فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ ص 37 /

 

 

أخبار ابن عمر ونوادره

 

هذه عقلية ابن عمر في باب الخلافة، فما قيمة رأيه وقوله واختياره فيها وفي غيرها، وله أخبار تنم عن ضئولة رأيه وسخافة فكرته، وأخبار تدل على مناوئته أمير المؤمنين عليه السلام وانحيازه عنه، وتحيزه إلى الفئة الاموية الباغية، فلا حجة فيما يرتأيه في أي من الفئتين. ومن نماذج الفريق الاول من أخباره قوله: ما اعطي احد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجماع ما اعطيت أنا (1) وهو يعطينا انه رجل شهوي لا صلة له بغيرها ومن ضعف رأيه انه حسب رسول الله صلى الله عليه وآله مثله بل أربى منه في الجماع، جهلا منه بأن ملكات صاحب الرسالة وقواه كلها كانت متعادلة ثابتة على نقطة المركز قد تساوت إليها خطوط الدائرة، فاذا آن له صلى الله عليه وآله وسلم أن يفخر فخر بجميعها على حد واحد لا كابن عمر شهوة قوية مهلكة، وعقلية ضعيفة يباهي بالجماع وقد ترك غيره، وهي التي كانت تحذر أباه من أن يأذن له بالجهاد حين استأذنه له فقال: أي بني أني أخاف عليك الزنا (2) فما قيمة رجل في مستوى الدين، وهو يمنع عن مواقف الجهاد حذرا من معرة شهوته الغلبة، وسقطات شغبه وشبقه ؟ .

نعم: كان لابن عمر أن يشبه نفسه بأبيه - ومن يشابه أبه فما ظلم - إذ له كلمة قيمة في النكاح تعرب عن قوة شهوته قال محمد بن سيرين قال عمر بن الخطاب: ما بقي في شئ من أمر الجاهلية إلا أني لست ابالي أي الناس نكحت وأيهم أنكحت.

أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 3: 208، ورواه عبدالرزاق كما في كنز العمال8: 297.

ومن جراء تلك النزعة الجاهلية التي كانت قد بقيت فيه قحم في مآثم سجلها له التاريخ، جاء عنه انه أتى جارية له فقالت: إني حائض فوقع بها فوجدها حائضا فأتى النبي صلى الله عليه وآله فذكر له ذلك، فقال: يغفر الله لك يا أبا حفص  تصدق بنصف دينار (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نوادر الاصول للحكيم الترمذى ص 212.

(2) سيرة عمر بن الخطاب لابن الجوزى ص 115، وفي طبع ص 138.

(3) المحلى لابن حزم 2: 188، سنن البيهقى 1: 316، كنز العمال 8: 305 نقلا عن ابن ماجة واللفظ له.

 

 

/ ص 38 /

 

وسولت له نفسه ليلة الصيام قبل حلية الرفث فيها وواقع أهله فغدا على النبي صلى الله عليه وآله

فقال: اعتذر إلى الله وإليك، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي، فهل تجد لي من رخصة ؟

فقال: لم تكن حقيقا بذلك يا عمر  فنزلت: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن. الآية (1).

وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى عن علي بن زيد: إن عاتكة بنت زيد كانت تحت عبدالله بن أبي بكر فمات عنها واشترط عليها ألا تزوج بعده فتبتلت فجعلت لا تتزوج وجعل الرجال يخطبونها وجعلت تأبى فقال عمر لوليها: اذكرني لها فذكره لها فأبت على عمر أيضا فقال عمر: زوجنيها، فزوجه إياها، فأتاها عمر فدخل عليها فعاركها حتى غلبها على نفسها فنكحها فلما فرغ قال: اف اف اف افف بها، ثم خرج من عندها وترك لا يأتيها، فأرسلت إليه مولاة لها أن تعال فإني سأتهيأ لك (2).

أيصح عن رجل هذا شأنه ما عزاه اليه الزمخشري في ربيع الابرار ب 68 من قوله: إني لاكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله نسمة تسبحه وتذكره ؟ 

- ومنها: عن الهيثم عن إبن عمر أتاه رجل فقال: إني نذرت أن أقوم على حراء عريانا يوما إلى الليل.

فقال: اوف بنذرك. ثم أتى ابن عباس فقال له: أو لست تصلي ؟ قال له: أجل قال: أفعريانا تصلي ؟ قال: لا.

 قال: أو ليس حنثت ؟ إنما أراد الشيطان أن يسخر بك ويضحك منك هو وجنوده، إذهب فاعتكف يوما وكفر عن يمينك. فأقبل الرجل حتى وقف على ابن عمر فأخبره بقول ابن عباس فقال: ومن يقدر منا على ما يستنبط ابن عباس ؟ (3)

ها هنا يوقفنا السير على مبلغ الرجل من العلم بالاحكام، أي فقيه هذا لا يعرف حكم النذر وانه لا بد فيه من الرجحان في المنذور، وان نذر التافهات وما ينكره العقل لا ينعقد قط ؟ وهل مثل هذا يعد من المعضلات حتى لا يقدر على عرفانه غير ابن عباس ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبرى 2: 96، تفسير ابن كثير 1: 220، تفسير القرطبى

2: 294، و تفاسير اخرى.

(2) طبقات ابن سعد، كنز العمال 7: 100، منتخب الكنز هامش مسند أحمد 5: 279.

(3) كتاب الاثار ص 168 متنا وتعليقا.

