فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

/ ص 236 /

 

وقال: حكى الحسن بن رشيق قصة سعيد مع معاوية بأطول مما مر (ثم ذكر حكاية ابن رشيق) وفيها: فولاه معاوية خراسان وأجازه بمائة ألف درهم.

 

- كتب معاوية في بيعة يزيد:

كتب معاوية إلى مروان بن الحكم: إني قد كبرت سني، ودق عظمي، وخشيت الاختلاف على الامة بعدي، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي، وكرهت أن أقطع أمرا دون مشورة من عندك، فأعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يردون عليك.

فقام مروان في الناس فأخبرهم به فقال الناس: أصاب ووفق، وقد أجبنا أن يتخير لنا فلا يألو. فكتب مروان إلى معاوية بذلك فأعاد إليه الجواب يذكر " يزيد " فقام مروان فيهم وقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل وقد استخلف ابنه يزيد بعده فقام عبدالرحمن بن أبي بكر فقال: كذبت والله يا مروان  وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لامة محمد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل.

فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: والذي قال لوالديه اف لكما. الآية، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب وقالت: يا مروان  يا مروان  فأنصت الناس وأقبل مروان بوجهه فقالت: أنت القائل لعبد الرحمن انه نزل فيه القرآن كذبت والله ما هو به و لكنه فلان بن فلان، ولكنك أنت فضض من لعنة نبي الله (1)

 وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك، وفعل مثله ابن عمر، وابن الزبير، فكتب مروان بذلك إلى معاوية، وكان معاوية قد كتب إلى عماله بتقريظ يزيد ووصفه وأن يوفدوا إليه الوفود من الامصار فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة، و الاحنف بن قيس في وفد أهل البصرة، فقال محمد بن عمرو لمعاوية: إن كل راع مسؤل عن رعيته فانظر من تولي أمر امة محمد فأخذ معاوية بهر (2) حتى جعل يتنفس في يوم شات ثم وصله وصرفه. وأمر الاحنف أن يدخل على يزيد فدخل عليه فلما خرج من عنده قال له: كيف رأيت ابن أخيك؟ قال: رأيت شبابا ونشاطا وجلدا ومزاحا، ثم إن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص 252، 253 ط 1.

(2) البهر: انقطاع النفس من الاعياء.

 

 

/ ص 237 /

 

معاوية قال للضحاك بن قيس الفهري: لما اجتمع الوفود عنده اني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها. قلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الاسلام وحرمة الخلافة وحقها وما أمر الله به من طاعة ولاة الامر ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة وعرض ببيعته فعارضه الضحاك، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين  انه لابد للناس من وال بعدك وقد بلونا الجماعة والالفة فوجدناهما أحقن للدماء، وأصلح للدهماء، وآمن للسبل، وخيرا في العاقبة، والايام عوج رواجع والله كل يوم هو في شأن، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت، وهو من أفضلنا علما وحلما وأبعدنا رأيا، فوله عهدك، واجعله لنا علما بعدك، ومفزعا نلجأ إليه، ونسكن في ظله، وتكلم عمرو بن سعيد الاشدق بنحو من ذلك، ثم قام يزيد بن المقنع العذري فقال: هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية، فإن هلك فهذا وأشار إلى يزيد، ومن أبى فهذا وأشار إلى سيفه، فقال معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء. وتكلم من حضر من الوفود

 فقال معاوية للاحنف: ما تقول يا أبا بحر ؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، وأنت أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله و مخرجه، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللامة رضا فلا تشاور فيه، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، وإنما علينا أن نقول: سمعنا وأطعنا.

وقام رجل من أهل الشام فقال: ما ندري ماتقول هذه المعدية العراقية، وإنما عندنا سمع وطاعة وضرب وازدلاف. فتفرق الناس يحكون قول الاحنف، وكان معاوية يعطي المقارب، ويداري المباعد ويلطف به، حتى استوثق له أكثر الناس وبايعه (1)

 

- صورة اخرى :

قالوا: ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلا يسيرا أن بايع ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره بجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة يبايعوا ليزيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   العقد الفريد 2: 302 - 304، الكامل لابن الاثير 3: 214 - 216.

 

 

/ ص 238 /

 

فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك وأبته قريش فكتب لمعاوية: ان قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك فأرني رأيك. فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف ذلك من قبله فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، ويخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص، فلما بلغ مروان كتاب معاوية أقبل مغاضبا في أهل بيته وناس كثير من قومه حتى نزل بأخواله بني كنانة فشكا إليهم وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية وفي عزله و استخلافه يزيد ابنه عن غير مشاورة مبادرة له، فقالوا: نحن نبلك في يدك، وسيفك في قرابك، فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته قطعناه، الرأي رأيك، ونحن طوع يمينك.

ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير ممن كان معه من قومه وأهل بيته حتى نزل دمشق فخرج حتى أتى سدة معاوية وقد أذن للناس، فلما نظر الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته منعه من الدخول، فوثبوا إليه فضربوا وجهه حتى خلى عن الباب، ثم دخل مروان ودخلوا معه حتى إذا كان معاوية بحيث تناله يده، قال بعد التسلبم عليه بالخلافة: إن الله عظيم خطره، لا يقدر قادر قدره، خلق من خلقه عبادا جعلهم لدعائم دينه أوتادا، هم رقباؤه على البلاد، وخلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم وألف بهم الدين، وشدد بهم اليقين، ومنح بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زماننا، وكنا نكون لهم على الطاعة اخوانا، وعلى من خالف عنا أعوانا، يشد بنا العضد، ويقام منا الاود، ونستشار في القضية، ونستأمر في أمر الرعية، وقد أصبحنا اليوم في امور مستخيرة، ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة الضلال، وتجلس بأسوأ الرجال، يؤكل جزورها ونمق أحلابها، فما لنا لا نستأمر في رضاعها ونحن فطامها وأولاد فطامها ؟ وأيم الله لولا عهود مؤكدة ومواثيق معقدة لاقمت أود وليها، فأقم الامر يابن أبي سفيان واهدأ من تأميرك الصبيان، وأعلم أن لك في قومك نظرا وإن لهم على مناوأتك وزرا.

فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا ثم كظم غيظه بحلمه وأخذ بيد مروان ثم قال: إن الله قد جعل لكل شيئ أصلا، وجعل لكل خير أهلا، ثم جعلك في الكرم مني محتدا والعزيز مني والدا، اخترت من قروم قادة،، ثم استللت سيد سادة، فأنت

 

 

/ ص 239 /

 

ابن ينابيع الكرام (1)، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم، ذكرت خلفاء مفقودين شهداء صديقين، كانوا كما نعت، وكنت لهم كما ذكرت، وقد أصبحنا في امور مستخيرة ذات وجوه مستديرة، وبك والله يابن العم نرجو استقامة أودها، وذلولة صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتى يتطأطأ جسيمها، ويركب بك عظيمها، فأنت نظير أمير المؤمنين بعده وفي كل شيئ عضده، وإليك بعد عهده، فقد وليتك قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وأنا مجيز وفدك، ومحسن رفدك، وعلى أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك. فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مائة مائة.

 

- كتاب معاوية إلى سعيد:

إن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة ويكتب إليه بمن سارع ممن لم يسارع، فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب دعا الناس إلى البيعة ليزيد وأظهر الغلظة، وأخذهم بالعزم والشدة، وسطا بكل من أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها إلا اليسير لاسيما بني هاشم فإنه لم يجبه منهم أحد، وكان ابن الزبير من أشد الناس انكارا لذلك، وردا له، فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية:

أما بعد: فإنك أمرتني أن أدعو الناس لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، وإني اخبرك ان الناس عن ذلك بطاء لاسيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم يجبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره، وأما الذي جاهر بعداوته وإبائه لهذا الامر فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال، أو تقدم بنفسك فترى رأيك في ذلك، والسلام،

 فكتب معاوية إلى عبدالله بن العباس، وإلى عبدالله بن الزبير، وإلى عبدالله بن جعفر، والحسين بن علي رضي الله عنهم كتبا وأمر سعيد بن العاص أن يوصلها إليهم ويبعث بجواباتها وكتب إلى سعيد بن العاص:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   قايس بين هذه الاطرائات الفارغة المكذوبة وبين قوله صلى الله عليه وآله لذلك الطريد بن الطريد الوزغ بن الوزغ، اللعين بن اللعين. ونحن لو اعطينا لمعاوية حق المقام لقلنا: مكره أخوك لا بطل.

 

 

/ ص 240 /

 

أما بعد: فقد أتاني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة ولا سيما بني هاشم وما ذكر ابن الزبير، وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا فسلمها إليهم وتنجز جواباتها وابعث بها حتى أرى في ذلك رأيي، ولتشد عزيمتك، ولتصلب شكيمتك، و تحسن نيتك، وعليك بالرفق، وإياك والخرق، فإن الرفق رشد، والخرق نكد، وانظر حسينا خاصة فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك أن تشاوره أن لا تقوى عليه. فأما من يرد مع السباع إذا وردت، ويكنس إذا كنست فذلك عبدالله بن الزبير، فاحذره أشد الحذر، ولا قوة إلا بالله، وأنا قادم عليك إن شاء الله. والسلام (1).

قال الاميني: يقولون بأفواهم ماليس في قلوبهم. نعم: والحق ان للحسين و لابيه وأخيه قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة إلا معاوية وأذنابه الذين قلبوا عليهم ظهر المجن بعد هذا الاعتراف الذي جحدوا به واستيقنته أنفسهم، بعد أن حليت الايام لهم درتها، فضيعوا تلك القرابة، وأنكروا ذلك الحق العظيم، وقطعوا رحما ماسة إن كان بين الطلقاء وسادات الامة رحم.

هيهــات لا قربت قربى ولا رحم * يـــوما إذا أقصت الاخلاق والشيم

كانت مودة سلمان لـــــه رحما * ولم يكن بين نوح وابنه رحم (2)

 

كتاب معاوية إلى الحسين عليه السلام:

أما بعد: فقد انتهت إلي منك امور لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وان أحق الناس بالوفاء لمن أعطي بيعته من كان مثلك في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتق الله، ولا تردن هذه الامة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وامة محمد، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون.

فكتب إليه الحسين رضي الله عنه:

أما بعد: فقد جاء‌ني كتابك تذكر فيه انه انتهت إليك عني امور لم تكن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الامامة والسياسة لابن قتيبة 1: 144 - 146.

(2) من قصيدة للامير أبي فراس الشهيرة.

 

 

/ ص 241 /

 

تظنني بها رغبة بي عنها. وإن الحسنات لا يهدي لها ولا يسدد إليها إلا الله تعالى، وأما ما ذكرت انه رقى إليك عني فإنما رقاه الملاقون المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ما أردت حربا ولا خلافا، وإني لاخشى الله في ترك ذلك منك ومن حزبك القاسطين المحلين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. إلى آخر الكتاب. (1)

 

- كتاب معاوية إلى عبدالله بن جعفر:

كتب إلى عبدالله: أما بعد: فقد عرفت أثرتي إياك على من سواك، وحسن رأيي فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشكر، وإن تأب تجبر، والسلام.

