فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

معذرة اخرى لابن عمر

ولابن عمر معذرة اخرى، أخرج أبونعيم في الحلية 1: 292 من طريق نافع عن ابن عمر انه أتاه رجل فقال: يا أبا عبدالرحمن ؟ أنت ابن عمر وصاحب رسول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 4: 355، سنن ابن ماجة 1: 74.

(2) الاستيعاب 1: 369، اسد الغابة 3: 230.

 

 

/ ص 56/

 

الله صلى الله عليه وآله فما يمنعك من هذا الامر ؟ قال: يمنعني أن الله تعالى حرم علي دم المسلم قال: فإن الله عزوجل يقول: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.

قال: قد فعلنا وقد قاتلناهم حتى كان الدين لله، فأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى يكون الدين لغير الله.

وأخرج في الحلية 1 ص 294 من طريق القاسم بن عبدالرحمن: انهم قالوا لابن عمر في الفتنة الاولى: ألا تخرج فتقاتل ؟ فقال: قد قاتلت والانصاب بين الركن والباب حتى نفاها الله عزوجل من أرض العرب، فأنا أكره أن اقاتل من يقول لا إله إلا الله.

دع ابن عمر يحسب نفسه أفقه من كل الصحابة من المهاجرين الاولين والانصار الذين باشروا الحرب مع أمير المؤمنين عليه السلام في تلكم المعامع، ولكن هل كان يجد نفسه أفقه من رسول الله صلى الله عليه وآله حيث أمر أصحابه بمناصرة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فيها، وأمره صلوات الله عليه بمباشرة هاتيك الحروب الدامية ونهى عن التثبط عنها.

وهل كان صلى الله عليه وآله يعلم أن المقاتلين من الفئتين من أهل لا إله إلا الله فأمر بالمقاتلة مع علي عليه السلام ؟ أو عزب عنه علم ذلك فأمر باراقة دماء المسلمين ؟ غفرانك اللهم.

وهل علم صلى الله عليه وآله بأن نتيجة ذلك القتال أن يكون الدين لغير الله فحض عليه ؟

أو فاته ذلك لكن علمه ابن عمر فتجنبه ؟ أعوذ بالله من شطط القول.

وما أشبه اعتذار ابن عمر اعتذار أبيه يوم أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بقتل ذي الثدية رأس الخوارج فما قتله واعتذر بأنه وجده متخشعا واضعا جبهته لله.

راجع الجزء السابع ص 216.

ثم إن كون الدين لغير الله هل كان من ناحية مولانا أمير المؤمنين علي وكان هو وأصحابه يريدونه ؟ أو من ناحية مناوئيه ومن بغى عليه من الفئة الباغية ؟ والاول لا يتفق مع ما جاء في الكتاب الكريم والسنة الشريفة في حق الامام علي عليه السلام وفي مواليه وتابعيه ومناوئيه، وفي خصوص الحروب الثلاث، كما هو مبثوث في مجلدات كتابنا هذا، وإن ذهل أو تذاهل عنها إبن عمر.

وإن كان يريد الثاني فلماذا بايع معاوية بعد أن تقاعد عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ؟ هذه أسئلة ووجوه لا أدري هل يجد ابن عمر عنها جوابا في محكمة العدل الالهي ؟

 

 

/ ص 57/

 

لا أحسب، ولعله يتخلص عنها بضئولة العقل المسقط للتكليف.

وأعجب من هذه كلها ما جاء به أبونعيم في الحلية 1: 309 من قول ابن عمر: إنما كان مثلنا في هذه الفتنة كمثل قوم كانوا يسيرون على جادة يعرفونها فبينما هم كذلك إذ غشيتهم سحابة وظلمة، فأخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق، وأقمنا حيث أدركنا ذلك حتى جلى الله ذلك عنا فأبصرنا طريقنا الاول فعرفنا وأخذنا فيه، إنها هؤلاء فتيان قريش يقتتلون على هذا السلطان وعلى هذه الدنيا، ما ابالي أن لا يكون لي ما يقتل (1) بعضهم بعضا بنعلي هاتين الجرداوين.

ليت شعري متى غشيت الامة سحابة وظلمة فأقام الرجل حيث أدرك ذلك ؟ أعلى العهد النبوي وهو أصفا أدوار الجو الديني ؟ أم في دور الخلافة ؟ وقد بايع الرجل شيخ تيم وأباه، وهما عنده خيرا خلق الله واحدا بعد واحد، فلا يرى فيه غشيان الظلمة أو قبول السحابة، واعطف على ذلك أيام عثمان فقد بايعه ولم يتسلل عنه حتى يوم مقتله كما مر في ص 23 من هذا الجزء، فلم تكن أيام عثمان عنده أيام ظلمة وسحابة وإن كان من ملقحي فتنتها بما ارتآه، فلم يبق إلا عهد الخلافة العلوية وملك معاوية بن أبي سفيان. أما معاوية فقد بايعه الرجل طوعا ورغبة وإن رآه رسول الله صلى الله عليه وآله ملكا عضوضا ولعن صاحبه.

وبايع يزيد بن معاوية بعد ما أخذ مائة ألف من معاوية، فلم يبق دور ظلمة عنده إلا أيام خلافة خير البشر سيد الامة مولانا امير المؤمنين علي عليه السلام، وفيها أخذ بعضهم يمينا وشمالا فأخطأ الطريق، وكانت الادوار مجلاة قبل ذلك و بعده أيام إمارة معاوية ويزيد وعبدالملك والحجاج، فقد أبصر الرجل طريقه المهيع الاول عند ذلك فعرفه وأخذ فيه وبايعهم.

