فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ ص 23 /

 

 

بيعة ابن عمر

تارة وتقاعسه عنها اخرى

 

هذه عقلية ابن عمر النابية عن إدراك الحقايق، وهي التي أرجأته عن بيعة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وحدته إلى بيعة عثمان ولم يتسلل عنه حتى يوم مقتله بعد ما نقم عليه الصحابة أجمع خلا شذاذا منهم، بل كان هو الذي أغرى عثمان بنفسه حتى قتل كما جاء في أنساب البلاذري 5: 76 عن نافع قال: حدثني عبدالله بن عمر قال قال عثمان وهو محصور: ما تقول فيما أشار به علي المغيرة بن الاخنس ؟

قال: قلت: وما هو ؟

قال: قال: إن هؤلاء القوم يريدون خلعك فإن فعلت وإلا قتلوك فدع أمرهم إليهم.

قال: فقلت: أرأيت إن لم تخلع هل يزيدون على قتلك ؟

قال: لا.

قال: فقلت: فلا أرى أن تسن هذه السنة في الاسلام فكلما سخط قوم أميرهم خلعوه لا تخلع قميصا قمصكه الله.

وفي إثر هذا جاء في الاثر: ان عثمان لما أشرف على الناس فسمع بعضهم يقول:

لا نقتله ولكن نعزله قال: أما عزلي فلا وأما قتلي فعسى.

وهذا من أتفه ما ارتآه ابن عمر فإن أمره عثمان أن لا يخلع نفسه خيفة أن يطرد ذلك جار في صورة عدم الخلع المنتهي إلى القتل الذي هو أفظع من الخلع، وفي كل منهما سقوط هيبة السلطان وزوال ابهة الخلافة، غير أن البقاء مخلوعا اخف وطأة وأبعد عن مثار الفتن، ومن المشاهد الفتن الثائرة بعد قتل عثمان من قاتليه والحاضين عليه والمتخاذلين عنه فمن قائلة: اقتلوا نعثلا. قتل الله نعثلا. تطلب ثاره. ومألبين عليه أخذا بضبعي الهودج يحثان على الهتاف بثارات عثمان، وموها عليها نبح كلاب الحوأب، ومتقاعد عنه بالشام حتى إذا اودي به كتب الكتائب وخرج إلى صفين وأزلف إليه من كان يقول لما بلغه انه محصور: أنا أبوعبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار. ولما بلغه مقتله قال: أنا أبوعبد الله قتلته وأنا بوادي السباع (1) قال هذا ثم طفق يثب مع معاوية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع ما مر في الجزء الثاني ص 139،والجزء التاسع ص137 - 140.

 

 

/ ص 24 /

 

يطلب الثار، وكان من ولائد وقعة صفين مقتل الخوارج بنهروان، فمن جراء هذه المعامع كانت مجزرة كبرى لزرافات من الصحابة والتابعين ووجهاء الامصار ورؤساء القبائل وصلحاء المسلمين، وهل كانت هذه المفاسد إلا ولائد ذلك الرأي الفطير الذي أسدى به ابن عمر للخليفة المقتول، ولو كان سالم القوم كما أشار إليه المغيرة بن الاخنس فخلعوه بقي حلس بيته ولا ثائر ولا مشاغب، وبقيت بيوت المسلمين عامرة ولم تكن تنتشر الفتن في البلاد، قال ابن حجر في فتح الباري 13: 10: انتشرت الفتن في البلاد فالقتال بالجمل وبصفين كان بسبب قتل عثمان، والقتال بالنهروان بسبب التحكيم بصفين، وكل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شئ من ذلك أو عن شئ تولد عنه. اه‍.

وقال في ص 42: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حق عثمان: بلاء يصيبنه. هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك. ه‍.

ونحن لا نعرف لابن عمر حجة فيما ارتكبه من البيعة والقعود إلا ما نحته له ابن حجر في فتح الباري 5: 19 بقوله: لم يذكر ابن عمر خلافة علي لانه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه كما هو مشهور في صحيح الاخبار، وكان رأي ابن عمر انه لا يبايع لمن لم يجتمع عليه الناس، ولهذا لم يبايع ايضا لابن الزبير ولا لعبد الملك في حال اختلافهما، وبايع ليزيد بن معاوية ثم لعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير. اه‍.

