فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 / ص 340 /

 

خطأ منهم، غير انه لم يكن بقادح في صحة امامته، لان العقد له قد تقدم هذا العقد الثاني، وهذه الشريطة لا معتبر بها، لان الغلط في هذا من الامام الثابتة امامته ليس بفسق يوجب خلعه وسقوط فرض طاعته عند أحد. ألكلام.

 

- حجج داحضة :

إسترسل ابن حجر في تدعيم ما منته به هواجسه إقتصاصا منه أثر سلفه في تبرير أعمال معاوية القاسية، والاعتذار عنه بما ركبه من الموبقات، وتصحيح خلافته باسهاب في القول وتطويل من غير طائل في الصواعق ص 129 - 131 بما تنتهي خلاصة ما لفقه إلى أمرين: أحدهما القول باجتهاده في جملة ما ناء به وباء بإثمه من حروب دامية و نزاع مع خليفة الوقت، إلى ما يستتبعانه من مخاريق ومرديات من إزهاق نفوس بريئة تعد بالآلاف المؤلفة (1) وفيهم ثلاثمائة ونيف من أهل بيعة الشجرة، وجماعة من البدريين (2) ولفيف من المهاجرين والانصار، وعدد لا يستهان به من الصحابة العدول أو التابعين لهم باحسان، وهو يحسب ان شيئا من هذه التلفيقات يبرر ما حظرته الشريعة في نصوصها الجلية من الكتاب والسنة، وان الاجتهاد المزعوم نسق حول معاوية سياجا دون أن يلحقه أي حوب كبير، وأسدل عليه ستارا عما اقترفه من ذنوب وآثام تجاه النصوص النبوية، ولم يعلم انه لا قيمة لاجتهاد هذا شأنه يتجهم أمام النص، ويتهجم على أحكام الدين الباتة وطقوسه النهائية، بلغ الرجل أن الاجتهاد جائز على الضد من اجتهاد المجتهدين وما تعقل انه غير جائز على خلاف الله ورسوله.

وقصارى القول انه ليس عند ابن حجر ومن سبقه إلى قوله أو لحقه به (3) ضابط للاجتهاد يتم طرده وعكسه، وإنما يمطط مع الشهوات والاهواء، فيعذربه خالد بن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن مزاحم: اصيب بصفين من اهل الشام خمسة وأربعون ألفا، واصيب بها من أهل العراق خمسة وعشرون ألفا. كتاب صفين ص 643، وذكره ابن كثير في تاريخه 7: 274 وقال: قاله غير واحد، وزاد أبوالحسن بن البراء: وكان في أهل العراق خمسة وعشرون بدريا. وعلى ما ذكر من عدد القتلى ذكره ابن الشحنة في روضة المناظر هامش الكامل 3: 191، وصاحب تاريخ الخميس في ج 2: 277.

(2) راجع ما مر في الجزء التاسع ص 359 ط 1.

(3) نظراء الشيخ على القارى، والخفاجى في شرحى الشفا 3: 166.

 

 

/ ص 341 /

 

الوليد في فجائع بني حنيفة ومالك بن نويرة شيخها الصالح وزعيمها المبرور، وفضائحه من قتل الابرياء والدخول على حليلة الموئود غيلة وخدعة. (1)

ويعذر به إبن ملجم (2) المرادي أشقى الآخرين بنص الرسول الامين صلى الله عليه وآله وسلم على ما انتهكه من حرمة الاسلام، وقتل خليفة الحق وإمام الهدى في محراب طاعة الله الذي اكتنفته الفضائل والفواضل من شتى نواحيه، واحتفت به النفسيات الكريمة جمعاء، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ما قاله من كثير طيب عداه الحصر، وكبى عنه الاستقصاء، و هو قبل هذه كلها نفس النبي الطاهرة في الذكر الحكيم.

قال محمد بن جرير الطبري في التهذيب: أهل السير لا تدافع عنهم ان عليا أمر بقتل قاتله قصاصا ونهى أن يمثل به، ولا خلاف بين أحد من الامة ان ابن ملجم قتل عليا متأولا مجتهدا مقدرا على انه على صواب وفي ذلك يقول عمروا بن حطان:

يا ضربـــــة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

اني افكـــــر فيـــــه ثــــم أحسبه * أوفـــــى البريــــة عند الله ميزانا

سنن البيهقي 8: 58، 59.

ويبرر به عمل أبي الغادية (3) الفزاري قاتل عمار الممدوح على لسان الله ولسان رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن الصحيح الثابت قوله صلى الله عليه وآله له: تقتلك الفئة الباغية. وقد مر في ج 9 ص 21 ويبرأ به ساحة عمرو بن العاصي (4) عن وصمة مكيدة التحكيم وقد خان فيها امة محمد صلى الله عليه وآله وكسر شوكتها وقد قال مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيه وفي صاحبه الشيخ المخرف:

ألا إن هذين الرجلين اللذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة، ولا سنة ماضية، واختلفا في حكمهما، وكلاهما لم يرشد، فبرئ الله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء السابع ص 156 - 168 ط 1.

(2) راجع الجزء الاول ص 323 ط 2.

(3) راجع الجزء الخامس ص 328 ط 2.

(4) راجع تاريخ ابن كثير 7: 283.

 

 

/ ص 342 /

 

منهما ورسوله وصالح المؤمنين.

ويحبذ به ما ارتكبه يزيد الطاغية (1) من البوائق والطامات من استئصال شأفة النبوة وقتل ذراريها، وسبى عقائلها، التى لم تبق للباحث عن صحيفة حياته السوداء إلا أن يلعنه ويتبرأ منه.

ويقدس به أذيال المتقاعدين (2) عن بيعة الامام أمير المؤمنين عليه السلام على حين اجتماع شروط البيعة الواجبة له، فماتوا ميتة جاهلية ولم يعرفوا إمام زمانهم.

وينزه به السابقون الذين أوعزنا إلى سقطاتهم في الدين والشريعة في الجزء 6، 7، 8، 9 بأعذار عنهم لا تقل في الشناعة عن جرائرهم. إلى أمثال هذه مما لا يحصى.

نعم: هناك موارد جمة ينبو عنها الاجتهاد، فلا يصاخ إلى مفعوله، لوقوف الميول والشهوات سدا دون ذلك، فلا يدرء به التهمة عن المؤلبين على عثمان وهم عدول الصحابة ووجوه المهاجرين والانصار، وأعيان المجتهدين، الذين أخذوا الكتاب والسنة من نفس رسول الله صلى الله عليه وآله، فهم عند ابن حزم المبرر لفتكة أشقى مراد باجتهاده المشوم:

فساق ملعونون محاربون سافكون دما حراما عمدا (3) وعند ابن تيمية: قوم خوارج مفسدون في الارض، لم يقتله إلا طائفة قليلة باغية ظالمة، وأما الساعون في قتله فكلهم مخطئون بل ظالمون باغون معتدون (4) وعند ابن كثير: أجلاف أخلاط من الناس، لا شك انهم من جملة المفسدين في الارض، بغاة خارجون على الامام، جهلة متعنتون خونة ظلمة مفترون (5) وعند ابن حجر: بغاة كاذبون ملعونون معترضون لا فهم لهم بل ولا عقل (6).

ولو كان للاجتهاد منتوج مقرر فلم لم يتبع في إرجاء أمير المؤمنين عليه السلام أمر المتهمين بقتل عثمان إلى ما يراه من المصلحة فينتصب للقضاء فيه على ما يقتضيه الكتاب والسنة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تاريخ ابن كثير 8: 223، ج 13: 10 فيه قول أبي الخير القزويني: انه امام مجتهد.

(2) راجع مستدرك الحاكم ج 3: 115 - 118.

(3) الفصل لابن حزم 4: 161.

(4) منهاج السنة 3: 189، 206.

(5) تاريخ ابن كثير 7: 176، 186، 187.

(6) الصواعق المحرقة ص 67، 68، 129.

 

 

/ ص 343 /

 

فشنّت عليه الغارات يوم الجمل وفي واقعة صفين وكان من ذيولها وقعه الحروريين، فلم يتبع اجتهاد خليفة الوقت الذي هو باب مدينة علم النبي، وأقضى الامة بنص من الصادق المصدق، لكنما اتبع اجتهاد عثمان في العفو عن عبيد الله بن عمر في قتله لهرمزان و بنت أبي لؤلؤة وإهدار ذلك الدم المحرم من غير أي حجة قاطعة أو برهنة صحيحة، فلو كان للخليفة مثل ذلك العفو فلم لم يجر حكمه في الآوين إلى مولانا أمير المؤمنين من المتجمهرين على عثمان ؟ ولم يكن يومئذ من المقطوع به ما سوف يقضي به الامام من حكمه البات، أيعطي دية المقتول من بيت المال لانه اودي به بين جمهرة المسلمين لا يعرف قاتله كما فعله في أربد الفزاري (1) أو أنه يراهم من المجتهدين " وكانوا كذلك " الذين تأولوا أصابوا أو أخطأوا، أو أنه كان يرى من صالح الخلافة واستقرار عروشها أن يرجئ أمرهم إلى ما وراء ما انتابه من المثلات، وما هنالك من إرجاف وتعكير يقلقان السلام والوئام، حتى يتمكن من الحصول على تدعيم عرش إمرته الحقة المشروعة، فعلى أي من هذه الاقضية الصحيحة كان ينوء الامام عليه السلام به فلا حرج عليه ولا تثريب، لكن سيف البغي الذي شهروه في وجهه أبى للقوم إلا أن يتبع الحق أهوائهم، وماذا نقموا عليه صلوات الله عليه من تلكم المحتملات  حتى يسوغ لهم إلقاح الحرب الزبون التي من جرائها تطايرت الرؤس، وتساقطت الايدي، وارهقت نفوس بريئة، واريقت دماء محترمة، فبأي اجتهاد بادروا إلى الفرقة، وتحملوا أوزارها، ولم تتجل لهم حقيقة الامر ولباب الحق، لكنهم ابتغوا الفتنة، وقلبوا له الامور، ألا في الفتنة سقطوا.