فكتب إليه عبدالله بن جعفر:

أما بعد: فقد جاء‌ني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، وإن تأب فبنفسك قصرت، وأما ما ذكرت من جبرك اياي على البيعة ليزيد فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد أجبرناك وأباك على الاسلام حتى أدخلنا كما كارهين غير طائعين ؟ والسلام. الامامة والسياسة 1: 147، 148.

وكتب معاوية إلى عبدالله بن الزبير:

رأيت كرام الناس إن كف عنهم * بحلــم رأوا فضلا لمن قد تحلما

ولا سيما إن كان عفوا بقـــدرة * فــذلك أحــــرى أن يجل ويعظما

ولست بذي لؤم فتعذر بالــــذي * أتيته من أخــلاق من كان ألوما

ولكن غشا لست تعرف غيـــره * وقد غش قبل اليـوم إبليس آدما

فما غش إلا نفسه في فعالــــه * فأصبح ملعونا وقــــد كان مكرما

واني لاخشى أن أنالك بالـــذي * أردت فيجزي الله من كان أظلما

فكتب عبدالله بن الزبير إلى معاوية:

ألا سمــــــع الله الــــــذي أنــا عبده * فأخـــزى إله الناس من كان أظلما

وأجـــــــرى على الله العظيم بحلمه * وأســـــــرعهم في الموبقات تقحما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   مر بتمامه في هذا الجزء صفحة 160.

 

 

/ ص 242 /

 

أغرك أن قالـوا: حليــــــم بعــــــزة * وليــــــس بــــــذي حلم ولكن تحلما

ولو رمت ما أن قد عزمت وجدتنى * هزبـــــر عريـــن يترك القرن أكتما

وأقسم لولا بيعـــــة لـــــك لم أكــن * لانقضهـــــا لـــــم تنــج مني مسلما

الامامة والسياسة 1: 147، 148.

 

- بيعة يزيد في المدينة المشرفة:

حج معاوية في سنة 50، واعتمر في رجب سنة 56 وكان في كلا السفرين يسعى وراء بيعة يزيد، وله في ذلك خطوات واسعة ومواقف ومفاوضات مع بقية الصحابة ووجوه الامة، غير أن المؤرخين خلطوا أخبار الرحلتين بعضها ببعض وما فصلوها تفصيلا.

 

- الرحلة الاولى:

قال ابن قتيبة: قالوا: إستخار الله معاوية وأعرض عن ذكر البيعة حتى قدم المدينة سنة خمسين فتلقاه الناس فلما استقر في منزله أرسل إلى عبدالله بن عباس، وعبدالله ابن جعفر بن أبي طالب، وإلى عبدالله بن عمر، وإلى عبدالله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا يأذن لاحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر فلما جلسوا تكلم معاوية فقال: ألحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإني قد كبر سني ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن ادعى فاجيب، وقد رأيت أن استخلف عليكم بعدي يزيد ورأيته لكم رضا وأنتم عبادلة قريش وخيارها وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن احضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما، على حسن رأيي فيهما وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا يرحمكم الله.

فتكلم عبدالله بن العباس فقال:

ألحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده واستوجب علينا الشكر على آلائه وحسن بلائه، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، وصلى الله عليه محمد وآل محمد.

أما بعد: فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن الله جل ثناؤه وتقدست

 

 

/ ص 243 /

 

 أسماؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالامر أخصهم به، وإنما على الامة التسليم لنبيها إذ إختاره الله لها فإنه إنما اختار محمدا بعلمه، وهو العليم الخبير، واستغفر الله لي ولكم.

فقام عبدالله بن جعفر فقال:

ألحمد لله أهل الحمد ومنتهاه، نحمده على إلها منا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا لم يتخذ صاحبه ولا ولدا، وان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فإن هذه الخلافة إن اخذ فيها بالقران ؟ فأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. وإن اخذ فيها بسنة رسول الله ؟ فأولوا رسول الله، وإن اخذ بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الامر من آل الرسول ؟ و أيم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الامر موضعه، لحقه وصدقه، ولاطيع الله، وعصي الشيطان، وما اختلف في الامة سيفان، فاتق الله يا معاوية  فانك قد صرت راعيا ونحن الرعية، فانظر لرعيتك، فانك مسئول عنها غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي. وتركك أن تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقل أودع، وأستغفر الله لي ولكم.

فتكلم عبدالله بن الزبير فقال:

ألحمد لله الذي عرفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله. وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنية، وأفعالها المرضية، مع شرف الآباء، وكرم الابناء، فاتق الله يا معاوية  وأنصف من نفسك، فان هذا عبدالله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا عبدالله بن جعفر ذي الجناحين، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عبدالله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي خلف حسنا وحسينا، وأنت تعلم من هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية  وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك.

فتكلم عبدالله بن عمر فقال:

ألحمد لله الذي أكرمنا بدينه وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم: أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية، ولا قيصرية، ولا كسروية، يتوارثها الابناء عن الآباء، ولو كان كذلك

 

 

/ ص 244 /

 

 كنت القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى، إلا أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا، ممن ارتضاه المسلمون لانفسهم، من كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئا.

فتكلم معاوية فقال:

قد قلت وقلتم، وإنه قد ذهبت الآباء وبقيت الابناء، فإبني أحب إلي من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا، وإنما كان هذا الامر لبني عبد مناف، لانهم أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى الناس أبا بكر وعمر، من غير معدن الملك والخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا ابن الزبير وأنت يا ابن عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله.

ثم أمر بالرحلة وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم وأعطياتهم، ثم انصرف راجعا إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين.

