فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 من هو هذا المجتهد ؟

 

أهو إبن آكلة الاكباد - نكس الله رايتها - الهاتك لحرمات الله، المعتدي على حدوده، المجرم الجاني ؟.

يحسب أبناء حزم وتيمية وكثير ومن لف لفهم انه مجتهد مأجور، ويقول إبن حجر: إنه خليفة حق، وإمام صدق.

هكذا يقول هؤلاء ونحن لا نقول باجتهادهم بل نقول بما قاله المقبلي (1) في كتابه " العلم الشامخ في ايثار الحق على الآباء المشايخ " ص 365: ما كان علي رضي الله عنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشيخ صالح بن مهدى المتوفى 1108.

 

 

/  ص 370  /

 

وأرضاه إلا إمام هدى، ولكنه ابتلى وابتلي به، ومضي لسبيله حميدا، وهلك به من هلك، هذا يغلو في حبه أو دعوى حبه لغرض له، أعظمهم ضلالا من رفعه على الانبياء أو زاد على ذلك، وأدناهم من لم يرض له بما رضى لنفسه لتقديم إخوانه وأخدانه عليه في الامارة، رضي الله عنهم أجمعين.

وآخر يحط من قدره الرفيع، أبعدهم ضلالا الخوارج الذين يلعنونه على المنابر، ويرضون على ابن ملجم شقي هذه الامة، وكذلك المروانية، وقد قطع الله دابرهم، وأقربهم ضلالا الذين خطأوه في حرب الناكثين، والله سبحانه يقول: فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله. فإن لم تصدق هذه في أمير المؤمنين ففي من تصدق ؟

مع انهم بغوا بغيا محققا بعد إستقرار الامر له، ولا عذر لهم، ولا شبهة إلا الطلب بدم عثمان، وقد أجاب رضي الله عنه بما هو جواب الشريعة فقال: يحضر وارث عثمان ويدعي ما شاء، واحكم بينهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. أو كما قال فإن تصح هذه الرواية، وإلا فهي معلومة من حاله بل من حال من هو أدنى الناس من المتمسكين بالشريعة، وأما أنه يقطع قطيعا من غوغاء المسلمين الذين اجتمعوا على عثمان خمسمائة واكثر، بل قيل: إنهم يبلغون نحو عشرة آلاف كما حكاه ابن حجر في الصواعق، فيقتلهم عن بكرة أبيهم، والقاتل واحد، أربعة، عشرة، قيل: هما إثنان فقط.

وذكره في الصواعق أيضا، فهذا ما يعتذر به عاقل، ولكن كانت الدعوى باطلة والعلة باطلة، خلا أن طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم ومن يلحق بهم من تلك الدرجة التي يقدر قدرها من الصحابة، لا يشك عاقل في شبهة غلطوا فيها، ولو بالتأويل لصلاح مقاصدهم.

وأما معاوية والخوارج فمقاصدهم بينة، فإن لم يقاتلهم علي فمن يقاتل ؟ أما الخوارج فلا يرتاب في ضلالهم إلا ضال، وأما معاوية فطالب ملك، اقتحم فيه كل داهية، وختمها بالبيعة ليزيد، فالذي يزعم أنه اجتهد فأخطأ، لا نقول: اجتهد وأخطأ. لكنه إما جاهل لحقيقة الحال مقلد، وإما ضال اتبع هواه، أللهم إنا نشهد بذلك.

ورأيت لبعض متأخري الطبريين في مكة رسالة ذكر فيها كلاما عزاه لابن عساكر وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن معاوية سيلي أمر الامة، وانه لن يغلب، وان عليا

 

 

/  ص 371  /

 

كرم الله وجهه قال يوم صفين: لو ذكرت هذا الحديث أو بلغني لما حاربته.

ولا يبعد نحو هذا ممن سل سيفه على علي والحسن والحسين وذريتهما، والراضي كالفاعل كما صرحت به السنة النبوية، إنما استغربنا وقوع هذا الظهور حكاية الاجماع من جماعة المتسمين بالسنة بأن معاوية هو الباغى، وان الحق مع علي، وما أدري ما رأي هذا الزاعم في خاتمة أمر علي بعد ما ذكر، وكذلك الحسن السبط رضي الله عنهما، وترى هؤلاء الذين ينقمون على علي قتاله البغاة يحسنون لمن سن لعنه على المنابر في جميع جوامع المسلمين منذ وقته إلى وقت عمر بن عبد العزيز اللاحق بالاربعة الراشدين رضي الله عنه وعنهم، مع أن سب علي فوق المنابر وجعله سنة تصغر عنده العظائم. وفي جامع المسانيد في مسند ام سلمة رضى الله عنها: أيسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ؟ قلت: معاذ الله. قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سب عليا فقد سبني. ألكلام.