وقال في الفتح ايضا ج 13: 165: كان عبدالله بن عمر في تلك المدة إمتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي، واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لاحد حال الاختلاف إلى أن قتل ابن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ.

هذه حجة داحضة موه بها ابن حجر على الحقايق الراهنة لتغرير امة جاهلة، و لعله اتخذها مما جاء في الحديث من انه لما تخلف عبدالله بن عمر عن بيعة علي عليه السلام أمر باحضاره فاحضر فقال له: بايع. قال: لا ابايع حتى تبايع جميع الناس. قال له علي عليه السلام فأعطني حميلا (1) أن لا تبرح. قال: ولا اعطيك حميلا. فقال الاشتر: يا أمير المؤمنين 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الحميل كفعيل: الكفيل.

 

 

/ ص 25 /

 

إن هذا قد أمن سوطك وسيفك، فدعني أضرب عنقه. قال: لست اريد ذلك منه على كره خلوا سبيله. فلما انصرف قال أمير المؤمنين عليه السلام: لقد كان صغيرا وهو سئ الخلق وهو في كبره أسوأ خلقا. وروي انه أتاه في اليوم الثاني فقال: اني لك ناصح إن بيعتك لم يرض بها الناس كلهم، فلو نظرت لدينك ورددت الامر شورى بين المسلمين. فقال علي عليه السلام: ويحك وهل ما كان عن طلب مني ؟ ألم يبلغك صنيعهم بي ؟ قم يا أحمق، ما أنت وهذا الكلام ؟ فخرج ثم أتى عليا عليه السلام آت في اليوم الثالث فقال: إن ابن عمر قد خرج إلى مكة يفسد الناس عليك فأمر بالبعثة في أثره فجاء‌ت ام كلثوم ابنته فسألته وضرعت إليه فيه وقالت: ياأمير المؤمنين  انما خرج إلى مكة ليقيم بها، وانه ليس بصاحب سلطان، ولا هو من رجال هذا الشأن، وطلبت إليه أن يقبل شفاعتها في أمره لانه ابن بعلها فأجابها وكف البعثة إليه وقال: دعوه وما أراد.

جواهر الاخبار للصعدي المطبوع في ذيل كتاب البحر الزخار ج 5: 71.

هلموا معي يا امة محمد صلى الله عليه وآله نسائل ابن عمر، هلا بايع هو أبا بكر ولم يجتمع عليه الناس، وانعقدت بيعته باثنين أو أربعة أو خمسة كما مر في ج 7 ص 141 ط 1 ؟

والاختلاف هنالك كان قائما على ساق، وهو الذي فرق صفوف الامة حتى اليوم، وكان ابن عمر ينظر إليه من كثب، ثم لحقتها موافقة الناس بالارهاب في بعض، وإطماع في آخرين، وأمر دبر بليل بين لفيف من زبانية الخلافة، وتمت بعد وصمات مر الايعاز إليها في الجزء السابع ص 74 - 87، تمت وصدور امة صالحة واغرة عليها وعلى من تقمصها، وهو يعلم أن محل علي عليه السلام منها محل القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل، ولا يرقى إليه الطير.

وأما أبوه فلم يثبت أمره إلا بتعيين أبي بكر إياه، فيا عجبا يستقيلها في حياته إذا عقدها لآخر بعد وفاته، لشد ما تشطر اضرعيها، فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها (1) والناس متذمر على المستخلف كلهم ورم أنفه من ذلك قائلين: ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا ؟ ثم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   جمل لمولانا أمير المؤمنين من خطبته الشقشقية راجع ج 7: 81 ط 2.

 

 

/ ص 26 /

 

ألحقت الناس به العوامل المذكورة.

وأما حديث الشورى، وما أدراك ما حديث الشورى ؟ فسل عنه سيف عبد الرحمن بن عوف الذي لم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، واذكر قوله لعلي: بايع وإلا ضربت عنقك أو قوله له: لا تجعلن على نفسك سبيلا كما ذكره البخاري والطبري وغيرهما (1)

وزاد ابن قتيبة: فانه السيف لا غير. أو قول أصحاب الشورى لما خرج علي مغضبا ولحقوه:

بايع وإلا جاهدناك (2) أو قول أمير المؤمنين: متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى

صرت اقرن إلى هذه النظائر، لكني أسففت إذا سفوا، وطرت إذا طاروا، فصغا رجل منهم لضغنه، ومال آخر لصهره مع هن وهن. الخ (3)

