موقف الزبير

 

ثم انصرف الرجلان إلى صفهما، فأراد الزبير الخروج من الحرب والانصراف إلى البصرة، فقال له طلحة: مالك يا زبير ؟ مالك تنصرف عنا ؟ سحرك ابن أبي طالب ؟ فقال الزبير: لا، ولكن ذكرني ما كان أنسانيه الدهر، واحتج على بيعتي له. فقال طلحة: لا، ولكن جبنت وانتفخ سحرك. فقال الزبير: لم أجبن، ولكن أذكر فذكرت. فقالت عائشة: ما وراءك يا أبا عبد الله ؟ فقال الزبير: الله ورائي، إني ما وقفت موقفا في شرك

 

‹ صفحة 60 ›

 

 ولا إسلام إلا ولي فيه بصيرة، وأنا اليوم على شك من أمري، وما أكاد أبصر موضع قدمي. فقالت عائشة: لا والله، بل خفت سيوف ابن أبي طالب، أما إنها طوال حداد، تحملها سواعد أمجاد، ولئن خفتها فلقد خافها الرجال من قبلك. فقال ابنه عبد الله: جبنا جبنا. فقال الزبير: يا بني، قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) فحلفت أن لا أقاتله. فقال عبد الله بن الزبير: يا أبة ! جئت بهذين العسكرين العظيمين حتى إذا اصطفا للحرب قلت أتركهما وانصرف ! فما تقول قريش غدا بالمدينة ؟ ! الله الله يا أبة، لا تشمت بنا الأعداء، ولا تشن نفسك بالهزيمة قبل القتال. فقال الزبير: ما أصنع يا بني وقد حلفت أن لا أقاتله ؟ فقال ابنه: كفر عن يمينك، ولا تفسد أمرنا. فقال الزبير: عبدي مكحول حر لوجه الله، كفارة ليميني. ثم عاد معهم للقتال، فعند ذلك أخذ الإمام (عليه السلام ) المصحف

 

‹ صفحة 61 ›

 

 بيده وطلب من يقرأ عليهم هذه الآية: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ) (1 ). فقام غلام حدث السن من مجاشع، يقال له (مسلم ) عليه قباء أبيض، فقال له: أنا آخذه يا أمير المؤمنين. فقال له: " يا فتى ! إن يدك اليمنى تقطع، فتأخذه بيدك اليسرى فتقطع اليسرى، ثم تضرب عليه بالسيف حتى تقتل ". فقال الفتى: لأصبر على ذلك. فنادى الإمام ثانية، فقام الفتى ثانية، فأعاد عليه مقالته، فقال الفتى: لا عليك، فهذا قليل في ذات الله، فأخذ المصحف ووقف أمام الصفوف، وقال: هذا كتاب الله، وأمير المؤمنين يدعوكم إلى ما فيه. فأمرت عائشة بإعدامه، فقطعوا يديه، ثم أحاطوا به وطعنوه بالرماح من كل جانب. وكانت أمه واقفة تنظر فصاحت فطرحت نفسها على ولدها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1 ) الحجرات / 9.

 

 

‹ صفحة 62 ›

 

 

واقعة الجمل الكبرى

 

كان الإمام (عليه السلام ) ينتظر وقت الظهر لتنزل الملائكة، وكان يقول: " لا تقاتلوا القوم حتى يبدأوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وكفكم عنهم حجة أخرى، فإذا قاتلتموهم فلا تجهزوا على جريح، فإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول. .. " إلى آخر الوصايا. كانت سهام القوم تترى على الإمام وأصحابه كالمطر، فصاح الناس: حتى متى يا أمير المؤمنين ندلي نحورنا للقوم يقتلون رجلا رجلا، والله قد أعذرت إن كنت تريد الإعذار. هناك دعا الإمام ابنه محمد بن الحنفية فأعطاه الراية، وهي راية سوداء كبيرة، وهي راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم )، فقال له: " يا بني ! هذه راية ما ردت قط ولا ترد قط ". ثم لبس الإمام درع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وحزم بطنه بعصابة

 

‹ صفحة 63 ›

 

 أسفل من سرته، ثم قال لولده محمد بن الحنفية: " يا أبا القاسم ! قد حملت الراية وأنا أصغر منك فلما استفزني عدوي، وذلك أني لم أبارز أحدا إلا حدثتني نفسي بقتله، فحدث نفسك - بعون الله تعالى - بظهورك عليهم ". وأعطاه تعاليم حربية. وزحف أصحاب الجمل نحو معسكر الإمام، فصاح الإمام بابنه محمد: " امض ". فمضى، وتبعه أصحابه واشتعلت الحرب، ودار القتال. وأقبل الإمام يهرول وبيده السيف يصعد وينزل فتطير الرؤوس وتطيح الأيدي ولا يتلطخ السيف بالدم لسرعة اليد وسبق السيف الدم، وزحف الجيش خلفه. وحمل عمار بن ياسر على الميسرة، ومالك الأشتر على الميمنة، وحملوا حملة رجل واحد، ونادى الإمام: " عليكم بالسيوف ". فجعلوا يضربون بالسيوف على الرؤوس. ثم نادى المنادي: عليكم بالأقدام، وكان للفريقين أراجيز كثيرة، مذكورة في كتب التاريخ. وقتل طلحة في ذلك اليوم ولم يعرف قاتله، قيل: إن مروان بن الحكم رماه بسهم فقتله يطلب بذلك ثأر عثمان، وهو يقول:

 

‹ صفحة 64 ›

 

 أينما أصابت فتح. وكان أهل البصرة كل من أراد منهم القتال أخذ بخطام الجمل ويرتجز ويقاتل حتى يقتل، فخرج كعب بن سور فأخذ بخطام الجمل وهو يرتجز ويقول:

يا معشر الأزد عليكم أمكـــم * فإنهـــا صلاتكــــم وصومكم

والنعمة العظمى التي تعمكم * فاحضروهـــا جدكم وحزمكم

لا يغلبــــن سم العـدو سمكم * إن العـــدو إن عــلاكم رمكم

وخصكـــم بجــــوره وعمكـم * لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم

فقاتل حتى قتل، فخرج آخر فأخذ بخطام الجمل وارتجز:

يا أم يا أم خــــلا منــــي الــوطن * لا أبتغــــي القبر ولا أبغي الكفن

من هيهنا محشر عوف بن قطن * إن فاتنــــا اليــــوم علـــي ألغين

أو فاتنــــا ابنــــاه حسين وحسن * إذن أمــــت بطول هــــــم وحزن

 

 

انتصار جيش الإمام

 

واشتعلت نار الحرب، واستعر القتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، فصاح الإمام (عليه السلام ): " ما أراه يقاتلكم غير هذا الهودج، اعقروا

 

‹ صفحة 65 ›

 

 الجمل أو عرقبوه، فإنه شيطان ". أو قال: " اعقروه وإلا فنيت العرب لا يزال السيف قائما وراكعا، يحصد الرؤوس حتى يهوي هذا البعير إلى الأرض ".

فضرب عجز الجمل فوقع لحينه، وضرب بجرانه الأرض، وعج عجيجا لم يسمع بأشد منه، فما هو إلا أن صرع حتى فر الرجال كما يطير الجراد في الريح الشديد الهبوب، وسقط الهودج. فصاح الإمام اقطعوا البطان. فقطعه محمد بن أبي بكر أخو عائشة وكان من أصحاب الإمام، وأخرج الهودج فقالت عائشة: من أنت ؟ فقال محمد: أبغض أهلك إليك. فقالت عائشة: ابن الخثعمية (1 ) ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) كانت أسماء بنت عميس الخثعمي امرأة مؤمنة صالحة، وكانت زوجة جعفر الطيار (ع ) ولما استشهد في معركة مؤتة، تزوجها أبو بكر وأولدت منه محمدا هذا، ولما مات عنها أبو بكر تزوجها أمير المؤمنين (ع ) وكان محمد بن أبي بكر صغير السن، فتربى في كنف الإمام، فكان ربيبه ومن أخلص أصحابه كان الإمام (ع ) يقول: " محمد ابني ولكنه من صلب أبي بكر "، وكان من أخلص أصحاب الإمام وأحبهم إليه، وقد ولاه أخيرا إمارة مصر من قبله، وبدسائس من معاوية وعمرو بن العاص، تمكنا من إثارة بعض الغوغائيين عليه فقتلوه، وقيل قتل بالعسل المسموم، وبعدها أدخل جسده في جوف حمار وأحرق، وقبره لحد اليوم شاخص في مصر ومعلوم. . كما أن معاوية أرسل من يسم الوالي الجديد على مصر، بالطريق بالعسل المسموم، وهو الصحابي الجليل مالك الأشتر النخعي، وعندما علم أمير المؤمنين (ع ) رثاه وقال كلمته المشهورة: " كان مالكا لي كما كنت لرسول الله ".

 

 

‹ صفحة 66 ›

 

 فقال محمد: نعم، ولم تكن دون أمهاتك. فقالت عائشة: لعمري بل هي شريفة، دع عنك هذا، الحمد الله الذي سلمك. فقال محمد: قد كان ذلك ما تكرهين. فقالت عائشة: يا أخي لو كرهته ما قلت الذي قلته. فقال محمد: كنت تحبين الظفر وأني قتلت ؟ فقالت عائشة: قد كنت أحب ذلك، ولكنه لما صرنا إلى ما صرنا إليه أحببت سلامتك لقرابتي منك، فاكفف ولا تعقب الأمور، وخذ الظاهر ولا تكن لومة ولا عذلة.

 

‹ صفحة 67 ›

 

 وجاء الإمام فقرع الهودج برمحه وقال: " يا حميراء ! بهذا أوصاك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ ! ". فقالت: يا بن أبي طالب، ملكت فاصفح وظفرت فاسجع. فقال الإمام: " والله ما أدري متى أشفي غيظي ؟ أحين أقدر على الانتقام يقال لي: لو عفوت ؟ ! أم حين أعجز من الانتقام فيقال لي: لو صبرت، بل أصبر فإن لكل شئ زكاة، وزكاة القدرة والمكنة العفو والصفح ". ثم التفت (عليه السلام ) إلى محمد بن أبي بكر وقال: " شأنك بأختك، فلا يدنو منها أحد سواك ". وأمر الإمام (عليه السلام ) فاحتملت عائشة بهودجها إلى دار عبد الله بن خلف في البصرة، وأمر بالجمل أن يحرق ثم يذرى رماده في الريح، وقال (عليه السلام ) إشارة إلى الجمل: " لعنه الله من دابة، فما أشبهه بعجل بني إسرائيل ". ثم تلا: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) (1 ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) طه / 97.

