فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 / ص 201 /

 8- ترك التكبير المسنون في الصلوات:

أخرج الطبراني (وفي نيل الاوطار: الطبري) عن أبي هريرة: إن اول من ترك التكبير معاوية، وروى أبوعبيد: ان أول من تركه زياد.

وأخرج ابن أبي شيبة من طريق سعيد بن المسيب انه قال: أول من نقص التكبير معاوية.(1)

قال ابن حجر في فتح الباري 2: 215: هذا لا ينافي الذي قبله، لان زيادا تركه بترك معاوية. وكان معاوية تركه بترك عثمان (2)، وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الاخفاء.

وفي الوسائل إلى مسامرة الاوائل ص 15: أول من نقص التكبير معاوية كان إذا قال: سمع الله لمن حمده. انحط إلى السجود فلم يكبر، وأسنده العسكري عن الشعبي، وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: اول من نقص التكبير زياد.

وفي نيل الاوطار للشوكاني 2: 266: هذه الروايات غير متنافية، لان زيادا تركه بترك معاوية، وكان معاوية تركه بترك عثمان وقد حمل ذلك جماعة من اهل العلم على الاخفاء، وحكى الطحاوي: ان بني امية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، وما هذه بأول سنة تركوها.

وأخرج الشافعي في كتابه " الام " 1: 93 من طريق أنس بن مالك قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقرائة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لام القرآن ولم يقرا بها للسورة التي بعدها حتى قضى تلك القرائة، ولم يكبر حين يهوي حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين من كل مكان: يا معاوية ؟ أسرقت الصلاة أم نسيت ؟ فلما صلى بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم للسورة التي بعد ام القرآن وكبر حين يهوي ساجدا.

وأخرج في كتاب " الام " 1: 94. من طريق عبيد بن رفاعة: أن معاوية قدم المدينة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح البارى 2: 215، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 134، نيل الاوطار 2: 266، شرح الموطأ للزرقانى 1: 145.

(2) أخرج حديثه أحمد في مسنده من طريق عمران كما يأتى في المتن بعيد هذا

 

 

/ ص 202 /

 

فصلى بهم فلم يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر إذا خفض وإذا رفع، فناداه المهاجرون حين سلم والانصار: أن يا معاوية  سرقت صلاتك ؟ أين بسم الله الرحمن الرحيم ؟ وأين التكبير إذا خفضت وإذا رفعت ؟ فصلى بهم صلاة اخرى، فقال: ذلك فيما الذي عابوا عليه.

وأخرجه من طريق انس صاحب " الانتصار " كما في البحر الزخار 1: 249.

قال الاميني: تنم هذه الاحاديث عن أن البسملة لم تزل جزئا من السورة منذ نزول القرآن الكريم، وعلى ذلك تمرنت الامة، وانطوت الضمائر، وتطامنت العقائد، و لذلك قال المهاجرون والانصار لما تركها معاوية: انه سرق ولم يتسن لمعاوية أن يعتذر لهم بعدم الجزئية حتى إلتجأ إلى إعادة الصلاة مكللة سورتها بالبسملة، أوانه إلتزم بها في بقية صلواته، ولو كان هناك يومئذ قول بتجرد السورة عنها لاحتج به معاوية لكنه قول حادث ابتدعوه لتبرير عمل معاوية ونظرائه من الامويين الذين اتبعوه بعد تبين الرشد من الغي.

وأما التكبير عند كل هوي وانتصاب فهي سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله عرفها الصحابة كافة فانكروا على معاوية تركها، وعليها كان عمل الخلفاء الاربعة، واستقر عليها إجماع العلماء وهي مندوبة عندهم عدا ما يؤثر عن أحمد في إحدى الروايتين عنه من وجوبها وكذلك عن بعض أهل الظاهر، واليك جملة مما ورد في المسألة:

1 - عن مطرف بن عبدالله قال: صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال: قد ذكرني هذا صلاة محمد، أو قال: لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ لاحمد: قال عمران: ما صليت منذ حين. أو قال: منذ كذا كذا أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الصلاة. صلاة علي.

وفي لفظ آخر له: عن مطرف عن عمران قال: صليت خلف علي صلاة ذكرني صلاة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين قال: فانطلقت فصليت معه فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع فقلت: يا أبا نجيد من أول من تركه ؟ قال عثمان بن عفان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه.

 

 

/ ص 203 /

 

صحيح البخارى 2: 57، 70، صحيح مسلم 2: 8، سنن أبي داود 1: 133، سنن النسائي 2: 204، مسند أحمد 4: 428، 429، 432، 440، 444، البحر الزخار 1: 254.

2 - عن أبي هريرة انه كان يصلي بهم فيكبر كلما خفض ورفع فإذا انصرف قال: إني لاشبهكم صلاة برسول الله. وفي لفظ للبخاري: فلم تزل تلك صلاته حتى لقي الله.

راجع صحيح البخاري 2: 57، 58، صحيح مسلم 2: 7 بعدة طرق وألفاظ، سنن النسائي 2: 181، 235، سنن أبي داود 1: 133، سنن الدارمي 1: 285، المدونة الكبرى 1 : 73، نصب الراية 1: 372، البحر الزخار 1: 255.

3 - عن عكرمة قال: رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع وإذا قام وإذا وضع فأخبرت ابن عباس رضي الله عنه قال: أو ليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا ام لك.

وفي لفظ: عن عكرمة صليت خلف شيخ بمكة فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة، فقلت لابن عباس: إنه أحمق فقال: ثكلتك امك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.

صحيح البخاري 2: 57، 58، مسند أحمد 1: 218، البحر الزخار 1: 255.

قال الاميني: يظهر من هذه الرواية ان تغيير الامويين هذه السنة الشريفة وفي مقدمهم معاوية كان مطردا بين الناس حتى كادوا أن ينسوا السنة فحسبوا من ناء بها أحمقا، أو تعجبوا منه كأنه أدخل في الشريعة ما ليس منها، كل ذلك من جراء ما اقترفته يدا معاوية وحزبه الاثيمتان، وجنحت إليه ميولهم وشهواتهم، فبعدا لاولئك القصيين عما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

4 - عن علي وابن مسعود وأبي موسى الاشعري وأبي سعيد الخدري وغيرهم: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر عند كل خفص ورفع. صحيح البخارى 2: 70، سنن الدارمي 1: 285، سنن النسائي 2: 205، 230، 233، المدونة الكبرى 1: 73، نصب الراية 1: 372، بدايع الصنايع 1: 207، منتقى الاخبار لابن تيمية، البحر الزخار 1 : 254.

5 - أخرج أحمد وعبدالرزاق والعقيلي من طريق عبدالرحمن بن غنم قال: إن أبا

 

 

/ ص 204 /

 

 مالك الاشعري (الصحابي الشهير بكنيته) قال لقومه: قوموا حتى اصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه وكبر. إلى آخر الحديث المذكور بطوله في ج 8: 181 وفيه انه كبر في كل خفض ورفع.

6 - عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر كلما

خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى قبضه الله.

المدونة الكبرى 1: 73، نصب الراية 1: 372.

7 - في المدونة الكبرى 1: 72: ان عمر بن عبدالعزيز كتب إلى عماله يأمرهم أن يكبروا كلما خفضوا ورفعوا في الركوع والسجود إلا في القيام من التشهد بعد الركعتين لا يكبر حتى يستوي قائما مثل قول مالك.

هذه سنة الله ورسوله صلى الله عليه وآله في تكبير الصلوات عند كل هوي وانتصاب، وبها أخذ الخلفاء، وإليها ذهبت أئمة المذاهب، وعليها استقر الاجماع، غير أن معاوية يقابلها بخلافها ويغيرها برأيه ويتخذ الامويون احدوثته سنة متبعة تجاه ما جاء به نبي الاسلام.

قال ابن حجر في فتح الباري 2: 215 استقر الامر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصل، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الاحرام، وعن أحمد وبعض اهل العلم بالظاهر يجب كله.

وقال في ص 216: أشار الطحاوي إلى أن الاجماع استقر على أن من تركه فصلاته تامة، وفيه نظر لما تقدم عن أحمد، والخلاف في بطلان الصلاة بتركه ثابت في مذهب مالك إلا أن يريد إجماعا سابقا.

وقال النووي في شرح مسلم: اعلم أن تكبيرة الاحرام واجبة وما عداها سنة لو تركه صحت صلاته لكن فاتته الفضيلة وموافقة السنة، هذا مذهب العلماء كافة إلا أحمد بن حنبل رضي الله عنهم في إحدى الروايتين عنه ان جميع التكبيرات واجبة.

وقال الشوكاني في نيل الاوطار 2: 265: حكى مشروعية التكبير في كل خفض ورفع عن الخلفاء الاربعة وغيرهم ومن بعدهم من التابعين قال: وعليه عامة الفقهاء والعلماء، وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود،

 

 

/ ص 206 /

 

وابن عمر، وجابر، وقيس بن عباد، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والاوزاعي، ومالك، وسعيد بن عبدالعزيز، وعامة أهل العلم، وقال البغوي في شرح السنة: اتفقت الامة على هذه التكبيرات.

وعن ابن عبدالبر في شرح الموطأ للزرقاني 1: 145: وقد اختلف في تاركه فقال ابن القاسم: إن اسقط ثلاث تكبيرات سجد لسهوه وإلا بطلت، وواحدة أو اثنتين سجد أيضا، فإن لم يسجد فلا شيئ عليه، وقال عبدالله بن عبد الحكم وأصبغ: إن سها سجد فإن لم يسجد فلا شيئ عليه، وعمدا أساء وصلاته صحيحة، وعلى هذا فقهاء الامصار من الشافعيين والكوفيين واهل الحديث والمالكيين إلا من ذهب منهم مذهب ابن القاسم.