ومن أعجب ما يترائى من مفعول الاجتهاد في القرون الخالية: انه يبيح سب علي أمير المؤمنين عليه السلام وسب كل صحابي احتذى مثاله، ويجوز لاي أحد كيف شاء وأراد لعنهم، والوقيعة فيهم، والنيل منهم، في خطب الصلوات، والجمعات، والجماعات، و على صهوات المنابر، والقنوت بها، والاعلان بذلك في الاندية والمجتمعات، والخلا والملا، ولا يلحق لفاعلها ذم ولا تبعة، بل له أجر واحد لاجتهاده خطأ، وإن كان هو من حثالة الناس، وسفلة الاعراب، وبقايا الاحزاب، البعداء عن العلوم والمعارف.

وأما علي وشيعته فلا حق لهم في بيان ظلامتهم عند مناوئيهم، والوقيعة في خصمائهم،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع كتاب صفين ص 106، شرح ابن ابى الحديد 1: 279.

 

 

/ ص 344 /

 

ومبلغ إسفافهم إلى هوة الضلالة على حد قوله تعالى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم (1) وليس لاحدهم في الاجتهاد في ذلك كله نصيب، ولو كان ضليعا في العلوم كلها، فإن أحد منهم نال من إنسان من اولئك الظالمين فمن الحق ضربه وتأديبه، أو تعذيبه وإقصاء‌ه، أو التنكيل به وقتله، ولا يأبه باجتهاده المؤدي إلى ذلك صوابا أو خطأ، وعلى هذا عمل القوم منذ أول يوم اسس أساس الظلم والجور، وهلم جرا حتى اليوم الحاضر راجع معاجم السيرة والتاريخ فانها نعم الحكم الفصل، وبين يديك كلمة ابن حجر في الصواعق ص 132 قال في لعن معاوية: وأما ما يستبيحه بعض المبتدعة من سبه ولعنه فله فيه اسوة، أي اسوة بالشيخين وعثمان وأكثر الصحابة، فلا يلتفت لذلك، ولا يعول عليه، فانه لم يصدر إلا من قوم حمقى جهلاء أغبياء طغاة لا يبالي الله بهم في أي واد هلكوا، فلعنهم الله وخذ لهم، أقبح اللعنة والخذلان، وأقام على رؤسهم من سيوف اهل السنة، وفي حججهم المؤيدة بأوضح الدلائل والبرهان ما يقمعهم عن الخوض في تنقيص اولئك الائمة الاعيان. انتهى.

أتعلم من لعن ابن حجر ؟ وإلى من تتوجه هذه القوارص ؟ انظر إلى حديث لعن رسول الله صلى الله عليه وآله معاوية، وأحاديث لعن علي أمير المؤمنين، وقنوته بذلك في صلواته، و لعن ابن عباس وعمار ومحمد بن أبي بكر، ودعاء ام المؤمنين عائشة عليه في دبر الصلاة، و آخرين من الصحابة، إقرأوا حكم.

 

الاجتهاد ماذا هو ؟

ومما يجب أن يبحث عنه في المقام هو أن يفهم معنى الاجتهاد الذي توسعوا فيه حتى سفكت الدماء من أجله وابيحت، وغصبت الفروج وانتهكت المحارم، وغيرت الاحكام من جرائه، وكاد أن يكون توسعهم فيه أن يرد الشريعة بدء‌ا إلى عقب، ويفصم عروة الدين، ويقطع حبله.

ثم لننظر هل فيه من الاستعداد والمنة لتبديل السنن المتبعة التي لا تبديل لها ؟ وهل هو من منح الله سبحانه على رعاء الناس ودهمائهم، فيتقحمونه كيف شاء لهم الهوى ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة النساء: 148.

 

 

/  ص 345  /

 

أو أن له اصولا متبعة لا يعدوها المجتهد من كتاب وسنة، أو تأول صحيح إن ماشينا القوم في إمضاء الاجتهاد تجاه النص، أو انه اتسعت الفسحة فيه واطلق الصراح حتى نزى إليه كل إرنب، وثعلب، وتحراه كل بوال على عقبيه أو أعرابي جلف جاف ؟ أنا لا أكاد أن اسوغ للعلماء القول بتصحيح مثل هذا الاجتهاد. وإنما المتسالم عليه بينهم مايلي: قال الآمدي في (الاحكام في اصول الاحكام) 4: 218: أما الاجتهاد، فهو في اللغة عبارة عن استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الامور مستلزم للكلفة والمشقة، ولهذا يقال: إجتهد فلان في حمل حجر البزارة، ولا يقال: إجتهد في حمل خردلة.

وأما في اصطلاح الاصوليين فمخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيئ من الاحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.

وأما المجتهد فكل من اتصف بصفة الاجتهاد، وله شرطان: الشرط الاول: أن يعلم وجود الرب تعالى: وما يجب له من الصفات، ويستحقه من الكمالات، وانه واجب الوجود لذاته، حي، عالم، قادر، مريد، متكلم، حتى يتصور منه التكليف ؟ وأن يكون مصدقا بالرسول، وما جاء به من الشرع المنقول بما ظهر على يده من المعجزات، والآيات الباهرات، ليكون فيما يسنده اليه من الاحكام محققا، ولا يشترط أن يكون عارفا بدقائق علم الكلام، متبحرا فيه كالمشاهير من المتكلمين، بل أن يكون مستند علمه في ذلك بالدليل المفصل، بحيث يكون قادرا على تقريره وتحريره ودفع الشبه عنه، كالجاري من عادة الفحول من أهل الاصول، بل أن يكون عالما بأدلة هذه الامور من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل.

الشرط الثانى: أن يكون عالما عارفا بمدارك الاحكام الشرعية وأقسامها، وطرق إثباتها، ووجوه دلالاتها على مدلولاتها، واختلاف مراتبها، والشروط المعتبرة فيها، على ما بيناه، وأن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها، وكيفية استثمار الاحكام منها قادرا على تحريرها وتقريرها، والانفصال عن الاعتراضات الواردة عليها، وإنما يتم ذلك بأن يكون عارفا بالرواة وطرق الجرح والتعديل، والصحيح والسقيم، كأحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وأن يكون عارفا بأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ في النصوص الاحكامية، عالما باللغة والنحو، ولا يشترط أن يكون في اللغة كالاصعمي، وفي النحو

 

 

/  ص 346  /

 

كسيبويه والخليل، بل أن يكون قد حصل من ذلك على ما يعرف به أوضاع العرب والجاري من عاداتهم في المخاطبات، بحيث يميز بين دلالات الالفاظ من المطابقة، والتضمين، والالتزام، والمفرد والمركب، والكلي منها والجزئي، والحقيقة والمجاز، والتواطئ والاشتراك، والترادف والتباين، والنص والظاهر، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، والاقتضاء والاشارة، والتنبيه والايماء، ونحو ذلك مما فصلناه.

ويتوقف عليه استثمار الحكم من دليله.

وذلك كله أيضا إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه، وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل، فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة، وما لا بد منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها، مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية، كما ان المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة، بالغا رتبة الاجتهاد فيها، وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها، فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر، ولهذا نقل عن مالك انه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها، لا أدري.

وأما ما فيه الاجتهاد: فما كان من الاحكام الشرعية دليله ظنيا. فقولنا " من الاحكام الشرعية " تمييز له عما كان من القضايا العقلية واللغوية وغيرها. وقولنا " دليله ظنيا " تمييز له عما كان دليله منها قطعيا، كالعبادات الخمس ونحوها، فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها، لان المخطئ فيها يعد آثما، والمسائل الاجتهادية ما لا يعد المخطئ فيها باجتهاده آثما. اه‍.

وقال الشاطبي في الموافقات 4: 89 ما ملخصه: الاجتهاد على ضربين: الاول: الاجتهاد المتعلق بتحقيق المناط، وهو الذي لا خلاف بين الامة في قبوله، ومعناه أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي لكن يبقى النظر في تعيين محله.

فلا بد من هذه الاجتهاد في كل زمان، إذ لا يمكن حصول التكليف إلا به، فلو فرض التكليف مع إمكان ارتفاع هذا الاجتهاد لكان تكليفا بالمحال، وهو غير ممكن شرعا، كما انه غير ممكن عقلا.

 

 

/  ص 347  /

 

وأما الضرب الثاني: وهو الاجتهاد الذي يمكن أن ينقطع فثلاثة أنواع: أحدها المسمى بتنقيح المناط، وذلك أن يكون الوصف المعتبر في الحكم مذكورا مع غيره في النص فينقح بالاجتهاد حتى يميز ما هو معتبر مما هو ملغى.

