فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ ص 313 /

 

 

وفد معاوية إلى الامام عليه السلام

وبعث معاوية إلى علي حبيب بن مسلمة الفهري، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه وتكلم حبيب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

 أما بعد: فإن عثمان بن عفان رضي الله عنه كان خليفة مهديا، يعمل بكتاب الله عزوجل، وينيب إلى أمر الله تعالى، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقلتموه رضي الله عنه، فادفع إلينا قتلة عثمان  إن زعمت أنك لم تقتله  نقتلهم به، ثم اعتزل أمر الناس، فيكون أمرهم شورى بينهم، يولي الناس أمرهم من أجمع عليه رأيهم.

فقال له علي بن أبي طالب: وما أنت لا ام لك والعزل، وهذا الامر ؟ اسكت فإنك لست هناك ولا بأهل له.

فقال وقال له: والله لتريني بحيث تكره. فقال علي: و ما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك ؟ لا أبقى الله عليك إن أبقيت علي، أحقرة وسوء‌ا ؟ اذهب فصوب وصعد ما بدا لك.

وقال شرحبيل: إني إن كلمتك فلعمري ما كلامي إلا مثل كلام صاحبي قبل، فهل عندك جواب غير الذي أجبته به ؟ فقال علي: نعم، لك ولصاحبك جواب غير الذي أجبته به. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

أما بعد: فإن الله جل ثناؤه بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، فأنقذ به من الضلالة، و انتاش به من الهلكة، وجمع من الفرقة، ثم قبضه الله إليه، وقد أدى ما عليه صلى الله عليه وسلم ثم استخلف الناس أبا بكر رضي الله عنه، واستخلف أبوبكر عمر رضي الله عنه، فأحسنا السيرة، وعدلا في الامة، وقد وجدنا عليهما أن توليا علينا، ونحن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فغفرنا ذلك لهما، وولي عثمان رضي الله عنه فعمل بأشياء عابها الناس عليه، فساروا إليه فقتلوه، ثم أتاني الناس وأنا معتزل امورهم، فقالوا لي: بايع. فأبيت عليهم، فقالوا لي: بايع، فإن الامة لا ترضى إلا بك، وإنا نخاف إن لم تفعل أن يفترق الناس، فبايعتهم، فلم يرعني إلا شقاق رجلين قد بايعاني، وخلاف معاوية الذي لم يجعل الله عزوجل له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الاسلام، طليق ابن طليق، حزب من هذه الاحزاب، لم يزل

 

 

/ ص 314 /

 

 لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين عدوا، هو وأبوه، حتى دخلا في الاسلام كارهين فلا غرو إلا خلافكم معه، وانقيادكم له، وتدعون آل نبيكم صلى الله عليه وسلم الذين لا ينبغي لكم شقاقهم ولا خلافهم، ولا أن تعدلوا بهم من الناس أحدا، إلا إنى أدعوكم إلى كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإماتة الباطل، وإحياء معالم الدين، أقول قولي هذا، و استغفر الله لي ولكم ولكل مؤمن ومؤمنة ومسلم ومسلمة.

فقالا: اشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما. فقال لهما: لا أقول: إنه قتل مظلوما، ولا أنه قتل ظالما. قالا: فمن لم يزعم ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء.

ثم قاما فانصرفا، فقال علي: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون. (1)

 

- أنباء في طيات الكتب تعرب عن مرمى معاوية :

هلم معي ننظر في شطر من كتب ابن حرب المعربة عن مرماه الذي كان تركاضه وراء‌ه، هل فيها ايعاز أو تلويح أو تصريح بغايته المتوخاة في نزاعه الامام الطاهر عليه السلام، وانه كان يروم الخلافة ويحوم حولها وينازع الامر أهله ؟ رغم إنكار ابن حجر إياه إنكارا باتا نصرة له.

إن النعمان بن بشير لما قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان تذكر فيه دخول القوم عليه، وما صنع محمد بن أبي بكر عن نتف لحيته، في كتاب رققت فيه وأبلغت حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدع قلبه. وبقمص عثمان مخضبا بالدم ممزقا، وعقدت شعر لحيته في زر القميص، قال: فصعد المنبر معاوية بالشام وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان فبكى الناس وشهقوا حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام فقالوا: هو ابن عمك وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميرا عليهم، وكتب، وبعث الرسل إلى كور الشام، وكتب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تاريخ الطبرى 6: 4، الكامل لابن الاثير 3: 125، تاريخ ابن كثير 7: 258.

 

 

/ ص 315 /

 

إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلما قرأ شرحبيل كتاب معاوية دعا اناسا من أشرف أهل حمص فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ممن يبايع لمعاوية أميرا، وهذه سقطة، ولكنا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب بدم عثمان مع غير خليفة، فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص ثم كتب إلى معاوية: أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما حين كتبت إلي أن ابايع لك بالامرة، وانك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومن قبلي لك بالخلافة.

فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك ودعا الناس وصعد المنبر وأخبرهم بما قال شرحبيل ودعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه ولم يختلف منهم أحد، فلما بايع القوم له بالخلافة واستقام له الامر كتب إلى علي. (1)

وفي حديث عثمان بن عبيدالله الجرجاني قال:

 بويع معاوية على الخلافة، فبايعه الناس على كتاب الله وسنة نبيه، فأقبل مالك ابن هبيرة الكندي - وهو يومئذ رجل من أهل الشام - فقام خطيبا وكان غائبا من البيعة فقال: يا أمير المؤمنين  اخدجت هذا الملك، وأفسدت الناس، وجعلت للسفهاء مجالا، وقد علمت العرب أنا حي فعال، ولسنا بحي مقال، وإنا نأتي بعظيم فعالنا على قليل مقالنا، فابسط يدك ابايعك على ما أحببنا وكرهنا.

فقال الزبرقان بن عبدالله السكوني:

معاوي أخــــدجت الخــــلافة بالــــتــــي * شرطــــت فقــــد بــــوا لك المـلك مالك

ببيعة فصــــل ليــــس فيــــها غميــــزة * ألا كــــل ملــــك ضمــــه الشــرط هالك

وكــــان كبيــــت العنــــكبوت مذبذبـــــا * فــــأصبح محجــــوبا عليــــــه الارائك

وأصبــــح لا يــــرجوه راج لعــــلــــــة * ولا تنتحــــي فيــــه الرجـــال الصعالك

وما خيــــر ملك يــــا معـــاوية  مخدج * تجــــرع فيــــه الغيـــــظ والوجه حالك

إذا شــــاء ردتــــه السكــــون وحميــر * وهمدان والحي الخفاف السكاسك (2)

جرت بين الامام عليه السلام وبين معاوية مكاتبات نحن نأخذ من تلكم الكتب ما يخص

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الامامة والسياسة 1: 69، 70.

(2) كتاب صفين لابن مزاحم ص 90.

 

 

/ ص 316 /

 

بالموضوع، كتب عليه السلام إليه في أول ما بويع له بالخلافة:

أما بعد: فقد علمت إعذاري فيكم، وإعراضي عنكم، حتى كان ما لابد منه، ولا دفع له، والحديث طويل، والكلام كثير، وقد أدبر ما أدبر، وأقبل ما أقبل، فبايع من قبلك، وأقبل إلي في وفد من أصحابك، والسلام.

وفي لفظ:

أما بعد: فإن الناس قتلوا عثمان عن غير مشورة مني، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفد إلي أشراف أهل الشام قبلك.

وفي لفظ ابن قتيبة: أما بعد: فقد وليتك ما قبلك من الامر والمال، فبايع من قبلك، ثم أقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام.

فكتب معاوية: أما بعد: فإنه

ليــــس بيــني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب

ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية: وقد بلغك ما كان من قتل عثمان رحمه الله، وبيعة الناس عامة إياي، ومصارع الناكثين لي، فادخل فيما دخل الناس فيه، وإلا فأنا الذي عرفت، وحولي من تعلمه. والسلام.

ومما كتب عليه السلام إليه مع جرير البجلي: فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والانصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما، كان ذلك لله رضا، وإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أوبدعة ردوه إلى ما خرج عنه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساء‌ت مصيرا.

فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب الامور إلي قبولك العافية، إلا أن تتعرض للبلاء، فإن تعرضت له قاتلتك، واستعنت بالله عليك، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إلي، حملتك وإياهم على كتاب الله، وأما تلك التى تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن.

 

 

/ ص 317 /

 

وأعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الامامة، ولا يدخلون في الشورى، وقد بعثت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبدالله البجلي، وهو من أهل الايمان والهجرة، فبايعه، ولا قوة إلا بالله.

قدم جرير على معاوية بكتاب علي، فلما أبطأ عليه معاوية برأيه استحثه بالبيعة، فقال له معاوية: يا جرير  إن البيعة ليست بخلسة، وإنه أمر له ما بعده، فأبلعني ريقي، ودعا أهل ثقته فاستشارهم، فقال له أخوه عتبة: إستعن على هذا الامر بعمرو بن العاص، فإنه من قد عرفت، فكتب معاوية إلى عمرو، وهو بفلسطين:

أما بعد: فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في نفر من أهل البصرة، وقدم علينا جرير بن عبدالله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك، فاقدم على بركة الله، اذاكرك امورا لا تعدم صلاح مغبتها إن شاء الله.

فقال معاوية لجرير: إني قد رأيت رأيا، قال جرير: هات. قال: اكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فان حضرته الوفاة لم يجعل لاحد من بعده في عنقي بيعة، واسلم إليه هذا الامر، وأكتب إليه بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت. فكتب إلى علي يسأله ذلك، فلما أتى عليا كتاب معاوية عرف انها خدعة منه، وكتب إلى جرير بن عبدالله:

أما بعد: فإن معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وأراد أن يرثيك ويبطئك حتى يذوق أهل الشام، وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه (1) ولم يكن الله ليراني أن أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل وإلا فأقبل، والسلام. (2)

ولما فشا كتاب معاوية في العرب كتب إليه أخو عثمان لامه الوليد بن عقبة:

معــاوي إن الشام شامك فاعتصم * بشامــــك، لا تدخل عليك الافاعيا

وحام عليهــــا بالصـــوارم والقنا * ولا تك موهــــون الـذراعين وانيا

وإن عليــــا ناظــــر ما تجيــــبــه * فأهــــد له حــربا تشيب النواصيا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما أسلفناه في الجزء السادس 142 ط 2.

(2) كتاب صفين 38، 58، 59، الامامة والسياسة 1: 82، وفي ط 72، شرح ابن ابي الحديد 1: 136، 249 - 251.

 

 

/ ص 318 /

 

وإلا فسلم إن فــــي السلـــم راحة * لمـن لا يريد الحرب فاختر معاويا

وإن كتابا يابـــن حــــرب كتبتــــه * علــــى طمع يزجي إليك الدواهيا

سألــــت علــــيا فيـــه ما لن تناله * وإن نلتــــه لــــم تبــــق إلا لياليا

وسوف ترى منه التي ليس بعدها * بقــــاء فــــلا تكثــر عليك الامانيا

أمثــــل علــــي تعتــــريه بخــدعة * وقـد كان ما جريت من قبل كافيا ؟

وكتب إلى معاوية أيضا:

معـــــاوي إن الملــــك قد جب غاربه * وأنـــــت بمـــا في كفك اليوم صاحبه

أتـــــاك كتـــــاب مـــــن علــي بخطة * هــــي الفصل فاختر سلمه أو تحاربه

فـــــلا تـــــرج عنــــد الواترين مودة * ولا تـــــأمن اليـــوم الذي أنت راهبه

وحـــــاربه إن حــــاربت حر بن حرة * وإلا فسلـــــم لا تـــــدب عقـــــاربـــه

فـــــإن عليـــــا غيـــــر ساحــب ذيله * على خدعـــــة ما سوغ الماء شاربه

فـــــلا تدعـــــن الملك والامـــر مقبل * وتطـــــلب مـــــا أعيت عليه مذاهبه

فـــــإن كنــــت تنوي أن تجيب كتابه * فقبـــــح ممليـــــه وقبـــــح كـــــاتبه

وإن كنـــــت تنـــــوي أن تــرد كتابه * وأنـــــت بأمـــــر لا محـــــالة راكبه

فألـــــق إلـــــى الحــي اليمانين كلمة * عـــــدو ومـــــا لاهم عليــــه أقاربه

أفانين: منهـــــم قاتـــــل ومحـــرض * بلا تـــــرة كانـــــت وآخـــــر سالبه

وكنـــــت أميـــــرا قبـــل بالشام فيكم * فحسبـــــي وإيـاكم من الحق واجبه

تجيبـــــوا (ومن أرسى ثبيرا مكانه) * تـــــدافع بحـــــر لا تـــــرد غــواربه

فأقــــلل وأكثـــر، مالها اليوم صاحب * سواك فصرح لست ممن تورابه (2)

فأقام جرير عند معاوية ثلاثة أشهر. وقيل: أربعة. وهو يماطله بالبيعة، فكتب علي إلى جرير:

 سلام عليك، أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فاحمل معاوية على الفصل، وخذه بالامر الجزم، وخيره بين حرب مجلية، أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب فأنبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين، وإن اختار السلم فخذ بيعته وأقبل إلي، والسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   المواربة: المخارعة والمداهاة.

 

 

/ ص 319 /

 

فكتب معاوية إلى علي جوابا عن كتابه مع جرير:

أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، ولكنك أغريت بدم عثمان المهاجرين.

وخذلت عنه الانصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف، وقد أبي أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، وإنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام، ولعمري ما حجتك علي كحجتك على طلحة والزبير، لانهما بايعاك ولم ابايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، لان أهل البصرة أطاعوك، ولم يطعك أهل الشام.

فكتب إليه الامام عليه السلام:

زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خفري (1) بعثمان ولعمري ما كنت إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا، وأصدرت كما أصدروا، وما كان ليجمعهم على ضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فلزمتني خطيئة الامر، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل.

وأما قولك: إن أهل الشام هم حكام أهل الحجاز، فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى، أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذبك المهاجرون و الانصار، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز. فارجع إلى البيعة التي لزمتك، وحاكم القوم إلي.

وأما تمييزك بين أهل الشام والبصرة، وبينك وبين طلحة والزبير، فلعمري فما الامر هناك إلا واحد، لانها بيعة عامة، لا يتأتى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار.

ومن كتاب كتبه معاوية إلى علي عليه السلام في أواخر حرب صفين:

فإن كنت (أبا حسن)  إنما تحارب على الامرة والخلافة فلعمري لو صحت خلافتك لكنت قريبا من أن تعذر في حرب المسلمين، ولكنها ما صحت لك، أنى بصحتها وأهل الشام لم يدخلوا فيها ولم يرتضوها ؟ وخف الله وسطواته، واتق بأسه

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الخفر: نقض العهد. الغدر.

 

 

/ ص 320 /

 

ونكاله، واغمد سيفك عن الناس، فقد والله أكلتهم الحرب، فلم يبق منهم إلا كالثمد (1) في قرارة الغدير. والله المستعان.

فكتب علي عليه السلام اليه كتابا منه:

وأما تحذيرك إياي أن يحبط عملي وسابقتي في الاسلام، فلعمري لو كنت الباغي عليك لكان لك أن تحذرني ذلك، ولكني وجدت الله تعالى يقول: فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله. فنظرنا إلى الفئتين، أما الفئة الباغية فوجدناها الفئة التي أنت فيها، لان بيعتي لزمتك وأنت بالشام، كما لزمتك بيعة عثمان بالمدينة، وأنت أمير لعمر على الشام، وكما لزمت يزيد أخاك بيعة عمر وهو أمير لابي بكر على الشام.

وأما شق عصا هذه الامة، فأنا أحق أن أنهاك عنه، فأما تخويفك لي من قتل أهل البغي فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرني بقتالهم وقتلهم وقال لاصحابه: إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله. وأشار إلي، وأنا أولى من اتبع أمره، وأما قولك: ان بيعتي لم تصح، لان أهل الشام لم يدخلوا فيها، فكيف ؟ وإنما هي بيعة واحدة تلزم الحاضر والغائب، لا يثنى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار، ألخارج منها طاعن، والمروي (2) فيها مداهن، فاربع على ظلعك، وانزع سربال غيك، واترك ما لا جدوى له عليك، فليس لك عندي إلا السيف، حتى تفئ إلى أمر الله صاغرا، وتدخل في البيعة راغما، والسلام.