 

9- ترك التلبية خلافا لعلى عليه السلام:

أخرج النسائي في سننه 5: 253، والبيهقي في السنن الكبرى 5: 113 من طريق سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس بعرفة فقال: ياسعيد  مالي لا أسمع الناس يلبون ؟ فقلت: يخافون معاوية. فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال: لبيك أللهم لبيك، وإن رغم ألف معاوية، اللهم العنهم فقد تركوا السنة من بغض علي.

وقال السندي في تعليق سنن النسائي: (من بغض علي) أي لاجل بغضه، أي وهو كان يتقيد بالسنن فهؤلاء تركوها بغضا له.

وفي كنز العمال: عن ابن عباس قال: لعن الله فلانا انه كان ينهى عن التلبية في هذا اليوم يعني يوم عرفة، لان عليا كان يلبي فيه. ابن جرير.

وفي لفظ أحمد في المسند 1: 217 عن سعيد بن جبير قال: أتيت ابن عباس بعرفة وهو يأكل رمانا فقال: أفطر رسول الله بعرفة وبعثت إليه ام الفضل بلبن فشربه. وقال: لعن الله فلانا عمدوا إلى أعظم أيام الحج فمحوا زينته، وإنما زينة الحج التلبية. وحكاه في كنز العمال عن ابن جرير الطبري.

وفي تاريخ ابن كثير 8: 130 من طريق صحيح عن سفيان عن حبيب عن سعيد عن ابن عباس انه ذكر معاوية وانه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه ان

 

 

/ ص 206 /

 

عليا لبى عشية عرفة فتركه. وقال ابن حزم في المحلى 7: 136: كان معاوية ينهى عن ذلك.

قال الاميني: إن السنة المسلمة عند القوم استمرار التلبية إلى رمي جمرة العقبة أو لها أو آخرها على خلاف فيه. وإليك ما يؤثر منها عندهم:

1 - عن الفضل: أفضت مع النبي صلى الله عليه وسلم من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. وفي لفظ: لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة.

صحيح البخاري 3: 109، صحيح مسلم 4: 71، صحيح الترمذي 4: 150، قال: وفي الباب عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، سنن النسائي 5: 268، 275، 276، سنن ابن ماجة 2: 244، سنن ابي داود 1: 287، سنن الدارمي 2: 62، سنن البيهقي 5: 112، 119، كتاب الام 2: 174 وقال: وروى ابن مسعود عن النبي مثله. ه‍. مسند أحمد 1 : 226، وأخرجه ابن خزيمة وقال: هذا حديث صحيح مفسرا لما أبهم في الروايات الاخرى (1) وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم.

2 - عن جابر بن عبدالله واسامة وابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لزم التلبية و

لم يقطعها حتى رمى جمرة العقبة.

راجع صحيح البخاري 3: 114، سنن ابن ماجة 2: 244، المحلى 7: 136، بدايع الصنايع 2: 156.

3 - عن عبدالرحمن بن يزيد: ان عبدالله بن مسعود لبى حين أفاض من جمع فقيل له: عن أي هذا ؟ " وفي لفظ مسلم: فقيل: أعرابي هذا " فقال: أنسي الناس أم ضلوا ؟ سمعت الذي انزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: لبيك أللهم لبيك.

راجع صحيح مسلم 1: 363 وفي ط 4: 71، 72، سنن البيهقي 5: 122، المحلى

7: 135 وصححه، ورواه الطحاوي باسناد صحيح كما في فتح الباري 3: 420، بدايع الصنايع 2: 154.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نيل الاوطار 5: 55.

 

 

/ ص 207 /

 

4 - عن كريب مولى ابن عباس: إن ميمونة ام المؤمنين لبت حين رمت الجمرة.

كتاب الام 2: 174، سنن البيهقي 5: 113، المحلى 7: 136

5 - عن ابن عباس: تلبي حتى تأتي حرمك إذا رميت الجمرة. سنن البيهقي 5: 113.

6 - عن ابن عباس أيضا: سمعت عمر يلبي غداة المزدلفة. المحلى لابن حزم 7: 136.

7 - عن ابن عباس أيضا: سمعت عمر بن الخطاب يهل وهو يرمي جمرة العقبة فقلت له: فيما الاهلال يا أمير المؤمنين ؟ فقال: وهل قضينا نسكنا بعد ؟

كتاب الام مختصرا 2: 174، سنن البيهقي 5: 113، المحلى، 7: 136.

8 - عن ابن عباس أيضا: حججت مع عمر إحدى عشرة حجة وكان يلبي حتى يرمي الجمرة.

أخرجه سعيد بن منصور كما في فتح الباري 3: 419.

9 - عن ابن عباس أيضا: التلبية شعار الحج فإن كنت حاجا فلب حتى بدء حلك، وبدء حلك أن ترمي جمرة العقبة. أخرجه ابن المنذر باسناد صحيح كما في فتح الباري 3: 419.

10 - عن ابن مسعود: لا يمسك الحاج عن التلبية حتى يرمى جمرة العقبة.

المحلى لابن حزم 7: 136.

11 - عن الاسود بن يزيد: انه سمع عمر بن الخطاب يلبي بعرفة.

سنن البيهقي 5: 113، المحلى 7: 136.

12 - أخرج ابن أبي شيبة من طريق عكرمة يقول: أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رمى الجمرة، وأبوبكر وعمر. المحلى 7: 136.

13 - عن أنس بن مالك في الجواب عن التلبية يوم عرفة: سرت هذا المسير مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمنا المكبر،ومنا المهل،ولا يعيب أحدنا على صاحبه.صحيح مسلم4: 73.

 

 

/ ص 208 /

 

14 - عن عائشة، كانت تلبي بعد عرفة. المحلي 7: 36.

15 - عن عبدالرحمن الاسود: ان أباه صعد إلى ابن الزبير المنبر يوم عرفة فقال له: ما يمنعك أن تهل ؟ فقد رأيت عمر في مكانك هذا يهل فأهل ابن الزبير. المحلى لابن حزم 7: 136.

16 - عن مولانا أمير المؤمنين انه لبى حتى رمى جمرة العقبة. المحلى 7: 136.

17 - عن مولانا علي أيضا انه لبى في الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية.

أخرجه مالك في الموطأ 1: 247 وقال: وذلك الامر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا.

وذكره صاحب البحر الزخار 2: 342.

18 - عن عكرمة: كنت مع الحسين بن علي " عليهما السلام " فلبى حتى رمى جمرة العقبة.

هذه هي السنة المتسالم عليها عند القوم، وبها أخذت أئمة الفقه والفتوى قال ابن حزم في المحلى 7: 135: لا يقطع التلبية إلا مع آخر حصاة من جمرة العقبة، فإن مالكا قال: يقطع التلبية إذا نهض إلى عرفة، ثم زيف أدلة مالك، وأنت سمعت قول مالك قبيل هذا وانه يخالف ما عزاه إليه ابن حزم.

وقال في ص 136: لا يقطعها حتى يرمي الجمرة وهو قول أبي حنيفة والشافعي و أحمد وإسحاق وأبي سليمان.

وقال ملك العلماء في البدايع 2: 154: لا يقطع التلبية وهذا قول عامة العلماء، وقال مالك: إذا وقف بعرفة يقطع التلبية والصحيح قول العامة.

وقال ابن حجر في فتح الباري 3: 419: وباستمرارها قال الشافعي وأبوحنيفة والثوري وأحمد وإسحاق وأتباعهم.

وفي نيل الاوطار 5: 55: ان التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور.

هذا ما تسالمت عليه الامة سلفا وخلفا، لكن معاوية جاء متهاونا بالسنة لمحض أن عليا عليه السلام كان ملتزما بها، فحدته بغضاء‌ه إلى مضادته ولو لزمت مضادة السنة،

 

 

/ ص 209 /

 

 ومحو زينة الحج، هذه نظرية خليفة المسلمين فيما حسبوه، وهذا مبلغه من الدين ومبوأه من الاخذ بسنة نبيه صلى الله عليه وآله فلهفي على المسلمين من متغلب عليهم بإسم الخلافة.

وإني لست أدري أكان من السائغ الجائز لعن ابن عباس وهو محرم في ذلك الموقف العظيم، في مثل يوم عرفة اليوم المشهود معاوية باغض علي أمير المؤمنين ومناوئه تارك سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هلا كان حبر الامة يعلم أن الصحابة كلهم عدول ؟ أو ان الصحابي كائنا من كان لا يجوز سبه ؟ أو ان معاوية مجتهد وللمخطأ من المجتهدين أجر واحد ؟ أنا لا أدري، غير أن ابن عباس لا يقول بالتافه ولا يخبت إلى الخرافة.

وما أظلم معاوية الجاهل بأحكام الله ؟ فانه يخالف هاهنا عليا عليه السلام وهو بكله حاجة وافتقار إلى علم الامام الناجع، قال سعيد بن المسيب: إن رجلا من أهل الشام وجد رجلا مع امرأته فقتله وقتلها فأشكل على معاوية الحكم فيه فكتب إلى أبي موسى ليسأل له علي بن أبي طالب رضي الله عنهم فقال له علي رضي الله عنه: هذا شيئ ما وقع بأرضي عزمت عليك لتخبرني. فقال له أبوموسى: إن معاوية كتب إلي به أن أسألك فيه. فقال علي رضي الله عنه: أنا أبوالحسن إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته. (1)

أخرجه مالك في الموطأ 2: 117، سنن البيهقي 8: 231، تيسير الوصول 4: 73

 

- لفت نظر:

هذه النزعة الاموية الممقوتة بقيت موروثة عند من تولى معاوية جيلا بعد جيل فترى القوم يرفعون اليد عن السنة الثابتة خلافا لشيعة أمير المؤمنين عليه السلام، أو احياء لما سنته يد الهوى تجاه الدين الحنيف. كما كان معاوية يفعل ذلك احياء لما أحدثه خليفة بيته الساقط تارة، كما مر في الاتمام في السفر ومواضع اخرى، وخلافا للامام آونة كما في التلبية وغيرها.

قال الشيخ محمد بن عبدالرحمن الدمشقي في كتاب " رحمة الامة في اختلاف الائمة " المطبوع بهامش الميزان للشعراني 1: 88: السنة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي. وقال أبوحنيفة ومالك وأحمد: التسنيم أولى لان التسطيح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الرمة: الحبل الذى يقاد به الجانى.