 

 

/ ص 39 /

 

ويكفي الرجل جهلا انه ما كان يحسن طلاق زوجته، وقد عجز واستحمق كما في صحيح مسلم 4 ص 181 ولم يك يعلم أنه لا يقع إلا في طهر لم يواقعها فيه (1)

وفي لفظ مسلم في صحيحه 4: 181: انه طلق امرأته ثلاثا وهي حائض.

ولذلك لم يره أبوه أهلا للخلافة بعد ما كبر وبلغ منتهى الكهولة لما قال له رجل استخلف عبدالله بن عمر.

قال عمر: قاتلك الله والله ما أردت الله بها أستخلف من لم يحسن أن يطلق امرأته ؟ (2) وكأن عمر كان يجد إبنه يوم وفاته على جهله ذاك حين طلق إمرأته وهو شاب عض أيام حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا فكل من الخلفاء بالانتخاب الدستوري لم يكن عالما بالاحكام من أول يومه إن غضضنا الطرف عن يوم تسنمه عرش الخلافة وإلى أن اودع مقره الاخير وعمر نفسه كان في المسألة نفسها لدة ولده لم يك يعلم حكم ذلك الطلاق حتى سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء امسك بعد وإن شاء طلق (3) فالمانع عن الاستخلاف هو الجهل الحاضر وهذا من سوء حظ إبن عمر يخص به ولا يعدوه.

وإني لست أدري أي مرتبة رابية من الجهل كان يحوزها ابن عمر حتى عرفه منه والده الذي يمتاز في المجتمع الديني بنوادر الاثر (4) ؟ فمن رآه عمر جاهلا لا يقدر مبلغه من الجهل.

ومما يدلنا على فقه الرجل، أو على مبلغه من إتباع الهوى وإحياء البدع، أو على نبذه سنة الله ورسوله وراء ظهره، إتمامه الصلاة في السفر أربعا مع الامام، وإعادته إياها في منزله قصرا كما في موطأ مالك 1: 126 تقريرا للبدعة التي أحدثها عثمان في شريعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واتبعه في احدوثته رجال الشره والتره وحملة النزعات الاموية كابن عمر، وأبناء البيت الاموي كما فصلناه في الجزء الثامن ص 116. وأخرج أحمد في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى 8: 76، صحيح مسلم 4: 179 - 183، مسند أحمد

2: 51، 61، 64، 74، 80، 128، 145.

(2) تاريخ الطبرى 5: 34، كامل ابن الاثير 3: 27، الصواعق ص 62، فتح البارى

7: 54 وصححه.

(3) صحيح مسلم 4: 179.

(4) ذكرنا جملة منها في الجزء السادس ص 83 - 325 ط 2.

 

 

/ ص 40/

 

مسنده 2: 16 عنه قوله: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله بمنى ركعتين ومع أبي بكر وعمر وعثمان صدرا من إمارته ثم أتم.

ومن نوادر فقهه ما أخرجه أبوداود في سننه 1: 289 من طريق سالم: ان عبد الله بن عمر كان يصنع يعني يقطع الخفين للمرأة المحرمة ثم حدثته صفية بنت أبي عبيد: ان عائشة حدثتها: ان رسول الله صلى عليه وآله وسلم قد كان رخص للنساء في الخفين فترك ذلك.

وأخرجه إمام الشافعية في كتابه " الام، ان ابن عمر كان يفتي النساء إذا أحرمن أن يقطعن الخفين حتى أخبرته صفية عن عائشة انها تفتي النساء أن لا يقطعن، فانتهى عنه.

وأخرجه البيهقي في سننه 5: 52 باللفظين، وأخرجه أحمد في مسنده 2: 29 بلفظ أبي داود.

والامة كما حكى الزركشي في الاجابة ص 118 مجمعة على أن المراد بالخطاب المذكور في اللباس الرجال دون النساء وانه لا بأس بلباس المخيط والخفاف للنساء.

- ومنها: ما أخرجه الشيخان من أن ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافة معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه فسأله فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن كراء المزارع، فتركها ابن عمر بعد و كان إذا سئل عنها بعد قال: زعم رافع بن خديج ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها. (1) وفي التعليق على صحيح مسلم (2): قوله " وصدرا من خلافة معاوية " قد أغرب في وصف معاوية بالخلافة بعد ما وصف الخلفاء الثلاثة بالامارة، وأسقط رابعهم من البين مع أن الخلافة الكاملة خصيصتهم، وعبارة البخاري: إن ابن عمر رضي الله عنه كان يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من إمارة معاوية وكان معاوية كما ذكره القسطلاني في باب صوم عاشوراء يقول: أنا أول الملوك. وقال المناوي في شرح حديث الجامع الصغير (الخلافة بالمدينة والملك بالشام) وهذا من معجزاته صلى الله تعالى عليه وسلم فقد كان كما أخبر، وقال في شرح حديثه (الخلافة بعدي في امتى ثلاثون سنة): قالوا: لم يكن في الثلاثين إلا الخلفاء الاربعة وأيام الحسن (ثم ملك بعد ذلك) لان اسم الخلافة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى 4: 47، صحيح مسلم 5: 21، سنن النسائي 7: 46، 47، مسند أحمد 2: 6، سنن ابن ماجة 2: 87، سنن ابى داود 2: 91، سنن البيهقى 6: 130 واللفظ لمسلم.

(2) راجع صحيح مسلم 5: 22 من طبع محمد على صبيح وأولاده.

 

 

/ ص 41/

 

إنما هو لمن صدق هذا الاسم بعمله للسنة والمخالفون ملوك وإنما تسموا بالخلفاء. اه‍.

ولابن حجر حول الحديث كلمة أسلفناها في ص 24 من هذا الجزء.