ومن كتاب لمعاوية إلى علي عليه السلام:

فدع اللجاج والعبث جانبا، وادفع إلينا قتلة عثمان، وأعد الامر شورى بين المسلمين، ليتفقوا على من هو لله رضا، فلا بيعة لك في أعناقنا، ولا طاعة لك علينا، ولا عتبى لك عندنا، وليس لك ولاصحابك إلا السيف.

فأجابه الامام عليه السلام بكتاب منه قوله:

 وزعمت أن أفضل الناس في الاسلام فلان وفلان، فذكرت أمرا إن تم اعتزلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الثمد: الماء القليل يتجمع في الشتاء وينضب في الصيف.

(2) روى في الامر: نظر وفكر، أي الذي يفكر ويروي فيها ويبطئ عن الطاعة مداهن اى: منافق.

 

 

/ ص 321 /

 

كله، وإن نقص لم يلحقك ثلمه، وما أنت والفاضل والمفضول ؟ والسائس والمسوس ؟ وما للطلقاء وأبناء الطلقاء والتمييز بين المهاجرين الاولين، وترتيب درجاتهم، وتعريف طبقاتهم ؟ هيهات لقد حن قدح ليس منها، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها، ألا تربع أيها الانسان  على ظلعك ؟ وتعرف قصور ذرعك، وتتأخر حيث أخرك القدر ؟ فما عليك غلبة المغلوب، ولا لك ظفر الظافر.

ومنه قوله عليه السلام:

وذكرت انه ليس لى ولا صحابي عندك إلا السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار، متى ألفيت بني عبدالمطلب عن الاعداء ناكلين، وبالسيوف مخوفين ؟  ؟  فلبث قليلا يلحق الهيجا حمل (1) فسيطلبك من تطلب، ويقرب منك ما تستبعد، وأنا مرقل نحوك في جحفل من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتامهم متسربلين سرابيل الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، وقد صحبتهم ذرية بدرية، وسيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدك وأهلك، وما هي من الظالمين ببعيد.

ولما نزل علي عليه السلام الرقة قالت له طائفة من أصحابه: يا أمير المؤمنين  اكتب إلى معاوية ومن قبله من قومك، فإن الحجة لا تزداد عليهم بذلك إلا عظما. فكتب إليهم:

من عبدالله علي أمير المؤمنين إلى معاوية ومن قبله من قريش:

سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن لله عبادا آمنوا بالتنزيل، وعرفوا التأويل، وفقهوا في الدين، وبين الله فضلهم في القرآن الحكيم، وأنتم في ذلك الزمان أعداء للرسول تكذبون بالكتاب، مجمعون على حرب المسلمين، من ثقفتم منهم حبستموه أو عذبتموه أو قتلتموه، حتى أراد الله تعالى إعزاز دينه، وإظهار أمره، فدخلت العرب في الدين أفواجا، وأسلمت له هذه الامة طوعا وكرها، فكنتم فيمن دخل في هذا الدين إما رغبة أو رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وفاز المهاجرون الاولون بفضلهم، ولا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   حمل، هو حمل بن سعد انه الصحابى شهد صفين مع معاوية.

 

 

/ ص 322 /

 

الدين، ولا فضائلهم في الاسلام، أن ينازعهم الامر الذي هم أهله وأولى به فيحوب ويظلم، ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره، ويعدو طوره، ويشقي نفسه بالتماس ما ليس بأهله، فإن أولى الناس بأمر هذه الامة قديما وحديثا أقربها من الرسول، وأعلمها بالكتاب، وأفقهها في الدين، أو لهم إسلاما، وأفضلهم جهادا، وأشدهم بما تحمله الائمة من أمر الامة اضطلاعا، فاتقوا الله الذي إليه ترجعون، ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون، وأعلموا أن خيار عباد الله الذين يعملون بما يعلمون، وأن شرارهم الجهال الذين ينازعون بالجهل أهل العلم، فأن للعالم بعلمه فضلا، وان الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلا جهلا، ألا وإني أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وحقن دماء هذه الامة، فإن قبلتم أصبتم رشدكم، واهتديتم لحظكم،

وإن أبيتم إلا الفرقة وشق عصا هذه الامة، لم يزدادوا من الله إلا بعدا، ولا يزداد الرب عليكم إلا سخطا، والسلام.

راجع الامامة والسياسة 1: 20، 71، 72، 77، 78، كتاب صفين 34، 38، 58، 59، 62 - 65 ط مصر، كامل المبرد 1: 155، 157، العقد الفريد 2: 233. وفي ط 284، نهج البلاغة 2: 7، 8، 30، 35، 98، شرح ابن ابى الحديد 1: 77، 136، 248، 252 وج 3: 300، 302، صبح الاعشى 1: 229، نهاية الارب 7: 233. ومر بعض هذه الكتب بتمامه في هذا الجزء.

قال الاميني: ألم تعلم أيها القارئ الكريم عقيب ما استشففت هذه الكتب المترددة بين إمام الحق ورجل السوء " معاوية " أنه حين يسر حسوا في ارتغاء محتجا بقتل عثمان تارة، وبايواء قاتليه تارة اخرى، وبطلبه حقن الدماء كمن لا يبتغيه هو، انه كان لا يبتغي إلا الخلافة ؟ وانه يعدو إليها ضابحا، ويضحي دونها كل غال ورخيص، ويهب دونها الولايات، ويمنح تجاهها المنائح، ويهب الرضائخ، ويستهوي بها النفوس الخائرة، ومهملجي نهمة الحاكمية، ويستهين بيعة المهاجرين والانصار، وهم إلب واحد لبيعة إمام الهدى صلوات الله عليه، ويحسبهم قد فارقوا الحق وخبطوا في العمى، ويرجح كفة الشام على كفة عاصمة الاسلام، وأهلوه هم الصحابة العدول من المهاجرين والانصار، على أنه ليس للطليق ابن الطليق أن يتدخل في شأن هم أثبتوا دعائمه،

 

 

/ ص 323 /

 

 وشيدوا معالمه، ومن الذي منحه النظر في أمر هذا شأنه ؟ ومتى كان له ولطغام الشام أن يجابهوا إمرة الحق التي نهض بها أهل الحل والعقد ؟ ولم يباشر الحرب هنالك إلا بعد أن أتم الامام عليه السلام عليه الحجة، وألحب له الطريق، وأوقفه على حكم الله البات وأمره النهائي، غير أن معاوية في اذنه وقر عن سماع كلم الحق والبخوع لها، والملك عقيم.

 

- تصريح لا تلويح يعرب عن مرمى ابن هند:

مر في سالف القول ص 317 ان معاوية قال لجرير: يجعل علي له الشام ومصر جباية، ويكون الامر له بعده، حتى يكتب إليه بالخلافة، وكتب بذلك إليه عليه السلام، وكتب إليه عليه السلام يسأله إقراره على الشام فكتب إليه علي عليه السلام:

 أما بعد: فإن الدنيا حلوة خضرة، ذات زينة وبهجة، لم يصب إليها أحد إلا شغلته بزينتها عما هو أنفع له منها، وبالآخرة امرنا، وعليها حثثنا، فدع يا معاوية  ما يفنى، واعمل لما يبقى، واحذر الموت الذي إليه مصيرك، والحساب الذي إليه عاقبتك، واعلم أن الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا حال بينه وبين ما يكره، ووفقه لطاعته، وإذا أراد بعبد سوء‌ا أغراه بالدنيا وأنساه الآخرة، وبسط له أمله، وعاقه عما فيه صلاحه، وقد وصلني كتابك فوجدت ترمي غير غرضك، وتنشد غير ضالتك، وتخبط في عماية، وتتيه في ضلالة، وتعتصم بغير حجة، وتلوذ بأضعف شبهة.