 

 

/ ص 210 /

 

صار شعارا للشيعة.

وقال الغزالي والماوردي: إن تسطيح القبور هو المشروع لكن لما جعلته الرافضة شعارا لهم عدلنا عنه إلى التسنيم.

وقال مصنف " الهداية " من الحنفية: إن المشروع التختم في اليمين ولكن لما اتخذته الرافضة جعلناه في اليسار. ه‍.

وأول من اتخذ التختم باليسار خلاف السنة هو معاوية كما في ربيع الابرار للزمخشري.

وقال الحافظ العراقي في بيان كيفية اسدال طرف العمامة: فهل المشروع إرخاؤه من الجانب الايسر كما هو المعتاد أو الايمن لشرفه ؟ لم أر ما يدل على تعيين الايمن إلا في حديث ضعيف عند الطبراني، وبتقدير ثبوته فلعله كان يرخيها من الجانب الايمن ثم يردها إلى الجانب الايسر كما يفعله بعضهم، إلا أنه صار شعارا للامامية فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم. شرح المواهب للزرقاني 5: 13.

وقال الزمخشري في تفسيره 2: 439: القياس جواز الصلاة على كل مؤمن لقوله تعالى: هو الذي يصلي عليكم. وقوله تعالى: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: أللهم صل على آل أبي أوفى. ولكن للعلماء تفصيلا في ذلك وهو: انها إن كانت على سبيل التبع كقولك صلى الله على النبي وآله فلا كلام فيها، وأما إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه لان ذلك شعار لذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولانه يؤدي إلى الاتهام بالرفض، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يقفن مواقف التهم.

وقال ابن تيمية في منهاجه 2: 143 عند بيان التشبه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعارا لهم، فانه وإن لم يكن الترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لاجل هجرانهم ومخالفتهم أعظم من مصلحة هذا المستحب.

ثم جعل هذا كالتشبه بالكفار في وجوب التجنب عن شعارهم، وسيوافيك التفصيل في بيان هذه كلها ونظراؤها عند الكلام عن الفتاوى الشاذة عن الكتاب والسنة إن

 

 

/ ص 211 /

 

شاء الله تعالى.

وقال الشيخ اسماعيل البروسوي في تفسيره (روح البيان) 4: 142: قال في عقد الدرر واللئالي: (1) المستحب في ذلك اليوم - يعني يوم عاشوراء - فعل الخيرات من الصدقة والصوم والذكر وغيرهما، ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بيزيد الملعون في بعض الافعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضا. يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه، وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإن ترك السنة سنة إذا كان شعارا لاهل البدعة كالتختم باليمين فانه في الاصل سنة لكنه لما كان شعار أهل البدعة والظلمة صارت السنة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى في زماننا كما في شرح القهستاني.

ومن قرأ يوم عاشوراء وأوائل المحرم مقتل الحسين رضي الله عنه، فقد تشبه بالروافض، خصوصا إذا كان بألفاظ مخلة بالتعظيم لاجل تحزين السامعين، وفي كراهية القهستاني: لو أراد ذكر مقتل الحسين ينبغي أن يذكر أولا مقتل سائر الصحابة لئلا يشابه الروافض.

وقال حجة الاسلام الغزالي: يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين و حكايته وما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فانه يهيج بغض الصحابة والطعن فيهم وهم أعلام الدين، وما وقع بينهم من المنازعات فيحمل على محامل صحيحة، ولعل ذلك لخطأ في الاجتهاد لا لطلب الرياسة والدنيا كما لا يخفى. اه‍.

وقال ابن حجر في فتح الباري 11: 142: تنبيه: اختلف في السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي، فقيل: يشرع مطلقا. وقيل: بل تبعا ولا يفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة.

ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.

 

 10- احدوثة تقديم الخطبة على الصلاة :

قال الزرقاني في شرح الموطأ 1: 324 في بيان كون الصلاة قبل الخطبة في العيدين:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في فضل الشهور والايام والليالى للشيخ شهاب الدين احمد بن ابى بكر الحموى الشهير بالرسام.

 

 

/ ص 212 /

 

ففي الصحيحين عن ابن عباس شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، واختلف في أول من غير ذلك، ففي مسلم عن طارق بن شهاب: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، وفي رواية ابن المنذر بسند صحيح عن الحسن البصري: أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس ثم خطبهم أي على العادة فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك أي صار يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان لان عثمان راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم في زمنه كانوا يتعمدون ترك سماعهم لما فيها من سب من لا يستحق السب والافراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه، ويحتمل ان عثمان، فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان فواظب عليه فلذا نسب إليه، وعن عمر مثل فعل عثمان، قال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه. وفيه نظر لان عبدالرزاق وابن أبي شيبة روياه جميعا عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد الانصاري عن يوسف بن عبدالله بن سلام، وهذا إسناد صحيح، لكن يعارضه حديثا ابن عباس وابن عمر، فإن جمع بوقوع ذلك منه نادرا و إلا فما في الصحيحين أصح.

وأخرج الشافعي عن عبدالله بن يزيد نحو حديث ابن عباس وزاد حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، وهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعا لمعاوية، لانه كان أمين المدينة من جهته، وروى عبدالرزاق عن ابن جريج عن الزهري: أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين: أول من فعل ذلك زياد بالبصرة. قال عياض: ولا مخالفة بين هذين الاثرين وأثر مروان لان كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على أنه إبتدأ ذلك وتبعه عماله. اه‍

وقال السكتواري في محاضرة الاوائل ص 144: أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة معاوية، وجرى ذلك في الامراء المروانية كمروان وزياد وهو فعله بالعراق، و معاوية بالمدينة شرفها الله تعالى.

قال الاميني: مر في الجزء الثامن ص 164 - 171 بيان السنة الثابتة في خطبة العيدين، وانها بعد الصلاة كما مضى عليه الرسول الامين صلى الله عليه وآله واتبعه الشيخان و

 

 

/ ص 213 /

 

عثمان ردحا من أيامه ثم حداه عيه عن تلفيق الخطبة بصورة مرضية، فكانت الناس تتفرق عن استماعها، إلى تقديمها على الصلاة ليمنعهم انتظارهم لها عن الانجفال، ثم اقتص أثره عماله والمتغلبون على الامة من بعد من بني أبيه وإن افترقت العلة فيهم عنها فيه، فإنهم لما طغوا في البلاد طفقوا يسبون أمير المؤمنين عليا عليه السلام في خطبهم، فكان الحضور لا يستبيحون ذلك فيتفرقون، فبدا لهم تقديمها لاسماع الناس.

وأول من أحدث احدوثة السب هو معاوية، فالشنعة عليه في المقام أعظم ممن بدل السنة قبله، فانه وإن تابع البادي على البدعة غير انه قرنها باخرى شوهاء شنعاء، فأمعن النظرة في تطبيق هذه البدعة بصورتها الاخيرة على ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله (1) وقوله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا عليا فإنه ممسوس بذات الله (2) ثم ارجع البصر كرتين إلى أنه هل يباح لاي مسلم أن يجتهد بجواز سب مولانا أمير المؤمنين تجاه نص الكتاب العزيز في تطهيره وولايته ومودته وكونه نفس النبي الاقدس صلى الله عليه وآله، تجاه هذا النص الجلي الخاص له عليه السلام والنصوص العامة الواردة في سباب المؤمن مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: سباب المسلم فسوق ؟  (3) وهل يشك مسلم ان أمير المؤمنين أول المسلمين وأولاهم بهم من أنفسهم وهو أميرهم وسيدهم ؟ 

 

11- حد من حدود الله متروك:

ذكر الماوردي وآخرون: إن معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم فقال:

يميني أميـــــر المـؤمنين اعيذها * بعفـــــوك أن تلقــــى نكالا يبينها

يدي كانت الحسناء لو تم سترها * ولا تعــــدم الحسناء عينا يشينها

فلا خير في الدنيــا وكانت حبيبة * إذا مـــــا شمالــي فارقتها يمينها

فقال معاوية: كيف أصنع بك ؟ قد قطعنا أصحابك. فقالت ام السارق: يا أمير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الحفاظ باسناد رجاله كلهم ثقات صححه الحاكم والذهبي.

(2) حلية الاولياء 1: 68.

(3) أخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة والنسائي والحاكم والدارقطنى وغيرهم في الصحاح والمسانيد.

 

 

/ ص 214 /

 

ألمؤمنين إجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيلها، فكان أول حد ترك في الاسلام (1).

قال الاميني: أفهل عرف معاوية من هذا اللص خصوصية إستثنته من حكم الكتاب النهائي العام " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ؟  أم أن الرأفة بامه تركت حدا من حدود الله لم يقم ؟  وفي الذكر الحكيم: من يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه (2) تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون (3) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها (4) أم أنه كان لمعاوية مؤمن من العقاب غدا وإن تعمد اليوم بإلغاء حد من حدود الله ؟ وهل نية التوبة عن المعصية تبيح إجتراح تلك السيئة ؟ أن هذا لشيئ عجاب، ومن ذا الذي طمنه بأنه سيوفق للتوبة عنها ولا يحول بينه وبينها ذنوب تسلبه التوفيق، أو عظائم تسلبه الايمان، أو استخفاف بالشريعة ينتهي به إلى نار الخلود ؟ ويظهر منه أن التعمد باقتراف الذنوب بأمل التوبة كان مطردا عند معاوية، وهذا مما يخل بأنظمة الشريعة، ونواميس الدين، وطقوس الاسلام، فان النفوس الشريرة إنما تترك أكثر المعاصي خوفا من العقوبة الفعلية، فإن زحزحت عنها بأمثال هذه التافهات لم يبق محظور (يفسد النفوس، ويقلق السلام، ويعكر صفو الاسلام) إلا وقد عمل به، و هذا نقص لغاية التشريع، وإقامة الحدود الكابحة لجماح الجرأة على الله ورسوله.