لكن إبن عمر - على زعم ابن حجر - لا يرى كل هذه خلافا في خلافة القوم، ولا في معاوية من إنجاز الامر بعد أمير المؤمنين علي عليه السلام بين السيف والمطامع، وفي القلوب منه ما فيها إلى أن لفظ نفسه الاخير، هذا سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة ومن رجال الشورى الست تخلف عن بيعته، دخل على معاوية فقال له: السلام عليك أيها الملك فقال له: فهلا غير ذلك ؟ أنتم المؤمنون وأنا أميركم، فقال سعد: نعم إن كنا أمرناك وفي لفظ: نحن المؤمنون ولم نؤمرك. فقال معاوية: لا يبلغني ان أحدا يقول: إن سعدا ليس من قريش إلا فعلت به وفعلت، إن سعدا الوسط في قريش. ثابت النسب. (4)

وهذا ابن عباس وهو يجابه معاوية ويدحض حجته، قال عبيد الله بن عبدالله المديني:

حج معاوية فمر بالمدينة فجلس في مجلس فيه سعد وفيه عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس فالتفت إلى عبدالله بن العباس فقال: يا أبا عباس إنك لم تعرف حقنا من باطل غيرنا، فكنت علينا ولم تكن معنا، وأنا ابن عم المقتول ظلما يعني عثمان وكنت أحق بهذا الامر من غيري. فقال ابن عباس: أللهم إن كان هكذا فهذا - وأومأ إلى ابن عمر - أحق بها منك لان أباه قتل قبل ابن عمك. فقال معاوية: ولاسواء إن أباه هذا قتله المشركون، وابن عمي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى باب كيف يبايع الامام ج 10: 208، تاريخ الطبرى

5: 37، 40، الامامة والسياسة 1: 25، الكامل لابن الاثير 3: 30، الصواعق ص 36، فتح البارى 13: 168، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 102.

(2) أنساب البلاذرى 5: 22.

(3) راجع الجزء السابع ص 81.

(4) تاريخ ابن عساكر 5: 251 وج 6: 106.

 

 

/ ص 27 /

 

قتله المسلمون. فقال ابن عباس: هم والله أبعد لك وأدحض لحجتك. فتركه (1)

وأنكرت عائشة على معاوية في دعواه الخلافة وبلغه ذلك فقال: عجبا لعائشة تزعم اني في غير ما أنا أهله وان الذي أصبحت فيه ليس لي بحق، مالها ولهذا يغفر الله لها إنما كان ينازعني في هذا الامر أبوهذا الجالس وقد استأثر الله به. فقال الحسن بن علي (عليهما السلام) أو عجب ذلك يا معاوية ؟ قال: اي والله قال: أفلا اخبرك بما هو أعجب من هذا ؟

قال: ما هو ؟

قال: جلوسك في صدر المجلس وأنا عند رجليك (شرح ابن أبي الحديد 4: 5).

وهكذا كان أكابر الصحابة مناوئين له في المدينة الطيبة فأسمعوه النكير، وسمعوا إدا من القول. ورأوا إمرا من أمره، وشاهدوا منه أحداثا وبدعا في الدين الحنيف تخلد مع الابد، وعاينوا منه جنايات على الامة الاسلامية وصلحائها وعظمائها من هتك و حبس وشتم وسب مقذع وضرب وتنكيل وعذاب وقتل قط لا تغفر له - وحاش لله أن يغفرها له - دع عمر بن عبد الغزيز يرى في الطيف انه مغفور له (2) - وتذمرت عليه صلحاء امة محمد صلى الله عليه وآله لما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيه من لعنه والتخذيل عنه، وأمره الصحابة بقتاله، وتوصيفه فئته بالقسط وانها الفئة الباغية، وقوله السائر الدائر: إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه (3) وقوله صلى الله عليه وآله الخلافة بالمدينة والملك بالشام (4) ليت شعري أين كان ابن عمر من هذه كلها ومن قوله صلى الله عليه وآله الحاسم لمادة النزاع: ستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا ؟ قال: فواببيعة الاول فالاول (5)

وقوله صلى الله عليه وآله: إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما (6)

وقوله صلى الله عليه وآله: ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الامة وهي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر 6: 107.

(2) سيوافيك تفصيله انشاء الله تعالى.

