فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 / ص 257 /

  

ـ 15-

جنايات معاوية في صفحات تاريخه السوداء

إنما نجتزئ منها على شيئ يسير يكون كانموذج مما له من السيئات التي ينبو عنها العدد ويتقاعس عنها الحساب، ويستدعي التبسط فيها مجلدات ضخمة فمنها: دؤبه على لعن مولانا علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكان يقنت به صلواته كما مر حديثه في الجزء الثاني ص 132 ط 2 واتخذه سنة جارية في خطب الجمعة والاعياد، وبدل سنة محمد صلى الله عليه وآله في خطبة العيدين المتأخرة عن صلاتهما وقدمها عليها لاسماع الناس لعن الامام الطاهر كما مر تفصيله في الجزء الثامن ص 164 - 171 وأوعزنا إليه في هذا الجزء ص 212 وكان يأمر عماله بتلك الاحدوثة الموبقة، ويحث الناس عليها، ويوبخ المتوقفين عنها، ولا يصيخ إلى قول أي ناصح وازع.

1 - أخرج مسلم والترمذي عن طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: أمر معاوية سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أسبه، لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم (فذكر حديث المنزلة: والراية. والمباهلة) وأخرجه الحاكم وزاد: فلا والله ما ذكره معاوية بحرف حتى خرج من المدينة. (1)

وفي لفظ الطبري من طريق ابن أبي نجيح قال: لما حج معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلما فرغ إنصرف معاوية إلى دارالندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبه فرحف سعد ثم قال: أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي والله لان يكون لي خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس - إلى آخر الحديث وفيه من قول سعد: وأيم الله لا دخلت لك دارا ما بقيت. ونهض.

قال المسعودي بعد رواية حديث الطبري: ووجدت في وجه آخر من الروايات و ذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي في الاخبار عن ابن عائشة وغيره: ان سعدا (1) راجع صحيح مسلم 7: 120، صحيح الترمذي 13: 171، مستدرك الحاكم 3: 109.

 

 

/ ص 258 /

 

لما قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضرط له معاوية وقال له: اقعد حتى تسمع جواب ما قلت، ما كنت عندي قط ألام منك الآن، فهلا نصرته ؟ ولم قعدت عن بيعته ؟ فاني لو سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم مثل الذي سمعت فيه لكنت خادما لعلي ما عشت، فقال سعد: والله اني لاحق بموضعك منك. فقال معاوية: يأبى عليك بنو عذرة. وكان سعد فيما يقال لرجل من بني عذرة. (1)

وفي رواية ذكرها ابن كثير في تاريخه 8: 77: دخل سعد بن أبي وقاص على معاوية فقال له: مالك لم تقاتل عليا ؟ فقال: إني مرت بي ريح مظلمة فقلت: اخ اخ، فأنخت راحلتي حتى انجلت عني، ثم عرفت الطريق فسرت. فقال معاوية: ليس في كتاب الله اخ اخ، ولكن قال الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله. فوالله ما كنت مع الباغية على العادلة، ولا مع العادلة على الباغية، فقال سعد: ما كنت لاقاتل رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي. فقال معاوية: من سمع هذا معك ؟ فقال: فلان وفلان وام سلمة. فقال معاوية: أما اني لو سمعته منه صلى الله ليه وسلم لما قاتلت عليا.

قال: وفي رواية من وجه آخر: ان هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجة حجها معاوية وانهما قاما إلى ام سلمة فسألاه فحدثتهما بما حدث به سعد فقال معاوية: لو سمعت هذا قبل هذا اليوم لكنت خادما لعلي حتى يموت أو أموت.

قال الاميني: لقد أفك معاوية في ادعائه عدم إحاطة علمه بتلكم الاحاديث المطردة الشايعة فانها لم تكن من الاسرار التي لا يطلع عليها إلا البطانة والخاصة، وإنما هتف بهن صلى الله عليه وآله على رؤس الاشهاد، أما حديث الراية فكان في واقعة خيبر وله موقعيته الكبرى لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. الحديث.

فاستطالت أعناق كل فريق * ليـــروا أي ماجد يعطاها ؟

فلم تزل النفوس مشرئبة متتلعة إلى من عناه صلى الله عليه وآله حتى جيئ بأمير المؤمنين عليه السلام ومنح الفتح من ساحة النبوة العظمى، فانطبق القول، وصدقت الاكرومة، وعلم الغزاة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   مروج الذهب 1: 61، وحكى شطرا منه سبط ابن الجوزى في تذكرته ص 12.

