتم له، فلا تغرنكم. وأما هذا الفئ (المال ) فليس لأحد أثرة، فقد فرغ الله من قسمته، وهو مال الله، وأنتم عباد الله المسلمون، وهذا كتاب الله، به أقررنا وله أسلمنا، وعهد نبينا بين أظهرنا، فمن لم يرض فليتول كيف شاء، فإن العامل بطاعة الله الحاكم بحكم الله لا وحشة عليه ". ثم نزل الإمام عن المنبر وصلى ركعتين، ثم بعث بعمار بن ياسر إلى طلحة والزبير وهما في ناحية المسجد، فدعاهما، فجاء طلحة والزبير وجلسا عند أمير المؤمنين (عليه السلام ) فقال الإمام: " نشدتكما الله، هل جئتماني طائعين للبيعة ودعوتماني إليها وأنا كاره لها ؟ ". فقال الرجلان: نعم. فقال الإمام: " غير مجبورين ولا معسورين، فأسلمتما لي بيعتكما، وأعطيتماني عهدكما ؟ ". فقال الرجلان: نعم.

 

 

 

‹ صفحة 25 ›

 

 فقال الإمام: " فما دعاكما إلى ما أرى ؟ " فقال الرجلان: أعطيناك بيعتنا على أن لا تقضي في الأمور، ولا تقطعها دوننا، وأن تستشيرنا في كل أمر، ولا تستبد بذلك علينا، ولنا من الفضل على غيرنا ما قد علمت، فأنت تقسم القسم وتقطع الأمور وتقضي الحكم بغير مشاورتنا ولا علمنا. فقال الإمام - غاضبا -: " لقد نقمتما يسيرا، وأرجأتما كثيرا، فاستغفرا الله يغفر لكما، ألا تخبراني، أدفعتكما عن حق واجب لكما فظلمتكما إياه ؟ ". فقال الرجلان: معاذ الله. فقال الإمام: " فهل استأثرت من هذا المال بشئ ؟ ". فقال الرجلان: معاذ الله. فقال الإمام: " أفوقع حكم أو حد من المسلمين فجهلته أو ضعفت فيه ؟ ". فقال الرجلان: معاذ الله. فقال الإمام: " فما الذي كرهتما من أمري حتى رأيتما خلافي ؟ ". فقال الرجلان: خلافك عمر بن الخطاب في القسم، إنك جعلت حقنا في القسم كحق غيرنا، وسويت بيننا وبين من

 

 

 

‹ صفحة 26 ›

 لا يماثلنا فيما أفاء الله تعالى بأسيافنا ورماحنا، وأوجفنا عليه بخيلنا ورجلنا، وظهرت عليه دعوتنا، وأخذنا قسرا وقهرا ممن لا يرى الإسلام إلا كرها. فقال الإمام (عليه السلام ): " أما ما ذكرتماه من الاستشارة بكما، فوالله ما كانت لي في الولاية رغبة، ولكنكم دعوتموني إليها وجعلتموني عليها، فخفت أن أردكم فتختلف الأمة، فلما أفضت إلي نظرت في كتاب الله وسنة رسوله فأمضيت ما دلاني عليه واتبعته، ولم أحتج إلى رأيكما فيه ولا رأي غيركما، ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه ولا في السنة برهانه واحتيج إلى المشاورة لشاورتكما فيه. وأما القسم والأسوة: فإن ذلك أمر لم أحكم فيه بادئ بدء، وقد وجدت أنا وأنتما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يحكم بذلك، وكتاب الله ناطق به، وهو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وأما قولكما: " جعلت فيئنا وأسيافنا ورماحنا سواء بيننا وبين غيرنا " فقديما سبق إلى الإسلام قوم، ونصره بسيوفهم ورماحهم، فلا فضلهم رسول الله بالقسم، ولا أثر بالسبق، والله

 

 

‹ صفحة 27 ›

 

 سبحانه موف السابق والمجاهد يوم القيامة بأعمالهم، وليس لكما، والله، عندي ولا لغيركما إلا هذا. أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم إلى الحق وألهمنا وإياكم الصبر، رحم الله امرئ رأى حقا فأعان عليه، ورأى جورا فرده، وكان عونا للحق على من خالفه ". قام طلحة والزبير وانصرفا من عند أمير المؤمنين (عليه السلام ) وهما مغضبان ساخطان، وقد عرفا ما كان غلب في ظنهما من رأيه، وبعد يومين جاءا واستأذنا عليه فأذن لهما. فقالا: يا أمير المؤمنين ! قد عرفت حال هذه الأزمنة وما نحن فيه من الشدة، وقد جئناك لتدفع إلينا شيئا، نصلح به أحوالنا، ونقضي به حقوقا علينا. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام ): " قد عرفتما مالي ب‍ " ينبع " فإن شئتما كتبت لكما منه ما تيسر ". فقالا: لا حاجة لنا في مالك ب‍ " ينبع ". فقال أمير المؤمنين: " ما أصنع ؟ ". فقالا: أعطنا من بيت المال شيئا لنا فيه كفاية. فقال أمير المؤمنين: " سبحان الله، وأي يد لي في بيت مال

 

 

 

‹ صفحة 28 ›

 

 المسلمين وأنا خازنهم وأمين لهم ؟ ! فإن شئتما رقيتما المنبر وسألتما ذلك من الناس ما شئتما، فإن أذنوا فيه فعلت، وأنى لي بذلك وهو لكافة المسلمين شاهدهم وغائبهم ؟ ! ولكني أبدي لكما عذرا ". فقالا: ما كنا بالذي نكلف ذلك، ولو كلفناك لما أجابك المسلمون. فقال أمير المؤمنين: " فما أصنع ؟ ". فقالا: سمعنا ما عندك.