ولعلك إن نظرت إلى ما سردناه من سيرة هذا المجتهد الجاهل الضال تأخذ لك مقياسا لمبلغ علمه، وقسطه المتضاء‌ل من الاجتهاد في أحكام الله، وانه منكفى عنه، فارغ الوطاب، صفر الاكف عن أي علم ناجع، أو عمل نافع، بعيدا عن فهم الكتاب، والتفقه في السنة، والالمام بأدلة الاجتهاد.

نعم: لم يكن معاوية هو نسيج وحده في الجهل بمبادئ الاجتهاد وغاياته، وإنما له أضراب ونظراء سبقوه أم لحقوه في الرأي الشائن، والاجتهاد المائن، ممن صحح القوم بدعهم المحدثة، وآرائهم الشاذة عن الكتاب والسنة بالاجتهاد، تترسوا في طاماتهم بأنهم مجتهدون (1)

ولعلك تعرف مكانة هذا المجتهد " خليفة الحق وإمام الصدق " من لعن رسول الله صلى الله عليه وآله إياه وأباه وأخاه. ومن قنوت أمير المؤمنين في صلاته بلعنه، ومن دعاء ام المؤمنين عائشة عليه دبر صلاتها.

ومن إيعاز الامام أمير المؤمنين عليه السلام، وولده السبط الزكي أبي محمد سلام الله عليه، والعبد الصالح محمد بن أبي بكر، إلى لعن رسول الله صلى الله عليه وآله المخزي، ومن لعن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوجد جمع من اولئك المجتهدين في غضون أجزاء كتابنا هذا.

 

 

/  ص 372  /

 

ابن عباس وعمار إياه.

ومن قوله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سمع غناء واخبر بأنه لمعاوية وعمرو بن العاصي: أللهم اركسهم في الفتنة ركسا، أللهم دعهم إلى النار دعا.

ومن قوله صلى الله عليه وآله وقد رآه مع ابن العاصي جالسين: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن

العاص مجتمعين ففرقوا بينهما فانهما لا يجتمعان على خير.

ومن قوله صلى الله عليه وآله: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه. المعاضد بالصحيح الثابت

من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما. وفي صحيح: فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا الآخر.

ومن قوله صلى الله عليه وآله: يطلع عليكم من هذا الفج رجل يموت وهو على غير سنتي فطلع معاوية (1)

ومن قول أمير المؤمنين له: طالما دعوت أنت وأولياء‌ك أولياء الشيطان الرجيم الحق أساطير الاولين ونبذتموه وراء ظهوركم. وحاولتم إطفاء نور الله بأيديكم و أفواهكم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

ومن قوله عليه السلام: إنك دعوتني إلى حكم القرآن، ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن، ولا حكمه تريد.

ومن قوله عليه السلام: إنه الجلف المنافق، ألاغلف القلب، ألمقارب العقل.

ومن قوله عليه السلام: انه فاسق مهتوك ستره.

ومن قوله عليه السلام: انه الكذاب إمام الردى، وعدو النبي، وانه الفاجر ابن الفاجر، وانه منافق ابن منافق يدعو الناس إلى النار. إلى كلمات اخرى مفصلة في هذا الجزء.

ومن قول أبي أيوب الانصاري: إن معاوية كهف المنافقين.

ومن قول قيس بن سعد الانصاري: إنه وثن إبن وثن، دخل في الاسلام كرها وخرج منه طوعا، لم يقدم إيمانه، ولم يحدث نفاقه.

ومن قول معن السلمي الصحابي البدري له: ما ولدت قرشية من قرشي شراً منك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 247.

 

 

/  ص 373  /

 

ومن أقوال الامام الحسن السبط وأخيه الحسين صلوات الله عليهما، وعمار بن ياسر، و عبدالله بن بديل، وسعيد بن قيس، وعبدالله بن العباس، وهاشم بن عتبة المرقال، وجارية بن قدامة، ومحمد بن أبي بكر، ومالك بن الحارث الاشتر. (1)

هذا مجتهدنا الطليق عند اولئك الاطايب، وعند الوجوه والاعيان من الصحابة الاولين العارفين به على سره وعلانيته، المطلعين على أدوار حياته طفلا ويافعا وكهلا وهما، وأنت بالخيار في الاخذ بأي من النظريتين: ما سبق لله ولرسوله وخلفائه و أصحابه المجتهدين العدول، أو ما يقول هؤلاء الابناء ومن شاكلهم من المتعسفين الناحتين للرجل أعذارا هي أفظع من جرائمه.

- الامر الثاني:

ثاني الامرين اللذين ينتهي إليهما دفاع إبن حجر عن معاوية قوله في الصواعق ص 130: فالحق ثبوت الخلافة لمعاوية من حينئذ وانه بعد ذلك خليفة حق وإمام صدق، كيف ؟ وقد أخرج الترمذي وحسنه عن عبدالرحمن بن أبي عميرة الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: لمعاوية أللهم اجعله هاديا مهديا.

وأخرج أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول:

أللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والطبراني في الكبير عن عبدالملك بن عمر قال قال معاوية: ما زلت أطمع في الخلافة مذ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معاوية  إذا ملكت فأحسن.