قال الاميني: ألا تعجب من ابن خليفة شب ونمى وترعرع وشاخ في عاصمة الدين، في محيط وحي الله، في دار النبوة والرسالة، في مدرسة الاسلام الكبرى، بين ناشئة الصحابة وفي حجور مشيختهم، بين امة عالمة استقى العالم من نمير علمهم، واهتدى الخلائق بنور هداهم، وبقي هذا الانسان في ظلمة الجهل إلى اخريات أيام معاوية، وعاش خمسين سنة بإجارة محرمة، وشد بها عظمه ومخه، ونبت بها لحمه وجلده، حتى حداه إلى السنة رافع بن خديج الذي لم يكن من مشيخة الصحابة وقد استصغره رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر ؟ وكانت السنة في المحاقلة والمخابرة تروى في لسان الصحابة، وفي بعض الفاظه شدة ووعيد مثل قوله صلى الله عليه وآله في حديث جابر: من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله (1) وجاء‌ت هذه السنة في الصحاح والمسانيد باسانيد تنتهي إلى جابر بن عبدالله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت (2).

وليت ابن عمر بعد ما علم الحظر فيما أشبع به طيلة حياته نهمته - وطبع الحال انه كان يعلم بذلك ويرشد ويهدي أو يهلك ويغوي، وكان غيره يقتص أثره لانه ابن فقيه الصحابة وخليفتهم الذي أو عزنا إلى موارد من فقهه وعلمه في نوادر الاثر في الجزء السادس - كان يسأل عن فقهاء الامة أو عن خليفته معاوية عن حكم المال المأخوذ المأكول بالعقد الباطل.

أليس من الغلو الفاحش أو الجناية الكبيرة على المجتمع الديني أن يعد هذا الانسان من مراجع الامة وفقهائها وأعلامها ومستقى علمها وممن يحتج بقوله و فعله ؟ وهل كان هو يعرف من الفقه موضع قدمه ؟ أنا لا أدري.

- ومنها: ما أخرجه الدارقطني في سننه من طريق عروة عن عائشة أنه بلغها قول ابن عمر: في القبلة الوضوء.

فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم ثم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقى 6: 128.

(2) راجع سنن النسائى 3: 52، سنن البيهقى 6: 128 - 133.

 

 

/ ص 42/

 

لا يتوضأ. (الاجابة للزركشي ص 118).

- ومنها: قوله في المتعة، والبكاء على الميت، وطواف الوداع على الحائض، والتطيب عند الاحرام. وستوافيك أخبارها.

ويعرب عن مبلغ الرجل من فقه الاسلام ما ذكره ابن حجر في فتح الباري 8: 209 من قوله: ثبت عن مروان انه قال لما طلب الخلافة فذكر واله ابن عمر فقال: ليس ابن عمر بأفقه مني ولكنه أسن مني وكانت له صحبة.

فما شأن امرء يكون مروان أفقه منه ؟

ولعل نظرا إلى هذه وما يأتي من نوادر الرجل أو بوادره في الفقه ترى ابراهيم النخعي لما ذكر له ابن عمر وتطيبه عند الاحرام قال: ما تصنع بقوله ؟ (1) وقال الشعبي: كان ابن عمر جيد الحديث ولم يكن جيد الفقه كما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى 891 رقم التسلسل.

هذا رأي الشعبي وأما نحن فلا نفرق بين فقه الرجل وحديثه وكلاهما شرع سواء غير جيدان، بل حديثه أردى من فقهه، وردائة فقهه من ردائة حديثه، وكأن الشعبي لم يقف على شواهد سوء حفظه أو تحريفه الحديث فإليك نماذج منها:

1 - أخرج الطبراني من طريق موسى بن طلحة قال: بلغ عائشة ان ابن عمر يقول: ان موت الفجأة سخط على المؤمنين. فقالت: يغفر الله لابن عمر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: موت الفجاء‌ة تخفيف على المؤمنين وسخط على الكافرين. الاجابة للزركشي ص 119.

2 - أخرج البخاري من طريق ابن عمر قال: وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول فذكر ذلك لعائشة فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم ليعلمون الآن ما كنت أقول لهم حق.

وفي لفظ أحمد في مسنده 2: 31: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب يوم بدر فقال: يا فلان ؟ يا فلان ؟ هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ؟ أما والله انهم الآن ليسمعون كلامي. قال يحيى: فقالت عائشة: غفر الله لابي عبدالرحمن انه وهم، انما قال رسول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   صحيح البخارى 3: 58، تيسير الوصول 1: 267.

 

 

/ ص 43/

 

الله صلى الله عليه وسلم: والله انهم ليعلمون الآن ان الذي كنت أقول لهم حقا، وإن الله تعالى يقول: إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور.

3 - روى الحكيم الترمذي في نوادر الاصول من طريق ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. قال أبو عبدالله: فتأول ناس في هذا الحديث وقالوا: العرش سريره الذي حمل عليه، واحتجوا بحديث رووه عن ابن عمر انه تأوله، كذا حدثنا الجارود قال: حدثنا جرير عن عطاء بن السائب عن مجاهد عن ابن عمر قال: ذكر يوما عنده حديث سعد: ان العرش يهتز بحب الله لقاء سعد قال ابن عمر: إن العرش ليس يهتز لموت أحد ولكنه سريره الذي حمل عليه. قال: فهذا مبلغ ابن عمر رحمه الله من علم ما القي اليه من ذلك، وفوق كل ذي علم عليم. انتهى.

وأخرجه الحاكم في المستدرك 3: 606 ولفظه: قال ابن عمر: اهتز لحب لقاء الله العرش. يعني السرير قال: ورفع أبويه على العرش. تفسخت أعواده.

