فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ ص 272 /

 

 

ـ 16-

قتال ابن هند عليا امير المومنين عليه السلام

 

نحن مهما غضضنا الطرف عن شيئ في الباب فلا يسعنا أن نتغاضا عن أن مولانا أمير المؤمنين هو ذلك المسلم الاوحدي الذي يحرم ايذاؤه وقتاله، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا، ومن المتسالم عليه عند امة محمد صلى الله عليه وآله قوله: سباب المسلم - المؤمن - فسوق، وقتاله كفر. وقد اقترف معاوية الاثمين معا فسب وقاتل سيد المسلمين جميعا، وآذى أول من أسلم من الامة المرحومة، و آذى فيه رسول الله صلى الله عليه وآله والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم، ومن آذى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد آذى الله، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة. على أنه سلام الله عليه كان خليفة الوقت يومئذ كيفما قلنا أو تمحلنا في أمر الخلافة وكان تصديه لها بالنص، وإجماع أهل الحل والعقد، وبيعة المهاجرين والانصار، ورضى الصحابة جمعاء، خلا نفر يسير شذوا عن الطريقة المثلى لا يفتون في عضد جماعة، ولا يؤثرون على إنعقاد طاعة، بعثت بعضهم الضغائن، وحدت آخر المطامع، واندفع ثالث إلى نوايا خاصة رغب فيها لشخصياته، وكيفما كانت الحالة فأمير المؤمنين عليه السلام وقتئذ الخليفة حقا، وإن من ناواه وخرج عليه يجب قتله، وإنما خلع ربقة الاسلام من عنقه وأهل سلطان الله، ويلقى الله ولا حجة له، وقد جاء في النص الجلي قوله صلى الله عليه وآله: ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الامة وهم جميع فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان.

وفي لفظ: فمن رأيتموه يمشي إلى امة محمد فيفرق جماعتهم فاقتلوه.

وفي لفظ الحاكم: فاقتلوه كائنا من كان من الناس. راجع صفحة 27، 28 من هذا الجزء.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتاكم وأمركم جمع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه. راجع ص 28 من هذا الجزء.

وقوله صلى الله عليه وآله: من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن

 

 

/ ص 273 /

 

 قاتل تحت راية عمية يغضب للعصبية، أو يدعو إلى عصبية، او ينصر عصبية، فقتل فقتلة جاهلية، ومن خرج على امتي يضرب برها وفاحرها لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهدها فليس مني ولست منه (1).

وقوله صلى الله عليه وآله ؟ من خلع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية (2).

وقوله صلى الله عليه وآله: من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من رأسه إلا أن يراجع، ومن دعا دعوة جاهلية فإنه من جثا جهنم، قال رجل: يا رسول الله  وإن صام وصلى ؟ قال: نعم وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله الذي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله (3).

وقوله صلى الله عليه وآله من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه (4).

وقوله صلى الله عليه وآله: ليس أحد يفارق الجماعة قيد شبر فيموت إلا مات ميتة جاهلية (5)

وقوله صلى الله عليه وآله: من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية (6)

وقوله صلى الله عليه وآله من أهان سلطان الله في الارض أهانه الله (7).

وقوله صلى الله عليه وآله من طريق معاوية نفسه: من فارق الجماعة شبرا دخل النار (8)

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من فارق الجماعة، واستذل الامارة لقى الله ولا حجة له عند الله (9).

وقوله صلى الله عليه وآله:اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة(10).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 6: 21، سنن البيهقى 8: 156، مسند أحمد 2: 296، تيسير الوصول 2: 39.

(2) صحيح مسلم 6: 22، سنن البيهقى 8: 156.

(3) سنن البيهقى 8: 147، مستدرك الحاكم 1: 117 صدر الحديث.

(4) سنن البيهقى 8: 157، مستدرك الحاكم 1: 117.

(5) صحيح البخارى باب السمع والطاعة للامام، سنن البيهقى 8: 157.

(6) تيسير الوصول 2: 39 نقلا عن الشيخين.

(7) صحيح الترمذى 9: 69، تيسير الوصول 2: 39.

(8) مستدرك الحاكم 1: 118.

(9) مستدرك الحاكم 1: 119.

(10) صحيح البخارى باب السمع والطاعة، صحيح مسلم 6: 15 واللفظ للبخارى.

 

 

/ ص 274 /

 

أو هل ترى معاوية في خروجه على أمير المؤمنين عليه السلام ألف الجماعة ولازم الطاعة أو انه باغ أهان سلطان الله واستذل الامارة الحقة، وخرج عن الطاعة، وفارق الجماعة وخلع ربقة الاسلام من رأسه ؟ النصوص النبوية، تأبى إلا أن يكون الرجل على رأس البغاة كما كان على رأس الاحزاب يوم كان وثنيا، وما أشبه آخره بأوله، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين بقتاله، وان من يقتل عمارا هي الفئة الباغية، ولم يختلف اثنان في أن أصحاب معاوية هم الذين قتلوه، غير أن معاوية نفسه لم يتأثر بتلك الشية ولم تثنه عن بغيه تلكم القتلة وأمثالها من الصلحاء الابرار الذين ولغ في دمائهم.

أضف إلى ذلك ان معاوية هو الخليفة الاخير ببيعة طغام الشام وطغاتهم إن كانت لبيعتهم الشاذة قيمة في الشريعة، وقد حتم الاسلام قتل خليفة مثله بقول نبيه الاعظم صلى الله عليه وآله: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما.

وقوله صلى الله عليه وآله: ستكون خلفاء فتكثر قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: فوا ببيعة الاول فالاول، واعطوهم حقهم.

وقوله صلى الله عليه وآله: من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر.

وهذه الاحاديث الصحيحة الثابتة (1) هي التي تصحح الحديث الوارد في معاوية نفسه وإن ضعف اسناده عند القوم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه (2) وهو المعاضد بما ذكره المناوي في كنوز الدقائق ص 145 من قوله صلى الله عليه وآله: من قاتل عليا على الخلافة فاقتلوه كائنا من كان.

وبعد أن ترائت الفئتان أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام وطغمة معاوية حكم فيهم كتاب الله تعالى بقوله: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله (3) وبها استدل أئمة الفقه كالشافعي على قتال أهل البغي(4)وأصحاب معاوية هم الفئة الباغية بنص من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع صفحة 27، 28، 272 من هذا الجزء.

(2) راجع صفحة 142 من هذا الجزء.

(3) سورة الحجرات: 9.

(4) سنن البيهقى 8: 171.

 

 

/ ص 275 /

 

الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله(1).

وقال محمد بن الحسن الشيباني الحنفي المتوفي 187: لو لم يقاتل معاوية عليا ظالما له متعديا باغيا كنا لا نهتدي لقتال أهل البغي (الجواهر المضيئة 2: 26).

قال القرطبي في تفسيره 16 ص 137: في هذه الآية دليل على وجوب قتال الفئة الباغية المعلوم بغيها على الامام أو على أحد من المسلمين.

وقال: قال القاضى أبوبكر بن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ الاعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: تقتل عمارا الفئة الباغية. وقوله عليه السلام في الخوارج: يخرجون على خير فرقة أو على حين فرقة. والرواية الاولى أصح لقوله عليه السلام: تقتلهم أولى الطائفتين إلى الحق، وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب ومن كان معه. فتقرر عند علماء المسلمين وثبت بدليل الدين أن عليا رضي الله عنه كان إماما، وإن كل من خرج عليه باغ وان قتاله واجب حتى يفئ إلى الحق وينقاد إلى الصلح. اه‍.

وقال الزيلعي في نصب الراية 4 ص 69: وأما ان الحق كان بيد على في نوبته فالدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية. ولا خلاف انه كان مع علي وقتله أصحاب معاوية، قال إمام الحرمين في كتاب الارشاد: وعلي رضي الله عنه كان إماما حقا في ولايته، ومقاتلوه بغاة، وحسن الظن بهم يقتضى أن يظن بهم قصد الخير وإن أخطأوه، وأجمعوا على أن عليا كان مصيبا في قتال أهل الجمل، وهم طلحة، والزبير، وعائشة، ومن معهم، وأهل صفين وهم معاوية وعسكره وقد أظهرت عائشة الندم. اه‍ (2).

وحقا قالت عائشة: ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الامة من هذه الآية: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا (3) وام المؤمنين هي أول من رغبت عن هذه الآية وضيعت حكمها، وخالفها وخرجت من عقر دارها، وتركت خدرها وتبرجت تبرج الجاهلية الاولى، وحاربت إمام زمانها، ولعلها ندمت وبكت حتى بلت خمارها، ولما...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث.

(2) هكذا حكاه الزيلعي عن الارشاد وأنت تجده محرفا عند الطبع، راجع الارشاد ص 433.

(3) السنن الكبرى للبيهقى 7: 172، مستدرك الحاكم 2: 156.

 

 

/ ص 276 /

 

ومن هنا وهناك كان مولانا أمير المؤمنين عليه السلام يوجب قتال أهل الشام ويقول: لم أجد بدا من قتالهم أو الكفر بما انزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وفي لفظ: ما هو إلا الكفر بما نزل على محمد، أو قتال القوم (1).

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر وجوه أصحابه كأمير المؤمنين، وأبي أيوب الانصاري وعمار بن ياسر، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، وقد مرت أحاديثه في الجزء الثالث ص 167 - 170 وكان من المتفق عليه عند السلف: ان القاسطين هم أصحاب معاوية.

فبأي حجة ولو كانت داحضة كان معاوية الذي يجب قتله وقتاله يستسيغ محاربة علي أمير المؤمنين ؟ وبين يديه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إن كان ممن يقتص أثرهما وفي الذكر الحكيم قوله سبحانه: فإن تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر (2) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الكافرون (3) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الفاسقون (4) ومن لم يحكم بما أنزل الله فاولئك هم الظالمون. (5)

فلم يكن القتال أول فاصل لنزاع الامة قبل الرجوع إلى محكمات الكتاب، وما فيه فصل الخطاب من السنة المباركة، ولذلك كان مولانا أمير المؤمنين يتم عليهم الحجة بكتابه وخطابه منذ بدء الامر برفع الخصومة إلى الكتاب الكريم وهو عدله، وكان يخاطب وفد معاوية ويقول: ألا إني ادعوكم إلى كتاب الله عزوجل وسنة نبيه (تاريخ الطبري 6: 4) ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية ومن قبله من قريش قوله: ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحقن دماء هذه الامة.

 شرح نهج البلاغة 1: 19.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نهج البلاغة 1: 94، كتاب صفين ص 542، مستدرك الحاكم 3: 115، الشفا

للقاضى عياض، شرح ابن ابي الحديد 1: 183، البحر الزخار 5: 415.

(2) سورة النساء: 59.

(3) سورة المائدة: 44.

(4) سورة المائدة: 47.

(5) سورة المائدة: 45.

 

 

/ ص 277 /

 

فلم يعبئوا به إلا بعد ما اضطروا إلى التترس به، وقد أخبر بذلك الامام قبل وقوع الواقعة فيما كتب إلى معاوية: وكأني بك غدا وأنت تضج من الحرب ضجيج الجمال من الاثقال، وستدعوني أنت وأصحابي إلى كتاب تعظمونه بألسنتكم، وتجحدونه بقلوبكم. شرح ابن أبي الحديد 3: 411، ج 4: 50.

وفي كتاب آخر له عليه السلام إليه وكأني بجماعتك تدعوني  جزعا من الضرب المتتابع والقضاء الواقع، ومصارع بعد مصارع - إلى كتاب الله، وهي كافرة جاحدة، أو مبايعة حائدة (نهج البلاغة 2: 12) فقد صدق الخبر الخبر واتخذوه جنة مكرا وخداعا يوم رفعت المصاحف وكانوا كما قال مولانا أمير المؤمنين يومئذ: عباد الله اني أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكن معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح، ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إني أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، إنها كلمة حق يراد بها الباطل، إنهم والله ما رفعوها إنهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنها الخديعة والوهن والمكيدة (1) ولم يأل الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم جهدا في تحذير المسلمين عن التورط في هذه الفتنة العمياء بخصوصها، ويعرفهم مكانة أمير المؤمنين، ويكرههم مسه بشيئ من الاذى من قتال أو سب أو لعن أو بغض أو تقاعد عن نصرته، ويحثهم على ولائه و اتباعه واقتصاص أثره والكون معه بعد ما قرن الله ولايته بولايته وولاية الرسول وطاعته بطاعتهما فقال: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (2) وقوله تعالى: (3) يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم (4).