وهل هنا من يسائل الرجل عن الذين أخطأوا الطريق ببيعتهم وانحيازهم ؟ هل هم الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام ؟ وهم الصحابة العدول والبدريون من المهاجرين والانصار، والامة الصالحة من التابعين من رجالات المدينة المشرفة وغيرها من الامصار الاسلامية. أو الذين أكبوا على تلكم الايدي العادية فبايعوها ؟ من طغام الشام، سفلة الاعراب، وبقية الاحزاب، وأهل المطامع والشره. فيرى هل تحدوه القحة والصلف إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   في تعليق الحلية: المعنى ما يقتل بعضهم بعضا عليه والله أعلم.

 

 

/ ص 58/

 

أن يقول بالاول ؟ ونصب عينه قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إن تولوا عليا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم.

وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم.

وقوله صلى الله عليه وآله: إن تستخلفوا عليا وما أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يحملكم على المحجة البيضاء. إلى أحاديث اخرى أو عزنا إليها في الجزء الاول ص 12.

أو أن النصفة تلقى على روعه فينطق وهو لا يشعر بما يقول فيقول بالثاني فينقض ما ارتكبه من بيعة القوم جميعا ؟.

ثم إن من غريب المعتقد ما ارتئاه من أن فتيان قريش كانوا يقتتلون على السلطان ويبغون بذلك حطام الدنيا وهو يعلم أن لهذا الحسبان شطرين، فشطر لعلي أمير المؤمنين وأصحابه، وهو الذي كانت الدنيا عنده كعفطة عنز كما لهج به صلوات الله عليه وصدق الخبر الخبر، وكانت نهضته تلك بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد منه إليه وإلى أصحابه كما تقدم في هذا الجزء والجزء الثالث.

وشطر لطلحة والزبير ولمعاوية، أما الاولان فيعرب عن مرماهما قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له: كل واحد منهما يرجو الامر له ويعطفه عليه دون صاحبه لا يمتان إلى الله بحبل، ولا يمدان إليه بسبب، كل واحد منهما حامل ضب لصاحبه، وعما قليل يكشف قناعه به، والله لئن أصابوا الذي يريدون لينزعن هذا نفس هذا، و ليأتين هذا على هذا، قد قامت الفئة الباغية فأين المحتسبون ؟.

ولما خرج طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة جاء مروان بن الحكم إلى طلحة و الزبير وقال: على أيكما اسلم بالامارة، وانادي بالصلاة ؟ فسكتا، فقال عبدالله بن الزبير: على أبي. وقال محمد بن طلحة: على أبي.

فأرسلت عائشة إلى مروان: أتريد أن ترمي الفتنة بيننا ؟ أو قالت: بين أصحابنا، مروا ابن اختي فليصل بالناس. يعنى عبدالله بن الزبير. مرآة الجنان لليافعي 1: 95.

 وأما معاوية فهو الذي صدق فيه ظنه بل تنجز يقينه، وقد عرفه بذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعرفه إياك بغايته الوحيدة ونفسيته الذميمة كلماتهم، وابن عمر لا يصيخ

 

 

/ ص 59/

 

إليها وقد أصمه وأعماه حب العبشميين، فاتبع هواه وأضله، وإليك نمازج من تلكم الكلم:

1 - قال هاشم المرقال مخاطبا أمير المؤمنين عليا عليه السلام: سر بنا يا أمير المؤمنين إلى هؤلاء القوم القاسية قلوبهم الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، وعملوا في عباد الله بغير رضا الله، فاحلوا حرامه، وحرموا حلاله، واستهوى بهم الشيطان، ووعدهم الاباطيل، ومناهم الاماني حتى أزاغهم عن الهوى، وقصد بهم قصد الردى، وحبب إليهم الدنيا، فهم يقاتلون على دنياهم رغبة فيها كرغبتنا في الآخرة ؟. إلخ.

كتاب صفين ص 125، شرح ابن ابي الحديد 1: 282، جمهرة الخطب 1: 151.

2 - ومن كلام لهاشم المرقال ايضا: يا أمير المؤمنين  فانا بالقوم جد خبير، هم لك ولاشياعك أعداء، وهم لمن يطلب حرث الدنيا أولياء، وهم مقاتلوك ومجادلوك، لا يبقون جهدا مشاحة على الدنيا، وضنا بما في أيديهم منها، ليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من طلب دم ابن عفان، كذبوا ليسوا لدمه ينفرون، ولكن الدنيا يطلبون.

كتاب ابن مزاحم ص 103، شرح ابن ابي الحديد 1: 278.

3 - من خطبة ليزيد بن قيس الارحبي: إن المسلم من سلم دينه ورأيه، وإن هؤلاء القوم والله ما إن يقاتلوننا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا على إحياء حق رأونا أمتناه، ولا يقاتلوننا إلا على هذه الدنيا ليكونوا فيها جبابرة وملوكا، ولو ظهروا عليكم (لا أراهم الله ظهورا وسرورا) إذن لوليكم مثل سعيد (1) والوليد (2) وعبدالله بن عامر (3) السفيه يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ ماله الله ويقول: لا إثم علي فيه، كانما اعطي تراثه من أبيه. كيف ؟ إنما هو مال الله أفاء‌ه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا عباد الله  القوم الظالمين الحاكمين بغير ما أنزل الله، ولا تأخذكم فيهم لومة لائم، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدوا عليكم دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتم وجربتم، والله ما أرادوا باجتماعهم عليكم إلا شرا، واستغفر الله العظيم لي ولكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية والى معاوية على المدينة.