 

 

‹ صفحة 68 ›

 

 ركبت عائشة وهي تقول: فخرتم وغلبتم، وكان أمر الله قدرا مقدورا. ونادى الإمام: " يا محمد بن أبي بكر، سلها هل وصل إليها شئ من الرماح والسهام ؟ " فسألها، فقالت: نعم، وصل إلي سهم، خدش رأسي وسلمت من غيره، الله بيني وبينكم. فقال محمد: الله ليحكمن عليك يوم القيامة ما كان بينك وبين أمير المؤمنين حين تخرجين عليه وتؤلبين الناس على قتاله وتنبذين كتاب الله وراء ظهرك. فقالت عائشة: دعنا يا محمد وقل لصاحبك يحرسني. فأمر الإمام أن يحملها أخوها إلى دار ابن خلف في البصرة، فحملها وهي لا تفتر عن سب الإمام وسب أخيها محمد، والترحم على أصحاب الجمل. ومر الإمام على القتلى وجعل يخاطبهم ويعاتبهم، وخاطب كعبا وطلحة، فقيل له: أتكلم هؤلاء بعد القتل ؟ فقال: " والله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم بدر ". ثم نادى منادي الإمام: من أحب أن يواري قتيله فليواره،

 

‹ صفحة 69 ›

 

 وأمر أصحابه وقال لهم: واروا قتلانا في ثيابهم التي قتلوا فيها، فإنهم يحشرون على الشهادة، وإني لشاهد لهم بالوفاء. فجاء ابن عباس يطلب الأمان لمروان بن الحكم، فأمره الإمام بإحضاره، فلما حضر قال له الإمام: " أتبايع ؟ " فقال: نعم وفي النفس ما فيها. فقال الإمام: " الله أعلم بما في القلوب ". فلما بسط يده ليبايعه أخذ كفه من كف مروان وجذبها، وقال: " لا حاجة لي فيها، إنها كف يهودية، لو بايعني بيده عشرين مرة لنكث باسته ". ثم قال: " هيه يا بن الحكم، خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعة ؟ ! كلا والله، حتى يخرج من صلبك فلان وفلان يسومون هذه الأمة خسفا ويسقونهم كأسا مصبرة، ومن المناسب هنا أن أنقل نص كلام ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة (ج 1، ص 22 و 23 )، قال: وأما الحلم والصفح، فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسئ، وقد ظهر صحة ما قلناه يوم الجمل، حيث ظفر بمروان بن الحكم - وكان أعدى الناس له، وأشدهم بغضا -

 

‹ صفحة 70 ›

 

 فصفح عنه. وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد، وخطب يوم البصرة فقال: قد أتاك الوغد اللئيم علي بن أبي طالب - وكان علي (عليه السلام ) يقول: " ما زال الزبير رجلا منا أهل البيت " حتى شب عبد الله - فظفر به يوم الجمل، فأخذه أسيرا، فصفح عنه، وقال: " اذهب فلا أرينك "، لم يزده على ذلك. وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة، وكان له عدوا، فأعرض عنه ولم يقل له شيئا. وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره، فلما ظفر بها أكرمها، وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس عممهن بالعمائم، وقلدهن بالسيوف، فلما كانت ببعض الطريق ذكرته بما لا يجوز أن يذكر به، وتأففت وقالت: هتك ستري برجاله وجنده الذين وكلهم بي، فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن، وقلن لها: إنما نحن نسوة. وحاربه أهل البصرة، وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيوف، وشتموه ولعنوه، فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم، ونادى مناديه في أقطار العسكر: ألا لا يتبع مول، ولا يجهز على

 

‹ صفحة 71 ›

 

 جريح، ولا يقتل مستأسر، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن. ولم يأخذ أثقالهم، ولا سبي ذراريهم، ولا غنم شيئا من أموالهم، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو وتقيل سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يوم فتح مكة، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد، والإساءة لم تنس، انتهى كلام المعتزلي.

 

 

مقتل الزبير

 

أما الزبير فإنه خرج من المعركة ووصل إلى منطقة في ضواحي البصرة يقال لها " وادي السباع " فقتله ابن جرموز غيلة وأخذ رأسه وسيفه وخاتمه، وجاء بها إلى معسكر الإمام، فاستأذن ودخل وإذا به يرى القائد الأعلى للمسلمين جالسا، بين يديه ترس عليه قرص من خبز الشعير، فسلم عليه، وهنأه بالفتح عن الأحنف، لأن الحرب قد وضعت أوزارها حينئذ، وقال: أنا رسول الأحنف، وقد قتلت الزبير، وهذا رأسه وسيفه. فألقاهما بين يديه. فقال الإمام: " كيف قتلته ؟ وما كان من أمره ؟ فحدثنا كيف

 

‹ صفحة 72 ›

 

 كان صنعك به ؟ ". فقص عليه ما جرى فقال: ناولني سيفه، فناوله، فاستله وهزه وقال: " سيف أعرفه، طالما جلا الكرب عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ". ثم التفت الإمام إلى ابن جرموز قائلا: " والله، ما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما، ولكن الجبن ومصارع السوء ". ثم تفرس في وجه الزبير وقال: " ومنه قرابة، ولكن دخل الشيطان منخرك فأوردك هذا المورد ". فقال ابن جرموز: الجائزة يا أمير المؤمنين. فقال (عليه السلام ): " أما إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار ". وقبض أمير المؤمنين (عليه السلام ) ما وجد في عسكر الجمل من سلاح ودابة ومملوك ومتاع فقسمه بين أصحابه. فقال بعض أصحابه: أقسم بيننا أهل البصرة، فاجعلهم رقيقا. فقال: " لا ". فقالوا: كيف تحل لنا دماءهم وتحرم علينا سبيهم ؟

 

‹ صفحة 73 ›

 

 فقال: " كيف يحل لكم ذرية ضعيفة دار هجرة الإسلام ؟ وأما ما جلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم، وأما ما وارت الدور وأغلقت عليه الأبواب فهو لأهله، ولا نصيب لكم في شئ منه ". فلما أكثروا عليه القول قال: " فاقرعوا على عائشة لأدفعها إلى من تصيبه القرعة ". فقالوا: نستغفر الله يا أمير المؤمنين. ثم انصرفوا. فلما دخل (عليه السلام ) بيت المال في نفر من المهاجرين والأنصار، ونظر إلى كثرة ما فيه قال: " غري غيري " مرارا. ثم نظر إلى المال وصعد وصوب بصره، وقال: " أقسموه بين أصحابي خمسمائة خمسمائة ". فقسم بينهم، فلا والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم ) بالحق نبيا ما نقص درهما ولا زاد درهما، كأنه كان يعرف مبلغه ومقداره، وكان مقدار المال ستة ملايين، وعدد أصحابه اثنا عشر ألف رجل، وأخذ هو خمسمائة درهم كواحد منهم. فجاءه رجل لم يحضر الواقعة فقال: يا أمير المؤمنين ! كنت شاهدا بقلبي، وإن غاب عنك جسمي، فاعطني من الفئ شيئا.

 

‹ صفحة 74 ›

 

 فدفع إليه الذي أخذه لنفسه، ولم يصب من الفئ شيئا. وفي رواية أخرى: جاء رجل فقال: إن اسمي سقط من كتابك. فقال (عليه السلام ): " ردوها عليه " ثم قال: " الحمد الله الذي لم يصل إلي من هذا المال شئ ". ولما فرغ من تقسيم بيت المال قام خطيبا في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: " أيها الناس ! إني أحمد الله على نعمة قتل طلحة والزبير، وأيم الله لو كانت عائشة طلبت حقا، وهانت باطلا، لكان لها في بيتها مأوى، وما فرض الله عليها الجهاد، وإن أول خطأها في نفسها، وما كانت، والله على القوم أشأم من ناقة الصخرة، وما ازداد عدوكم إلا حقدا، وما زادهم الشيطان إلا طغيانا، ولقد جاؤوا مبطلين، وأدبروا ظالمين، إن إخوانكم المؤمنين جاهدوا في سبيل الله وآمنوا يرجون مغفرة الله، وإننا لعلى الحق وإنهم لعلى الباطل، ويجمعنا الله وإياهم يوم الفصل، واستغفر الله لي ولكم ". أرسل الإمام (عليه السلام ) ابن عباس إلى عائشة يأمرها بتعجيل الرحيل، وقلة العرجة - الإقامة - فجاءها ابن عباس وهي في

 

‹ صفحة 75 ›

 

 قصر بني خلف، فطلب الإذن عليها فلم تأذن له، فدخل عليها بغير إذنها، فإذا بيت قفار لم يعد فيه مجلس، فإذا هي من وراء سترين، نظر ابن عباس إلى ما في الحجرة، فوقع بصره على طنفسة على رحل، فمد الطنفسة وجلس عليها. فقالت عائشة من وراء الستر: يا بن عباس، أخطأت السنة، دخلت بيتنا بغير إذننا، وجلست على متاعنا بغير إذننا. فقال ابن عباس: نحن أولى بالسنة منك ونحن علمناك السنة، وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) فخرجت منه ظالمة لنفسك، غاشة لدينك، عاتية على ربك، عاصية لرسول الله، فإذا رجعت إلى بيتك لم ندخله إلا بإذنك ولم نجلس على متاعك إلا بأمرك، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بعث إليك يأمرك بالرحيل إلى المدينة وقلة العرجة.

فقالت عائشة: رحم الله أمير المؤمنين، ذاك عمر بن الخطاب. فقال ابن عباس: هذا والله أمير المؤمنين، وإن تربدت فيه وجوه، ورغمت معاطس، أما والله لهو أمير المؤمنين، وأمس برسول الله رحما، وأقرب قرابة، وأقدم سبقا وأكثر علما، وأعلى منارا، وأكثر آثارا من أبيك ومن عمر.