فتأمل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الاول بأن الله يجعله هاديا مهديا، و الحديث حسن كما علمت فهو مما يحتج به على فضل معاوية، وانه لا ذم يلحقه بتلك الحروب لما علمت انها مبنية على اجتهاد، وإنه لم يكن له إلا أجر واحد، لان المجتهد إذا أخطأ لا ملام عليه، ولا ذم يلحقه بسبب ذلك لانه معذور، ولذا كتب له أجر.

ومما يدل لفضله الدعاء له في الحديث الثاني بأن يعلم ذلك، ويوقي العذاب، ولا شك ان دعاء‌ه صلى الله عليه وسلم مستجاب، فعلمنا منه أنه لاعقاب على معاوية فيما فعل من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مر تفصيل هذه كلها في هذا الجزء.

 

 

/  ص 374  /

 

تلك الحروب بل له الاجر كما تقرر، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم فئته المسلمين وساواهم بفئة الحسن في وصف الاسلام فدل على بقاء حرمة الاسلام للفريقين، وانهم لم يخرجوا بتلك الحروب عن الاسلام، وانهم فيه على حد سواء، فلا فسق ولا نقص يلحق أحدهما لما قررناه من أن كلا منهما متأول تأويلا غير قطعي البطلان، وفئة معاوية وإن كانت هي الباغية لكنه بغي لا فسق به، لانه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابه.

وتأمل انه صلى الله عليه وسلم أخبر معاوية بأنه يملك وأمره بالاحسان، تجد في الحديث إشارة إلى صحة خلافته، وانها حق بعد تمامها له بنزول الحسن له عنها، فإن أمره بالاحسان المترتب على الملك يدل على حقية ملكه وخلافته وصحة تصرفه ونفوذ أفعاله من حيث صحة الخلافة لا من حيث التغلب، لان المتغلب فاسق معاتب لا يستحق أن يبشر، ولا أن يؤمر بالاحسان فيما تغلب عليه، بل انما يستحق الزجر والمقت و الاعلام بقبيح أفعاله وفساد أحواله، فلو كان معاوية متغلبا لاشار له صلى الله عليه وسلم إلى ذلك، أو صرح له به، فلما لم يشر فضلا على أن يصرح إلا بما يدل على حقيقة ما هو عليه علمنا أنه بعد نزول الحسن له خليفة حق وإمام صدق. ه‍ (هذا نهاية جهد ابن حجر في الدفاع عن معاوية)

قال الامينى: إن الكلام يقع على هذه الروايات من شتى النواحي ألا وهي:

1 - ألنظر إلى شخصية معاوية، وتصفح كتاب نفسه المشحون بالمخازي، ثم نعطف النظر في أنه هل تلكم الصحائف السوداء تلائم أن يكون صاحبها مصبا لاقل منقبة له يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فضلا عن هذه النسب المزعومة ؟ أو: لا ؟ ولقد أو قفناك على حياته المشفوعة بالمخاريق مما لا يكاد أن يجامع شيئا من المديح والاطراء أو أن تعزى إليه حسنة، ولا أحسب انك تجد من أيام حياته يوما خاليا عن الموبقات من سفك دماء زاكية، وإخافة مؤمنين أبرياء، وتشريد صلحاء لم يدنسهم إثم، ولا ألمت بساحتهم جريرة، ومعاداة للحق الواضح، ورفض لطاعة إمام الوقت والبغي عليه وقتاله إلى جرائم جمة يستكبرها الدين والشريعة، ويستنكرها الكتاب والسنة، ولا يتسرب إلى شيئ منها الاجتهاد كما مر بيانه.

2 - من ناحية عدم ملائمة هذه الفضائل المنحوتة لما روي وصح عن رسول الله 

 

 

/  ص 375  /

 

صلى الله عليه وآله وما يؤثر عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وعن جمع من الصحابة العدول، فإنه مما لا يتفق معها في شيئ،وقد أسلفنا من ذلك ما يناهز الثمانين حديثا في هذا الجزء ص139- 177

فإنك متى نظرت إليها، واستشففت حقايقها دلتك على أن رجل السوء - معاوية - جماع المآثم والجرائم، وانه هو ذلك الممقوت عند صاحب الشريعة صلى الله عليه وآله ومن احتذى مثاله من خلفائه الراشدين، وأصحابه السابقين الاولين المجتهدين حقا المصيبين في اجتهادهم.

3 - أنا وجدنا نبي الرحمة صلى الله عليه وآله ونظرنا في المأثور الثابت الصحيح عنه في طاغية الشام والامر بقتاله، والحث على مناوئته، وتعريف من لاث به بأنهم الفئة الباغية، وانهم هم القاسطون، وعهده إلى خليفته أمير المؤمنين عليه السلام على أن يناضله، ويكتسح معرته، ويكبح جماحه، وقد علم صلى الله عليه وآله انه سيكون الخليفة المبايع له، الواجب قتله، وانه سيكون في عنقه دماء الصلحاء الابرار التي لا يبيحها أي اجتهاد نظراء حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وأصحابهما، وكثير من البدريين، وجمع كثير من أهل بيعة الرضوان، رضوان الله عليهم.