الامامة والسياسة 1: 142 - 144، جمهرة الخطب 2: 233 - 236.

قال الامينى: لم يذكر في هذا اللفظ ما تكلم به عبدالرحمن، ذكره ابن حجر في الاصابة 2: 408 قال: خطب معاوية فدعا الناس إلى بيعة يزيد، فكلمه الحسين ابن علي، وابن الزبير، وعبدالرحمن بن أبي بكر، فقال له عبدالرحمن: أهرقلية ؟ كلما مات قيصر كان قيصر مكانه، لا نفعل والله أبدا.

 

- صورة اخرى  من محاورة الرحلة الاولى :

قدم معاوية المدينة حاجا (1) فلما أن دنى من المدينة خرج إليه الناس يتلقونه ما بين راكب وماش، وخرج النساء والصبيان، فلقيه الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في القوت والقرب، فلان لمن كافحه، وفاوض العامة بمحادثته، وتألفهم جهده مقاربة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   من المتسالم عليه ان معاوية حج في سنة خمسين.

 

 

/ ص 245 /

 

ومصانعة ليستميلهم إلى ما دخل فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به أهل المدينة: ما زلت أطوي الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم حتى انطوى البعيد، ولان الخشن، وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه. فرد عليه القوم: بنفسك ودارك ومهاجرك أما ان لك منهم كأشفاق الحميم البر والحفي. حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي و عبدالله بن عباس فقال معاوية: مرحبا بابن بنت رسول الله، وابن صنو أبيه.

ثم انحرف إلى الناس فقال: هذان شيخا بني عبد مناف. وأقبل عليهما بوجهه وحديثه فرحب وقرب وجعل يواجه هذا مرة، ويضاحك هذا اخرى. حتى ورد المدينة، فلما خالطها لقيته المشاة والنساء والصبيان يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا عنه، فمال الحسين إلى منزله، ومضى عبدالله بن عباس إلى المسجد، فدخله، وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام حتى أتى عائشة ام المؤمنين فاستأذن عليها فأذنت له وحده لم يدخل عليها معه أحد وعندها مولاها ذكوان فقالت عائشة: يا معاوية  أكنت تأمن أن اقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي بكر ؟ فقال معاوية: ما كنت لتفعلين ذلك. قالت: لم ؟ قال: لاني في بيت أمن، بيت رسول الله. ثم أن عائشة حمدت الله وأثنت عليه وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر، وحضته على الاقتداء بهما والاتباع لاثرهما، ثم صمتت، قال: فلم يخطب معاوية وخاف أن يبلغ ما بلغت فارتجل الحديث ارتجالا ثم قال:

أنت والله يا ام المؤمنين  العالمة بالله وبرسوله دللتنا على الحق، وحضضتنا على حظ أنفسنا، وأنت أهل لان يطاع أمرك، ويسمع قولك، وإن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم ؟ وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم، أفترى أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم ؟  فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره فقالت: أما ما ذكرت من عهود ومواثيق فاتق الله في هؤلاء الرهط، ولا تعجل فيهم، فعلهم لا يصنعون إلا ما أحببت. ثم قام معاوية فلما قام قالت عائشة: يا معاوية  قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين. فقال معاوية: دعي هذا، كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك ؟

قالت: صالح. قال: فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا.

 

 

/ ص 246 /

 

ثم خرج ومعه ذكوان فاتكأ على يد ذكوان وهو يمشى ويقول: تالله إن رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول الله، ثم مضى حتى أتى منزله، فأرسل إلى الحسين بن علي فخلا به فقال له: يا بن أخي قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن أخي  فما أربك إلى الخلاف، قال الحسين: أرسل إليهم فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وألا تكن عجلت علي بأمر. قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، فخرج وقد أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان ؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا.

ثم أرسل معاوية إلى ابن الزبير فخلا به فقال له: قد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم يا بن أخي فما أربك إلى الخلاف، قال: فارسل إليهم فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وأن لا تكن عجلت علي بأمر. قال: وتفعل ؟ قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا.

فأرسل بعده إلى ابن عمر فأتاه وخلا به فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه، وقال: إني كرهت أن أدع امة محمد بعدي كالضان لا راعي لها (1) وقد استوثق الناس لهذا الامر غير خمسة نفر أنت تقودهم فما أربك إلى الخلاف، قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء، وتدرك به حاجتك ؟  فقال معاوية: وددت ذلك. فقال ابن عمر: تبرز سريرك ثم أجئ فابايعك على أني أدخل فيما اجتمعت عليه الامة، فوالله لو أن الامة اجتمعت على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الامة. قال: وتفعل ؟ قال: نعم ثم خرج. وأرسل إلى عبدالرحمن بن أبي بكر فخلا به قال: بأي يد أو رجل تقدم على معصيتي ؟ فقال عبدالرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا لي. فقال معاوية: والله لقد هممت أن أقتلك. فقال: لو فعلت لاتبعك الله في الدنيا، ولادخلك في الآخرة النار. ثم خرج.

بقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص. ويدني بذمة الناس، فلما كان صبيحة اليوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   أتصدق ان محمدا صلى الله عليه وآله ترك امته كالضان لا راعى لها ولم يرض بذلك معاوية ؟  حاشا نبي الرحمة عن أن يدع الامة كما يحسبون، غير أنهم نبذوا وصيته وراء ظهورهم، وجروا الويلات على الامة حتى اليوم.