 

‹ صفحة 76 ›

 

 فقالت عائشة: أبيت ذلك. فقال ابن عباس: أما والله، إن كان إباؤك - أي عدم قبولك - فيه لقصير المدة، عظيم التبعة، ظاهر الشؤم، بين النكر، وما كان إباؤك فيه إلا حلب شاة حتى صرت ما تأمرين ولا تنهين ولا ترفعين ولا تضعين، وما كان مثلك إلا كمثل ابن الحضرمي ابن يحمان أخي بني أسد حيث يقول:

ما ذاك إهداء القصائد بيننا * شتم الصديق وكثرة الألقاب

حتــــى تركتهم كأن قلوبهم * في كـــل مجمعة طنين ذباب

سمعت عائشة فأرقات دمعها، وبدا عويلها، ثم قالت: أخرج والله عنكم، فما في الأرض بلد أبغض إلي من بلد تكونون فيه. فقال ابن عباس: فلم ؟ والله ماذا بلاؤنا عندك، ولا يضعنا إليك، إنا جعلناك للمؤمنين أما، وأنت بنت أم رومان، وجعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة حامل قصاع الودك - الخمر - لابن جذعان إلى أضيافه. فقالت: يا بن عباس تمنون علي برسول الله ؟

 

‹ صفحة 77 ›

 

 فقال: ولم لا نمن عليك بمن لو كان منك قلامة منه مننتنا به ؟ ونحن لحمه ودمه ومنه، وما أنت إلا حشية من حشايا تسع، خلفن بعده، لست بأبيضهن لونا، ولا بأحسنهن وجها، ولا بأرشحهن عرقا، ولا بأنضرهن ورقا، ولا بأطهرهن أصلا، صرت تأمرين فتطاعين، وتدعين فتجابين، وما مثلك إلا كما قال أخو بني فهر:

مننــــت علــــى قــــومي فأبدوا عداوة * فقلــــت لهـــم: كفوا العداوة والشكرا

ففيــــه رضــــا مـــــن مثلكم لصديقكم * وأحجى بكم أن تجمعوا البغي والكفرا

ثم نهض ابن عباس وأتى الإمام فأخبره بمقالتها، وما رد عليها، فقال (عليه السلام ): " أما إني كنت أعلم بك حيث بعثتك ". استمرت الحرب من الزوال إلى الغروب، وقيل استمرت ثلاثة أيام، وعلى كل حال فقد بلغ عدد القتلى خمسة وعشرين ألف قتيل: ستة آلاف من أصحاب الإمام، والباقون من أصحاب الجمل، وأما الأيدي والأرجل التي قطعت فقد بلغ

 

‹ صفحة 78 ›

 

 عددها أربعة عشر ألفا. وهكذا روت الأرض الدماء، وهكذا زهقت الأرواح، ولا تسأل عن الجرحى ولا تسأل عن أرامل القتلى ويتاماهم. كل هذا لمصلحة من ؟ هذا والكلام طويل والحديث ذو شجون، وفي هذا المقدار كفاية، فإنا لله وإنا إليه راجعون. نقلنا بعض وقائع هذه القصة من كتاب " علي من المهد إلى اللحد " للسيد الخطيب القزويني مع الاختصار في العبارة، أما المعنى فواحد، ومن كتاب نهج البلاغة، ومن بحار الأنوار وموسوعة إحقاق الحق. .. وروى هذه الواقعة معظم علماء القوم ومحدثيهم وحفاظهم ومؤرخيهم بألفاظ مختلفة متقاربة، مفصلة وموجزة، في مسانيدهم وكتبهم التاريخية، فراجعها في مظانها.

 

 

ملخص واقعة الجمل الصغرى

 

وبلفظ آخر موجز، أذكر ملخص معركة الجمل الصغرى والكبرى اقتطفت بعض بنودها من كتاب " النص والاجتهاد " المورد 85 من ص 298 إلى ص 316:

 

‹ صفحة 79 ›

 

 كانت عائشة من المؤلبين على قتل عثمان، وربما كانت من أبرزهم، وهي أول من رفعت شعار الفتنة على قتله، وذلك بعد ما جاءته هي وحفصة تطالبانه بإرثهما من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعد ما ردهما ذلك الرد القاطع بقوله: إذا كان أبواكما قد ورثا فاطمة (عليها السلام ) فإني أورثكما، وإنما افتريا على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) كذبا بقولهما: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: " إننا معاشر الأنبياء لا نورث وإن ما تركناه صدقة، وحرما فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) ميراثها من أبيها، وبعد خروجهما من داره رفعت عائشة علم الثورة على عثمان بقولها وقد أبرزت قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): هذا قميص رسول الله لم يبل وعثمان أبلى سنة رسول الله وبدل وغير، اقتلوا نعثلا فقد كفر. شبهته بأحد منافقي يهود المدينة حينذاك، وكان اسمه نعثل. كما أن عمرو بن العاص هيج الناس من جانب آخر. وبعد أن لقحت الفتنة وتيقنها من إشعال نارها، وأن عثمان حوصر في داره بالمدينة خرجت وحفدتها إلى مكة، تنتظر النتيجة، وبعد اشتداد الفتنة ومقتل عثمان بسوء أعماله، وانتخب الإمام أمير المؤمنين للخلافة بصورة إجماعية، بعد امتناعه

 

‹ صفحة 80 ›

 

 الشديد وإصراره على عدم قبولها، قائلا لهم: " أنا أحدكم أرضى ما ترضون به، دعوني لكم وزير خير من أمير ". وبعد الضغط والالحاح خاف من تفرق كلمتهم قبل البيعة له، فكان أول من بايعه وأصفق على يده طلحة والزبير، ثم انهالت الناس عليه بشكل لم يسبق له مثيل مبايعين طائعين غير مكرهين. وعندما سمعت عائشة بمقتل عثمان، قالت: لقد أراح الناس من شره. بعدها سألت: من انتخب من بعده ؟ فلما قيل لها: الإمام علي بن أبي طالب، صاحت من ساعتها بأعلى صوتها: ليت السماء انطبقت على الأرض، قتل عثمان مظلوما بعد أن استتابه. وجيشت الجيوش والناس على قتال الإمام أمير المؤمنين، ورفعت هذه المرة شعار الثأر بدم عثمان، وحصل من أعانها على ذلك لبلوغ هدفها، وبذل لها الخيل والسلاح والرجال، وفي مقدمتهم بني أمية، وعلى رأسهم مروان بن الحكم. وبعد وصول طلحة والزبير إلى مكة والتحاقهما بالركب اشتد أزر المعارضة، وأسرعا في تسيير الجيوش إلى البصرة، وكان في مقدمة قواده طلحة والزبير، وتبعهم مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وغيرهم، وكان ذلك في أواخر ربيع

 

‹ صفحة 81 ›

 

 الأول من سنة 36 ه‍، وفي العشرة الأخيرة بعد منتصف ربيع الثاني وصلت عائشة مع جيوشها البصرة. وفي يوم 25 ربيع الثاني هجم عسكر عائشة على والي البصرة من قبل أمير المؤمنين (عثمان بن حنيف ) فجرا، وكان يصلي بالناس صلاة الصبح في الجامع الأكبر، فقتلوا من عارضهم من المصلين، ثم أخذوه ومن كان من أعوانه، وكبلوهم بالحديد، وبعدها هجموا على دار الإمارة، وقتلوا حراسه، وكان عددهم سبعين حارسا بأمر من عائشة، قتلوهم صبرا بيد الزبير وابنه المشؤوم عبد الله، وأرادوا قتل الوالي عثمان ابن حنيف غير أنه هددهم بأخيه سهل بن حنيف والي الإمام على المدينة حينذاك، فتركوه بعد أن نتفوا لحيته وشاربه وشعر رأسه وحتى أشفار عينيه وأوجعوه ضربا. وبعدها هجموا على بيوت أموالي المسلمين بقيادة الزبير، وكان على حراسته خمسين حارسا بعد أن قاوموا مقاومة شديدة وأبلوا بلاء حسنا قتلوهم، واستولوا على الأموال، ونهبوا كل ما وجدوه. ولما سمع حكيم بن جبلة ما صنع جيش عائشة بعثمان بن

 

‹ صفحة 82 ›

 

 حنيف وقتل حراس دار الإمارة وحراس بيوت أموال المسلمين ونهب ثرواته، خرج في ثلاثمائة رجل من عشيرته، عبد قيس، وكان سيدهم لمحاربة الغازين، فخرجت عائشة راكبة على جملها (عسكر ) ومعها جيشها الضال، فحاربت القوم حربا ضروسا، وتجالدوا بالسيوف والرماح وأبلوا بلاء حسنا، حتى قتل حكيم بن جبلة ومن معه من عشيرته من عبد قيس جميعهم، وكانوا جميعا مؤمنين صالحين رحمهم الله. وكذلك حدثت بعدها معارك أخرى بين بعض المؤمنين وبين جيش عائشة في موقعين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، حتى قتل أكثر من خمسمائة شخص من المؤمنين، كما قتل من جيش عائشة بقدرهم أو ربما أكثر، وكل هذه المعارك حدثت قبل وصول الإمام أمير المؤمنين وجيشه البصرة. وهذه الحرب هي: (واقعة الجمل الصغرى ).

 

 

ملخص واقعة الجمل الكبرى

 

أما واقعة الجمل الكبرى فقد حدثت في يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الأول من سنة 36 ه‍ نفس السنة، عندما وصل

 

‹ صفحة 83 ›

 

 الإمام البصرة بجيوشه، وحاول محاولات عديدة، وبذل جهودا جبارة في إخماد نار الفتنة، وحذرهم وأنذرهم وألقى عليهم الحجج، وكان آخر إنذار لهم أن أرسل المصحف الشريف على رأس شاب مؤمن من عسكره يدعوهم إلى العمل بموجبه فكان جوابهم أن قطعوا يمينه وشماله وقتلوه أبشع قتلة، وما اكتفوا بهذا حتى رشقوا جيش الإمام (عليه السلام ) بالسهام والنبال، وابتدأوا الحرب، فاشتدت، فكانت حربا ضروسا، أكلت الرجال كما تأكل النار الهشيم. وبعد أن نصر الله تعالى جنده، بقيادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) وانكسار جيش أصحاب الجمل وهزيمتهم، أحصي من قتل من جيش عائشة فكانوا حوالي الثلاثة عشر ألفا أو يزيدون، ومن بينهم طلحة. أما الزبير فقد قتل بوادي السباع بعد أن ترك ساحة المعركة راجعا إلى المدينة بعد تذكيره الإمام حديث الرسول، وقد قتله ابن جرموز غيلة وجاء برأسه وسيفه وخاتمه إلى الإمام، فلما رآه وقص عليه كيفية قتله، قال الإمام: " سمعت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: بشر قاتل ابن صفية بالنار ".

 

‹ صفحة 84 ›

 

 وهكذا روت أرض البصرة بدماء المسلمين من كلا الطرفين، وأزهقت أرواحهم. ولا تسأل عن الأعضاء المقطعة والجرحى ولا تسأل عن أرامل القتلى وأيتامهم، كل هذا لمصلحة من ؟ ! وهو موقف يطول مقامه، وكلام ذو شجون فإلى من نلتجئ وإلى من نشكو، فإنا لله وإنا إليه راجعون. روى هذه الواقعة معظم العلماء ورجال سير التاريخ، ومحدثيهم وحفاظهم بألفاظ مختلفة، لا تخرج عن معنى ما ذكرناه مفصلة وموجزة في مسانيدهم وتاريخهم، فراجع إن أردت الاستقصاء في مظانها. ذكر ابن الصباغ في الفصول المهمة ص 86 (ط. النجف وطهران )، قال: ذكر نقلة الأخبار وأصحاب التاريخ أن عدد من قتل من أهل الجمل ستة عشر ألفا وسبعمائة وتسعون رجلا " 790 / 16 " وكانت جملتهم ثلاثين ألفا، فأتى القتل على أكثر من نصفهم، وأن عدد من قتل من أصحاب علي (عليه السلام ) ألف وسبعون رجلا " 1070 " وكانت عدتهم عشرين ألفا، وقيل غير ذلك والله العالم.

