فهرس الجزء العاشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ ص 178/

 

 

معاوية في ميزان القضاء

 

لعمر الحق إن واحدة من هذه الشهادات كافية في تحطيم قدر الرجل والاسفاف بمستواه إلى الحضيض الاسفل، فكيف بجميعها ؟ فانها صدرت من سادات الصحابة وأعيانهم العدول جميعهم عند القوم فضلا عن هؤلاء الذين لا يشك في ورعهم وقداسة ساحتهم عن السقطة في القول والعمل، ولا سيما وفيهم الامام المعصوم الخليفة حقا المطهر بلسان الذكر الحكيم عن أي رجاسة، الذي يدور الحق معه حيثما دار، وهو مع القرآن والقرآن معه لن يفترقا حتى يردا الحوض (1) وقبل الجميع ما رويناه عن النبي الاقدس صلى الله عليه وآله في حق هذا الانسان.

فالرجل أخذا بمجامع تلكم الشهادات الصادقة للسلف الصالح محكوم عليه نص أقوالهم من دون أي تحريف وتحوير منا بأنه امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده الضلال فاتبعه، وما أتى به من ضلاله ليس ببعيد الشبه ما أتى به أهله المشركون الكفرة، مصيره إلى اللظى، مبوأه النار، اللعين ابن اللعين، الفاجر ابن الفاجر، المنافق ابن المنافق، الطليق ابن الطليق، الوثن ابن الوثن، الجلف المنافق، الاغلف القلب، القليل العقل، الجبان الرذل، يخبط في عماية، ويتيه في ضلالة، شديد اللزوم للاهواء المبتدعة، والحيرة المتبعة، لم يكن من أهل القرآن ولا مريدا حكمه يجري إلى غاية خسر، ومحلة كفر، قد أولجته نفسه شرا، وأقحمته غيا، وأوردته المهالك وأوعرت عليه المسالك، غمص الناس، وسفه الحق، فاسق مهتوك ستره، يشين الكريم بمجلسه، ويسفه الحليم بخلطته، ابن آكلة الاكباد، الكذاب العسوف، إمام الردى، وعدو النبي، لم يزل عدوا لله والسنة والقرآن والمسلمين، رجل البدع والاحداث كانت بوائقه تتقى، وكان على الاسلام مخوفا، الغادر الفاسق، مثله كمثل الشيطان يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، لم يجعل الله له سابقة في الدين، ولا سلف صدق في الاسلام، القاسط النابذ كتاب الله وراء ظهره، كان شر الاطفال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا.

 

 

/ ص 179/

 

وشر رجال، كهف المنافقين، دخل في الاسلام كرها، وخرج منه طوعا، لم يقدم ايمانه ولم يحدث نفاقه، كان حربا لله ولرسوله، حزبا من أحزاب المشركين، عدوا لله ولنبيه وللمؤمنين، أقول الناس للزور، وأضلهم سبيلا، وأبعدهم من رسول الله وسيلة، الغاوي اللعين، ليس له فضل في الدين معروف، ولا أثر في الاسلام محمود، عادى الله ورسوله وجاهدهما، وبغى على المسلمين، وظاهر المشركين، فلما أراد الله أن يظهر دينه وينصر رسوله أتاه فأسلم وهو والله راهب غير راغب، قبض رسول الله والرجل يعرف بعداوة المسلم ومودة المجرم، يطفي نور الله، ويظاهر أعداء الله، أغوى جفاة فأوردهم النار وأورثهم العار، لم يكن في إسلامه بأبر وأتقى ولا أرشد ولا أصوب منه في أيام شركه وعبادته الاصنام.

هذا معاوية عند رجال الدين الصحيح الابرار الصادقين، وهذه صحيفة من تاريخه السوداء، وتؤكد هذه الكلم القيمة ما يؤثر عن الرجل من بوائق وموبقات هي بمفردها حجج دامغة على سقوطه عن مبوأ الصالحين، فإنها لا تتأتى إلا عن تهاون بأمر الله ونهيه، وإغضاء عن نواميس الدين وشرايع الاسلام، وتزحزح عن سنة الله، وتعد وشذوذ عن حدوده، ومن يعتد حدود الله فاولئك هم الظالمون، وإليك نزر منها:

 

1- معاوية والخمر:

1 - أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 5: 347 من طريق عبدالله بن بريدة قال: دخلت أنا وأبي على معاوية فأجلسنا على الفرش ثم اتينا بالطعام فأكلنا، ثم ايتنا بالشراب فشرب معاوية ثم ناول أبي ثم قال: ما شربته منذ حرمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال معاوية: كنت أجمل شباب قريش، وأجودهم ثغرا، وما شيئ كنت اجد له لذة كما كنت أجده وأنا شاب غير اللبن أو إنسان حسن الحديث يحدثني.