لكن معاوية لم يقنعه الكتاب والسنة فباء بتلكم الآثام كلها، وجانب هاتيك الاحكام الواجبة جمعاء، فكان من القاسطين وهو يرأسهم، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما أسلفناه من كلمات الامام عليه السلام ففيها المقنع لطالب الحق.

(2) راجع ما فصلناه في الجزء الثاني ص 52 ط 2، وص 58، وج 3 ص 141 - 147.

(3) سورة النساء: 59.

(4) صحيح البخارى باب التفسير، كتاب الاحكام، صحيح مسلم 6: 13.

(5) سورة الجن: 15.

 

 

/ ص 278 /

 

نعم: لم يقنع معاوية قوله صلى الله عليه وآله: علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا

نبي بعدي.

وقوله صلى الله عليه وآله: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني.

وقوله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروني. بم تخلفوني فيهما.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من يريد أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب، فإنه لن يخرجكم من هدى، ولن يدخلكم في ضلالة.

وقوله صلى الله عليه وآله: إن رب العالمين عهد إلي عهدا في علي بن أبي طالب فقال: إنه راية الهدى، ومنار الايمان، وإمام أوليائي، ونور جميع من أطاعني.

وقوله صلى الله وعليه وآله وسلم: عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن ابي طالب.

وقوله صلى الله عليه وآله: لما نظر إلى علي وفاطمة والحسن والحسين: أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: علي مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له: أنت وليي في كل مؤمن بعدي.

وقوله صلى الله عليه وآله في حديث: علي أمير المؤمين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات رب العالمين، أفلح من صدقه، وخاب من كذبه، ولو أن عبدا عبدالله بين الركن والمقام ألف عام وألف عام، حتى يكون كالشن البالي ولقى الله مبغضا لآل محمد أكبه الله على منخره في نار جهنم.

وقوله صلى الله عليه وآله له: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق.

وقوله صلى الله عليه وآله آخذا بيد الحسن والحسين: من أحبني وأحب هذين وأباهما و امهما كان معي في درجتى يوم القيامة.

 

 

/ ص 279 /

 

وقوله صلى الله عليه وآله: علي مني بمنزلة رأسي من بدني.

وقوله صلى الله عليه وآله، والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت أحد إلا أدخله الله النار.

وقوله صلى الله عليه وآله له: يا علي طوبى لمن أحبك وصدق فيك، وويل لمن أبغضك و كذب فيك.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحبني فليحب عليا، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله عزوجل، ومن أبغض الله أدخله النار.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسبوا عليا فأنه ممسوس بذاك الله.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.

وقوله صلى الله عليه وآله: من آذى عليا فقد آذاني.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اوحي إلي في علي ثلاث: انه سيد المسلمين، وإمام المتقين، و قائد الغر المحجلين.

وقوله صلى الله عليه وآله: من سب عليا فقد سبني، ومن سبني فقد سب الله عزوجل، ومن سب الله كبه الله على منخريه في النار.

وقوله: صلى الله عليه وآله: لو أن عبدا عبدالله سبعة آلاف سنة ثم أتى الله عزوجل ببغض على بن ابي طالب جاهدا لحقه، ناكثا لولايته، لاتعس الله خيره، وجدع أنفه.

وقوله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام: سجيته سجيتي، ودمه دمي، وهو عيبة علمي، لو ان عبدا من عباد الله عزوجل عبدالله ألف عام بين الركن والمقام ثم لقي الله عزوجل مبغضا لعلي بن أبي طالب وعترتي أكبه الله على منخره يوم القيامة في نار جهنم.

وقوله صلى الله عليه وآله لعلي: يا علي لو أن امتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلوا حتى يكونوا كالاوتار، ثم أبغضوك لاكبهم الله في النار.

وقوله صلى الله عليه وآله: لا يجوز أحد الصراط إلا من كتب علي الجواز.

وقوله صلى الله عليه وآله: لا يجوز احد الصراط إلا ومعه براة بولايته وولاية أهل بيته، يشرف على الجنة، فيدخل محبيه الجنة، ومبغضيه النار.

وقوله صلى الله عليه وآله: معرفة آل محمد براء‌ة من النار، وحب آل محمد جواز على الصراط،

 

 

/ ص 280 /

 

والولاية لآل محمد أمان من العذاب.

وقوله صلى الله عليه وآله: يا ايها الناس، اوصيكم بحب ذي قرنيها أخي وابن عمي علي بن أبي طالب، فانه لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق.

وقوله صلى الله عليه وآله: سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيئ.

وقوله صلى الله عليه وآله لعلي: أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وهم راضين مرضيين، و يأتي أعداوك غضابا مقمحين. قال: ومن عدوي ؟ وقال: من تبرأ منك ولعنك.

وقوله صلى الله عليه وآله: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ألزموا مودتنا أهل البيت، فانه من لقي الله عزوجل وهو يودنا دخل الجنة بشفاعتنا، والذي بيده لا ينفع عبدا عمله إلا بمعرفة حقنا.

وقوله صلى الله عليه وآله: لو أن رجلا صفن بين الركن والمقام فصلى وصام ثم لقي الله وهو مبغض لاهل بيت محمد دخل النار.

وقوله صلى الله عليه وآله: إن الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي وإني سائلكم غدا عنهم.

وقوله صلى الله عليه وآله: وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية علي

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا وأهل بيتي شجرة في الجنة وأغصانها في الدنيا، فمن تمسك بنا اتخذ إلى ربه سبيلا.

وقوله صلى الله عليه وآله: وقد خيم خيمة وفيها علي وفاطمة والحسن والحسين: معشر المسلمين أنا سلم من سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ المولد.

40 - وقوله صلى الله عليه وآله: إذا جمع الله الاولين والآخرين يوم القيامة ونصب الصراط على جسر جهنم ما جازها أحد حتى كانت معه براء‌ة بولاية علي بن أبي طالب.

هذا مولانا أمير المؤمنين وهذا غيض من فيض مما جاء في ولائه وعدائه، فأي صحابي عادل عاصر نبي الرحمة ووعى منه هاتيك الكلمات الدرية وشاهد مولانا عليه السلام

 

 

/ ص 281 /

 

 وعرف انطباقها عليه بتمام معنى الكلمة، ثم ينحاز عنه ويتخذ سبيلا غير سبيله فيبغى به الغوائل، ويتربص به الدوائر، ويقع فيه بمل‌ء فمه وحشو فؤاده، ويرميه بقذائف الحقد والشنئان ؟  لعلك لا تجد مسلما هو هكذا غير من ألهته العصبية عن الهدى، و تدهورت به إلي هوة الشهوات السحيقة، ولعلك لا تجد ذلك الرجل البائس إلا ابن أبي سفيان المجابه للكتاب والسنة بعد الانكار بقبله بالهزء والسخرية بلسانه، فعل مردة الوقت وطواغيت الامة، فتراه عند ما روى له سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة أحاديث مما سمعه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في علي عليه السلام ونهض ليقوم ضرط له معاوية استهزاء كما مر حديثه في هذا الجزء ص 258.

وحينما ذكر له أبوذر الغفاري ذلك الصادق المصدق قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

إست معاوية في النار. جابهه بالضحك وأمر بحبسه.

ولما بقر عبدالرحمن بن سهل الانصاري روايا خمر لمعاوية وبلغه شأنه قال: دعوه فانه شيخ قد ذهب عقله (1). يستهزأ إنكاره على تلك الكبيرة الموبقة، وليت شعري بم هذا الهزأ والسخرية ؟ أبا لصحابي العادل ؟ أم بمن استند إليه في حكمه بتحريم الخمر ؟ أم بالشريعة التي جاء‌ت به ؟ إن ابن آكلة الاكباد بمقربة من كل ذلك، أو انه لا يدين الله بذلك الحكم البات ؟

 ولما سمع من عمرو بن العاص ما حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله لعمار تقتلك الفئة الباغية. قال لعمرو: إنك شيخ أخرق، ولا تزال تحدث بالحديث، وأنت ترحض في بولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاؤا به حتى ألقوه بين رماحنا. وقال: أفسدت علي أهل الشام، أكل ما سمعت من رسول الله تقوله ؟ (2)

أهذا هزء ؟ أم أن معاوية بلغ من السفاهة مبلغا يحسب معه أن أمير المؤمنين هو قاتل عمار، إذن فما قوله في سيد الشهداء حمزة وجعفر الطيار ؟ (3) أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قاتلهما يوم ألقاهما بين رماح المشركين وسيوفهم ؟ لا تستبعد مكابرة الطاغية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما مر في هذا الجزء ص 181.

(2) اسلفنا تفصيله في الجزء الاول ص 329 ط 2.

(3) بهذا اجاب الامام اميرالمؤمنين عليه السلام عن كلام الرجل كما في تاريخ الخميس2: 277

 

 

/ ص 282 /

 

بقوله: إن رسول الله قتلهما. أو ان الرجل وجد حمرا مستنفرة فألجمها وألجم مراشدها بتلكم التمويهات ؟ وكل هذه معقولة غير مستعصية على استقراء أعمال معاوية وأفعاله.

ثم ماذا يعني بقوله: أفسدت علي... أيريد كبحا أمام جري السنة الشريفة ؟ أو يروم إسدال غطاء على مجاليها ؟ أو الاعراض عن مدلولها لانه لا يلائم خطته ؟ ولا يستبعد شيئ من ذلك ممن طبع الله على قلبه وهو ألد الخصام.

ولما حدثه عبادة بن الصامت حديث حرمة الربا (1) وقد نطق بها القرآن الكريم فقال: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره. فقال عبادة: بلى وإن رغم أنف معاوية. ولما سمع من عبادة حديثه عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن هذا لا يقول شيئا. فلم يك يرى قول رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يعبأ به ويصاخ إليه، ويعدل عليه.

ولما قدم المدينة لقيه أبوقتادة الانصاري (2) فقال له معاوية: يا أبا قتادة  تلقاني الناس كلهم غيركم يا معشر الانصار  ما منعكم ؟ قال: لم يكن معنا دواب. فقال معاوية: فأين النواضح ؟ قال أبوقتادة: عقرناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر. قال: نعم يا أبا قتادة  قال أبوقتادة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: إنا سنرى بعده اثرة. قال معاوية: فما أمركم به عند ذلك ؟ قال: أمرنا بالصبر. قال: فاصبروا حتى تلقوه. قال عبد الرحمن بن حسان حين بلغه قول معاوية:

ألا أبلغ معاويــــــة بن صخـــر * أميـــــر المومنين عني كلامي

فأنــــــا صابـــرون ومنظروكم * إلى يوم التغابن والخصام (3)

وحق القول: إن المخذول لا يخضع لهتاف النبوة، ولا انهم سوف يلقون صاحبها، ويرفعون إليه ظلامتهم، فيحكم لهم على من استأثر عليهم، وحسبه ذلك إلحادا وبغيا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مر حديثه في هذا الجزء ص 185.

(2) في رواية ابن عساكر: عبادة بن صامت الانصارى.

(3) الاستيعاب 1: 255، تاريخ ابن عساكر 7: 213، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 134.

 

 

/ ص 283 /

 

وفي رواية ان أبا أيوب أتي معاوية فشكا إليه ان عليه دينا فلم ير منه ما يحب فرأى أمرا كرهه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انكم سترون بعدي أثرة. قال: فأي شئ قال لكم ؟ قال: أمرنا بالصبر.

قال: فاصبروا. قال: فوالله لا أسألك شيئا أبدا (1).