 

‹ صفحة 85 ›

 

 وفي بعض الروايات أن المقتولين في هذه المعركة بلغ خمسة وعشرون ألفا عدا المجروحين والذين قطعت أيديهم وأرجلهم والتي بلغت أربعة عشر ألفا، منهم حوالي الثمانية عشر ألفا أو يزيدون من أصحاب الجمل، والباقي حوالي الستة آلاف أو يزيدون استشهدوا من جيش الإمام (عليه السلام )، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وبعد رجوع عائشة إلى المدينة مدحورة عاتبتها أم المؤمنين السيدة أم سلمة على عصيانها أمرها وخروجها إلى البصرة بأبيات مطلعها:

لــــو كــــان معتصمـا من زلة أحد * كانـــت لعائشة الرتبى على الناس

من زوجة لرســــول الله فــــاضلة * وذكــــر آي مــــن القــرآن مدراس

وحكمــــة لم يكــــن إلا لهــــاجــها * في الصدر تذهب عنها كل وسواس

وينــــزع الله مــــن قـــوم عقولهم * حتى يمر الذي يقضي عـلـى الرأس

ويرحـــــم الله أم المــــؤمنين لقــد * تبدلــــت بــــي ايحـــاشــــا باينـــاس

 

‹ صفحة 86 ›

 

 

لما سمعت عائشة أبيات أم سلمة قالت لها: شتمتيني يا أخت، فقالت أم سلمة: ولكن الفتنة إذا أقبلت غطت على البصيرة، وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل. لمصلحة من قتل هذا العدد من المسلمين وأهريقت دماؤهم ويتمت أطفالهم ورملت نساؤهم وثكلت أمهاتهم وإخوانهم ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

‹ صفحة 87 ›

 

 

 

معركة صفين

 

بعدما انتهت معركة الجمل في البصرة ووضعت الحرب أوزارها رجع الإمام (عليه السلام ) إلى الكوفة مظفرا منصورا، وجعل الكوفة مقرا لحكمه، وعاصمة لإدارة شؤون المسلمين والدولة الإسلامية المترامية الأطراف. ولما استقر به المقام (عليه السلام )، بعث بشير بن عمرو بن محصن الأنصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي إلى معاوية، فقال لهم: " ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الطاعة والجماعة واحتجوا عليه وانظروا ما رأيه "، وكان ذلك أول ذي الحجة من سنة 36 ه‍، فلما دخل الوفد عليه وأبلغوه رسالة الإمام وجرت بينهم محادثات ومحاججات كثيرة وتبادل الكتب والرسائل، لم تجد معاوية تلك السفارة نفعا. وبعد أيام بعث الإمام (عليه السلام ) وفدا آخر يضم عدي بن حاتم

 

‹ صفحة 88 ›

 

 الطائي، ويزيد بن قيس الأرحبي، وشبث بن ربعي، وزياد بن خصفة بالسفارة إتماما للحجة وتوكيدا للسلام والموادعة، ولكن معاوية طغى وتجبر وصمم على الحرب والمواجهة المسلحة مع الإمام، وقد سبق أن بعث أمير المؤمنين (عليه السلام ) إلى معاوية كتابا بيد رجل من أصحابه إلى الشام، وبعد أن استلم معاوية الكتاب، وفشل سفارة الوفود جمع بعض أصحابه وأطلعهم على مضمون الكتاب، وأمرهم بإشاعة هذا الخبر وإذاعته بين الناس، أن عليا قتل عثمان، ومعاوية ولي دمه، فيجب الطلب بثأر عثمان ودمه، وأعانه على هذه الفكرة، عمرو بن العاص، واشترط على معاوية أنه إذا أعانه على حرب الإمام (عليه السلام ) وأخرجوا مصر من تحت سلطة أمير المؤمنين (عليه السلام ) يكون عمرو بن العاص واليا وأميرا على مصر، ولا يدفع لمعاوية خراجها لمدة عشر سنين، فقبل معاوية هذا الشرط فبايعه على ذلك، كما أن أهل الشام بايعوا معاوية على حرب أمير المؤمنين وخليفة المسلمين. فنهض معاوية بجيشه وأقبل إلى " صفين " وهي أرض واسعة كبيرة، مستعدا للقتال. وأقبل الإمام بجيشه حتى عسكر في ذلك المكان.

 

‹ صفحة 89 ›

 

 وبعد أيام وصل أبو الأعور السلمي على مقدمة جيش معاوية إلى منطقة صفين، الكائنة بالقرب من مدينة الرقة في سوريا، ونزل منزلا مستويا واسعا، واستولوا على شريعة نهر الفرات، ووصل بعدها مالك الأشتر ومعه أربعة آلاف مقاتل، وهم مقدمة الجيش العلوي، فاصطدموا بجيش أبي الأعور السلمي وأزالوهم عن الفرات، بعدها وصل معاوية مع جيشه الجرار، فانسحب مالك الأشتر عنها، فاستولى معاوية بجيشه على شاطئ نهر الفرات، وصار الماء تحت سيطرتهم. ولما وصل الإمام (عليه السلام ) ومعه مائة ألف مقاتل أو يزيدون، أمرهم الإمام أن ينزلوا ويضعوا أثقالهم، وتسرع بعضهم إلى ناحية معاوية واقتتلوا قتالا يسيرا، وتقدمت طائفة منهم إلى شاطئ الفرات ليستقوا فمنعهم جيش الشام. فأرسل الإمام (عليه السلام ) صعصعة بن صوحان إلى معاوية يعاتبه على منعه الماء وجرى بينهم كلام طويل، وقد سبق أن نصح عمرو بن العاص معاوية، وأمره أن يفسح المجال لأصحاب الإمام كي يشربوا من الماء، ولكن غرور معاوية ولؤمه منعه من قبول النصيحة. وقال معاوية لأهل الشام: هذا أول الظفر، لا سقاني الله ولا أبا سفيان

 

‹ صفحة 90 ›

 

 إن شربوا منه حتى يقتلوا بأجمعهم. فتباشر أهل الشام بالغلبة على عدوهم عن طريق حبس الماء عنهم ! فقام رجل همداني من جيش معاوية وقال: يا معاوية ! سبحان الله سبقتم القوم إلى الفرات وتمنعونهم الماء ؟ أما والله لو سبقكم عليه علي لسقاكم منه، أليس أعظم ما تنالون من القوم أن تمنعوهم الفرات ؟ ! أما تعلمون أن فيهم العبد والأمة والأجير والضعيف ومن لا ذنب له ؟ ! هذا والله أول الجور. فأغلظ له معاوية في الكلام، وقال لعمرو: أكفني صديقك، فأتاه عمرو وقابله بالكلام الخشن، فسار الهمداني في سواد الليل حتى لحق بجيش الإمام (عليه السلام ). ومكث أصحاب الإمام (عليه السلام ) يوما وليلة بغير ماء، واغتم الإمام (عليه السلام ) من عطش أصحابه، وقال عمرو بن العاص لمعاوية: إن عليا لا يموت عطشا، ومعه تسعون ألفا من أهل العراق أو يزيدون، وسيوفهم على عواتقهم، دعهم يشربون وتشرب. فقال معاوية: لا والله، أو يموتوا عطشا كما مات عثمان. وخرج الإمام تلك الليلة يدور في عسكره، فسمع قائلا يقول:

 

‹ صفحة 91 ›

 

أيمنعــنا القوم ماء الفرات * وفينــــا علــــي وفينا الهدى

وفينــا الصلاة وفينا الصيام * وفينا المناجون تحت الدجى

ثم مر بآخر، فسمعه يقول:

أيمنعنا القوم ماء الفــــــرات * وفينـــا الرماح وفينا الحجف

وفينــــا علــــي لــــه صولــة * إذا خـــــوفوه الردى لم يخف

ونحــــن عــداه لقيـــنا الزبير * وطلحة خــــضنا غمار التلف

فما الناس أمس أسد العرين * وما بالنــــا اليوم شاة عجف

وألقي على الأشعث بن قيس، وكان حينذاك في جيش الإمام (عليه السلام )، رقعة فيها شعر، فلما قرأها هاجت فيه الحمية، فأخذها ودخل على الإمام (عليه السلام )، فقال: يا أمير المؤمنين ! أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا والسيوف بأيدينا ؟ ! خل عنا وعن

 

‹ صفحة 92 ›

 

 القوم، فوالله لا نرجع حتى نرده أو نموت. فقال الإمام (عليه السلام ): " ذلك إليكم ". فرجع الأشعث فنادى في الناس: من يريد الماء أو الموت، فميعاده موضع كذا، فإني ناهض. فخرج اثنا عشر ألف رجل من قبيلة كندة وغيرهم، واضعي سيوفهم على عواتقهم، وأقبل مالك الأشتر بخيله، فحملوا على الفرات حملة رجل واحد، وأخذت السيوف أهل الشام مأخذا عظيما، فولوا الدبر، حتى غمست خيل الإمام سنابكها في الفرات واستولوا على الشريعة وأزالوا أبا الأعور السلمي عنها، وقتل من قتل منهم، وغرق من غرق منهم، ومن خيولهم، وصارت الشريعة بأيدي جيش الإمام (عليه السلام ) فقالوا: لا والله لا نسقيهم. فأرسل إليهم الإمام (عليه السلام ) أن خذوا حاجتكم من الماء، وخلوا بينهم وبين الماء، فإن الله قد نصركم عليهم بظلمهم وبغيهم. فقال بعضهم للإمام (عليه السلام ) امنعهم الماء كما منعوك. فقال (عليه السلام ): " لا، خلوا بينهم وبينه، لا أفعل ما فعله الجاهلون ". هذا الفرق بين العدل والجور، وبين الحق والباطل. واستأذن معاوية وروده المشرعة، فأباح الإمام له ذلك،

 

‹ صفحة 93 ›

 

 وكان جل همه المحافظة على السلام والأمان بقدر الإمكان، كما فعل بأصحاب الجمل في البصرة. أرسل الإمام (عليه السلام ) الأشخاص إلى معاوية للتفاهم معه وحسم النزاع، وعدم إراقة وسفك الدماء، وإلقاء الحجة عليه، ولكن معاوية كان مصرا على الحرب والقتال. وأخيرا اصطدم العسكران واشتعلت نار الحرب، فزحف بعضهم على بعض، وتراموا بالنبال والحجارة حتى فنيت، ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت، ومشى بعضهم إلى بعض بالسيوف وعمد الحديد، فلم يسمع إلا وقع الحديد، وانكسفت الشمس، وأمطرت السماء دما، وحملت الأفواج على الأفواج، واستمر القتال متواصلا ستا وثلاثين ساعة، واقترب جيش الإمام من مقر قيادة الجيش الأموي، وطلب معاوية فرسا ليهرب، وكان أهل الشام ينادون: يا معشر العرب، الله الله في الحرمات من النساء والبنات ! الله الله في البقية ! لقد فنيت العرب ! واقترب الجيش العلوي من الفتح، ولاح لهم الظفر والنصر وتوجه الخطر إلى معاوية، ولم يستطيع المقاومة إلا عن طريق الخدعة والمكر والحيلة، وبعد مشاورة عمرو بن العاص أمر

 

‹ صفحة 94 ›

 