الثاني المسمى بتخريج المناط، وهو راجع إلى أن النص الدال على الحكم لم يتعرض للمناط، فكأنه اخرج بالبحث، وهو الاجتهاد القياسى.

الثالث: وهو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر لانه ضربان: أحدهما ما يرجع إلى الانواع لا إلى الاشخاص، كتعين نوع المثل في جزاء الصيد، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات وما أشبه ذلك.

والضرب الثاني: ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه، فكأن المناط على قسيمن: تحقيق عام، وهو ما ذكر. وتحقيق خاص من ذلك العام.

إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين: أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها. والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها.

أما الاول فقد مر في كتاب المقاصد أن الشريعة مبنية على اعتبار المصالح، وأن المصالح إنما اعتبرت من حيث وضعها الشارع كذلك، لا من حيث إدراك المكلف إذ المصالح تختلف عند ذلك بالنسب والاضافات، واستقر بالاستقراء التام ان المصالح على ثلاث مراتب، فإذا بلغ الانسان مبلغا فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها، فقد حصل له وصف هو السبب في تنزله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم في التعليم والفتيا والحكم بما أراه الله.

وأما الثاني: فهو كالخادم للاول، فان التمكن من ذلك إنما هو بواسطة معارف محتاج إليها في فهم الشريعة أولا، ومن هنا كان خادما للاول، وفي استنباط الاحكام ثانيا، لكن لا تظهر ثمرة الفهم إلا في الاستنباط.

فلذلك جعل شرطا ثانيا، وإنما كان الاول هو السبب في بلوغ هذه المرتبة لانه المقصود والثاني وسيلة.

هذا هو الاجتهاد عند الاصوليين وأما الفقهاء فهو عندهم مرتبة راقية من الفقه يقتدر بها الفقيه على رد الفرع إلى الاصل، واستنباطه منه، والتمكن من دفع ما يعترض المقام من نقد ورد، وإبرام ونقض، وشبه وأوهام.

 

 

/  ص 348  /

 

قال الآمدي في الاحكام 1: 7: ألفقه في عرف المتشرعين مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الاحكام الشرعية الفروعية بالنظر والاستدلال.

وقال ابن نجيم في البحر الرائق 1: 3: الفقه اصطلاحا على ما ذكره النسفي في شرح المنار تبعا للاصوليين: العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية بالاستدلال.

وفي الحاوي القدسي: اعلم أن معنى الفقه في اللغة الوقوف والاطلاع، وفي الشريعة الوقوف الخاص وهو الوقوف على معاني النصوص واشاراتها، ودلالاتها، ومضمراتها، و مقتضياتها، والفقيه اسم للواقف عليها.

وقال: الفقه قوة تصحيح المنقول، وترجيح المعقول، فالحاصل: ان الفقه في الاصول علم الاحكام من دلائلها، فليس الفقيه إلا المجتهد عندهم.

وأما إستمداده فمن الاصول الاربعة: الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس المستنبط من هذه الثلاثة، وأما شريعة من قبلنا فتابعة للكتاب، وأما أقوال الصحابة فتابعة للسنة، واما تعامل الناس فتابع للاجماع، وأما التحري واستصحاب الحال فتابعان للقياس، وأما غايته فالفوز بسعادة الدارين.

وقال ابن عابدين في حاشية البحر 1: 3: في تحرير الدلالات السمعية لعلي بن محمد بن أحمد بن مسعود نقلا عن التنقيح: الفقه لغة هو الفهم والعلم، وفي الاصطلاح هو العلم بالاحكام الشرعية العملية بالاستدلال.

وقال ابن قاسم الغزي في الشرح 1: 18: الفقه هو لغة الفهم، واصطلاحا العلم بالاحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

وقال ابن رشد في مقدمة المدونة الكبرى ص 8: فصل الطريق إلى معرفة أحكام الشرائع، وأحكام شرائع الدين تدرك من أربعة أوجه: أحدها كتاب الله عزوجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. والثاني: سنة نبيه عليه السلام الذي قرن الله طاعته بطاعته، وأمرنا باتباع سنته فقال عزوجل: وأطيعوا الله والرسول. وقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله. وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا. وقال: واذكرن ما يتلى في بيوتكن. من آيات الله والحكمة. والحكمة

 

 

/  ص 349  /

 

السنة. وقال: لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة. والثالث: الاجماع الذي دل تعالى على صحته بقوله: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين فوله ما تولى ونصله جهنم وساء‌ت مصيرا. لانه عزوجل توعد باتباع غير سبيل المؤمنين، فكان ذلك أمرا واجبا باتباع سبيلهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا تجتمع امتي على ضلالة. والرابع الاستنباط وهو القياس على هذه الاصول والثلاثة التي هي الكتاب والسنة والاجماع، لان الله تعالى جعل المستنبط من ذلك علما، وأوجب الحكم به فرضا، فقال عزوجل: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم وقال عزوجل: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله. أي بما أراك فيه من الاستنباط والقياس، لان الذي أراه فيه من الاستنباط والقياس هو مما أنزل الله عليه وأمره بالحكم به حيث يقول: وأن احكم بينهم بما أنزل الله.

 

- نظرة في اجتهاد معاوية:

هاهنا حق علينا أن نميط الستر عن اجتهاد معاوية، ونناقش القائلين به في أعماله، أفهل كانت على شيئ من النواميس الاربعة: الكتاب. السنة. الاجماع. القياس ؟ أو هل علم معاوية علم الكتاب ؟ وعند من درسه ؟ ومتى زاوله ؟ وقد كان عهده به منذ عامين (1) قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهل كان يميز بين محكماته ومتشابهاته ؟ أو يفرق بين مجمله ومبينه ؟ أو يمكنه الحكم في عمومه وخصوصه ؟ أو أحاط خبرا بمطلقه ومقيده ؟ أو عرف شيئا من ناسخه ومنسوخه، إلى غير هذه من أضراب الآي الكريمة، ومزايا المصحف الشريف الداخل علمها في استنباط الاحكام منه ؟ .

إن ظروف معاوية على عهد استسلامه لا يسع شيئا من ذلك، على حين انها تستدعي فراغا كثيرا لا يتصرم بالسنين الطوال فكيف بهذه الاويقات اليسيرة التي تلهيه في أكثرها الهواجس والافكار المتضاربة من نواميس دينه القديم " الوثنية " وقد أتى عليها ما انتحله من الدين الجديد " الاسلام " فأذهب عنه هاتيك، ولم يجئ بعد هذا على وجهه بحيث يرتكز في مخيلته، ويتبوأ في دماغه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو وأبوه وأخوه من مسلمة سنة الفتح كما في الاستيعاب، وكان ذلك في اخريات السنة الثامن الهجرة، ووفاة النبى صلى الله عليه وآله في اوليات سنة 11.

 

 

/  ص 350  /

 

وكان قد سبقه جماعة إلى الاسلام وكتابه، وهم بين حكم النبي ومحكماته وإفاضاته وتعاليمه، وهم لا يبارحون منتديات النبوة وهتافها بالتنزيل والتأويل الصحيح الثابت، قضوا على ذلك أعواما متعاقبة ومددا كثيرة فلم يتسن لهم الحصول على أكثر تلكم المبادي وانكفؤا عنها صفر الاكف، خاوين الوطاب، انظر إلى ذلك الذي حفظ سورة البقرة في اثنى عشرة سنة، حتى إذا تمكن من الحفظ بعد ذلك الاجل المذكور نحر جزورا شكرا على ما اتيح له من تلك النعمة بعد جهود جبارة، والله يعلم ما عاناه طيلة تلكم المدة من عناء ومشقة، وهذا الرجل ثان الامة عند القوم في العلم والفضيلة، وكان من علمه بالكتاب انه لم يع تنصيصه على موت النبي صلى الله عليه وآله فلما سمع قوله تعالى: انك ميت وانهم ميتون. ألقى السيف من يده، وسكنت فورته، وأيقن بوفاته صلى الله عليه وآله كمن لم يقرأ الآية الكريمة إلى حينه، وإن تقس موارد علمه بالكتاب ونصوصه قضيت منها العجب، وأعيتك الفكرة في مبلغ فهمه، وماذا الذي كان يلهيه عن الخبرة باصول الاسلام وكتابه ؟ ولئن راجعت فيما يؤل إلى هذا الموقف (الجزء السادس) من هذا الكتاب رأيت العجب العجاب.

وليس من البعيد عنه أول رجل في الاسلام عند القوم الذي بلغ من القصور والجهل بالمبادي والخواتيم والاشكال والنتايج حدا لا يقصر عنه غمار الناس والعاديين منهم الذين أشرقت عليهم أنوار النبوة منذ بذوغها، ولعلك تجد في الجزء السابع من هذا الكتاب ما يلمسك باليد يسيرا من هذه الحقايق.

وأنت إذن في غنى عن استحفاء أخبار كثير من اولئك الاولين الذين لا تعزب عنك أنبائهم في الفقه والحديث والكتاب والسنة، فكيف بمثل معاوية الملتحق بالمسلمين في اخريات أيامهم ؟ وكانت تربيته في بيت حافل بالوثنية، متهالك في الظلم والعدوان، متفان في عادات الجاهلية، ترف عليه رايات العهارة وأعلام البغاء، وإذا قرع سمع أحدهم دعاء إلى وحي أو هتاف بتنزيل جعل إصبعه في اذنه، وراعته من ذلك خاطرة جديدة لم يكن يتهجس بها منذ آباء‌ه الاولين.

