فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

المبشرون بالجنة..

37 - أخرج أحمد في المسند 1: 193 باسناده عن عبدالرحمن بن حميد عن أبيه عن عبدالرحمن بن عوف ان النبى صلى الله عليه وسلم قال: أبوبكر في الجنة، وعمر في الجنة، و علي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبوعبيدة ابن الجراح في الجنة.

وبهذا الاسناد أخرجه الترمذي في صحيحه 13: 182، 183 وعن عبدالرحمن بن حميد عن أبيه عن رسول الله نحوه. والبغوي في المصابيح 2: 277.

وأخرج ابوداود في سننه 2: 264 من طريق عبدالله بن ظالم المازني قال: سمعت سعيد بن زيد بن عمرو قال: لما قدم فلان الكوفة أقام فلان خطيبا فأخذ بيدى سعيد بن زيد فقال: ألا ترى إلى هذا الظالم ؟ فأشهد على التسعة انهم في الجنة (فعدهم) قلت: ومن العاشر ؟ فتلكأ هنيئة ثم قال: أنا.

وأخرج من طريق عبدالرحمن الاخينس انه كان في المسجد فذكر رجل عليا عليه السلام فقام سعيد بن زيد فقال: أشهد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني سمعته وهو يقول: عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبوبكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبدالرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو ؟ فسكت قال: فقالوا: من هو ؟ فقال: هو سعيد بن زيد، وبهذا الاسناد أخرجه الترمذي في جامعه 13: 183، 186، وابن الديبع في تيسير الوصول 3: 260، وذكره بالطريقين المحب الطبري في الرياض النضرة 1: 20.

قال الاميني: نحن لا نرى في هذه الرواية أهمية كبرى تدعم للعشرة المبشرة منقبة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   ميزان الاعتدال2: 352،لسان الميزان5: 321، تهذيب التهذيب 8: 411.

 

 

/ ص 119/

 

رابية تخص بهم دون المؤمنين بعد ما جاء من البشائر الصادقة في الكتاب العزيز لكل من آمن بالله وعملا صالحا وانه في الجنة.

وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار. البقرة 25

إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. التوبة 111

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم فاؤلئك أصحاب الجنة. هود 23

إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار. الحج 14

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى. السجدة 19

ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاؤلئك يدخلون الجنة. النساء 124

ومن عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فاولئك يدخلون الجنة. غافر 40

ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار. الفتح 7

ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار. الطلاق 11

وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الانهار. التوبة 72

وما أكثر من يدخل الجنة من امة محمد صلى الله عليه وآله وقد صح عن الصادع الكريم: ان عليا وشيعته هم في الجنة، وبشر صلى الله عليه وآله وسلم بذلك عليا عليه السلام (1) وصح عنه صلى الله عليه وآله قوله: آتاني جبريل فقال: بشر امتك انه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت: يا جبريل

وإن سرق وإن زنى ؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى ؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى ؟ قال: نعم وإن شرب الخمر (2).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغدير 3: 78، 79 ط 2.

(2) أخرجه أحمد والترمذى والنسائى وابن حبان عن أبى ذر.

 

 

/ ص 120/

 

وصح عنه صلى الله عليه وآله: ابشروا وبشروا من وراء‌كم: انه من شهد أن لا إله إلا الله صادقا بها دخل الجنة. (1)

وصح عنه صلى الله عليه وآله: والذي نفسي بيده لتدخلن الجنة كلكم إلا من أبى أو شرد على الله شراد البعير.

قيل: يا رسول الله  ومن أبى أن يدخل الجنة ؟ فقال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني دخل النار. (2)

وصح عن جابر. انه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول: إني لارجو أن يكون من تبعني من

امتي ربع أهل الجنة قال: فكبرنا ثم قال: أرجو أن يكونوا ثلث الناس.

قال: فكبرنا ثم قال: أرجو أن يكونوا الشطر. (3)

وصح عنه صلى الله عليه وآله: إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من امتي سبعين ألفا بغير حساب ثم يشفع كل الف لسبعين ألفا. (4) إلى صحاح كثيرة لدة هذه.