فأما سؤالك المتاركة والاقرار لك على الشام، فلو كنت فاعلا ذلك اليوم لفعلته أمس، وأما قولك: إن عمر ولاكه فقد عزل من كان ولاه صاحبه (1) وعزل عثمان من كان عمر ولاه (2) ولم ينصب للناس إمام إلا ليرى من صلاح الامة ما قد كان ظهر لمن قبله أو اخفي عنه عيبه، والامر يحدث بعده الامر، ولكل وال رأي واجتهاد. (3)

وكتب الرجل إليه عليه السلام ثانية - قبل ليلة الهرير بيومين أو ثلاثة - يسأله إقراره على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يريد خالد بن الوليد كان ولاه أبوبكر فعزله عمر.

(2) عزل عثمان عمال عمر كلهم غير معاوية.

(3) نهج البلاغة 2: 44، شرح ابن ابى الحديد 4: 57.

 

 

/ ص 324 /

 

الشام وذلك أن عليا عليه السلام قال: لا ناجزنهم مصبحا. وتناقل الناس كلمته، ففزع أهل الشام لذلك، فقال معاوية: قد رأيت أن اعاود عليا وأسأله إقراري على الشام، فقد كنت كتبت إليه ذلك فلم يجب إليه (1) ولاكتبن ثانية، فألقى في نفسه الشك والرقة، فكتب اليه.

أما بعد: فإنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت، لم يجنها بعضنا على بعض، ولئن كنا قد غلبنا على عقولنا، لقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى، ونصلح به ما بقي، وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك بيعة وطاعة فأبيت ذلك علي، فأعطاني الله ما منعت، وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فاني لا أرجو من البقاء إلا ما ترجو، ولا أخاف من الفناء إلا ما تخاف، وقد والله رقت الاجناد وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق به حر، والسلام.

فأجابه علي عليه السلام:

 أما بعد فقد جاء‌ني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك لم يجنها بعضنا على بعض، فإني لو قتلت في ذات الله وحييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة لم أرجع عن الشدة في ذات الله، والجهاد لاعداء الله، وأما قولك: إنه قد بقي من عقولنا ما نندم على ما مضى فإني ما تنقصت عقلي، ولا ندمت على فعلي، واما طلبك إلي الشام فإني لم أكن لاعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما قولك: إن الحرب قد أكلت إلا حشاشات أنفس بقيت، ألا ومن أكله الحق فإلى الجنة، ومن أكله الباطل فالى النار. الكتاب (2).

وكتب معاوية إلى ابن عباس:

أما بعد: فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساء‌ة إلى أنصار ابن عفان حتى أنكم قتلتم طلحة والزبير لطلبهما بدمه، واستعظامهما ما نيل منه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كذب الرجل وقد اجابه الامام (ع) بما سمعت غير انه كتمه على اصحابه خوفا من أن يهتدى به بعض إلى الحق ويفارق الباطل.

(2) الامامة والسياسة 1: 88 وفي ط 95، كتاب صفين ص 538، مروج الذهب 2 60، 61، نهج البلاغة 2: 12، شرح ابن ابى الحديد 3: 424.

 

 

/ ص 325 /

 

فإن كان ذلك منافسة لبني امية في السلطان، فقد وليها عدي وتيم (2) فلم تنافسوهم وأظهرتم لهم الطاعة.

وقد وقع من الامر ما قد ترى، وأدالت هذه الحرب بعضنا على بعض حتى استوينا فيها، فما يطعمكم فينا يطعمنا فيكم، وما يؤيسنا منكم يؤيسكم منا، ولقد رجونا غير الذي كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، ولا غدا بأحد من حدكم اليوم، وقد قنعنا بما في أيدينا من ملك الشام، فاقنعوا بما في أيديكم من ملك العراق، وأبقوا على قريش، فانما بقي من رجالها ستة: رجلان بالشام، ورجلان بالعراق. ورجلان بالحجاز، فأما اللذان بالشام فأنا وعمرو. وأما اللذان بالعراق فأنت وعلي. وأما اللذان بالحجاز فسعد وابن عمر (3) فإثنان من الستة ناصبان لك، واثنان واقفان فيك، وأنت رأس هذا الجمع، ولو بايع لك الناس بعد عثمان كنا إليك أسرع منا إلى علي.

فكتب إبن عباس إليه:

أما بعد: فقد جاء‌ني كتابك وقرأته، فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساء‌ة إلى أنصار عثمان وكراهتنا لسلطان بني امية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك حين استنصرك فلم تنصره حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك وأخو عثمان الوليد بن عقبة، وأما طلحة والزبير فإنهما أجلبا عليه، وضيقا خناقه، ثم خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك، فقاتلناهما على النكث وقاتلناك على البغي، وأما قولك: إنه لم يبق من قريش إلا ستة فما أكثر رجالها، وأحسن بقيتها، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلا من خذلك، وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم، فإن أبا بكر وعمر خير من عثمان كما أن عثمان خير منك، وقد بقي لك منا ما ينسيك ما قبله وتخاف ما بعده، وأما قولك: إنه لو بايعني الناس استقمت، فقد بايع الناس عليا وهو خير مني فلم تستقم له: وما أنت وذكر الخلافة يا معاوية ؟ وإنما أنت طليق وابن طليق، والخلافة للمهاجرين الاولين، وليس الطلقاء منها في شيئ، والسلام (1) وفي لفظ ابن قتيبة: فما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعنى أبا بكر وعمر.

(2) يعنى سعد بن ابى وقاص، و عبدالله بن عمر.

(3) الامامة والسياسة 1: 85، وفي ط 96، شرح ابن ابي الحديد 2: 289.

 

 

/ ص 326 /

 

أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الاسلام، وابن رأس الاحزاب، وابن آكلة الاكباد من قتلى بدر.

وخطب معاوية بعد دخوله الكوفة وصلح الامام السبط سلام الله عليه فقال:

يا أهل الكوفة  أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج ؟ وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون. ولكنني قاتلتكم لاتأمر عليكم وعلى رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون، ألا إن كل مال أو دم اصيب في هذه الفتنة فمطلول، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين. شرح ابن أبي الحديد 4: 6، تاريخ ابن كثير 8: 131 - واللفظ للاول:

قال معروف بن خربوذ المكي: بينا عبدالله بن عباس جالس في المسجد ونحن بين يديه إذ أقبل معاوية فجلس اليه فأعرض عنه ابن عباس فقال له معاوية: مالي أراك معرضا ؟ ألست تعلم أني أحق بهذا الامر من ابن عمك ؟ قال: لم ؟ لانه كان مسلما وكنت كافرا ؟ قال: لا، ولكني ابن عم عثمان. قال: فابن عمي خير من ابن عمك. قال: إن عثمان قتل مظلوما. قال: وعندهما ابن عمر فقال ابن عباس: فان هذا والله أحق بالامر منك. فقال معاوية: إن عمر قتله كافر وعثمان قتله مسلم. فقال ابن عباس: ذاك والله أدحض لحجتك. مستدرك الحاكم 3: 467.

قال الاميني: إن هذه الكلم لتعطي القارئ دروسا ضافية من تحري معاوية للخلافة لا غيرها من أول يومه، ولم يكن في وسع ابن آكلة الاكباد دفع شيئ مما كتب اليه من ذلك، وانه كان يريد على فرض قصوره النيل لكل الامنية القناعة ببعضها، فيصفو له ملك الشام ومصر، وللامام عليه السلام ما تحت يده من الحواضر الاسلامية وزرافات الاجناد، عسى أن يتخذ ذلك وسيلة للتوصل إلى بقية الامل في مستقبل أيامه، وكانت هذه القسمة ابتداعا في أمر الخلافة الاسلامية، وتفريقا بين صفوفها، لم تأل إلى سابقة في الدين، ولا أمضاها أهله في دور من الادوار، وانما هي فصمة في الجماعة، وتفريق للطاعة، وتفكيك لعرى الاسلام، وتضعيف لقواه، وبيعة عامة تلزم القاصي والداني لا يستثنى منها جيل دون جيل، ولا يجوز إنحياز امة عنها دون امة، وإنما هو الخليفة الاخير الذي أوجبت الشريعة قتله كما مر حديثه الصحيح الثابت،

 

 

/ ص 327 /

 

وانه هو معاوية نفسه، فما كان يسع الامام عليه السلام والحالة هذه إلا قتال هذا الطاغية أو يفئ إلى أمر الله.