 

 

/ ص 247 /

 

الثاني أمر بفراش فوضع له وسويت مقاعد الخاصة حوله وتلقاء‌ه من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية وعمامة دكناء وقد أسبل طرفها بين كتفيه وقد تغلف وتعطر فقعد على سريره وأجلس كتابه منه بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لاحد من الناس وإن قرب، ثم أرسل إلى الحسين بن علي و عبدالله بن عباس فسبق ابن عباس فلما دخل وسلم عليه أقعده في الفراش على يساره فحادثه مليا ثم قال: يابن عباس لقد وفر الله حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف ودار الرسول عليه السلام. فقال ابن عباس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، وحظنا من القناعة بالبعض والتجافي عن الكل أوفر. فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر الاعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي فلما رآه معاوية جمع له وسادة كانت عن يمينه فدخل الحسين وسلم فأشار إليه فأجلسه عن يمينه مكان الوسادة، فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم فأخبره ثم سكت، ثم ابتدأ معاوية فقال:

أما بعد: فالحمد لله ولي النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما يقول الملحدون علوا كبيرا، وان محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والانس كافة لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فأدى عن الله وصدع بأمره، وصبر عن الاذى في جنبه، حتى أوضح دين الله، وأعز أولياء‌ه، و قمع المشركين، وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه وقد ترك من الدنيا ما بذل له، واختار منها الترك لما سخر له زهادة واختيارا لله، وأنفة واقتدارا على الصبر، بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم ثم خلفه رجلان محفوظان وثالث مشكوك، وبين ذلك خوض طول ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ومعاينة وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما احاول به من أمر الرعية من سد الخلل، ولم الصدع بولاية يزيد، بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروء‌ة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد على المناظرة والمقابلة ما أعياني مثله عندكما وعند غيركما، مع علمه بالسنة وقراء‌ة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب، وقد علمتما ان الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة قدم على الصديق والفاروق ودونهما من أكابر الصحابة وأوائل المهاجرين

 

 

/ ص 248 /

 

يوم غزوة السلاسل من لم يقارب القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بإمرة، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال ولم يقل معه، وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فمهلا بني عبدالمطلب فأنا وأنتم شعبا نفع وجد، وما زلت أرجو الانصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، واستغفر الله لي ولكما.

 

- كلمة الامام السبط:

فتيسر ابن عباس للكلام ونصب يده للمخاطبة فأشار إليه الحسين وقال: على رسلك، فأنا المراد: ونصيبي في التهمة أوفر. فأمسك ابن عباس فقام الحسين فحمد الله و صلى على الرسول ثم قال:

 أما بعد: يا معاوية  فلن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزء‌ا، وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من ايجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ البيعة، وهيهات هيهات يا معاوية  فضح الصبح فحمة الدجى، وظهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، وأستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى بخلت، وجرت حتى جاوزت، ما بذلت لذي حق من أتم حقه بنصيب حتى أخذ الشيطان حظه الاوفر، ونصيبه الاكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله وسياسته لامة محمد، تريد أن توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على مواقع رأيه، فخذ ليزيد فيما أخذ به من استقرائه الكلاب المهارشة عند التحارش، والحمام السبق لاترابهن، والقينات ذوات المعازف، وضروب الملاهي، تجده ناصرا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله بوزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدر باطلا في جور، وحنقا في ظلم، حتى ملات الاسقية، وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الامر، ومنعتنا عن آبائنا، و لقد لعمر الله أورثنا الرسول عليه السلام ولادة، وجئت لنا بها ما حججتم به القائم عند موت الرسول فأذعن للحجة بذلك، ورده الايمان إلى النصف، فركبتم الاعاليل، وفعلتم الافاعيل، وقلتم: كان ويكون، حتى أتاك الامر يا معاوية  من طريق كان قصدها

 

 

/ ص 249 /

 

لغيرك، فهناك فاعتبروا يا اولي الابصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأميره له، وقد كان ذلك ولعمر وبن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له، وما صار لعمرو يومئذ حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله فقال صلى الله عليه وسلم: لا جرم معشر المهاجرين لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري، فكيف يحتج بالمنسوخ من فعل الرسول في أوكد الاحوال وأولاها بالمجتمع عليه من الصواب ؟ أم كيف صاحبت بصاحب تابع وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته، و تتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في دنياه، و تشقى بها في آخرتك، إن هذا لهو الخسران المبين، وأستغفر الله لي ولكم.

فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا بن عباس ؟ ولما عندك أدهى وأمر.

فقال ابن عباس: لعمر الله انها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، ومن البيت المطهر، فاله عما تريد، فان لك في الناس مقنعا حتى يحكم الله بأمره وهو خير الحاكمين.

فقال معاوية: أعود الحلم التحلم، وخيره التحلم عن الاهل، انصرفا في حفظ الله.

ثم أرسل معاوية إلى عبدالرحمن بن أبي بكر، وإلى عبدالله بن عمر، وإلى عبدالله بن الزبير فجلسوا، فحمد الله وأثني عليه معاوية ثم قال:

 يا عبدالله بن عمر  قد كنت تحدثتا انك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة، وإن لك الدنيا وما فيها، وإني احذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملاهم، وأن تسفك دماء‌هم، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم.

ثم سكت.

فتكلم عبدالله بن عمر فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال:

 أما بعد: يا معاوية  قد كان قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك، فلم يحابوا في هذا الامر أحدا، ولكن اختاروا لهذه الامة حيث علموهم، وإن تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وافزق ملاهم، واسفك دماء‌هم، ولم أكن لافعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه امة محمد.