وهب أن التوبة مكفرة للعصيان في الجملة، ولكن من ذا الذي أنبأه إنها من تلك التوبة المقبولة ؟ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فاولئك يتوب الله عليهم، وكان الله عليما حكيما، وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار، اولئك اعتدنا لهم عذابا أليما (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاحكام السلطانية ص 219، تاريخ ابن كثير 8: 136، محاضرة السكتوارى ص 164

(2) سورة الطلاق: 1.

(3) سورة البقرة: 229.

(4) سورة النساء: 14.

(5) سورة النساء: 17، 18.

 

 

/ ص 215 /

 

 

12- معاوية ولبسه ما لا يجوز:

أخرج أبوداود من طريق خالد قال: وفد المقدام بن معدي كرب وعمرو بن الاسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان فقال معاوية للمقدام: أعلمت ان الحسن بن علي توفي ؟ فرجع المقدام فقال له رجل (1) أتراها مصيبة ؟ فقال: ولم لا أراها مصيبة ؟ وقد وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره فقال: هذا مني وحسين من علي.

فقال الاسدي: جمرة اطفأها الله عزوجل قال فقال المقدام: أما أنا فلا أبرح اليوم حتى اغيظك واسمعك ما تكره ثم قال: يا معاوية  إن أنا صدقت فصدقني. وإن أنا كذبت فكذبنى، قال: أفعل. قال فانشدك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير ؟ قال: نعم. قال: فانشدك بالله هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن لبس الذهب ؟ قال نعم. قال: فانشدك بالله هل تعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها ؟ قال: نعم. قال فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية  فقال معاوية: قد علمت أني لن أنجو منك يا مقدام  (2)

قال الاميني: هل يرجى خير ممن اعترف بكل ما قيل له من المحظورات المتسالم عليها التي ارتكبها ؟ فهلا اقلع عنها لما ذكر بحكمها الذي نسيه أو لم يعبأ به ؟ لكن الرجل طاغوت يعمل عمل الفراعنة ولم يكترث لمغبته، ولم يبالي بمخالفة السنة الثابتة، فزه به من خليفة تولى أمر الامة بغير مرضاتها، وتغلب على إمرتها من دون أي حنكة.

قد جاء في كتاب لامير المؤمنين عليه السلام إلى عمرو بن العاص قوله: فإنك قد جعلت دينك تبعا لدينا امرئ ظاهر غيه، مهتوك ستره. إلخ.

قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 4: 60: فأما قوله عليه السلام في معاوية " ظاهر غيه " فلا ريب في ظهور ضلاله وبغيه وكل باغ غاو. وأما " مهتوك ستره " فانه كان كثير الهزل والخلاعة صاحب جلساء وسمار، ومعاوية لم يتوقر ولم يلزم قانون الرياسة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في مسند أحمد 4 ص 130: فقال له معاوية: أتراها مصيبة. انظر إلى امانة أبي داود.

(2) سنن أبي داود 2: 186.

 

 

/ ص 216 /

 

إلا منذ خرج على أمير المؤمنين، واحتاج إلى الناموس والسكينة وإلا فقد كان في أيام عثمان شديد الهتك موسوما بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه إلا انه كان يلبس الحرير والديباج، ويشرب في آنية الذهب والفضة ويركب البغلات ذوات السروج المحلاة بهما جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابا، وعنده نزق الصبا، وأثر الشبيبة، وسكر السلطان والامرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة انه كان يشرب الخمر في أيام عثمان في الشام، وأما بعد وفاة أمير المؤمنين واستقرار الامر له فقد اختلف فيه، فقيل: انه شرب الخمر في ستر. وقيل: انه لم يشرب. ولا خلاف في أنه سمع الغناء وطرب عليه وطرب عليه وأعطى ووصل إليه أيضا. إقرأ وتبصر.

 

ـ 13-

مأسأة الاستلحاق

سنة أربع وأربعين

 كان من ضروريات الاسلام إلى هذه السنة 44، إلى هذا اليوم الاشنع الذي تقدم فيه ابن آكلة الاكباد ببدعته الخرقاء على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله بملا فمه المبارك، و اتخذته الامة أصلا مسلما في باب الانساب: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

جاء هذا الحديث من طريق ابى هريرة في الصحاح الست: صحيح البخارى 2: 199 في  الفرائض، صحيح مسلم 1: 471 في الرضاع، صحيح الترمذى 1: 150، وج 2: 34، سنن النسائي 2: 110، سنن ابى داود 1: 310، سنن البيهقي 7: 402، 412.

ومن طريق عائشة أخرجه الحفاظ المذكورون إلا الترمذي كما في نصب الراية ليزيلعى 3: 236.

ومن طريق عمر وعثمان في سنن البيهقى 7: 412، ومن طريق عبدالله بن عمرو، أخرجه ابوداود في اللعان 1: 310، وأخرجه أحمد في مسنده من غير طريق ج 1: 104، ج 2: 409، ج 5: 326 وغيرها.

وصح عند الامة قول نبيها صلى الله عليه وآله: من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه فالجنة عليه حرام (1).

وقوله صلى الله عليه وآله من خطبة له بمنى: لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   مسند أحمد 5: 38، 46، سنن البيهقي 7: 403.

 

 

/ ص 217 /

 

الولد للفراش وللعاهر الحجر. وفي لفظ:

الولد للفراش وللعاهر الحجر، ألا ومن ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه رغبة عنهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل (1).

وقوله صلى الله عليه وآله: ليس من رجل ادعى بغير أبيه وهو يعلم إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا (2).

وقوله صلى الله عليه وآله: من ادعى إلى غير أبيه لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من

قدر سبعين عاما. أو: مسيرة سبعين عاما (3).

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم انه غير أبيه فالجنة عليه حرام (4).

وقوله صلى الله عليه وآله: من ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة (5).

لكن سياسة معاوية المتجهمة تجاه الهتافات النبوية أصمته عن سماعها وجعلت للعاهر كل النصيب، فوهبت زيادا كله لابي سفيان العاهر، بعد ما بلغ أشده لما وجد فيه من اهبة الوقيعة في أضداده وهم أولياء علي أمير المؤمنين عليه السلام.

ولد زياد على فراش عبيد مولى ثقيف، وربي في شر حجر، ونشأ في أخبث نش‌ء، فكان يقال له قبل الاستلحاق: زياد بن عبيد الثقفي، وبعده زياد بن أبي سفيان، ومعاوية نفسه كتب إليه في أيام الحسن السبط سلام الله عليه: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عبيد، أما بعد: فإنك عبد قد كفرت النعمة، واستدعيت النقمة، ولقد كان الشكر اولى بك من الكفر، وإن الشجرة لتضرب بعرقها، وتتفرع من أصلها، انك لا ام لك، بل لا أب لك، يقول فيه: أمس عبد واليوم أمير، خطة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخارى ومسلم وابوداود والترمذي والنسائي راجع مسند أحمد

 4: 186، 187، مسند ابى داود الطياسى ص 169، الترغيب والترهيب 3: 21.

(2) أخرجه البخارى ومسلم وعنهما البيهقي في السنن 7: 403، وابن المنذر في الترغيب والترهيب 3: 21.

(3) سنن ابن ماجة 2: 131، تاريخ بغداد 2: 347، الترغيب والترهيب 3: 21.

(4) رواه البخارى ومسلم وابوداود وابن ماجة كما في سنن البيهقي 7: 403، والترغيب والترهيب 3: 21.

(5) الترغيب والترهيب 3: 22 عن أبي داود.

 

 

/ ص 218 /

 

ما ارتقاها مثلك يا بن سمية، وإذا أتاك كتابي هذا فخذ الناس بالطاعة والبيعة وأسرع الاجابة فإنك إن تفعل فدمك حقنت، ونفسك تداركت، وإلا اختطفتك بأضعف ريش ونلتك بأهون سعي، واقسم قسما مبرورا أن لا أوتى بك إلا في زمارة تمشي حافيا من أرض فارس إلى الشام حتى اقيمك في السوق وأبيعك عبدا، واردك إلى حيث كنت فيه و خرجت منه. والسلام (1).

ثم لما انقضت الدولة الاموية صار يقال له: زياد بن أبيه، وزياد بن امه، وزياد بن سمية، امه " سمية " كانت لدهقان من دهاقين الفرس بزندرود بكسكر، فمرض الدهقان فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي فعالجه فبرأ فوهبه سمية وزوجها الحارث غلاما له روميا يقال له: عبيد. فولدت زيادا على فراشه، فلما بلغ أشده اشترى أباه عبيدا بألف درهم فاعتقه، كانت امه من البغايا المشهورة بالطائف ذات راية.

أخرج أبوعمرو ابن عساكر قالا: بعث عمر بن الخطاب زيادا في اصلاح فساد وقع باليمن فرجع من وجهه وخطب خطبة لم يسمع الناس مثلها، فقال عمرو بن العاصي: أما والله لو كان هذا الغلام قرشيا لساق العرب بعصاه. فقال أبوسفيان: والله إني لاعرف الذي وضعه في رحم امه، فقال له علي بن أبي طالب: ومن هو يا أبا سفيان ؟ قال: أنا. قال: مهلا يا أبا سفيان. وفي لفظ ابن عساكر: فقال له عمرو: اسكت يا أبا سفيان  فانك لتعلم أن عمر إن سمع هذا القول منك كان سريعا إليك بالشر فقال أبوسفيان:

أما والله لولا خوف شخـص * يـراني علي من الاعادي

لاظهر أمره صخر بن حرب * ولم يكن المقالة عن زياد

وقد طالت مجاملتــــي ثقيفا * وتـــركي فيهم ثمر الفؤاد

فذلك الذي حمل معاوية على ما صنع بزياد (2).

وفي العقد الفريد 3: 3: أمر عمر زيادا أن يخطب فأحسن في خطبته وجود وعند أصل المنبر أبوسفيان بن حرب وعلي بن أبي طالب فقال أبوسفيان لعلي: أيعجبك ما سمعت من هذا الفتى ؟ قال: نعم. قال: أما انه ابن عمك. قال: وكيف ذلك ؟ قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح ابن الحديد 4: 68.