فهل من المعقول انه صلى الله عليه وآله يرى لمعاوية والحالة هذه قسطا من الفضيلة ؟ أو حسنة تضاهي حسنات المحسنين ؟ ويوقع الامة في التهافت بين كلماته المعزوة إليه هذه، وبين ما صارح به وصح عنه صلى الله عليه وآله مما أو عزنا إليه. وزبدة المخض انه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينبس عن هاتيك المفتعلات ببنت شفة، ولكن القوم نحتوها ليطلوا على الضعفاء ما عندهم من طلاء مبهرج.

4 - ما قاله الحفاظ من أئمة الحديث وحملة السنة من انه لم يصح لمعاوية منقبة، وسيوافيك بعيد هذا نص عباراتهم عند البحث عن فضائل معاوية المختلقة.

5 - ألنظر في اسناد ومتن ما جاء به إبن حجر، وعلا عليه اسس تمويهه على الحقايق، وبه طفق يرتأي معاوية خليفة حق، وإمام صدق.

 

- الرواية الاولى:

أما ما أخرجه الترمذي وحسنه عن عبدالرحمن بن أبي عميرة مرفوعا، أللهم

 

 

/  ص 376  /

 

اجعله هاديا مهديا واهد به (1). فإن كون إبن أبي عميرة صحابيا في محل التشكيك فإنه لا يصح كما أن حديثه هذا لا يثبت، قال أبوعمر في الاستيعاب 2: 395 بعد ذكره بلفظ: أللهم اجعله هاديا مهديا واهده واهد به: عبدالرحمن حديثه مضطرب لا يثبت في الصحابة وهو شامي، ومنهم من يوقف حديثه هذا ولا يرفعه، ولا يصح مرفوعا عندهم. وقال: لا يثبت أحاديثه، ولا يصح صحبته.

1- ورجال الاسناد كلهم شاميون وهم: أبوسهر الدمشقي.2 - سعيد بن عبدالعزيز الدمشقي. 3 - ربيعة بن يزيد الدمشقي 4 - إبن أبي عميرة الدمشقي.

وتفرد به ابن أبي عميرة ولم يروه غيره ولذلك حكم فيه الترمذي بالغرابة بعد ما حسنه، وإبن حجر حرف كلمة الترمذي حرصا على إثبات الباطل، فما ثقتك برواية تفرد بها شامي عن شامي إلى شامي ثالث إلى رابع مثلهم ايضا، ولا يوجد عند غيرهم من حملة السنة علم بها، ولم يك يومئذ يتحرج الشاميون من الافتعال لما ينتهي فضله إلى معاوية ولو كانت مزعمة باطلة، على حين ان أمامهم القناطير المقنطرة لذلك العمل الشائن، ومن ورائهم النزعات الاموية السائقة لهم إلى الاختلاق، لتحصيل مرضاة صاحبهم. فهناك مرتكم الاباطيل والروايات المائنة.

على ان هذا المزعوم حسنه كان بمرأى ومشهد من البخاري الذي يتحاشى في صحيحه عن أن يقول: باب مناقب معاوية. وإنما عبر عنه بباب ذكر معاوية. وكذلك من شيخه إسحاق بن راهويه الذي ينص على عدم صحة شيئ من فضائل معاوية.

ومن الحفاظ: النسائي، والحاكم النيسابوري، والحنظلي، والفيروز آبادي، وابن تيمية، والعجلوني وغيرهم، وقد أطبقوا جميعا على أنه لم يصح لمعاوية حديث فضيلة، ومساغ كلماتهم يعطي نفي ما يصح الاعتماد عليه لا الصحيح المصطلح في باب الاحاديث، فلا ينافي شمول قولهم على حسنة الترمذي المزعومة مع غرابتها، فإنهم يقذفون الحديث بأقل مما ذكرناه في هذا المقام، ولو كان لهذه الحسنة وزن يقام " كحسنات معاوية " لا عزوا إليها عند نفيهم العام.

وإن مفاد الحديث لمما يربك القارئ ويغنيه عن التكلف في النظر إلى إسناده

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا لفظ الحديث في جامع الترمذي 13: 229.

 

 

/  ص 377  /

 

فإن دعاء النبي صلى الله عليه وآله مستجاب لا محالة يقوله ابن حجر، ونحن في نتيجة البحث والاستقراء التام لاعمال معاوية لم نجده هاديا ولا مهديا في شيئ منها، ولعل ابن حجر يصافقنا على هذه الدعوى، وليس عنده غير ان الرجل مجتهد مخطئ في كل ما أقدم وأهجم، فله أجر واحد في مزعمته، ولا يلحقه ذم وتبعة لاجتهاده، وقد أعلمناك أن عامة أخطاء‌ه وجرائمه مما لا يتطرق إليه الاجتهاد، على ما أسلفنا لك انه ليس من الممكن أن يكون معاوية مجتهدا لفقدانه العلم بمبادئ الاستنباط من كتاب وسنة، وبعده عن الاجماع والقياس الصحيح.