وفي لفظ: دخل أبوأيوب على معاوية فقال: صدق رسول الله انكم سترون بعدي اثرة فعليكم بالصبر. فبلغت معاوية فقال: صدق رسول الله أنا أول من صدقه. فقال أبوأيوب: أجرأة على الله وعلى رسوله ؟ لا اكلمه أبدا ولا يأويني وإياه سقف بيت. تاريخ ابن عساكر 5: 42.

وفي لفظ الحاكم: ان أبا أيوب أتي معاوية فذكر حاجة له فجفاه ولم يرفع به ورأسا فقال أبوأيوب: أما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا انه سيصيبنا بعده أثرة قال: فبم أمركم ؟ قال: أمرنا أن نصبر حتى نرد عليه الحوض. قال: فاصبروا إذا. فغضب أبوأيوب وحلف أن لا يكلمه أبدا. الخصايص الكبرى 2: 15.

وحضر أبوبكرة مجلس معاوية فقال له: حدثنا يا أبا بكرة: فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الخلافة ثلاثون ثم يكون الملك. قال عبدالرحمن بن أبي بكرة: وكنت مع أبي فأمر معاوية فوجئ في أقفائنا حتى اخرجنا. (2)

ولعلك تعرف خبيئة ضمير معاوية بما حدثه ابن بكار في (الموفقيات) عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: سمعت المدائني يقول: قال مطرف بن المغيرة: وفدت مع أبي المغيرة إلى معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إلي فيذكر معاوية.

ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتما فانتطرته ساعة وظننت انه لشيئ حدث فينا أو في عملنا فقلت له: مالي أراك مغتما منذ الليلة ؟ قال: يا بني إني جئت من عند أخبث الناس. قلت له: وما ذاك ؟ قال: قلت له وقد خلوت به: انك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين  فلو أظهرت عدلا، وبسطت خيرا، فانك قد كبرت ولو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر 5: 41.

(2) أخرجه ابن سعد كما في النصايح الكافية 159 ط 1.

 

 

/ ص 284 /

 

اليوم شيئ تخافه. فقال لي: هيهات هيهات ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: أبوبكر، ثم ملك أخو عدي فاجتهد و شمر عشر سنين، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره إلا أن يقول قائل: عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعمل به فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به، وان أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول الله. فأي عمل يبقى مع هذا لا ام لك، والله إلا دفنا دفنا ؟. (1)

فهل تجد إذن عند معاوية إذعانا بما جاء من الكتاب في علي عليه السلام ؟ أو تراه مخبتا إلى شيئ من الكثير الطيب الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الثناء على الامام الطاهر ؟ حينما عاداه وأبغضه ونقصه وسبه وهتك حرماته وآذاه وقذفه بالطامات وحاربه وقاتله و تخلف عن بيعته وخرج عليه.

أو ترى أن يسوغ لمسلم صدق نبيه ولو في بعض تلكم الآثار والمآثر أن يبوح بما كتبه ابن هند إلى الامام عليه السلام من الكلم القارصة بمثل قوله في كتاب له إليه عليه السلام: ثم تركك دار الهجرة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها: إن المدينة لتنفي خبثها، كما ينفي الكير خبث الحديد. فلعمري لقد صح وعده، وصدق قوله، ولقد نفت خبثها وطردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها فأقمت بين المصرين، وبعدت عن بركة الحرمين، ورضيت بالكوفة بدلا من المدينة، وبمجاورة الخورنق والحيرة عوضا عن مجاورة خاتم النبوة.

ومن قبل ذلك ما عيبت خليفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام حياتهما فقعدت عنهما، و ألبت عليهما، وامتنعت من بيعتهما، ورمت أمرا لم يرك الله تعالى له أهلا، ورقيت سلما وعرا، وحاولت مقاما دحضا (2) وادعيت ما لم تجد عليه ناصرا، ولعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلا فسادا واضطرابا، ولا أعقبت ولا يتكها إلا انتشارا وارتدادا، لانك الشامخ بأنفه، الذاهب بنفسه، المستطيل على الناس بلسانه ويده.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مروج الذهب 2: 341.

(2) مكان دحض بالفتح ويحرك: زلق.

 

 

/ ص 285 /

 

وها أنا سائر اليك في جمع من المهاجرين والانصار، تحفهم سيوف شامية، و رماح قحطانية، حتى يحاكموك إلى الله، فانظر لنفسك وللمسلمين وادفع إلي قتلة عثمان فانهم خاصتك وخلصاؤك المحدقون بك، فإن أبيت إلا سلوك سبيل اللجاج والاصرار على الغي والضلال، فاعلم أن هذه الآية إنما نزلت فيك وفي أهل العراق معك: وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.

وقوله في كتاب له: وإن كنت موائلا فازدد غيا إلى غيك، فطالما خف عقلك، ومنيت نفسك ما ليس لك، والتويت على من هو خير منك، ثم كانت العاقبة لغيرك، و احتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك.

وقوله في كتاب له أيضا: فدعني من أساطيرك، واكفف عني من أحاديثك، و أقصر عن تقولك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافترائك من الكذب ما لم يقل، وغرور من معك والخداع لهم، فقد استغويتهم ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك، ويعلموا أن ما جئت به باطل مضمحل.

وقوله من كتاب آخر له: فما أعظم الرين على قلبك، والغطاء على بصرك، ألشره من شيمتك، والحسد من خليقتك.

وقوله في كتاب له إليه عليه السلام: فدع الحسد، فإنك طالما لم تنتفع به، ولا تفسد سابقة جهادك بشرة نخوتك، فإن الاعمال بخواتيمها، ولا تمحص سابقتك بقتال من لا حق لك في حقه، فإنك إن تفعل لا تضر بذلك إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، ولا تبطل إلا حجتك، ولعمري ان ما مضى لك من السابقات لشبيه أن يكون ممحوقا لما اجترأت عليه من سفك الدماء، وخلاف اهل الحق، فاقرأ السورة التي يذكر فيها الفلق، وتعوذ من نفسك، فإنك الحاسد إذا حسد.

وقوله من كتاب له إليه عليه السلام: فلما استوثق الاسلام وضرب بجرانه، عدوت عليه، فبغيته الغوائل، ونصبت له المكايد، وضربت له بطن الامر وظهره، ودسست عليه وأغريت به، وقعدت - حين استنصرك - عن نصره، وسألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته، وما يوم المسلمين منك بواحد، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه، و

 

 

/ ص 286 /

 

 رمت افساد أمره، وقعدت في بيتك، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته، واستطالت مدته وسررت بقتله، وأظهرت الشماتة بمصابه، حتى انك حاولت قتل ولده لانه قتل قاتل أبيه، ثم لم تكن أشد منك حسدا لابن عمك عثمان. إلخ.

وقوله في كتاب له إليه عليه السلام: أما بعد: فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة، والفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبي طالب  فتغيرت وأصبحت تعد نفسك قويا على من عاداك بطغام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق، وحمقى الفسطاط، وغوغاء السواد، وأيم الله لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء.

قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلما أطلعك الله عليه مطلع سوء، عليك لا لك وقتلت الزبير وطلحة، وشردت امك عائشة، ونزلت بين المصرين فمنيت وتمنيت، وخيل لك ان الدنيا فد سخرت لك بخيلها ورجلها، وإنما تعرف امنيتك، لو قد زرتك في المهاجرين من الشام بقية الاسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله (1).

فأي أحد من غوغاء الناس ومن جهلة الامة يحسب في صاحب هذه الكلمات المخزية نزعة دينية ؟ أو حياء‌ا وانقباضا في النفس ولو قيد شعرة ؟ أو بخوعا إلى كتاب الله وهو يطهر أهل البيت وعلي سيد العترة، ويراه نفس النبي صلى الله عليه وآله وقرن ولايته بولاية الله وولاية رسوله وطاعته بطاعتهما ؟ 

نعم: هكذا فليكن رضيع ثدي هند، وربيب حجر حمامة، والناشئ تحت راية البغاء، ووليد بيت امية، وثمرة تلك الشجرة الملعونة في القرآن، هكذا يسرف معاوية في القول، ويجازف مفرطا فيه، وما يلفظ من قول إلا ولديه رقيب عتيد، وهو سرف الفؤاد لا يعبأ بما تلقته الامة بالقبول من قول نبيها في علي عليه السلام: أنت الصديق الاكبر، انت الفاروق الذي تفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب الدين.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: علي مع القرآن والقرآن معه لايفترقان حتى يردا علي الحوض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توجد هذه الكتب على تفصيلها في شرح نهج البلاغة لابن ابى الحديد

3: 41، 412، 448، وج 4: 50، 51، 201، وهي مبثوثة في جمهرة الرسائل 1 ص 398 - 483.

 

 

/ ص 287 /

 

وقوله صلى الله عليه وآله: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة.

إلى مئات أو الوف مما جاء في علي عليه السلام بلسان سيد العالمين نبي الامة صلى الله عليه وآله.

بلغ الطاغية من عداء سيد العترة حدا لا يستطيع أن يسمع اسمه عليه السلام وكان ينهى عن التسمية به، يروى ان علي بن أبي طالب عليه السلام افتقد عبدالله بن العباس فقال: ما بال أبي العباس لم يحضر ؟ فقالوا: ولد له مولود فلما صلى علي قال: امضوا بنا إليه فأتاه فهناه فقال: شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب، ما سميته ؟ قال: أو يجوز لي أن اسميه حتى تسميه. فأمر به فاخرج إليه فأخذه وحنكه ودعا له ثم رده اليه وقال: خذه اليك أبا الاملاك قد سميته عليا وكنيته أبا الحسن. فلما قام معاوية قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته قد كنيته أبا محمد. فجرت عليه. (1) فكان بنو امية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه (2) فكان الناس يبدلون اسماء أولادهم، قاله زين الدين العراقي.

 

 

ـ 17-

هنات وهنابث في ميزان ابن هند

 

1 - لما قتل نعيم بن صهيب بن العلية فأتى ابن عمه وسميه نعيم بن الحارث بن العلية معاوية، وكان معه، فقال: إن هذا القتيل ابن عمي فهبه لي أدفنه. فقال: لا ندفنهم فليسوا أهلا لذلك، فوالله ما قدرنا على دفن عثمان معهم إلا سرا قال: والله لتأذنن في دفنه أو لا لحقن بهم ولادعنك. فقال له معاوية: ويحك ترى أشياخ العرب لا تواريهم وأنت تسألني دفن ابن عمك. ثم قال له: ادفنه إن شئت أودع. فأتاه فدفنه (3).

2 - لما قتل عبدالله بن بديل أقبل إليه معاوية و عبدالله بن عامر حتى وقفا عليه، فأما عبدالله فألقى عمامته على وجهه وترحم عليه وكان صديقه، فقال معاوية:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كامل المبرد 2: 157.

(2) تهذيب التهذيب 7: 319

(3) كتاب صفين لابن مزاحم ص 293 ط مصر، تاريخ الطبري 6: 14، شرح ابن ابى الحديد 1: 489.

 

 

/ ص 288 /

 

اكشف عن وجهه فقال: لا والله لا يمثل به وفي روح. فقال معاوية: اكشف عن وجهه فانا لا نمثل به فقد وهبته لك (1). وذكر النسابة أبوجعفر البغدادي في (المحبر) ص 479 مما كتبه معاوية إلى زياد بن سلمة: من كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل به يأتي الحديث بتمامه.

3 - قد كان معاوية (يوم صفين) نذر في سبي نساء ربيعة وقتل المقاتلة فقال في ذلك خالد بن المعمر:

تمنى ابن حرب نــــــذرة فــي نسائنا * ودون الــــذي ينوي سيوف قواضب

ونمنــــــح ملكـــــا أنت حاولت خلعه * بني هاشم قول امرئ غير كاذب (2)

4 - ذكر الباوردي ان عمير بن قرة الليثي الصحابي ممن شهد صفين من الصحابة، وكان شديدا على معاوية وأهل الشام حتى حلف معاوية لئن ظفر به ليذيبن الرصاص في اذنيه (3).