 معاوية أصحابه في جوف الليل أن يربطوا المصاحف على رؤوس الرماح، وما أن أصبح الصباح وإذا بأهل الشام رافعين خمسمائة مصحف على رؤوس رماحهم، وينادون بما تقدم من كلامهم، ويستعطفون أهل العراق، ويطلبون منهم ترك الحرب، وكان آخر كلامهم: هذا كتاب الله بيننا وبينكم. فقال الإمام (عليه السلام ): " اللهم إنك تعلم أنهم ما الكتاب يريدون ". وقال: " كلمة حق يراد بها باطل ". ومن هذا المنطلق وهذه المكيدة، اختلف أصحاب الإمام (عليه السلام ) فطائفة منهم قالت: القتال حتى النصر. وطائفة منهم قالت: المحاكمة إلى الكتاب، ولا يحل لنا أن نقاتلهم وقد دعينا إلى حكم الله في الكتاب. فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها، وكان عدي بن حاتم الطائي يرى أن الفتح والنصر قد اقترب، ويطلب من الإمام الاستمرار في الحرب، وقام عمر بن الحمق الخزاعي وطلب من الإمام أن يعمل بما يرى، فقام الأشعث بن قيس وقابل هؤلاء بالكلام الخشن، وطلب كف القتال، - عليه لعنة الله - وهذا أول تمرد وخيانة فقال الإمام (عليه السلام ): " إني أحق من

 

‹ صفحة 95 ›

 

 أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية وعمرو بن العاص وابن أبي سرح وابن أبي معيط وابن مسلمة ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإني أعرف بهم منكم، صحبتهم صغارا ورجالا، فكانوا شر صغار وشر رجال. ويحكم أنها كلمة حق يراد بها الباطل، إنهم ما رفعوها ليعرفونها ويعملون بها، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلا أن يقطع دابر الذين ظلموا ". واستمرت الحرب من يوم شروعها إلى صبيحة ليلة الهرير مائة وعشرة أيام، وبلغ عدد القتلى من أهل الشام تسعين ألفا، ومن أهل العراق عشرين ألفا، فكان مجموع القتلى مائة وعشرة آلاف قتيل، كما ذكر المسعودي. إنا لله وإنا إليه راجعون، لمصلحة من سفكت هذه الدماء ؟ ! وجاء إلى الإمام من أصحابه زهاء عشرين ألفا، بتحريض من الأشعث بن قيس رأس الفساد، وأول من جرأ القوم على التمرد والعصيان، مقنعين في الحديد، حاملي سيوفهم على عواتقهم، وقد اسودت جباههم من كثرة السجود - وهم الذين صاروا بعد ذلك خوارج - فنادوا الإمام باسمه لا بإمرة المؤمنين،

 

‹ صفحة 96 ›

 

 وقالوا: يا علي ! أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه، وإلا قتلناك كما قتلنا ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجبهم. فقال الإمام (عليه السلام ): " ويحكم أنا أول من دعا إلى كتاب الله، وأول من أجاب. .. ولكني قد أعلمتكم أنهم قد كادوكم، وأنهم ليس العمل بالقرآن يريدون ". وكان مالك الأشتر في تلك الساعة يقاتل ويتقدم لحظة بعد لحظة، وجيش معاوية ينسحب وينهزم وينقرض ساعة بعد ساعة، ولو أمهلوا الأشتر ساعة واحدة لانتهت الحرب، بانهزام جيش معاوية. فصاح هؤلاء: يا علي ! ابعث إلى الأشتر ليأتيك. فبعث الإمام رجلا إلى الأشتر أن ائتني. فقال الأشتر: ليس هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقعي، إني رجوت الفتح فلا تعجلني. رجع الرسول فأخبر الإمام، وحمل الأشتر على أهل الشام وظهرت علامات الفتح، ولكن القوم قالوا: يا علي ! ما نراك إلا أمرته بالقتال. فقال الإمام: " أرأيتموني شاورت رسولي إليه ؟ أليس إنما كلمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون ؟ ".

 

‹ صفحة 97 ›

 

 فقالوا: ابعث إليه، وإلا فوالله اعتزلناك. فذهب الرسول مرة ثانية إلى الأشتر وأخبر بتمرد القوم واختلافهم، وما كان الأشتر يحب مغادرة جبهة القتال في تلك الساعة الحرجة، فقال له الرسول: أتحب أنك ظفرت ههنا، وإمامك بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ويسلم إلى عدوه ؟ ! فقال الأشتر: سبحان الله ! لا والله، لا أحب ذلك. فقال الرسول: فإنهم حلفوا عليه لترسلن إلى الأشتر فليأتيك، أو لنقتلنك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لنسلمنك إلى عدوك. أقبل الأشتر مغضبا وصاح بالقوم: يا أهل الذل والوهن، أحين علوتم القوم وظنوا أنكم قاهروهم رفعوا المصاحف يدعوكم إلى ما فيها. .. فلا تجيبوهم، أمهلوني فإني قد أحسست بالفتح. قالوا: لا نمهلك. وجرى كلام طويل بينهما حتى آل الأمر إلى السب، والشتم والصياح، فصاح الإمام بهم: " كفوا ". فصاح القوم أن أمير المؤمنين قد رضي المحاكمة بحكم القرآن !

 

‹ صفحة 98 ›

 

 وكان الإمام ساكتا لا يتكلم طيلة هذه الفترة، ولما سكتوا، قال: " أيها الناس ! إن أمري لم يزل معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب. .. إلا إني أمس أمير المؤمنين، فأصبحت اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا، وقد أحببتم البقاء وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ". فاضطربت أقوال الرجال، وقام الرؤساء وتكلموا بما تكلموا من الموافقة على رأي الإمام ورفض المحاكمة، ولكن المهرجين نشروا هذه الكلمة: إن أمير المؤمنين رضي التحكيم. ودخل الأشعث بن قيس، واستأذن من الإمام أن يكون رسولا إلى معاوية من قبله، فأذن له. فجاء الأشعث ودخل على معاوية وقال: لأي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال معاوية: إلى ما أمر الله به فيها، فابعثوا رجلا منكم ترضون به، ونبعث رجلا منا، ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه، ثم نتبع ما اتفقنا عليه. فرجع الأشعث، فأقبل جماعة من أصحاب الإمام، وجماعة أصحاب معاوية، واجتمعوا بين الصفين، وتذاكروا حول انتخاب الحكم، فانتخب أهل الشام عمرو بن العاص، وانتخب

 

‹ صفحة 99 ›

 

 الأشعث ونظراؤه أبا موسى الأشعري، فرفض الإمام أبا موسى ولم يرض به، لأنه كان عثماني الهوى، وهو الذي خذل أصحاب الإمام من الخروج لحرب عائشة في حرب الجمل بالبصرة، وكان واليا للإمام على الكوفة، وذلك على أثر رسالة أرسلتها عائشة إليه، تأمره بخذلان الناس عن نصرة الإمام، حتى جاء مالك الأشتر وعزله عن إمرة الكوفة، وطرده شر طردة كما سبق ذكره في حرب الجمل، فذهب إلى الشام واحتمى بمعاوية. وبعد رفض الإمام أبا موسى، قام الأشعث بن قيس وجماعته، وقالوا: لا نرضى إلا به. فلم يوافق الإمام وانتخب ابن عباس ليكون حكما من قبله، فلم يرض الأشعث، بحجة أن ابن عباس من أقاربه، فاختار الإمام مالك الأشتر فلم يرضوا به. جادل الأشعث الإمام بكل وقاحة وصلافة، ورد عليه جميع مقترحاته، وبقي مصرا على انتخابه الأشعري، فقال الإمام: " فاصنعوا ما شئتم ". وكان يصفق بيديه ويقول: " يا عجبا أأعصى ويطاع معاوية ؟ ! ". ثم أرسلوا إلى أبي موسى الأشعري، وكان بالشام، فجاء إلى معسكر الإمام، فجاء الأشتر ورشح نفسه ليكون هو الحكم،

 

 

 

‹ صفحة 100 ›

 

 وجاء الأحنف بن قيس وحذر الإمام من الأشعري وعجزه وضعف نفسه، ورشح نفسه للحكم، فوافق الإمام على ذلك، ولكن الغوغائية اتبعوا رأي الأشعث وقالوا: لا يكون إلا أبو موسى الأشعري. وكتبوا كتاب الموادعة وهذه صورته: هذا ما تقاضى عليه علي أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان. .. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: بئس الرجل أنا إن أقررت أنه أمير المؤمنين ثم قاتلته. أعادوا الكتاب إلى الإمام فأخبروه، فأمر بمحو كلمة " أمير المؤمنين " فنهاه الأحنف عن ذلك، فقال الأشعث: امح هذا الاسم، فقال الإمام: " إن هذا اليوم كيوم الحديبية، حين كتب الكتاب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، وسهيل بن عمرو. .. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله لم أقاتلك ولم أخالفك، إني إذا لظالم لك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ): يا علي ! إني لرسول الله، وأنا محمد بن عبد الله ولن يمحو عني الرسالة كتابي لهم، إن ذلك الكتاب أنا كتبته بيننا وبين المشركين، واليوم أكتبه إلى أبنائهم

 

 

 

‹ صفحة 101 ›

 

 كما كان رسول الله كتبه إلى آبائهم شبها ومثلا ". فقال عمرو بن العاص: سبحان الله ! أتشبهنا بالكفار ونحن مسلمون ؟ فقال الإمام: " يا بن النابغة ! ومتى لم تكن للكافرين وليا وللمسلمين عدوا ؟ ". ولما أرادوا تنظيم الكتاب سألوا الإمام: أتقر أنهم مسلمون مؤمنون ؟ فقال الإمام: " ما أقر لمعاوية ولا لأصحابه أنهم مؤمنون ولا مسلمون، ولكن يكتب معاوية ما شاء، ويقر بما شاء لنفسه ولأصحابه، ويسمي نفسه بما شاء وأصحابه ". فكتبوا الكتاب وكان في أعلاه ختم الإمام، وفي أسفله خاتم معاوية، وشهد الشهود عليها، وخرج الأشعث بالكتاب، وقرأه على أهل العراق، فهاج الناس، وظهرت الفتنة والانقسام والتفرقة، وتكونت فرقة الخوارج وصاحوا: لا حكم إلا لله، فأين قتلانا يا أشعث ؟ وحمل بعضهم على الأشعث ليقتله. وأقبلوا إلى الإمام مستنكرين الحكم وطلبوا من الإمام نقض العهد والرجوع إلى الحرب فقال الإمام: " ويحكم أبعد الرضى

 

 

 

‹ صفحة 102 ›

 

 والميثاق والعهد نرجع ؟ ! أليس الله تعالى قد قال: (أوفوا بالعقود ) (1 )، وقال: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) (2 )، فبرأ الخوارج من الإمام وبرأ منهم. وأقبل الجيش يستأذنون الإمام بالهجوم على معاوية، فقال الإمام (عليه السلام ): " لو كان هذا قبل المعاهدة وسطر الصحيفة لأزلتهم عن عسكرهم ". وكان من التحكيم أنه توجه الأشعري للاجتماع بابن العاص للمحاكمة، فحذره الناس من مكيدة ابن العاص وغدره وسوء سوابقه، حتى يتخذ التدابير اللازمة، ويكون على بصيرة من أمره، ولكن كان كل هذا بلا جدوى، بل كانت النتيجة معكوسة. واجتمع الحكمان في المكان المعد لهما فقال عمرو: تكلم يا أبا موسى، فقال الأشعري: بل أنت تكلم. فقال عمرو:

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) المائدة / 1.