أو هل ترى ان الدعاء المستجاب كهذا يقصد به هذا النوع من الاجتهاد المستوعب للاخطاء في أقوال الرجل وأفعاله ؟ حتى انه لا يرى مصيبا في واحد منها، وهل يحتاج تأتي مثل هذا الاجتهاد إلى دعاء صاحب الرسالة ؟ فمرحبا بمثله من اجتهاد معذر، وهداية لا تبارح الضلال.

ثم من الذي هداه معاوية طيلة أيامه، وأنقذه من مخالب الهلكة ؟  أيعد منهم ابن حجر بسر بن أرطاة الذي أغار بأمره على الحرمين، وارتكب فيهما ما ارتكبه من الجرائم القاسية ؟ 

أم ضحاك بن قيس الذي أمره بالغارة على كل من في طاعة علي عليه السلام من الاعراب، وجاء بفجايع لم يعهدها التاريخ ؟ 

أم زياد بن أبيه أو امه الذي استحوذ على العراق، فأهلك الحرث والنسل، وذبح الاتقياء، ودمر على الاولياء، وركب نهابير لا تحصى ؟  أم عمرو بن العاص الذي أطعمه مصر فباعه على ذلك دينه بدنياه، وفعل من الجنايات ما فعل ؟ 

أم مروان بن الحكم الطريد اللعين وابنهما الذي كان لعنه عليا أمير المؤمنين على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدة أعوام إحدى طاماته ؟  أم عمرو بن سعيد الاشدق الجبار الطاغي الذي كان يبالغ في شتم علي أمير المؤمنين صلوات الله عليه وبغضه إياه ؟ 

أم مغيرة بن شعبة أزنى ثقيف الذي كان ينال من علي عليه السلام ويلعنه على منبر

 

 

/  ص 378  /

 

الكوفة ؟ 

أم كثير بن شهاب الذي استعمله على الري، وكان يكثر سب علي عليه السلام أمير المؤمنين والوقيعة فيه ؟ 

أم سفيان بن عوف الذي أمره أن يأتي هيت والانبار والمدائن، فقتل خلقا، و نهب أموالا، ثم رجع إليه ؟ 

أم عبدالله الفزازي الذي كان أشد الناس على علي عليه السلام، ووجهه إلى أهل البوادي فجاء بطامات كبرى؟ 

أم سمرة بن جندب الذي كان يحرف كتاب الله لارضائه، وقتل خلقا دون رغباته لا يحصى ؟ 

أم طغام الشام وطغاتها الذين كانوا يقتصون أثر كل ناعق، وانحاز بهم هو عن أي نعيق فأوردهم المهالك ؟ 

أهذه كلها من ولائد ذلك الدعاء المستجاب ؟ أللهم، لا. ولو كان مكان هذا الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وآله - العياذ بالله - قوله: أللهم اجعله ضالا مضلا. لما عداه أن يكون كما كان عليه من البدع والضلالات.

ولو كان لهذا الدعاء المزعوم نصيب من الصدق لما كان يعزب علمه عن مثل مولانا أمير المؤمنين، وولديه الامامين وعيون الصحابة الذين كانوا لا يبارحون الحق كأبي أيوب الانصاري، وعمار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ولما عهد إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله على حربه وقتاله، ولما عرف فئته بالبغي والقسط.

ولو كان السلف الصالح يرى شيئا زهيدا من هداية الرجل واهتدائه أثر ذلك الدعاء المستجاب لما كانوا يعرفونه في صريح كتاباتهم وخطاباتهم بالنفاق والضلال والاضلال.

وللسيد العلامة ابن عقيل كلمة حول هذه المنقبة المزيفة ونعما هي قال في النصايح الكافية ص 167: وها هنا دلالة على عدم استجابة الله هذه الدعوة لمعاوية لو فرضنا صحة الحديث من حديث صحيح أخرجه مسلم عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربي أن لا يهلك امتي بالسنة فأعطانيها وسألته أن لا يهلك امتي بالغرق فأعطانيها. وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها.

 

 

/  ص 379  /

 

تعرف بهذا الحديث وغيره شدة حرصه صلى الله عليه وآله على أن يكون السلم دائما بين امته، فدعا الله تارة أن لا يكون بأس امته بينهم كما في حديث مسلم، وتارة أن يجعل معاوية هاديا مهديا لانه بلا ريب يعلم ان معاوية أكبر من يبغي ويجعل بأس الامة بينهما، فمآل الدعوتين واحد وعدم الاجابة في حديث مسلم تستلزم عدمها في حديث الترمذي، والمناسبة بل التلازم بينهما واضح بين، وفي معنى حديث مسلم هذا جاء‌ت أحاديث كثيرة ومرجعها واحد.