 

 

/ ص 259 /

 

كلهم انه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يريد غيره.

هب أن معاوية يوم واقعة خيبر كان عداده في المشركين، وموقفه مع من يحاد الله ورسوله، لكن هلا بلغه ذلك بعد ما حداه الفرق إلى الاستسلام ؟ والحديث مطرد بين الغزاة وسائر المسلمين، وهم بين مشاهد له وعالم به.

وأما حديث المنزلة فقد نطق به رسول الله صلى الله عليه وآله في موارد عديدة منها غزأة تبوك على ما مر تفصيله في الجزء الثالث ص 198 ط 2 وقد حضرها وجوه الصحابة وأعيانهم. وكلهم علموا بهاتيك الفضيلة الرابية، فالاعتذار عن معاوية بأنه لم يحضرها لاشراكه يومئذ مدفوع بما قلناه في واقعة خيبر.

ومن جملة موارده يوم غدير خم الذي حضره معاوية وسمعه هو ومائة ألف أو يزيدون، لكنه لم يعه بدليل أنه ما آمن به فحارب عليا عليه السلام بعده وعاداه وأمر بلعنه محادة منه لله ولرسوله، وعقيرة رسول الله المرفوعة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم في علي: أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله. بعد ترن في اذن الدنيا.

ومن موارده يوم المؤاخاة كما أخرجه أحمد باسناده عن محدوج بن زيد الباهلي قال: آخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والانصار فبكى علي عليه السلام فقال رسول الله: ما يبكيك فقال: لم تواخ بيني وبين أحد. فقال: إنما ادخرتك لنفسي ثم قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. (1)

ومنها يوم كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دار ام سلمة إذ أقبل علي عليه السلام يريد الدخول على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ام سلمة هل تعرفين هذا ؟ قالت: نعم هذا علي سيط لحمه بلحمي ودمه بدمي، وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي - راجع الجزء - الثالث ص 116.

على أن حديث المنزلة قد جاء من طريق معاوية نفسه رواه في حياة علي عليه السلام فيما أخرجه أحمد في مناقبه من طريق أبي حازم كما في الرياض النضرة 2: 195.

وأما نبأ المباهلة فصحيح أن معاوية لم يدركه لان الكفر كان يمنعه عند ذلك عن سماعه، غير أن القرآن الكريم قد أعرب عن ذلك النبأ العظيم إن لم يكن إبن حرب في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث ص 115.

 

 

/ ص 260 /

 

معزل عن الكتاب والسنة، على أن قصتها من القضايا العالمية وليس من المستطاع لاي أحد أن يدعي الجهل بها.

وهنا نماشي ابن صخر على عدم اطلاعه على تلكم الفضائل إلى حد إخبار سعد إياه، لكنه بماذا يعتذر وهو يقرأ قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ؟ الآية ؟ . وبماذا يعتذر بعد ما رواه قبل يوم صفين من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية ؟ وبماذا يعتذر بعد علمه بتلكم الاحاديث بأخبار صحابي معدود عند القوم في العشرة المبشرة وبعد إقامة الشهود عليه ؟  ومن هنا تعلم أنه أفك مرة اخرى بقوله أما اني لو سمعت من رسول الله ما سمعت في علي لكنت له خادما ما عشت. لانه عاش ولم يرتدع عن غيه وحارب أمير المؤمنين عليه السلام حيا وميتا، ودؤب على لعنه والامر به حتى أجهز عليه عمله وكبت وبه بطنته.

نعم: انه استمر على بغيه وقابل سعدا في حديثه بالضرطة، وهل هي هزؤ منه بمصدر تلكم الابناء القدسية ؟ أو بخضوع سعد لها ؟ أو لمحض أن سعدا لم يوافقه على ظلمه ؟ أنا لا أدري غير أن كفر معاوية الدفين لا يأبي شيئا من ذلك، وهلا منعه الخجل عن مثل هذا المجون وهو ملك ؟ وبطبع الحال ان مجلسه يحوي الاعاظم والاعيان.

مــــن أين تخجل أوجه أموية * سكبت بلذات الفجور حيائها ؟

2 - لما مات الحسن بن علي " عليهما السلام " حج معاوية فدخل المدينة و أراد أن يلعن عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: إن هيهنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه، فأرسل إليه وذكر له ذلك فقال: إن فعلت لاخرجن من المسجد ثم لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله أن يلعنوه على المنابر، ففعلوا فكتبت ام سملة زوج النبي صلى الله عليه وسلم إلى معاوية: انكم تلعنون الله ورسوله على منابركم، وذلك أنكم تلعنون علي بن أبي طالب ومن أحبه، وأنا أشهد أن الله أحبه ورسوله. فلم يلتفت إلى كلامها. العقد الفريد 2: 301.

