فهرس الجزء الأول

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 / صفحة 290 /

 

(التتويج يوم الغدير)

 

ولما عرفت من تعيين صاحب الخلافة الكبرى للموكية الاسلامية ونيله ولاية العهد النبوي، كان من الحري تتويجه بما هو شارة الملوك، وسمة الأمراء، ولما كانت التيجان المكللة بالذهب والمرصع بالجواهر من شناشن ملوك الفرس، ولم يكن للعرب منها بدل إلا العمايم فكان لا يلبسها إلا العظماء والأشراف منهم، ولذلك جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: العمائم تيجان العرب .

 رواه القضاعي والديلمي وصححه السيوطي في الجامع الصغير 2 ص 155 وأورده ابن الأثير في النهاية .

 وقال المرتضى الحنفي الزبيدي في تاج العروس 2 ص 12: (التاج: الاكليل) والفضة والعمامة والأخير على التشبي‍ (ج تيجان) وأتواج، والعرب تسمي العمائم: التاج .

 وفي الحديث: العمائم تيجان العرب .

 جمع تاج، وهو ما يصاغ للملوك من الذهب والجوهر، أراد أن العمائم بمنزلة التيجان للملوك لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤس أو بالقلانس، والعمائم فيهم قليلة، والأكاليل تيجان ملوك العجم (وتوجه) أي سوده وعممه .

 وفي ج 8 ص 410: ومن المجاز (عمم بالضم) أي (سود) لأن تيجان العرب العمائم فكما قيل في المعجم: توج من التاج، قيل في العرب: عمم . قال: وفيهم إذ عمم المعمم، و كانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة حمراء، وكانت الفرس تتوج ملوكها فيقال له: المتوج . وعد الشبلنجي في نور الأبصار ص 25 من ألقاب رسول الله صلى الله عليه وآله: صاحب التاج .

 فقال: المراد العمامة لأن العمائم تيجان العرب كما جاء في الحديث .

 فعلى هذا الأساس عممه رسول الله صلى الله عليه وآله هذا اليوم بهيئة خاصة تعرب عن العظمة والجلال، وتوجه بيده الكريمة بعمامته (السحاب) في ذلك المحتشد العظيم، وفيه تلويح إن المتوج بها مقيض [ بالفتح ] بإمرة كإمرته صلى الله عليه وآله

 

 

/ صفحة 291 /

 وسلم، غير أنه مبلغ عنه وقائم مقامه من بعده .

 روى الحافظ عبد الله ابن أبي شيبة، و أبو داود الطيالسي، وابن منيع البغوي، وأبو بكر البيهقي كما في كنز العمال 8 ص 60 عن علي قال: عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدلها خلفي، وفي لفظ: فسدل طرفها على منكبي، ثم قال: إن الله أمدني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمون هذه العمة وقال: إن العمامة حاجزة بين الكفر والإيمان .

 ورواه من طريق السيوطي عن الأعلام الأربعة السيد أحمد القشاشي [ 1 ] في " السمط المجيد " .

 وفي كنز العمال 8 ص 60 عن مسند عبد الله بن الشخير عن عبد الرحمن بن عدي البحراني عن أخيه عبد الأعلى بن عدي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب فعممه وأرخى عذبة (2) العمامة من خلفه (الديلمي) .

 وعن الحافظ الديلمي عن ابن عباس قال: لما عمم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا بالسحاب (3) قال له: يا علي ؟ العمائم تيجان العرب .

 وعن ابن شاذان في مشيخته عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم عممه بيده فذنب العمامة من ورائه ومن بين يديه ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أدبر . فأدبر، ثم قال له: أقبل . فأقبل وأقبل على أصحابه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا تكون تيجان الملائكة .

 وأخرج الحافظ أبو نعيم في " معرفة الصحابة " ومحب الدين الطبري في " الرياض النضرة " 2 ص 217 عن عبد الأعلى بن عدي النهرواني: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم غدير خم فعممه وأرخى عذبة العمامة من خلفه .

 وذكره العلامة الزرقاني في شرح المواهب 5 ص 10 .

 وأخرج شيخ الاسلام الحمويني في الباب الثاني عشر من " فرايد السمطين " من طريق أحمد بن منيع بإسناد فيه عدة من الحفاظ الاثبات عن أبي راشد عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل أيدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين هذه العمة، والعمة الحاجز بين المسلمين والمشركين . قاله لعلي لما عممه يوم غدير خم بعمامة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المتوفى 1071 ترجمه المحبي في خلاصة الأثر ج 1 ص 343 - 46 وأثنى عليه .

 (2) عذبة بفتح المهملة: طرف الشيء .

 (3) قال ابن الأثير في النهاية 2 ص 160: كان اسم عمامة النبي صلى الله عليه وسلم " السحاب " .

 

 

 

/ صفحة 292 /

 سدل طرفها على منكبه . وأخرج بإسناد آخر من طريق الحافظ أبي سعيد الشاشي (المترجم ص 103) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمم علي بن أبي طالب رضي الله عنه عمامته السحاب فأرخاها من بين يديه ومن خلفه ثم قال: أقبل .

 فأقبل، ثم قال: أدبر . فأدبر، قال: هكذا جاءتني الملائكة .

 وبهذا اللفظ رواه جمال الدين الزرندي الحنفي في [ نظم درر السمطين ]، وجمال الدين الشيرازي في أربعينه، وشهاب الدين أحمد في توضيح الدلايل وزادوا: ثم قال صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم ؟ وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله .

 وأخرج الحمويني بإسناد آخر من طريق الحافظ أبي عبد الرحمن ابن عايشة عن علي قال: عممني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم بعمامة فسدل نمرقها على منكبي وقال: إن الله أيدني يوم بدر وحنين بملائكة معتمين بهذه العمامة .

 وبهذا اللفظ رواه ابن الصباغ المالكي في " الفصول المهمة " ص 27، والحافظ الزرندي في [ نظم درر السمطين ]، والسيد محمود القادري المدني في " الصراط السوي " .

 * (فائدة) * قال أبو الحسين الملطي (1) في التنبيه والرد ص 26: قولهم " يعني الروافض ": علي في السحاب .

 فإنما ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: أقبل وهو معتم بعمامة للنبي صلى الله عليه وسلم كانت تدعى " السحاب " فقال صلى الله عليه وسلم: قد أقبل علي في السحاب . يعني في تلك العمامة التي تسمى " السحاب " فتأولوه هؤلاء على غير تأويله .

 وقال الغزالي كما في البحر الزخارا: 215: كانت له عمامة تسمى السحاب فوهبها من علي فربما طلع علي فيها فيقول صلى الله عليه وسلم: أتاكم علي في السحاب .

 وقال الحلبي في السيرة 3 ص 369: كان له صلى الله عليه وسلم عمامة تسمى السحاب كساها علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فكان ربما طلع عليه علي كرم الله وجهه فيقول صلى الله عليه وسلم: أتاكم علي في السحاب، يعني عمامته التي وهبها له صلى الله عليه وسلم .

 قال الأميني: هذا معنى ما يعزى إلى الشيعة من قولهم: إن عليا في السحاب .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي المتوفى 377 .

 

 

/ صفحة 293 /

ولم يأوله أي أحد منهم قط من أول يومهم على غير تأويله كما حسبه الملطي، وإنما أوله الناس افتراء علينا، والله من ورائهم حسيب .

 فيوم التتويج هذا أسعد يوم في الاسلام، وأعظم عيد لموالي أمير المؤمنين عليه السلام كما أنه مثار حنق وأحقاد لمن ناوئه من النواصب .

 

وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة " سورة عبس "