( 2 ) النحل / 91.

 

 

 

 

‹ صفحة 103 ›

 

 ما كنت لأفعل وأقدم نفسي قبلك، ولك حقوق كلها واجبة. فتكلم أبو موسى، فقال عمرو: إن للكلام أولا وآخرا، ومتى تنازعنا الكلام لم نبلغ آخره حتى ننسى أوله، فاجعل ما كان من كلام بيننا في كتاب يصير إليه أمرنا ؟ فقال أبو موسى: اكتب، ودعا عمرو بصحيفة وكاتب. وبعد سؤال وجواب، وخداع وتزوير، قال الأشعري: قد علمت أن أهل العراق لا يحبون معاوية أبدا، وأن أهل الشام لا يحبون عليا أبدا، فهلم نخلعهما، ونستخلف عبد الله بن عمر بن الخطاب. فقال عمرو: أيفعل ذلك ابن عمر ؟ قال: نعم إذا حمله الناس على فعل ذلك فعل. فقال عمرو: فهل لك في سعد بن أبي وقاص ؟ قال: لا فذكر ابن العاص جماعة، والأشعري لا يرضى بهم، وكل هذا كان مراوغة من ابن العاص ليستغفله، فقال عمرو: قم واخطب. فقال الأشعري: قم أنت واخطب. فامتنع ابن العاص فقام الأشعري وخرج من الخيمة، وقد اجتمع أربعمائة رجل من أصحاب الإمام، ومثلهم من أصحاب معاوية، فقال الأشعري في خطبته: أيها الناس ! إنا نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ولم الشعث وحقن

 

 

 

‹ صفحة 104 ›

 

 الدماء وجمع الألفة خلعنا عليا ومعاوية، وقد خلعت عليا كما خلعت عمامتي هذه وخلع عمامته المشؤومة. ثم قام عمرو وقال: " أيها الناس ! إن أبا موسى عبد الله بن قيس قد خلع عليا وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب، وهو أعلم به، ألا وإني خلعت عليا وأثبت معاوية علي وعليكم. فقال الأشعري: كذب عمرو لم نستخلف معاوية، ولكنا خلعنا معاوية وعليا. فقال عمرو: بل كذب عبد الله بن قيس، قد خلع عليا ولم أخلع معاوية. فقال الأشعري: مالك لا وفقك الله ؟ ! غدرت وفجرت، إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. فقال عمرو: بل إياك يلعن الله، كذبت وغدرت، إنما مثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا. فضرب عمرو أبا موسى فسقط، وضرب شريح عمروا بالسوط، فركب الأشعري راحلته وتوجه إلى مكة وحلف أن لا ينظر في وجه علي.

إلى هنا انتهت مهزلة التحكيم وملابساتها، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

 

‹ صفحة 105 ›

 

 

 

واقعة النهروان

 

لما تقرر التحكيم غادر الإمام (عليه السلام ) صفين وقصد الكوفة، وبقي فيها ينتظر إنهاء مدة الهدنة، ليعيد الحرب والقتال، وبعد فشل التحكيم انشقت أمة من جيش الإمام وتمردت عليه، وعزت فشلها إلى قبول الإمام بالتحكيم، فتكونت فرقة " الخوارج " كما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) وسماهم " المارقون " فقد مرقوا من الدين كما مرق السهم من الرمية. وأول من انفصل من جيش الإمام بعد وصولهم الكوفة أربعة آلاف مقاتل من أصحابه، وهم المعروفون بالنسك والعبادة، وأصحاب الجباه السود من السجود، وتكتلوا كتلة واحدة ضد الإمام، فخرجوا من الكوفة لإعلان المخالفة والانشقاق، وأطلقوا شعارهم المعروف " لا حكم إلا لله ولا طاعة لمن عصى الله ". وانضم إليهم ممن يرى رأيهم من أهل الكوفة والبصرة

 

 

‹ صفحة 106 ›

 

 وغيرها ثمانية آلاف آخرون، فصاروا اثني عشر ألفا، وساروا قاصدين الحر وراء، وتجمعوا فيها وجعلوها مقرا لهم. وحروراء قرية قرب الكوفة على ميلين منها. ونادى مناديهم: إن أمير القتال شبث بن ربعي، وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا، والأمر شورى بعد الفتح، والبيعة لله على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. دخل زرعة الطائي وحرقوص بن زهير - ذو الثدية - على الإمام، فقالا: لا حكم إلا لله. فقال الإمام (عليه السلام ): " كلمة حق يراد بها الباطل ". فقال ذو الثدية: تب من خطيئتك، وراجع عن قصتك، واخرج بنا إلى عدونا نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال (عليه السلام ): " قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، وقد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا وشروطا، وأعطينا عليهم عهودا ومواثيق، وقد قال الله تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) " (1 ). فقال ذو الثدية: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب عنه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1 ) النحل / 91.

 

 

‹ صفحة 107 ›

 

 فقال (عليه السلام ): " ما هو ذنب ولكنه عجز من الرأي وضعف في العقل وقد تقدم فنهيتكم عنه ". فقال ابن الكوا: الآن صح عندنا أنك لست بإمام، ولو كنت إماما لما رجعت. فقال (عليه السلام ): " ويلكم قد رجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) عام الحديبية عن قتال أهل مكة ". فقال زرعة: أما والله لئن لم تتب من تحكيمك الرجال لأقتلنك أطلب بذلك وجه الله ورضوانه. فقال (عليه السلام ): " بؤسا لك، ما أشقاك، كأني بك قتيلا، تسفي عليه الرياح ". قال زرعة: وددت أنه كان ذلك. وبعث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) صعصعة بن صوحان مع زياد ابن النضر وعبد الله بن العباس إلى القوم فلم يرتدعوا، فدعا الإمام صعصعة وقال له: " بأي القوم رأيهم أشد طاعة ؟ " فقال صعصعة: بيزيد بن قيس الأرحبي. فركب الإمام (عليه السلام ) إلى حروراء، حتى وصل إلى خيمة يزيد بن قيس فصلى هناك ركعتين ثم خرج، فاتكأ على قوسه، وأقبل

 

‹ صفحة 108 ›

 

 على المنشقين فقال: " هذا مقام من فلج فيه فلج إلى يوم القيامة ". ثم تكلم وناشدهم فقال لهم: " ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحب قلت لكم: إن هذه مكيدة ووهن، ولو أنهم قصدوا إلى حكم المصاحف لأتوني وسألوني التحكيم ؟ ". قالوا: صدقت. قال: " أفتعلمون أن أحدا أكره إلى التحكيم مني ؟ ". قالوا: لا. قال: " فهل تعلمون أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم، فاشترطت أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله، فمتى خالفاه فأنا وأنتم من ذلك براء، وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني ؟ ". فقال ابن الكواء: حكمت في دين الله برأينا، ونحن مقرون بأنا كفرنا، ولكن الآن تائبون، فأقرر بما أقررنا به، وتب ننهض معك إلى الشام. فقال (عليه السلام ): " أما تعلمون أن الله قد أمر بالتحكيم في شقاق بين الرجل وامرأته، فقال سبحانه: (فابعثوا حكما من أهله

 

‹ صفحة 109 ›

 

 وحكما من أهلها ) (1 ) وفي صيد - كأرنب - يساوي نصف درهم فقال: (يحكم به ذوا عدل منكم ) (2 ). فقالوا له: فإن عمرو بن العاص لما أبى أن تقول في كتابك: هذا ما كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين، محوت اسمك من الخلافة وكتبت: علي بن أبي طالب، فقد خلعت نفسك. فقال (عليه السلام ): " لي أسوة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) حين أبى عليه سهيل بن عمرو أن يكتب: هذا ما كتبه محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) وسهيل بن عمرو، وقال: لو أقررت بأنك رسول الله ما خالفتك، ولكني أقدمك لفضلك، فاكتب محمد بن عبد الله، فقال لي: يا علي ! امح كلمة رسول الله، فقلت: يا رسول الله ! لا تشجعني نفسي على محو اسمك من النبوة. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم ): دلني عليه. فمحاه بيده الشريفة، ثم قال: اكتب محمد بن عبد الله. ثم تبسم إلي وقال: إنك لتسام مثلها فتعطي ". فقالوا: إنا أذنبنا ذنبا عظيما بالتحكيم، وقد تبنا، فتب إلى الله

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) النساء / 35.

( 2 ) المائدة / 95.

 

 

‹ صفحة 110 ›

 

 كما تبنا، نعد لك. فقال (عليه السلام ): " استغفر الله من كل ذنب ". فرجع معه منهم ستة آلاف، فلما استقروا بالكوفة أشاعوا أن عليا رجع عن التحكيم ورآه ضلالا. وقالوا: إنما ينتظر أن يسمن الكراع ويجئ المال، ثم ينهض بنا إلى الشام. فأتى الأشعث بن قيس عليا (عليه السلام ) فقال: يا أمير المؤمنين ! إن الناس قد تحدثوا أنك رأيت الحكومة ضلالا، والإقامة عليها كفرا. فقام الإمام (عليه السلام ) فخطب وقال: " من زعم أني رجعت عن الحكمين فقد كذب، ومن رآها ضلال فقد ضل ". فخرجت الخوارج من المسجد، ثم توجهت إلى النهروان " وهم الستة آلاف الذين رجعوا معه من حروراء إلى الكوفة " والتحقوا بجماعتهم، والنهروان قريبة من حروراء، استعدادا لاشتعال نار الحرب ضد جيش الإمام. وقد وقعت لهم في طريقهم إلى النهروان، مفارقات عجيبة وقضايا مبكية ومضحكة، وشر البلية ما يضحك. فمنها: أنهم وجدوا في طريقهم مسلما ونصرانيا، فقتلوا المسلم لأنه عندهم كافر إذ كان على خلاف معتقدهم،

 

‹ صفحة 111 ›

 

 واستوصوا بالنصراني وقالوا: احفظوا ذمة نبيكم. ووثب رجل على رطبة سقطت من نخلة فوضعها في فمه فصاحوا به، حتى لفظها تورعا. ورأى أحدهم خنزيرا فضربه وقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض وأنكروا عليه قتل الخنزير. وساوموا رجلا نصرانيا بنخلة له فقالوا: ما كنا لنأخذها إلا بالثمن. فقال النصراني: وا عجباه أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلون منا نخلة إلا بالثمن ؟ ! أما العبد الصالح عبد الله بن خباب الأزدي، فإنه كان راكبا على حمار ومعه زوجته وهي حامل، فسألوه عدة أسئلة، منها: فما تقول في علي بعد التحكيم ؟ قال: إن عليا أعلم وأشد توقيا على دينه، وأنفذ بصيرة. قالوا: إنك تتبع الهوى، إنما تتبع الرجال على أسمائهم. ثم قربوه على شاطئ النهر فأضجعوه وذبحوه، ثم عمدوا إلى امرأته فشقوا بطنها وهي حامل. وصل القوم إلى النهروان والتحق بهم المنشقون الذين كانوا بحروراء وتوجه الإمام (عليه السلام ) بجيشه إليهم، فقال (عليه السلام ): " يا بن