3 - قال معاوية لعقيل بن أبي طالب: إن عليا قد قطعك وأنا وصلتك ولا يرضيني منك إلا أن تعلنه على المنبر قال: أفعل. فصعد المنبر ثم قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه

 

 

/ ص 261 /

 

 وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم: أيها الناس إن معاوية بن أبي سفيان قد أمرني أن ألعن علي بن أبي طالب فالعنوه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ثم نزل فقال له معاوية: إنك لم تبين من لعنت منهما بينه. فقال: والله لا زدت حرفا ولا نقصت حرفا، والكلام إلى نية المتكلم. العقد الفريد 2: 144. المستطرف 1: 54.

4 - بعث معاوية إلى عبيدالله بن عمر لما قدم عليه بالشام فأتي فقال له معاوية: يا بن أخي  إن لك إسم أبيك، فانظر بمل‌ء عينيك، وتكلم بكل فيك، فأنت المأمون المصدق، فاصعد المنبر واشتم عليا، واشهد عليه انه قتل عثمان. فقال: يا أمير المؤمنين  أما شتمه فإنه علي بن أبي طالب، وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم، فما عسى أن أقول في حسبه، وأما بأسه فهو الشجاع المطرق. وأما أيامه فما قد عرفت، ولكني ملزمه دم عثمان. فقال عمرو بن العاص: إذا والله قد نكأت القرحة (1)

5 - روى ابن الاثير في اسد الغابة 1: 134 عن شهر بن حوشب انه قال: أقام فلان (2) خطباء يشتمون عليا رضي الله عنه وأرضاه ويقعون فيه حتى كان آخرهم رجل من الانصار أو غيرهم يقال له: أنيس. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنكم قد أكثرتم اليوم في سب هذا الرجل وشتمه وإني اقسم بالله اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إني لا شفع يوم القيامة لاكثر مما على الارض من مدر وشجر. واقسم بالله ما أحد أوصل لرحمه منه، أفترون شفاعته تصل إليكم وتعجز عن أهل بيته ؟   وذكره ابن حجر في الاصابة 1: 77.

6 - بينما معاوية جالس في بعص مجالسه وعنده وجوه الناس فيهم: الاحنف بن قيس إذ دخل رجل من أهل الشام فقام خطيبا وكان آخر كلامه أن لعن عليا، فقال الاحنف يا أمير المؤمنين  إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم فاتق الله يا أمير المؤمنين  ودع عنك عليا فلقد لقي ربه، وأفرد في قبره، وخلا بعمله، وكان والله المبرور سيفه، الطاهر ثوبه، ألعظيمة مصيبته. فقال له معاوية: يا أحنف  لقد أغضيت العين على القذى، وقلت ما ترى، وأيم الله لتصعدن المنبر فتلعننه طوعا أو كرها. فقال له الاحنف:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين لابن مزاحم 1: 92، شرح ابن ابي الحديد 1: 256.

(2) يعنى معاوية.

 

 

/ ص 262 /

 

يا أميرالمؤمنين  إن تعفني فهو خير لك، وإن تجبرني على ذلك فوالله لا يجري شفتاي به أبدا. فقال: قم فاصعد المنبر. قال الاحنف: أما والله لانصفنك في القول والفعل. قال: وما أنت قائل إن أنصفتني ؟  قال: أصعد المنبر فأحمد الله وأثني عليه واصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم أقول: أيها الناس ان أمير المؤمنين معاوية أمر أن ألعن عليا، وإن عليا ومعاوية اختلفا واقتتلا فادعى كل واحد منهما انه بغي عليه وعلى فئته، فإذا دعوت فأمنوا رحمكم الله. ثم أقول: أللهم العن أنت وملائكتك وأبنياؤك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه، والعن الفئة الباغية، أللهم العنهم لعنا كثيرا، أمنوا رحمكم الله. يا معاوية  لا أزيد على هذا ولا أنقص حرفا ولو كان فيه ذهاب روحي. فقال معاوية: إذا نعفيك يا أبا بحر. العقد الفريد 2: 144، المستطرف 1: 54.