نعم: المعروفون بعلم الكتاب على عهد الصحابة اناس معلومون، وكانوا مراجع الامة في مشكلات القران ومغازيه وتنزيله وتأويله كعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن العباس، وابى بن كعب، وزيد بن ثابت.

 

 

/  ص 351  /

 

وأما مولانا امير المؤمنين عليه السلام فهو عدل القرآن والعالم بأسراره وغوامضه، كما أن عنده العلم الصحيح بكل مشكلة، والحكم البات عند كل قضية، والجواب الناجع عند كل عويصة، وقد صح عند الامة جمعاء قوله الصادق المصدق صلوات الله عليه:  سلوني قبل أن لا تسألوني، لا تسألوني عن آية في كتاب الله ولا سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا أنبأتكم بذلك. راجع الجزء السادس ص 193 ط 2. السنة.

وماذا تحسب أن يكون نصيب معاوية من علم الحديث الذي هو سنة رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله وفعله وتقريره ؟ لقد عرفنا موقفه منها قوله هو فيما أخرجه أحمد في مسنده

 4: 99 من طريق عبدالله بن عامر قال: سمعت معاوية يحدث وهو يقول: إياكم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا كان على عهد عمر. لماذا هذا التحذير عن الاحاديث بعد أيام عمر ؟ ألان الافتعال والوضع كثرا بعده ؟ أم لان الصحابة العدول الموثوق بهم على عهد عمر وما قبله منذ تصرم العهد النبوي سلبت عنهم الثقة بعد خلافة عمر ؟

فكأنهم ارتدوا - العياذ بالله - بعده كذابين وضاعين، ولازمه الطعن في أكثر الاحاديث وعدم الاعتداد بمدارك الاحكام، لان شيئا كثيرا منها انتشر بعد ذلك الاجل، وما كانت الدواعي والحاجة تستدعيان روايتها قبل ذلك، على أن الجهل بتاريخ إخراجها، هل هو في أيام عمر أو بعدها ؟ يوجب سقوطها عن الاعتبار لعدم الثقة برواتها وروايتها ؟ ولم تكن الرواة تسجل تاريخ ما يروونه حتى يعلم أن أيا منها محاط بسياج الثقة، وأيا منها منبوذ وراء سورها.

وما خصوصية عهد عمر في قبول الرواية ورفضها ؟ ألان الحقايق تمحضت فيه ؟ ومن ذا الذي محضها، ام لان التمحيص أفرد فيه الصحيح من السقيم ؟ ومن ذا الذي فعل ذلك ؟ أم أن يد الامانة قبضت على السنة عندئذ، وعضتها بالنواجذ حرصا عليها، فلم يبق إلا لبابها المحض ؟ فمتى وقعت تلكم البدع والتافهات ؟ ومتى بدلت السنن ؟ ومتى غيرت الاحكام ؟ راجع الجزء السادس وهلم جرا.

ولعل قول معاوية هذا في سنة الرسول صلى الله عليه وآله كاف في قلة اعتداده بها، أو أنه كان ينظر إليها نظر مستخف بها، وكان يستهين بقائلها مرة، ويضرط لها إذا سمعها مرة

 

 

/  ص 352  /

 

اخرى، وينال من رواتها بقوارص طورا، وينهى راويها عن الرواية بلسان بذي بكل شدة وحدة، إلى أشياء من مظاهر الهزء والسخرية (1) فما ظنك بمن هذا شأنه مع السنة الشريفة ؟ فهل تذعن له انه يعبأ بها ويحتج بها في موارد الحاجة، ويأخذها مدركا عند عمله ؟ أو ينبذها وراء ظهره ؟ كما فعل ذلك في موارده ومصادره كلها.

وإن حداثة عهد معاوية بالاسلام وأخذه بالروايات بعد كل ما قدمناه، وما كان يلهيه عن الاصاغة إليها طيلة أيامه من كتابة وامارة وملوكية، وان حياته في دور الاسلام كلها كانت مستوعبة بظروب السياسة وإدارة شئون الملك والنزاع والمخاصمة دونه، فمتى كان يتفرغ لاخذ الروايات وتعلم السنن ؟ ثم من ذا الذي أخذ عنه السنة ؟ والصحابة جلهم في منتأى عن مبائته " الشام " ولم يكن معه إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا مستدرجا، وهو يسيئ ظنه بجملة الصحابة المدنيين حملة الاحكام ونقلة الاحاديث النبوية ويقول بملا فمه: إنما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم، فلما فارقوه كان الحكام على الناس أهل الشام (2) وعلى أثر ظنه السيئ وقوله الآثم كان يمنع هو وأمراء‌ه عن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما يظهر مما أخرجه الحاكم في المستدرك 4: 486

من قول عبدالله بن عمرو بن العاص لما قاله نوف: أنت احق بالحديث مني أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله: إن هؤلاء قد منعونا عن الحديث يعني الامراء.

وجاء في حديث: ان معاوية أرسل إلى عبدالله بن عمر فقال: لئن بلغني إنك تحدث لاضربن عنقك (3).

وعلى ذلك الظن أهدر دماء بقية السلف الصالح، وبعث بسر بن أرطاة إلى المدينة الطيبة فشن الغارة على أهلها، فقتل نفوسا بريئة، وأراق دماء زكية، واقتص أثره من بعده جروه يزيد في واقعة الحرة، ومن يشابه أبه فما ظلم.

 

- نظرة في أحاديث معاوية :

إن لنا حق النظر في شتى مناحي رواياته، لقد أخرج عنه أحمد في مسنده في الجزء الرابع ص 91 - 102 مائة وستة أحاديث وفيها من المكرر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تفصيل كل هذه فيما اسلفناه في هذا الجزء ص 281 - 284.

(2) راجع صفحة 319 من هذا الجزء.

(3) كتاب صفين لابن مزاحم ص 248.

 

 

/  ص 353  /

 

1 - حديث إذا أراد الله بعبده خيرا يفقهه في الدين. كرره ست عشر مرة في ص 92، 92، 93، 93، 93، 93، 93، 95، 96، 96، 97، 98، 98، 99، 101، 101

2 - حديث تقصير شعر النبي بمشقص مكرر عشر مرات في ص 92، 95، 96، 97، 97، 97، 97، 98، 102، 102.

3 - حديث حكاية رسول الله صلى الله عليه وآله الاذن كرره سبع مرات في ص 91، 92، 93، 98، 98، 100، 100.

4 - حديث عقوبة شرب الخمر مكرر خمس مرات في ص 93، 95، 96، 97، 101.

5 - حديث وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر جاء في ص 96، 97، 97، 100.

6 - حديث كبة الشعر يوجد في ص 91، 94، 95، 101.

7 - حديث مناشدته عن أحاديث جاء في ص 92، 95، 96، 99.

8 - حديث صوم عاشوراء في ص 95، 96، 97.

9 - حديث حب الانصار يوجد في ص 96، 100، 100.

10 - حديث من أحب أن يمثل له قياما في ص 91، 93، 100.

11 - حديث النهي عن لبس الذهب والحرير يوجد في ص 96، 100، 101

12 - حديث منقبة المؤذنين في ص 95، 98.

13 - حديث إنما أنا خازن ص 99، 100.

14 - حديث العمرى جائزة ص 97، 99.

15 - حديث سجدة السهو لكل منسي ص 100، 100

16 - حديث التبعية في الركوع والسجود ص 92، 98.

17 - حديث النهي عن ركوب الخز والنمار ص 93، 93.

فالباقي من أحاديثه من غير تكرير سبعة وأربعون حديثا، وهل تسد هي فراغ الاستنباط في أحكام الدين لاي مجتهد ؟ مع أن فيها ما ليس من الاحكام مثل رواية ان رسول الله صلى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر توفي كل منهم وهو ابن ثلاث وستين، وقوله: رأيت

 

 

/  ص 354  /

 

النبي صلى الله عليه وآله يمص لسان الحسن. إلى أمثال ذلك.

ولقد آن لنا أن ننظر نظرة اخرى في غير واحد من متون أحاديثه فمنها:

1 - ان معاوية دخل على عائشة فقالت له: أما خفت أن أقعد لك رجلا يقتلك ؟ فقال: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول. يعني: الايمان قيد الفتك. كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك ؟ قالت: صالح قال فدعينا وإياهم حتى نلقى ربنا عزوجل. مسند أحمد 4: 92.

قال الاميني إنه ينم عن ان ام المؤمنين كانت تستبيح دم الرجل بما ارتكبه من الجرائم والمآثم، وسفك دماء زكية، ونفوس مزهقة بريئة، حتى انها كانت ترى من المعقول السائغ أن تقعد له رجلا فيقتله، فأقنعها بأنه في بيت أمان، وداخل في ذمتها، وأن ما بينه وبينها صالح، وأرجئ الموافاة للجزاء إلى يوم التلاقي بينه وبين الناس.

ويستشف من هذه انه لم يكن عند معاوية درأ لما كانت ام المؤمنين تنقمه عليه، وإلا لكان للرجل أن يتشبث به في تبرير أعماله وتبرأة نفسه دون التافهات.