هذه هنات موبقة ومحظورات مسلمة من بوائق ابن هند الكثيرة قد ارتكبها أو صمم أن يقترفها في صفين، فهل من الدين الحنيف منعه عن دفن من قتل تحت راية الحق مع أمير المؤمنين عليه السلام مع وجوب الاسراع في دفن كل مؤمن ؟ فهل كان اولئك الصلحاء من الصحابة الاولين والتابعين لهم باحسان عند معاوية خارجين عن الدين ؟ أو أنه كان يتبع فيهم هواه المردي، ويشفي بذلك غيظه منهم على نصرتهم الحق ؟ وكم عند معاوية من مخازي أمثال هذه تقع عن الدين المبين بمعزل ؟ .

أفهل تسوغ مثلة المسلم المخالف هواه هوى ابن آكلة الاكباد ؟ والمثلة محرمة حتى بالحيوان حتى بالكلب العقور (4) فكيف بصلحاء المؤمنين ؟ وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله من مثل بالحيوان (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين ص 277 ط مصر، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد

1: 486.

(2) كتاب صفين ص 231 ط مصر.

(3) الاصابة لابن حجر 3: 35.

(4) أخرجه الطبراني من طريق على امير المؤمنين وذكره الزيلعى في نصب الراية

 3: 120، والسرخسى في شرح السير الكبير 1: 78.

(1)   أخرجه البخارى في صحيحه باب ما يكره من المثلة من طريق ابن عمر.

 

 

/ ص 289 /

 

وقد جاء حديث النهي عن المثلة من طريق علي أمير المؤمنين، وأنس وابن عمر، وعبدالله بن يزيد الانصاري، وسمرة بن جندب، وزيد بن خالد، وعمران بن حصين، ومغيرة بن شعبة، والحكم بن عمير، وعائذ بن قرط، وأبي أيوب الانصاري، ويحيى ابن أبي كثير، وأسماء بنت أبي بكر.

وأحاديثهم مبثوثة في صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والسنن الكبرى للبيهقي، ومسند أحمد، ومعجم الطبراني. راجع نصب الراية للزيلعي 3: 118 - 121.

فما المسوغ عندئذ لابن هند مثلة من كان على دين علي ورأيه، ودينه هو دين محمد الذي جاء بالاسلام المقدس ؟

وهل ينعقد نذر المعصية بسبي نساء ربيعة المسلمات إن تغلب عليهم لولاء بعولتهن عليا أمير المؤمنين ؟ وهو محرم في شرع الاسلام، ولا ينعقد النذر إلا في طاعة ولا أقل من الرجحان في متعلق النذر كما مر بيانه في الجزء الثامن ص 79 ط 1، فبأي كتاب أم باية سنة يسوغ هذا النذر لصاحبه إن كان من أهلهما، ويسع له أن يقول: لله علي كذا ؟.

وهل يجوز في شرع الاسلام اليمين باذابة الرصاص في اذن مسلم صحابي عادل لا يتبع أهواء معاوية، ولا يخبت إلى ضلالاته ؟ وهل كان يحلف الرجل بإله محمد وعلي صلوات الله عليهما وآلهما وهما وربهما برآء عن مثل هذا الحلف وصاحبه ؟ أو كان يقصد إله آبائه دعائم الشرك وعبدة (هبل) حملة الاوزار المستوجبين النار ؟ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

 

ـ 18-

قذائف موبقة في صحائف ابن آكلة الاكباد

 

هاهنا في أي كفة تجد معاوية وأعماله الشاذة عن الاسلام ؟ فهل تراه أثقل ميزانه بالصالحات ؟ أو أنه خففها بكل موبقة مهلكة ؟ وأنه كان يطففها ويخفف المكيال كيفما وزن وكال، وليت ابن هند أدلى بما عنده من الشبه في هذه القضية - قتاله عليا عليه السلام - لنمعن النظر فيها إمعان استشفاف لما ورائها لكنه فات المخذول أن يدلي بشئ من ذلك

 

 

/ ص 290 /

 

 لا تعارضه البرهنة، ولا يفنده المنطق غير أمرين أراد بهما تلويثا لساحة قدس الامام وإن كان هو كشف عن عورته ساعد عرف الناس كذبه في الامرين جميعا.

الاول: نسبة الالحاد إليه سلام الله عليه وانه لا يصلي، هذا وقد وضح الاسلام بسيفه، وقامت الصلاة بأيده، يموه بذلك على الرعرعة الدهماء من الشاميين.

قال الجاحظ: إن معاوية كان يقول في آخر خطبته: أللهم إن أبا تراب ألحد في دينك، وصد عن سبيك، فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا أليما. وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيام عمر بن عبدالعزيز. (1)

وأخرج ابن مزاحم ان يوم صفين برز شاب من عسكر معاوية يقول:

أنا ابن أرباب الملوك غسان * والــــدائن اليوم بدين عثمان

أنبأنا أقوامنا بمــــــا كـــــان * إن عليــــــا قتـــــل ابن عفان

ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه، ثم جعل يلعن عليا ويشتمه ويسهب في ذمه، فقال له هاشم المرقال: ان هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب، فاتق الله فانك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به، قال: فإني اقاتلكم لان صاحبكم لا يصلي كما ذكر لي، وإنكم لا تصلون، واقاتلكم ان صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس، حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في امور المسلمين. وما أظن ان أمر هذه الامة ولا أمر هذا الدين عناك طرفة عين قط. قال الفتى: أجل أجل، والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع، ويشين ولا يزين. فقال له هاشم: إن هذا الامر لاعلم لك به، فخله وأهل العلم به. قال: أظنك والله قد نصحتني. وقال له هاشم: وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي فهو أول من صلى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله، وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجدا، فلا يغررك عن دينك الاشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبدالله إني لاظنك امرء‌ا صالحا، وأظنني مخطئا آثما، أخبرني هل تجد لي من توبة ؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك، فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع ما أسلفنا في الجزء الثاني ص 102 ط 2.

 

 

/ ص 291 /

 

ويحب التوابين ويحب المتطهرين. قال: فذهب الفتى بين الناس راجعا. فقال له رجل من أهل الشام: خدعك العراقي. قال: لا، ولكن نصحني العراقي. (1)

كان المخذول يشوه سمعة الامام الطيبة بتلكم القذائف الشائنة طيلة حياته، ولما استشهد سلام الله عليه لم يرفع اليد عن غيه وبغيه، فجاء يري الامة الغوغاء ان ما كان من عدائه المحتدم للامام عليه السلام إنما كان عن أساس ديني لله فيه، فكتب إلى عماله: سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فالحمد لله الذي كفاكم مؤنة عدوكم، وقتلة خليفتكم، إن الله بلطفه وحسن صنعه أتاح لعلي بن أبي طالب رجلا من عباده فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرقين مختلفين، وقد جائنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الامان لانفسهم وعشائرهم، فأقبلوا إلي حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم، وحسن عدتكم، فقد أصبتم بحمد الله الثأر، وبلغتم الامل، و أهلك الله أهل البغي والعدوان (2) ولما دخل إبن عباس على معاوية بعد مقتل أمير المؤمنين عليه السلام قال: ألحمد لله الذي أمات عليا. (3)

ما أغلف قلب هذا الرجل الذي يحسب ان عبدالرحمن بن الملجم من عباد الله وقد قيضه المولى سبحانه للنيل من إمام الهدى، ويعد ذلك من لطفه وحسن صنعه، وابن ملجم هو ذلك الشقي المهتوك الخارجي الجاني على الامة جمعاء بقتل سيدها نفس الرسول صلى الله عليه وآله، وآتيها بخسارة الابد، وهو أشقى الآخرين في لسان النبي الكريم، أو أشقى الامة في حديثه الآخر، وأشد الناس عذابا يوم القيامة، وعاد قوله صلى الله عليه وآله فيه " أشقى " كلقب يعرف به أشقى مراد حيث انه إطرد ذكره به في موارد كثيرة من الحديث والتاريخ (4).

وليت شعري أي إله يحمده معاوية في موت علي أمير المؤمنين ؟ ألاله جعل مودة على أجر الرسالة في محكم الذكر الحكيم ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين لابن مزاحم ص 402، تاريخ الطبرى 6: 24، كامل ابن الاثير 3: 135، شرح ابن ابي الحديد 2: 278.

(2) مقاتل الطالبيين ص 24، شرح ابن ابى الحديد 4: 13، جمهرة رسائل العرب 2: 13.

(3) تاريخ البداية والنهاية لابن كثير 8.

(4) راجع الجزء الاول من كتابنا ص 324، 325 ط 2.

 

 

/ ص 292 /

 

ألاله اتخذ عليا نفسا لنبيه في قصة المباهلة ؟

ألاله أمر رسوله صلى الله عليه وآله بتبليغ ولاية علي عليه السلام وإنه إن لم يفعل فما بلغ رسالته ؟

إلاله يرى بولاية علي عليه السلام إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضاه سبحانه ؟

ألاله اوحى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في علي ثلاث: انه سيد المسلمين، وإمام المتقين، و قائد الغر المحجلين ؟

ألاله عهد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في علي انه راية الهدى، ومنار الايمان، وإمام

اوليائي، ونور من أطاعني ؟

ألاله كان علي أحب خلقه اليه بعد نبيه كما جاء في حديث الطير ؟

ألاله كان يحب عليا وعلي يحبه في حديث خيبر ؟

ألاله اختار عليا وصيا لنبيه بعد ما اختاره نبيا فهو أحد الخيرتين من البشر كما جاء في النص النبوي ؟

ألاله دعاه صاحب الرسالة الخاتمة حينما قال في مائة ألف أو يزيدون: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله ؟.

أيسوغ مثل هذا الحمد والثناء لمن يؤمن بالله واليوم الآخر، وصدق نبي الاسلام وما جاء به ؟ أم هل يتصور توجيهه إلى رب محمد وعلي ؟ وقد تمت بهما كلمة الله صدقا وعدلا، وقامت بهما دعائم الدين الحنيف، وبسعيهما أدركت الامة المرحومة سعادة الابد.

نعم: له مسرح إن وجه إلى " هبل " إله آباء معاوية وإلهه إلى اخريات أيام النبوة إن لم نقل إلى آخر نفس لفظه معاوية، وقد كان مرتكزا في أعماق قلبه، ومزيج نفسه طيلة ما لهج بأمثال هذه الاقاويل المخزية.

ثم أي مسلم يبلغ أمله عند قتل إمام الحق، ووئد خطة الهدى ؟ إلا من ارتطم في الضلالة، وسبح في الالحاد سبحا طويلا.

وأما قوله: وأهلك الله أهل البغي والعدوان. فانظر واقرأ قول العزيز الحكيم: كبرت كلمة تخرج من أفواههم. يلهج بهذه الكلمة كأنه بمجلب عن البغي والعدوان وهو

 

 

/ ص 293 /

 

 ولفيفه هم الفئة الباغية بنص النبي الاعظم - وهو يندد بمن يحسب انه تردى بهما.

نعم: حن قدح ليس منها. هل الباغي هو من خرج على إمام زمانه يناضله وينازله ؟ أو ان إمام الوقت - المعصوم بنص الكتاب - هو الباغي ؟ " والعياذ بالله " وإن كان القوم أعداؤه وهو عدو لهم فهم أعداء الله وأعداء رسوله بغير واحد من النصوص النبوية، وقد شملتهم دعوة صاحب الرسالة المتواترة " وعاد من عاداه، واخذل من خذله ".

 

 

نظرة فيما تشبث به معاوية في قتال علي

عليه السلام

 

الثاني من الامرين اللذين تشبث بهما ابن آكلة الاكباد في تثبيط الملا عن نصرة الامام عليه السلام وتأليبهم إلى قتاله: إن عنده ثار عثمان وعليه ترته، وللحاكم في هذه القضية أن ينظر أولا إلى أن معاوية نفسه لم يشهد وقعة عثمان حتى يبصر المباشر لقتله، وإنما تثبط عن نصرته بل كان يحبذ قتله طمعا في أن ينال الملك (1) بعده بحججه التافهة.

وثانيا إلى أن أمير المؤمنين سلام الله عليه كان غائبا عن المدينة المنورة عند وقوع الواقعة (2) فكيف تصح مباشرته لقتل أو قتال ؟  أو كان ساكنا في عقر داره بالمدينة لا له ولا عليه.