(2) الاستيعاب 1: 195، تاريخ ابن عساكر 5: 410.

 

 

/ ص 219 /

 

أنا قذفته في رحم امه سمية. قال: فما يمنعك أن تدعيه ؟ قال: أخشى هذا القاعد على المنبر - يعني عمر - أن يفسد علي أهابي. فبهذا الخبر استلحق معاوية زيادا وشهد له الشهود بذلك. وهذا خلاف حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

قال الاميني: لو كان معاوية استلحق زيادا بهذا الخبر لكان استلحاقه عمرو بن العاص أولى. إذ ادعاه أبوسفيان يوم ولادته قائلا: أما اني لا أشك اني وضعته في رحم امه.

واختصم معه العاص، غير أن النابغة أبت إلا العاص لما زعمت من الشح في أبي سفيان وفي ذلك قال حسان بن ثابت:

أبوك أبوسفيان لا شك قد بدت * لنـــــا فيـــك منه بينات الدلايل

ففاخر به إما فخرت ولا تكـــن * تفاخر بالعاص الهجين بن وائل

إلى آخر ما مر في الجزء الثاني ص 123 ط 2.

نعم: لكل بغي كان يتصل بسمية ام زياد، والنابغة ام عمرو، وهند ام معاوية، وحمامة ام أبي سفيان، والزرقاء ام مروان، وأضرابهن من مشهورات البغاء ويأتيهن أن يختصم في ولايدهن.

كتب معاوية إلى زياد يوم كان عامل علي أمير المؤمنين عليه السلام: أما بعد فإن العش الذي ربيت به معلوم عندنا فلا تدع أن تأوي إليه كما تأوي الطيور إلى أوكارها، ولولا شيئ والله أعلم به لقلت كما قال العبد الصالح: فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون. وكتب في آخر كتابه:

لله در زياد أيما رجل * لو كان يعلم ما يأتي وما يذر

تنســـــى أبـــاك وقد حقت مقالته * إذ تخطب الناس والوالي لنا عمر

فافخر بــوالدك الادنى ووالـــــدنا * إن ابــــن حرب له في قومه خطر

إن انتهـــــازك قـــوما لا تناسبهم * عـــــد الانامل عـــــار ليس يغتفر

فانــزل بعيـــــدا فـإن الله باعدهم * عن كل فضل به يعلو الورى مضر

فالرأي مطرف والعقل تجربـــــة * فيهـــــا لصـــاحبها الايراد والصدر

فلما ورد الكتاب على زياد قام في الناس فقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الاكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في

 

 

/ ص 220 /

 

المهاجرين والانصار، أما والله لو أذن في لقاء‌ه أعرف الناس بضرب السيف. واتصل الخبر بعلي رضي الله عنه، فكتب إلى زياد:

أما بعد: فقد وليتك الذي وليتك وأنا لا أزال له أهلا، وانه قد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل، وكذب النفس، لا يوجب له ميراثا، ولا يحل له نسبا (وفي لفظ: لا تستحق بها نسبا ولا ميراثا) وإن معاوية يأتي الانسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله فأحذر ثم احذر، والسلام.

فلما بلغ أبا بكرة أخا زياد لامه سمية: ان معاوية استلحقه وانه رضي ذلك آلى يمينا أن لا يكلمه أبدا وقال: هذا زنا امه وانتفى من أبيه، ولا والله ما علمت سمية رأت أبا سفيان قط، ويله ما يصنع بأم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ؟ (بنت أبي سفيان) أيريد أن يراها ؟ فإن حجبته ؟ فضحته، وإن رآها ؟ فيالها مصيبة ؟ يهتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم حرمة عظيمة. وحج زياد في زمن معاوية ودخل المدينة فأراد الدخول على ام حبيبة ثم ذكر قول أبي بكرة فانصرف عن ذلك. وقيل: إن ام حبيبة حجبته ولم تأذن له في الدخول عليها.

قال أبوعمر: لما ادعى معاوية زيادا دخل عليه بنو امية وفيهم عبدالرحمن بن الحكم فقال: يا معاوية  لو لم تجد إلا الزنج لاستكثرت بهم علينا قلة وذلة. فأقبل معاوية على مروان وقال: أخرج عنا هذا الخليع. فقال مروان: والله انه لخليع ما يطاق. فقال معاوية: والله لولا حلمي وتجاوزي لعلمت أنه يطاق، ألم يبلغني شعره في وفي زياد ثم قال لمروان: اسمعينه. فقال:

ألا ابلغ معاويـــــة بن صخـــر * لقــــد ضاقت بما تأتي اليدان

أتغضب أن يقال: أبوك عف ؟ * وترضى أن يقال: أبوك زان؟

فأشهـــــد ان رحمـك من زياد * كرحــــم الفيل من ولد الاتان

وأشهـــــد انهــــا حملت زيادا * وصخـــر من سمية غير دان

هذه الابيات تروى لزياد (1) بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر ومن رواها له جعل أولها:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   هو يزيد بن ربيعة الشاعر الشهير توجد ترجمته في الاغانى 17: 51 - 73.

 

 

/ ص 221 /

 

إلا ابلغ معاوية بن صخر * مغلغلة من الرجل اليمان

وذكر الابيات كما ذكرناها سواء. وروى عمر بن شبة وغيره: أن ابن مفرغ لما وصل إلى معاوية أو إلى ابنه يزيد بعد أن شفعت فيه اليمانية وغضبت لما صنع به عباد وأخوه عبيدالله، وبعد أن لقي من عباد بن زياد وأخيه عبيدالله ما لقي مما يطول ذكره وقد نقله أهل الاخبار ورواة الاشعار بكر وقال: يا أمير المؤمنين  ركب منى ما لم يركب من مسلم قط على غير حدث في الاسلام ولا خلع يد من طاعة. فقال له معاوية: ألست القائل:

ألا أبلـــــغ معـــاوية بن حرب * مغلغــلــــة مـن الرجل اليمان

أتغضب أن يقال: أبوك عف ؟ * وتــرضى أن يقال: أبوك زان

فقال ابن المفرغ: لا والذي عظم حقك ورفع قدرك، يا أمير المؤمنين  ما قلتها قط ولقد بلغني أن عبدالرحمن بن الحكم قالها ونسب إلي. فقال أفلست القائل:

شهدت بأن امـــــك لــــم تبـاشر * أبا سفيـــــان واضعــــــة القناع

ولكـــــن كــــــان أمرا فيه لبس * على وجه شديد وارتياع ؟ (1)

أولست القائل:

إن زيـــــادا ونافعـــا وأبابك‍ * رة عندي من أعجب العجب

هم رجـــــال ثلاثة خــلقـوا * في رحم انثى وكلهم لاب (2)

ذا قـــــرشي كما يقول وذا * مولـــــى وهذا بزعمه عربي

في أشعار قلتها في زياد وبنيه تهجوهم، أغرب فلا عفا الله عنك، قد عفوت عن جرمك، ولو صحبت زيادا لم يكن شيئ مما كان، اذهب فاسكن أي أرض أحببت ، فاختار الموصل.

قال أبوعمر: ليزيد بن مفرغ في هجو زياد وبنيه من أجل ما لقي من عباد بن زياد بخراسان أشعار كثيرة، وقصته مع عباد بن زياد وأخيه عبيدالله بن زياد مشهورة ومن قوله يهجوهم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذه القصيدة كما قال أبوالفرج: طويلة. ذكر منها في الاغاني 17: 66 تسعة عشر بيتا.

(2) ويروى: انثى مخالف النسب.

 

 

/ ص 222 /

 

أعباد ما للـــــوم عنـــــك محــــــــول * ولا لـــــك ام فـــــي قـــــريش ولا أب

وقـــــل لعبيـــــد الله: مـــــالك والــــد * بحق ولا يدري امرؤ كيف تنسب (1)

قال عبيد الله بن زياد: ما هجيت بشيئ أشد علي من قول ابن مفرغ:

فكر ففي ذاك إن فكـــــرت معتــــبر * هـــــل نلت مكرمـــــة إلا بتأميـــر ؟

عاشت سمية ما عاشت وما علمت * إن ابنهــــا من قريش في الجماهير

وقال غيره:

زياد لست أدري من أبوه * ولكـــــن الحمار أبو زياد

وروينا: ان معاوية بن أبي سفيان قال حين أنشده مروان شعر أخيه عبدالرحمن: والله لا أرضى عنه حتى يأتي زيادا فيترضاه ويعتذر إليه. وأتاه عبد الرحمن يستأذن عليه معتذرا فلم يأذن له، فأقبلت قريش على عبدالرحمن بن الحكم فلم يدعوه حتى أتى زياد فلما دخل فسلم عليه فتشاوس (2) له زياد بعينه وكان يكسر عينه فقال له زياد: أنت القائل ما قلت ؟ فقال عبدالرحمن: وما الذي قلت ؟ فقال: قلت مالا يقال. فقال: عبد الرحمن: أصلح الله الامير انه لا ذنب لمن اعتب، وإنما الصفح عمن أذنب، فاسمع مني  ما أقول قال: هات فأنشأ يقول:

إليك أبا المغيرة تبــــت ممـــــا * جــرى بالشام من جور اللسان

وأغضبت الخليفة فيك حتـــــى * دعـــــاه فـــــرط غيظ أن لحاني

وقلت لمن لحاني في اعتذاري * إليـــــك الحـــق شأنك غير شأن

عــرفت الحق بعد خطاء رأيي * وما ألبستـــــه غيـــــر البيـــــان

زيـــــاد من أبي سفيان غصن * تهادى ناضـــــر بيـــــن الجنــان

أراك أخـــــا وعمـــا وابن عم * فما أدري بعيـــــن مـــــا تــراني

وأنت زيادة فـــي آل حـــــرب * أحب إلي مـــــن وسطــــي بناني

ألا أبلغ معاوية بـــــن حـــرب * فقد ظفـــــرت بمــــا تأتي اليدان

فقال له زياد: أراك أحمق مترفا شاعرا صنع اللسان، يسوغ لك ريقك ساخطا و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكر أبوالفرج في الامانى 17: 59 من بائية ابن المفرغ هذه اثني عشر بيتا.