 

 

/ ص 250 /

 

فقال معاوية: يرحمك الله، ليس عندك خلاف، ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر فقال له عبدالرحمن:

 إنك والله لوددنا أن نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لتجعلنها شورى أو لاعيدها جذعة، ثم قام ليخرج فتعلق معاوية بطرف ردائه ثم قال: على رسلك، أللهم اكفنيه بما شئت، لا تظهرن لاهل الشام. فإني أخشى عليك منهم. ثم قال لابن الزبير نحو ما قاله لابن عمر، ثم قال له: أنت ثعلب رواغ كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر، أنت ألبت هذين الرجلين، وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير: أتريد أن تبايع ليزيد ؟ أرأيت إن بايعناه أيكما نطيع ؟ أنطيعك ؟  أم نطعيه ؟  إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها، وبايع ليزيد، فنحن نبايعه. فكثر كلامه وكلام ابن الزبير حتى قال له معاوية في بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلا نفسك، ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة. ثم أمرهم بالانصراف واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج ثم خرج فأمر المنادي أن ينادي في الناس: أن يجتمعوا لامر جامع فاجتمع الناس في المسجد وقعد هؤلاء (1) حول المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر يزيد فضله وقراء‌ته القرآن ثم قال: يا أهل المدينة  لقد هممت بيعة يزيد وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها بيعته فبايع الناس جميعا وسلموا وأخرت المدينة بيعته وقلت بيضته وأصله ومن لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كان أجدر أن يصله، والله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له.

فقام الحسين فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أبا واما ونفسا فقال معاوية كأنك تريد نفسك ؟ فقال الحسين: نعم أصلحك الله. فقال معاوية: إذا اخبرك، أما قولك خير منه اما فلعمري امك خير من امه، ولو لم يكن إلا انها امرأة من قريش لكان لنساء قريش أفضلهن، فكيف وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم فاطمة في دينها و سابقتها، فامك لعمر الله خير من امه. وأما أبوك فقد حاكم أباه إلي الله فقضى لابيه على أبيك. فقال الحسين: حسبك جهلك آثرت العاجل على الآجل. فقال معاوية: و أما ما ذكرت من انك خير من يزيد نفسا فيزيد والله خير لامة محمد منك. فقال الحسين:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   يعنى المتخلفين عن بيعة يزيد.

 

 

/ ص 251 /

 

هذا هو الافك والزور، يزيد شارب الخمر ومشتري اللهو خير مني ؟ فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك فانك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك.

ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس قد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض ولم يستخلف أحدا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعته بيعة هدى فعمل بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، فصنع أبوبكر ما لم يصنعه رسول الله، وصنع عمر ما لم يصنعه أبوبكر، كل ذلك يصنعون نظرا للمسلمين، فلذلك رأيت أن ابايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف ونظرا لهم بعين الانصاف (1).

 

- رحلة معاوية الثانية وبيعة يزيد فيها:

قال ابن الاثير: فلما بايعه أهل العراق والشام سار معاوية إلى الحجاز في ألف فارس فلما دناه من المدينة لقيه الحسين بن علي أول الناس فلما نظر إليه قال: لا مرحبا ولا أهلا، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه، قال: مهلا فإني والله لست بأهل لهذه المقالة.

قال: بلى ولشر منها، ولفيه إبن الزبير فقال: لا مرحبا ولا أهلا، خب ضب تلعة، يدخل رأسه، ويضرب بذنبه، ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه، ويدق ظهره، نحياه عني. فضرب وجه راحلته.

ثم لقيه عبدالرحمن بن أبي بكر فقال له معاوية: لا أهلا ولا مرحبا شيخ قد خرف وذهب عقله، ثم أمر فضرب وجه راحلته، ثم فعل بابن عمر نحو ذلك فأقبلوا معه لا يلتفت إليهم حتى دخل المدينة فحضروا بابه فلم يؤذن لهم على منازلهم ولم يروا منه ما يحبون فخرجوا إلى مكة فأقاموا بها، وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال: من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه ؟  وما أظن قوما بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث اصولهم، وقد أنذرت إن أغنت النذر. ثم أنشد متمثلا:

قــــد كنت حذرتك آل المصطلق * وقلت: يا عمرو أطعني وانطلق

إنك إن كلفتني ما لــــــم أطـــق * ساء‌ك ما ســــرك مني من خلق

دونك ما استسقيته فاحس وذق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الامامة والسياسة 1: 149 - 155، تاريخ الطبرى 6: 170 واللفظ لابن قتيبة.

 

 

/ ص 252 /

 

ثم دخل على عائشة وقد بلغها انه ذكر الحسين وأصحابه فقال: لاقتلنهم إن لم يبايعوا. فشكاهم إليها فوعظته وقالت له: بلغني إنك تتهددهم بالقتل ؟ فقال: يا ام المؤمنين  هم أعز من ذلك، ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم، أفترين أن أنقض بيعة قد تمت ؟ قالت: فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إن شاء الله. قال: أفعل. وكان في قولها له: ما يؤمنك أن أقعد لك رجلا يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت (تعني أخاها محمدا) فقال لها: كلا يا ام المؤمنين  إني في بيت أمن. قالت: أجل. ومكث بالمدينة ما شاء الله.

ثم خرج إلى مكة فلقيه الناس فقال اولئك النفر: نتلقاه فلعله قد ندم على ما كان منه. فلقوه ببطن مر فكان أول من لقيه الحسين فقال له معاوية: مرحبا وأهلا يا ابن رسول الله  وسيد شباب المسلمين. فأمر له بدابة فركب وسايره، ثم فعل بالباقين مثل ذلك وأقبل يسايرهم لا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة فكانوا أول داخل وآخر خارج، ولا يمضي يوم إلا ولهم صلة ولا يذكر لهم شيئا حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره فقال بعض اولئك النفر لبعض: لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبكم وما صنعه إلا لما يريد فأعدوا له جوابا.