وثالثا إلى شهادات الزور المتولدة من دسائس ابن حرب ترمي أبرأ الناس من ذلك الدم المراق، بايعاز من ابن النابغة ذلك العامل الوحيد في قتل عثمان، وقد سمعت عقيرته اذن الدنيا: أنا أبو عبدالله قتلته وأنا بوادي السباع (3).

قال الجرجاني: لما بات عمرو عند معاوية وأصبح أعطاه مصر طعمة له، وكتب له بها كتابا وقال: ما ترى ؟

قال: امض الرأي الاول. فبعث مالك بن هبيرة الكندي في طلب محمد بن أبي حذيفة فأدركه فقتله، وبعث إلى قيصر بالهدايا فوادعه. ثم قال: ما ترى في علي ؟ قال: أرى فيه خيرا، أتاك في هذه البيعة خير أهل العراق، ومن عند خير الناس في أنفس الناس، ودعواك أهل الشام إلى رد هذه البيعة خطر شديد، ورأس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 150 - 153 ط 1.

(2) مر حديثه في الجزء التاسع ص 243.

(3) انظر ما فصلناه في الجزء التاسع ص 136 - 138 ط 2.

 

 

/ ص 294 /

 

أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي، وهو عدو لجرير المرسل إليك، فأرسل إليه ووطن له ثقاتك فليفشوا في الناس: ان عليا قتل عثمان، وليكونوا أهل الرضا عند شرحبيل، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام على ما تحب، وإن تعلقت بقلب شرحبيل لم تخرج منه بشيئ أبدا.

فكتب إلى شرحبيل: إن جرير بن عبدالله قدم علينا من عند علي بن أبي طالب بأمر فظيع، فاقدم. ودعا معاوية يزيد بن أسد، وبسر بن أرطاة، وعمرو بن سفيان، و مخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد الطائي، وهؤلاء رؤوس قحطان واليمن، وكانوا ثقات معاوية وخاصته، وبني عم شرحبيل بن السمط، فأمرهم أن يلقوه ويخبروه: ان عليا قتل عثمان، فلما قدم كتاب معاوية على شرحبيل وهو بحمص استشار أهل اليمن فاختلفوا عليه فقال اليه عبدالرحمن بن غنم الازدي وهو صاحب معاذ بن جبل و ختنه، وكان أفقه أهل الشام فقال: يا شرحبيل  إن الله لم يزل يزيدك خيرا مذ هاجرت إلى اليوم وانه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من الناس، ولا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، إنه قد القي الينا قتل عثمان، وإن عليا قتل عثمان (1) فإن يك قتله فقد بايعه المهاجرون والانصار، وهم الحكام على الناس، وإن لم يكن قتله فعلام تصدق معاوية عليه ؟ لا تهتك نفسك وقومك، فإن كرهت أن يذهب بحظها جرير فسر إلى علي فبايعه على شامك وقومك، فأبي شرحبيل إلا أن يسير إلى معاوية، فبعث إليه عياض الثمالي وكان ناسكا.

يا شرح يا ابن السمط إنك بالــغ * بــــود علـــــي ما تريد من الامر

ويا شرح إن الشام شأمك ما بها * سواك فدع قول المضلل من فهر

فإن ابــن حرب ناصب لك خدعة * تكون علينا مثل راغية البكر (2)

فإن نـــال ما يرجو بنا كان ملكنا * هنيئا له، والحرب قاصمة الظهر

فلا تبغين حــــــرب العراق فإنها * تحـــرم أطهار النساء من الذعر

وإن عليا خير من وطئ الحصى * مــــن الهاشميين المداريك للوتر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في شرح ابن ابي الحديد: انه قد القى إلى معاوية ان عليا قتل عثمان، ولهذا يريدك.

(2) الراغية: الرغاء، البكر: ولد الناقة. مثل يضرب في التشاؤم. انظر ثمار القلوب 282.

 

 

/ ص 295 /

 

لـــه في رقاب الناس عهد وذمة * كعهد أبـــي حفص وعهد أبي بكر

فبايع ولا ترجع على العقب كافرا * اعيـــــذك بالله العزيــز من الكفر

ولا تسمعـــــن قول الطــغام فإنما * يريـدوك أن يلقوك في لجة البحر

ومـــــاذا عليهم أن تطاعن دونهم * عليـــا بأطراف المثقفة السمر ؟

فـــــإن غلبــــوا كانوا علـينا ائمة * وكنا بحمد الله من ولد الظهر(1)

وإن غلبوا لم يصل بالحرب غيرنا * وكان علي حربنــــــا آخر الدهر

يهــــون على عليا لوي بن غالب * دماء بني قحطان في ملكهم تجري

فدع عنــــك عثمان بن عفان إننا * لك الخير، لا ندرى وإنك لا تدري

على أي حال كان مصــــرع جنبه * فلا تسمعن قول الاعيور أو عمرو

قال: لما قدم شرحبيل على معاوية تلقاه الناس فأعظموه، ودخل على معاوية فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا شرحبيل  إن جرير بن عبدالله يدعونا إلى بيعة علي، وعلي خير الناس (2) لولا انه قتل عثمان بن عفان، وقد حبست نفسى عليك، وإنما أنا رجل من أهل الشام، أرضى ما رضوا، وأكره ما كرهوا.

فقال شرحبيل: أخرج فانظر. فخرج فلقيه هؤلاء النفر الموطؤون له، فكلهم يخبره بأن عليا قتل عثمان بن عفان. فخرج مغضبا إلى معاوية فقال: يا معاوية أبى الناس إلا ان عليا قتل عثمان، ووالله لئن بايعت له لنخرجنك من الشام أو لنقتلنك. قال معاوية: ما كنت لاخالف عليكم وما أنا إلا رجل من أهل الشام. قال: فرد هذا الرجل إلى صاحبه إذا. قال: فعرف معاوية ان شرحبيل قد نفذت بصيرته في حرب أهل العراق، وأن الشام كله مع شرحبيل  فخرج شرحبيل فأتى حصين بن نمير فقال: ابعث إلى جرير فليأتنا فبعث إليه حصين: أن زرنا، فإن عندنا شرحبيل بن السمط، فاجتمعا عنده، فتكلم شرحبيل فقال: يا جرير  أتيتنا بأمر ملفف (3) لتلقينا في لهوات الاسد، وأردت أن تخلط الشام بالعراق، وأطرأت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يقال: فلان من ولد الظهر، بالفتح. أي ليس منا. وقيل معناه: انه لا يلتفت إليه.

(2) هل تجتمع كلمة الرجل هذه مع سبابه المقذع عليا وقوارصه التي أوعزنا اليها ؟ هذا هو النفاق وهكذا يكون المنافق ذا لسانين ووجهين.

(3) في شرح ابن ابى الحديد: ملفق.

 

 

/ ص 296 /

 

عليا وهو قاتل عثمان، والله سائلك عما قلت يوم القيامة. فأقبل عليه جرير فقال: يا شرحبيل أما قولك: إني جئت بأمر ملفف. فكيف يكون أمرا ملففا وقد اجتمع عليه المهاجرون والانصار، وقوتل على رده طلحة والزبير ؟  وأما قولك: إني ألقيتك في لهوات الاسد.

ففي لهواتها ألقيت نفسك، وأما خلط العراق بالشام فخلطهما على حق خير من فرقتهما على باطل. وأما قولك: إن عليا قتل عثمان. فوالله ما في يديك من ذلك إلا القذف بالغيب من مكان بعيد، ولكنك ملت إلى الدنيا، وشئ كان في نفسك على زمن سعد بن أبي وقاص.

فبلغ معاوية قول الرجلين، فبعث إلى جرير فزجره ولم يدر ما أجابه أهل الشام وكتب جرير إلى شرحبيل:

شرحبيل يا ابن السمط لا تتبع الهوى * فما لك فــــي الدنيا من الدين من بدل

وقل لابن حرب: مالك اليوم حرمـــــة * تـــــروم بها ما رمت فاقطع له الامل

شرحبيـــــل إن الحــق قـــــد جد جده * وانـــــك مأمـــــون الاديــــم من النغل

فأرود ولا تفــرط بشـــــيء نخافـــــه * عليك ولا تعجل فلا خيـــــر في العجل

ولا تـــــك كالمجــــري إلى شر غاية * فقـــــد خرق السربال واستنوق الجمل

وقـــــال ابن هنـــد في علي عضيهة * ولله فـــــي صـــدر ابن ابي طالب أجل

وما لعلـــــي في ابـــــن عفان سقطة * بأمـــــر ولا جلــــب عليه ولا قتل (1)

ومـــــا كـــــان إلا لازمـــــا قعر بيته * إلـــــى أن أتـــى عثمان في بيته الاجل

فمـــــن قـــــال قولا غير هذا فحسبه * مــن الزور والبهتان قول الذي احتمل

وصي رســـــول الله من دون أهلـــه * وفارسه الاولى به يضرب المثل (2)

فلما قرأ شرحبيل الكتاب ذعر وفكر، وقال: هذه نصيحة لي في ديني ودنياي.

ولا والله لا اعجل في هذا الامر بشيئ وفي نفسي منه حاجة، فاستتر له القوم ولفف له معاوية الرجال يدخلون إليه ويخرجون، ويعظمون عنده عثمان ويرمون به عليا، ويقيمون الشهادة الباطلة والكتب المختلقة، حتى أعادوا رأيه وشحذوا عزمه، وبلغ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في شرح ابن ابي الحديد: بقول ولا ما لا عليه ولا قتل. الممالاة: المساعدة.

(2) في شرح ابن ابي الحديد: ومن باسمه في فضله يضرب المثل.

 

 

/ ص 297 /

 

ذلك قومه فبعث إبن اخت له من بارق - وكان يرى رأي علي بن أبي طالب فبايعه بعد، وكان ممن لحق من أهل الشام وكان ناسكا فقال:

لعمر أبي الاشقى ابن هند لقد رمى * شرحبيـــــل بالسهم الذي هو قاتله

ولفـــــف قومـــــا يسحبون ذيولهم * جميعــا وأولى الناس بالذنب فاعله

فألفـــــى يمانـــــيا ضعـــيفا نخاعه * إلى كـــــل ما يهوون تحدى رواحله

فطـــــأطأ لها لمـــــا رمـــوه بثقلها * ولا يـــــرزق التقـوى من الله خاذله

ليأكـــــل دنيـــــا لابـــــن هند بدينه * ألا وابـــــن هنـــــد قبــــل ذلك آكله

وقــــالوا علي في ابن عفان خدعة * ودبت إليه بالشنـــــان غـــــوائلـــه

ولا والـــــذي أرســـــى ثبيرا مكانه * لقـــــد كـــــف عنـــه كفه ووسائله

وما كـــــان إلا مـــن صحاب محمد * وكلـــــهم تغـــــلي عليـــــه مراجله

فلما بلغ شرحبيل هذا القول قال: هذا بعيث الشيطان، الآن امتحن الله قلبي، والله لاسيرن صاحب هذا الشعر أو ليفوتنني. فهرب الفتى إلى الكوفة. وكاد أهل الشام أن يرتابوا.