فهؤلاء العشرة المبشرة إن كانوا مؤمنين حقا آخذين بحجزة الكتاب والسنة فهم من آحاد أهل الجنة لا محالة كبقية من أسلم وجهه لله وهو محسن.

وهنالك اناس من الصحابة غير هؤلاء العشرة خصوا بالبشارة بالجنة وبشروا بلسان النبي الاقدس صلى الله عليه وآله منهم عمار بن ياسر وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن جبرئيل عليه السلام قوله: بشره بالجنة حرمت النار على عمار. وقال صلى الله عليه وآله: دم عمار ولحمه حرام على النار تأكله أو تمسه.

وصح عنه صلى الله عليه وآله قوله: ابشروا آل ياسر موعدكم الجنة. وصح عنه صلى الله عليه وآله: إن الجنة مشتاق إلى أربعة: علي بن ابي طالب، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والمقداد.

وفي رواية: اشتاقت الجنة إلى ثلاثة إلى علي وعمار وبلال. (الغدير) 9

وجاء في زيد بن صوحان عدة أحاديث في انه من أهل الجنة. (الغدير 9: 41)

وصح من طريق مسلم في عبدالله بن سلام انه من أهل الجنة. (صحيح مسلم 7: 160).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه احمد والطبرانى من طريق أبى موسى الاشعرى.

(2) أخرجه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح كما في مجمع الزوايد 10: 70.

(3) أخرجه أحمد والبزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح وكذلك احد اسنادى احمد (مجمع الزوايد 10: 403).

(4) راجع مجمع الزوايد 10: 405 - 411.

 

 

/ ص 121/

 

وقال صلى الله عليه وآله لعلي: كأن بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس، وان عليه لاباريق مثل عدد نجوم السماء واني وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة اخوانا على سرر متقابلين، أنت معي وشيعتك في الجنة. (مجمع الزوائد 9: 173) وقال صلى الله عليه وآله لعلي: أنا أول اربعة يدخلون الجنة: أنا وأنت والحسن والحسين وذرارينا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذرارينا، وشيعتنا عن ايماننا وعن شمائلنا. (مجمع الزوائد 9: 174)

وصح عنه صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. متفق على صحته.

وجاء عنه صلى الله عليه وآله: الحسن والحسين جدهما في الجنة، وابوهما في الجنة، و امهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالاتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن احبهما في الجنة، أخرجه الطبراني في الكبير والاوسط.

وصح عنه صلى الله عليه وآله: ان جعفر بن أبي طالب في الجنة له جناحان يطير بهما حيث شاء. مجمع الزوائد 9 ص 272.

وصح عنه صلى الله عليه وآله في عمرو بن ثابت الاصيرم: انه لمن أهل الجنة.المجمع 9: 363.

وروي عنه من قوله لعبد الله بن مسعود: ابشر بالجنة. أخرجه الطبراني في الاوسط والكبير.

وقال صلى الله عليه وآله: أنا سابق العرب إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنة، وسلمان سابق الفرس إلى الجنة. أخرجه الطبراني وحسنه الهيثمي.

وبشر صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن الجموح انه يمشي برجليه صحيحة في الجنة وكانت رجله عرجاء. أخرجه أحمد ورجاله ثقات.

وبشر صلى الله عليه وآله ثابت بن قيس بانه يعيش حميدا، ويقتل شهيدا، ويدخله الله الجنة.

المجمع 9 ص 322.

فما هذا المكاء والتصدية، والتصعيد والتصويب حول رواية العشرة المبشرة وجعلها عنوان كل كرامة لاولئك الرجال واختصاصها بالعناية والحاقها بأسماء العشرة عند ذكرهم، وقصر البشارة بالجنة على ذلك الرحط فحسب، والصفح عما ثبت في غيرهم من

 

 

/ ص 122/

 

الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ؟  فلماذا حصر التبشير بالعشرة ؟ وعد القول به من الاعتقاد اللازم كما ذكره أحمد امام الحنابلة في كتاب له إلى مسدد بن مسرهد قال: وأن نشهد للعشرة انهم في الجنة ابوبكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وسعيد و عبدالرحمن وابوعبيدة فمن شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة شهدنا له بالجنة، ولا تتأتى أن تقول: فلان في الجنة وفلان في النار إلا العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وآله بالجنة (جلاء العينين 118) لماذا هذه كلها ؟ لعلك تدري لماذا، ونحن لا يفوتنا عرفان ذلك.