 

- فكرة معاوية لها قدم :

إن رأي معاوية في خلافة الامام عليه السلام لم يكن وليد يومه ولا بنت ليلته، وإنما كان مناوئا منذ فرق بينهما الاسلام، وقتل في يوم واحد أخوه وجده وخاله بسيف علي عليه السلام، فلم يزل يلهج ويهملج في تفخيذ الناس عنه صلوات الله عليه من يوم قتل عثمان، بعث رجلا من بني عميس وكتب معه كتابا إلى الزبير بن العوام، وفيه:

بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان. سلام عليك. أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام، فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الحلب (1) فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، فإنه لا شيئ بعد هذين المصرين، قد بايعت لطلحة بن عبيد الله من بعدك، فأظهر الطلب بدم عثمان، وادعو الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله، وخذل مناوئكما.

فسر الزبير بهذا الكتاب، وأعلم به طلحة، ولم يشكا في النصح لهما من قبل معاوية، وأجمعا عند ذلك على خلاف علي عليه السلام. شرح ابن ابي الحديد 1: 77.

قال الاميني: انظر إلى دين الرجل وورعه يستسيغ أن يخاطب الزبير بامرة المؤمنين لمحض حسبانه انه بايع له أجلاف أهل الشام، ولا يقول بها لامير المؤمنين حقا علي عليه السلام وقد تمت له بيعة المسلمين جمعاء وفي مقدمهم الزبير نفسه وطلحة بن عبيد الله الذي حاباه معاوية ولاية العهد بعد صاحبه، فغرهما على نكث البيعة فذاقا وبال أمرهما، وكان عاقبتهما خسرا.

وأنت ترى أن الطلب بدم عثمان قنطرة النزاع في الملك، ووسيلة النيل إلى الاماني من الخلافة الباطلة، أوحاه معاوية إلى الرجلين، وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   استوسق: اجتمع. الحلب: اللبن المحلوب.

 

 

/ ص 328 /

 

ويدعوا الرجل لمناوئي علي عليه السلام بالظفر وعليه عليه السلام بالخذلان، والصادع الكريم يقول في الصحيح المتفق عليه: أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.

وكتب إلى الزبير ايضا:

أما بعد: فانك الزبير بن العوام، إبن أبي خديجة (1)، وابن عمة (2) رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وسلفه (3) وصهر أبي بكر، وفارس المسلمين، وأنت الباذل في الله مهجته بمكة عند صيحة الشيطان، بعثك المنبعث: فخرجت كالثعبان المنسلخ بالسيف المنصلت، تخبط خبط الجمل الرديع، كل ذلك قوة ايمان وصدق يقين، وسبقت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم البشارة بالجنة، وجعلك عمر أحد المستخلفين على الامة.

واعلم يا أبا عبدالله: أن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة لغيبة الراعي، فسارع  (رحمك الله) إلى حقن الدماء: ولم الشعث، وجمع الكلمة، وصلاح ذات البين، قبل تفاقم الامر، وانتشار الامة، فقد أصبح الناس على شفا جرف هار، عما قليل ينهار إن لم ير أب، فشمر لتأليف الامة، وابتغ إلى ربك سبيلا، فقد أحكمت الامر من قبلي لك ولصاحبك على أن الامر للمقدم، ثم لصاحبه من بعده، جعلك الله من أئمة الهدى، وبغاة الخير والتقوى، والسلام.

ألا مسائل ابن هند عن قوله: إن الرعية أصبحت كالغنم المتفرقة. إلخ. لماذا أصبحت ؟ ومتى أصبحت ؟ وكيف أصبحت ؟ وراعيها الذي يرقبها ويرقب كل صالح لها ويشمر على درأ كل معرة عنها هو صنو رسول الله ونفسه الامام المنصوص عليه، وقد اجمعت الامة على بيعته لولا ان معاوية يكدر الصفو، ويقلق السلام، ويفرق الكلمة بدسائسه وتسويلاته، فمثله كما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كمثل الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الاسلام،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) خويلد أبوخديجة زوج الرسول (ص) جد الزبير بن العوام بن خويلد.

(2) ام الزبير هي صفية بنت عبدالمطلب عمة رسول الله.

(3) السلف: زوج اخت امرأته. تزوج الزبير أسماء بنت ابى بكر، وتزوج رسول الله اختها عايشه.

 

 

/ ص 329 /

 

وكتب إلى طلحة:

أما بعد: فإنك أقل قريش في قريش وترا، مع صباحة وجهك، وسماحة كفك، وفصاحة لسانك، فأنت بإزاء من تقدمك في السابقة، وخامس المبشرين بالجنة، و لك يوم احد وشرفه وفضله، فسارع - رحمك الله - إلى ما تقلدك الرعية من أمرها، مما لا يسعك التخلف عنه، ولا يرضى الله منك إلا بالقيام به، فقد أحكمت لك الامر قبلي، والزبير فغير متقدم عليك بفضل، وأيكما قدم صاحبه فالمقدم الامام، والامر من بعده للمقدم له، سلك الله بك قصد المهتدين، ووهب لك رشد الموفقين، والسلام.

قال الاميني: لمسائل هاهنا أن يحفي لمعاوية السؤال عن أن ما تبجح به للزبير و طلحة من الفضائل التي استحقا بها الخلافة هل كان علي عليه السلام خلوا منها ؟ يذكر لهما البشارة بالجنة، وان زبيرا أحد اولئك المبشرين، وأن طلحة خامسهم، فهلا كان علي عليه السلام عاشرهم ؟ فلماذا سلخها عنه، وحثهما بالمبادرة إليها حتى لا يسبقهما إليها إبن أبي طالب ؟  ؟  وإن كان تلكم البشارة - المزعومة - بمجردها كافية في إثبات الجدارة للخلافة ؟ فلماذا أخرج عنها سعد بن أبي وقاص ؟ وهو أحد القوم المبشرين وكان يومئذ حيا يرزق، و لعل طمعه فيهما كان آكد، فحلب حلبا له شطره.

والاعجب قوله لطلحة: فأنت بإزاء من تقدمك في السابقة. فهلا كان أمير المؤمنين أول السابقين وأولاهم بالمئاثر كلها ؟ وهلا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله: السباق ثلاثة:

السابق إلى موسى يوشع. وصاحب ياسين إلى عيسى. والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب ؟ (1).

وهلا صح عند امة محمد صلى الله عليه وآله ان عليا أول من آمن بالله، وصدق نبيه صلى الله عليه وآله وصلى معه، وجاهد في سبيله ؟

وإن كان لطلحة يوم احد وشرفه وفضله فلعلي عليه السلام مغازي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كلها من بدر واحد وخيبر والاحزاب وحنين ويوم حمراء الاسد (2) هب أن معاوية كان في اذنه وقر من شركه لم يسمع نداء جبريل ورضوان يوم ناديا:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثانى: 306 ط ثانى.

(2) راجع ما مر في الجزء السابع ص 202 - 206.

 

 

/ ص 330 /

 

لا فتـــــى إلا عـــــلــــــــي * لا سيف إلا ذو الفقار (1)

فهل كان في بصره عمى كبصيرته لا يبصر نضال علي ونزاله في تلكم المعارك الدامية ؟

نعم: معاوية لا يرى مواقف علي عليه السلام فضلا وشرفا لانه هو الذي أثكل امهات بيته، و ضرب أقذلة أخيه وجده وخاله وأبناء بيته الساقط بسيفه البتار، وإلى هذا يومي قوله لطلحة: فإنك أقل قريش في قريش وترا.

ومن كتاب له إلى مروان:

فإذا قرأت كتابى هذا فكن كالفهد، لا يصطاد إلا غيلة، ولا يتشازر إلا عن حلية، وكالثعلب لا يفلت إلا روغانا، واخف نفسك منهم أخفاء القنفذ رأسه عند لمس الاكف، وامتهن (2) نفسك امتهان من ييأس القوم من نصره وانتصاره، وابحث عن امورهم بحث الدجاجة عن حب الدخن عند فقاسها (3) وأنغل (4) الحجاز، فإني منغل الشام، والسلام.