وبعث معاوية إلى شرحبيل بن السمط فقال: إنه كان من إجابتك الحق، وما وقع فيه أجرك على الله، وقبله عنك صلحاء الناس ما علمت، وإن هذا الامر الذي قد عرفته لا يتم إلا برضا العامة، فسر في مدائن الشام، وناد فيهم: بأن عليا قتل عثمان، وأنه يجب المسلمين أن يطلبوا بدمه، فسار فبدأ بأهل حمص فقام خطيبا، فقال: يا أيها الناس  إن عليا قتل عثمان بن عفان، وقد غضب له قوم فقتلهم، وهزم الجميع وغلب على الارض، فلم يبق إلا الشام، وهو واضع سيفه على عاتقه، ثم خائض به غمار الموت حتى يأتيكم أو يحدث الله أمرا، ولا نجد أحدا أقوى على قتاله من معاوية، فجدوا وانهضوا، فأجابه الناس إلا نساك أهل حمص، فانهم قاموا إليه فقالوا: بيوتنا قبورنا ومساجدنا، وأنت أعلم بما ترى، وجعل شرحبيل يستنهض مدائن الشام حتى استفرغها، لايأتي على قوم إلا قبلوا ما أتاهم به، فبعث إليه النجاشي بن الحارث وكان صديقا له:

شرحبيل ما للدين فارقت أمرنـا * ولكــــن لبغـــض المالكي جرير

وشحناء دبت بين سعد وبينـــه * فأصبحــــت كالحادي بغير بعير

 

 

/ ص 298 /

 

وما أنت إذ كانت بجيلة عاتبـت * قريشا فيــــا لله بعــــد نصيــــر

أتفصل أمرا غبت عنه بشبهــة * وقد حار فيها عقل كــــل بصير

بقول رجال لم يكــــونوا أئمـــة * ولا للتــي لقــــوكها بحضــــور

وما قول قوم غائبين تقاذفـــوا * من الغيــــب مــــا دلاهم بغـرور

وتترك ان الناس أعطوا عهــود* هـم عليا على انس به وسرور

إذا قيل: هاتوا واحدا يقتدى به * نظيــــرا لــه لـم يفصحوا بنظير

لعلك أن تشقى الغداة بحربــــه * شرحبيل ما ما جئته بصغير(1)

راجع كتاب صفين لنصر بن مزاحم 49 - 57، الاستيعاب ترجمة شرحبيل 1: 589 اسد الغابة2: 392، الكامل لابن الاثير 3: 119، شرح ابن أبي الحديد 1: 139، 249، 250.

فبهذه الصورة البشيعة من الشهادات المزورة والكتب المختلقة تمت بيعة معاوية لقتال علي أمير المؤمنين.

ورابعا: إلى أن عثمان قتله رجال مجتهدون من المهاجرين والانصار، ووجوه أصحاب محمد صلى الله عليه وآله العدول، بعد إقامة الحجة عليه، وإثبات شذوذه عن الكتاب والسنة وإهدار دمه بحكم الكتاب (2) فليس على القوم قود ولا قصاص، ولم يك مولانا أمير المؤمنين إلا رجلا من المهاجرين أورد كما أوردوا، وأصدر كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى.

وقد كتب بهذا أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية (3) وجاء الحجاج به في كلمات غير واحد من الصحابة مثل قول الصحابي العظيم هاشم المر قال المذكور ج 9: 123 و في هذا الجزء ص 290، وقول عمار بن ياسر الممدوح بالكتاب والسنة الذي أسلفناه في ج 9: 112، وقول أبي الطفيل الشيخ الصحابي الكبير الآنف في ج 9: 140: وقول عبدالرحمن بن عثمان السابق في ج 9: 159، فما ذنب علي عليه السلام إن آواهم ونصرهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في شرح ابن أبى الحديد: فليس الذى قد جئته بصغير.

(2) راجع ما مر في الجزء التاسع 169 - 209.

(3) راجع ما أسلفناه في ج 9 ص 158 - 164.

 

 

/ ص 299 /

 

وأيدهم ودفع عنهم عادية الباغين.

وخامسا: إلى أن الذين كانوا في جيش أمير المؤمنين عليه السلام أو الذين تحكمت بينه وبينهم آصرة المودة لم يكونوا كلهم قتلة عثمان، ولا باشروا شيئا من أمره، و لم يكن لاكثرهم في الامر ورد ولا صدر، وإنما كان فيهم من اولئك الصحابة العدول اناس معلومون آووا إلى إمام الحق، فبأي حجة شرعية كان ابن صخر يستبيح قتل الجميع واستقرأهم في البلاد بعد مقتل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وقبله، فقتلهم تقتيلا ؟ .

وسادسا: إلى أن معاوية لم يكن ولي دم عثمان وإنما أولياؤه ولده، وإن كان لهم حق القصاص فعجزوا عن طلبه فعليهم رفع الامر إلى خليفة الوقت وهو مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لينظر في أمرهم، ويحكم بحكم الله البات وهو أقضى الامة بنص الرسول الامين.

نعم: كانت لمعاوية تراة عند أمير المؤمنين عليه السلام بأخيه حنظلة بن أبي سفيان، وجده لامه عتبة بن ربيعة، وخاله الوليد بن عتبة بن ربيعة، وأبناء عمه العاص بن سعيد بن العاص بن امية، وعقبة بن أبي معيط بن أبي عمر وبن امية. لكنه لم ينبس عنهم ببنت شفة لانها ما كانت تنطلي عند المسلمين فإنهم وثنيون مشركون حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله فذاقوا وبال أمرهم، وإنما تترس بدم عثمان بضرب من السيرة الجاهلية من صحة قيام أي فرد من أفراد العشيرة بدم أي مقتول منها وإن بعدت بينهم الرحم والقرابة، وهذه السيرة الغير المشروعة كان يرن صداها في مسامع أهل الشام البعداء عن مبادئ الدين وطقوسه، ومن ثم استهواهم معاوية، واستحوذ عليهم بذلك التدجيل، ولم تكن تلك الحرب الزبون إلا انها إحن بدرية، وأحقاد جاهلية، وضغائن احدية، وثب بها معاوية حين الغفلة، ليدرك ثارات بني عبد شمس، ولم تك تخفى هذه الغاية على أي أحد حتى المخدرات في الحجال (1).

وسابعا: إلى أن اول واجب على معاوية أن يتنازل إلى ما لزمه من البيعة الحقة فيدخل في جماعة المسلمين، ولا يشق عصاهم بالتقاعس عنها، ثم يرفع الخصومة إلى صاحب البيعة، فيرى فيه رأيه كما جاء في كتاب لامير المؤمنين إلى معاوية من قوله:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   انظر ما مر من كلمة ام الخير في الجزء التاسع ص 371 ط 2.

 

 

/ ص 300 /

 

وأما قولك: ادفع إلي قتلة عثمان. فما أنت وذاك ؟ وها هنا بنو عثمان وهم أولى بذلك منك (1) فإن زعمت أنك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع (2) إلى البيعة التي لزمتك (لانها بيعة شاملة لا يستثنى فيها الخيار، ولا يستأنف فيها النظر) وحاكم القوم إلي (3).

وفي كتاب آخر له عليه السلام كتبه إليه:

وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إلي حملتك وإياهم على كتاب الله، وأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.

ولعمري يا معاوية  لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه، إلا أن تتجنى (4) فتجن ما بدا لك (5).

وثامنا إلى أن طلحة والزبير قد نهضا قبل معاوية بتلك الغاية التي هو راميها، وأخرجا حبيسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خدرها، وحاربهما الامام عليه السلام بعد ما أتم عليهما الحجة، وكتب إليهما: وقد زعمتما أن قتلت عثمان، فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة (6) ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل، وزعمتما أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان فليدخلوا في طاعتي، ثم يخاصموا إلي قتلة أبيهم، وما أنتما وعثمان ؟ إن كان قتل ظالما أو مظلوما،وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما.وإخراجكما امكما(7)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في رواية المبرد: وبعد: فما أنت وعثمان ؟ إنما أنت رجل من بنى امية، وبنو عثمان اولى بمطالبة دمه.

(2) في رواية المبرد: فادخل فيما دخل فيه المسلمون ثم حاكم القوم إلى.

(3) الامامة والسياسة 1: 88، الكامل للمبرد 1: 225، العقد الفريد 2: 284، 285، شرح ابن أبى الحديد 1: 252.

(4) تجنى عليه: إدعى عليه ذنبا لم يفعله. فتجن: أى تستره وتخفيه.

(5) الامامة والسياسة 1: 81، العقد الفريد 2: 284، نهج البلاغة 2: 7، 124، شرح ابن أبى الحديد 1: 248، ج 3: 300.

(6) نظراء سعد بن أبى وقاص، عبدالله بن عمر، محمد بن مسلمة.

(7) نهج البلاغة 2: 112، الامامة والسياسة 1: 62.

 

 

/ ص 301 /

 

وكتب عليه السلام إلى معاوية: إن طلحة والزبير بايعاني، ثم نقضا بيعتهما، وكان نقضهما كردتهما، فجاهدتهما بعد ما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون (1).

فهلا كانت بحسب معاوية تلكم الحجج ؟  وقد طن في اذن الدنيا قول أمير المؤمنين عليه السلام: ما هو إلا الكفر، أو قتال القوم. فهلا عرف الرجل وبال أمر أصحاب الجمل، ومغبة تلك النخوة والغرور، والتركاض وراء الاهواء والشهوات، بعد قتل آلاف مؤلفة من الصالح والطالح، من أهل الحق والباطل ؟ فإشهاره السيف لازهاق النفوس بريئة كانت أو متهمة من رجال أو نساء أو أغلمة، وقتل امم وزرافات تعد بالآلاف بانسان واحد قتله المجتهدون العدول من امة محمد بعد إقامة الحجة عليه، إنما هو مما حظرته الشريعة، ولم يعرف له مساغ من الدين، وكان ابن هند في الامر كما كتب إليه الامام عليه السلام: لست تقول فيه بأمر بين يعرف له أثر، ولا عليك منه شاهد،ولست متعلقا بآية من كتاب الله،ولا عهد من رسول الله(2).

وتاسعا: إلى أن ما حكم به خليفة الوقت يجب اتباعه ولا يجوز نقضه فقد كتب علي عليه السلام إلى معاوية في كتاب له: وأما ما ذكرت من أمر قتلة عثمان فإني نظرت في هذا الامر، وضربت أنفه وعينه فلم أره يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لتعرفنهم عما قليل يطلبونك، لا يكلفونك أن تطلبهم في بر ولا بحر. (3)

فهلا كان ذلك نصا من الامام عليه السلام على انه لا مساغ له لان يدفع قتلة عثمان لاي انسان ثائر، وان طلب ذلك منه غي وشقاق، فهل كان معاوية يحسب أن أمير المؤمنين عليه السلام يتنازل عن رأيه إذا ما ارتضاه هو ؟ أو يعدل عن الحق ويتبع هواه ؟ حاشا ثم حاشا، أو لم يكن من واجب معاوية البخوع لحكم الامام المطهر بنص القرآن والاخبات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 34 ط مصر، العقد الفريد 2: 284، الامامة والسياسة 1: 81، شرح ابن ابى الحديد 1: 248، ج 3: 300.

(2) كتاب صفين لابن مزاحم ص 122، شرح ابن أبى الحديد 3: 412.

(3) كتاب صفين ص 96، 102، العقد الفريد 2: 286، شرح ابن أبى الحديد 3: 409.

 

 

/ ص 302 /

 

إلى رأيه الذي لا يفارق القرآن ؟ كيف لا ؟ وقد صح عن القوم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم روايات تمسكوا بها في اتباع نظراء معاوية ويزيد من أئمة الضلال وامراء الجور والعدوان مثل ما عزي إليه صلى الله عليه وآله: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال حذيفة: قلت: كيف أصنع يا رسول الله  إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع للامير، وإن ضرب ظهرك، واخذ مالك، فاسمع وأطع. (1)

وسأل سلمة بن يزيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله  أرأيت إن قامت علينا امراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله فجذبه الاشعث بن قيس فقال صلى الله عليه وسلم: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. (2) هذا رأي القوم في امراء الشر والفساد فما ظنك بالامام العادل المستجمع لشرايط الخلافة الذي ملات الدنيا النصوص في وجوب اقتصاص أثره، و الموافقة لآرائه وكل ما يرتأيه من حق واضح ؟ .

وعاشرا: إلى أن قاتل عثمان المباشر لقتله اختلف فيه كما مر تفصيله في الجزء التاسع ويأتي أيضا بين جبلة بن الايهم المصري. وكبيرة السكوني. وكنانة بن بشر التجيبي. وسودان بن حمران. ورومان اليماني. ويسار بن غلياض. وعند ابن عساكر يقال له: حمال (3) فقتل منهم من قتل في الوقت، ولم يكن أحد من الباقين في جيش الامام عليه السلام ولا ممن آواهم هو، فلم يكن لاحد عند غيرهم ثار، وأما الذين آواهم الامام عليه السلام فهم المسببون لقتله من المهاجرين والانصار، أو المؤلبون عليه من الصحابة العدول، ولم يشذ عنهم إلا اناس يعدون بالانامل.