7 - في كتاب " المختصر في أخبار البشر " للعلامة اسماعيل بن علي بن محمود: كتب الحسن إلى معاوية واشترط عليه شروطا وقال: إن أجبت إليها فأنا سامع مطيع فأجاب معاوية إليها، وكان الذي طلبه الحسن أن يعطيه ما في بيت مال الكوفة، وخراج دار ابجرد من فارس، وأن لا يشتم عليا، فلم يجب إلى الكف عن شتم علي، فطلب الحسن أن لا يشتم علي وهو يسمع، فأجابه إلى ذلك ثم لم يف به.

راجع ايضا تاريخ الطبري 6: 92، كامل إبن الاثير 3: 175، تاريخ ابن كثير 8: 14، تذكرة السبط ص 113، إتحاف الشبراوي ص 10.

8 - جاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرأ منا من بني همام يقال له: صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر، وهو أشد الناس عليك، فبعث إليه زياد فاتي فقال له زياد: يا عدو الله ما تقول في أبي تراب ؟ قال: ما أعرف أبا تراب. قال، ما أعرفك به ؟ قال: ما أعرفه. قال: أما تعرف علي بن ابي طالب ؟

قال: بلى. قال: فذاك أبوتراب. قال: كلا ذاك أبوالحسن والحسين عليه السلام.

وفيه: قال زياد: لتلعننه او لاضربن عنقك. قال: إذا تضربها والله قبل ذلك، فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت. قال: ادفعوا في رقبته. ثم قال: أوقروه حديدا وألقوه في السجن. ثم قتل (1) مع حجر وأصحابه سنة 51. وسيوافيك الحديث بتمامه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 6: 149، الاغاني 16: 7، كامل ابن الاثير 3: 204، تاريخ ابن عساكر 6: 459.

 

 

/ ص 263 /

 

انشاء الله تعالى.

9 - خطب بسر بن أرطاة على منبر البصرة فشتم عليا عليه السلام ثم قال: نشدت الله رجلا علم أني صادق إلا صدقني أو كاذب إلا كذبني. فقال أبوبكرة: أللهم إنا لا نعلمك إلا كاذبا. قال: فأمر به فخنق. تاريخ الطبري 6: 96.

10 - استعمل معاوية كثير بن شهاب على الري وكان يكثر سب علي على منبر الري وبقي عليها إلى أن ولي زياد الكوفة فأقر عليها. كامل ابن الاثير 3: 179.

11 - كان المغيرة بن شعبة لما ولي الكوفة كان يقوم على المنبر ويخطب وينال من علي عليه السلام ويلعنه ويلعن شيعته، وقد صح ان المغيرة لعنه على منبر الكوفة مرات لا تحصى، وكان يقول: ان عليا لم ينكحه رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته حبا ولكنه أراد أن يكافئ بذلك إحسان أبي طالب إليه. وصح عند الحاكم والذهبي ان المغيرة سب عليا فقام إليه زيد بن أرقم فقال: يا مغيرة  ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله نهى عن سب الاموات ؟ فلم تسب عليا وقد مات ؟ (2)

راجع مسند أحمد 1: 188، الاغاني 16: 2، المستدرك 1: 385، شرح ابن ابي الحديد 1: 360.

قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة فقام صعصعة بن صوحان فتكلم فقال المغيرة: أخرجوه فاقيموه على المصطبة فليلعن عليا. فقال: لعن الله من لعن الله ولعن علي بن أبي طالب. فاخبروه بذلك فقال: اقسم بالله لتقيدنه. فخرج فقال: إن هذا يأبى إلا علي بن ابي طالب فالعنوه لعنه الله. فقال المغيرة: أخرجوه أخرج الله نفسه. ألاذكياء لابن الجوزي ص 98.

12 - أخرج ابن سعد عن عمير بن اسحاق قال: كان مروان أميرا علينا - يعني بالمدينة - فكان يسب عليا كل جمعة على المنبر وحسن بن علي  يسمع فلا يرد شيئا ثم أرسل إليه رجلا يقول له: بعلي وبعلي وبعلي وبك وبك وبك، وما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها: من أبوك ؟ فتقول: امي الفرس. فقال له الحسن: إرجع إليه فقل له: إني والله لا أمحو عنك شيئا مما قلت بأن أسبك، ولكن موعدي وموعدك الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2)   حديث السب عن نهي الاموات أخرجه البخارى في صحيحه 2: 264

 

 

/ ص 264 /

 

فإن كنت صادقا جزاك الله بصدقك، وإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة. تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 127، راجع الجزء الثامن ترجمة مروان.

وكان الوزغ إبن الوزغ يقول لما قيل له: ما لكم تسبون عليا على المنابر ؟إنه لا يستقيم لنا الامر إلا بذلك. الصواعق المحرقة ص 33.