(2) من شاس: نظر بمؤخر عينه تكبرا أو تغيظا.

 

 

/ ص 223 /

 

مسخوطا، ولكنا قد سمعنا شعرك وقبلنا عذرك، فهات حاجتك. قال: كتاب إلى أمير المؤمنين بالرضى عني.

قال: نعم. فكتب كتابا أخذه ومضى حتى دخل على معاوية، ففض الكتاب ورضي عنه ورده إلى حاله وقال: قبح الله زيادا ألم ينتبه له إذ قال:

وأنت زيادة في آل حرب *  ...   ...   ...

قال أبوعبيدة: كان زياد يزعم ان امه سمية بنت الاعور من بني عبد شمس ابن زيد مناة بن تميم فقال ابن مفرغ يرد ذلك عليه:

فاقســـــم مـــــا زياد مـــــن قـريش * ولا كـــــانت سميـــــة مـــــن تميـم

ولكـــــن نســـــل عبـــــد مــن بغي * عريق الاصل في النسب اللئيم (1)

وأخرج الطبري في تاريخه 6: 123 بإسناده عن أبي اسحاق: إن زيادا لما قدم الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ادعنا إلى ما شئت. قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا، فأتى البصرة فشهد له رجل. قال ابن عساكر وابن الاثير: كان أبوسفيان صار إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبومريم السلولي وكانت لابي مريم بعد صحبة فقال أبوسفيان لابي مريم بعد أن شرب عنده: قد اشتدت به العزوبة، فالتمس لي بغيا. فقال: هل لك في جارية الحارث ابن كلدة سمية امرأة عبيد ؟ فقال: هاتها على طول ثديها وريح إبطيها. فجاء بها إليه فوقع بها، فولدت زيادا فادعاه معاوية.

وروى ابن عساكر عن ابن سيرين عن أبي بكرة قال: قال: زياد لابي بكرة: ألم تر ان أمير المؤمنين أرادني على كذا وكذا، وولدت على فراش عبيد واشبهته، وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من ادعى لغير أبيه فليتبوأ مقعده من النار. ثم جاء العام المقبل وقد ادعاه. وقال محمد بن اسحاق: كنا جلوسا عند أبي سفيان فخرج زياد فقال: ويل امه لو كان له صلب قوم ينتمي إليهم (2)

ولما بويع معاوية قدم زياد على معاوية فصالحه على ألفي ألف، ثم أقبل فلقيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاغانى 17: 51 - 67، الاستيعاب 1: 195 - 198، تاريخ ابن عساكر 5: 406 - 423، مروج الذهب 2: 56، 57. تاريخ ابن كثير 8: 95، 96، الاتحاف ص 22.

(2) العقد الفريد 3: 2، تاريخ ابن عساكر 5: 409، كامل ابن الاثير 3: 191.

 

 

/ ص 224 /

 

مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إن زيادا قد أكل فارس برا وبحرا، وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقا.

فإذا قال لك: وما يقال ؟ فقل: يقال: انه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زيادا واستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك واحضر الناس و حضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبومريم السلولي فقال له معاوية: بم تشهد يا أبا مريم ؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغيا فقلت له: ليس عندي إلا سمية. فقال: ائتني بها على قذرها ووضرها. فأتيته بها فخلا معها ثم خرجت من عنده وان اسكتيها ليقطران منيا. فقال له زياد: مهلا أبا مريم إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما.

فاستلحقه معاوية (1)

وفي العقد الفريد 3: 3: يقال: إن أبا سفيان خرج يوما وهو ثمل إلى تلك الرايات فقال لصاحبة الراية: هل عندك من بغي ؟ فقالت ما عندي إلا سمية قال: هاتها على نتن إبطيها. فوقع بها فولدت له زيادا على فراش عبيد.

فوجد زياد نفسه بعد حسبه الواطئ ونسبه الوضيع، بعد أن كان لا يعزى إلى أب معلوم عمرا طويلا يقرب من خمسين عاما (2) فيقال له: زياد بن أبيه. أخا ملك الوقت وابن من يزعم انه من شرفاء بيئته، وقد تسنى له الحصول على مكانة رابية فأعرق نزعا في جلب مرضاة معاوية المحابي له بتلك المرتبة التي بمثلها حابت هند ابنها المردد بين خمسة رجال أو ستة من بغايا الجاهلية، لكن آكلة الاكباد ألحقت معاوية بأبي سفيان لدلالة السحنة والشبه، فطفق زياد يلغ في دماء الشيعة ولمعاوية من ورائه تصدية ومكاء، وإن غلواء الرجل المحابي أعمته عن استقباح نسبة الزنا لابيه يوم استحسن أن يكون له أخ مثل زياد شديد في بأسه، يأتمر أوامره، وينتهي إلى ما يوده من بوائق وموبقات، و لم يكترث لحكم الشريعة بحرمة مثل ذلك الالحاق واستعظامها إياه، ولا يصيخ إلى قول النبي الصادق صلى الله عليه وآله، قال يونس بن أبي عبيد الثقفي لمعاوية: يا معاوية  قضى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبى 2: 194، مروج الذهب 2: 56، تاريخ ابن عساكر

 5: 409، كامل ابن الاثير 3: 192، شرح ابن أبي الحديد 4: 70، الاتحاف للشبراوى ص 22.

(2)   قيل: ولد عام الفتح سنة ثمان. وقيل: عام الهجرة. وقيل: قبل الهجرة. وقيل: يوم بدر.

 

 

/ ص 225 /

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الولد للفراش وللعاهر الحجر. فعكست ذلك وخالفت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أعد. فأعاد يونس مقاله هذا، فقال معاوية: يا يونس  والله لتنتهين أولا طيرن بك طيرا بطيأ وقوعها (1)

 انظر إلى ايمان الرجل بنبيه صلى الله عليه وآله، وإخباته إلى حديثه بعد استعادته، وعنايته بقبوله ورعايته حرمته، والحكم في هذه الشنيعة كل ذي مسكة من علماء الامة وذوي حنكتها ومؤلفيها وكتابها.

قال سعيد بن المسيب: أول (2) قضية ردت من قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية قضاء فلان، يعني: معاوية في زياد.

وقال ابن يحيي: أول حكم رد من أحكام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكم في زياد.

وقال ابن بعجة: أول داء دخل على العرب قتل الحسن " سبط النبي صلى الله وعليه وآله وسلم" و ادعاء زياد. (3)

وقال الحسن: اربع خصال كن في معاوية لولم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة: انتزاؤه على هذه الامة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة. واستخلافه ابنه بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير. وادعائه زيادا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وقتله حجرا، ويلا له من حجر وأصحاب حجر قالها. مرتين (4)

وقال الامام السبط الحسن الزكي عليه السلام لزياد في حضور من معاوية، وعمرو بن العاص، ومروان بن الحكم: وما أنت يا زياد  وقريشا ؟ لا أعرف لك فيها أديما صحيحا ولا فرعا نابتا، ولا قديما ثابتا، ولا منبتا كريما، بل كانت امك بغيا تداولها رجال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاتحاف للشبراوى ص 22.

(2) ليست بأول قارورة كسرت في الاسلام وانما رد من يوم السقيفة وهلم جرا إلى يوم الاستلحاق من قضايا رسول الله ما يربو على العد.

(3) تاريخ ابن عساكر5: 412، تاريخ الخلفاء، للسيوطى ص131،أوائل السيوطى ص51.

(4) تاريخ ابن عساكر 2: 381، تاريخ الطبرى 6: 157، الكامل لابن الاثير 4: 209، تاريخ ابن كثير 8: 130، محاضرات الراغب 2: 214، النجوم الزاهرة 1 ص 141.

 

 

/ ص 226 /

 

قريش، وفجار العرب، فلما ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادعاك هذا (يعنى معاوية) بعد ممات أبيه، ما لك افتخار، تكفيك سمية ويكفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي علي بن أبي طالب سيد المؤمنين الذي لم يرد على عقبيه، وعمي حمزة سيد الشهداء، وجعفر الطيار، وأنا وأخي سيدا شباب أهل الجنة (1).

وفد زياد على معاوية فأتاه بهدايا وأموال عظام وسفط مملؤ جوهرا لم ير مثله فسر معاوية بذلك سرورا شديدا، فلما رأى زياد ذلك صعد المنبر فقال: أنا والله يا أمير المؤمنين  أقمت لك معر العراق، وجبيت لك مالها، وألفظت إليك بحرها، فقام يزيد ابن معاوية فقال: إن تفعل ذلك يا زياد  فنحن نقلناك من ولاء ثقيف إلى قريش، ومن القلم إلى المنابر، ومن زياد بن عبيد إلى حرب بن امية. فقال معاوية: اجلس فداك أبي وامي (2).

وقال السكنواري في محاضرة الاوائل ص 136 اول قضية ردت من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية دعوة معاوية زيادا، وكان أبوسفيان تبرأ منه وادعى انه ليس من أولاده وقضى بقطع نسبه، فلما تأمر معاوية قربه واستأمر ففعل ما فعل زياد بن أبيه يعني ابن زنية من الطغيان والاساء‌ة في حق أهل بيت النبوة. وقال في ص 164: كان عمر رضي الله عنه إذا نظر إلى معاوية يقول: هذا ابن أبي سفيان كسرى العرب (3) لانه كان أول من رد قضية من قضايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هجر، وزياد بن أبيه أول من أساء إساء‌ة تفرد بشينها بين الامم في حق أهل البيت رضي الله عنهم.