وبعد هذه كلها هلا كانت لتبرأة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام نفسه من دم عثمان وقد كتبها إلى طلحة والزبير ومعاوية، ولتبرأة الاعيان من الصحابة إياه منذ مقتل عثمان إلى أن استحر القتال في واقعة صفين، وقد كتبوها إلى طلحة والزبير ومعاوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 6: 20، سنن البيهقى 8: 157.

(2) صحيح مسلم 6: 19، سنن البيهقى 8: 158.

(3) الصواعق ص 66.

 

 

/ ص 303 /

 

ومن لف لفهم، قيمة توازن عند معاوية شهادات الزور التي لفقها هو من اناس لا خلاق لهم، وثبتتها حيله ودسائسه، وأجراها ترغيبه وترهيبه ؟ وقد علم هو أن أمير المؤمنين من هو، وصلحاء الصحابة الذين وافقوه على التبرأة والتبرير من هم، ومن اولئك الطغمة الثائرين لخلافه، والمجلبين عليه، جير: كان يعلم كل ذلك لكنه الملك و السلطان وهما يبرران لصاحب النهمة والشره كل بائقة وموبقة.

 

ـ 19-

دفاع ابن حجر عن معاوية باعذار مفتعلة:

 

أنت إذا قضيت الوطر عن معاوية ومعاذيره التافهة في هذه المعمعة، فهلم معي إلى ناصره الاخير - ابن حجر - الذي فاتته النصرة بالضرب والطعن، فطفق يسود صحيفة من صحائفه الشوهاء بأعذار مفتعلة في صواعقه، يتصول بها كمن يدلي بحجج قاطعة، وإبن حجر وإن لم يكن أول من نحت تلكم الاعذار، وقد سبقه إليها اناس آخرون من أبناء حزم وتيمية وكثير، غير أن ما جاء به ابن حجر يجمع شتات ما تترس به القوم دفاعا عن ابن هند، وزاد هو في طنبوره نغمات، قال في الصواعق ص 129: ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة: أن ما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة، للاجماع على حقيتها لعلي كما مر (1) فلم تهج الفتنة بسببها وانما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه، فامتنع علي ظنا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الاسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الامر فيها، فرأى علي رضي الله عنه أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة، ويتحقق التمكن من الامور فيها على وجهها، ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين، ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليهم، ويدل لذلك ان بعض قتلته عزم على الخروج على علي ومقاتلته لما نادى يوم الجمل بأن يخرج عنه قتلة عثمان، وايضا فالذين تمالؤا على قتل عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   ذكره في الصواعق ص 71.

 

 

/ ص 304 /

 

كانوا جميعا كثيرة كما علم مما قدمته في قصة محاصرتهم له إلى أن قتله بعضهم، جمع من أهل مصر قيل: سبعمائة، وقيل: ألف، وقيل خمسمائة، وجمع من الكوفة، وجمع من البصرة وغيرهم قدموا كلهم المدينة وجرى منهم ما جرى، بل ورد انهم هم وعشائرهم نحو من عشرة آلاف فهذا هو للحامل لعلي رضي الله عنه عن الكف عن تسليمهم لتعذره كما عرفت.

ويحتمل ان عليا رضي الله عنه رأى ان قتلة عثمان بغاة حملهم على قتله تأويل فاسد استحلوا به دمه رضي الله عنه لانكارهم عليه امورا كجعله مروان ابن عمه كاتبا له ورده إلى المدينة بعد أن طرده النبي صلى الله عليه وآله منها، وتقديمه أقاربه في ولاية الاعمال، وقضية محمد بن أبي بكر، ظنوا انها مبيحة لما فعلوه جهلا منهم وخطأ والباغي إدا انقاد إلى الامام العدل لا يؤاخذ بما أتلفه في حال الحرب عن تأويل دما كان أو مالا كما هو المرجح من قول الشافعي رضي الله عنه، وبه قال جماعة آخرون من العلماء، وهذا الاحتمال وإن أمكن لكن ما قبله أولى بالاعتماد منه. إلخ

قال الاميني: هب أن عثمان قتل مظلوما بيد الجور والتعدي.

وأنه لم يك يقترف قط ما يهدر دمه.

وأن قتله لم يقع بعد إقامة الحجة عليه والاخذ بكتاب الله في أمره.

وأنه لم يقتل في معمعة بين آلاف مكردسة من المدنيين والمصريين والكوفيين والبصريين.

ولم تكن البلاد تمخضعت عليه، وما نقم عليه عباد الله الصالحون.

وأن قاتله لم يجهل من يوم أودى به، وكان مشهودا يشار اليه، ولم يكن قتيل عمية (1) لا يدرى من قتله حتى تكون ديته من بيت مال المسلمين.

ولم يقتل الذين باشروا قتله وكان قد بقي منهم باقية يقتص منها.

وأن المهاجرين والانصار ما اجتمعوا على قتله، ولم تكن لاولئك المجتهدين العدول يد في تلك الواقعة، ولم يشارك في دمه عيون الصحابة.

وأن أهل المدينة ليسوا كاتبين إلى من بالآفاق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انكم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   بكسر العين والميم المشددة مع تشديد الياء.

 

 

/ ص 305 /

 

إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزوجل تطلبون دين محمد صلى الله عليه وسلم فإن دين محمد قد أفسده من خلفكم وترك، فهلموا فأقيموا دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وأن المهاجرين لم يكتبوا إلى من بمصر من الصحابة والتابعين: أن تعالوا إلينا و تداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فان كتاب الله قد بدل، وسنة رسول الله قد غيرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت. إلى آخر ما مر ج 9.

وأن طلحة والزبير وام المؤمنين عائشة وعمرو بن العاص لم يكونوا أشد الناس عليه، ولم يكن لهم تركاض وراء تلك الثورة.

وما قرع سمع الدنيا نداء عثمان: ويلي على ابن الحضرمية - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا وهو يروم دمي، يحرض على نفسي.

وأن طلحة لم يقل: إن قتل - عثمان - فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وانه لم يمنع الناس عن ايصال الماء إليه.

وأن مروان لم يقتل طلحة دون دم عثمان، ولم يؤثر عنه قوله يومئذ:لا أطلب بثاري بعد اليوم.

وأن الزبير ما باح بقوله: اقتلوه فإنه غير دينكم، وإن عثمان لجيفة على الصراط غدا.

وأن عائشة ما رفعت عقيرتها بقولها: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر. وإنها لم تقل لمروان: وددت والله إنك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر. ولم تقل لابن عباس: إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية.

وأن عمرو بن العاص لم يقل: أنا أبو عبدالله قتلته وأنا بوادي السباع، إن كنت لاحرض عليه حتى اني لاحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.

وأن سعد بن أبي وقاص لم يبح بقوله: أمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه.

وأن عثمان لم يبق جثمانه ملقى ثلاثا في مزبلة لا يهم أمره أحدا من المهاجرين والانصار وغيرهم من الصحابة العدول.

وأن طلحة لم يك يمنع عن تجهيزه ودفنه في مقابر المسلمين، وانه لم يقبر في حش كوكب جبانه اليهود بعد ذل الاستخفاف.

 

 

/ ص 306 /

 

وأن ما أسلفناه في الجزء التاسع من حديث امة كبيرة من الصحابة وفيهم العمد والدعائم كل ذلك لم يصح.

وأن إمام الوقت ليس له العفو عن قصاص كما عفى عثمان عن عبيد الله بن عمر حين قتل هرمزان وجفينة بنت أبي لؤلؤة بلا أي جريرة.

وأن معاوية لم يك يتثبط عن نصرته، ولم يتربص عليه دائرة السوء، ولم يشهد عليه عيون الصحابة بأن الدم المهراق عنده، وانه أولى رجل بأن يقتص منه ويؤخذ بدم عثمان.

وأن عثمان لم يكن له خلف يتولى دمه غير معاوية.

وأن عليا عليه السلام هو الذي قتل عثمان، أو آوى قاتليه.

وأن معاوية لم يك غائبا عن ذلك الموقف، وكان ينظر إليه من كثب، فعلم بمن قتله، وبمن انحاز عن قتله.

وأن ما ادعاه معاوية لم يكن إفكا وبهتا وزورا من القول متخذا عن شهادة مزورة واختلاق.

وأن هذه الخصومة لها شأن خاص لا ترفع كبقية الخصومات إلى إمام الوقت.

وأن قتال معاوية إنما كان لطلب قتلة عثمان فحسب لا لطلب الخلافة، وانه لم يك يروم الخلافة في قتاله بعد ما كان يعلم نفسه انه طليق وابن طليق، ليس ببدري و لا له سابقة، وانه لا يستجمع شرايط الخلافة، وانه لم تؤهله لها الخيرة والاجماع  والانتخاب.

هب أن الوقايع هكذا وقعت - يابن حجر - ؟  واغضض عن كل ما هنالك من حقائق ثابتة على الضد مما سطر (1) فهلا كانت مناوئة معاوية مع خليفة وقته الامام المنصوص والمجمع عليه خروجا عليه ؟  وهلا كان الحزب السفياني بذلك بغاتا أهانوا سلطان الله، و استذلوا الامارة الحقة، وخلعوا ربقة الاسلام من أعناقهم ؟  فاستوجبوا إهانة الله، يجب قتالهم ودرأهم عن حوزة الايمان، وكانوا مصاديق للاحاديث المذكورة في أول هذا البحث ص 272، 273.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع الجزء التاسع حتى تقف على حقيقة الامر.

 

 

/ ص 307 /

 

إن معاوية لم يكن خليفة ولا انعقدت له بيعة، وإنما كان واليا عمن تقدم من الذين تصرمت أيام خلافتهم، فلزمته بيعة أمير المؤمنين وهو بالشام كما كتب اليه بذلك الامام عليه السلام، وكان تصديه للشؤون العامة واليا على أهل ناحيته محتاجا إلى أمر جديد أو تقرير لولايته الاولى من خليفة الوقت، وكل ذلك لم يكن، إن لم نقل: إن أمير المؤمنين عليه السلام عزله عما تولاه، وانه سلام الله عليه أوفد عليه من يبلغه عنه لزوم الطاعة واللحوق بالجماعة، كما انه عليه السلام كتب إليه بذلك.

 

- حديث الوفود:

- وفد على عليه السلام الاول:

أوفد الامام عليه السلام في أول ذي الحجة سنة 36 بشير بن عمرو بن محصن الانصاري، وسعيد بن قيس الهمداني، وشبث بن ربعي التميمي على معاوية وقال: ائتوا هذا الرجل فادعوه إلى الله، وإلى الطاعة والجماعة. فأتوه ودخلوا عليه فتكلم بشير بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا معاوية: إن الدنيا عنك زائلة، وإنك راجع إلى الآخرة، وإن الله عزوجل محاسبك بعملك، وجازيك بما قدمت يداك، وإني انشدك الله عزوجل أن تفرق جماعة هذه الامة، وأن تسفك دماء‌ها بينها.

فقطع عليه الكلام وقال: هلا اوصيت بذلك صاحبك ؟ فقال بشير: إن صاحبي ليس مثلك، إن صاحبي أحق البرية كلها بهذا الامر في الفضل، والدين، والسابقة في الاسلام والقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فيقول ماذا ؟ قال: يأمرك بتقوى الله عزوجل، و إجابة ابن عمك إلى ما يدعوك إليه من الحق، فإنه أسلم لك في دنياك، وخير لك في عاقبة أمرك.