- الرواية الثانية:

أللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب.

في إسنادها الحارث بن زياد، وهو ضعيف مجهول كما قاله ابن أبي حاتم، عن أبيه، وابن عبدالبر، والذهبي، كما في ميزان الاعتدال 1: 201، وتهذيب التهذيب 2: 142، ولسان الميزان 2: 149. وهو شامي غير مكترث لرواية الموضوعات في طاغية الشام.

وان متنه لفي غنى عن أي تفنيد فإن المراد به إما علم الكتاب كله أو بعضه، و نحن لم نجد عنده شيئا من علم الكتاب فضلا عن كله، فإن أعماله وتروكه مضادة كلها لمحكمات الذكر الحكيم، من إيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله بإيذاء أهل بيته وصلحاء امته، ولا سيما صنوه وخليفته المفروض طاعته الذي هو نفسه، ومطهر عن أي رجاسة في نصوص من الكتاب العزيز.

ومن إيذاء المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا إثما لمحض ولائهم من قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله.

ومن القتل الذريع للصلحاء الابرار، لعدم نزولهم على رغباته الباطلة، وميوله وأهواء‌ه.

ومن الكذب الصراح، وكل فرية وبهت وإفك وقول زور، طفح الكتاب بتحريمها النهائي.

ودع عنك بيع الخمر وشربها، وأكل الربا، وتبديل سنة الله التي لا تبديل لها متى ما خالفت خطته السيئة، وتعديه حدود الله، ومن يتعدّ حدود الله فاولئك هم

 

 

/  ص 380  /

 

الظالمون، إلى طامات صافقت على خطرها الكتاب ضرورة الدين.

فالاعتقاد بجهله بكل هذه الموارد وما شاكلها خير له من علمه بها ومروقه عنها وخروجه عن حكم الكتاب، ونبذه إياه وراء ظهره، كما ذهب إليه مولانا أمير المؤمنين و امة صالحة من الصحابة، فالدعاء المزعوم له قد عدته الاجابة في كل ورد له وصدر.

وأما بعض الكتاب فما عسى أن يجديه نفعا إن كان يؤمن ببعض ويكفر ببعض ؟

ولو كان يعرف من الكتاب قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي.

وقوله تعالى: " ألذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار " وقوله تعالى:

إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وقوله تعالى: الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا. أو كان يعرف شيئا من أمثال هذه من كتاب الله لكان يعرف حده ولم يتعد طوره.

ومما لا نشك فيه ان ابن حجر الذي يقول: لا شك ان دعاء‌ه صلى الله عليه وسلم مستجاب لا يأول الرواية بأنه اريد بها علم الكتاب لا العمل به، وإن أبى الزاعم إلا ذلك ؟ فياهبلته الهبول.

وإنا لا نعلم معنى " الحساب " وعلمه الذي جاء في هذه الرواية معطوفا على الكتاب، فإما أن يراد به تطبيق أفعاله وتروكه على نواميس الشريعة المقررة، أو علمه بكل ما يحاسب عليه الله عباده، فيخرج من العهدة من غير تبعة، أو أنه يحاسب نفسه قبل أن يحاسب بكل قول وعمل، أو أنه يقسم بالسوية فيعطي كل ذي حق حقه، ولا يحيف في مال الله، ولا يميل في أعطيات الناس بمحاباة أحد وقطع آخر من غير تخط عن سنن الحق، أو أنه يعرف فروض المواريث الحسابية، أو أنه يعلم بقواعد الحساب العددية من الجمع والضرب والتقسيم والتفريق والجبر والمقابلة والخطأين إلى أمثالها من اصول علم الحساب.

 

 

/  ص 381  /

 

أما ما قبل الاخرين فإن الرجل كان يأثم بغير حساب، ويقتل بغير حساب، ويكذب بغير حساب، ويحيف بغير حساب، ويجهل من معالم الدين بغير حساب، وإن أخطاء‌ه في الاجتهاد " المزعوم " بغير حساب، ويعطي ويمنع من غير حجة بغير حساب، فياله من دعاء لم يقرن بالاجابة في مورد من الموارد ؟.

وأما قواعد علم الحساب ويلحق بها فروض المواريث، فماذا الذي نجم منها بين معلومات معاوية وفتاواه ؟ غير جهل شائن مستوعب لكل ما ناء به من كل فرض وندب، ولم تعهد له دراسة لهذه العلوم والقواعد حتى تتحقق بها إجابة الدعوة بتوفيق إلهي.