وأنت تعرف سخافة هذا التأويل مما أخرجه البخارى والحاكم في المستدرك من طريق جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اهتز عرش (1)

الرحمن لموت سعد بن معاذ.

فقال رجل لجابر: فإن البراء يقول: اهتز السرير.

فقال إنه كان بين هذين الحيين الاوس والخزرج ضغائن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (2). وأخرجه مسلم بلفظ: اهتز عرش الرحمن (3).

وفي فتح الباري 7: 98: قد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة أو أكثر وثبت في الصحيحين فلا معنى لانكاره.

4 - في كتاب " الانصاف " لشاه صاحب: روى ابن عمر عنه صلى الله عليه وسلم من ان الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقضت عائشة عليه بانه لم يأخذ الحديث على وجهه، مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها فقال صلى الله عليه وسلم: إنهم يبكون عليها، وانها تعذب في قبرها. وظن - ابن عمر - العذاب معلولا بالبكاء، وظن الحكم عاما على كل ميت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فصل ابن حجر القول في معنى الحديث في فتح البارى 7: 97، 98.

(2) صحيح البخارى في المناقب ج 6: 3، مستدرك الحاكم 3: 207

(3) صحيح مسلم 7: 150.

 

 

/ ص 44/

 

وأخرج أحمد في المسند 6: 281 عن عائشة انه بلغها ان ابن عمر يحدث عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقالت: يرحم الله عمر و ابن عمر فوالله ما هما بكاذبين ولا مكذبين ولا متزيدين انما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل من اليهود ومر بأهله وهم يبكون عليه فقال: إنهم ليبكون عليه وان الله عزوجل ليعذبه في قبره. ولاحمد في مسنده لفظ آخر يأتي بعد بضع صحائف من هذا الجزء.

أسلفنا الحديث نقلا عن عدة صحاح ومسانيد في الجزء السادس ص 151 ط 1 وفصلنا هنالك القول حول المسألة.

5 - أخرج البخارى في كتاب الاذان من صحيحه ج 2: 6 عن عبدالله بن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن ام مكتوم.

هذا الحديث مما استدركت به عائشة على ابن عمر وكانت تقول: غلط ابن عمر وصحيحه إن ابن مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال، وبهذا جزم الوليد وكذا أخرجه ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة، وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبدالرحمن.

وفي لفظ البيهقي في سننه 1: 382: قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ابن مكتوم رجل أعمى فإذا أذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال. قالت: وكان بلال يبصر الفجر، وكانت عائشة تقول غلط ابن عمر.

وقال ابن حجر: ادعى ابن عبدالبر وجماعة من الائمة بأنه مقلوب وان الصواب حديث الباب (يعني لفظ البخاري) وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح ابن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة، وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه وهو قوله: إذا أذن عمرو فإنه ضرير البصر فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد. وأخرجه أحمد (1) وجاء عن عائشة أيضا: انها كانت تنكر حديث ابن عمر وتقول: إنه غلط، أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردي عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد قالت عائشة: وكان بلال يبصر الفجر. قال: وكانت عائشة تقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   في المسند 6: 186.

 

 

/ ص 45/

 

غلط ابن عمر. فتح الباري 2: 81.

6 - أخرج أحمد في مسنده 2: 21 من طريق يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب قال قال عبدالله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الشهر تسع وعشرون وصفق بيديه مرتين ثم صفق الثالثة وقبض إبهامه.

فقالت عائشة: غفر الله لابي عبدالرحمن انه وهم، إنما حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء‌ه شهرا فنزل لتسع وعشرين فقالوا: يا رسول الله  إنك نزلت لتسع وعشرين فقال: ان الشهر يكون تسعا وعشرين. وفي ص 56: فقيل له فقال

(صلى الله عليه وسلم): إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين. ورواه أبومنصور البغدادي ولفظه: اخبرت عائشة رضي الله عنها بقول ابن عمر رضي الله عنه: إن الشهر تسع وعشرون فانكرت ذلك عليه وقالت: يغفر الله لابي عبدالرحمن ما هكذا قال رسول الله ولكن قال: إن الشهر قد يكون تسعا وعشرين (الاجابة للزركشي ص 120).

كان ابن عمر يعمل بوهمه هذا ويرى كل شهر تسعا وعشرين يوما وكان يقول:

قال رسول الله: الشهر تسع وعشرون، وكان إذا كان ليلة تسع وعشرين وكان في السماء سحاب أو قتر أصبح صائما (1)

7 - أخرج الشيخان من جهة نافع قال: قيل لابن عمر: إن أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تبع جنازة فله قيراط من الاجر.

فقال ابن عمر: أكثر علينا أبوهريرة فبعث إلى عائشة فسألها فصدقت أبا هريرة فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

وأخرج مسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص إنه كان قاعدا عند عبدالله ابن عمر إذ طلع خباب صاحب المقصورة فقال: يا عبدالله بن عمر: ألا تسمع ما يقول أبوهريرة ؟ إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من خرج مع جنازة من بيتها وصلى عليها ثم تبعها حتى دفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط مثل احد، ومن صلى عليها ثم رجع كان له من الاجر مثل احد، فأرسل ابن عمر خبابا إلى عائشة يسألها عن قول أبي هريرة ثم يرجع إليه فيخبره بما قالت، وأخذ ابن عمر قبضة من حصى المسجد يقلبها في يده حتى رجع إليه الرسول فقال: قالت عائشة: صدق أبوهريرة. فضرب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   مسند أحمد 2: 13.