فاتفقوا على أن يكون المخاطب له ابن الزبير فأحضرهم معاوية وقال: قد علمتم سيرتي فيكم، وصلتي لارحامكم، وحملي ما كان منكم، ويزيد أخوكم وابن عمكم و أردت أن تقدموه باسم الخلافة، وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه لا يعارضكم في شيئ من ذلك. فسكتوا، فقال: ألا تجيبون ؟ مرتين، ثم أقبل على ابن الزبير فقال: هات لعمري انك خطيبهم، فقال: نعم نخيرك بين ثلاث خصال قال: أعرضهن.

قال: تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كما صنع أبوبكر، أو كما صنع عمر، قال معاوية: ما صنعوا ؟ قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف أحدا فارتضى الناس أبا بكر قال: ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف. قالوا: صدقت فاصنع كما صنع أبوبكر فانه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر جعل الامر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني ابيه. قال معاوية: هل عندك غير هذا ؟ قال: لا. ثم قال: فأنتم ؟ قالوا: قولنا قوله. قال: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم انه قد أعذر من أنذر، اني كنت أخطب منكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤس الناس فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة فاقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي

 

 

/ ص 253 /

 

هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقين رجل إلا على نفسه. ثم دعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما. ثم خرج وخرجوا معه حتى رقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتز أمر دونهم ولا يفضى إلا عن مشورتهم وانهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله. فبايع الناس وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، ثم ركب رواحله وانصرف إلى المدينة، فلقي الناس اولئك النفر فقالوا لهم: زعمتم انكم لا تبايعون فلم رضيتم وأعطيتم وبايعتم ؟ قالوا: والله ما فعلنا. فقالوا: ما منعكم أن تردوا على الرجل ؟ قالوا: كادنا وخفنا القتل. وبايعه أهل المدينة ثم انصرف إلى الشام وجفا بني هاشم فأتاه ابن عباس فقال له: ما بالك جفوتنا ؟ قال: إن صاحبكم - يعني الحسين عليه السلام - لم يبايع ليزيد فلم تنكروا ذلك عليه. فقال: يا معاوية  اني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فاقيم به ثم أنطق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك. قال: يا أبا العباس تعطون وترضون وترادون. (1)

وجاء في لفظ ابن قتيبة: إن معاوية نزل عن المنبر وانصرف ذاهبا إلى منزله وأمر من حرسه وشرطته قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة وهم: الحسين بن علي  وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عباس، وعبدالرحمن بن أبي بكر وأوصاهم معاوية قال: إني خارج العشية إلى أهل الشام فاخبرهم: أن هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني فيه فلا ينقضي كلامه حتي يطير رأسه. فحدر القوم ذلك، فلما كان العشي خرج معاوية وخرج معه هؤلاء النفر وهو يضاحكهم ويحدثهم وقد ألبسهم الحلل، فألبس ابن عمر حلة حمراء، وألبس الحسين حلة صفراء، وألبس عبدالله بن عباس حلة خضراء، وألبس ابن الزبير حلة يمانية، ثم خرج بينهم وأظهر لاهل الشام الرضا عنهم - أي القوم - وانهم بايعوا، فقال: يا أهل الشام  إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين فوجدهم واصلين مطيعين، وقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   العقد الفريد 2: 302 - 304، الكامل لابن الاثير 3: 21 - 218، ذيل الامالى ص 177، جمهرة الرسائل 2: 69 واللفظ لابن الاثير.

 

 

/ ص 254 /

 

بايعوا وسلموا ذلك، والقوم سكوت لم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب اناس من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين  إن كان رابك منهم ريب فحل بيننا وبينهم حتى نضرب أعناقهم. فقال معاوية: سبحان الله ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام ؟ لا أسمع لهم ذكرا بسوء فانهم بايعوا وسلموا، وارتضوني فرضيت عنهم رضي الله عنهم، ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة وقد أعطى الناس أعطياتهم، وأجزل العطاء، وأخرج إلى كل قبيلة جوائزها وأعطياتها، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء، فخرج عبدالله ابن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء فجلس ببابه فجعل معاوية يقول: من بالباب ؟ فيقال: عبدالله بن عباس فلم يأذن لاحد، فلما استيقظ قال: من بالباب ؟ فقيل: عبد الله بن عباس فدعا بدابته فادخلت إليه ثم خرج راكبا فوثب إليه عبدالله بن عباس فأخذ بلجام البغلة ثم قال: أين تذهب ؟ قال: إلى مكة. قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا ؟ فأوما إليه معاوية فقال: والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم. قال ابن عباس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، وأبى عبدالله بن عمر فأخرجت جائزة بني عدي، فما لنا إن أبى صاحبنا وقد أبى صاحب غيرنا. فقال معاوية: لستم كغيركم، لا والله لا اعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم، فقال ابن عباس: أما والله لئن لم تفعل لالحقن بساحل من سواحل الشام ثم لاقولن ما تعلم، والله لاتركنهم عليك خوارج. فقال معاوية: لا بل اعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء ومضى راجعا إلى الشام. الامامة والسياسة 1: 156.