ولنا حق النظر في الرواية من ناحيتي الاسناد والمتن.

أما الاسناد فانه كما ترى ينتهي إلى عبدالرحمن بن عوف وسعيد بن زيد ولا يرويها غيرهما، وطريق عبد الرحمن ينحصر بعبد الرحمن بن حميد بن عبدالرحمن الزهري عن أبيه عن عبدالرحمن بن عوف تارة وعن رسول الله صلى الله عليه وآله اخرى، وهذا اسناد باطل لا يتم نظرا إلى وفاة حميد بن عبدالرحمن فإنه لم يكن صحابيا وإنما هو تابعي لم يدرك عبدالرحمن بن عوف لانه توفي سنة 105 (1) عن 73 عاما فهو وليد سنة 32 عام وفاة عبدالرحمن بن عوف أو بعده بسنة، ولذلك يرى ابن حجر رواية حميد عن عمر وعثمان منقطعة قطعا (2) وعثمان قد توفي بعد عبدالرحمن بن عوف. فالاسناد هذا لا يصح.

فيبقى طريق الرواية قصرا على سعيد بن زيد الذي عد نفسه من العشرة المبشرة، وقد رواها في الكوفة ؟ ؟ معاوية كما مر النص على ذلك في صدر الحديث، ولم تسمع هي منه إلى ذلك الدور المفعم بالهنابث ولا رويت عنه قبل ذلك، فهلا مسائل هذا الصحابي عن سر إرجاء روايته هذه إلى ؟ معاوية وعدم ذكره إياها في تلكم السنين المتطاولة عهد الخلفاء الراشدين وكانوا هم وبقية الصحابة في أشد الحاجة إلى مثل هذه الرواية لتدعيم الحجة وحقن الدماء وحفظ الحرمات في تلكم الايام الخالية المظلمة بالشقاق والخلاف، فكأنها اوحيت إلى سعيد بن زيد فحسب يوم تسنم معاوية عرش الملك العضوض.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما اختاره احمد، والفلاس، والحربى، وابن أبى عاصم، وابن خياط، وابن سفيان، وابن معين.

(2) تهذيب التهذيب 3: 46.

 

 

/ ص 123/

 

وفي ظني الاكبر ان سعيد بن زيد لما كان لا يتحمل من مناوئي علي أمير المؤمنين عليه السلام الوقيعة فيه والتحامل عليه، ويجابه بذلك من كان ولاه معاوية على الكوفة، وكان قد تقاعس عن بيعة يزيد عندما استخلفه أبوه، وأجاب مروان في ذلك بكلمة قارصة (1)

أخذته الخيفة على نفسه من بوادر معاوية فاتخذ باختلاقه هذه الرواية ترسا يقيه عن الاتهام بحب علي عليه السلام، وكان المتهم بتلك النزعة يوم ذاك يعاقب بألوان العذاب ويسجن وينكل به ويقتل تقتيلا، فأرضى خليفة الوقت باتحاف الجنة لمخالفي علي عليه السلام والمتقاعسين عن بيعته والخارجين عليه، وجعل رؤسائهم في صف واحد لا يشاركهم غيرهم كأن الجنة خلقت لهم فحسب، ولم يذكر معهم أحدا من موالي علي وشيعته وفيهم من فيهم من سادات أهل الجنة كسلمان وأبي ذر وعمار والمقداد، فنال بذلك رضى الخليفة وكان يعطى لكل باطل مزيف قناطير مقنطره من الذهب والفضة.