 

 

/ ص 46/

 

ابن عمر بالحصى الذي كان في يده الارض وقال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة (1)ولعل الباحث لا يشك إذا وقف على هذه الروايات وأمثالها في أن رواية ابن عمر لا تقل عن فقاهته في الردائة، ومن هذا شأنه في الفقه والحديث لا يعبأ به وبرأيه ولا يوثق بحديثه.

 

 

رأي ابن عمر في القتال والصلاة

 

- ومنها: أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 4: 110 ط ليدن عن ابن عمر انه كان يقول: لا اقاتل في الفتنة واصلي وراء من غلب. وقال ابن حجر في فتح الباري 13: 39: كان رأي ابن عمر ترك القتال في الفتنة ولو ظهر ان إحدى الطائفتين محقة والاخرى مبطلة.

وقال ابن كثير في تاريخه 9: 5: كان في مدة الفتنة لا يأتي أميرا إلا صلى خلفه، وأدى إليه زكاة ماله.

يترائا هاهنا من وراء ستر رقيق تترس ابن عمر باغلوطته هذه عن سبة تقاعده عن حرب الجمل وصفين مع مولانا أمير المؤمنين، ذا هلا عن ان هذه جناية اخرى لا يغسل بها دنس ذلك الحوب الكبير، متى كانت تلكم الحروب فتنة حتى يتظاهر ابن عمر تجاهها بزهادة جامدة لاقتناص الدهماء ؟ والامر كما قال حذيفة اليماني ذلك الصحابي العظيم: لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل (2)

أو كان ابن عمر بمنتأى عن عرفان دينه ؟ أو كان على حد قوله تعالى: يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها ؟ وهل كان ابن عمر لم يعرف من القرآن قوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله، فإن فاء‌ت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين (3) وقد أفحمه رجل عراقي بهذه الآية وحيره فلم يحر ابن عمر جوابا غير أنه تخلص منه بقوله: مالك ولذلك ؟ إنصرف عني. وسيوافيك تمام الحديث.

هلا كان ابن عمر بان له الرشد من الغي، ولم يك يشخص الحق من الباطل ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى 2: 239، صحيح مسلم 3: 52، 53.

(2) فتح البارى 13: 40.

(3) سورة الحجرات. آية 9.

 

 

/ ص 47/

 

وهلا كان يعرف الباغية من الفئتين ؟ وهل كان يزعم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن الفتن بعده وإنها تغشى امته كقطع الليل المظلم (1) وترك الامة مغمورة في مدلهماتها، هالكة في غمراتها، ولم يعبد لها طريق النجاة، وما رشدها إلى مهيع الحق، ولم ينبس عما ينجيها ببنت شفة ؟ حاشى نبي الرحمة عن ذلك، وهو صلى الله عليه وآله لم يبق عذرا لاي أحد من عرفان الباغية من الطائفتين في تلكم الحروب، ولم يك يخفى حكمها على أي ديني قال مولانا أمير المؤمنين: لقد أهمني هذا الامر وأسهرني، وضربت أنفه وعينيه فلم أجد إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه، إن الله تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الارض وهم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون علي من معالجة الاغلال في جهنم (2).

أكان في اذن ابن عمر وقر عن سماع ذلك الهتاف القدسي بمثل قوله صلى الله عليه وآله لعائشة: كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة.

وقوله لزوجاته: كأني بأحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء.

وقوله لها: انظري أن لا تكوني أنت.

وقوله للزبير: انك تقاتل عليا وأنت ظالم له.

وقوله: سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شئ.

(حقا جاهد ابن عمر في الخلاف على قول رسول الله هذا بلسانه وقلبه ما استطاع).

وقوله لعلي: يا علي ستقاتل الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني.

وقوله له: ستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين.

وقوله له: أنت فارس العرب وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين.

وقوله لام سلمة لما رأى عليا: هذا والله قاتل القاسطين والناكثين والمارقين من بعدي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الترمذى 9: 49، مستدرك الحاكم 4: 438، 440، كنز العمال 6: 31، 37.

(2) كتاب صفين ص 542.

 

 

/ ص 48/

 

وعهده إلى علي عليه السلام أن يقاتل بعده القاسطين والناكثين والمارقين (1).

وقوله لاصحابه: إن فيكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله قال أبوبكر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو يا رسول الله ؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل. وكان أعطى عليا نعله يخصفها (2).

وقوله لعمار بن ياسر: تقتلك الفئة الباغية. وقد قتلته فئة معاوية.

وقول أبي أيوب الانصاري وأبي سعيد الخدري وعمار بن ياسر: أمرنا رسول الله صلى الله عليه آله وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. قلنا يا رسول الله ؟ أمرت بقتال هؤلاء مع من ؟ قال: مع علي بن أبي طالب.

إلى أحاديث اخرى ذكرناها في الجزء الثالث ص 165 - 170 هب ان ابن عمر لم يكن يسمع شيئا من هذه الاحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أوما كان يسمع ايضا أوما كان يصدق اولئك الجم الغفير من البدريين أعاظم الصحابة الاولين الذين حاربوا الناكثين والقاسطين وملا فمهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، وأمره إياهم بقتال اولئك الطوائف الخارجة على الامام الحق الطاهر ؟ فاي مين أعظم مما جاء به ابن عمر في كتاب له إلى معاوية من قوله: أحدث (علي) أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد: ففزعت إلى الوقوف. وقلت: إن كان هذا هدى ففضل تركته، وإن كان ضلالة، فشر منه نجوت. (3)

وهل ابن عمر كان يخفى عليه هتاف الصادع الكريم: علي مع الحق والحق مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة ؟.