وإن تعجب فعجب إقتناع ام المؤمنين من معاوية بأن بينه وبينها صالح، وإن لم يكن صالحا بينه وبين الله، ولا صالحا بينه وبينها لانه قاتل أخيها " محمد بن أبي بكر " وكان على عنق معاوية ذلك الدم الطاهر، وإن غضت الطرف عنه اختها لان بينه وبينها صالح، كما انها غضت الطرف عن دم حجر وأصحابه وهو من موبقات إبن آكلة الاكباد وطالما نقمت عليه ذلك وكانت توبخه، لكن برره ذلك الصالح بينهما بلا عقل ولا قود، وأما دم عثمان فما غضت عنه ام المؤمنين مهما لم يكن بينهما وبين علي عليه السلام صالح، وهل يحتج معاوية يوم القيامة في موقف العدل الالهي متى خاصمه محمد وحجر وأصحابه و آلاف من الصلحاء الابرار ممن سفك دمائهم بأن بينه وبين عائشة صالح ؟ وهل يفيده هذا الحجاج ؟ أنا لا أدري.

أما كان لعائشة أن تفحم الرجل بأن الايمان لو كان قيد الفتك " وهو قيد الفتك " فلماذا لم يقيده ؟ وقد فتك بآلاف من وجوه المؤمنين، وأعيان الامة المسلمة، ولم يأمن من فتكه أهل حرم أمن الله " مكة " ولا مجاورو بيت أمانه " المدينة " ولعل ام المؤمنين كانت تنظر إلى إيمان الرجل من وراء ستر رقيق ولم تجده ايمانا مستقرا (إن لم نقل

 

 

/  ص 355  /

 

انها وجدته مستودعا) يقيد صاحبه، ويسلم المسلمون بذلك من يده ولسانه، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم (1).

2 - عن عباد بن عبدالله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجا، قدمنا معه مكة فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار الندوة، وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا أربعا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عبته به، فقال لهما: وما ذاك ؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة ؟

فقال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت ؟ قد صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قالا: فإن إبن عمك قد كان أتمها، وإن خلافك إياه له عيب، قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعا. مسند أحمد 4: 94.

قال الاميني: أنا لا أدري ان الشائنة ها هنا تعود إلى فقه معاوية ؟ أم إلى دينه ؟ حيث يتعمد الاتمام حيثما قصر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتخذته الامة سنة متبعة وفيهم أبوبكر وعمر، وقد صح عن عبدالله مرفوعا: الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر.

لكن الرجل خالف الجميع، وجابه حكم الرسول صلى الله عليه وآله نزولا منه إلى رغبة مروان

الطريد بن الطريد، وعمرو بن عثمان ؟ صونا لسمعة ابن عمه عثمان مبتدع هذه الاحدوثة فإن كان هذا فقه الرجل في الحديث ؟ فمرحا بالفقاهة، أو أن ذلك مبلغه من الدين ؟ فبعدا له في موقف الديانة.

راجع الجزء الثامن ص 100 - 122، 269 ط 1.

3 - عن الهنائي قال: كنت في ملا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند معاوية، فقال معاوية: انشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير ؟ قالوا: أللهم نعم.

إلى أن قال:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجهما البخارى ومسلم وأحمد والترمذى والنسائى وابن حبان والطبرانى وابن داود. راجع فيض القدير 1: 270.

 

 

/  ص 356  /

 

قال: انشدكم الله تعالى أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الجمع بين حج و

عمرة ؟ قالوا: أما هذا فلا ؟ قال: أما انها معهن.

وفي لفظ: قال: وتعلمون أنه نهى عن المتعة - يعنى متعة الحج - قالوا: أللهم لا.

راجع المسند 4 ص 92، 95، 99.

قال الامينى: هذا معطوف على ما قبله، فإن حرص الرجل على إحياء البدع تجاه السنة النبوية الثابتة، أوقفه هاهنا موقف المكابر المعاند، فقد أسلفنا في الجزء السادس ص 184 - 191، 200 - 206: إن متعة الحج نزل بها القرآن الكريم ولم ينسخ حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وآله نحبه، وكان عليها العمل أيام أبي بكر وصدرا من أيام عمر حتى منع عنها. وعليه فاقتصاص معاوية أثر ذلك المحرم " بالكسر " يجلب الطعن إما في فقهه هو وجهله بالسنة، أو في دينه، والجمع أولى، والثاني أقرب إليه.

4 - من طريق حمران يحدث عن معاوية قال: إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليها، ولقد نهى عنهما، يعنى الركعتين بعد العصر.

ج 4: 99، 100.

قال الاميني: عرفت - في الجزء السادس ص 170 - 173 - ان الصلاة بعد العصر كانت مطردة على العهد النبوي يصليها هو صلى الله عليه وآله ولم يكن يدعهما سرا ولا علانية، وما تركهما حتى لقي الله تعالى، وصلاهما أصحابه إلى أن منع عنها عمر، واحتجت الصحابة عليه بأنها سنة ثابتة، ولا تبديل لسنة الله، غير أن الرجل لم يصخ إلى قولهم، وطفق يمضى وراء احدوثته، وجاء معاوية وقد زاد في الطنبور نغمة، وعزى إلى رسول الله النهي عنهما، وهل هذا مقتضى جهله بالسنة ؟ أو مبلغه من الفقه والدين ؟ فاسمع القول، واقض بالحق لك أو عليك.

5 - من عدة طرق عن معاوية مرفوعا: من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فان عاد فاجلدوه، فإن عاد الرابعة فاقتلوه.

أخرجه في ج 4: 93، 95، 96، 97، 101.

 

 

/  ص 357  /

 

قال الامينى: إني واقف هاهنا موقف التحير، ولا أدري هل كان معاوية عاملا بمفاد هذا الحديث يوما من أيامه ابان خلافته وإمارته وقبلهما ؟ أو كان يناقضه كمناقضته بكثير من الاحكام ؟ ولان كان خاضعا لما فيه من الحكم البات لما حملت إليه روايا الخمر قطارا، ولما حملها إليه حماره الذي كان يصاحبه، ولا ادخرها في حجرته، ولا اتخذ متجرا لبيعها، ولا شربها هو، ولا يعربد بشعره فيما وهو سكران، ولا قدمها إلى وفوده، ولا استخلف جروه السكير بمرئى منه ومسمع، ولا أضاع حد الله على من يشربها وينتشي بها، وحديث معاوية هذا مع جودة سنده واخراج مثل أحمد والترمذي وأبي داود إياه لم يأخذ به وبمفاده أحد من أئمة الفقه وضربوا عنه صفحا لتفرد معاوية بروايته وهو لا يؤتمن على حديثه. هذا موقفه مع السنة التي اتخذها هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله على قلتها، فما ظنك بالكثير الذي لم يبلغه منها.

6 - عن أبي إدريس قال: سمعت معاوية وكان قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا. المسند 4: 99.

وقد جاء كما يأتي في الجزء الحادي عشر من كتاب له كتبه إلى علي أمير المؤمنين عليه السلام: وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل و احد من المسلمين لاكبهم الله على مناخرهم في النار.

قال الامينى: هل هذان الحديثان اللذان رواهما معاوية حجة له أو عليه ؟ والحقيقة جلية لا يخفيها ستار، فإنك جد عليم بالذي باء بإثم تلكم الدماء المهراقة منذ يوم صفين، وبعده ريثما تتاح له الفرص مع مهب الريح، وتحت كل حجر ومدر، وعلى الروابي والثنيات، وعدد الرمل والحصى، عند كل هاتيك دم مسفوك، ونفس مزهقة، وأوصال مفصولة، وحرمات مهتوكة وهل شيئ من تلكم البوائق يباح بآية من الكتاب ؟ أو يبرر بسنة صحيحة ؟ أو يحبذ بشيئ من معاقد إجماع المسلمين ؟ وهل هناك قياس ينتهي إلى شيئ من هذه المبادئ الاجتهادية ؟ وهل معاوية يحسن شيئا منها أو يتقنها ؟: وأين وأنى له الرأي والاجتهاد ؟ أو هو مجرم جاهل، وباغ

 

 

/  ص 358  /

 

ظلوم، وثان الخليفتين اللذين بويعا في عهد، فيجب قتال هذا، وقتل ذاك، بالنصوص النبوية، فلا يرقب فيه إل ولا ذمة، فلا ذمة لمهدور الدم، ولا حرمة لمن يجب إعدامه في الشريعة، أين هو والخلافة ؟ حتى يستبيح الدماء الزاكية دون شهواته ومطامعه، وهل تدري أي دماء سفكها ؟ وأي حرمات إنتهكها ؟ نعم: إقترف بها إراقة دماء المهاجرين والانصار من الصحابة العدول والتابعين لهم بإحسان، وباء بإثم دماء البدريين ومئات من أهل بيعة الشجرة الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، وفيهم مثل عمار الذي قتلته الفئة الباغية - فئة معاوية -، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وثابت بن عبيد الانصاري، وأبي الهيثم مالك بن التيهان، وأبي عمرة بشر الانصاري، وأبي فضالة الانصاري كل هؤلاء من البدريين، وفيهم حجر بن عدي راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وثم البطل المجاهد مالك بن الحارث الاشتر النخعي، والعابد الصالح محمد بن أبي بكر.

وقبل هذه كلها استبشاره بدم الامام المقدس الخليفة عليه وعلى الامة جمعاء مولانا أمير المؤمنين، وسروره بذلك، وعده ذلك من لطيف صنع الله.