قال الاميني: هذه شنشنة معاوية منذ بلغه أمر الامام عليه السلام وانعقاد البيعة له، فوجد نفسه عند الامة في معزل عن المشورة أو اعتضاد في رأي، وأن البيعة لاحقته لا محالة، فلم يجد منتدحا عن إقلاق الامر على صاحب البيعة الحقة، وأن يستدني منه أمانيه الخلابة بتعكير الصفو له عليه السلام فطفق يفسد ما اطمأن إليه من الامصار، ويوعز في كتبه إلى إفساد الرأي، وتفريق الكلمة، وهو ضالته المنشودة.

وإن تعجب فعجب أخذه البيعة لطلحة والزبير واحدا بعد آخر وقد ثبت في أعناقهما بيعة الامام عليه السلام، وكانت هذه البيعة ابان ثبوت بيعتهما كما ينم عنه نص كتبه إليهما، ثم ومن هو معاوية حتى يرشح أحدا للخلافة بعد انعقاد الاجماع لخليفة الحق ؟ ولم يكن هو من أهل الترشيح لو لم تنعقد البيعة المذكورة.

على أن الغبي لم يهتد إلى أن أخذ البيعة لهما مستلزم لنكثهما عن البيعة الاولى وما غناء إمام ناكث عن مناجح الامة ومصالحها، مع انهما على تقدير صحة البيعة يكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر الجزء الثانى ص 55.

(2) امتهنه: احتقره وابتذله.

(3) فقس الطائر بيضه. كسرها وأخرج ما فيها.

(4) نغل الاديم كفرح: فسد في الدباغ. أنغله: أفسده.

 

 

/ ص 331 /

 

 كل منهما ثاني الخليفتين الذي يجب قتله بالنصوص الصحيحة الثابتة (1) فهل هناك خليفة على المسلمين يجب إعدامه ؟.

 

- مناظرات وكلم :

1 - قال أبوعمر في الاستيعاب (2) كان عبدالرحمن بن غنم - الصحابي - من أفقه أهل الشام وهو الذي فقه عامة التابعين بالشام، وكانت له جلالة وقدر، وهو الذي عاتب أبا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذا انصرفا من عند علي رضي الله عنه رسولين لمعاوية، وكان مما قال لهما: عجبا منكما، كيف جاز عليكما ما جئتما به، تدعوان عليا إلى أن يجعلها شورى، وقد علمتما انه قد بايعه المهاجرون والانصار وأهل الحجاز والعراق، وإن من رضيه خير ممن كرهه، ومن بايعه خير ممن لم يبايعه ؟ وأي مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة ؟ وهو أبوه من رؤس الاحزاب. فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه رحمة الله عليهم.

2 - خرج رجل من أهل الشام - يوم صفين - ينادي بين الصفين: يا أبا الحسن  يا على أبرز إلي. فخرج إليه علي حتى إذا اختلف أعناق دابتهما بين الصفين فقال: يا علي إن لك قدما في الاسلام وهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء، وتأخير هذه الحروب حتى ترى من رأيك ؟ فقال له علي: وماذاك ؟ قال: ترجع إلى عراقك، فنخلي بينك وبين العراق، ونرجع إلى شامنا فتخلي بيننا وبين شامنا. فقال له علي: لقد عرفت إنما عرضت هذا نصيحة وشفقة، ولقد أهمني هذا الامر وأسهرني، وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم، إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الارض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن

المنكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الاغلال في جهنم. (3)

3 - قال عتبة بن أبي سفيان لجعدة بن هبيرة: يا جعدة  إنا والله ما نزعم ان معاوية أحق بالخلافة من علي لولا أمره في عثمان، ولكن معاوية أحق بالشام، لرضا أهلها به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ترجمة عبدالرحمن بن غنم الاشعرى ج 2: 402، اسد الغابة 3: 318.

(2) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 542، شرح ابن ابى الحديد 1: 183.

(3) راجع ما مر في هذا الجزء.

 

 

/ ص 332 /

 

فاعفوا لنا عنها، فوالله ما بالشام رجل به طرق إلا وهو أجد من معاوية في القتال، ولا بالعراق من له مثل جد علي في الحرب، ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم، وما أقبح بعلي أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب.

فقال جعدة: أما فضل علي على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه إثنان، وأما رضاكم اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس فلم نقبل، وأما قولك: انه ليس بالشام من رجل إلا وهو أجد من معاوية، وليس بالعراق لرجل مثل جد علي، فهكذا ينبغي أن يكون، مضى بعلي يقينه، وقصر بمعاوية شكه، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل.

ألحديث. كتاب صفين ص 529 ط مصر، شرح ابن أبي الحديد 2: 301.

4 - من خطبة لعبد الله بن بديل الخزاعي يوم صفين: إن معاوية ادعى ما ليس له، ونازع الامر أهله، ومن ليس مثله، وجادل بالباطل ليدحض به الحق، وصال عليكم بالاعراب والاحزاب، وزين لهم الضلالة، وزرع في قلوبهم حب الفتنة، ولبس عليهم الامر، وزادهم رجسا إلى رجسهم.

تاريخ الطبري 6: 9، كتاب صفين لابن مزاحم ص 263، كامل ابن الاثير 3: 128، شرح ابن أبي الحديد 1: 483.

5 - من كلمة لعبدالله أيضا يخاطب بها أمير المؤمنين عليه السلام:

يا أمير المؤمنين  إن القوم لو كانوا الله يريدون، أو لله يعملون، ما خالفونا، ولكن القوم إنما يقاتلون فرارا من الاسوة، وحبا للاثرة، وضنا بسلطانهم، وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحن في أنفسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم، لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين  بهم قديمة، قتلت فيها آباء‌هم وإخوانهم.

ثم التفت إلى الناس فقال: كيف يبايع معاوية عليا وقد قتل أخاه حنظلة، وخاله الوليد، وجده عتبة في موقف واحد ؟ والله ما أظن أن يفعلوا.

6 - من خطبة ليزيد بن قيس الارحبي بصفين: إن هؤلاء القوم ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا على إحياء حق رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلا لهذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة وملوكا. إلى آخر ما مر في ص 59.

7 - من كتاب لسعد بن أبي وقاص إلى معاوية:

 

 

/ ص 333 /

 

أما بعد: فإن أهل الشورى ليس منهم أحد أحق بها من صاحبه، غير أن عليا كان من السابقة، ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقنا كلنا بالخلافة، ولكن مقادير الله تعالى التي صرفتها عنه حيث شاء لعلمه وقدره، وقد علمنا انه أحق بها منا، ولكن لم يكن بد من الكلام في ذلك والتشاجر، فدع ذا وأما أمرك يا معاوية  فإنه أمر كرهنا أوله وآخره، وأما طلحة، والزبير فلو لزما بيعتهما لكان خيرا لهما، والله تعالى يغفر لعائشة ام المؤمنين " الامامة والسياسة 1: 86 ".

8 - من كتاب لمحمد بن مسلمة إلى معاوية:

ولعمري يا معاوية  ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى، ولئن كنت نصرت عثمان ميتا، لقد خذلته حيا، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والانصار أولى بالصواب.

إلامامة والسياسة 1: 87.

إلى كتابات وخطابات لجمع من صلحاء السلف يجدها الباحث مبثوثة في فصول هذا الجزء من كتابنا.

قال الاميني: هذه كلمات تامات ممن كانوا يرون معاوية ويشهدون أعماله، وقد عرفوا نفسياته ومغازيه منذ عرفوه وثنيا ومستسلما حتى وقفوا عليه من كثب، وقد تعالى به الوقت بل تسافل حتى طفق يطمع مثله في الخلافة الاسلامية، وبينهما ذاك البون الشاسع، وخلال الفضل التي تخلى عنها، والملكات الرذيلة الذي حاز شية عارها والبرهنة الناصعة التي أكفأته عنها بخفي حنين، وهؤلاء وإن اختلفت كلماتهم لكنها ترمي إلى مغزى واحد من عدم كفائة الطاغية لما يرومه من إمرة المسلمين، أو ما يتحراه من حكومة الشام خلافة مختذلة عن الخلافة الاسلامية الكبرى المنعقدة لاهلها يومئذ أو انه لا يتحرى إلا إمرة مغتصبة وما لها من مفعول أثرة وثراء، أو انه منبعث عن ضغائن وإحن مما أصاب أهله وذويه من الامام عليه السلام فقتلو تقتيلا تحت راية الاوثان وظهر أمر الله وهم كارهون.