أو قوله: علي مع الحق والحق معه وعلى لسانه، والحق يدور حيثما دار علي.

أو قوله لعلي: إن الحق معك والحق على لسانك. وفي قلبك وبين عينيك، والايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي ؟.

أو قوله مشيرا إلى علي: الحق مع ذا، الحق مع ذا، يزول معه حيثما زال ؟

أو قوله: علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثالث.

(2) راجع ج 7: 132.

(3) الامامة والسياسة 1: 76، شرح ابن ابى الحديد 1: 260.

 

 

/ ص 49/

 

أو قوله لعلي لحمك لحمي، ودمك دمي، والحق معك ؟.

أو قوله ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب فانه أول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الاكبر، وهو فاروق هذه الامة، يفرق بين الحق والباطل، وهو يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب المنافقين ؟. (1)

أو قوله لعلي وحليلته وشبليه: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم ؟.

أو قوله لهم: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ؟.

أو قوله وهم في خيمة: معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب

لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد، طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد، ردي الولادة ؟.

أو قوله وهو آخذ بضبع علي: هذا أمير البررة، قاتل الفجرة، منصور من نصره، مخذول من خذله ؟. (2)

أو قوله في حجة الوداع في ملا من مائة ألف أو يزيدون: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله واحب من أحبه، وأبغض من أبغضه، وأدر الحق معه حيث دار ؟. (3)

إلى أخبار جمة ملات بين الخافقين، فهل ابن عمر كان بمنتأى عن هذه كلها فحسب تلكم المواقف حربا دنيوية أو فتنة لا يعرف وجهها، قتالا على الملك (4) ؟

أو كان تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا، وعلى كل تقدير لم يك رأيه إلا اجتهادا في مقابل النص لا يصيخ إليه أي ديني صميم.

ومن المأسوف عليه ان الرجل ندم يوم لم ينفعه الندم عما فاته في تلكم الحروب من مناصرة علي أمير المؤمنين وكان يقول: ما أجدني آسى على شيئ من أمر الدنيا إلا اني لم اقاتل الفئة الباغية. وفي لفظ: ما آسى على شيئ إلا اني لم اقاتل مع علي الفئة الباغية. وفي لفظ: ما أجدني آسى على شيئ فاتني من الدنيا إلا اني لم اقاتل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثالث ص 22، 156 - 159 - 165، الاستيعاب

2: 657، الاصابة 4: 171.

(2) راجع الجزء الاول ص 301 وج 8: 90، أحكام القرآن للجصاص 1: 560.

(3) راجع ما مر في الجزء الاول من حديث الغدير.

(4) راجع مسند احمد 2: 70، 94، سنن البيهقى 8: 192.

 

 

/ ص 50/

 

مع علي الفئة الباغية. وفي لفظ: قال حين حضرته الوفاة: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا اني لم اقاتل الفئة الباغية مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفي لفظ ابن أبي الجهم: ما آسى على شيئ إلا تركي قتال الفئة الباغية مع علي رضي الله الله عنه. (1)

وأخرج البيهقي في سننه 8: 172 من طريق حمزة بن عبدالله بن عمر قال: بينما هو جالس مع عبدالله بن عمر إذ جاء‌ه رجل من أهل العراق فقال: يا أبا عبدالرحمن  إني و الله لقد حرصت أن اتسمت بسمتك، واقتدي بك في أمر فرقة الناس، واعتزل الشر ما استطعت واني أقرأ آية من كتاب الله محكمة قد أخذت بقلبي فأخبرني عنها أرأيت قول الله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحديهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاء‌ت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين. أخبرني عن هذه الآية. فقال عبدالله: ومالك ولذلك ؟ انصرف عني، فانطلق حتى توارى عنا سواده أقبل علينا عبدالله بن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من شئ من أمر هذه الامة ما وجدت في نفسي اني لم اقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله عزوجل.

هذه حجة الله الجارية على لسان ابن عمر ونفثات ندمه، وهل أثرت تلكم الحجج في قلبه ؟ وصدق الخبر الخبر يوما ما من أيامه ؟ أنا لا أدري.

 

هلم معى إلى صلاة ابن عمر

 

 وأما صلاته مع من غلب وتأمر فمن شواهد جهله بشأن العبادات وتهاونه بالدين الحنيف، ولعبه بشعائر الله شعائر الاسلام المقدس، قد استحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله، اعتذر الرجل بهذه الخزاية عن تركه الصلاة وراء خير البشر أحد الخيرتين. أحب الناس إلى الله ورسوله، علي أمير المؤمنين المعصوم بلسان الله العزيز، وعن إقامته إياها وراء الحجاج الفاتك المستهتر، وقد جاء من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل قال:

اختلفت أنا وذر المرهبي (2) في الحجاج فقال: مؤمن. وقلت: كافر. قال الحاكم: وبيان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطبقات الكبرى ط ليدن 4: 136، 137، الاستيعاب 1: 369، 370، اسد الغابة 3: 229، الرياض النضرة 2: 242.

(2) كان من عباد أهل الكوفة، أحد رجال الصحاح الستة.

 

 

/ ص 51/

 

صحته ما اطلق فيه مجاهد بن جبر رضي الله عنه فيما حدثناه من طريق أبي سهل أحمد القطان عن الاعمش قال: والله لقد سمعت الحجاج بن يوسف يقول: يا عجبا من عبد هذيل (يعني عبدالله بن مسعود) يزعم انه يقرأ قرآنا من عند الله، والله ما هو إلا رجز من رجز الاعراب، والله لو أدركت عبد هذيل لضربت عنقه (1) وزاد ابن عساكر: ولاخلين منها المصحف ولو بضلع خنزير.