قال الاميني: إن المستشف لحقيقة الحال من أمر هذه البيعة الغاشمة جد عليم أنها تمت برواعد الارهاب، وبوراق التطميع، وعوامل البهت والافتراء، فيرى معاوية يتوعد هذا، ويقتل ذاك، ويولي آخر على المدن والامصار ويجعلها طعمة له، ويدر من رضائخه على النفوس الواطئة ذوات الملكات الرذيلة، وفي القوم من لا يؤثر فيه شيئ من ذلك كله، غير انه لا رأي لمن لا يطاع، لكن إمام الهدى، وسبط النبوة، ورمز الشهادة والاباء لم يفتأ بعد ذلك كله مصحرا بالحقيقة، ومصارحا بالحق، وداحضا للباطل مع كل تلكم الحنادس المدلهمة، أصغت إليه اذن أم لا، وصغى إلى قيله أحد أو أعرض، فقام بواجب الموقف رافعا عقيرته بما تستدعيه الحالة، ويوجبه النظر في صالح المسلمين

 

 

/ ص 255 /

 

 ولم يثنه اختلاق معاوية عليه وعلى من وافقه في شيئ من الامر، ولا ما أعده لهم من التوعيد والارجاف بهم، ولم تك تأخذه في الله لومة لائم، حتى لفظ معاوية نفسه الاخير رمزا للخزاية وشية العار، ولقي الحسين عليه السلام ربه وقد أدى ما عليه، رمزا للخلود ومزيد الحبور في رضوان الله الاكبر، نعم: لقي الحسين عليه السلام ربه وهو ضحية تلك البيعة، - بيعة يزيد - كما لقي أخوه الحسن ربه مسموما من جراء تلكم البيعة الملعونة التي جرت الويلات على امة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واستتبعت هدم الكعبة، والاغارة على دار الهجرة يوم الحرة وأبرزت بنات المهاجرين والانصار للنكال والسوء‌ة، وأعظمها رزايا مشهد الطف التي استأصلت شأفة أهل بيت الرحمة صلوات الله عليهم، وتركت بيوت الرسالة تنعق فيها النواعب، وتندب النوادب، وقرحت الجفون، وأسكبت المدامع، إنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

نعم: تمت تلك البيعة المشومة مع فقدان أي جدارة وحنكة في يزيد، تأهله لتسنم عرش الخلافة على ما تردى به من ملابس الخزي وشية العار من معاقرة الخمور، ومباشرة الفجور، ومنادمة القيان ذوات المعازف، ومحارشة الكلاب، إلى ما لا يتناهى من مظاهر الخزاية، وقد عرفته الناس بذلك كله منذ اولياته وعرفه به اناس آخرون، وحسبك شهادة وفد بعثه أهل المدينة إلى يزيد وفيهم: عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة، وعبدالله بن أبي عمرو المخزومي، والمنذر بن الزبير، وآخرون كثيرون من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم، وأحسن إليهم، وأعظمهم جوائزهم، وشاهدوا أفعاله، ثم انصرفوا من عنده وقدموا المدينة كلهم إلا المنذر، فلما قدم الوفد المدينة قاموا فيهم، فأظهروا شتم يزيد وعتبه وقالوا: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحراب، وهم اللصوص والفتيان، وإنا نشهدكم انا قد خلعناه فتابعهم الناس. (1)

وقال عبدالله بن حنظلة ذلك الصحابي العظيم المنعوت بالراهب قتيل يوم الحرة يومئذ: يا قوم  اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   تاريخ الطبرى 7: 4، الكامل لابن الاثير 4: 45، تاريخ ابن كثير 8: 216، فتح البارى 13: 59.

 

 

/ ص 256 /

 

بالحجارة من السماء، إن رجلا ينكح الامهات والبنات والاخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لابليت لله فيه بلاء حسنا. (1)

ولما قدم المدينة أتاه الناس فقالوا: ما وراء‌ك ؟ قال: أتيتكم من عند رجل والله لو لم أجد إلا بني هؤلاء لجاهدته بهم. (2)

وقال المنذر بن الزبير لما قدم المدينة: إن يزيد قد أجازني بمائة ألف، ولا يمنعني ما صنع بي أن اخبركم خبره، والله انه ليشرب الخمر، والله انه ليسكر حتى يدع الصلاة. (3)

وقال عتبة بن مسعود لابن عباس: أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش ؟

قال: مه فأين ما قلت لكم ؟

وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر أو هو شر من شاربها أنتم إلى بيعته سراع، أما والله  اني لانهاكم وأنا أعلم أنكم فاعلون حتى يصلب مصلوب قريش بمكة - يعني عبدالله بن الزبير -.(4)

نعم: لم يك على مخازي يزيد من أول يومه حجاب مسدول يخفيها على الاباعد والاقارب، غير ان أقرب الناس إليه وهو أبوه معاوية غض الطرف عنها جمعاء، وحسب انها تخفى على الملا الديني بالتمويه، وطفق يذكر له فضلا وعلما بالسياسة، فجابهه لسان الحق وإنسان الفضيلة حسين العظمة بكلماته المذكورة في صفحة 248 و 250 ومعاوية هو نفسه يندد بابنه في كتاب كتبه إليه ومنه قوله: اعلم يا يزيد  أن اول ما سلبكه السكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة، وآلائه المتواترة، وهي الجرحة العظمى، والفجعة الكبرى: ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها، ثم استحسان العيوب، وركوب الذنوب، وإظهار العورة، وإباحة السر، فلا تأمن نفسك على سرك، ولا تعتقد على فعلك، الكتاب. (5)

فنظرا إلى ما عرفته الامة من يزيد من مخازيه وملكاته الرذيلة عد الحسن البصري استخلاف معاوية إياه من موبقاته الاربع كما مر حديثه في صفحة 225.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر 7: 372.

(2) تاريخ ابن عساكر 7: 372، الكامل لابن الاثير 4: 45، الاصابة 2: 299.

(3) كامل ابن الاثير 4: 45، تاريخ ابن كثير 8: 216.

(4) الامامة والسياسة 1: 167.

(5) صبح الاعشى 6: 387.