(2) الوليد بن عقبة السكير اخو عثمان لامه.

(3) عبدالله بن عامر ولاه معاوية على البصرة ثلاث سنين.

 

 

/ ص 60/

 

كتاب صفين ص 279، تاريخ الطبري 6: 10، شرح ابن ابي الحديد 1: 485.

4 - من مقال لعمار بن ياسر بصفين: إمضوا معي عباد الله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عباد الله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالاحسان. فقال هؤلاء الذين لا يبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين: لم قتلتموه ؟ فقلنا: لاحداثه. فقالوا: إنه ما أحدث شيئا وذلك لانه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونها ويرعونها ولا يبالون لو انهدت عليهم الجبال، والله ما أظنهم يطلبون دمه انهم ليعلمون انه لظالم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمروها، وعلموا لو ان صاحب الحق لزمهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون فيه منها، ولم يكن للقوم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما. ليكونوا بذلك جبابرة وملوكا، وتلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون، ولولا هي ما بايعهم من الناس رجلان.

كتاب صفين ص 361، تاريخ الطبري 6: 21، شرح ابن ابي الحديد 1: 504، الكامل لابن الاثير 3: 123، تاريخ ابن كثير 7: 266 واللفظ لابن مزاحم.

5 - من خطبة لعبدالله بن بديل بن ورفاء الخزاعي: يا أمير المؤمنين  إن القوم لو كانوا الله يريدون، ولله يعملون، ما خالفونا، ولكن القوم إنما يقاتلوننا فرارا من الاسوة وحبا للاثرة، وضنا بسلطانهم، وكرها لفراق دنياهم التي في أيديهم، وعلى إحن في نفوسهم، وعداوة يجدونها في صدورهم لوقائع أوقعتها يا أمير المؤمنين  بهم قديمة، قتلت فيها آباء‌هم وإخوانهم.

كتاب صفين ص 114، شرح ابن ابي الحديد 1: 281، جمهرة الخطب 1: 148.

6 - من كلام لشبث بن ربعي مخاطبا معاوية: إنه والله لا يخفى علينا ما تغزو ما تطلب. إلى آخر ما يأتي في هذا الجزء.

7 - قال وردان غلام عمرو بن العاص له: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: علي معه الآخرة في غير دنيا، وفي الآخرة عوض من الدنيا، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة، وليس في الدنيا عوض الآخرة. فقال عمرو:

يــا قاتــــل الله وردانــــا وفتنتــــه * أبـدى لعمرك ما في النفس وردان

 

 

/ ص 61 /

 

لما تعرضت الدنيا عـــرضت لهـــا * بحرص نفسي وفي الاطباع ادهان

نفس تعف واخرى الحرص يقلبها * والمــــرء يأكــــل تبنا وهو غرثان

أمــــا علــــي فديـــن ليس يشركه * دنيا وذاك لـــــه دنيــــا وسلطــــان

فاخترت من طمعي دنيا على بصر * وما معــــي بالــــذي أختار برهان

إلى آخر أبيات مرت في ج 2: 128، ومر لعمرو بن العاص قوله:

معــاوي لا أعطيك ديني ولم أنل * بذلك دنيا فانظــــرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة * أخــــذت بها شيخــا يضر وينفع

وما الدين والدنيــا سواء وإنني * لآخــــذ ما تعطـــي ورأسي مقنع

إلى آخر ما أسلفناه في ج 2: 44.

8 - من كتاب لمحمد بن مسلمة الانصاري إلى معاوية: وأما أنت فلعمري ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى. فإن تنصر عثمان ميتا فقد خذلته حيا. كتاب صفين ص 86.

9 - قال نصر: لما اشترطت عك والاشعرون على معاوية ما اشترطوا من الفريضة والعطاء فأعطاهم (1)، لم يبق من أهل العراق أحد في قلبه مرض إلا طمع في معاوية وشخص بصره إليه حتى فشا ذلك في الناس، وبلغ ذلك عليا فساء‌ه، وجاء المنذر بن أبي حميصة الوادعي (2) وكان فارس همدان وشاعرهم فقال: يا أمير المؤمنين ؟ إن عكا والاشعريون طلبوا إلى معاوية الفرائض والعطاء فأعطاهم، فباعوا الدين بالدنيا، وإنا رضينا بالآخرة من الدنيا، وبالعراق من الشام، وبك من معاوية، والله لآخرتنا خير من دنياهم، ولعراقنا خير من شامهم، ولامامنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منا بالنصر، واحملنا على الموت.

ثم قال في ذلك:

إن عكا سالوا الفرائض والاش‍ * ــعر سالـــوا جوائزا بثنيه (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اشترطوا على معاوية أن يجعل لهم فريضة ألفى رجل في الفين الفين، ومن هلك فابن عمه مكانه (كتاب صفين 493)

(2) الوادعى: نسبة إلى وادعة: بطن من همدان.

(3) البثنية: منسوبة إلى قرية بالشام بين دمشق وأذرعات، واليها تنسب الحنطة البثنية، وهى أجود أنواع الحنطة.

