فهرس الجزء الأول

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ صفحة 354 /

 

الشبهة عند العلماء

 

لم تكن هذه الشبهة الرازية الداحضة بالتي تخفى على العرب والعلماء لكنهم عرفوها قبل الرازي وبعده، وما عرفوها إلا في مدحرة البطلان، ولذلك تراها لم تزحزحهم عن القول بمجيئ المولى بمعنى الأولى، قال التفتازاني في شرح المقاصد ص 289، والقوشجي في شرح التجريد ولفظهما واحد: إن المولى قد يراد به المعتق و الحليف والجار وابن العم والناصر والأولى بالتصرف قال الله تعالى: مأويكم النار هي مولاكم .

 أي أولى بكم ذكره أبو عبيدة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها .

 أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها، ومثله في الشعر كثير، وبالجملة استعمال المولى بمعنى المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف شايع في كلام العرب منقول عن كثير من أئمة اللغة، والمراد أنه اسم لهذا المعنى لا أنه صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنه ليس من صيغة أفعل التفضيل وأنه لا يستعمل استعماله . ا ه‍ .

 ذكرا ذلك عند تقريب الاستدلال بالحديث على الإمامة ثم طفقا يردانه من شتى النواحي عدا هذه الناحية فأبقياها مقبولة عندهما، كما أن الشريف الجرجاني في شرح المقاصد حذا حذوهما في القبول، وزاد بأنه رد بذلك مناقشة القاضي عضد بأن مفعلا بمعنى أفعل لم يذكره أحد فقال: أجيب عنه بأن المولى بمعنى المتولي والمالك للأمر والأولى بالتصرف شايع في كلام العرب منقول من أئمة اللغة، قال أبو عبيدة: هي موليكم أي أولى بكم، وقال عليه السلام: أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها .

 أي الأولى بها والمالك لتدبير أمرها . ا ه‍ .

 وابن حجر في الصواعق ص 24 على تصلبه في رد الاستدلال بالحديث سلم مجيئ المولى بمعنى الأولى بالشيء لكنه ناقش في متعلق الأولوية في أنه هل هي عامة الأمور ؟ أو إنها الأولوية من بعض النواحي ؟ واختار الأخير ونسب فهم هذا المعنى من الحديث إلى الشيخين أبي بكر وعمر في قولهما: أمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة .

 وحكاه عنه الشيخ عبد الحق في لمعاته، وكذا حذا حذوه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد القادر الشافعي في " ذخيرة المآل " فقال: التولي: الولاية وهو الصديق والناصر أو الأولى بالاتباع والقرب

 

 

/ صفحة 355 /

 منه كقوله تعالى: إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه .

 وهذا الذي فهمه عمر رضي الله عنه من الحديث فإنه لما سمعه قال: هنيئا يا بن أبي طالب ؟ أمسيت ولي كل مؤمن ومؤمنة. ا ه‍ .

 وسبق عن الأنباري في " مشكل القرآن ": إن للمولى ثمان معان أحدها: الأولى بالشيء، وحكاه الرازي عنه وعن أبي عبيدة فقال في " نهاية العقول ": لا نسلم أن كل من قال: إن لفظة المولى محتملة للأولى قال بدلالة الحديث على إمامة علي رضي الله عنه، أليس إن أبا عبيدة وابن الأنباري حكما بأن لفظة المولى للأولى مع كونهما قائلين (1) بإمامة أبي بكر رضي الله عنه ؟ . ا ه‍ .

 ونقل الشريف المرتضى عن أبي العباس المبرد إن أصل يا ولى أي الذي هو أولى وأحق ومثله المولى، وقال أبو نصر الفارابي الجوهري المتوفى 393 في " صحاح اللغة " 2 ص 564 مادة ولي في قول لبيد: إنه يريد أولى موضع أن يكون فيه الخوف .

 وأبو زكريا الخطيب التبريزي في شرح ديوان الحماسة 1 ص 22 في قول جعفر بن علبة الحارثي :

ألهفي بقري سجل حين أحلبت * علينا الولايا والعدو المباسل

عد من وجوه معاني المولى الثمانية (2) الولي والأولى بالشيء، وعن عمر بن عبد الرحمن الفارسي القزويني في " كشف الكشاف " في بيت لبيد: إن مولى المخافة .

 أي أولى وأحرى بأن يكون فيه الخوف، وعد سبط ابن الجوزي في " التذكرة " ص 19 ذلك من معاني المولى العشرة المستندة إلى علماء العربية، ومثله ابن طلحة الشافعي في " مطالب السئول " ص 16، وذكر الأولى في طليعة المعاني التي جاء بها الكتاب وتبعه الشبلنجي في نور الأبصار ص 78 وأسند ذلك إلى العلماء .

 وقال شارحا المعلقات السبع: عبد الرحيم بن عبد الكريم، ورشيد النبي في بيت لبيد: إنه أراد بولي المخافة: الأولى بها .

 وبذلك كله تعرف حال ما أسنده صاحب التحفة الاثنى عشرية إلى أهل العربية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) لا يهمنا ما يرتأيانه في الإمامة وإنما الغرض تنصيصهما بمعنى اللفظ اللغوي .

 (2) وهي: العبد، والسيد، وابن العم، والصهر، والجار، والحليف، والولي، و الأولى بالشيء .

 

 

 

/ صفحة 356 /

 قاطبة من إنكار استعمال المولى بمعنى الأولى بالشيء .

 أو يحسب الرجل أن من ذكرناهم من أئمة الأدب الفارسي ؟ أو أنهم لم يقفوا على موارد لغة العرب كما وقف عليها الشاه صاحب الهندي ؟ وليس الحكم في ذلك إلا ضميرك الحر .

 مضافا إلى أن إنكار الرازي عدم استعمال أولى مضافا ممنوع على إطلاقه لما عرفت من إضافته إلى المثنى والمجموع، وجائت في السنة إضافته إلى النكرة، ففي صحيح البخاري في الجزؤ العاشر ص 7 و 9 و 10 و 13 بأسانيد جمة قد اتفق فيها اللفظ عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ألحقوا الفرايض بأهلها فما تركت الفرايض فلأولى رجل ذكر .

 ورواه مسلم في صحيحه 2 ص 2، وفيما أخرجه أحمد في المسند 1 ص 313: فلأولى ذكر، وفي ص 335: فلأولى رجل ذكر، وفي نهاية ابن الأثير 2 ص 49: لأولى رجل ذكر .

 ويعرب عما نرتأيه في حديث الغدير ما يماثله في سياقه جدا عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ما من مؤمن إلا أنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة إقرؤا إن شئتم: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني وأنا مولاه .

 أخرجه البخاري في صحيحه 7 ص 190 وأخرجه مسلم في صحيحه 2 ص 4 بلفظ: إن على الأرض من مؤمن إلا أنا أولى الناس به، فأيكم ما ترك دينا أو ضياعا فأنا مولاه .