ولم يكن لمعاوية وأصحابه مرمى غير الاسفاف إلى هذه الهوات السحيقة مما خفي على هؤلاء الحضور، واستكشفه من بعدهم المهملجون وراء الحزب السفياني، الحاملون ولاء ذلك البيت الساقط، وأنت ترى انه لا يقام في سوق الدين لشيئ منها أى قيمة، ولا

 

 

/ ص 334 /

 

 تكون لها أي عبرة، فدحضا لدعوة الباطل، وسحقا لشره الاستعباد.

وكان ابن هند الجاهل بنفسه - والانسان على نفسه بصيرة - برى نفسه أحق بالخلافة من عمر كما جاء في ما أخرجه البخاري في صحيحه (1) عن عبدالله بن عمر قال:

دخلت على حفصة ونسوانها تنطف قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين فلم يجعل لي من الامر شيئ. فقالت: إلحق فإنهم ينتظرونك وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب. فلما تفرق الناس خطب معاوية (2) قال: من يريد أن يتكلم في هذا الامر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال خبيب بن مسلمة فهلا أجبته ؟ قال عبدالله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول: أحق بهذا الامر منك من قاتلك وأباك على الاسلام. فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال خبيب: حفظت وعصمت ؟

أين كان ابن عمر عن هذه العقلية التي حفظ بها وعصم يوم تقاعس عن بيعة أمير المؤمنين الامام الحق بعد اجماع الامة المسلمة عليها، ولم يخش أن يقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ؟ ففرق الجمع، وشق عصا المسلمين، وسفكت دماء زكية، والله من ورائهم حسيب.

ولم تكن الخلافة فحسب هي قصوى الغاية المتوخاة لمعاوية بل ينبأنا التاريخ عن انه لم يك يتحاشا عن أن يعرفه الناس بالرسالة ويقبلونه نبيا بعد نبي العظمة، روى ابن جرير الطبري بالاسناد: ان عمرو بن العاص اوفد إلى معاوية ومعه أهل مصر فقال لهم عمرو: انظروا إذا دخلتم على ابن هند فلا سلموا عليه بالخلافة فانه أعظم لكم في عينه، وصغروه ما استطعتم، فلما قدموا عليه قال معاوية لحجابه: اني كأني أعرف ابن النابغة وقد صغر امري عند القوم فانظروا إذا دخل الوفد فتعتعوهم أشد تعتعة تقدرون عليها، فلا يبلغني رجل منهم الا وقد همته نفسه بالتلف، فكان أول من دخل عليه رجل من أهل مصر يقال له: ابن الخياط. فدخل وقد تعتع فقال: السلام عليك يا رسول الله 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في كتاب المغازى، باب غزوة الخندق ج 6: 141.

(2) قال ابن الجوزى: كان هذا في زمن معاوية لما أراد أن يجعل ابنه يزيد ولى عهده. راجع

فتح البارى 7: 323.

 

 

/ ص 335 /

 

فتتابع القوم على ذلك، فلما خرجوا قال لهم عمرو: لعنكم الله نهيتكم أن تسلموا عليه بالامارة فسلمتم عليه بالنبوة. (1)

ولعل هذه الواقعة هي بذرة تلك النزعة الفاسدة التي كانت عند جمع ممن تولى معاوية بعد وفاته. قال شمس الدين النياء المقدسي (2) في كتاب " احسن التقاسيم في معرفة الاقالم " ص 399: وفي أهل اصفهان بله وغلو في معاوية ووصف لي رجل بالزهد والتعبد فقصدته وتركت القافلة خلفي وبت عنده تلك الليلة وجعلت اسائله إلى أن قلت: ما قولك في (الصاحب) (3) فجعل يلعنه ثم قال: إنه أتانا بمذهب لا نعرفه. قلت وما هو ؟

قال: يقول: معاوية لم يكن مرسلا: قلت: وما تقول انت ؟ قال: أقول كما قال الله عزوجل: لا نفرق بين أحد من رسله، أبوبكر كان مرسلا، وعمر كان مرسلا، حتى ذكر الاربعة ثم قال: ومعاوية كان مرسلا. قلت: لا تفعل، أما الاربعة فكانوا خلفاء ومعاوية كان ملكا، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الخلافة بعدي إلى ثلاثين سنة ثم تكون ملكا. فجعل يشنع علي وأصبح يقول للناس: هذا رجل رافضي فلو لم تدرك القافلة لبطشوا بي، ولهم في هذا الباب حكايات كثيرة.

هب ان القوم أخذت منهم الرهبة مأخذه فلم يلتفتوا إلى ما يقولون لكن هذا الذي يدعي الخلافة عن رسول الله بملكه العضوض هلا كان عليه أن يردعهم عن ذلك التسليم المحظور ؟ أو يسكن روعتهم فيرجعوا إلى حق المقام لولا ان معاوية لم يكن له في مبوأه ذلك ضالة إلا الحصول أعلى الملوكية الغاشمة باسم الخلافة المغتصبة ؟ لانه لا يبلغ امنيته إلا بها فلا يبالي أسلم عليه بالربوبية أو الرسالة أو إمرة المؤمنين وقد حاول ارغام ابن النابغة فيما توسمه منه في مقتبله ذلك، فبلغ ما أراد فحالت نشوة الغلبة بينه وبين أن يجعل لامره الامر أو إمرته الخرقاء صورة محفوظة.

يأنس ابن هند بذلك الخطاب الباطل، ولم يشنع على من يسلم عليه بالرسالة، غير انه لم يرقه أن يذكر نبي الاسلام بالرسالة، ويزريه بذكر اسمه وهو يعلم أن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تاريخ الطبرى 6: 184، تاريخ ابن كثير 8: 140.

(2) ابو عبدالله محمد بن أحمد الشامى المولود سنة 336، والمتوفى نحو 380.

(3) هو الوزير الشيعى الوحيد الصاحب بن عباد المترجم له في الجزء الرابع ص 42 ط 2.

 

 

/ ص 336 /

 

العظمة لا تفارقه، والرسالة تلازمه، ذكر الحفاظ من محاورة جرت بين معاوية وبين أمد بن أبد الحضرمي (1) ان معاوية قال: أرأيت هاشما ؟ قال: نعم والله طوالا حسن الوجه يقال: ان بين عينيه بركة. قال: فهل رأيت امية ؟ قال نعم رأيته رجلا قصيرا أعمى يقال: إن في وجهه شرا أو شؤما. قال: أفرأيت محمدا ؟ قال: ومن محمد ؟ قال: رسول الله. قال: أفلا فخمت كما فخمه الله فقلت رسول الله ؟ (2)

 

التحكيم لماذا ؟

إن آخر بذرة بذرها ابن النابغة لخلافة معاوية المرومة منذ بدء الامر، وإن تستر بها آونة على الاغبياء، وتترس بطلب دم عثمان دون نيل الامنية بين القوم آونة اخرى حين سولت له نفسه أن يستحوذ على إمرة المسلمين بالدسائس، فأول تلكم البذرة أو القنطرة الاولى الطلب بدم عثمان، وفي آخر الحيل الدعوة إلى تحكيم كتاب الله واستقضائه في الواقعة بعد ما نبذوه وراء ظهورهم، وكان مولانا امير المؤمنين عليه السلام يدعوهم - منذ أول ظهور الخلاف بينه وبين ابن هند، ومنذ نشوب الحرب الطاحنة - (3) إلى التحكيم الصحيح الذي لا يعد ومحكمات القرآن ونصوصه، لولا أن ابن النابغة وصاحبه يسيران على الامة غدرا ومكرا، وعلى إمام الحق خيانة وظلما، غير ما يتظاهران به من تحكيم الكتاب فوقع هنالك ما وقع من لوائح الفتنة، ومظاهر العدوان، بين دهاء ابن العاصي وحمارية الاشعري، بين قول أبي موسى لابن العاصي: لا وفقك الله غدرت وفجرت، (4) انما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وبين قول ابن العاصي لابي موسى: وإنك مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا (5) فوئد الحق، واودي بالحقيقة، بين شيطان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) احد المعمرين قد اتى عليه من السن يوم استقدمه معاوية ستون وثلثمائة سنة ترجمه ابن عساكر في تاريخ الشام، ومترجمو الصحابة، في معاجمهم.