13 - إستناب معاوية على المدينة عمرو بن سعيد بن العاص بن امية الاموي المعروف بالاشدق الذي جاء فيه في مسند أحمد 2: 522 من طريق أبي هريرة مرفوعا ليرعفن على منبري جبار من جبابرة بني امية يسيل رعافه. قال: فحدثني من رأى عمرو بن سعيد رعف على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سال رعافه. (1).

كان هذا الجبار ممن يسب عليا عليه السلام على صهوة المنابر، قال القسطلاني في ارشاد الساري في شرح صحيح البخاري 4: 368، والانصاري في تحفة الباري شرح البخاري المطبوع في ذيل إرشاد الساري في الصفحة المذكورة: سمي عمرو بالاشدق لانه صعد المنبر فبالغ في شتم علي رضي الله عنه فأصابته لقوة - أي داء في وجهه -.

وعمرو بن سعيد هو الذي كان بالمدينة يوم قتل الامام السبط عليه السلام قال عوانة بن الحكم: لما قتل الحسين بن علي دعا عبيدالله بن زياد عبدالملك بن أبي الحرث السلمي وبعثه إلى المدينة ليبشر عمرو بن سعيد فدخل السلمي على عمرو فقال: ما وراء‌ك ؟ فقال: ما سر الامير قتل الحسين بن علي. فقال: ناد بقتله.

فناديت بقتله فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين فقال عمرو وضحك:

عجـــــت نســـاء بني زياد عجة * كعجيج نسوتنا غداة الارنب (2)

ثم قال عمرو: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان. ثم صعد المنبر فأعلم الناس قتله (3) وفي مثالب أبي عبيدة: ثم أومأ إلى القبر الشريف وقال: يا محمد  يوم بيوم بدر. فأنكر عليه قوم من الانصار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وذكره ابن كثير في تاريخه 8: 311.

(2) وقعة الارنب كانت لبني زبيد على بنى زياد من بني الحارث بن كعب من رهط عبدالمدان

والبيت المذكور لعمرو بن معد يكرب.

(3)   تاريخ الطبرى 6: 268، كامل ابن الاثير 4: 39.

 

 

/ ص 265 /

 

كان أبورافع عبدا لابي احيحة سعيد بن العاص بن امية فأعتق كل من بنيه نصيبه منه إلا خالد بن سعيد، فانه وهب نصيبه للنبي صلى الله عليه وآله فاعتقه فكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي عمرو بن سعيد بن العاص المدينة ايام معاوية أرسل إلى البهي (1) بن أبي رافع فقال له: مولى من أنت ؟ فقال: مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فضربه مائة سوط، ثم تركه ثم دعاه فقال: مولى من أنت؟  فقال: مولى رسول الله صلى الله عليه وآله فضربه مائة سوط، حتى ضربه خمسمائة سوط. فلما خاف أن يموت قال له: أنا مولاكم. كامل المبرد 2: 75، الاصابة 4: 68.

14 - أخرج الحاكم من طريق طاوس قال: كان حجر بن قيس المدري من المختصين بخدمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له علي يوما يا حجر  إنك تقام بعدي فتؤمر بلعني فالعنى ولا تبرأ مني (2). قال طاوس: فرأيت حجر المدري وقد أقامه أحمد بن ابراهيم خليفة بني امية في الجامع ووكل به ليلعن عليا أو يقتل فقال حجر: أما ان الامير أحمد بن ابراهيم أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله. فقال طاوس: فلقد أعمى الله قلوبهم حتى لم يقف أحد منهم على ما قال المستدرك 2: 358.

قال الاميني: لم يزل معاوية وعماله دائبين على ذلك حتى تمرن عليه الصغير و هرم الشيخ الكبير، ولعل في اوليات الامر كان يوجد هناك من يمتنع عن القيام بتلك السبة المخزية، وكان يسع لبعض النفوس الشريفة أن يتخلف عنها غير أن شدة معاوية الحليم في إجراء‌ا حدوثته، وسطوة عماله الخصماء الا لداء على أهل بيت الوحي، وتهالكهم دون تدعيم تلك الامرة الغاشمة، وتنفيذ تلك البدعة الملعونة، حكمت في البلاء حتى عمت البلوى، وخضعت إليها الرقاب، وغللتها أيدي الجور تحت نير الذل والهوان، فكانت العادة مستمرة منذ شهادة أمير المؤمنين عليه السلام إلى نهي عمر بن عبدالعزيز طيلة أربعين سنة على صهوات المنابر وفي الحواضر الاسلامية كلها من الشام إلى الري إلى الكوفة إلى البصرة إلى عاصمة الاسلام المدينة المشرفة إلى حرم أمن الله مكة المعظمة إلى شرق العالم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في الكامل: عبيدالله بن أبي رافع.