ولولا الصارم المسلول في البين وكان هو الحاكم الفصل يوم ذاك لما كان يخفى على أي سعيد وشقي ان متن الرواية يأبى عن قبولها، وان عليا قط لا يجتمع في الجنة مع من خالفه وناوئه وآذاه والضدان لا يجتمعان، وسيرة علي عليه السلام غير سيرة اولئك الرحط، وقد تنازل عن الخلافة يوم الشورى حذرا عن اتباع سيرة الشيخين لما اشترط عليه في البيعة وأنكره بملا فمه، وبعدهما وقع ما وقع بينه وبين عثمان، وما ساء‌ه قتله ولم يشهد بأنه قتل مظلوما، وصحت عنه خطبته الشقشقية، ونادى في الملا: ألا أن كل قطيعة أقطعها عثمان وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال (1) وبعده حاربه الناكثان وقاتلاه وقتلا دون مناوئته، فكيف تجمعهم وعليا الجنة ؟ أنا لا أدرى. أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ؟ كلا.

 

- نظرة في المتن:

ولنا في متن الرواية نظرات وتأملات يزحزحنا عن الاخبات إلى صحتها.

هل عبدالرحمن بن عوف المعزو إليه الرواية وهو أحد العشرة المبشرة كان يعتقد بها ويصدقها ومع ذلك سل سيفه على علي يوم الشورى قائلا: بايع وإلا تقتل. وقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر 6: 128.

(2) راجع الجزء الثامن والتاسع من الغدير فيهما تفصيل ما أوعزنا إليه ههنا.

 

 

/ ص 124/

 

لعلي عليه السلام بعد ما تمخضت البلاد على عثمان: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انه قد خالف ما أعطاني. وآلى على نفسه أن لا يكلم عثمان في حياته أبدا. واستعاذ بالله من بيعته. وأوصى أن لا يصلي عليه عثمان. ومات وهو مهاجر إياه. وكان عثمان يقذفه بالنفاق ويعده منافقا (1) فهل تلائم هذه كلها مع صحة تلك الرواية وإذعان الرجلين بها ؟.

وهل أبوبكر وعمر المبشران بالجنة هما اللذان ماتت الصديقة بضعة المصطفى صلى الله عليه وآله وهي وجدى عليهما ؟ وهل هما اللذان قالت لهما: إني اشهد الله وملائكته انكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لاشكونكما إليه. وهل هما اللذان تقول ام السبطين فيهما شاكية نادبة باكية بأعلى صوتها: يا أبت  يا رسول الله  ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة. وهل هما اللذان نهبا تراث العترة وحق فيهما قول أمير المؤمنين عليه السلام: صبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى أرى تراثي نهبا.

وهل أبوبكر هو الذي أوصت فاطمة سلام الله عليها أن لا يصلي عليها، وأن لا يحضر جنازتها، فلم يحضرها هو وصاحبه. وهل هو الذي قالت له كريمة النبي الاقدس الطاهرة المطهرة لادعون عليك في كل صلاة اصليها. وهل هو الذي كشف عن بيت فاطمة وآذى  رسول الله فيها (2) والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم. وهل وهل إلى أن ينقطع النفس وهل كان عمر يصدق هذه الرواية وكان عنده إلمام بها وهو يناشد مع ذلك حذيفة اليماني العالم بأسماء المنافقين ويسأله عن أنه هل هو منهم ؟ وهل سماه رسول الله صلى والله عليه وآله وسلم في زمرتهم ؟ (3)

 

وهلا كان على يقين من هذه البشارة يوم نهى عن التكني بأبي عيسى أيام خلافته وقال له المغيرة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كناه بها فقال: إن النبي غفر له وإنا لا ندري ما يفعل بنا وغير كنيته وكناه أبا عبدالله (4) فكيف كان لم يدر ما يفعل به بعد تلكم البشارة إن صدقت ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء التاسع ص 87 ط 1، و 90 ط 2.

(2) مر تفصيل هذه كلها في الجزء السابع.

(3) الغدير 6: 241 ط 2.

(4) راجع الغدير 6: 308 ط 2.