قال معاوية: ونطل دم عثمان رضي الله عنه ؟ لا والله لا أفعل ذلك أبدا. فتكلم شبث بن ربعي فحمد الله وأثنى عليه وقال:

يا معاوية  إني قد فهمت ما رددت على إبن محصن، إنه والله ما يخفى علينا ما تغزو وما تطلب، إنك لم تجد شيئا تستغوي به الناس، وتستميل به أهواء‌هم، وتستخلص به طاعتهم، إلا قولك: " قتل إمامكم مظلوما فنحن نطلب بدمه " فاستجاب له سفهاء طغام،

 

 

/ ص 308 /

 

وقد علمنا أنك قد أبطأت عنه بالنصر، وأحببت له القتل، لهذه المنزلة التي أصبحت تطلب ورب متمني أمر وطالبه، ألله عزوجل يحول دونه بقدرته، وربما اوتي المتمني امنيته وفوق امنيته، ووالله مالك في واحدة منهما خير، لئن أخطأت ما ترجو، إنك لشر العرب حالا في ذلك، ولئن أصبت ما تمنى لا تصيبه حتى تستحق من ربك صلي النار، فاتق الله يا معاوية  ودع ما أنت عليه، ولا تنازع الامر أهله.

فتكلم معاوية وكان من كلامه: فقد كذبت ولومت أيها الاعرابي الجلف الجافي في كل ما ذكرت ووصفت، انصرفوا من عندي، فإنه ليس بيني وبينكم إلا السيف، وغضب وخرج القوم وأتوا عليا وأخبروه بالذي كان من قوله (1)

 

وفد على عليه السلام الثاني

ولما دخلت سنة 37 توادعا على ترك الحرب في المحرم إلى انقضائه طمعا في الصلح واختلف فيما بينهما الرسل في ذلك من دون جدوى، فبعث علي عليه السلام عدي بن حاتم، ويزيد بن قيس، وشبث بن ربعي، وزياد بن حنظلة إلى معاوية، فلما دخلوا عليه تكلم عدي بن حاتم فحمد الله ثم قال:

 أما بعد: فإنا أتيناك ندعوك إلى أمر يجمع الله عزوجل به كلمتنا وامتنا، و يحقن به الدماء، ويؤمن به السبل، ويصلح به ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الاسلام أثرا، وقد استجمع له الناس، وقد أرشدهم الله عزوجل بالذي رأوا، فلم يبق أحد غيرك وغير من معك، فانته يا معاوية  لا يصبك الله وأصحابك بيوم مثل يوم الجمل.

فقال معاوية:

كأنك إنما جئت متهددا، لم تأت مصلحا، هيهات ياعدي، كلا والله، إني لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان (2) أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان رضي الله عنه، وإنك لمن قتلته، وإني لارجو أن تكون ممن يقتل الله عزوجل به، هيهات يا عدي بن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبرى 5: 242، الكامل لابن الاثير 3: 122، تاريخ ابن كثير 7: 256.

(2) القعقعة: تحريك الشيئ اليابس الصلب مع صوت. والشنان جمع شن بالفتح: القربة

البالية. واذا قعقع بالشنان للابل نفرت، وهو مثل يضرب لمن لا يروعه مالا حقيقة له.

 

 

/ ص 309 /

 

حاتم  قد حلبت بالساعد الاشد.

فقال له شبث بن ربعي وزياد بن حنظلة: أتيناك فيما يصلحنا وإياك، فأقبلت تضرب الامثال، دع ما لا ينتفع به من القول والفعل، وأجبنا فيما يعمنا وإياك نفعه.

وتكلم يزيد بن قيس فقال:

 إنا لم نأتك إلا لنبلغك ما بعثنا به إليك، ولنؤدي عنك ما سمعنا منك، ونحن  على ذلك  لن ندع أن ننصح لك، وأن نذكر ما ظننا أن لنا عليك به حجة، وانك راجع به إلى الالفة والجماعة، إن صاحبنا من قد عرفت وعرف المسلمون فضله، ولا أظنه يخفى عليك، إن أهل الدين والفضل لم يعدلوا بعلي، ولن يميلوا بينك وبينه فاتق الله يا معاوية  ولا تخالف عليا، فإنا والله ما رأينا رجلا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا. ولا أجمع لخصال الخير كلها منه.

فتكلم معاوية وقال: أما بعد: فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فاما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا هي، وأما الطاعة لصاحبكم فانا لا نراها، إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا وآوى ثأرنا وقتلتنا، وصاحبكم يزعم انه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث: أيسرك يا معاوية  أنك امكنت من عمار تقتله ؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو امكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضي الله عنه، و لكن كنت قاتله بناتل مولى عثمان. فقال شبث:

وإله الارض وإله السماء ما عدلت معتدلا، لا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام، وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها.

فقال له معاوية: إنه لو قد كان ذلك كانت الارض عليك أضيق، وتفرق القوم عن معاوية فلما انصرفوا بعث معاوية إلى زياد بن حنظلة التميمي فخلا به. فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد يا أخا ربيعة، فإن عليا قطع أرحامنا، وآوى قتلة صاحبنا، وإني أسألك النصر باسرتك وعشيرتك، ثم لك عهد الله عزوجل وميثاقه أن اوليك إذا

 

 

/ ص 310 /

 

 ظهرت اي المصرين أحببت. قال زياد: فلما قضى معاوية كلامه حمدت الله عز وجل وأثنيت عليه ثم قلت:

أما بعد: فإني على بينة من ربي، وبما أنعم علي، فلن أكون ظهيرا للمجرمين. ثم قمت (1)

وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده أن قراء أهل العراق، وقراء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا، وأن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعامر بن عبد قيس، و عبدالله بن عتبة بن مسعود وغيرهم جاؤا معاوية فقالوا له: ما تطلب ؟ قال: أطلب بدم عثمان. قالوا: فمن تطلب به ؟ قال: عليا. قالوا: أهو قتله ؟ قال: نعم وآوى قتلته. فانصرفوا إلى علي فذكروا له ما قال فقال: كذب  لم أقتله وأنتم تعلمون أني لم أقتله، فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالا، فرجعوا إلى علي فقال: والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت. فرجعوا فقال معاوية: فإن كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان، فانهم في عسكره وجنده. فرجعوا، فقال علي: تأول القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لاجلها، وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم سبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الامر على ما يقول فما له أنفذ الامر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن ها هنا ؟ فرجعوا إلى علي فقال علي: إنما الناس مع المهاجرين والانصار، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم، ورضوا وبايعوني، ولست أستحل ان أدع مثل معاوية يحكم على الامة ويشق عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال من ها هنا من المهاجرين والانصار لم يدخلوا في هذا الامر ؟ فرجعوا، فقال علي: إنما هذا للبدريين دون غيرهم، وليس على وجه الارض بدري إلا وهو معي، وقد بايعني وقد رضي، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم (2)

ها هنا تجد الباغي متجهما تجاه تلك الدعوة الحقة كأنه هو بمفرده، أو هو و طغام الشام والاجلاف الذين حوله بيدهم عقدة أمر الامة، تنحل وتعقد بمشيئتهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبرى 6: 3، الكامل لابن الاثير 3: 124، تاريخ ابن كثير 7: 258.

(2)   تاريخ ابن كثير 7: 258.

 

 

/ ص 311 /

 

والمهاجرون والانصار والبدريون من الصحابة قط لا قيمة لهم ولا لبيعتهم وجماعتهم عنده في سوق الاعتبار، يقول: إن الجماعة معه، وإن الطاعة لا يراها هو، على حين أنهما حصلتا له صلوات الله عليه رضي به ابن هند أو أبى، وان الجماعة التي كانت لعلي عليه السلام وبيعتهم إياه كانت من سروات المجد وأهل الحل والعقد من المهاجرين والانصار ووجوه الامصار والبلاد، ولم يتحقق اجماع في الاسلام مثله، وأما التي كانت لمعاوية في حسبانه فمن رعرعة الشام، ورواد الفتن، وسماسرة الاهواء، ولم يكن معه كما قال سيدنا قيس بن سعد بن عبادة: إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا مستدرجا، وكان معه مائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل كما مر حديثه في ص 195، فأي عبرة بموقف هؤلاء ؟ وأي قيمة لبيعتهم بعد شذوذهم عن الحق ونبذهم إياه وراء ظهورهم ؟.

من يكن ابن آكلة الاكباد وزبانيته حتى يكون لهم رأي في الخلافة ؟ ويطلبوا من أمير المؤمنين اعتزال الامر، ورده شورى بين المسلمين بعد أن العمد والدعائم من المسلمين رضوا بتلكم البيعة وعقدوها للامام الحق على زهد منه عليه السلام فيها، لكنهم تكاثروا عليه كعرف الفرس حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاه، فكان تدخل الطليق ابن الطليق في أمر الامة الذي أصفق عليه رجال الرأي والنظر تبرعا منه من غير طلب ولا جدارة، بل كان خروجا على الامام الذي كانت معه جماعة المسلمين، وانعقدت عليه طاعتهم، فتبا لمن شق عصاهم، وفت في عضدهم.

وابن هند إن لم يكن ينازع للخلافة كما حسبه ابن حجر فما كانت تلك المحاباة وتغرير وجوه الناس ورجالات الثورات بولايات البلاد ؟ فترى يجعل مصر طعمة لعمرو ابن العاص، وله خطواته الواسعة وراء قتل عثمان، ويعهد على زياد التميمي أن يوليه أي المصرين أحب إذا ظهر، غير ان التميمي كان على بينة من ربه فيما أنعم الله عليه لم يك ظهيرا للمجرمين، وكذلك قيس بن سعد الانصاري كتب إليه معاوية يعده بسلطان العراقين إذا ظهر ما بقي، ولم أحب قيس سلطان الحجاز مادام له سلطان (1) وقيس شيخ الانصار، وهم المتسربلون بالحديد يوم الجمل قائلين: نحن قتلة عثمان.

 ولنا حق النظر في قوله لشبث بن ربعي: وما يمنعني من ذلك والله لو امكنت من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   تاريخ الطبرى 5: 228.

 

 

/ ص 312 /

 

ابن سمية ما قتلته بعثمان إلخ. من الذي أخبر معاوية عن عمار وعن قتله عثمان ومولاه ناتل ؟ وكان معاوية يومئذ بالشام، ولينظر في البينة التي حكم بها على عمار ولعلها قامت بشهادة مزورة زورها نفس معاوية جريا على عادته في أمثال هذه المراقف.

وإن صدق في دعواه وكان الامر كما قرره هو فلا قود عندئذ إذ عمار من المجتهدين العدول لا يقتل إنسانا إلا من هدر الاسلام دمه، يتبع أثره، ولا ينقض حكمه، كيف لا ؟ وقد ورد الثناء عليه في خمس آيات فصلناها في ج 9 ص 21 - 24، وجاء عن النبي الاعظم قوله صلى الله عليه وآله: إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، وخلط الايمان بلحمه ودمه.

وقوله صلى الله عليه وآله: عمار خلط الله الايمان ما بين قرنه إلى قدمه، وخلط الايمان بلحمه ودمه، يزول مع الحق حيث زال، وليس ينبغى للنار أن تأكل منه شيئا.

وقوله صلى الله عليه وآله: ملئ إيمانا إلى مشاشه. وفي لفظ: حشي ما بين اخمص قدميه إلى شحمة اذنيه إيمانا.

وقوله صلى الله عليه وآله: إن عمارا مع الحق والحق معه، يدور عمار مع الحق أينما دار، وقاتل عمار في النار.

وقوله صلى الله عليه وآله: إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق.

وقوله صلى الله عليه وآله: دم عمار ولحمه حرام على النار أن تطعمه.

وقوله صلى الله عليه وآله: ما لهم ولعمار ؟ يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، إن عمارا جلدة ما بين عيني وأنفي، فإذا بلغ ذلك من الرجل فلم يستبق فاجتنبوه.

نعم: صدق معاوية في قوله: ما يمنعني من ذلك ؟ وأي وازع للانسان عن قتل عمار إذا ما صدق النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله هذه وقوله: ما لقريش وعمار يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلي النار، قاتله وسالبه في النار.

وقوله: من عادى عمارا عاداه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن يسفه عمارا يسفهه الله، ومن يسب عمارا يسبه الله، ومن يحقر عمارا حقره الله، ومن يلعن عمارا لعنه الله، ومن ينتقص عمارا ينتقصه الله (1).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تفصيل هذه الاحاديث في الجزء التاسع ص 24 - 28.