وذكر ابن عساكر في تاريخه: 69 من خطبة له قوله: اتقوا الله ما استطعتم فليس فيها مثوبة، واسمعوا واطيعوا لامير المؤمنين عبدالملك فانها المثوبة، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب من ابواب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دمائهم و أموالهم.

على أن ابن عمر هو الذي جاء بقوله عن رسول الله صلى الله عليه وآله: في ثقيف كذاب ومبير.

أو قوله: إن في ثقيف كذابا ومبيرا (2) وأطبق الناس سلفا وخلفا على أن المبير هو الحجاج قال الجاحظ: خطب الحجاج بالكوفة فذكر الذين يزورون قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة فقال: تبا لهم إنما يطوفون بأعواد ورمة بالية هلا طافوا بقصر أمير المؤمنين عبدالملك ؟ ألا يعلمون أن خليفة المرأ خير من رسوله (3) ؟

وقال الحافظ ابن عساكر في تاريخه 4: 81: اختلف رجلان فقال احدهما: إن الحجاج كافر، وقال الآخر: انه مؤمن ضال. فسألا الشعبي فقال لهما: انه مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم.

وقال: وسئل عنه واصل بن عبدالاعلى فقال: تسألوني عن الشيخ الكافر.

وقال: قال القاسم بن مخيمرة: كان الحجاج ينتفض من الاسلام.

وقال: قال عاصم بن أبي النجود: ما بقيت لله تعالى حرمة إلا وقد انتهكها الحجاج.

وقال: قال طاوس: عجبت لاخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا.

وقال الاجهوري: وقد اختار الامام محمد بن عرفة والمحققون من اتباعه كفر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مستدرك الحاكم 3: 556، تاريخ ابن عساكر 4: 69.

(2) صحيح الترمذى 9: 64، وج 13: 294، مسند أحمد 2: 91، 92، تاريخ ابن عساكر 4: 50.

(3) النصايح لابن عقيل ص 81 ط 2.

 

 

/ ص 52/

 

الحجاج. الاتحاف ص 22.

دع هذه كلها وخذ ما أخرجه الترمذي وابن عساكر من طريق هشام بن حسان انه قال: احصي ما قتل الحجاج صبرا فوجد مائة ألف وعشرون ألفا (1) ووجد في سجنه ثمانون ألفا محبوسون، منهم ثلاثون ألف امرأة (2) وكانت هذه المجزرة الكبرى والسجن العام بين يدي ابن عمر ينظر إليهما من كثب، أدرك أيام الحجاج كلها ومات وهو حي يذبح ويفتك.

أمثل هذا الجائر الغادر الآثم يتأهل للايتمام به دون سيد العرب مثال القداسة والكرامة ؟.

وهل ابن عمر نسي يوم بايع الحجاج ما اعتذر به من امتناعه عن بيعة ابن الزبير لما قيل له: ما يمنعك أن تبايع امير المؤمنين - ابن الزبير - فقد بايع له أهل العروض وعامة أهل الشام ؟ فقال: والله لا ابايعكم وأنتم واضعوا سيوفكم على عواتقكم تصيب أيديكم من دماء المسلمين(3).

هلا كان ابن عمر ونصب عينيه ما كانت تصيبه أيدي الحجاج وزبانيته من دماء المسلمين، دماء امة كبيرة من عباد الله الصالحين، دماء نفوس زكية من شيعة آل الله ؟ فكيف إئتم به وبايعه ؟ وباي كتاب أم بأية سنة ساغ له حنث يمينه يوم بايع ابن الزبير ومديده إلى بيعته وهي ترجف من الضعف بعد ما بايعه رؤس الخوارج أعداء الاسلام، المارقين من الدين: نافع بن الازرق، وعطية بن الاسود، ونجدة بن عامر ؟. (4)

ليتني أدري وقومي أفي شريعة الاسلام حكم للغلبة يركن إليه المسلم في الصلاة التي هي عماد الدين وأفضل أعمال امة محمد صلى الله عليه وآله ؟ أو أن الايتمام في الجمعة والجماعة يدور مدار تحقق البيعة وإجماع الامة، وعدم النزاع بين الامام وبين من خالفه من الخوارج عليه ؟ أو أن هاتيك الاعذار - أعذار إبن عمر - أحلام نائم وأماني كاذبة لا طائل تحتها ؟ انظر إلى ضئولة عقل ابن عمر يحسب ان الامة تتلقى خزعبلاته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الترمذى 9: 64، تاريخ ابن عساكر 4: 80، تيسير الوصول 4: 36.

(2) تاريخ ابن عساكر 4: 80، المستطرف 1: 66.

(3) سنن البيهقى 8: 192.

(4) سنن البيهقى 8: 193.

 

 

/ ص 53/

 

بالقبول، وتراه بها معذورا في طاماته، ذاهلا عن أن هذه المعاذير أكثر معرة من بوادره والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

كان الرجل يصلي مع الحجاج بمكة كما قاله ابن سعد (1) وقال ابن حزم في المحلى

4: 213: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج ونجدة (2) وكان أحدهما خارجيا، والثاني أفسق البربة. وذكره أبوالبركات في بدائع الصنائع 1: 156.

أليس أحق الناس بالامامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسنة ؟ أليس من السنة الصحيحة الثابتة قوله صلى الله عليه وآله: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القرائة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ؟  (3)

أم لم يكن منها قوله صلى الله عليه وآله: إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خياركم، فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم ؟  (4).