وأما جملة " وقه العذاب " فإن صحت الرواية فإنها تشبه أن تكون ترخيصا في المعصية لرجل مثل معاوية يلغ في المآثم، ويتورط بالموبقات، ويرتطم في المهالك، فليس فيما سبرناه وأحصيناه من أفعاله وتروكه إلا جنايات للعامة، وميول وشهوات في الخاصة، وحيف وميل في الحقوق، وبسط وقبض، وإقصاء وتقريب من غير حق، فلا يكاد يخلو ما ناء به من مآثم أوعد الله تعالى فاعله بالنار، أو محظور في الشريعة يمقت صاحبها، أو عمل بغيض يمجه الحق، ويزور عنه الصواب، أو بدع محدثة في منتأى عن رضا الرب وتشريع الرسول صلى الله عليه وآله فإن كان يوقى مثل هذا الانسان عن العذاب المجرئ له على الهلكات ؟ فأين مصب التوعيدات المعدة لمن عصى الله ورسوله ؟ إن الله لا يخلف الميعاد، أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون.

فالخضوع لمثل هذه الرواية على طرف النقيض من مسلمات الشريعة بتحريم ما كان يستبيحه معاوية، ولذلك كان يراه مولانا أمير المؤمنين ووجوه الصحابة الاولين من أهل النار (1) مع أن هذا الموضوع المفتعل كان بطبع الحال بمرأى منهم ومسمع، إلا أن يكون تاريخ ايلاده بعد صدور تلكم الكلم القيمة.

ولو كان مثل معاوية يدرء عنه العذاب، ويدعى له بالسلامة منه، وحاله ما علمت، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أعلم بها منك ومن كل أحد، وعنده من حقوق الناس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الكلمات التى اسلفناها في هذا الجزء.

 

 

/  ص 382  /

 

مالا يحصى مما لا تدركه شفاعة أي معصوم من دم مسفوك، ومن مال منهوب، ومن عرض مهتوك، ومن حرمة مضاعة، فما حال من ساواه في الخلاعة، أو من هو دونه في النفاق والضلال ؟ وأي قيمة تبقى سالمة لتوعيدات الشريعة عندئذ ؟ لاها الله، هذه امنية حالم قط لا تتحقق، إلا أن تكون تلك المحاباة تشريفا لابن أبي سفيان بخرق النواميس الالهية، والخروج عن حكم الكتاب والسنة، تكريما لراية هند ومكانة حمامة، إذن فعلى الاسلام السلام.

أفمن الحق لمن له أقل إلمامة بالعلم والحديث أن يركن ألى أمثال هذه التافهاف، ولا يقتنع بذلك حتى يحتج بها لامامة الرجل عن حق، وصدق خلافته ؟ كما فعله ابن حجر في الصواعق، وفي هامشه تطهير الجنان ص 32، وكأنه غض الطرف عن كل ما جاء في حق الرجل من حديث وسيرة وتاريخ، وأغضى عن كل ما انتهى إليه من الاصول المسلمة في الاسلام، وحرمات الدين. نعم: الحب يعمي ويصم.

 

- الرواية الثالثة:

إذا ملكت فأحسن فهي وما في معناها من رواية: إن وليت فاتق الله واعدل (1) ورواية: أما انك ستلي أمر امتي بعدي فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم، واعف عن مسيئهم. تنتهي طرقها جميعا إلى نفس معاوية، ولم يشترك في روايتها أحد غيره من الصحابة، فالاستناد إليه في إثبات أي فضيلة له من قبيل استشهاد الثعلب بذنبه، على أن الرجل غير مقبول الرواية ولا مرضيها فانه فاسق فاجر منافق كذاب مهتوك ستره بشهادة ممن عاشره وباشره، وسبر غوره ودرس كتاب نفسه، وفيهم مثل مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه وآخرون من الصحابة العدول، وقد تقدم نص كلماتهم في هذا الجزء ص 148 - 177 وتكفى في الجرح واحدة من تلكم الشهادات المحفوظة أهلها بالتورع عن كل سقطة في القول أو العمل، فكيف بها جمعاء ؟

وتؤيد هاتيك الشهادات بما اقترفه الرجل من الذنوب، وكسبته يده الاثيمة من جرائر وجرائم، ولفقها في سبيل شهواته من شهادات مزورة، وكتب افتعلها على اناس من الصحابة، ونسب مكذوبة كان يريد بها تشويه سمعة الامام صلوات الله عليه - وأنى له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مر الكلام حول هذه الرواية في ص 362 من هذا الجزء.

 

/  ص 383  /

 

بذلك ؟ - إلى آخر ما أوقفناك على تفاصيله.

وإن أخذناه بما حكاه إبن حجر في تهذيب التهذيب 1: 509 عن يحيى بن معين من قوله: كل من شتم عثمان أو طلحة أو أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دجال لا يكتب عنه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. إلى كلمات اخرى مرت ص 267 من هذا الجزء، فمعاوية في الرعيل الاول من الدجالين الذين لا يكتب عنهم، وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إذ هو الذي فعل ذلك المحظور بمثل مولانا أمير المؤمنين وشبليه الامامين، وحبر الامة عبدالله بن العباس، وقيس بن سعد وهؤلاء كلهم أعيان الصحابة ووجهائهم، لا يعدوهم أي فضل سبق لاحدهم، ولا ينتأون عن أي مكرمة لحقت بواحد منهم، وكان معاوية قد استباح شتمهم، والوقيعة فيهم وفي كل صحابي إحتذى مثالهم في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يقنعه ذلك حتى قنت بلعنهم في صلواته، ورفع عقيرته به على صهوات المنابر، وأمر بذلك حتى عمت البلية البلاد والعباد، واتخذوها بدعة مخزية إلى أن لفظ نفسه الاخير، واحتقبها من بعده خزاية موبقة ما دامت لآل حرب دولة، واكتسحت معرتهم من أديم الارض.