 

 

خروج طلحة والزبير ضد الإمام

 

ثم خرجا من دار أمير المؤمنين، وقد يئسا من بيت المال، فجعلا يفكران في كيفية الخروج إلى مكة والالتحاق بعائشة، إلى أن صار رأيهما على هذا، وجاءا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام ) وقت خلوته وقالا: قد جئناك نستأذنك للخروج في العمرة، لأنا بعيدا العهد بها، فأذن لنا فيها. فنظر الإمام في وجهيهما، وقرأ الغدر من فلتات لسانهما ودوران عيونهما، وقد احمر وجهه وبان الغضب فيه فقال:

 

 

 

‹ صفحة 29 ›

 

 " والله ما تريدان العمرة، ولكنكما تريدان الغدرة، وإنما تريدان البصرة ". فقال الرجلان: اللهم غفرا، ما نريد إلا العمرة. فقال الإمام: " احلفا لي بالله العظيم أنكما لا تفسدان علي أمر المسلمين، ولا تنكثان لي بيعة ولا تسعيان في فتنة ". فحلفا بالأيمان المؤكدة فيما استحلفهما عليه من ذلك. فخرج الرجلان من عنده، فلقيهما ابن عباس سائلا: أذن لكما الإمام ؟ فقالا: نعم. ودخل ابن عباس على الإمام فابتدأه الإمام (عليه السلام ) قائلا: " يا بن عباس، أعندك الخبر ؟ إنهما استأذنا في العمرة، فأذنت لهما بعد أو أوثقت منهما بالأيمان أن لا يغدرا، ولا ينكثا لي بيعة، ولا يحدثا فسادا، ولا يسعيان في فتنة، فحلفا بالأيمان ". وبعد هنيئة قال: " والله يا بن عباس، إني لأعلم أنهما ما قصدا إلا الفتنة، فكأني بهما وقد صارا إلى مكة ليسعيا إلى حربي، وإن يعلى بن منية الخائن الفاجر قد حمل أموال العراق وفارس لينفقها في ذلك، وسيفسد هذان الرجلان علي أمري، ويسفكا دماء شيعتي وأنصاري ".

 

 

 

‹ صفحة 30 ›

 

فقال ابن عباس: إذا كان عندك يا أمير المؤمنين معلوما، فلم أذنت لهما ؟ هلا حبستهما، وأوثقتهما بالحديد وكفيت المؤمنين شرهما ؟ فقال الإمام متعجبا: " يا بن عباس، أتأمرني بالظلم ابتداء ؟ وبالسيئة قبل الحسنة ؟ وأعاقب على الظنة والتهمة ؟ وآخذ بالفعل قبل كونه ؟ كلا والله، لا عدلت عما أخذ الله علي من الحكم والعدل. يا بن عباس ! إنني أذنت لهما وأعرف ما يكون منهما، ولكني استظهرت بالله عليهما، والله لأقتلنهما ولأخيبن ظنهما، ولا يلقيان من الأمر مناهما، وإن الله يأخذهما بظلمهما لي، ونكثهما بيعتي، وبغيهما علي ". ثم خرج الرجلان من المدينة متوجهين إلى مكة، فوجدا بني أمية قد أحاطوا بعائشة، ولحق بها جماعة من منافقي قريش، ولحق بها عبد الله بن عمر بن الخطاب وأخوه عبيد الله، ومروان بن الحكم، وأولاد عثمان، وعبيدة وخاصته من بني أمية، وجعلوا عائشة ملجأ لهم فيما دبروه من كيد للإمام (عليه السلام )، وصار كل من يبغض عليا، أو يكرهه، أو يحسده، أو يخاف منه

 

 

 

‹ صفحة 31 ›

 

 استيفاء الحقوق منه، يلتحق بهذه الجماعة. وعائشة تنعى عثمان وتبرأ من قاتله، وتحرض الناس على عداوة الإمام، وتظهر بأن عليا قتل عثمان ظلما.

 

 

المتخلفون عن بيعته

 

في مروج الذهب: قعد عن بيعته - أي الإمام - جماعة عثمانية - الهوى - وجماعة لم يروا إلى الخروج من الأمر. وفي أسد الغابة: تخلف عن بيعته جماعة من الصحابة، فلم يلزمهم - الإمام - بالبيعة، وسئل علي (عليه السلام ) عمن تخلف عن بيعته، فقال: " أولئك قعدوا عن الحق ولم ينصروا الباطل ". روى الطبري بسنده عن عبد الله بن الحسن، قال: بايعت الأنصار عليا إلا نفرا منهم وعدهم وقال: كانوا عثمانية - الرأي والهوى - ونحن نذكر أسماء المتخلفين، حسب ما ذكره هؤلاء وهم: حسان بن ثابت (1 )، وكعب بن مالك (وكانا شاعرين )،

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) على رغم إلقاء قصيدته العصماء يوم غدير خم أمام رسول الله (ص ) عندما أعلن الولاية لعلي (ع ) بقوله:

يناديهم يوم الغدير نبيهم * ألا فأسمـع بالنبي مناديا

 

 

‹ صفحة 32 ›

 

 ومسلمة بن مخلد (أو خالد )، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، وحليف بن الأشهل، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وصهيب بن سنان، وسلمة بن وقش، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن سلام، وقدامة ابن مظعون، والمغيرة بن شعبة الثقفي، وهبان بن صيفي، وعبد الله بن الحسن فيما رواه عنه الطبري في العشرة الأولى أنهم كانوا عثماني الهوى، غير الذين هربوا إلى مكة من بني أمية ومن شايعهم بعد مقتل عثمان، أو الذين التحقوا بمعاوية في الشام. وقال: أما حسان فكان شاعرا لا يبالي ما صنع. وأما زيد بن ثابت فولاه عثمان الديوان وبيت المال، فلما حصر عثمان قال: يا معشر الأنصار كونوا أنصار الله مرتين. فقال أبو أيوب: ما تنصره إلا لأنه أكثر لك من العبدان.