وقال في ص 246: كان قد تبرأ من زياد أبوسفيان ومنع حقه من ميراث الاسلام بحضرة الصحابة رضي الله عنهم، فلا زال طريدا حتى دعاه معاوية وقربه وأمره ورد القضية، وهي أول قضية من قضايا الاسلام ردت، ولذا صارت بلية شنيعة، ومحنة فاحشة بين الامة، وأبغض الوسائل تعديه على أفضل الملة وأحب العترة اه‍.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المحاسن والمساوى للبيهقى 1: 58.

(2) المجتنى لابن دريد ص 37.

(3) قول عمر هذا في معاوية ذكره جمع، راجع الاستيعاب 1: 253، أسد الغابة 4: 386، الاصابة 3: 434.

 

 

/ ص 227 /

 

ولا أحسب أن أحدا من رجالات الدين يشذ عما قاله الجاحظ في رسالته النابتة في بني امية ص 293: فعندها استوى معاوية على الملك واستبد على بقية الشورى وعلى جماعة المسلمين من الانصار والمهاجرين في العام الذي سموه " عام الجماعة " وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الامامة ملكا كسرويا، والخلافة منصبا قيصريا، ولم يعد ذلك أجمع الضلال والفسق، ثم ما زالت معاصيه من جنس ما حكينا، وعلى منازل ما رتبنا، حتى رد قضية رسول الله صلى الله عليه وسلم ردا مكشوفا، وجحد حكمه جحدا ظاهرا في ولد الفراش وما يجب للعاهر، مع اجماع الامة على أن سمية لم تكن لابي سفيان فراشا، وانه إنما كان بها عاهرا فخرج بذلك من حكم الفجار إلى حكم الكفار. اه‍.

ولو تحرينا موبقات معاوية المكفرة له وجدنا هذه في أصاغرها، فجل أعماله (إن لم يكن كله) على الضد من الكتاب والسنة الثابتة، فهي غير محصورة في مخالفته لقوله صلى الله عليه وآله: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

 

ـ 14-

بيعة يزيد أحد موبقات معاوية الاربع (1)

إن من موبقات معاوية وبوائقه - وهو بكله بوائق - أخذه البيعة لابنه " يزيد " على كره من أهل الحل والعقد، ومراغمة لبقايا المهاجرين والانصار، و إنكار من أعيان الصحابة الباقين، تحت بوارق الارهاب، ومعها طلاة المطامع لاهل الشره والشهوات.

كان في خلد معاوية يوم استقرت له الملوكية وتم له الملك العضوض أن يتخذ ابنه ولي عهده ويأخذ له البيعة، ويؤسس حكومة أموية مستقرة في أبناء بيته، فلم يزل يروض الناس لبيعة سبع سنين يعطي الارقاب ويداني الاباعد (2) وكان يبتلعه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كلمة الحسن البصرى المذكورة قبيل هذا صفحة 225.

(2) العقد الفريد 2: 302.

 

 

/ ص 228 /

 

طورا، ويجتر به حينا بعد حين، يمهد بذلك السبيل، ويسهل حزونته، ولما مات زياد سنة 53 وكان يكره تلك البيعة أظهر معاوية عهدا مفتعلا - على زياد - فقرأه على الناس فيه عقد الولاية ليزيد بعده، وأراد بذلك أن يسهل بيعة يزيد كما قاله المدائني (1) وقال أبوعمر في الاستيعاب 1: 142: كان معاوية قد أشار بالبيعة ليزيد في حياة الحسن وعرض بها ولكنه لم يكشفها ولا عزم عليها إلا بعد موت الحسن.

قال ابن كثير في تاريخه 8: 79: وفي سنة ست خمسين دعا معاوية الناس إلى البيعة ليزيد ولده أن يكون ولي عهده من بعده، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة (2) بن شعبة، فروى ابن جرير من طريق الشعبي: أن المغيرة كان قد قدم على معاوية وأعفاه من إمرة الكوفة فأعفاه لكبره وضعفه، وعزم على توليتها سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم، فجاء إلى يزيد بن معاوية فأشار عليه بأن يسأل من أبيه أن يكون ولي العهد فسأل ذلك من أبيه فقال: من أمرك بهذا ؟ قال: المغيرة. فأعجب ذلك معاوية من المغيرة، ورده إلى عمل الكوفة، وأمره أن يسعى في ذلك، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك، وكتب معاوية إلى زياد يستشيره في ذلك فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب والصيد، فبعث إليه من يثني رأيه عن ذلك وهو عبيد بن كعب النميري - وكان صاحبا أكيدا لزياد - فسار إلى دمشق فاجتمع بيزيد أولا فكلمه عن زياد وأشار عليه بأن لا يطلب ذلك، فإن تركه خير له من السعي فيه، فانزجر يزيد عما يريد من ذلك، واجتمع بأبيه واتفقا على ترك ذلك في هذا الوقت، فلما مات زياد شرع معاوية في نظم ذلك والدعاء إليه، وعقد البيعة لولده يزيد، وكتب إلى الآفاق بذلك.

 

- صورة اخرى :

في بدء بدئها

كان ابتداء بيعة يزيد وأوله من المغيرة بن شعبة فإن معاوية أراد أن يعزله عن الكوفة 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقد الفريد 2: 302، تاريخ الطبرى 6: 170.

 (2) توفى المغيرة سنة خمسين وقدم على معاوية في سنة خمس وأربعين واستعفاه من الامرة وهي سنة بدو فكر بيعة يزيد في خلد معاوية بايعاز من المغيرة.

 

 

/ ص 229 /

 

ويستعمل عوضه سعيد بن العاص فبلغه ذلك فقال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فاستعفيه ليظهر للناس كراهتي للولاية، فسار إلى معاوية وقال لاصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا أفعل ذلك أبدا، ومضى حتى دخل على يزيد وقال له: إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكبراء قريش وذوو أسنانهم وإنما بقي أبناؤهم وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأيا وأعلمهم بالسنة والسياسة، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة ؟ قال: أو ترى ذلك يتم ؟ قال: نعم. فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة فأحضر المغيرة وقال له: ما يقول يزيد ؟ فقال: يا أمير المؤمنين  قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان (1) وفي يزيد منك خلف فاعقد له، فإن حدث بك حادث كان كهفا للناس وخلفا منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة. قال: ومن لي بهذا ؟ قال: أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك. قال: فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك، وترى ونرى. فودعه ورجع إلى أصحابه فقالوا: مه. قال: لقد وضعت رجل معاوية في غرز بعيد الغاية على امة محمد، وفتقت عليهم فتقا لا يرتق أبدا. وتمثل:

بمثلي شاهدي نجوى وغالى * بي الاعداء والخصم الغضابا

وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وذاكر من يثق إليه ومن يعلم انه شيعة لبني امية أمر يزيد فأجابوا إلى بيعته فأوفد منهم عشرة ويقال: أكثر من عشرة. وأعطاهم ثلاثين ألف درهم، وجعل عليهم ابنه موسى بن المغيرة وقدموا على معاوية فزينوا له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها. فقال معاوية: لا تعجلوا باظهار هذا وكونوا على رأيكم، ثم قال لموسى: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال: بثلاثين ألفا. قال: لقد هان عليهم دينهم، وقيل: أرسل أربعين رجلا وجعل عليهم ابنه عروة، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا: إنما أشخصهم إليه النظر لامة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا أمير المؤمنين  كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل فانصب لنا علما، وحد لنا حدا ننتهي إليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   ألا مسائل المغيرة عن أن هذا الشقاق والخلاف وسفك الدماء المحرمة في عدم الاستخلاف هل كان يعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ فلماذا ترك امته سدى ولم يستخلف كما زعمه هو والسياسيون من رجال الانتخاب الدستورى ؟.

 

 

/ ص 230 /

 

فقال: أشيروا علي. فقالوا: نشير بيزيد بن أمير المؤمنين. فقال: أوقد رضيتموه ؟ قالوا: نعم. قال: وذلك رأيكم ؟ قالوا: نعم، ورأي من وراء‌نا. فقال معاوية لعروة سرا عنهم: بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟

قال: بأربعمأة دينار. قال: لقد وجد دينهم عندهم رخيصا، وقال لهم: ما ننظر ما قدمتهم له ويقضي الله ما أراد. والاناة خير من العجلة فرجعوا، وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد فأرسل إلى زياد يستشيره فأحضر زياد عبيد بن كعب النميري وقال له: إن لكل مستشير ثقة، ولكل سر مستودع، وإن الناس قد أبدع بهم خصلتان: إذاعة السر، وإخراج النصيحة إلى غير أهلها، وليس موضوع السر إلا أحد رجلين: رجل آخرة يرجو ثوابها، ورجل دنيا له شرف في نفسه، وعقل يصون حسبه، و قد خبرتهما منك، وقد دعوتك لامرا تهمت عليه بطون الصحف: إن أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا وكذا، وانه يتخوف نفرة الناس، ويرجو طاعتهم، وعلاقة أمر الاسلام وضمانه عظيم، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد، فألق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له: رويدك بالامر فأحرى لك أن يتم لك، لا تعجل فإن دركا في تأخير خير من فوت في عجلة. فقال له عبيد: أفلا غير هذا ؟ قال. وما هو ؟ قال: لا تفسد على معاوية رأيه، ولا تبغض إليه ابنه، والفي أنا يزيد فاخبره ان أمير المؤمنين كتب إليك، يستشيرك في البيعة له، وانك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه، و إنك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجة على الناس، ويتم ما تريد فتكون قد نصحت أمير المؤمنين وسلمت مما تخاف من أمر الامة. فقال زياد: لقد رميت الامر بحجره، أشخص على بركة الله، فإن أصبت فما لا ينكر، وإن يكن خطأ فغير مستغش، وتقول بما ترى، ويقتضي الله بغيب ما يعلم، فقدم على يزيد فذكر ذلك له فكف عن كثير مما كان يصنع، وكتب زياد معه إلى معاوية يشير بالتوء‌دة وأن لا يعجل، فقبل منه، فلما مات زياد عزم معاوية على البيعة لابنه يزيد فأرسل إلى عبدالله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها فلما ذكر البيعة ليزيد قال ابن عمر: هذا أراد، إن ديني إذن لرخيص وامتنع. (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبرى 6: 169، 170، كامل ابن الاثير 3: 214، 215.