أفمثل هذا السباب الفاحش المتفحش تجوز الرواية عنه، ويخضع لما يرويه في دين أو دنيا ؟ 

على أن في اسناد رواية " إن ملكت فأحسن " عبدالملك بن عمر، وقد جاء عن أحمد: انه مضطرب الحديث جدا مع قلة روايته ما أرى له خمسمائة حديث وقد غلط في كثير منها.

وقال ابن منصور: ضعفه أحمد جدا. وعن ابن معين: مخلط. وقال العجلي: تغير حفظه قبل موته.

وقال ابن حبان: مدلس(1).

وفيه: اسماعيل بن ابراهيم المهاجر، ضعفه ابن معين والنسائي وابن الجارود، وقال أبوداود: ضعيف ضعيف أنا لا اكتب حديثه. وقال أبوحاتم: ليس بقوي. وقال ابن حبان: كان فاحش الخطاء. وقال الساجي: فيه نظر(2).

فلمكان الرجلين نص الحافظ البيهقي على ضعفها، وأقره الخفاجي في شرح الشفا 3: 161، وعلي القاري في شرحه هامش شرح الخفاجي 3: 161.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تهذيب التهذيب 6: 412.

(2) تهذيب التهذيب 1: 279.

 

 

/  ص 384  /

 

وأما مؤدى هذه الروايات الثلاث فكبقية أخبار الملاحم، لا يستنتج منها مدح لصاحبها أو قدح، إلا إذا قايسناها بأعمال معاوية المبائنة لها في الخارج، المضادة لما جاء فيها من العهد والوصية، فلم يكن ممن ملك فأحسن، ولا ممن ولي فاتقى وعدل، ولا ممن قبل من محسن، وعفى عن مسئ، فماذا عسى أن يجديه مثل هذه البشائر وليست هي ببشائر بل إقامة حجة عليه وهو غير متصف بما امر به فيها ؟ وكل ما ناء به في منتئ عن الاحسان والعدل والتقوى، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنه لا يعمل بشيئ من ذلك لكنه أراد إتمام الحجة عليه على كونها تامة عليه بعمومات الشريعة وإطلاقاتها، فأين هي من التبشير بأن ما يليه من الملك العضوض ملوكية صالحة، فضلا عن الخلافة عن الله ورسوله صلى الله عليه وآله ؟ وقد جاء عنه صلى الله عليه وآله في ذلك الملك قوله: إن فيه هنات وهنات وهنات (1) وقوله صلى الله عليه وآله: يا معاوية  إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم (2) إلى كلمات اخرى فيه وفي ملكه.

ولو كان ابن حجر ممن يعرف لحن الكلام ومعاريض المحاورات، ولم يكن في اذنه وقر، وفي بصره عمى ؟ لعلم أن الروايات المذكورة بأن تكون ذموما لمعاوية أولى من أن تكون مدائح له لما قلناه، وإلا لما أمر صلى الله عليه وآله بقتله إذا رأي على منبره، ولما أعلم الناس بأنه وطغمته هم الفئة الباغية المتولية قتل عمار، ولما رآه وحزبه من القاسطين الذين يجب قتالهم، ولما أمر خليفته حقا الامام أمير المؤمنين عليه السلام بقتاله، ولما حث صحابته العدول بمناضلته ومكاشفته، ولما ولما...

ولو كانت هذه الروايات صادقة، وكانت بشائر، وقد عرفتها صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك، فلما ذا كان ذلك اللوم والتأنيب له من وجوه الصحابة ؟ لما منته هواجسه بتسنم عرش الخلافة، والاقعاء على صدر دستها، وليس ذلك إلا من ناحية إدعائه ما ليس له، وطمعه فيما لم يكن له بحق، ونزاعه في أمر ليس للطلقاء فيه نصيب.

 

هذه عمدة ما جاء به ابن حجر في الدفاع عن معاوية، وأما بقية كلامه المشوه بالسباب المقذع فنمر بها كراما، إقرأ واحكم

 

 

ها هنا قصرنا عن القول

وأمسكنا عن الإفاضة بانتهاء الجزء العاشر

وأرجأنا بقية البحث عن موبقات معاوية إلى الجزء الحادي عشر

وسيوافيك في المستقبل العاجل إن شاء الله تعالى

والحمد لله أولاً وآخراً وله الشكر

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الخصائص الكبرى 2: 116.

(2) سنن أبى داود 2: 299.