 

 

 

‹ صفحة 33 ›

 

 وأما كعب بن مالك فاستعمله عثمان على صدقة مزينة وترك ما أخذ منهم له. وقال المسعودي: وبايع ابن عمر يزيد بعد ذلك، والحجاج لعبد الملك بن مروان. وقال ابن الأثير: فأما النعمان بن بشير، فإنه أخذ أصابع نائلة بنت القرافصة امرأة عثمان التي قطعت وقميص عثمان الذي قتل فيه وهرب فلحق بالشام، فكان معاوية يعلق قميص عثمان وفيه الأصابع فإذا رأى ذلك أهل الشام ازدادوا غيضا وجدوا في أمرهم، ثم يرفعه إذا أحس منهم بفتور، يقول له عمرو بن العاص حرك لها جوارها تحن، فيعلقهما وصار بذلك مثلا " قميص عثمان ". وهرب بنو أمية فلحقوا بمكة. وخرج طلحة والزبير من المدينة متوجهين إلى مكة بعد أن استجازوا الإمام للعمرة، فوجدا بني أمية قد أحاطوا بعائشة ولحق بهم جماعة من منافقي قريش، ولحق بهم عبد الله بن عمر وأخوه عبيد الله، ومروان بن الحكم، وأولاد عثمان، وعبيده وخاصته من بني أمية، وكل من يبغض عليا أو يكرهه، أو يحسده وجعلوا عائشة ملجأ لهم فيما

 

 

 

‹ صفحة 34 ›

 

 يدبروه من كيد للإمام (عليه السلام ). وهكذا جهزوا جيشا بقيادة صاحبة الجمل، وطلحة والزبير، وزحفوا إلى البصرة.

 

 

وصول عائشة إلى مكة

 

وكانت عائشة لما وصلت إلى مكة، وأدت مناسك الحج، بلغها خبر قتل عثمان فاستبشرت وقالت للناعي: قتلته أعماله، إنه أحرق كتاب الله، وأمات سنة رسول الله فقتله، ومن بايع الناس ؟ فقال الناعي: لم أبرح من المدينة حتى أخذ طلحة نعاجا لعثمان، وعمل مفاتيح لأبواب بيت المال، ولا شك أن الناس بايعوه. فقالت عائشة وهي فرحة: بعدا لنعثل وسحقا ! إيه ذا الأصبع ! إيه أبا شبل ! إيه ابن عم ! لله أبوك يا طلحة، أما إنهم وجدوا طلحة لها كفوا، لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع احتووها بلا بل دغدغوها ! وجدوك لها محسنا، ولها كافيا، شدوا رحلي فقد قضيت عمرتي، لأتوجه إلى منزلي.

 

 

 

‹ صفحة 35 ›

 

 فسارت عائشة حتى إذا وصلت إلى موضع يقال له (شرقاء ) لقيها رجل يقال له: عبيد بن أم كلاب، فسألته عائشة: ما الخبر ؟ فقال الرجل: قتل عثمان. فقالت عائشة: قتل نعثل ! أخبرني عن قصته وكيف كان أمره ؟ فقال الرجل: لما أحاط الناس بالدار، رأيت طلحة قد غلب على الأمر، واتخذ مفاتيح على بيوت الأموال والخزائن، وتهيأ ليبايع له، فلما قتل عثمان مال الناس إلى علي بن أبي طالب، ولم يعدلوا به طلحة ولا غيره، وخرجوا في طلب علي، يقدمهم الأشتر ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، حتى إذا أتوا عليا وهو في بيت سكن فيه قالوا له: بايعنا على الطاعة لك. وكان علي يتفكر ساعة، فقال الأشتر: يا علي ! إن الناس لا يعدلون بك غيرك فبايع قبل أن يختلف الناس. وكان في الجماعة طلحة والزبير، فظننت أن سيكون بين طلحة والزبير وعلي بن أبي طالب كلام قبل ذلك، فقام طلحة والزبير فبايعا، وأنا أرى أيديهما على يد علي يصفقانهما ببيعته، ثم صعد علي بن أبي طالب المنبر، فتكلم بكلام لا أحفظه إلا أن الناس بايعوه يومئذ

 

 

 

‹ صفحة 36 ›

 

 على المنبر من الغد، فلما كان اليوم الثالث خرجت ولا أعلم. فقالت عائشة: لوددت أن السماء انطبقت على الأرض إن تم هذا، انظر ماذا تقول ؟ ! فقال الرجل: هو ما قلت لك يا أم المؤمنين. فقالت عائشة: إنا لله، أكره والله هذا الرجل، وغصب علي بن أبي طالب أمرهم، وقتل خليفة الله مظلوما، ردوا بغالي، ردوا بغالي.

فقال الرجل: ما شأنك يا أم المؤمنين ؟ والله، ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها من علي، ولا أحق، ولا أرى له نظيرا فلماذا تكرهينه ؟ فسكتت عائشة ولم ترد جوابا، وعزمت على الرجوع إلى مكة. وفي طريقها رآها قيس بن حازم فقالت عائشة تخاطب نفسها: قتلوا ابن عفان مظلوما. فقال قيس: يا أم المؤمنين ! ألم أسمعك آنفا تقولين: أبعده الله، وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه، وأقبحهم فيه قولا ؟ ! فقالت عائشة: لقد كان ذلك، ولكن نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر

 

 

 

‹ صفحة 37 ›

 

 حرام فقتلوه. فقال عبيد بن أم كلاب:

فمنك البداء ومنـــك الغيــــر * ومنــــك الرياح ومنك المطر

وأنــــت أمــــرت بقتل الإمام * وقلت لنـــا: إنــــه قــــد كفــر

فهبنــــا أطعنــــاك في قتـــله * وقاتلــــه عندنــــا مــن أمــر

ولم يسقط السقف من فوقنا * ولـم تنكسف شمسنا والقـمر

وقــــد بايـــع النـاس ذا تدرأ * يــــزيل الشبا ويقيم الصعــر

ويلبــــس للحـــرب أوزارها * وما من وقي مثل من قد عثر

 

 

عائشة تطالب بدم عثمان

 

وصلت عائشة إلى مكة، وجاءها رجل يقال له: يعلى بن منية، وكان من بني أمية وشيعة عثمان، وقال لها: قد قتل خليفتك الذي كنت تحرضين على قتله. فقالت عائشة: برئت إلى الله ممن قتله. فقال الرجل: الآن أظهري البراءة ثانيا من قاتله. فخرجت إلى المسجد، فجعلت تتبرأ ممن قتل عثمان، وهنا وصل خبر عائشة إلى طلحة والزبير وهما في المدينة، فكتبا إليها

 

‹ صفحة 38 ›

 

 كتبا مع ابن أختها عبد الله بن الزبير، وكان مضمون الكتاب " خذلي الناس عن بيعة علي، وأظهري الطلب بدم عثمان ". قرأت عائشة ذلك الكتاب، وكشفت عما في ضميرها، وجعلت تطلب بدم عثمان، وجاءت ووقفت عند الحجر الأسود وقالت: أيها الناس ! إن الغوغاء " السفلة " من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة، اجتمعوا على هذا الرجل فقتلوه ظلما بالأمس، ونقموا عليه استعمال الأحداث، وقد استعمل أمثالهم من قبله، ومواضع الحمى حماها لهم، فتابعهم ونزل عنها، فلما لم يجدوا حجة ولا عذرا بادروا بالعدوان، فسفكوا الدم الحرام، واستحلوا البلد الحرام والشهر الحرام، وأخذوا المال الحرام. والله، لإصبع من عثمان خير من طباق الأرض أمثالهم. والله، لو أن الذي اعتدوا عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، والثوب من درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء. فتقدم عبد الله بن عامر الحضرمي - وكان عامل عثمان على مكة - وقال: أنا أول طالب بدمه. فكان أول مجيب، فتبعه

 

‹ صفحة 39 ›

 

 بنو أمية، وكانوا قد هربوا من المدينة بعد مقتل عثمان إلى مكة فرفعوا رؤوسهم، فكان أول ما تكلموا في الحجار. ولما وصل طلحة والزبير إلى مكة أرسلا عبد الله بن الزبير إلى عائشة يطلبان منها الخروج إلى البصرة للطلب بدم عثمان. امتنعت عائشة من الإجابة في بادئ الأمر وفكرت أن تذهب إلى أم سلمة، وكانت في مكة، بعنوان استشارتها، ولكنها محاولة منها في إقناعها بالخروج معها والاشتراك معها في محاربة الإمام، كما أقنعت حفصة بالخروج معها غير أن أخاها عبد الله بن عمر منعها، ولكنها ذهبت إلى أم سلمة تستشيرها في الخروج، ولما دخلت على أم سلمة نعت إليها عثمان وأنه قتل مظلوما. ثم إن عائشة ذكرت لأم سلمة عزمها على الخروج إلى البصرة للطلب بدم عثمان، وطلبت منها أن ترافقها وتشاركها في تلك النهضة. فجعلت أم سلمة تعاتب عائشة على تحريض الناس بقتل عثمان ثم الطلب بدمه، مع العلم أن عثمان من بني عبد مناف، وعائشة امرأة من تيم بن مرة، وليس بينهما قرابة.

 

‹ صفحة 40 ›

 

 ثم ذكرت أم سلمة شيئا من فضائل علي (عليه السلام ) وأنه لا ينبغي لأحد أن يحارب عليا ووعظتها، وذكرتها بما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) في فضل علي (عليه السلام ). وذكرتها بحديث النبي يوم قال: " أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تنبحها كلاب الحوأب " (1 ) ؟ فتذكرت عائشة كل ذلك وقنعت بكلام أم سلمة، غير أن التأثير كان مؤقتا، ثم عزمت على السفر إلى البصرة. أما يعلى بن منية فقد اشترى أربعمائة بعير ونادى: أيها الناس ! من خرج للطلب بدم عثمان فعلي جهازه. ووصل الخبر إلى أم سلمة فقالت لعائشة: لقد وعظتك فلم تتعظي. . ثم حذرتها من تلك الفكرة، وذكرت لها بأنها تهتك حرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، لأنها زوجته وعرضه. . إلى آخر الكلام.

 

 

خروج عائشة إلى البصرة

 

خرجت عائشة بالجيش نحو البصرة، وفي أثناء الطريق وصلوا

 

‹ صفحة 41 ›

 

 إلى ماء الحوأب فنبحت الكلاب، وقال قائل: ما أكثر كلاب الحوأب، وما أشد نباحها ! فأمسكت عائشة زمام بعيرها وصرخت: إنا لله وإنا إليه راجعون، إني لهي ؟ ؟ سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) - وعنده نساؤه - يقول: " ليت شعري، أيتكن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج فتنبحها كلاب الحوأب(1)، يقتل عن يمينها ويسارها قتلى كثيرة، تنجو بعد ما كادت تقتل ؟ ؟. .. ردوني، ردوني. فأقبل جماعة وشهدوا وحلفوا أن هذا ليس بماء الحوأب فسارت عائشة لوجهها نحو البصرة. وهي أول شهادة زور في الإسلام. وصل الخبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام ) فأمر المنادي فنادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس في المسجد (مسجد رسول الله ) في المدينة وصعد الإمام (عليه السلام ) المنبر، وخطب فيهم خطبة بليغة ذكر فيها الخلافة وأطوارها وأدوارها،. .. إلى أن قال: " وبايعني هذان الرجلان - طلحة والزبير - في أول من بايع، وتعلمون ذلك، وقد نكثا غدرا، ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم ويلقيا بأسكم بينكم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الحوأب: منطقة في الطريق، فيها بساتين ونهر يسمى بالحوأب، وهو على مسير يومين أو ثلاثة عن البصرة.