 

‹ صفحة 112 ›

 

 عباس ! امض إلى هؤلاء القوم، فانظر ما هم عليه، ولماذا اجتمعوا ؟ فلما وصل إليهم، قالوا: ويحك يا بن عباس، كفرت بربك كما كفر صاحبك علي بن أبي طالب. وخرج خطيبهم عتاب بن الأعور الثعلبي فسأله ابن عباس: من بنى الإسلام ؟ أجابه عتاب: الله ورسوله. فقال ابن عباس: النبي أحكم أموره وبين حدوده أم لا ؟ فقال عتاب: بلى. فقال ابن عباس: فالنبي بقي في دار الإسلام أم ارتحل ؟ فقال عتاب: بل ارتحل. فقال ابن عباس: فأمور الشرع ارتحلت معه أم بقيت ؟ فقال عتاب: بل بقيت بعده. فقال ابن عباس: فهل قام أحد بعده بعمارة ما بناه ؟ فقال عتاب: نعم، الذرية والصحابة. فقال ابن عباس: فعمروها أو خربوها ؟ فقال عتاب: بل عمروها. فقال ابن عباس: فالآن هي معمورة أم خراب ؟ فقال عتاب: بل خراب

 

‹ صفحة 113 ›

 

 فقال ابن عباس: خربها ذريته أم أمته ؟ فقال عتاب: بل أمته. فقال ابن عباس: أنت من الذرية أو من الأمة ؟ فقال عتاب: من الأمة. فقال ابن عباس: أنت من الأمة وخربت دار الإسلام، فكيف ترجو الجنة ؟ فقالوا: ليخرج إلينا علي بنفسه لنسمع كلامه، عسى أن يزول ما بأنفسنا إذا سمعناه. فرجع ابن عباس فأخبر الإمام بما حصل، فركب (عليه السلام ) في جماعة، ومضى إليهم، فركب ابن الكواء في جماعة منهم، فلما التقوا، قال الإمام (عليه السلام ): " يا بن الكواء ! إن الكلام كثير، فابرز إلي من أصحابك لأكلمك ". فقال: أنا آمن من سيفك ؟ قال (عليه السلام ): " نعم ". فخرج إليه في عشرة من أصحابه، فقال لهم (عليه السلام ): " ألم أقل لكم إن أهل الشام إنما خدعوكم بها - الحكومة ورفع المصاحف وغير ذلك - فإن الحرب قد عضتهم فذروني أناجزهم فأبيتم ؟ ألم أرد نصب ابن عمي - ابن عباس - وقلت: إنه لا ينخدع فأبيتم

 

‹ صفحة 114 ›

 

 إلا أبا موسى الأشعري. وقلتم: رضينا به حكما، فأجبتكم كارها ؟ ولو وجدت في ذلك الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم، وشرطت على الحكمين بحضوركم، أن يحكما بما أنزل الله من فاتحته إلى خاتمته، والسنة والجماعة، وأنهما إن لم يفعلا فلا طاعة لهما علي، كان ذلك أو لم يكن ؟ ". قال ابن الكواء: صدقت، كان هذا كله، فلم لا نرجع الآن إلى حرب القوم ؟ قال الإمام (عليه السلام ): " حتى تنقضي المدة التي بيننا وبينهم ". قال ابن الكواء: وأنت مجمع على ذلك ؟ قال (عليه السلام ): " نعم، لا يسعني غيره ". فعاد ابن الكواء والعشرة الذين معه إلى أصحاب الإمام (عليه السلام ) راجعين عن دين الخوارج، وتفرق الباقون وهم يقولون: لا حكم إلا لله. وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي، وذا الثدية، وعسكروا بالنهروان، وخرج الإمام (عليه السلام ) حتى بقي على فرسخين منهم، وكاتبهم وراسلهم، فلم يرتدعوا، فأمر الإمام ابن عباس أن يركب إليهم، وقال: " سلهم ما الذي نقموه ؟ وأنا ردفك فلا تخف منهم ".

 

 

‹ صفحة 115 ›

 

فلما جاءهم ابن عباس قال: ما الذي نقمتم من أمير المؤمنين ؟ قالوا: نقمنا أشياء لو كان حاضرا لكفرناه بها. والإمام يسمع كلامهم، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين قد سمعت كلامهم وأنت أحق بالجواب. فتقدم (عليه السلام ) وقال: " أيها الناس، أنا علي بن أبي طالب، فتكلموا بما نقمتم علي ". قالوا: نقمنا عليك أولا أنا قاتلنا بين يديك بالبصرة، فلما أظفرك الله بهم أبحتنا ما في عسكرهم ومنعتنا النساء والذرية، فكيف حل لنا ما في العسكر ولم يحل لنا النساء ؟ فقال (عليه السلام ): " يا هؤلاء ! إن أهل البصرة قاتلونا بالقتال، فلما ظفرتم بهم قسمتم سلب من قاتلكم، ومنعتكم من النساء والذرية، فإن النساء لم يقاتلن والذرية ولدوا على الفطرة، ولم ينكثوا ولا ذنب لهم، ولقد رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) من على المشركين، فلا تعجبوا إن مننت على المسلمين، فلم أسب نساءهم ولا ذريتهم ". قالوا: نقمنا عليك يوم صفين كونك محوت اسمك من إمرة المؤمنين فإذن لم تكن أميرنا، ولست أميرا لنا.

 

‹ صفحة 116 ›

 

 قال (عليه السلام ): " يا هؤلاء ! إنما اقتديت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) حين صالح سهيل بن عمرو ". قالوا: نقمنا عليك أنك قلت للحكمين: انظروا كتاب الله، فإن كنت أفضل من معاوية فأثبتاني في الخلافة، فإذا كنت شاكا في نفسك، فنحن فيك أشد وأعظم شكا. قال (عليه السلام ): " إنما أردت بذلك النصفة - الإنصاف - فإني لو قلت: احكما لي دون معاوية لم يرض ولم يقبل، ولو قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) لنصارى نجران لما قدموا عليه: " تعالوا نبتهل فأجعل لعنة الله عليكم، لم يرضوا، ولكن أنصفهم من نفسه، فكذلك فعلت أنا، ولم أعلم بما أراد عمرو بن العاص من خديعة أبي موسى ". قالوا: فإنا نقمنا عليك إنك حكمت حكما في حق هو لك. فقال (عليه السلام ): " إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) حكم سعد بن معاذ في بني قريظة ولو شاء لم يفعل، وأنا اقتديت به، فهل بقي عندكم شئ ؟ ". فسكتوا وصاح جماعة منهم من كل جانب: التوبة التوبة يا أمير المؤمنين. فأعطى الإمام راية أمان مع أبي أيوب

 

‹ صفحة 117 ›

 

 الأنصاري، فناداهم أبو أيوب: من جاء إلى هذه الراية أو خرج من الجماعة فهو آمن. فرجع منهم ثمانية آلاف، فأمر الإمام (عليه السلام ) المستأمنين بالاعتزال. وبقي أربعة آلاف منهم مستعدين للقتال، فخطبهم الإمام (عليه السلام ) ووعظهم فلم يرتدعوا، وصاح مناديهم: دعوا مخاطبة علي وأصحابه، وبادروا إلى الجنة، وصاحوا: إلى الجنة. وتقدم حرقوص ذو الثدية، وعبد الله بن وهب وقالا: ما نريد بقتالنا إياك إلا وجه الله والدار الآخرة. فقال (عليه السلام ): (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)(1). فكان أول من خرج أخنس بن العزيز الطائي، فقتله الإمام (عليه السلام ) وخرج عبد الله بن وهب، ومالك بن الوضاح، وبرز الإمام إليهم وقتل الوضاح وضربه ضربة على رأس الحرقوص وقتله، وأمر أصحابه بالهجوم على العدو.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الكهف / 103 - 104.

 

 

‹ صفحة 118 ›

 

 وعندما استعرت الحرب والتهبت نيرانها، صاح عبد الله بن راسب: يا بن أبي طالب، والله لا نبرح من هذه المعركة حتى نأتي على أنفسنا أو نأتي عليك، فابرز إلي وأبرز إليك، وذر الناس جانبا، فلما سمع الإمام كلامه تبسم وقال: " قاتله الله من رجل ما أقل حياءه، أما إنه ليعلم أني لحليف السيف، وخدين الرمح، ولكنه قد يئس من الحياة، وإنه ليطمع طمعا كاذبا ". ثم حمل عليه الإمام فضربه وقتله وألحقه بأصحابه في النار. واختلط الجيشان فلم تكن إلا ساعة حتى قتلوا بأجمعهم وكانوا أربعة آلاف، ولم ينج منهم إلا تسعة رجال، فرجلان هربا إلى خراسان إلى أرض سجستان وبها نسلهما، ورجلان صارا إلى اليمن وفيها نسلهما، وهم الأباضية، ولا يزالون، ورجلان إلى بلاد الجزيرة إلى موضع يعرف بالسن والبواريج نواحي تكريت في شمال العراق، بعد مدينة سامراء، ومن نسلهم [ صدام التكريتي ]، والباقون تفرقوا في المغرب العربي، ولا يزال نسلهم بين ليبيا والجزائر. وقتل من أصحاب الإمام (عليه السلام ) تسعة بعدد من سلم من الخوارج، وكان (عليه السلام ) قد أخبر بذلك قبل بدء المعركة.

 

‹ صفحة 119 ›

 

 وللمزيد راجع ما ذكره الحفاظ في كتبهم وتواريخهم منهم: ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ط. النجف من ص 108 - 111. المسعودي في " مروج الذهب " ج 2 من ص 402 إلى 411 ط. إيران قم. ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ج 3 في ترجمة أمير المؤمنين 7 من ص 191 - 200. الطبري في " تاريخ الأمم والملوك " ج 4، ص 52 - 67، ط. - بيروت. العلامة الأميني في غديره والعلامة المجلسي في بحاره. العلامة السيد محسن الأمين في " رحاب أئمة أهل البيت " ج 2، ص 222 - 237، ط. دار التعارف - بيروت. وغيرهم من الصحاح والمسانيد المعنية بهذا التاريخ. وبهذه الوجازة اختتم ما عاناه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام ) من الطامعين، والحاسدين، والحاقدين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. إنا لله وإنا إليه راجعون، والعاقبة للمتقين.