وما ظنك بمجرم يكون عنده دم الامام السبط الزكي أبي محمد الحسن عليه السلام بدس السم إليه ؟  وقد استبشر لما باء بإثمه، وناء بجرمه، فسيؤاخذ بما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في هذه كلها.

7 - من طريق أبي صالح عن معاوية مرفوعا: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. المسند للامام أحمد 4: 96.

قال الاميني: هاهنا نسائل أنصار معاوية وأوداء‌ه عن أن أي موتة مات هو بها، وعن أي إمام مات وعلى عنقه بيعته ؟ ومن الذي اخترم الرجل وقد طوقته ولايته ؟ وهل كان هناك إمام يجب طاعته وبيعته بالنص والاجماع غير مولانا أمير المؤمنين عليه السلام يوم بارزه وكاشفه ؟ وألقح دون مناوئته الحرب الزبون، ونازعه في أمر الخلافة، وخلع ربقة الاسلام من عنقه، أو يوم استبشر بقتل الامام عليه السلام وهي الطامة الكبرى ؟ و المصاب بها خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله. أو يوم افتجعت به الصديقة الكبرى فاطمة بشظية قلبها الامام السبط المجتبى بسم من معاوية مدسوس إليه ؟ فهل بايعه يومئذ وهو خليفة

 

 

/  ص 359  /

 

الوقت بالجدارة والنص وإجماع لا يستهان به من بقايا رجال الحل والعقد ؟ أو انه ناوئه في الامر وغدر به وكاده ؟ لما ظهر من اجناده الخور والفشل، وقلبوا على إمام الحق ظهر المجن، وحدت بهم المطامع والميول إلى أن يسلموه لمعاوية إن قامت الحرب على أشدها، فالتجأ الامام إلى الصلح صونا لدماء شيعته، وإبقاء على حياة ذوية. فهل كان معاوية طيلة هذه المدد في ذكر من روايته هذه ؟ وهل علم أنه طوى تلكم السنين وليس في عنقه بيعة لامام ؟ وانه لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لامام بيعة ؟ (1) وانه إن مات والحالة هذه مات ميتة جاهلية ؟ أو انه كان يرى من فقهه إستثناء‌ه من هذه الكلية التي لم يستثن منا الرسول صلى الله عليه وآله أحدا ؟ أو ان جهله بالاحكام وبنفسه كان يطمعه في أن يكون هو الخليفة المبايع له، والمطاع بأمر الله ورسوله ؟ وهيهات له ذلك، وهو طليق ابن طليق، ولم يؤهله لها علم ولا حنكة، ولا نص ولا اجماع، إلا شره منهم، وطمع زائغ، وحلوم مطاشة، أو أن الرجل كان لم يكترث لان يموت ميتة جاهلية على ولاية سواع وهبل ؟

 

لفت نظر:

إن حديث معاوية: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية. أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 218، وأبوداود الطيالسي في مسنده ص 259 من طريق عبدالله ابن عمر وزاد: ومن نزع يدا من طاعة جاء يوم القيامة لا حجة له.

وهذا الحديث معتضد بألفاظ اخرى من طرق شتى منها:

قوله صلى الله عليه وآله: من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.

أخرجه مسلم في صحيحه 6: 22، والبيهقي في سننه 8: 156، وابن كثير في

تفسيره 1: 517، والحافظ الهيثمي في المجمع 5: 218، واستدل بهذا اللفظ شاه ولي الله في إزالة الخفاء 1 ص 3 على وجوب نصب الخليفة على المسلمين إلى يوم القيامة وجوبا كفائيا.

وقوله صلى الله عليه وآله: من مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهلية.

أخرجه أحمد في مسنده 3: 446، والهيثمي في المجمع 5: 223.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المحلى لابن حزم 9: 359.

 

 

/  ص 360  /

 

وقوله صلى الله عليه وآله: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

ذكره التفتازاني في شرح المقاصد 2: 275 وجعله لدة قوله تعالى: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم في المفاد. وبهذا اللفظ ذكره التفتازاني ايضا في شرح عقائد النسفي المطبوع سنة 1302 غير ان يد الطبع الامينة على ودايع العلم والدين حرفت من الكتاب في طبع سنة 1313 سبع صحائف يوجد فيها هذا الحديث. وحكاه الشيخ علي القاري صاحب المرقاة في خاتمة الجواهر المضية 2: 509، وقال في ص 457: وقوله عليه السلام في صحيح مسلم من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.

معناه: من لم يعرف من يجب عليه الاقتداء والاهتداء به في أوانه.

وقوله صلى الله عليه وآله: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية.

أخرجه مسلم في صحيحه 6: 21، والبيهقي في سننه 8: 156، وذكر في تيسير الوصول

 3: 39 نقلا عن الصحيحين للشيخين من طريق أبي هريرة.

وقوله صلى الله عليه وآله: من فارق الجماعة شبرا فمات فميتة جاهلية.

أخرجه مسلم في صحيحه 6: 21.

وقوله صلى الله عليه وآله: من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية.

ذكره أبوجعفر الاسكافي في خلاصة نقض كتاب العثمانية للجاحظ ص 29، و ذكره الهيثمي في المجمع 5: 224، 225 بلفظ: من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية.

وبلفظ: من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية.

وقوله صلى الله عليه وآله: من مات وليس لامام جماعة عليه طاعة مات ميتة جاهلية.

أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 5: 219.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: من أتاه من أميره ما يكرهه فليصبر، فان من خالف المسلمين

قيد شبر ثم مات مات ميتة الجاهلية. شرح السير الكبير 1: 113.

هذه حقيقة راهنة أثبتتها الصحاح والمسانيد فلا ندحة عن البخوع لمفادها، ولا يتم اسلام مسلم إلا بالنزول لمؤداها، ولم يختلف في ذلك إثنان، ولا ان أحدا خالجه في ذلك شك، وهذا التعبير ينم عن سوء عاقبة من يموت بلا إمام وانه في منتئى عن أي 

 

 

/  ص 361  /

 

نجاح وفلاح، فإن ميتة الجاهلية إنما هي شر ميتة، ميتة كفر وإلحاد، لكن هنا دقيقة لا بد من البحث عنها وهي أن الصديقة الطاهرة المطهرة بنص الكتاب الكريم التي يغضب الله ورسوله لغضبها ويرضيان لرضاها، ويؤذيهما ما يؤذيها قضت نحبها و ليس في عنقها بيعة لمن زعموا انه خليفة الوقت، ومثلها بعلها طيلة ستة أشهر أيام حياة حليلتها كما جاء في الصحيحين وفيهما: كان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس. (1) قال القرطبي في المفهم. كان الناس يحترمون عليا في حياتها كرامة لها لانها بضعة من رسول الله وهو مباشر لها، فلما ماتت وهو لم يبايع أبا بكر انصرف الناس عن ذلك الاحترام ليدخل فيما دخل فيه الناس ولا يفرق جماعتهم. اه‍.

فالحقيقة هاهنا مرددة بين أن الصديقة سلام الله عليها عزبت عنها ضرورية من ضروريات دين أبيها وهي أولاها وأعظمها وقد حفظته الامة جمعاء حضريها وبدويها وماتت - العياذ بالله - على غير سنة أبيها، وبين أن لا يكون للحديث مقيل من الصحة وقد رواه الحفظة الاثبات من الفريقين وتلقته الامة بالقبول، وبين انها سلام الله عليها لم تك تعترف للمتقمص بالخلافة، ولا توافقه على ما يدعيه، ولم تكن تراه أهلا لذلك، وكذلك الحال في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام.

فهل يسع لمسلم أن يختار الشق الاول ويرتأي لبضعة النبوة ولزوجها نفس النبي الامين ووصيه على التعيين ما يأباه العقل والمنطق ويبرأ منه الله ورسوله ؟ لا، ليس لاحد أن يقول ذلك.

وأما الشق الثاني، فلا أظن جاهلا يسف إلى مثله بعد استكمال شرايط الصحة والقبول وإصفاق أئمة الحديث ومهرة الكلام على الخضوع لمفاده، وإطباق الامم الاسلامية على مؤداه.

فلم يبق إلا الشق الثالث، فخلافة لم تعترف لها الصديقة الطاهرة وماتت وهي واجدة عليها وعلى صاحبها، ويجوز مولانا أمير المؤمنين التأخر عنها ولو آناما، ولم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى كتاب المغازى ج 6: 197، صحيح مسلم كتاب الجهاد ج 5: 154.

 

 

/  ص   /

 

يأمر حليلتها بالمبادرة إلى البيعة، ولا بايع هو، وهو يعلم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية، فخلافة هذا شأنها حقيقة بالاعراض عنها والنكوص عن البخوع لصاحبها.

8 - من طريق أبي امية عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده: إن معاوية أخذ الاداوة بعد أبي هريرة يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها واشتكى أبوهريرة فبينا هو يوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع رأسه مرة أو مرتين فقال: يا معاوية  إن وليت أمرا فاتق الله عز وجل وأعدل.

قال: فما زلت أظن إني مبتلى بعمل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ابتليت.

المسند 4: 101.

قال الامينى: إن من المأسوف عليه ان الرجل نسي هذه الوصية النبوية في عهديه جميعا من الامارة والملك العضوض، أو أنه كان يذكرها غير أنه لم يكترث لها فلم يدع شيئا من مظاهر العدل والتقوى إلا وتركه، ولا أمرا من موجبات الاثم والعدوان إلا وارتكبه، وإن البحث لفي غنى عن سرد تلك المآثم والجرائم، وقد كررنا بعضها في أجزاء هذا الكتاب، وفي حيطة سعة الباحث الوقوف عليها كلها.