 

 

‹ صفحة 42 ›

 

 اللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية، ولا تنعش لهما ضرعة، ولا تقلهما عثرة، ولا تمهلهما فواقا، فإنهما يطلبان حقا تركاه ودما سفكاه. اللهم إني أقتضيك وعدك، فإنك قلت - وقولك الحق -: (ثم بغى عليه لينصرنه الله ). اللهم انجز لي موعدي، ولا تكلني إلى نفسي، إنك على كل شئ قدير ". ثم استشار الإمام أصحابه، فقال عمار بن ياسر: الرأي عندي أن تسير إلى الكوفة، فإن أهلها شيعة، وقد انطلق هؤلاء القوم إلى البصرة. وأشار عليه ابن عباس أن يأمر أم سلمة لتخرج معه تقوية لجانبه، فقال الإمام: أما أم سلمة فإني لا أرى إخراجها من بيتها كما رأى الرجلان إخراج عائشة. وأشار عليه جماعة أن يعتزل الفتنة ويذهب إلى ماله ب‍ (ينبع ) فلم يقبل منهم، وأخيرا نادى الإمام: " تجهزوا للمسير، فإن طلحة والزبير نكثا البيعة ونقضا العهد، وأخرجا عائشة من بيتها يريدان البصرة لإثارة الفتنة، وسفك دماء أهل القبلة ".

 

‹ صفحة 43 ›

 

 ورفع يديه للدعاء قائلا: " اللهم إن هذين الرجلين قد بغيا علي، ونكثا عهدي، ونقضا عقدي، وشتماني بغير حق سومهما ذلك، اللهم فخذهما بظلمهما وأظفرني بهما، وانصرني عليهما ".

 

 

خروج الإمام إلى البصرة

 

وجعل الإمام (عليه السلام) تمام بن العباس واليا على المدينة، وخرج بمن معه إلى الربذة، وإذا بطلحة والزبير قد ارتحلوا منها، فأرسل الإمام محمد بن أبي بكر ومحمد بن الحنفية إلى الكوفة ليستنفرا أهل الكوفة. وكان والي الكوفة - يومذاك - أبا موسى الأشعري، وكان عثمان الهوى، منحرفا عن الإمام (عليه السلام )، وقد كتبت عائشة إليه كتابا تأمره أن يخذل الناس عن نصرة الإمام، وقام بتلبية طلبها، فخطب فيهم وأمرهم أن يجتنبوا الفتنة ويبتعدوا عن سفك دماء المسلمين، فلم يستطيع محمد بن الحنفية ومحمد بن أبي بكر مقاومة الأشعري، فرجعا إلى الإمام. وكان الإمام قد كتب - قبل ذلك - كتابا إلى الأشعري يأمره أن يخرج بالناس لمؤازرة الإمام، ولكن الأشعري استمر على

 

‹ صفحة 44 ›

 

 رأيه وامتنع عن البيعة، وأظهر العداء الكامن في صدره. فأخبروا الإمام بذلك، فكتب الإمام كتابا إلى الأشعري فيه خبر عزله من الحكم والتهديد إن لم يعتزل، وكتبا أخرى إلى أهل الكوفة يذكر لهم فيه عما جرى على عثمان. ثم يذكر بيعة الناس له، ومن جملتهم طلحة والزبير، ثم نكثهما البيعة وخروجهما ضده. وقبل وصول هذين الكتابين كان الإمام الحسن (عليه السلام ) وعمار بن ياسر وزيد بن صوحان وقيس بن سعد جاؤوا إلى الكوفة وخطبوا في الناس الخطب المفصلة المطولة، يحثون الناس على نصرة الإمام، فكان الأشعري يقوم ويخطب وينقض كلامهم، ويخذل الناس، ويأمرهم باعتزال الفتنة، وعدم الخوض في المعركة. وانقضت أيام وأيام والأمر هكذا في الكوفة، والإمام ينتظر المدد وهو في أرض يقال لها " ذي قار " واليوم تسمى " المقيرة " وهي قريبة من الناصرية في طريق البصرة. وأخيرا خرج البطل الضرغام مالك الأشتر وأقبل إلى الكوفة ودخلها وهجم على دار الإمارة، واستولى عليها، وأخرج

 

‹ صفحة 45 ›

 

 غلمان الأشعري منها، وكانت الحرب الباردة قائمة في المسجد بين الأشعري وبين أصحاب الإمام، وإذا بغلمان الأشعري دخلوا المسجد، وهم ينادون: يا أبا موسى، هذا الأشتر. ودخل أصحاب الأشتر وصاحوا: اخرج من المسجد، يا ويلك، أخرج الله روحك، إنك والله من المنافقين. خرج أبو موسى معزولا خائبا مخذولا، وأراد الناس أن ينهبوا أمواله فمنعهم الأشتر. وأقبل الأشتر فصعد المنبر وقال:. .. وقد جاءكم الله بأعظم الناس مكانا، وأعظمهم في الإسلام سهما، وابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وأفقه الناس في الدين، وأقرأهم لكتاب الله، وأشجعهم عند اللقاء يوم البأس، وقد استنفركم، فما تنتظرون ؟ أسعيدا ؟ أم الوليد الذي شرب الخمر وصلى بكم على سكر واستباح ما حرمه الله فيكم ؟ أي هذين الرجلين تريدون ؟ قبح الله من له هذا الرأي، فانفروا مع الحسن ابن بنت نبيكم، ولا يختلف رجل له قوة، فوالله ما يدري رجل منكم ما يضره وما ينفعه، وإني لكم ناصح شفيق عليكم إن كنتم تعقلون أو تبصرون، أصبحوا إن شاء الله غدا غادين مستعدين، وهذا

 

‹ صفحة 46 ›

 

 وجهي إلى ما هناك بالوفاء. ثم قام ابن عباس وعزل الأشعري عن الولاية وخلعه عنها، وجعل مكانه قرضة بن كعب، فلم يبرحوا من الكوفة حتى سيروا سبعة آلاف رجل والتحقوا بالإمام في ذي قار، والتحق به قبل ذلك ألفان من قبيلة طي، وخرج الإمام نحو البصرة. وكانت عائشة وطلحة والزبير ومن معهم قد وصلوا إلى البصرة قبل ذلك، وتعجب الناس من قدومهم إلى البصرة للطلب بدم عثمان المقتول بالمدينة.