(3) كنوز الدقائق للمناوى ص 10. اخرجه ابن عدى عن أبى سعيد والعقيلى عن طريق الحسن وسفيان بن محمد من طريق جابر وغيرهم. وسيوافيك الكلام في اسناده انشاء الله تعالى.

(4) تاريخ ابن كثير 6: 221.

(5) صحيح مسلم 6: 17، سنن ابن ماجة 2: 204، سنن البيهقى 8. 144 عن الشيخين، تيسير الوصول 2: 35 عن الشيخين ايضا، مسند أحمد 2: 297، المحلى 9: 360.

(6) صحيح مسلم 6: 23، مستدرك الحاكم 2: 156، سنن البيهقى 8. 144، الفصل لابن حزم 4: 88، المحلى 9: 360، تيسير الوصول 2: 35.

 

 

/ ص 28 /

 

جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان. وفي لفظ: فاقتلوه. (1)

وقوله صلى الله عليه وآله: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه. (2)

وقوله صلى الله عليه وآله: من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص: من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر.

قال عبدالرحمن بن عبد رب: فدنوت منه فقلت له: انشدك الله أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فأهوى إلى اذنيه وقلبه بيديه.

وقال: سمعته اذناي ووعاه قلبي.

فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، والله عزوجل يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما. قال: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله (3).

قال النووي في شرح مسلم هامش ارشاد الساري 8: 43: قوله صلى الله عليه وآله: فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر. معناه: ادفعوا الثاني فانه خارج على الامام، فإن لم يندفع إلا بحرب وقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا ضمان فيه لانه ظالم متعد في قتاله.

قال: قوله: فقلت له: هذا ابن عمك معاوية. إلى آخره. المقصود بهذا الكلام ان هذا القائل لما سمع كلام عبدالله بن عمرو بن العاص وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الاول وان الثاني يقتل فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليا رضي الله عنه وكانت قد سبقت بيعة علي فرأى هذا ان نفقة معاوية على أجناده وأتباعه في حرب علي ومنازعته ومقاتلته إياه من أكل المال بالباطل، ومن قتل النفس، لانه قتال بغير حق فلا يستحق أحد مالا في مقاتلته.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 6: 22، مستدرك الحاكم 2: 156، سنن البيهقى 8. 168، 169.

(2) صحيح مسلم 6: 23، سنن البيهقى 8: 169، تيسير الوصول 2: 35، المحلى

 9: 360.

(3) صحيح مسلم 6: 18، سنن البيهقى 8: 169، سنن ابن ماجة 2: 467، المحلى

 9: 360.

 

 

/ ص 29 /

 

وقال ص 40 في شرح قوله صلى الله عليه وآله: ستكون خلفاء فتكثر. الحديث: معنى هذا الحديث: إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الاول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الاول أم جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الامام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عقدت في بلد الامام. وقيل: يقرع بينهم. وهذان فاسدان، واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الاسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه " الارشاد " (1): قال أصحابنا لا يجوز عقدها لشخصين، قال: وعندي انه لا يجوز عقدها لاثنين في صقع واحد وهذا مجمع عليه، قال: فإن بعد ما بين الامامين وتخللت بينهما شسوع فللاحتمال فيه مجال، وهو خارج عن القواطع. وحكى المازري هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الاصول، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف ولظواهر إطلاق الاحاديث والله أعلم. اه‍

فكان من واجب ابن عمر نظرا إلى هذه النصوص أن يبايع عليا ولا يتقاعد عن بيعته وقد بايعه المهاجرون والانصار والبدريون وأصحاب الشجرة على بكرة أبيهم، قال ابن حجر في فتح الباري 7: 586: كانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان في أوائل ذي الحجة سنة 35 فبايعه المهاجرون والانصار وكل من حضر وكتب بيعته إلى الآفاق فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام فكان بينهم بعد ما كان. ه‍

وكان من واجب الرجل قتال معاوية الخارج على الامام الطاهر إن كان هو عضادة الدين آخذا بطقوسه، تابعا سننه اللاحب، مؤمنا بما جاء به نبيه الاقدس صلى الله عليه وآله بل الامر كما قال عبدالله بن هاشم المرقال في كلمة له: فلو لم يكن ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية بن أكالة الاكباد. كتاب صفين ص 405.

متى اختلف في بيعة علي أمير المؤمنين اثنان من رجال الحل والعقد من صلحاء الامة ؟ ومتى تمت كلمة الامة في بيعة خليفة منذ اسس الانتخاب الدستوري مثل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع الارشاد ص 525 طبع مكتبة الخانجى.