(2) تاريخ ابن عساكر 3: 103، اسد الغابة 1: 115.

(3) راجع ما أسلفناه في هذا الجزء صفحة 276.

(4) وفي لفظ ابن قتيبة: مالك ؟ عليك لعنة الله، ما انت الا كمثل الكلب.

وفي لفظ ابن عبد ربه: لعنك الله، فان مثلك كمثل الكلب.

(5) الامامة والسياسة 1: 115، كتاب صفين ص 628 ط مصر، العقد الفريد 2: 291، تاريخ الطبرى 6: 40، مروج الذهب 2: 22، كامل الاثير 3: 144، شرح ابن ابى الحديد  1: 198.

 

 

/ ص 337 /

 

وغبي، فكان من المتسالم عليه بين الفريقين  إن الخلافة هي المتوخاة لكل منهما، ولذلك انعقد التحكيم، وبه كان يلهج خطباء العراق وامرائهم عند النصح للاشعري، وزبانية الشام المنحازة عن ضوء الحق، وبلج الاصلاح. فمن قول ابن عباس للاشعري:

انه قد ضم إليك داهية العرب: وليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة، فإن تقذف بحقك على باطله تدرك حاجتك منه، وإن يطمع باطله في حقك يدرك حاجته منك، واعلم يا أبا موسى  أن معاوية طليق الاسلام، وإن أباه رأس الاحزاب، وأنه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة، فإن زعم لك أن عمر وعثمان إستعملاه فلقد صدق، استعمله عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب يحميه ما يشتهي، ويوجره (1) ما يكره ثم استعمله عثمان برأي عمر، وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة، واعلم: أن لعمرو مع كل شيئ يسرك خبا يسوء‌ك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدى، وانه لم يقاتل إلا العاصين والناكثين. (شرح ابن ابي الحديد 1: 195)

ومن قول الاحنف بن قيس له: ادع القوم إلى طاعة علي. فإن أبوا فادعهم أن يختار أهل الشام من قريش العراق من أحبوا، ويختار من قريش الشام من أحبوا. (2)

ومن قول شريح بن هانئ للاشعري: إنه لا بقاء لاهل العراق إن ملكهم معاوية، ولا بأس على أهل الشام إن ملكهم علي، فانظر في ذلك نظر من يعرف هذا الامر حقا، وقد كانت منك تثبيطة أيام الكوفة والجمل، فإن تشفعها بمثلها يكن الظن بك يقينا، والرجاء منك يأسا، ثم قال:

أبــــــا موسى رميت بشـــــر خـــصم * فـــــلا تضـــــع العـــراق فدتك نفسي

واعـــــط الحـــــق شامهـــــم وخــذه * فـــــإن اليـــــوم فـــــي مهــــل كأمس

وإن غـــــدا يجـــــئ بمـــــا عليـــــه * كـــــذاك الدهـــــر مـــــن سعد ونحس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وجره الدواء أو جره اياه: جعله في فيه. أوجره الرمح، طعنه. ووجره: أسمعه ما يكره.

(2) الامامة والسياسة 1: 99، وفي ط 112، نهاية الارب 7: 239، شرح ابن ابي الحديد 1: 196.

 

 

/ ص 338 /

 

ولا يخدعـــــك عمـــــرو إن عمـــــرا * عـــــدو الله مطـــــلـــــع كـــل شمس

له خـــــدع يحـــــار العقـــــل منــــها * مموهـــــة مزخـــــرفـــــة بلبــــــــس

فـــــلا تجعـــــل معـــــاوية بـن حرب * كشيـــــخ فـــــي الحوادث غير نكس

هـــــداه الله للاســـــلام فـــــــــــــردا * سوى عرس النبي، وأي عرس؟(1)

ومن قول معاوية لعمرو بن العاص: إن خوفك العراق فخوفه بالشام، وإن خوفك مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية.

ومن جواب عمرو بن العاص لمعاوية: أرأيت إن ذكر عليا وجاء‌نا بالاسلام والهجرة واجتماع الناس عليه، ما أقول ؟

فقال معاوية: قال ما تريد وترى.(الامامة والسياسة 1: 99، وفي ط 113).

قال الاميني: هذه صفة الحال، ومصاص الحقيقة، ومن نوايا أهل العراق وأهل الشام من طلب كل منهما الخلافة، وإثباتها لصاحبه، ودونه تحقق الخلع والتثبيت، وعليه وقع التحكيم حقا أو باطلا، ولم يكن السامع يجد هنالك قط من دم عثمان ركزا، ولا عن ثاراته ذكرا، وإنما تطامنت النفوس على تحري الخلافة فحسب، و لقصر النزاع على الخلافة محيت إمرة المؤمنين عند ذكر اسم مولانا الامام عليه السلام عن صحيفة الصلح.

فلقد تمخضت لك صورة الواقع من امنية معاوية الباطلة في كل من هذه العناوين الستة المذكورة المدرجة تحت:

1 - حديث الوفود.

2 - أنباء في طيات الكتب.

3 - تصريح لا تلويح.

4 - فكرة معاوية لها قدم.

5 - مناظرات وكلم.

6 - ألتحكيم لماذا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الامامة والسياسة 1: 99، وفي ط 113، كتاب صفين 614، 615 ط مصر، شرح ابن أبي الحديد 1: 195.

 

 

/ ص 339 /

 

فأين يقع منها كلمة ابن حجر وحكمه البات بقصر النزاع بين الامام عليه السلام وبين ابن هند على طلب ثارات عثمان لا الخلافة ؟ لتبرير عمل الرجل الوبيل الذي قتل به ما يناهز السبعين ألفا ضحية لشهواته ومطامعه، وهو يحسب انه لا يوافيه مناقش في الحساب، أو ناظر إلى صفحات التاريخ نظر تنقيب وإمعان، وكأنه لا يخجل إن جاثاه منقب، أو واقفه مجادل، كما أنه لا يتحاشى عن موقف الحساب يوم القيامة، وان الله سبحانه لبالمرصاد.

ونختم البحث بكلمة الباقلاني، قال في " التمهيد " ص 231: إن عقد الامامة لرجل على أن يقتل الجماعة بالواحد لا محالة خطأ لا يجوز، لانه متعبد في ذلك باجتهاده والعمل على رأيه، وقد يؤدي الامام اجتهاده إلى أن لا يقتل الجماعة بالواحد، وذلك رأي كثير من الفقهاء، وقد يكون ممن يرى ذلك، ثم يرجع عنه إلى اجتهاد ثان، فعقد الامر له على ألا يقيم الحد إلا على مذهب من مذاهب المسلمين مخصوص فاسد باطل ممن عقده ورضي به.

وعلى أنه إذا ثبت أن عليا ممن يرى قتل الجماعة بالواحد، لم يجز أن يقتل جميع قتلة عثمان إلا بأن تقوم البينة على القتلة بأعيانهم، وبأن يحضر أولياء الدم مجلسه يطالبوا بدم أبيهم ووليهم، ولا يكونوا في حكم من يعتقد انهم بغاة عليه، وممن لا يجب استخراج حق لهم، دون أن يدخلوا في الطاعة، ويرجعوا عن البغي وبأن يؤدي الامام اجتهاده إلى أن قتل قتلة عثمان لا يؤدي إلى هرج عظيم، وفساد شديد، قد يكون فيه مثل قتل عثمان أو أعظم منه، وإن تأخير إقامة الحد إلى وقت إمكانه، وتقصي الحق فيه، أولى وأصلح للامة، وألم لشعثهم، وأنفى للفساد والتهمة عنهم.

هذه امور كلها تلزم الامام في إقامة الحدود، واستخراج الحقوق، وليس لاحد أن يعقد الامامة لرجل من المسلمين بشريطة تعجيل إقامة حد من حدود الله، والعمل فيه برأي الرعية، ولا للمعقود له أن يدخل في الامامة بهذا الشرط، فوجب اطراح هذه الرواية (1) لو صحت، ولو كانا قد بايعا على هذه الشريطة فقبل هو ذلك لكان هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعنى ما روى عن طلحة والزبير من قولهم: بايعناك على أن تقتل قتلة عثمان.