 

 

/ ص 62 /

 

تركوا الــــدين للعــــطاء وللفر * ض فكانــــوا بذاك شر البريه

وسألنـــا حسن الثواب من الله * وصبــــرا علـــى الجهاد ونيه

فلكــــل مــــا سالــــه ونــــواه * كلنــــا يحــسب الخلاف خطيه

ولاهل العراق أحسن في الحر * ب إذا ما تدانـــت السمهريـــه

ولاهــــل العـــــراق أحمل للثق‍ * ل إذا عمــــت العبــــاد بليــــه

ليــــس منا من لم يكن لك في * الله وليــــا ياذا الولا والوصيه

فقال علي: حسبك رحمك الله، وأثنى عليه خيرا وعلى قومه. وانتهى شعره إلى معاوية فقال معاوية: والله لاستميلن بالاموال ثقات علي، ولا قسمن فيهم المال حتى تغلب دنياي آخرته.

كتاب صفين ص 495، شرح ابن ابي الحديد 2: 293.

1 - من كتاب لمولانا أمير المؤمنين إلى معاوية: واعلم يا معاوية ؟ أنك قد ادعيت أمرا لست من أهله لا في القدم ولا في الولاية، ولست تقول فيه بأمر بين تعرف لك به أثرة، ولا لك عليه شاهد من كتاب الله، ولا عهد تدعيه من رسول الله، فكيف أنت صانع ؟ إذا انقشعت عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا أبهجت بزينتها، وركنت إلى لذتها، وخلي فيها بينك وبين عدو جاهد ملح، مع ما عرض في نفسك، من دنيا قد دعتك فأجبتها، وقادتك فاتبعتها، وأمرتك فأطعتها، فاقعس عن هذا الامر، وخذ اهبة الحساب، فإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا يجنك منه مجن، ومتى كنتم يا معاوية  ساسة للرعية ؟ أو ولاة لامر هذه الامة بغير قدم حسن ؟ ولا شرف سابق على قومكم، فشمر لما قد نزل بك، ولا تمكن الشيطان من بغيته فيك، مع أني أعرف ان الله ورسوله صادقان، فنعوذ بالله من لزوم سابق الشقاء، وإلا تفعل أعلمك ما أغفلك من نفسك، فإنك مترف قد أخذ منك الشيطان مأخذه، فجرى منك مجرى الدم في العروق.

كتاب صفين ص 122، نهج البلاغة 2: 10، شرح ابن أبي الحديد 3: 410.

11 - روي: ان الحسن بن علي رضي الله عنهما قال لحبيب (1) بن مسلمة في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   نزيل الشام كان مع معاوية في حروبه.

 

 

/ ص 63 /

 

بعض خرجاته بعد صفين: يا حبيب  رب مسير لك في غير طاعة الله. فقال له حبيب: أما إلى أبيك فلا.

فقال له الحسن: بلى والله ولقد طاوعت معاوية على دنياه وسارعت في هواه، فلئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك، فليتك إذا أسأت الفعل أحسنت القول فتكون كما قال الله تعالى: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.

ولكنك كما قال الله تعالى: بل ران على قلوبهم ما كانوا يسكبون (1).

12 - قال القحذمي: لما قدم معاوية المدينة، قال: أيها الناس ؟ ان أبا بكر رضي الله عنه لم يرد الدنيا ولم ترده، وأما عمر فأرادته الدنيا ولم يردها، وأما عثمان فنال منها ونالت منه، وأما أنا فمالت بي وملت بها، وأنا ابنها وهي امي وأنا ابنها، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم. العقد الفريد 2: 300.

إلى كلمات اخرى تعرب عن مدى غايات معاوية وتركاضه وراء حطام الدنيا وملكها العضوض.

 

ابن عمر يحيي أحداث أبيه

 

 هاهنا يوقفنا السبر عن أخبار ابن عمر على مواقف اتباعه أحداث والده واتخاذه آرائه الشاذة عن الكتاب والسنة دينا بعد تبين الرشد من الغي، ما بالهم إذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباء‌نا والله أمرنا بها ؟ .

- منها: ذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 4: 265 عن ابن عمر لما سئل عن المتعة،

قال: حرام.

فقيل: إن ابن عباس لا يرى بها بأسا.

فقال: والله لقد علم ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها يوم خيبر وما كنا مسافحين.

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 7: 206 عن عبدالله بن عمر أنه سئل عن متعة النساء

فقال: حرام، أما إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أخذ فيها أحدا لرجمه بالحجارة.

إن الرجل متقول على الله وعلى رسوله بحكمه البات بحرمة المتعة، والسائل إنما سأله عن دين الله لا عما أحدثه أبوه، وهو في قوله هذا مكذب لابيه حيث يقول:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الاستيعاب 1: 123.

 

 

/ ص 64 /

 

متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما واعاقب عليهما.

ويقول: ثلاث كن على عهد رسول الله أنا محرمهن ومعاقب عليهن: متعة الحج. ومتعة النساء. وحي على خير العمل. ولم يستثن من ذلك العهد شيئا ونسب التحريم إلى نفسه، وقد عد من اوليات عمر.

ومكذب أيضا ابن عباس وقاذف إياه بأنه كان يعلم حكم الله ويحكم بخلافه، ويحلف بالله في قوله الفاحش، وحاشى حبر الامة عن هذه الطامة الكبرى.