 

‹ صفحة 120 ›

 

 خلاصة البحث لم يزل الصراع التاريخي منذ اليوم الأول من الخلقة قائما بين الحق والباطل، وبين النور والظلام، وبين الخير والشر، وقد تمثل بمعسكرين: معسكر الرحمن، ومعسكر الشيطان، وكان المعسكر الأول يجسده آدم نبي الله، والمعسكر الثاني يتمثل بإبليس عدو الله، ولا يزال هذا الصراع قائم بين الإيمان والكفر، ولكل من هذين المعسكرين أتباع على مر العصور والأحقاب، حتى جاء دور " عمرو العلى هاشم " و " شيبة الحمد عبد المطلب " الذي يمثل الإيمان، والقيم الإنسانية والفضائل ومكارم الأخلاق، يقابله " عبد شمس وأمية " الذي يمثل معسكر الكفر والإلحاد والشرك. ثم جاء دور خاتم الأنبياء والمرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم ) ليجابهه كفار قريش وفراعنة عصرهم، وليصمد أمام عدوانهم وكان على رأسهم أبو جهل، وصخر بن حرب أبو سفيان وغيرهم من الذين أثاروا الحروب المرة تلو الأخرى ضد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) في بدر، واحد، والأحزاب، وحنين وغيرها وكان النصر حليف الإيمان، وقد اشتد الاصطدام واحتدم بعد رحيل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) والتحاقه بالرفيق الأعلى. بشكل وبآخر سيطر حكام الانقلاب في يوم السقيفة، وأخذوا بأيديهم زمام المبادرة، وتحملت الأمة من جراء ذلك ما تحملت

 

‹ صفحة 121 ›

 

 من ظلم وجور وتعسف لا سيما أهل البيت وأتباعهم وقد بلغ السيل الزبى، حتى قام المسلمون في أمصارهم بالثورة على الفساد الذي تفشى في دست الحكم ووصل ذروته في عهد عثمان بن عفان نتيجة سوء إدارته وسوء تصرف عماله حتى أدى ذلك إلى مقتله، عند ذلك أجمعت الأمة على تصحيح مسيرتها ورفع الجور عنها، والبيعة للإمام علي أمير المؤمنين خليفة لرسول رب العالمين. إلا أن الحاقدين والحاسدين والطامعين، نكثوا البيعة وأثاروا الحروب ضد الإمام علي، بعد ما يأسوا من الحصول على أغراضهم الدنيوية من مناصب وأموال التي كانوا يتمتعون بها أيام خلافة عثمان، بالإضافة إلى خوفهم من عدل علي (عليه السلام ) لمحاسبتهم " من أين لك هذا ؟ ". فزحفت جيوشهم من مكة إلى البصرة بزعامة عائشة بنت أبي بكر، وطلحة بن عبيدة، والزبير بن العوام، وبمؤازرة بني أمية، وفي مقدمتهم مروان بن الحكم، وعبد بن عامر عامل عثمان على مكة، ويعلى بن منبه، بعد سرقة ما في بيت مال المسلمين بمكة من أموال، فكان ما كان من حربي الجمل الصغرى والكبرى في البصرة، كما سجلها التاريخ، وراح ضحيتها زهاء أربع وعشرين ألفا من الفريقين سوى ما ترك من المعوقين والأرامل واليتامى، في حرب الناكثين. ثم جاء دور القاسطين المتمثل بمعاوية بن أبي سفيان، ومؤازرة عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه ومروان بن الحكم وغيرهم، من الذين أعماهم الحقد الدفين، والحسد القاتل،

 

‹ صفحة 122 ›

 

 والطمع الجشع، والذين غرتهم الدنيا وزبرجها، فاتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا وأثاروا الفتنة وأشعلوا نار الحرب في صفين والتي راح ضحيتها حوالي المأة وعشرين ألفا من الفريقين، كل هذه الأرواح التي زهقت والدماء التي سفكت لمصلحة من ؟ فإنا لله وإنا إليه راجعون. أعود فأقول وبعد أن لاح بوادر النصر لجيوش الحق بقيادة ا لإمام علي في صفين، وبان الانكسار في جيوش المنافقين من أهل الشام في ساحة المعركة، تفتقت ذهنية ابن النابغة عمرو بن العاص، في مكيدة رفع المصاحف، لزرع الخلاف في جيش الإمام علي (عليه السلام ) - انطلاقا من سياسة فرق تسد - ولقحت المكيدة وتزعمها المنافق المرتد الأشعث بن قيس الكندي، وتبعته قبيلته من كندة وخلفائها وبعض من انخدع بهذه المكيدة، الشيطانية ومن يكره الحرب ويريد السلامة والعافية في التحكيم. وقد حاول الإمام علي (عليه السلام ) إقناعهم على أن ما فعله ابن النابغة وابن أبي سفيان. ليس إلا خدعة، وأنها كلمة حق حق يراد بها باطل، وما هم من أهل القرآن ولا يعملون به، إلا أنهم جعلوا أصابعهم في آذانهم وأصروا واستكبروا استكبارا، ولم ينصدع منهم لأمر الإمام (عليه السلام ) أحد، ولم يكتفوا بذلك بل حدى بهم الأمر إلى تكفيره وتهديده بالقتل إن لم يقبل التحكيم، وبعد مهزلة التحكيم وفشله ورجوع جيش الإمام إلى الكوفة، خرج من المتمردين زهاء أربعة آلاف منهم، ومرقوا من الدين مروق السهم من الرمية، واتخذوا حروراء مقرا لهم ثم زحفوا بعدها إلى النهروان،

 

‹ صفحة 123 ›

 

 ووقعت المعركة المعروفة بحرب الخوارج في النهروان، راح ضحيتها زهاء أربعة آلاف من المخدوعين. وبعد الفراغ من حرب الخوارج ورجوع الإمام (عليه السلام ) إلى عاصمة حكمه الكوفة أعلن عن تجهيز الجيش مرة ثانية للزحف وخوض لهوات الحرب مجددا مع معاوية وأهل الشام بعد الانتهاء من فترة الهدنة، ليسترجع الحق الشرعي المغصوب إلى أهله، وإعادة الفئة الباغية إلى رشدها، إلا أن يد الخوارج الأثيمة تصدت للإمام علي (عليه السلام ) واغتالته في محراب مسجد الكوفة، وهو يؤدي صلاة الفجر، فضربه المجرم عبد الرحمن بن ملجم بالسيف المسموم على رأسه الشريف، فنادى الإمام نداءه الخالد " فزت ورب الكعبة " وذلك في اليوم التاسع عشر من شهر الصيام المبارك سنة 40 للهجرة النبوية الشريفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وتمخضت بعد ذلك حوادث رهيبة وخلت الأجواء لمعاوية وابن النابغة فزحف بجيوش أهل الشام على الكوفة، بعد أن مهد معاوية طريقه بواسطة المنتفعين من عملائه بمكائده ومؤامراته في تخذيل أصحاب الإمام أبي محمد الحسن (عليه السلام ) سبط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) وتقاعسهم عن نصرته، حتى اضطر إلى مهادنة معاوية ورجوعه إلى مدينة جده (صلى الله عليه وآله وسلم )، ولم يطل به المقام حتى خطط معاوية لاغتيال الإمام الحسن (عليه السلام ) بواسطة عملائه الأوغاد ودس إليه السم الناقع بواسطة زوجته الضالة " جعدة بنت الأشعث "، زعيم حركة الانقلاب والعذر على الإمام علي (عليه السلام ) في صفين. ولم يقف الصراع عند

 

‹ صفحة 124 ›

 

 هذا الحد بل تعداه إلى تصدي قوى النفاق والإلحاد بزعامة الماجن يزيد الخزي والعار بعد هلاك معاوية فعاث في الأرض الفساد، وأول عمل إجرامي قام به، في أخذ البيعة له من الإمام السبط أبي عبد الله الحسين (عليه السلام ) بيعة ذل وهوان، غير أن الإمام أبى ذلك، وقال نحن بيت النبوة، ومعدن الرسالة ونفوس أبية، ويزيد فاسق فاجر شارب الخمور وقاتل النفس المحرمة ومثلي لا يبايع مثله، فخرج من مدينة جده خائفا يترقب، وتوجه إلى مكة بطريقه إلى العراق، بدعوة من أهل الكوفة بآلاف الرسائل التي وردت عليه تدعوه للبيعة له، إلا أن مشيئة الله التي لا راد لها أن يراه قتيلا مضرجا بدمه هو وأهل بيته وأصحابه في أرض كربلاء يوم الطفوف، ويرى عائلته، وثقل رسول الله سبايا يقادون إلى الدعي ابن الدعي في الكوفة ثم إلى الشام، بعد حرب غير متكافئة بين جيش الضلال الذي ضم ثلاثين ألف مقاتل لمحاربة سبط الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيته وأصحابه البررة الذين لم يبلغوا السبعين مقاتلا، هذا ما كان بعض أجرامه في السنة الأولى من تسلطه على الحكم. وفي السنة الثانية، جهز يزيد الخزي والعار، جيشا جرارا بقيادة المجرم مسلم بن عقبة لغزو مدينة الرسول، في " يوم الحرة " فأباد المدينة وقتل النسل والحرث وهتك الأعراض، وقتل الأنفس البريئة من الأطفال والشيوخ والنساء، وأباحها لجنده ثلاثة أيام، في جرائم يندى لها جبين الإنسانية، وصار سبة الدهر والعار. وفي السنة الثالثة من حكمه، وهي الأخيرة هجم بجيشه على

 

‹ صفحة 125 ›

 

 بيت الله الحرام الآمن وأحرق الكعبة وهدمها " بالمنجنيق "، وفعل الأفاعيل وهتك الحرمات، خاصة حرمة بيت الله الحرام الذي جعله الله آمنا لمن قصده منذ أن بناه إبراهيم الخليل (عليه السلام ) والذي كان موضع تقديس الناس وحتى المشركين منهم في العصور الجاهلية الغابرة فضلا عن المسلمين، وبذلك وصل الصراع الدائر بين الحق والباطل وبين الكفر والإيمان إلى أوجه، وفي أبشع صورة، منذ أن أججها عبد شمس وأمية، ضد هاشم، وعبد المطلب. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وما أروع ما وصف العلامة كاشف الغطاء رحمه الله في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام ) حيث قال: " لولا شهادة أبي عبد الله الحسين صلوات الله عليه لكانت الشريعة أموية، ولعادت الملة الحنيفية يزيدية، فحقا أقول: إن الإسلام علوي [النشأة] والتشيع حسيني [البقاء]. أخي المسلم: لا يزال هذا الصراع مستمرا وسيبقى إلى أن يظهر الحجة ابن الحسن عجل الله فرجه ليملئها عدلا وقسطا بعد أن ملئت ظلما وجورا وعليك أن تعرف نفسك من أي الفريقين أنت ؟ وفي أي المعسكرين مقامك. هذا ما لزم عرضه موجزا ومنه سبحانه وتعالى استمد العون والتسديد فإنه ولي التوفيق وإنه أرحم الراحمين..

 

العبد المنيب حسين الشاكري

دار الهجرة - قم المقدسة

الفاتح من محرم الحرام 1419