 

 

/ ص 30 /

 

ما تمت لعلي عليه السلام ؟ ولم يكن متقاعس عن بيعته سلام الله عليه إلا شرذمة المعتزلة العثمانيين وهم سبعة وثامنهم ابن عمر كما مر في الجزء السابع ص 142، فما الذي جعل بيعة اناس معدودين لم تبلغ عدتهم عشرة اجماعا واتفاقا في بيعة أبي بكر، وأوجب على ابن عمر اتباعهم، وحرم عليه التزحزح عنهم ؟ وجعل إجماع الامة من المهاجرين والانصار ورجال الامصار على بيعة علي أمير المؤمنين وتخلف عدة تعد بالانامل عنها خلافا وتفرقا ؟.

وليت ابن عمر إن كان لم يأخذ بحكم الكتاب والسنة في الاستخلاف كان يأخذ برأي أبيه فيه وقد سمعه يقول: هذا الامر في أهل بدر ما بقي منهم أحد ثم في أهل احد ثم في كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شئ. (1)

وقال في كلام له: لا تختلفوا فانكم إن اختلفتم جاء‌كم معاوية من الشام وعبدالله ابن أبي ربيعة من اليمن فلا يريان لكم فضلا لسابقتكم، وإن هذا الامر لا يصلح للطلقاء ولا لابناء الطلقاء (2).

ولعل هذا الرأي كان من المتسالم عليه عند السلف وبذلك احتج مولانا أمير المؤمنين على معاوية في كتاب له كتب إليه بقول: واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الامامة، ولا يدخلون في الشورى (3).

وكتب ابن عباس إلى معاوية: ما أنت وذكر الخلافة ؟ وإنما أنت طليق بن طليق والخلافة للمهاجرين الاولين، وليس الطلقاء منها في شئ (4)

وفي لفظ: إن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى فما أنت والخلافة ؟ وأنت طليق الاسلام، وابن رأس الاحزاب، وابن آكلة الاكباد من قتلى بدر.

ومن كلام لابن عباس يخاطب أبا موسى الاشعري: ليس في معاوية خلة يستحق بها الخلافة وأعلم يا أبا موسى ؟ ان معاوية طليق الاسلام، وأن أباه رأس الاحزاب،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد ط ليدن 3: 248، فتح البارى 13: 176، اسد الغابة 4: 387.

(2) الاصابة 2: 305.

(3) الامامة والسياسة 71 وفى ط 81، العقد الفريد 2: 233 وفى ط 284، نهج البلاغة

2: 5، شرح ابن ابى الحديد 1: 248، وج 3: 300.

(4) الامامة والسياسة 1: 85، وفى ط 97، شرح ابن ابى الحديد 2: 289.

 

 

/ ص 31 /

 

وانه يدعي الخلافة من غير مشورة ولا بيعة (1).

ومن كتاب لمسور بن مخرمة، (2) إلى معاوية: انك أخطأت خطأ عظيما، واخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة يا معاوية ؟ وأنت طليق وأبوك من الاحزاب ؟ فكف عنا فليس لك قبلنا ولي ولا نصير (3).

وفي مناظرة لسعنة بن عريض الصحابي مع معاوية: منعت ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلافة، وما أنت وهي وأنت طليق بن طليق ؟ يأتي تمام الحديث انشاء الله تعالى.

وعاتب عبدالرحمن بن غنم الاشعري الصحابي (4) ابا هريرة وأبا الدرداء بحمص إذا انصرفا من عند علي رضي الله عنه رسولين لمعاوية وكان مما قال لهما: عجبا منكما كيف جاز عليكما ما جئتما به تدعوان عليا إلى أن يجعلها شورى ؟ وقد علمتما أنه قد بايعه المهاجرون والانصار وأهل الحجاز والعراق، وإن من رضيه خير ممن كرهه، ومن بايعه خير ممن لم يبايعه، وأي مدخل لمعاوية في الشورى وهو من الطلقاء الذين لا تجوز لهم الخلافة ؟ وهو وأبوه من رؤس الاحزاب. فندما على مسيرهما وتابا منه بين يديه (5).

ومن كلام لصعصعة بن صوحان يخاطب به معاوية: انما أنت طليق به طليق، أطلقكما رسول الله صلى الله عليه وآله فانى تصح الخلافة لطليق ؟  (6).