(2) صح عن امير المؤمنين قوله: انكم ستعرضون على سبى فسبوني، فان عرضت عليكم البراء‌ة منى فلا تبرؤا مني، فانى على الاسلام. مستدرك الحاكم 2: 358.

 

 

/ ص 266 /

 

الاسلامي وغربه، وعند مجتمعات المسلمين جمعاء، وقد مر في الجزء الثاني قول ياقوت في معجم البلدان: لعن علي بن ابي طالب رضي الله عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سبحستان إلا مرة، وامتنعوا على بني امية حتى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد، وأي شرف أعظم من إمتناعهم من لعن أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين: مكة والمدينة. اه‍.

وقد صارت سنة جارية ودعمت في أيام الامويين سبعون ألف منبر يلعن فيها أمير المؤمنين عليه السلام (1) واتخذوا ذلك كعقيدة راسخة، أو فريضة ثابتة، أو سنة متبعة يرغب فيها بكل شوق وتوق حتى ان عمر بن عبدالعزيز لما منع عنها لحكمة عملية أو لسياسة وقتية حسبوه كأنه جاء بطامة كبرى أو اقترف إثما عظيما.

والذي يظهر من كلام المسعودي في مروجه 2: 167، واليعقوبي في تاريخه 3: 48، وابن الاثير في كامله 7: 17، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 161 وغيرهم ان عمر بن عبد العزيز إنما نهى عن لعنه عليه السلام في الخطبة على المنبر فحسب وكتب بذلك إلى عماله وجعل مكانه ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان. الآية. وقيل: بل جعل مكان ذلك: إن الله يأمر بالعدل والاحسان. الآية. وقيل: بل جعلهما جميعا فاستعمل الناس في الخطبة.

وأما نهيه عن مطلق الوقيعة في أمير المؤمنين والنيل منه عليه السلام، وأخذه كل متحامل عليه بالسب والشتم، وإجراء العقوبة على مرتكبي تلكم الجريرة فلسنا عالمين بشيئ من ذلك، غير أنا نجد في صفحات التاريخ ان عمر بن عبدالعزيز كان يجلد من سب عثمان ومعاوية كما ذكره ابن تيمية في كتابه " الصارم المسلول " ص 272 ولم نقف على جلده أحدا لسبه أمير المؤمنين عليه السلام

دع عنك موقف أمير المؤمنين عليه السلام من خلافة الله الكبرى، وسوابقه في تثبيت الاسلام والذب عنه، وبثه العدل والانصاف، وتدعيمه فرايض الدين وسننه، ودعوته إلى الله وحده وإلى نبيه صلى الله عليه وآله وإلى دينه الحنيف، وتهالكه في ذلك كله حتى لقي ربه مكدودا في ذات الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع ما أسلفناه في الجزء الثانى ص 102، 103 ط 2.

 

 

/ ص 267 /

 

دع عنك فضائله وفواضله والآي النازلة فيه والنصوص النبوية المأثورة في مناقبه لكنه هل هو بدع من آحاد المسلمين الذين يحرم لعنهم وسبابهم وعليه تعاضدت الاحاديث واطردت الفتاوى.

وحسبك قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سباب المسلم فسوق.

أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وأحمد، والبيهقي، والطبري، والدارقطني، والخطيب، وغيرهم من طريق ابن مسعود، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وجابر، و عبدالله بن مغفل، وعمرو بن النعمان. راجع الترغيب والترهيب 3: 194، وفيض القدير 4: 84، 505، 506.

وقوله صلى الله عليه وآله سباب المسلم كالمشرف على الهلكة.

أخرجه البزار من طريق عبدالله بن عمرو بإسناد جيد كما قاله الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3: 194.

وقوله صلى الله عليه وآله لا يكون المؤمن لعانا.

أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن. وسمعت نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن سب الاموات

ص 263.

على أن الامام أمير المؤمنين عليه السلام مع غض الطرف عن طهارة مولده وقداسة محتده وشرف ارومته وفضائله النفسية والكسبية وملكاته الكريمة هو من العشرة الذين بشروا بالجنة (عند القوم) ولا أقل من أنه أحد الصحابة الذين يعتقد القوم فيهم العدالة جميعا (1)، ويحتجون بأقوالهم وأفعالهم، ولا يستسيغون الوقيعة فيهم، ويشددون النكير على الشيعة لحسبانهم أنهم يقعون في بعض الصحابة ورتبوا على ذلك أحكاما، قال يحيى بن معين: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله دجال لا يكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال النووى في شرح مسلم هامش الارشاد 8: 22: ان الصحابة رضى الله عنهم كلهم هم صفوة الناس، وسادات الامة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وانما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة.