أو لم يكن يسر ابن عمر أن تقبل صلاته ؟ أم كان يروقه من صلاة الحجاج انه وخطباؤه كانوا يلعنون عليا وابن الزبير ؟ (5) أم كان يعلم أن الصلاة وغيرها من القربات لا تنجع لاي مسلم إلا بالولاية لسيد العترة سلام الله عليه (6) وابن عمر على نفسه بصيرة، ويراه فاقدا إياها، بعيدا عنها، فايتمامه عندئذ بالامام العادل أو الجائر المستهتر سواسية ؟.

إن كان الرجل يجد الغلبة ملاك الايتمام فهلا إئتم بمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وكان هو الغالب في وقعة الجمل ويوم النهروان ؟ ولم يكن في صفين مغلوبا وإنما لعب ابن العاصي فيها بخديعته فالتبس الامر على الاغرار، لكن أهل البصائر عرفوها فلم يتزحزحوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الطبقات الكبرى 4: 110.

(2) نجدة بن عامر - عمير - اليمانى من رؤس الخوارج زائغ عن الحق، خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية، وقدم مكة، وله مقالات معروفة، واتباع انقرضوا، قتل في سنة سبعين. لسان الميزان 6: 148.

(3) صحيح مسلم 2: 133، صحيح الترمذى 6: 34، سنن ابى داود 1: 96.

(4) نصب الراية 2: 26.

(5) راجع المحلى لابن حزم 5: 64.

(6) راجع الجزء الثاني ص 301.

 

 

/ ص 54/

 

عن معتقدهم طرفة عين، وقبل هذه الحروب انعقدت البيعة بخليفة الحق من غير معارض ولا مزاحم حتى يتبين فيه الغالب من المغلوب، فكان إمام العدل عليه السلام هو المستولي على عرش الخلافة والمحتبي بصدر دستها، فلما ذا تركه عليه السلام ابن عمر ولم يأتم به وقد تم أمره، بتمام شروط البيعة وملاك الايتمام على رأيه هو ؟ 

ومن نجدة الخارجي ؟ ومتى غلب على جميع الحواضر الاسلامية ؟ وما قيمته وقيمة الايتمام به ورسول الله صلى الله عليه وآله يعرف الخوارج بالمروق من الدين بقوله: يخرج قوم من امتي يقرأون القرآن ليست قراء‌تكم إلى قراء‌تهم بشئ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشئ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشئ، يقرأون القرآن يحسبون انه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (1).

وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم: سيخرج قوم في آخر الزمان حدثاء الاسنان، سفهاء الاحلام، يقولون من خير قوله البرية، يقرأون القرآن، لا يجاوز ايمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة (2).

وبقوله صلى الله عليه وآله: سيكون في امتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق، طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شئ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله  ما سيماهم ؟ قال: التحليق (3).

وبقوله صلى الله عليه وآله: يخرج من قبل المشرق قوم كان هديهم هكذا يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه ووضع يده على صدره، سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم، فإذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح الترمذى 9: 37، سنن البيهقى 8: 170، وأخرجه مسلم وأبوداود كما في تيسير الوصول 4: 31.

(2) أخرجه الخمسة إلا الترمذى كما في تيسير الوصول 4: 32، والبيهقى في السنن

الكبرى 8: 170.

(2)   سنن أبي داود 2: 284، مستدرك الحاكم 2: 147، 148، سنن البيهقى 8: 171، وللشيخين عن أبي سعيد نحوه كما في تيسير الوصول 4: 33.

 

 

/ ص 55/

 

رأيتموهم فاقتلوهم. مستدرك الحاكم 2: 147.

وبقوله صلى الله عليه وآله: يوشك أن يأتي قوم مثل هذا يتلون كتاب الله وهم أعداؤه، يقرؤن كتاب الله محلقة رؤسهم، فإذا خرجوا فاضربوا رقابهم. المستدرك 2: 145.

وبقوله صلى الله عليه وآله إن أقواما من امتي أشدة، ذلقة ألسنتهم بالقرآن، لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن المأجور من قتلهم. المستدرك 2: 146.

وبقوله صلى الله عليه وآله: الخوارج كلاب النار (1) من طريق صححه السيوطي في الجامع الصغير.

فما قيمة صحابي لا ينتجع مما جاء عن النبي الاقدس صلى الله عليه وآله من الكثير الصحيح في الناكثين والقاسطين والمارقين ؟ ولم يرقط قيمة لتلكم النصوص، ويضرب عنها صفحا ولم يتبصر بها في دينه، ويتترس تجاه ذلك الحكم البات النبوي عن التقاعس عن تلك المشاهد بأنها فتنة. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ؟.

لقد ذاق ابن عمر وبال أمره بتركه واجبه من البيعة لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام والتبرك بيده الكريمة التي هي يد رسول الله صلى الله عليه وآله وهو خليفته بلا منازع، وبتركه الايتمام به والدخول في حشده وهو نفس الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم والبقية منه، بذل البيعة لمثل الحجاج الفاجر فضرب الله عليه الذلة والهوان هاهنا حتى أن ذلك المتجبر الكذاب المبير لم ير فيه جدارة بأن يناوله يده فمد إليه رجله فبايعها. وأخذه الله بصلاته خلفه وخلف نجدة المارق من الدين، وحسبه بذينك هوانا في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وكان من أخذه سبحانه إياه أن سلط عليه الحجاج فقتله وصلى عليه (2) ويالها من صلاة مقبولة ودعاء مستجاب من ظالم غاشم ؟