فأين يقع عندئذ معاوية الطليق ابن الطليق من الخلافة ؟ وأي قيمة في سوق الاعتبار لرأي ابن عمر ؟ وما الذي يبرر بيعته إياه إن لم يبررها عداء سيد العترة ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح ابن أبي الحديد 1: 195.

(2) نسب هذا الكتاب في كتاب صفين ص 70 إلى عبدالله بن عمر وهو وهم، والابيات التى كتبها رجل من الانصار مع الكتاب تكذب تلك النسبة. فراجع.

(3) الامامة والسياسة 1: 75، وفى ط 85.

(4) قال ابوعمر في الاستيعاب: كان من افقه أهل الشام، وهو الذى فقه عامة التابعين بالشام وكانت له جلالة وقدر.

(5) الاستيعاب ترجمة عبدالرحمن ج 2: 402، اسد الغابة 3: 318.

(6) مروج الذهب 1: 78، يأتى تمام الكلام في هذا الجزء انشاء الله تعالى.

 

 

/ ص 32 /

 

 

أي اجماع على بيعة يزيد ؟

 

ثم أي إجماع صحيح من رجال الدين صحح لابن عمر بيعة يزيد الممجوج عند الصحابة والتابعين، المنبوذ لدى صلحاء الامة، المعروف بالخلاعة والمجون والخمور والفجور على حد قول شاعر القضاة الاستاذ بولس سلامة في ملحمة الغدير ص 217:

رافــــع الصــــوت داعيــا للفلاح * اخفض الصوت في أذان الصباح

وترفق بصاحب العرش مشغــــو * لا عــــن الله بالقيــــان المــــلاح

ألف " الله اكبــــر " لا يســـاوي * بين كفــــي يــــزيد نهلــــــة راح

تتلظــــى فــــي الدنــــان بكرا فلم * تدنــــس بلثــــم ولا بمـــاء قراح

والامة مجمعة على شرطية العدالة في الامامة، قال القرطبي في تفسيره 1: 231: الحادي عشر - من شروط الامامة - أن يكون عدلا لانه لا خلاف بين الامة انه لا يجوز أن تعقد الامامة لفاسق، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم لقوله عليه السلام: أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون. وفي التنزيل في وصف طالوت: إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم. فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة.

وقال في صفحة 232: الامام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور:

إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم، لانه قد ثبت أن الامام إنما يقام لاقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الايتام والمجانين والنظر في امورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الامور والنهوض فيها، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما اقيم لاجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لاجل أنه يؤدي إلى إبطال ما اقيم له وكذلك هذا مثله. ه‍

أجل: المائة ألف المقبوضة من معاوية لتلك البيعة الغاشمة (1) جعلت الفرقة لابن عمر إجماعا، والاختلاف إصفاقا، كما فعلت مثله عند غير ابن عمر من سماسرة النهمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع انساب الاشراف للبلاذرى 5: 31.

 

 

/ ص 33 /

 

والشره، فركضوا إلى البيعة ضابحين يقدمهم عبدالله فبايعه بعد أبيه وكتب إليه ببيعته، ونصب عينه الناهض الكريم، والفادي الاقدس، الحسين السبط سلام الله عليه المتحلى بآصرة النبوة، وشرف الامامة، وعلم الشريعة، وخلق الانبياء، والفضائل المرموقة، سيد شباب أهل الجنة أجمعين، وقد حنت إليه القلوب، وارتمت إليه الافئدة فرحين بكسر رتاج الجور، ورافضين لمن بعده.

لكن الرجل لم يتأثر بكل هذه ولم يرها خلافا، ونبذ وصية نبيه الكريم وراء ظهره ولم يعبأ بقوله صلى الله عليه وآله إن ابني هذا - يعني الحسين - يقتل بأرض يقال لها:

كربلا. فمن شهد ذلك منكم فلينصره (1) نعم: نصر ذلك المظلوم قرة عين رسول صلى الله عليه وآله بتقرير بيعة يزيد. وحسبانها بيعة صحيحة، كان ينهى عن نكثها عند مرتجع الوفد المدنى من الشام وقد شاهدوا منه البوائق والموبقات معتقدين خروجه عن حدود الاسلام قائلين: إنا قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر، ويعزف بالطنابير، ويضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسامر الحراب والفتيان، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه. فتابعهم الناس (2) وقال ابن فليح: إن أبا عمرو بن حفص وفد على يزيد فأكرمه وأحسن جائزته، فلما قدم المدينة قام إلى جنب المنبر وكان مرضيا صالحا فقال: ألم احب ؟ ألم اكرم ؟ والله لرأيت يزيد بن معاوية يترك الصلاة سكرا. فأجمع الناس على خلعه بالمدينة (3).