(2) تهذيب التهذيب 1: 509.

 

 

/ ص 268 /

 

وعن أحمد إمام الحنابلة: خير الامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبوبكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان، ووقف قوم، وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الاربعة خير الناس، لا يجوز لاحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص، فمن فعل ذلك فقد وجب تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع.

وعنه أيضا: ما لهم ولمعاوية نسأل الله العافية. وقال: إذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء فاتهمه على الاسلام.

وعن عاصم الاحول قال: اتيت برجل قد سب عثمان قال: فضربته عشرة أسواط قال: ثم عاد لما قال، فضربته عشرة اخرى. قال: فلم يزل يسبه حتى ضربته سبعين سوطا.

وقال القاضي أبويعلى: الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلا فسق ولم يكفر، سواء كفرهم أو طعن في دينهم مع اسلامهم وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب الصحابة وكفر الرافضة. وقال أبوبكر بن عبدالعزيز في المقنع: فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلا يزوج. (1)

وقال الشيخ علاء الدين أبوالحسن الطرابلسي الحنفي في (معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الاحكام) ص 187: من شتم أحدا من أصحاب النبي عليه السلام أبا بكر أو عمر أو عثمان إو عليا أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر. قتل وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا.

وعد الذهبي في كتاب " الكبائر " ص 233 منها: سب أحد من الصحابة وقال في ص 235: فمن طعن فيهم أو سبهم فقد خرج من الدين، ومرق من ملة المسلمين لان الطعن لا يكون إلا عن إعتقاد مساويهم، وإضمار الحقد فيهم، وإنكار ما ذكره الله في كتابه من ثنائه عليهم وما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ثنائه عليهم وفضائلهم ومناقبهم وحبهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الصارم المسلول ص 272، 574، 575.

 

 

/ ص 269 /

 

ولانهم أرضى الوسائل من المأثور والوسائط من المنقول والطعن في الوسائط طعن في الاصل والازدراء بالناقل إزدراء بالمنقول: هذا ظاهر لمن تدبره وسلم من النفاق ومن الزندقة والالحاد في عقيدته، وحسبك ما جاء في الاخبار والآثار من ذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله اختارني واختار لي أصحابا فجعل لي منهم وزراء وأنصارا وأصهارا فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا.

ولهم في سب الشيخين وعمثان تصويب وتصعيد، قال محمد بن يوسف الفريابي: سئل "القاضي أبويعلي " عمن شتم أبا بكر ؟ قال: كافر. قيل: فيصلى عليه ؟ قال: لا. وسأله كيف يصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله ؟

قال: لا تمسوه بأيديكم إدفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته. الصارم المسلول ص 575.

وقال الجرداني في " مصباح الظلام " 2: 23: قال أكثر العلماء: من سب أبا بكر وعمر كان كافرا.

وقال ابن تيمية في " الصارم المسلول " ص 581: قال إبراهيم النخعي: كان يقال شتم أبي بكر وعمر من الكبائر. وكذلك قال أبوإسحاق السبيعي: شتم أبي بكر و عمر من الكبائر التي قال الله تعالى: إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.

وقتل عيسى بن جعفر بن محمد لشتمه أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة بأمر المتوكل على الله. قاله ابن كثير في تاريخه 10: 324.

وفي " الصارم المسلول " ص 576: قال أحمد في رواية أبي طالب في الرجل يشتم عثمان: هذا زندقة.

هب ان هذه الفتاوى المجردة من مسلمات الفقه، وليس للباحث أن يناقش أصحابها الحساب، ويطالبهم مدارك تلكم الاحكام من الكتاب والسنة أو الاصول و القواعد أو القياس والاستحسان، ولا سيما مدارك جملة من خصوصياتها العجيبة الشاذة عن شرعة الاسلام، لكنها هل هي مخصوصة بغير رجالات أهل البيت فهي منحسرة عنهم ؟ 

ولعل فيهم من يجاثيك على ذلك فيقول: نعم هي منحسرة عن علي عليه السلام وابنيه السبطين سيدا شباب أهل الجنة، لان ابن هند كان يقع فيهم ويلعنهم ويلجئ الناس إلى ذلك بأنواع من الترغيب والترهيب، فليس من الممكن تسريبها إليه لانه كاتب