 

 

/ ص 125/

 

وهلا كان هو الذي قاد عليا كالجمل المخشوش إلى بيعة أبي بكر وهو يقول: بايع وإلا تقتل ؟ وهلا كان هو الذي أنكر اخوة علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم ذاك، وهي ثابتة له بالسنة الصحيحة المتسالم عليها ؟ كما أنه أنكر من السنة شيئا كثيرا نبى عن الحصر.

وهلا كان هو الذي أوصى بقتل من خالف البيعة يوم الشورى ؟ وهو جد عليم بأن المخالف الوحيد لذلك الانتخاب المزيف هو علي أمير المؤمنين " دع هذا " أو أحد غيره من العشرة المبشرة ؟ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاء‌ه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما.

وهل كان عثمان يخبت إلى صحة هذه الرواية ويذعن بها وهو يقول بعد لمغيرة ابن شعبة لما كلفه أن يغادر المدينة إلى مكة حينما حوصر به: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يلحد بمكة رجل من قريش عليه نصف عذاب هذه الامة فلن أكون ذلك الرجل ؟ (1) وكيف كان لم ير عليا أفضل من مروان ؟ ومروان ملعون بلسان رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي عليه السلام هو المبشر بالجنة. لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون.

وهل طلحة والزبير هما اللذان قتلا عثمان وألبا عليه وكانا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف، فأجلبا عليه وضيقا خناقه، وهما يريدان الامر لانفسهما، وكانا أول من طعن وآخر من أمر حتى أراقا دمه (2) وهل هما اللذان عرفهما الامام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بقوله: كل منهما يرجو الامر له ويعطف عليه دون صاحبه، لا يمتان إلى الله بحبل، ولا يمدان إليه بسبب، كل واحد منهما حامل ضب لصاحبه، وعما قليل يكشف قناعه به ؟. إلى آخر ما مر في هذا الجزء ص 58.

وهل هما اللذان خرجا على إمام الوقت المفروضة عليهما طاعته، ونكثا بيعته، وأسعرا عليه نار البغي، وقاتلاه وقتلا وهما أبين مصداق لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الغدير 9: 152، 153 ط 2.

(2) راجع الغدير 9: 103 - 110 ط 2.

 

 

/ ص 126/

 

مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ؟.

وهل هما اللذان قادا جيوش النكث على قتال سيد العترة، وأخرجا حبيسة رسول الله صلى الله عليه وآله من عقر دارها، وترؤسا الناكثين الذين حث رسول الله صلى الله عليه وآله عليا والعدول من صحابته على قتالهم، وحضهم على منابذتهم ؟ أفمن آذن نبي العظمة بحربه وقتاله ورآه من واجب الاسلام يعده صلى الله عيه وآله وسلم بعد من أهل الجنة ؟ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

وهل الزبير هذا هو الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله له: تحارب عليا و أنت ظالم ؟ فهل المحارب عليا وهو ظالم إياه مثواه الجنة ؟ ورسول الله يقول: أنا حرب لمن حاربه، وسلم لمن سالمه كما جاء في الصحيح الثابت. فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما تعملون.

وهل الزبير هو الذي قال فيه عمر: من يعذرني من أصحاب محمد لولا أني أمسك لفم هذا الشغب لاهلك امة محمد صلى الله عليه وسلم (1) وقال له عمر يوم طعن: أما أنت يا زبير  فوعق لقس مؤمن الرضا، كافر الغضب، يوما إنسان، ويوما شيطان، ولعلها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير، أفرأيت إن أفضت إليك فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا ؟ ومن يكون يوم تغضب ؟ أما وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الامة وأنت على هذه الصفة (2).

وقال له أيضا: أما أنت يا زبير فوالله ما لان قلبك يوما ولا ليلة، وما زلت جلفا جافيا. (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الغدير 9: 366.

(2) شرح ابن أبى الحديد 1: 62.

(3) شرح ابن أبي الحديد 3: 170.

 

 

/ ص 127/

 

وهل طلحة هذا هو الذي قتل عثمان، وحال بينه وبين الماء، ومنعه عن أن يدفن في جبانة المسلمين، وقتله مروان أخذا بثار عثمان، وهما بعد من العشرة المبشرة ؟ غفرانك اللهم وإليك المصير.