وكان مسور بن مخرمة الصحابي ممن وفد إلى يزيد، فلما قدم شهد عليه بالفسق وشرب الخمر فكتب إلى يزيد بذلك فكتب إلى عامله يأمره أن يضرب مسورا الحد فقال أبوحرة:

أيشربهــا صحباء كالمسك ريحها * أبوخالد والحد يضرب مسور (4)

قد جبههم ابن عمر بما جاء هو عن رسول الله صلى الله عليه وآله كما فصلناه في الجزء السابع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاصابة 2: 68.

(2) تاريخ الطبرى 7: 4، انساب البلاذرى 5: 31، فتح البارى 13: 59. يأتى الحديث على تفصيله في هذا الجزء.

(3) تاريخ ابن عساكر 7: 280.

(4) انساب الاشراف للبلاذرى 5: 31.

 

 

/ ص 34 /

 

ص 145، جمع أهل بيته وحشمه ومواليه وقال: لا يخعلن أحد منكم يزيد ولا يشرفن أحد منكم في هذا الامر فيكون صيلما بيني وبينه. وفي لفظ البخاري: إني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الامر إلا كانت الفيصل بيني وبينه.

وتمسك في تقرير تلك البيعة الملعونة بما عزاه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان. جهلا منه بأساليب الكلام لما هو المعلوم من أن مصداق هذا الكلي هو الفرد المتأهل للبيعة الدينية بيع الله ورسوله، لا من هو بمنتأى عن الله سبحانه، وبمجنب عن رسوله، كيزيد الطاغية أو والده الباغي.

ومهما ننس من شئ فإنا لا ننسى مبدء البيعة ليزيد على عهد ابن آكلة الاكباد بين صفيحة مسلولة ومنيحة مفاضة، أقعدت هاتيك من نفى جدارة الخلافة عن يزيد، وأثارت هذه سماسرة الشهوات، فبايعوا بين صدور واغرة، وأفئدة لا ترى ما تأتي به من البيعة إلا هزوا.

وفي لهوات الفضاء وأطراف المفاوز كل فار بدينه متعوذين من معرة هذه البيعة الغاشمة، وكان عبدالله نفسه ممن تأبى عن البيعة (1) لاول وهلة من قبل أن يتذوق طعم هاتيك الرضيخة، - مائة ألف - وكان يقول: إن هذه الخلافة ليست بهرقلية ولا قيصرية ولا كسروية يتوارثها الابناء على الآباء (2) وبعد أن تذوقه كان لم يزل بين اثنتين: فضيحة العدول عن رأيه في يزيد، ومغبة التمرد عليه، لا سيما بعد أخذ المنحة، فلم يبرح مصانعا حتى بايعه بعد أبيه، ولما جاء‌ت بيعته قال: إن كان خيرا رضينا، وإن كان بلاء صبرنا (3) ونحت لذلك التريث حجة تافهة من أن المانع عن البيعة كان هو وجود أبيه.

وكان ليزيد أن يناقشه الحساب بأن أباه لم يكن يأخذ البيعة له في عرض بيعته، وإنما أخذها طولية لما بعده، لكنه لم يناقشه لحصول الغاية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الامامة والسياسة 1: 143، تاريخ الطبرى 6: 170، تاريخ ابن كثير 8: 79، لسان الميزان 6: 203

(2) الامامة والسياسة 1: 143.

(3) لسان الميزان 6: 294.