فليته كان يذكر تلك الوصية الخالدة يوم تثبط عن نصرة عثمان حتى اودي به، ويوم كاشف إمام الوقت أمير المؤمنين عليه السلام بالحروب الطاحنة، وجابه ولاية الله الكبرى بكل ما كان يسعه عناده ومكائده، وناوء الصحابة العدول بالقتل والتشريد، وأضطهد صلحاء الامة بكل ما في حوله وطوله من إخافة وإرجاف وقتل ذريع وأخذ بالظنون والتهم، أو كان من العدل والتقوى شيئ من هذه ؟ أو كان منهما بيع الخمر وشرابها وأكل الربا، واستلحاق زياد بأبي سفيان، واستخلاف يزيد ؟ ولعلك أعرف بيزيد من غيرك كما أن مستخلفه كان أعرف به من كل أحد.

ولعل من أظهر مصاديق عدله وتقواه دؤبه على سب الامام الطاهر، ولعنه على صهوات المنابر، وقنوته بذلك في صلواته - التي كانت تعلنه - وحمله الناس على ذلك بالحواضر الاسلامية وأوساطها طول حياته حتى كانت بدعة مخزية مستمرة في العهد الاموي كلها بعد أن اخترمته المنية.

 

 

/  ص 363  /

 

وليتني كنت أدري انه ماذا كان يفعله مما يخالف العدل والتقوى لولا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله إياه؟أوانه " والعياذ بالله " لو كانت الوصية بخلاف ما سمعه منه صلى الله عليه وآله؟

فهل كان يتاح له أكثر وأشنع مما فعل ؟.

9 - من غير طريق عن معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أراد الله

بعبد خيرا فقهه في الدين، وفي لفظ: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

وفي بعض الالفاظ: وكان معاوية قلما خطب إلا ذكر هذا الحديث في خطبته. (1)

قال الاميني: كان من قضية هذا السماع ووعيه، والاكثار من روايته حتى انه جاء مكررا في مسند أحمد ست عشر مرة، وما كان يخطب معاوية إلا وذكره، التأثر بمفاده، والتهالك في التفقه في الدين، والحرص على ما كان يسمعه أو يبلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مبادئ الفقه وغاياته، فما هذا الذي قهقره عن ضبط ما هنالك من حكم وأحكام ؟ وأبعده عن مستقى السنة ذلك البون الشاسع الذي تركه أجهل خلق الله  بأحكامه، عدا ما خالفه وباينه، من أحاديث كانت حجة عليه، بعيدا عن مغازيه وأعماله، وعدا طفائف لا يعود العالم بها فقيها في دينه، متبصرا في أمره، كل ذلك ينم عن أن الرجل لم يرد الله به خيرا ولا فقهه في دينه، وليس ذلك من ابن هند ببعيد.

10 - من طريق محمد بن جبير بن مطعم يحدث: انه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش، أن عبدالله بن عمرو بن العاص يحدث انه سيكون ملك من قحطان، فغضب معاوية فقام فأثنى على الله عزوجل بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإنه بلغني ان رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اولئك جهالكم، فإياكم والاماني التي تضل أهلها، فأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن هذا الامر في قريش لا ينازعهم أحد إلا أكبه الله على وجهه ما أقاموا الدين.

قال الامينى: لقد غلط معاوية في فهم الحديث على تقدير صحته، فإن الذي ذكر عبدالله بن عمرو ان ذلك الكائن ملك، ولم ينص على أنه خليفة، وكم في الدهر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ملوك من غير قريش ؟ ومن الجائز أن يكون ذلك الملك الموعود به من أصحاب الملك العضوض، فما رده به معاوية من ان الذين يجب أن يكونوا من قريش

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   المحلى لابن حزم 9: 359.

 

 

/  ص 364  /

 

هم الائمة الذين لا ينازعون في أمرهم ما أقاموا الدين، فمعاوية ومن اهتدى مثاله ممن لم يقيموا الدين بل ناوئوه وباينوه خارجون عنهم، وهاهنا تسقط مطامع معاوية وأمانيه التي أضلته من انطباق الرواية عليه وعلى نظرائه وإن لم يكونوا قحطانيين، فأولى به من تحذره عن تخلف نسبة قحطان عنه أخذه الحذر عن موانع الخلافة التي لا تبارحه أو كانت الخلافة في الطلقاء ؟ أو كانت في غير البدريين ؟ أو كان يشترط فيها فقدان العدل والتقوى في الخليفة ؟ أو كان لآكلة الاكباد ورايتها نصيب من خلافة الله ؟ وإن تعجب فعجب ان الرجل يعد عبدالله بن عمرو من الجهال، وهو الذي جاء فيه عن أبي هريرة: انه أكثر الناس حديثا من رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان يكتب الحديث، وفي لفظ أبي عمر: أحفظ حديثا. وقال: كان فاضلا حافظا عالما، قرأ الكتاب

واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يكتب حديثه فأذن له، وهو الذي أثنى عليه ابن حجر

بغزاره العلم والاجتهاد في العبادة (1).

نعم: يقع معاوية في الرجل كمن ملا إهابه علما، وشحن الطروس والسطور فقها وحديثا، ذهولا منه عن أن الامة المنقبة حفظت عليه حديث عبادة بن الصامت من قوله له: إن امك هند أعلم منك (2).

هذا معاوية ومبلغه من العلم بالسنة

 

-         الاجماع:

قد عرفت آنفا ان من مدارك الاجتهاد في الاحكام الشرعية ومبادئها: الاجماع ولعل أقسط تعاريفه ما قاله الآمدي في الاحكام 1: 280: انه اتفاق جملة من أهل الحل والعقد من امة محمد في عصر من الاعصار على حكم واقعة من الوقايع.

فهلم ولننظر إلى معاوية وأقواله وتقولاته وأعماله وجرائمه وفقهه، واجتهاده هل يقع شيئ منها في معقد من معاقد الاجماع ؟ وأين اولئك الفقهاء، وأهل الحل والعقد في الفقه والدين الذين اصفقوا مع معاوية على ما عنده من بدع وتافهات ؟ ومن كان منهم يومئذ ليطلوا سقطات معاوية الشاذة بالاجماع ؟ وهل كان مبائة الفقهاء يومئذ في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستيعاب 1، 307، اسد الغابة 3: 233، الاصابة 2: 352، تهذيب التهذيب 5: 337.

(2) تاريخ ابن عساكر 7: 210.

 

 

/  ص 365  /

 

غير المدينة المنورة من الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان ؟ وفي بلاد غيرها إنتشروا منها إليها، وكلهم كانوا في منتأى عن إبن هند وآراء‌ه، ولم يزل هو يناوئهم ويضادهم في القول والعمل ويتحرى الوقيعة فيهم.

نعم: كان يصافقه على مخاريقه حثالة من طغام الشام الذين حدتهم النهمة والشره وهملج بهم المطامع والشهوات، فما قيمة اجتهاد يكون هذا أحد مبادئه ؟ 

ألقياس ألمعتبر من القياس عند أئمة السنة والجماعة أن يكون المناط منصوصا عليه في الكتاب والسنة، أو مخرجا عنهما بالبحث والاستنباط إما بنوعه أو بشخصه (1) ولم نجد في إختيارات معاوية شيئا من تلكم المناطات في المقيس عليه منصوصة أو مستنبطة يصح القياس في المقيس ويجوز التعويل عليها، نعم: كانت عنده أقيسة جاهلية أراد تطبيق أحكام الاسلام بها.

أي اجتهاد هذا ؟ 

لعلك إلى هنا عرفت معنى الاجتهاد الصحيح وحقيقته ومبانيه عند أئمة الاسلام من رجالات الفقه واصوله، وألمسك باليد بعد معاوية عن كل ذلك بعد المشرقين، فهلم معي نقرأ صحيفة مكررة من أفعال هذا المجتهد الطاغية وتروكه التي اجتهد فيها ويرى أبناء حزم وتيمية وكثير وحجر ومن لف لفهم أن الرجل لم يلحقه ذم وتبعة من تلكم الهفوات، بل يحسبونه مأجورا فيها لكونه مجتهدا مخطأ.

ألا تقول أي اجتهاد جوز على هذا المجتهد أو أوجب عليه وعلى كل مسلم بأمره (رضي بذلك أم أبى) سب مثل مولانا أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه والقنوت بلعنه في الصلوات، والدعاء عليه وعلى الامامين السبطين (2) والصلحاء الاخيار معه ؟  هل اجتهد هذه الاحدوثة من آية التطهير والمباهلة أو من المئات النازلة في علي عليه السلام ؟ أو من الآلاف من السنة الشريفة المأثورة عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله من فضائله ومناقبه ؟ أو من الاجماع المعقود على بيعته واتخاذه خليفة مفترضة طاعته ؟ ولئن تنازلنا عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكلمات التى اسلفناها في هذا الجزء تحت عنوان: الاجتهاد ماذا هو.

(2) راجع الجزء الثانى ص 101. 102، 132، 133 ط 2.

 

 

/  ص 366  /

 

الخلافة له، فهل هناك إجماع على نفي اسلامه ونفي كونه من أعيان الصحابة العدول، حتى يستسيغ هذا المجتهد - رضيع ثدي هند المتفيئ تحت رايتها - الوقيعة فيه والنيل منه ؟.