 

 

/ ص 270 /

 

الوحي، وإن كان لم يكتب غير عدة كتب إلى رؤساء القبائل في أيام إسلامه القليلة من اخريات العهد النبوي، وهو خال المؤمنين لمكان ام حبيبة من رسول الله صلى الله عليه وآله لكنه لم يسموا بذلك غيره من اخوة أزواج النبي صلى الله عليه وآله كمحمد بن أبي بكر، وليس له مبرر إلا ان محمدا كان في الجيش العلوي ومعاوية حاربه صلوات الله عليه، فهي ضغائن قديمة انفجر بركانها أخيرا عند منتشر الاحقاد ومحتدم الاحن، قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون.

وهل سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المزعومة في قوله: لا تسبوا أصحابي. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. كانت مختصة بغير المخاطبين بها في صدر الاسلام من الصحابة ؟  أو انها عامة مطردة ؟  كما يقتضيه كونها من الشريعة الاسلامية المستمرة إلى أن تقوم الساعة، وقد حسبوها كذلك لانها متخذة من السنة المخاطب بها، وقد جاء في بعض طرق الرواية الاولى عند مسلم: انه كان بين خالد بن الوليد وبين عبدالرحمن بن عوف شيئ فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تسبوا أصحابي، وفي رواية أنس: قال اناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا نسب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (1)

 فليس من المعقول أن يكونوا مستثنين من حكم خوطبوا به لولا أن الميول و الشهوات قد استثنتهم.

أو كان أمير المؤمنين عليه السلام مستثنى من بين الصحابة عن شمول تلكم الاحكام ؟ فلا تجري على من نال منه عليه السلام أو وقع فيه.

أضف إلى هذه كلها: ان مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كان أحد الخلفاء الراشدين عندهم، وبالاجماع المتسالم عليه بين فرق الاسلام كلها، وللقوم فيمن يقع فيهم أحكام شديدة، ومنهم من قال كما سمعته قبيل هذا بكفر من سب الشيخين وزندقة من سب عثمان، وقد جاء في الصحيح الثابت قوله صلى الله عليه وآله: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب ألكبائر للذهبي ص 235.

(2) مر معناه الصحيح في الجزء السادس ص 330 ط 2.

 

 

/ ص 271 /

 

فهلم معي نسائلهم عن المبرر لعمل معاوية والامويين منتسبا ونزعة وتابعيهم المجترحين لهذه السيئة المخزية وعن المغضين عنهم الذين أخرجوا إمام العدل صنو محمد صلى الله عليهما وآلهما عن حكم الخلفاء وعن حكم الصحابة بل وعن حكم آحاد المسلمين فاستباحوا النيل منه على رؤس الاشهاد وفي كل منتدى ومجمع من دون أي وازع يزعهم، فإلى أي هوة أسفوا بالامام الطاهر عليه السلام ؟ حتى استلبوه الاحكام المرتبة على المواضيع الثلاثة: الخلافة. الصحبة. الاسلام. ولم يقيموا له أي وزن، وما راعوا فيه أي حق، وما تحفظوا له بأية كرامة، وهو نفس الرسول صلى الله عليه وآله وزوج إبنته، وأبوسبطيه، وأول من أسلم له، وقام الاسلام بسيفه، وتمت برهنة الحق ببيانه، واكتسحت المعرات عن الدين بلسانه وسنانه، وهو مع الحق والحق معه، وهو مع القرآن والقران معه ولن يفترقا حتى يردا على النبي صلى الله عليه وآله الحوض، وما غير وما بدل حتى لفظ نفسه الاخير، وهم يمنعون عن لعن الادعياء، وحملة الاوزار المستوجبين النار، ويذبون عن الوقيعة في أهل العرة والخمور والفجور من طريد إلى لعين إلى متهاون بالشريعة إلى عائث بالاحاكم إلى مبدل للسنة إلى مخالف للكتاب ومحالف للهوى إلى إلى إلى. إنا لله وإنا إليه راجعون.

نعم: لعمر الحق كان الامر كما قال عامر بن عبدالله بن الزبير لما سمع ابنه ينال من علي عليه السلام: يا بني إياك وذكر علي رضي الله عنه فإن بني امية تنقصته ستين عاما فما زاده الله بذلك إلا رفعة. المحاسن والمساوي للبيهقي 1: 40.

يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواهم ويأبى الله

إلا أن يتم نوره