 

 

/ ص 35 /

 

هذه صفة بيعة يزيد منذ أول الامر ولما هلك أبوه ازدلفت إليه رواد المطامع نظراء ابن عمر في نهيق ورغاء يجد دون ذلك الارهاب والاطماع، فمن جراء تقريرهم بيعة ذلك المجرم المستهتر، وتعاونهم على الاثم والعدوان، والله يقول: تعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان، وشقهم عصا المسلمين، وخلافهم الامة الصالحة من الصحابة والتابعين لهم باحسان، جهز يزيد جيش مسلم بن عقبة، وأباح له دماء مجاوري رسول الله صلى الله عليه وآله وأموالهم، فاستباحها ثلاثة أيام نهبا وقتلا، وقتل من حملة القرآن يوم ذاك سبعمأة نفس، وحكى البلاذري: انه قتل بالحرة من وجوه قريش سبعمائة رجل وكسر، سوى من قتل من الانصار، وفيهم ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وآله جماعة، وممن قتل صبرا من الصحابة عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة، وقتل معه ثمانية من بنيه، ومعقل بن سنان الاشجعي، وعبدالله بن زيد، والفضل بن العباس بن ربيعة، وإسماعيل بن خالد، ويحيى ابن نافع، وعبدالله بن عتبة، والمغيرة بن عبدالله، وعياض بن حمير، ومحمد بن عمرو بن حزم، وعبدالله بن أبي عمرو، وعبيدالله وسليمان إبنا عاصم، ونجا الله أبا سعيد وجابرا وسهل بن سعد (1) وقد جاء في قتلى الحرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: انهم خيار امتي بعد أصحابي (2) ثم بايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد ومن امتنع قتل (3) ووقعت يوم ذاك جرائم وفجائع وطامات حتى قيل: انه قتل في تلكم الايام نحو من عشرة آلاف انسان سوى النساء والصبيان، وافتض فيها نحو ألف بكر، وحبلت ألف امرأة في تلك الايام من غير زوج (4) ولما بلغ يزيد خبر تلك الوقعة المخزية قال:

ليــــت أشياخــــي ببـــدر شهـــدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل (5)

فاتبع ابن عمر في بيعة يزيد إجماع اولئك الاوباش سفلة الاعراب وبقية الاحزاب ولم يعبأ باجماع رجال الحل والعقد من أبناء المهاجرين والانصار، وخيرة الخلف للسلف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انساب البلاذرى 5: 42، الاستيعاب 1: 258، تاريخ ابن كثير

8: 221، الاصابة 3: 473، وفاء الوفاء 1: 93.

(2) الروض الانف 5: 185.

(3) لسان الميزان 6: 294.

(4) تاريخ ابن كثير 8: 221، الاتحاف ص 22، وفاء الوفاء 1: 88.

(5) انساب الاشراف للبلاذرى 5: ص 42.

 

 

/ ص 36 /

 

الصالح وفيهم من فيهم، فساهم يزيد وفئته الباغية في دم سبط الشهيد الطاهر ومن قتل يوم الحرة وفي جميع تلكم المآثم التي جنتها يد يزيد الاثيمة، والله يعلم منقلبهم ومثواهم.

ألا تعجب من ابن عمر وهو يرى يزيد الكفر والالحاد وأباه الغاشم الظلوم ومن يتلوهما في الفسوق صلحاء لا يوجد مثلهم ؟ أخرج ابن عساكر من عدة طرق كما قاله الذهبي وذكره السيوطي في تاريخ الخلفاء ص 140 عن ابن عمر إنه قال: أبوبكر الصديق أصبتم إسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم إسمه، ابن عفان ذو النورين قتل مظلوما يؤتى كفلين من الرحمة، ومعاوية وإبنه ملكا الارض المقدسة، والسفاح وسلام ومنصور وجابر والمهدي والامين وأمير العصب كلهم من بني كعب بن لوي، كلهم صالح لا يوجد مثله.

وفي لفظ: يكون على هذه الامة اثنا عشر خليفة أبوبكر الصديق أصبتم اسمه، عمر الفاروق قرن من حديد أصبتم اسمه، عثمان بن عفان ذو النورين قتل مظلوما اوتي كفلين من الرحمة، ملك الارض المقدسة، معاوية وابنه، ثم يكون السفاح ومنصور وجابر والامين وسلام (1) وأمير العصب لا يرى مثله ولا يدرى مثله، كلهم من بني كعب ابن لوي فيهم رجل من قحطان، منهم من لا يكون ملكه إلا يومين، منهم من يقال له لتبايعنا أو لنقتلنك فإن لم يبايعهم قتلوه (كنز العمال 6: 67) ومن جراء هذا الرأي الباطل قتل الصحابي بن الصحابي محمد بن أبي الجهم لما شهد على يزيد بشرب الخمر كما في الاصابة 3: 73 4.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سقط من هذا اللفظ " المهدى " وهو ثانى عشرهم.