وهل طلحة هذا هو الذي أقام علي أمير المؤمنين عليه السلام عليه الحجة يوم الجمل باستنشاده إياه حديث الولاية (من كنت مولاه فعلي مولاه) فاعتذر بما اعتذر من نسيانه الحديث، لكنه لم يرتدع بعد عن غيه بمناصرة أمير المؤمنين مع بيعته إياه، ولا فوض الحق إلى أهله حتى أتى عليه سهم مروان فجرعته منيته وهو الخارج على إمام وقته  أفهل ترى الامام والخارج عليه كلا منهما في الجنة ؟

وهل طلحة هذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى: وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا، إن ذلكم كان عندالله عظيما ؟ (الاحزاب 53) نزلت الآية الشريفة لما قال طلحة: أيحجبنا محمد عن بنات عمنا، ويتزوج نساء‌نا من بعدنا ؟ فإن حدث به حدث لنزوجن نساء‌ه من بعده. وقال: إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة وهي بنت عمي فبلغ ذلك رسول الله فتأذى به فنزلت.

أقبل عليه عمر يوم طعن وقال له: أقول أم أسكت ؟ قال: قل فإنك لا تقول من الخير شيئا. قال: أما اني أعرفك منذ اصيبت اصبعك يوم احد والبا بالذي حدث لك، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخطا عليك بالكلمة التي قلتها يوم نزلت آية الحجاب.

قال أبوعثمان الجاحظ: إن طلحة لما انزلت آية الحجاب قال بمحضر ممن نقل عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ما الذي يغنيه حجابهن اليوم فسيموت غدا فننكحهن. قال أبوعثمان: لو قال لعمر قائل: أنت قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مات وهو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة: إنه مات عليه السلام ساخطا عليك للكلمة التي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه، ولكن من الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا فكيف هذا؟ (1)

 راجع تفسير القرطبى 14: 228، فيض القدير 4. 290، تفسير ابن كثير 3: 506، تفسير البغوى 5: 225، تفسير الخازن 5: 225، تفسير الالوسى 22: 74.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   شرح ابن أبى الحديد 1: 62، ج 3: 170.

 

 

/ ص 128/

 

وهل سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة كان مذعنا بالرواية وصدقها وهو القائل لما سئل عن عثمان ومن قتله ومن تولى كبره: إني اخبرك أنه قتل بسيف سلته عائشة وصقله طلحة وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه ؟ فهل هذه كلها تجتمع مع التصديق بتلك الرواية ؟ سبحان الذي جمع في جنته الظالم والمظلوم، والقاتل والمقتول، والخليفة والخارجين عليه، إن هي إلا اختلاق.

وهل تصدق في سعد هذه الرواية وهو المتخلف عن بيعة إمام وقته والمتقاعس عن نصرته بعد ما تمت بيعته وأجمعت عليها الامة وأصفقت عليها البدريون والمهاجرون والانصار، وحقت كلمة العذاب على من نزعها من ربقته ؟ أفهل نزل في سعد كتاب من الله أخرجه عن محكمات الاسلام وبشر له بالجنة ؟.

وهل يترآى لك من ثنايا التاريخ وراء صحائف أعمال أبي عبيدة الجراح (حفار القبور بالمدينة) ما يأهله لهذه البشارة ؟ ويدعم له ما يستحق به للذكر من الفضيلة غير ما قام به يوم السقيفة من دحضه ولاية الله الكبرى، وتركاضه وراء الانتخاب الدستوري واقتحامه في تلكم البوائق التي عم شومها الاسلام، وهدت قوائم الوئام والسلام، وجرت الويلات على امة محمد صلى الله عليه وآله حتى اليوم، وهتكت حرمة المصطفى في ظلم ابنته بضعة لحمه وفلذة كبده، واضطهاد خليفته، واهتضام أخيه علم الهدى ؟ فكأنها كانت كلها قربات فأوجبت لابن الجراح الجنة. أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ؟ ساء ما يحكمون.