ومكذب فحول الصحابة نظراء جابر بن عبدالله، وأبي سعيد الخدري، وعمران ابن حصين، القائلين بإباحة المتعة في السنة الشريفة، وانهم تمتعوا على عهد أبي بكر وشطر من خلافة عمر، وان عمر هو الذي نهى عنها.

ومكذب سيد العترة امير المؤمنين عليه السلام في عزوه النهي عن المتعة إلى عمر، وقوله: لولا نهيه عنها ما زنى إلا شقي.

على أن النهي عن المتعة بخيبر يكذبه به إطباق الحفاظ وشراح البخاري على عدم وجود النهي عنها يومئذ، وقد سبق القول عن السهيلي وأبي عمرو الزرقاني في الجزء السادس ص 226 ط 2 بأنه وهم وغلط لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الاثر.

مر الكلام حول هذا البحث ضافيا في الجزء السادس ص 198 - 240 ط 2.

- ومنها: نهيه عن البكاء على الاموات إحتذاء منه سيرة أبيه خلاف ما جاء في السنة الشريفة من فعل النبي صلى الله عليه وآله وقوله وتقريره، وكان ذلك بعد قيام الحجة عليهما كما مر في الجزء السادس، وكان الرجل يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر فقال: إن هذا ليعذب الآن ببكاء أهله عليه فقالت عائشة: غفر الله لابي عبدالرحمن انه وهم، إن الله تعالى يقول: ولا تزر وازرة وزر اخرى. إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذا ليعذب الآن وأهله يبكون عليه (1) فصلنا القول في المسألة في الجزء السادس 159 - 167 ط 2 وفي هذا الجزء ص 43، 44.

- ومنها: استنكافه من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله أخذا برأي أبيه، السابق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   مسند احمد 2: 31، 38.

 

 

/ ص 65 /

 

ذكره في ج 6 ص 294 ط 2، قال الشعبي: قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا (1).

- ومنها: قوله في طواف الوداع على الحائض التي أفاضت حذو رأي أبيه خلاف السنة النبوية الشريفة، وكان على ذلك ردحا من الزمن، ثم لما لم ير من وافقه في الرأي لم يجد بدا من البخوع للحق فأخبت إليه كما أسلفناه في ج 6: 111 ط 2.

- ومنها: حضه الناس على ما أحدثه أبوه من المنع عن السؤال عما لم يقع (2) وقوله: يا أيها الناس لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن (3).

ألا تعجب من سوء حظ امة محمد صلى الله عليه وآله أن تدعم الاحدوثة فيها بالمسبة، وتنهى عن المعروف بالفسوق ؟.

- ومنها: قوله في المتطيب عند الاحرام اقتداء باحدوثه أبيه خلاف السنة الثابتة، أخرج البخاري ومسلم من طريق ابراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يقول: لان أصبح مطليا بقطران أحب الي من أن أصبح محرما انضخ (4) طيبا قال: فدخلت على عائشة فأخبرتها بقوله فقالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف على نسائه ثم أصبح محرما.

وفي لفظ البخاري: ذكرته لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، كنت اطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف على نسائه ثم يصبح محرما ينضخ طيبا.

وفي لفظ النسائي: سألت ابن عمر عن الطيب عند الاحرام فقال: لان أطلي بالقطران أحب إلي من ذلك. فذكرت ذلك لعائشة فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن قد كنت اطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيطوف في نسائه ثم يصبح ينضخ طيبا. (5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن الدارمى 1: 84، سنن ابن ماجه 1: 15، مسند احمد 2: 157، ولفظه: جالست ابن عمر سنتين ما سمعته روى شيئا عن رسول الله.

(2) مر البحث عنه في ج 6: 293 ط 2.

(3) كتاب العلم لابي عمر 2: 143، مختصر كتاب العلم ص 190.

(4) النضخ بالخاء المعجمة كاللطخ فيما يبقى له اثر يقال: نضخ ثوبه بالطيب. والنضح بالمهملة فيما كان رقيقا مثل الماء.

(5) صحيح البخارى 1: 102، 103، صحيح مسلم 4: 12، 13، سنن النسائى 5: 141.

 

 

/ ص 66 /

 

- ومنها: ما أخرجه الشيخان (1) من طريق مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبدالله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في المسجد فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. فقال له عروة: يا أبا عبدالرحمن  كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: أربع عمر إحداهن في رجب، فكرهنا أن نكذبه ونرد عليه، وسمعنا استنان عائشة في الحجرة فقال عروة: ألا تسمعين يا ام المؤمنين  إلى ما يقول أبو عبدالرحمن ؟ فقالت: وما يقول ؟ قال: يقول: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر إحداهن في رجب. فقالت: يرحم الله أبا عبدالرحمن، ما اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو معه، وما اعتمر في رجب قط.

الظاهر من الرواية ان ابن عمر تعمد باختلاق عمرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب وإن كره مجاهد، وعروة أن يكذباه، وانما فعل ذلك روما لتدعيم ما تأول به رأي أبيه الشاذ في متعة الحج مما رواه أحمد في مسنده 2: 95 من قوله: إن عمر لم يقل لكم إن العمرة في أشهر الحج حرام ولكنه قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج.

فأراد ابن عمر بعزو عمرة رجب المختلقة إلى رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم تأييدا لتأويله الذي يضاد صريح قول أبيه: إني احرمها واعاقب عليها. وقد فصلنا القول فيها في ج 6.

ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما اعتمر في رجب قط كما جاء في حديث أنس ايضا: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر كلها في ذي العقدة (2) وأخرج ابن ماجة في سننه 2: 233 من طريق ابن عباس قال: لم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة إلا في ذي العقدة.

وكان ابن عمر يحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتمر مرتين فأنكرت عليه عائشة ايضا، ولعله كان قبل إنكارها السابق عليه، أخرج أبوداود وأحمد (3) من طريق مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: مرتين. فقالت عائشة: لقد علم ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى 3: 144، صحيح مسلم 4: 61، مسند احمد 2: 73، 129، 155، وفى تيسير الوصول 1 ص 336: أخرجه الخمسة الا النسائى.

(2) صحيح البخارى 3: 145، صحيح مسلم 4: 60، سنن أبي داود 1: 312،

الاجابة للزركشى ص 115.

(2)   راجع سنن ابى داود 1: 312، مسند احمد 2: 70، 139، فتح البارى 3، 473.

 

 

/ ص 67 /

 

ولعل الباحث يقرب من عرفان حقيقة ابن عمر إن أمعن النظر فيما أخرجه ابن عساكر من طريق إمام الحنابلة أحمد عن إبن ابزي: ان عبدالله بن الزبير قال لعثمان يوم حصر: إن عندي نجائب قد أعددتها لك، فهل لك أن تتحول إلى مكة فيأتيك من أراد أن يأتيك ؟

قال: لا، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبدالله عليه نصف أوزار الناس، ولا أراك إلا إياه أو عبدالله بن عمر (تاريخ ابن عساكر  7: 414).

وأخرج أحمد في مسنده 2: 136: أتى عبدالله بن عمر عبدالله بن الزبير فقال:

يا ابن الزبير إياك والالحاد في حرم الله تبارك وتعالى فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: انه سيلحد فيه رجل من قريش لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت. قال: فانظر لا تكونه.

- الفريق الثاني:

أما الفريق الثاني من أخبار ابن عمر فحدث عنه ولا حرج، تراه لا يدعه عداء‌ه المحتدم ونفسيته الواجدة على أمير المؤمنين، أو حبه المعمى والمصم للبيت العبشمي أن يجري على لسانه اسم علي وذكر أيام خلافته فضلا عن أن يبايعه، مر حول حديث ذكرناه في هذا الجزء صفحة 24 قول ابن حجر: لم يذكر ابن عمر خلافة علي لانه لم يبايعه لوقوع الاختلاف عليه. إلى آخر كلامه.

وسبق في ص 36 من طريق الحافظ ابن عساكر ذكر ابن عمر الخلافة الاسلامية و عده خلفائها الاثني عشر من قريش: أبوبكر وعمر وعثمان ومعاوية ويزيد والسفاح و منصور وجابر والامين وسلام والمهدي وأمير العصب وقوله فيهم: إن كلهم صالح لا يوجد مثله.

أي نفسية ذميمة أو عقلية ساقطة دعت الرجل إلى هذه العصبية عصبية الجاهلية الاولى، هب أن خلافة أمير المؤمنين كانت غير مشروعة - العياذ بالله - ولكن هل كانت من السقوط على حد هو أسوء حالا من أيام يزيد الطاغية الباغية وملكه العضوض الذي استساغ الرجل أن يلهج به دون عهد امير المؤمنين وخلافته ؟ وهلا تسوغ تسمية أيام الفراعنة والجبابرة لدى سرد تاريخ قصة أو قضية ؟ وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله عند

 

 

/ ص 68 /

 

القوم ان الخلافة بعده صلى الله عليه وآله ثلثون عاما، ثم ملك عضوض، ثم كائن عتوا وجبرية و فسادا في الامة، يستحلون الفروج والخمور (1).

وهل كان على لسان الرجل عقال عي به عن سرد فضائل أمير المؤمنين وتبكمت عليه مما ملا بين الخافقين، وقد نزلت فيه عليه السلام ثلاثمائة آية، وجاء‌ت في الثناء عليه آلاف من الحديث لم ترو منها عن ابن عمر إلا نزر يعد بالانامل، وذلك بصورة مصغرة مشوهة، يضم آرائه السخيفة إليها مثل ما أخرجه أحمد في مسنده 2: 26 عن ابن عمر قال: كنا نقول في زمن النبي صلى الله عليه وآله: رسول الله خير الناس. ثم أبوبكر، ثم عمر، ولقد اوتى ابن أبي طالب ثلاث خصال لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ابنته وولدت له. وسدت الابواب الا بابه في المسجد. وأعطاه الراية يوم خيبر.

وفي حديث: قيل لابن عمر: ما قولك في علي وعثمان رضي الله عنها ؟ فقال ابن عمر: أما عثمان فقد عفي الله عنه فكرهتم أن تعفو، وأما علي فابن عم رسول الله وختنه. (2)

وتراه يوازن أبا بكر وعمر وعثمان مع رسول الله ويزنهم بميزان قسطه الذي فيه ألف عين ثم يرفعه ولم تلحق الزنة عليا، أخرج أحمد في المسند 2: 76 من طريق ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال: رأيت قبيل الفجر كأني اعطيت المقاليد والموازين، فاما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي تزنون بها فوضعت في كفة ووضعت امتي في كفة، فوزنت بهم فرجحت، ثم جئ بأبي بكر فوزن بهم فوزن،، ثم جئ بعمر فوزن، ثم جئ بعثمان فوزن بهم. ثم رفعت.