وهل هناك قياس يخرج ملاكه من مبادئ الاجتهاد الثلاثة التي قامت بسيف علي عليه السلام واعتنقتها الامة ببأسه، وعرفتها ببيانه، يسوغ للرجل ما تقحم فيه ؟ نعم: كانت تراث وإحن بين القبيلتين - أبناء هاشم وبني امية - منذ العهد الجاهلي، وكان من عادات ذلك العهد وتقاليده نيل كل من الفئتين المتخاصمتين من الاخرى كيفما وقع، وأينما أصاب، وريثما انتهز الفرصة من تمكن من الانتقام، سواء حمل المنكوب شيئا من الظلامة أولا، فيقتل غير القاتل، ويعذب غير المجرم، ويؤاخذ غير الجاني، شنشنة جاهلية ثبت عليها الجاهلون، واستمروا دائبين عليها حتى بعد انتحالهم الاسلام، وإلى مثل هذا القياس كان يطمح معاوية " المجتهد في أعماله واجتهاده ".

أي اجتهاد يسوغ له دؤبه على لعن الامام المفدى على صهوات المنابر، وفي ادبار الصلوات، حتى غير سنة الله بتقديم خطبة صلاة العيدين عليها لاسماع الناس سبابه، وكان يوبخ الساكتين عن لعنه بملا فمه وصراحة لهجته ؟ فبأي كتاب أم باية سنة أو اجماع أو قياس كان يستنبط هذا المجتهد الآثم إصراره على تلكم البدع المخزية ؟

أي اجتهاد يحتم عليه إستقراء كل من والى عليا أمير المؤمنين في الحواضر والامصار وتقتيلهم، وتشرديهم، والتنكيل بهم، وتعذيبهم بأشد العذاب، ولم يرقب فيهم ذمة الاسلام ولا إليه، ولم يراع فيهم حرمة الصحبة وصونها ؟ أو يساعده على ذلك شيئ من الآي الكريمة ؟ أو أثارة من السنة الشريفة ؟ أو إجماع من أهل الدين ؟ وأين هم ؟  (وهم كلهم مناوئوا معاوية ومنفصلون عن آرائه) أو أن هناك قياس خرج ملاكه من تلكم الحجج الثلاث ؟

أي إجتهاد يبيح له قذف علي عليه السلام بالالحاد والغي والبغي والضلال والعدوان و الخبث والحسد إلى طامات اخرى ؟ أو تحسب انك تجد حجة على شيئ من ذلك من مطاوي الكتاب الكريم ؟ أو من تضاعيف السنة النبوية ؟ أو من معاقد إجماع الامة ؟ والامة على بكرة أبيها تعلم أن شيئا من هاتيك المفتريات والنسب المائنة لم تكتسح

 

 

/  ص 367  /

 

عنها إلا ببيان الامام وبنانه، وسيفه ولسانه، ولو قام للدين مثال شاخص لما عداه أن يقوم بصورة علي عليه السلام ومثاله.

أي إجتهاد يحبذ له المسرة والاستبشار بقتل أمير المؤمنين وولده الحسن الزكي إمامي الهدى صلوات الله عليهما، والتظاهر بالجذل والحبور على مصيبة الدين الفادحة بهما ويري لصاحبه قتل علي عليه السلام من لطف الله وحسن صنعه، وزعم قاتله أشقى مراد من عباد الله ؟ وأنت جد عليم بان فقه الكتاب الكريم في منتئ عن هذه الشقوة، كما ان السنة الكريمة في مبتعد عن مثلها من قساوة، ودع عنك معقد إجماع الامة النائي عن هذه الفظاظة، و ملاكات الشريعة منصوصة ومستنبطة البائنة لتلك الصلافة. نعم: قياس الجاهلية الاولى يضرب على وتره ويغنى في وتيرته.

أي إجتهاد يرخص هتك حرمات مكة والمدينة، وشن الغارة على أهلها لمحض ولائهم عليا عليه السلام ويشرع نذر قتل نساء ربيعة لحب رجالهم أمير المؤمنين وتشيعهم له عليه السلام ؟ .

أي إجتهاد يحلل مثلة من قتل تحت راية علي عليه السلام يوم صفين، وقد كان قتال الفئة الباغية بعهد من رسول الله وأمره ؟  كما فصلنا القول فيه في الجزء الثالث.

أي اجتهاد يمنع إمام الحق وآلافا من المسلمين عن الماء المباح، ويعطي لمعاوية حق القول: بان هذا والله أول الظفر، لا سقاني الله ولا سقى أبا سفيان إن شربوا منه، أبدا حتى يقتلوا بأجمعهم عليه ؟  (1)

أي اجتهاد يجوز بيع الخمر وشربها، وأكل الربا، وإشاعة الفحشاء، وقد حرمها كتاب الله وسنة نبيه، ويتلوهما الاجماع والقياس. ؟ 

أي اجتهاد يحث الناس بإعطاء الامارة والولايات وبذل القناطير المقنطرة لمن لا خلاق لهم على عداء أهل بيت النبي الاقدس وبغضهم والنيل منهم ومن شيعتهم ؟ 

أي أجتهاد يراق به دم من سكت عن لعن علي ولم يتبرأ منه ولو كان من جلة الصحابة ومن صلحاء امة محمد كحجر بن عدي وأصحابه وعمرو بن الحمق ؟

أي اجتهاد يؤدي إلى خلاف ما ثبت من السنة الشريفة، ويصحح إدخال ما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين ص 182، شرح نهج البلاغة 1: 328.

 

 

/  ص 368  /

 

ليس منها في الاذان والصلاة والزكاة والنكاح والحج والديات على التفصيل الذي مر في هذا الجزء.

أي اجتهاد يغير دين الله وسنته لمحض مخالفته عليا عليه السلام كما مر ص 205.

أي اجتهاد ينقض به حد من حدود الله لاستمالة مثل زياد بن امه وجلب مرضاته باستلحاقه بأبي سفيان، والولد للفراش وللعاهر الحجر ؟ 

أي اجتهاد يحابي خلافة الله ليزيد السكير المستهتر، ويستحل به دماء من تخلف عن تلك البيعة الغاشمة ؟ 

أي اجتهاد يشترط البراء‌ة من أمير المؤمنين علي عليه السلام في عقد البيعة للطليق ابن الطليق؟  أي اجتهاد تدعم به الشهادات المزورة والفرية والافك والكذب وقول الزورو النسب المختلقة والمكر والخديعة لنيل الاماني الوبيلة المخزية ؟ 

أي اجتهاد يجوز ايذاء رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل بيته وعترته، وايذاء أولياء الله وعباده الصالحين من الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان وفي مقدمهم سيدهم وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا واثما مبينا. وجاء عن الصادع الكريم: من آذى مسلما فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله عزوجل (1) وقوله عن جبريل عن الله تعالى:

من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة. ومن عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب.

وقوله: من آذى لى وليا فقد استحل محاربتي. وقوله: من أهان لي وليا فقد استحل محاربتى. وقوله: من أهان لي وليا فقد بارزنى بالعداوة. وقوله: من عادى لي وليا فقد ناصبني بالمحاربة (2).

أي اجتهاد يري صاحبه نقض الال وحنث العهد، من السهل الهين في جميع موارده ومصادره ؟ 

أي اجتهاد يجابه به سنة رسول الله وما يؤثر عنه بالهزء والازدراء والضرطة ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الحاوى للفتاوى 2: 47.

(2) راجع الحاوى للفتاوى 1: 361 - 324.

 

 

/  ص 369  /

 

كما فصل في ص 281 - 283.

أي اجتهاد يفسد البلاد، ويضل العباد، ويشق عصا المسلمين، بالشذوذ عن الجماعة، وخلع ربقة الاسلام عن البيعة الحقة، ومحاربة إمام الوقت بعد إجماع الامة من أهل الحل والعقد من المهاجرين والانصار على بيعته ؟ .

إلى غير هذه من اجتهادات باطلة، وآراء سخيفة تافهة، ليس لها في مستوى الصواب مقيل، ولا لها في سوق الدين اعتبار يعذر صاحبه، وكلها مبائنة للكتاب، مضادة مع السنة الثابتة الصحيحة، ونقض للاجماع الصحيح المتسالم عليه، والقياس الذي نص في المقيس عليه على ملاك الحكم في أي من الكتاب والسنة، أو انه مستنبط بالاجتهاد والتظني فيهما.

وهل وقف الباحث في جملة ما سبره من الاحكام والعلل على اجتهاد يكون هذا نصيبه من تحري الحق ؟  أللهم انها ميول وأهواء ومطامع وشهوات تزجي بصاحبها إلى هوات المهالك، وهل هذا يضاهي شيئا من اجتهاد المجتهدين ؟ 

على أن جملة من المذكورات مما لا مساغ للاجتهاد فيه، ولا يتطرق اليه الرأي والاستنباط، لان الحكم فيها ملحق بالضروريات من الدين، ومما لا يسع فيه الخلاف، فمن حاول شيئا من ذلك فقد حاول دفاعا للضروري من الدين، واستباح محظورا ثابتا من الشريعة، كمن يستبيح قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم باجتهاده، أو يروم تحليل حرام من الشريعة دون تحليله شق المرائر، واستمراء جرع الحتف المبير.