 

 

واقعة الجمل الصغرى

 

وسمع عثمان بن حنيف (والي البصرة ) بوصول القوم، فأرسل إليهم أبا الأسود الدؤلي وعمر بن حصين للتحقيق، فدخلا على عائشة وقالا لها: يا أم المؤمنين ! ما حملك على المسير ؟ ما الذي أقدمك هذا البلد وأنت حبيسة رسول الله، وقد أمرك الله أن تقري في بيتك ؟ فجرى كلام وجدال طويل بين عائشة والرجلين، وكلما خوفاهما من إراقة دماء المسلمين وإفساد الأمر قابلتهم بكل

 

‹ صفحة 47 ›

 

 صلابة وحدة. ودخلا على طلحة فلم يسمعا منه إلا الكلام القبيح والطرد، ثم السب لأمير المؤمنين (عليه السلام )، استعدت عائشة للحرب، وخرجت بمن معها إلى محلة في البصرة يقال لها (المربد ) وخطبت في أهل البصرة خطبة، فنعت عثمان وتأسفت على قتله، ثم ذكرت عليا وبيعته وأفرطت في كلامها، ثم طلبت من أهل البصرة نقض خلافة الإمام. فصدقها ناس وكذبها آخرون، واضطرب الناس بأقوالهم، واشتغلوا بالسب والشتم واللعن. وتوجهت عائشة إلى دار الإمارة ومن معها وطلبوا من عثمان بن حنيف أن يسلم إليهم دار الإمارة، فأبى عليهم، واشتعلت نار الحرب حتى الظهر، وقتل في تلك الواقعة خمسمائة شيخ من بني عبد القيس من شيعة علي وأنصار عثمان بن حنيف، سوى الجرحى، واستمرت الحرب في البصرة وكثر القتلى والجرحى. وتدخل بعض الناس وقرروا الهدنة، فتم القرار على أن تكون دار الإمارة والمسجد وبيوت الأموال تحت اختيار الوالي عثمان بن حنيف، وتكون البصرة تحت حيازة طلحة والزبير

 

‹ صفحة 48 ›

 

 وعائشة، وكتبوا على هذه المصالحة كتابا، وشهد الناس على ذلك. ولما أمن الناس واطمأنوا وألقوا سلاحهم أقبل طلحة والزبير وأصحابهم حتى أتوا دار الإمارة على حين غفلة، وكان خمسون رجلا يحرسون بيوت الأموال وهم من شيعة الإمام، أحاط الزبير بهؤلاء وقتل منهم أربعين رجلا صبرا، ثم هجموا على عثمان بن حنيف فأوثقوه رباطا، وعمدوا إلى لحيته فنتفوها حتى لم يبق منها شعرة واحدة، ونتفوا شعر حاجبه وأشفار عينيه، وأوثقوه بالحديد. وأصبح الصباح فجاء طلحة والزبير إلى المسجد الأعظم لأداء صلاة الصبح جماعة، فأراد طلحة أن يتقدم ويصلي بالناس، فدفعه الزبير، وأراد الزبير أن يصلي بالناس فمنعه طلحة، استمر النزاع والتدافع بين الإمامين حتى كادت الشمس أن تطلع ! ! فصاح الناس: الله الله يا أصحاب رسول الله في الصلاة نخاف فوتها ! فأمرت عائشة أن يصلي مروان بالناس، وأخيرا تقدم عبد الله بن الزبير وصلى بالناس. انتشر خبر قتل الحرس وإلقاء القبض على عثمان بن حنيف،

 

‹ صفحة 49 ›

 

 فأقبل حكيم بن جبلة إلى عشيرته فحثهم على النهوض، وجاء طلحة والزبير وشبت نار الحرب مرة ثانية، وقتل حكيم بن جبلة وأخوه وعدد من الناس، واستولى طلحة والزبير على بيوت الأموال، ونصبا أقفالا على أبوابها، فأمرت عائشة بختم بيت المال، وختم كل من طلحة والزبير بختم على بيوت الأموال. انقضت أيام وعائشة وطلحة والزبير يخطبون في الناس ويهيجونهم ويحذرونهم من الإمام (عليه السلام ) وقد كان ينتهي كلامهم إلى ذم الإمام وسبه، وأرسلت عائشة كتبا ورسائل إلى البلاد والأمصار، كتبت فيها ما أرادت.