يؤيد ابن عمر بهذه الاسطورة رأيه في المفاضلة بين الصحابة، وانه لا تفاضل بينهم بعد أبي بكر وعمر وعثمان، وإذا ذهبوا استوى الناس.

نعم: ثقيل على ابن عمر أن يذكر عليا بخير، ويبوح بشئ من فضائله الجمة، وهو يأتي في غيره بما لا يقبله قط ذو مسكة، ولا يساعده فيه العقل والمنطق مثل قوله: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبوبكر الصديق عليه عباء‌ة قد خلها على صدره بخلال، فنزل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الخصايص الكبرى 2: 119، فيض القدير 3: 509.

(2) أخرجه البخارى.

 

 

/ ص 69 /

 

عليه جبريل فقال: ما لي أرى أبا بكر عليه عباء‌ة قد خلها على صدره بخلال ؟ إلى آخر ما مر في ج 5 ص 274 ط 1، و 321 ط 2.

وقوله مرفوعا: لو وزن ايمان أبي بكر بايمان أهل الارض لرجح. لسان الميزان 3: 310.

وقوله مرفوعا: اتيت في المنام بعس مملوء لبنا فشربت منه حتى امتلات فرأيته يجري في عروقي، فضلت فضلة فأخذها عمر بن الخطاب فشربها. إلى آخر ما أسلفناه في ج 5: 279 ط 1، و 326 ط 2.

وقوله مرفوعا: احشر يوم القيامة بين أبي بكر وعمر، حتى أقف بين الحرمين فيأتيني أهل مكة والمدينة.

وقوله مرفوعا: هبط جبريل فقال: إن رب العرش يقول لك: لما أخذت ميثاق النبيين أخذت ميثاقك وجعلتك سيدهم وجعلت وزيرك أبا بكر وعمر.

وقوله مرفوعا: لما اسري بي إلى السماء فصرت إلى السماء الرابعة سقطت في حجري تفاحة فأخذتها بيدي فانفلقت فخرج منها حوراء تقهقه فقلت لها: تكلمي لمن أنت ؟ قالت: للمقتول شهيدا عثمان بن عفان.

وقوله مرفوعا: أما إن معاوية يبعث يوم القيامة عليه رداء من نور الايمان.

وقوله مرفوعا: انه اوحي إلي أن اشاور ابن أبي سفيان في بعض أمري.

وقوله: لما نزلت آية الكرسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية: اكتبها فقال لي:

ما لي بكتبها إن كتبتها ؟ قال: لا يقرؤها أحد إلا كتب لك أجرها.

وقوله مرفوعا: الآن يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فطلع معاوية، فقال: أنت يا معاوية  مني وأنا منك، لتزاحمني على باب الجنة كهاتين. وأشار باصبعيه.

وقوله مرفوعا: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة. فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك، فطلع معاوية، ثم قال من الغد مثل ذلك، فطلع معاوية.

وقوله: إن جعفر بن أبي طالب أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرجلا فأعطى معاوية ثلاث سفرجلات وقال: تلقاني بهن في الجنة.

 

 

/ ص 70 /

 

إلى روايات اخرى أسلفناها في الجزء الخامس في سلسلة الموضوعات، ونحن وإن ماشينا القوم هنالك وأخذنا بتلكم الطامات اناسا آخرين من رجال أسانيدها، غير ان ما صح عن ابن عمر من أخباره كحديث المفاضلة، وما علم من نزعاته الوبيلة، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه تقرب إلى الذهن انه هو صائغ تلكم الصحاصح، ولا رجحان لغيره عليه في كفة الاختلاق والتقول، كما أن له في نحت الاعذار لمن انحاز إليهم من الامويين قدما وقدما، وقد مر شطر من شواهد ذلك ومنها ما أخرجه أحمد في مسنده 2: 101 من طريق عثمان بن عبدالله بن موهب قال: جاء رجل من مصر يحج البيت قال فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم ؟ فقالوا: قريش. قال: فمن الشيخ فيهم ؟ قالوا: عبدالله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شئ أو أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان فر يوم احد؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه غاب عن بدر فلم يشهده ؟

قال: نعم. قال: وتعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان ؟ قال: نعم. قال فكبر المصري، فقال ابن عمر: تعال ابين لك ما سألتني عنه، أما فراره يوم احد فأشهد ان الله قد عفى عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فانه كانت تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وانها مرضت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك أجر رجل شهد بدر أو سهمه.

أما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان، فضرب بها يده وقال: هذه لعثمان. قال: وقال ابن عمر: اذهب هذا الآن معك. وأخرجه البخاري في صحيحه 6: 122. وفي مرسلة عن المهلب بن عبدالله انه دخل على سالم بن عبدالله بن عمر رجل وكان ممن يحمد عليا ويذم عثمان فقال الرجل: يا أبا الفضل ؟ ألا تخبرني هل شهد عثمان البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح ؟ فقال سالم: لا. فكبر الرجل وقام ونفض ردائه و خرج منطلقا فلما أن خرج قال له جلساؤه: والله ما أراك تدرى ما أمر الرجل، قال: أجل، وما أمره ؟ قالوا: فإنه ممن يحمد عليا ويذم عثمان فقال: علي بالرجل فأرسل إليه فأتاه فقال: يا عبدالله الصالح إنك سألتني: هل شهد عثمان. البيعتين كلتيهما: بيعة الرضوان وبيعة الفتح ؟ فقلت: لا. فكبرت وخرجت شامتا فلعلك ممن يحمد عليا ويذم عثمان ؟

 

 

/ ص 71 /

 

فقال: أجل والله إني لمنهم، قال: فاستمع مني ثم اردد علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايع الناس تحت الشجرة كان بعث عثمان في سرية وكان في حاجة الله وحاجة رسوله و حاجة المؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا إن يميني يدي وشمالي يد عثمان، فضرب شماله على يمينه وقال: هذه يد عثمان واني قد بايعت له، ثم كان من شأن عثمان في البيعة الثانية: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عثمان إلى علي فكان أمير اليمن فصنع به مثل ذلك.