 

 

/ ص 231 /

 

 

- بيعة يزيد في الشام وقتل الحسن السبط دونها:

لما اجتمعت عند معاوية وفود الامصار بدمشق باحضار منه وكان فيهم الاحنف بن قيس دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري فقال له: إذا جلست على المنبر وفرغت من بعض موعظتي وكلامي فاستأذني للقيام فإذا أذنت لك فاحمد الله تعالى واذكر " يزيد " وقل فيه الذي يحق له عليك من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته، فأسأل الله في ذلك وفي غيره الخيرة وحسن القضاء، ثم دعا عبدالرحمن بن عثمان الثقفي، وعبدالله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبدالله بن عصام الاشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله ويدعوه إلى يزيد.

ثم خطب معاوية فتكلم القوم بعده على ما يروقه من الدعوة إلى يزيد فقال معاوية: أين الاحنف ؟ فأجابه، قال: ألا تتكلم ؟ فقام الاحنف فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أصلح الله امير المؤمنين، ان الناس قد أمسوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف، و يزيد ابن امير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره يا أمير المؤمنين  فاعرف من تسند إليه الامر من يدك، ثم اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك ولا ينظر لك وأنت أنظر للجماعة واعلم باستقامة الطاعة، إن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا.

فغضب الضحاك فقام الثانية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أصلح الله امير المؤمنين ان أهل النفاق من أهل العراق، مروء‌تهم في أنفسهم الشقاق، والفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرا، لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربا، واتخذهم إبليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسروه، ومن يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين  في نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف به معاوية في أرضه ؟ هيهات ولا تورث الخلافة عن كلالة، ولا يحجب غير الذكر العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق  على المناصحة لامامكم وكاتب نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، ويربحوا من الآجل.

 

 

/ ص 232 /

 

ثم قام الاحنف بن قيس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين  إنا قد فررنا (1) عنك قريشا فوجدناك أكرمها زندا، وأشدها عقدا، وأوفاها عهدا، قد علمت انك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الامر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، وإن تعذر تعلم والله ان وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراء‌ه باعا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك خبر من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن الحسن لاحب إلى أهل العراق من علي. ثم قام عبدالرحمن بن عثمان الثقفي فأثنى على يزيد وحث معاوية إلى بيعته فقام معاوية فقال:

أيها الناس: إن لابليس من الناس إخوانا وخلانا، بهم يستعد وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أوجفوا، وإن استغني عنهم أرجفوا، ثم يلقحون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيابون مرتابون، أن لووا عروة أمر حنفوا، وإن دعوا إلى غي أسرفوا، وليسوا اولئك بمنتهين، ولا بمقلعين، ولا متعظين حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث اصولهم كاجتثاث اصول الفقع (2) فأولى لاولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقدم شيئا أو نفع النذر. (3)

فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة، ودعا عبدالرحمن فولاه الجزيرة.

ثم قام الاحنف بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين  أنت أعلمنا بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته، ومدخله ومخرجه، فإن كنت تعلمه لله رضا ولهذه الامة فلا تشاور الناس فيه، وإن كنت تعلم منه غير ذلك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فر عن الامر: بحث عنه.

(2) الفقع بالفتح والكسر: البيضاء الرخوة من الكمأة.

(3) النذر: الانذار. قال تعالى: فكيف كان عذابى ونذر.

 

 

/ ص 233 /

 

فإنه ليس لك من الآخرة إلا ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين، وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير (1).

قال الاميني: لما حس معاوية بدء إعرابه عما رامه من البيعة ليزيد ان الفئة الصالحة من الامة قط لا تخبت إلى تلك البيعة الوبيلة ما دامت للحسن السبط الزكي سلام الله عليه باقية من الحياة، على انه أعطى الامام مواثيق مؤكدة ليكون له الامر من بعده، وليس له أن يعهد إلى أي أحد، فرأى توطيد السبل لجروه في قتل ذلك الامام الطاهر، وجعل ما عهد له تحت قدميه، قال أبوالفرج: أراد معاوية البيعة لابنه يزيد فلم يكن شيئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس إليهما سما فماتا منه. (2)

وسيوافيك تفصيل القول في أن معاوية هو الذي قتل الحسن السبط سلام الله عليه.

 

- عبدالرحمن بن خالد(3) في بيعة " يزيد ":

خطب معاوية أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام انه كبرت سني وقرب أجلي وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، وإنما أنا رجل منكم فرؤا رأيكم.

فاصفقوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبدالرحمن بن خالد بن الوليد، فشق ذلك على معاوية وأسرها في نفسه، ثم ان عبدالرحمن مرض فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا يقال له: إبن أثال. وكان عنده مكينا، أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات، ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له فرصدا ذلك اليهودي فخرج ليلا من عند معاوية فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه فقتله المهاجر. وفي الاغاني: انه قتله خالد بن المهاجر فاخذ واتي به معاوية فقال له: لا جزاك الله من زائر

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الامامة والسياسة 1، 138 - 142.

(2) مقاتل الطالبين ص 29.

(2)   أدرك النبى صلى الله عليه وآله قال أبوعمر في الاستيعاب: كان من فرسان قريش وشجعانهم كان له فضل وهدى حسن وكرم إلا انه كان منحرفا عن على عليه السلام. وقال ابن حجر في الاصابة: كان عظيم القدر عند أهل الشام.

 

 

/ ص 234 /

 

خيرا قتلت طبيبي. قال: قتلت المأمور وبقي الآمر (1)

 قال أبوعمر بعد ذكر القصة: وقصته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والاخبار اختصرناها، ذكرها عمر بن شبه في أخبار المدينة وذكرها غيره.

قال الاميني: وقعت هذه القصة سنة 46 وهي السنة الثانية من هاجسة بيعة يزيد....

 

سعيد بن عثمان سنة خمس وخمسين

سأل سعيد بن عثمان معاوية أن يستعمله على خراسان فقال: إن بها عبيدالله بن زياد (2) فقال: أما لقد اصطنعك أبي ورفاك حتى بلغت باصطناعه المدى الذي لا يجارى إليه ولا يسامى، فما شكرت بلاء‌ه ولا جازيته بآلائه، وقدمت علي هذا - يعني يزيد بن معاوية - وبايعت له ووالله لانا خير منه أبا واما ونفسا. فقال معاوية: أما بلاء أبيك فقد يحق علي الجزاء به، وقد كان من شكري لذلك اني طلبت بدمه حتى تكشفت الامور: ولست بلائم لنفسي في التشمير، وأما فضل أبيك على أبيه فأبوك والله خير مني وأقرب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما فضل امك على امه فما ينكر امرأة من قريش خير من امرأة من كلب، وأما فضلك عليه فوالله ما احب أن الغوطة دحست ليزيد رجالا مثلك فقال له يزيد: يا أمير المؤمنين  إبن عمك وأنت أحق من نظر في أمره وقد عتب عليك لي فأعتبه. (3)

وفي لفظ ابن قتيبة: فلما قدم معاوية الشام أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان قريش ولسانها قال: يا أمير المؤمنين  على م تبايع ليزيد وتتركني ؟ فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه، وامي خير من امه، وأنا خير منه، وإنك إنما نلت ما أنت فيه بأبي. فضحك معاوية وقال: يا ابن أخي أما قولك: إن أباك خير من أبيه. فيوم من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستيعاب ترجمة عبدالرحمن:، الاغانى 15: 13: تاريخ الطبرى

6: 128 واللفظ لابي عمر.

(2) سار إلى خراسان في اخريات سنة 53 وأقام بها سنتين كما رواه الطبرى في تاريخه

 6: 166، 167.

(3)   تاريخ الطبرى 6: 171، تاريخ ابن كثير 8: 79، 80.

 

 

/ ص 235 /

 

عثمان خير من معاوية. وأما قولك: إن امك خير من امه ففضل قرشية على كلبية فضل بين. وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك فإنما هو الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك رحمه الله فتواكلته بنو العاصي وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة عليك، و أما تكون خيرا من يزيد فوالله ما احب ان داري مملوء‌ة رجالا مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا القول وسلني اعطك. فقال سعيد بن عثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين  لا يعدم يزيد مزكيا ما دمت له، وما كنت لارضى ببعض حقي دون بعض، فإذا أبيت فاعطني مما أعطاك الله.

فقال معاوية: لك خراسان ؟ قال سعيد: وما خراسان ؟ قال: إنها لك طعمة وصلة رحم. فخرج راضيا وهو يقول:

ذكرت أمير المؤمنيـــن وفضله * فقلت: جزاه الله خيرا بما وصل

وقد سبقت منــي إليه بـــــوادر * من القول فيه آية العقل والزلل

فعاد أمير المؤمنيـــــن بفضلــه * وقــــد كان فيه قبل عودته ميل

وقال: خراسان لك اليوم طعمة * فجوزي أمير المؤمنين بما فعل

فلو كان عثمان الغداة مكانــــه * لمـا نالني من ملكه فوق ما بذل

فلما انتهى قوله إلى معاوية أمر يزيد أن يزوده وأمر إليه بخلعة وشيعه فرسخا (1)

قال ابن عساكر في تارخيه 6: 155: كان أهل المدينة يحبون سعيدا ويكرهون يزيد، فقدم على معاوية فقال له: يا ابن أخي ما شيئ يقوله أهل المدينة ؟ قال: ما يقولون ؟ قال: قولهم:

والله لا ينالهـــــا يــــزيد * حتى يعض هامه الحديد

إن الامير بعده سعيد قال: ما تنكر من ذلك يا معاوية ؟  والله إن أبى لخير من أبي يزيد، ولامي خير من امه، ولانا خير منه، ولقد استعملناك فما عزلناك بعد، ووصلناك فما قطعناك، ثم صار في يديك مافد ترى فحلاتنا عنه أجمع. فقال له: أما قولك. الحديث.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الامامة والسياسة 1: 157.