 

 

مذاكرات الإمام مع أصحاب الجمل

 

وصل أخيرا الإمام بجيشه الجرار إلى البصرة فيهم ثمانون بدريا، ومائتان وخمسون ممن بايع تحت الشجرة. وبلغه الخبر عن المجزرة الرهيبة التي أقامها هؤلاء، فأرسل الإمام صعصعة بن صوحان للتفاهم أو لإتمام الحجة على عائشة والرجلين، فالتقى بهم صعصعة فلم يسمع منهم إلا التهديد والخشونة في الكلام، وأرسل الإمام (عليه السلام ) عبد الله بن العباس وأمره أن يلتقي بطلحة

 

‹ صفحة 50 ›

 

 والزبير، فلم تنجح مذاكراته معهما. كان وصول الجيش العلوي إلى البصرة على أحسن هيئة وأجمل نظام، وفيهم المشايخ من أهل بدر والمهاجرين والأنصار، وقواد الجيش ومعهم الألوية والرايات، والمواكب تترى بعضها خلف بعض، وفي الأخير وصل موكب الإمام، وهو موكب عظيم وفيه خلق كثير عليهم السلاح والحديد، ومعهم الإمام وعليه الوقار والسكينة، ينظر إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، والجنود خلفه كأن على رؤوسهم الطير، والإمام الحسن عن يمينه، والإمام الحسين عن شماله، وابنه محمد بن الحنفية بين يديه ومعه الراية. فأمر الإمام (عليه السلام ) ابن عباس أن يرجع إلى عائشة ثانيا ويذكر لها خروجها من بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ويخوفها من الخلاف على الله، والتبرج الذي نهاها الله عنه. دخل ابن عباس على عائشة وأدى رسالته، وذكر لها فضل علي وسابقته، ولكنها لم ترتدع ولم تقنع. ورجع ابن عباس إلى الزبير فوجده وحده، فجعل يلين له في الكلام ويخوفه عواقب أعماله، ويلومه على إسراعه في الخلاف،

 

‹ صفحة 51 ›

 

 فجاء ابنه عبد الله، وكان شابا شرسا قليل الحياء متهورا، وقابل ابن عباس بكل صلافة. . وكانت المباحثات بلا جدوى ولا فائدة، واستعد الفريقان للحرب. كان كعب بن سور سيد الأزد قد امتنع عن الخوض في المعركة، فجاء طلحة والزبير إلى عائشة وطلبا منها أن تتوجه بنفسها إلى كعب وتطلب منه المؤازرة والتعاون معها، فأرسلت عائشة إليه تطلب منه الحضور، فلم يجبها كعب، فركبت بغلا وأحاط بها نفر من أهل البصرة وسارت إليه بنفسها، وسألته عن سبب امتناعه، فقال: يا أماه، لا حاجة لي في خوض هذه الفتنة. فاستعبرت عائشة باكية وطلبت منه أن ينصرها، فرق لها كعب وأجابها وعلق المصحف في عنقه وخرج معها. اشتركت العشائر والقبائل من المدينة إلى الكوفة إلى طي إلى أهل البصرة في نصرة الإمام (عليه السلام ). وكان خطباء الفريقين يخطبون في قومهم ويحرضونهم على الحرب.

 

‹ صفحة 52 ›

 

 

ساحة القتال

 

كانت ساحة القتال في الخريبة، وهي اليوم بين الزبير والبصرة يقال لها (الخر ) وهناك قبر طلحة - وهي مدينة الزبير حاليا معروفة - اصطف الفريقان للقتال، وكتب كل منهما الكتائب. وخرج علي (عليه السلام ) وعليه عمامة سوداء وقميص ورداء، وهو راكب على بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) الشهباء. وجاءت عائشة وهي في هودج على بعير، وعن يمينها وشمالها طلحة والزبير وابنه عبد الله، وخلفها الجماهير الذين رافقوها من مكة وانضموا إليها في البصرة. وكان النشاط في أصحاب الإمام أكثر، وكانوا يريدون الهجوم على العدو، لكن الإمام يمنعهم ويقول لهم: لا تعجلوا على القوم حتى أعذر فيما بيني وبين الله وبينهم. فقام إليهم وقال: " يا أهل البصرة ! هل تجدون علي جورا في حكم ؟ ". قالوا: لا. قال: " فحيفا في قسم ؟ ". قالوا: لا.

 

‹ صفحة 53 ›

 

 قال: " فرغبة في دنيا أصبتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم علي فنكثتم بيعتي ؟ ". قالوا: لا. قال: " فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم ؟ ". قالوا: لا. قال: " فما لبيعتي تنكث وبيعة غيري لا تنكث ؟ إني ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلا الكفر أو السيف ". ثم التفت إلى أصحابه وقال: " إن الله تعالى يقول في كتابه: (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) " (1 ). ثم قال: " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة واصطفى محمدا للنبوة إنهم لأصحاب هذه الآية، وما قوتلوا منذ نزلت ". ثم التفت إلى ابن عباس وقال له: " امض بهذا المصحف إلى طلحة والزبير وعائشة وادعهم إلى ما فيه ". جاء ابن عباس فبدأ بالزبير وقال له: " إن أمير المؤمنين

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1 ) التوبة / 12.

 

 

‹ صفحة 54 ›

 

 يقول: ألم تبايعني طائعا ؟ فبم تستحل دمي ؟ وهذا المصحف وما فيه بيني وبينك فإن شئت تحاكمنا إليه. فقال الزبير: ارجع إلى صاحبك، فإنا بايعنا كارهين، وما لي حاجة في محاكمته. انصرف ابن عباس إلى طلحة، فوجد فيه الاستعداد للشر والحرب، فقال له: والله، ما أنصفتم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ حبستم نساءكم وأخرجتم حبيسته. ونادى طلحة: ناجزوا القوم، فإنكم لا تقومون لحجاج ابن أبي طالب. ورجع ابن عباس وأخبر الإمام بالنتيجة السلبية، وقال له: ما تنتظر ؟ والله لا يعطيك القوم إلا السيف، فاحمل عليهم قبل أن يحملوا عليك. فقال الإمام: " نستظهر بالله عليهم ". وهناك خرج أمير المؤمنين (عليه السلام ) بين الصفين وكان حاسرا ونادى بأعلى صوته: أين الزبير ؟ فليخرج ". ثم نادى ثانية، وكان طلحة والزبير واقفين أمام صفيهما، فخرج الزبير، وخرج الإمام إليه، فصاح به أصحابه: يا أمير

 

‹ صفحة 55 ›

 

 المؤمنين ! أتخرج إلى الزبير الناكث بيعته وأنت حاسر وهو على فرس شاكي السلاح، مدجج في الحديد وأنت بلا سلاح ؟ ! فقال الإمام: " ليس علي منه بأس، إن علي منه جنة واقية، ولن يستطيع أحد فرارا من أجله، وإني لا أموت، ولا أقتل إلا بيد أشقاها، كما عقر الناقة أشقى ثمود ". فخرج إليه الزبير، فقال (عليه السلام ): " أين طلحة ؟ ليخرج " فخرج، وقربا من الإمام، حتى اختلفت أعناق دابتيهما.