إلى آخر الرواية وهي طويلة أخرجها المحب الطبري في الرياض النضرة 2: 94 وقد حذف إسنادها تحفظا عليها، وفي متنها شواهد تدل على وضعها وانها مكذوبة مختلقة وهي تغنينا عن عرفان رجال السند.

وأخرج الحاكم في المستدرك 3: 98 من طريق حبيب بن أبي مليكة، قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: أشهد عثمان بيعة الرضوان ؟ قال: لا. قال: فشهد بدرا ؟ قال: لا. قال: فكان ممن استزله الشيطان قال: نعم. فقام الرجل، فقال له بعض القوم: إن هذا يزعم الآن إنك وقعت في عثمان. قال: كذلك يقول ؟ قال: ردوا علي الرجل، فقال: عقلت ما قلت لك ؟ قال: نعم سألتك هل شهد عثمان بيعة الرضوان ؟

قلت: لا. وسألتك هل شهد بدرا ؟ فقلت: لا. وسألتك هل كان ممن استزله الشيطان ؟ فقلت: نعم. فقال: أما بيعة الرضوان فإن رسول الله صلى الله عليه وآله قام فقال: إن عثمان انطلق في حاجة الله وحاجة رسوله. فضرب له بسهم ولم يضرب لاحد غاب غيره، وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفى الله عنهم إن الله غفور حليم.

ألا تعجب من هذه الاعذار المفتعلة الباردة وقد خفيت على الصحابة الحضور يوم بدر البالغ جمعهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا (1) وعلى الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائه أو أكثر (2) لم يك يعلم بها إلا رجلين أحدهما ابن عمر الذي كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخارى 6: 74 في المغازى، تاريخ الطبرى 2: 272، سيرة ابن هشام 2: 354.

(2) صحيح البخارى 7: 223 في تفسير سورة الفتح، تفسير القرطبى 16: 276.

 

 

/ ص 72 /

 

يوم بدر واحد صبيا لم يبلغ الحلم وقد استصغره رسول الله في اليومين وكان له يوم بيعة الرضوان ست عشر سنة (1) وثانيهما نفس عثمان الغائب عن هاتيك المواقف، فالرواية مدبرة بين اثنين بين صبي وغايب يوم حوصر عثمان وتبعهما في بعضها أنس فحسب، ومن الغريب جدا ان عبدالرحمن بن عوف أخا عثمان (2) وصاحبه الذي أقعده دست الخلافة، وكان حاضرا في بدر واحد لم يكن قرع سمعه شئ من تلكم الاعذار إلى يوم حوصر عثمان، ولو كانت بمقربة من الصحة لكانت الالسن تتداولها، والاندية لا تخلو عن ذكرها، فجاء عبدالرحمن ينتقد الرجل بعدم حضوره في الغزوتين وتركه سنة عمر فبلغ ذلك عثمان فتخلص عنه بما خلق له ابن عمر أو اختلق هو، أخرج أحمد في مسنده 1: 68 من طريق شقيق قال: لقي عبدالرحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ فقال له عبدالرحمن: أبلغه: إني لم افر يوم عينين - قال عاصم: يقول: يوم احد - ولم أتخلف يوم بدر، ولم أترك سنة عمر رضي الله عنه قال: فانطلق فخبر ذلك عثمان رضي الله عنه فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم عينين فكيف بذنب ؟ وقد عفا الله عنه، فقال: إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم، وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فاني كنت امرض رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ماتت و قد ضرب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمى ومن ضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فقد شهد.

وأما قوله: إني لم أترك سنة عمر رضي الله عنه، فإني لا اطيقها ولا هو، فأته و حدثه بذلك.

دع ابن عمر يصور لبعث عثمان إلى مكة صورة مكبرة من أنه لم يبعثه إلا لانه أعز من في بطن مكة (3) فإن الواقف على القصة جد عليم بأن تلك البعثة ما كانت لها صلة بالعزة والذلة فانها كانت إلى أبي سفيان يريد بها التخفيف من وطئته في استهواء قريش واستهدائه على استثارتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وكان طبع الحال يستدعي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع صفحة 4 من هذا الجزء.

(2) آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما يوم المؤاخاة الاولى:

(3) كما مر في ص 70.

 

 

/ ص 73 /

 

أن يبعث إليه رجلا من حامته يأمن من بطشه ويؤمل تنازله له لما بينهما من واشجة الرحم والقرابة، ولذلك انتخب لها عثمان، إن لم يقل القائل: إنه صلى الله عليه وآله إنما بعثه ليغيب عن بيعة الرضوان وفضلها حتى لا يقال غدا: إن عدول الصحابة قد اجمعت على قتل رجل من أهل بيعة الرضوان.