فقال الإمام للزبير: " ما حملك على ما صنعت ؟ " فقال الزبير: الطلب بدم عثمان. فقال الإمام: " أنت وأصحابك قتلتموه، فيجب عليك أن تقيد من نفسك، ولكن أنشدك الله الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل الفرقان على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم ) أما تذكر يوما قال لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): يا زبير ! أتحب عليا ؟ فقلت: وما يمنعني عن حبه وهو ابن خالي ؟ ! فقال لك: أما أنت فستخرج عليه يوما وأنت له ظالم ؟ ". فقال له الزبير: اللهم بلى، قد كان ذلك. فقال الإمام: " فأنشدك الله الذي أنزل الفرقان على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم )

 

‹ صفحة 56 ›

 

 أما تذكر يوما جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) من عند ابن عوف، وأنت معه، وهو آخذ بيدك، فاستقبلته أنا فسلمت عليه فضحك في وجهي، فضحكت أنا إليه، فقلت أنت: لا يدع ابن أبي طالب زهوه أبدا. فقال لك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ): مهلا يا زبير، فليس به زهو، ولتخرجن عليه يوما وأنت ظالم له ؟ ". فقال الزبير: اللهم بلى، ولكن نسيت، فأما إذا ذكرتني ذلك فلأنصرفن عنك، ولو ذكرت هذا لما خرجت عليك. ثم التفت إليهما معا وقال: " نشدتكما الله، أتعلمان وأولوا العلم من أصحاب محمد وعائشة بنت أبي بكر أن أصحاب الجمل، وأهل النهروان ملعونون على لسان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد خاب من افترى ؟ ". فقال الزبير: كيف نكون ملعونين ونحن من أهل الجنة ؟ ! فقال الإمام: " لو علمت أنكم من أهل الجنة لما استحللت قتالكم ". فقال الزبير: أما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول يوم أحد: " أوجبت طلحة الجنة ؟ " و " من أراد أن ينظر إلى الشهيد يمشي على الأرض حيا فلينظر إلى طلحة ؟ ".

 

‹ صفحة 57 ›

 

 أوما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: " عشرة من قريش في الجنة ؟ ". فقال الإمام: " فسمهم ". فجعل الزبير يعد فعد تسعة منهم، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. فقال الإمام: " عددت تسعة فمن العاشر ؟ ". فقال الزبير: أنت. فقال الإمام: " أما أنت فقد أقررت أني من أهل الجنة، وأما ما ادعيت لنفسك وأصحابك فإني به لمن الجاحدين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد عهد النبي الأمي لي أن بعض من سميت في تابوت في جب في أسفل درك من جهنم ". وفي نسخة: " وإن في جهنم جبا، فيه ستة من الأولين وستة من الآخرين، على رأس ذلك الجب صخرة، إذا أراد الله تعالى أن يسعر جهنم على أهلها أمر بتلك الصخرة فرفعت، وإن في ذلك الجب من سميت ". ثم قال الإمام (عليه السلام ): " دع هذا، أفلست بايعتني طائعا ؟ ". فقال الزبير: بلى. فقال الإمام: " أفوجدت مني حدثا يوجب مفارقتي ؟ ".

 

‹ صفحة 58 ›

 

 فسكت الزبير، ثم قال: لا جرم والله لا قاتلتك. ثم التفت (عليه السلام ) إلى طلحة وقال: " يا طلحة ! معكما نساؤكما ؟ ". فقال طلحة: لا. فقال الإمام: " عمدتما إلى امرأة موضعها في كتاب الله تعالى القعود في بيتها، فأبرزتماها وصنتما حلائلكما في الخيام والحجال ؟ ! ما أنصفتما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، وقد أمر الله أن لا يكلمن إلا من وراء حجاب ". وأردف (عليه السلام ) قائلا: " أخبرني عن صلاة ابن الزبير بكما، أما يرضى أحدكما بصاحبه ؟ أخبرني عن دعائكما الأعراب إلى قتالي ؟ ما يحملكما على ذلك ؟ ". قال طلحة: يا هذا، كنا في الشورى ستة، مات منا واحد، وقتل آخر، فنحن اليوم أربعة، كلنا لك كاره. فقال الإمام: " ليس ذلك علي، قد كنا في الشورى والأمر في يد غيرنا، وهو اليوم في يدي، أرأيت لو أردت بعد ما بايعت عثمان أن أرد هذا الأمر شورى أكان ذلك لي ؟ ". فقال طلحة: لا. فقال الإمام: " ولم ؟ ".

 

‹ صفحة 59 ›

 

 فقال طلحة: لأنك بايعت عثمان طائعا. فقال الإمام: " كيف ذلك والأنصار معهم السيوف مخترطة، يقولون: لئن زغتم وبايعتم واحدا منكم، وإلا ضربنا أعناقكم جميعا ؟ فهل قال لك ولأصحابك أحد شيئا من هذا وقت ما بايعتماني ؟ وحجتي في الاستكراه في البيعة أوضح من حجتك وقد بايعتني أنت وأصحابك طائعين غير مكرهين، وكنتما أول من فعل ذلك ولم يقل أحد: لتبايعان أو لنقتلكما ".