2 - أخرج ابن عساكر في تاريخه 7: 211 من طريق عمير بن رفاعة قال: مر على عبادة (1) بن الصامت وهو في الشام قطارة تحمل الخمر فقال: ما هذه ؟ أزيت ؟ قيل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   كان بدريا عقبيا أحد نقباء الانصار بايع رسول الله على أن لا يخاف في الله لومة لائم. سنن البيهقى 5: 277.

 

 

/ ص 180/

 

لا، بل: خمر تباع لفلان، فأخذ شفرة من السوق فقام إليها فلم يذر فيها راوية إلا بقرها وأبوهريرة إذ ذاك بالشام، فأرسل فلان إلى أبي هريرة يقول له: أما تمسك عنا أخاك عبادة ؟ أما بالغدوات فيغدوا إلى السوق فيفسد على أهل الذمة متاجرهم، وأما بالعشي فيقعد في المسجد ليس له عمل إلا شتم أعراضنا أو عيبنا، فأمسك عنا أخاك، فأقبل أبو هريرة يمشي حتى دخل على عبادة فقال له: ياعبادة  مالك ولمعاوية ؟ ذره وما حمل، فإن الله يقول: تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم. قال: يا أبا هريرة ؟ لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا في الله لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأهلنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي بايعناه عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الله له بما بايع عليه نبيه. فلم يكلمه أبوهريرة بشيئ.

3 - وأخرج في التاريخ 7 ص 213 من طريق عمرو بن قيس قال: إن عبادة أتى حجرة معاوية وهو بأنطرطوس (1) فألزم ظهره الحجرة وأقبل على الناس بوجهه وهو يقول: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ابالي في الله لومة لائم، ألا إن المقداد بن الاسود قد غل بالامس حمارا، وأقبلت أوسق من مال، فأشارت الناس إليها فقال: أيها الناس إنها تحمل الخمر، والله ما يحل لصاحب هذه الحجرة أن يعطيكم منها شيئا، ولا يحل لكم أن تسألوه، وإن كانت مقبلة (يعني سهما) في جنب أحدكم، فأتى رجل المقداد وفي يده قرصافة، فجعل يتل الحمار بها وهو يقول: معاوية  هذا حمارك شأنك به، حتى أورده الحجرة.

4 - وفد عبدالله (2) بن الحارث بن امية بن عبد شمس على معاوية فقر به حتى مست ركبتاه رأسه ثم قال له معاوية: ما بقي منك ؟ قال: ذهب والله خيري وشري،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بلدة من سواحل بحر الشام، هي آخر أعمال دمشق من البلاد الساحلية وأول أعمال حمص. معجم.

(2) أدرك الاسلام وهو شيخ كبير ثم عاش بعد ذلك إلى خلافة معاوية. الاصابة 2: 291.

 

 

/ ص 181/

 

فقال له معاوية: ذهب والله خير قليل، وبقي شر كثير، فما لنا عندك ؟ قال: إن أحسنت لم أحمدك، وإن أسأت لمتك، قال: والله ما أنصفتني، قال: ومتى أنصفك ؟ فوالله لقد شججت أخاك حنظلة فما أعطيتك عقلا ولا قودا وأنا الذي أقول:

أصخـر بن حرب لا نعدك سيدا * فسد غيرنا إذ كنت لست بسيد

وأنت الذي تقول:

شربت الخمر حتى صرت كلا * على الادنى ومالي من صديق

وحتى ما أوســـــد من وساد * إذا أنسوا سوى الترب السحيق

ثم وثب على معاوية يخبطه بيده ومعاوية ينحاز ويضحك.

رواها ابن عساكر في تاريخه 7: 346، وقال ابن حجر في الاصابة 2: 291: روى الكوكبي من طريق عبسة بن عمر وقال: وفد عبدالله بن الحارث على معاوية فقال له معاوية: ما بقي منك ؟ قال: ذهب والله خيري وشري، فذكر قصة. (يعني هذه)

5 - أخرج ابن عساكر في تاريخه، وابن سفيان في مسنده، وابن قانع وابن مندة من طريق محمد بن كعب القرظي قال: غزا عبدالرحمن بن سهل الانصاري في زمن عثمان، ومعاوية أمير على الشام فمرت به روايا خمر - لمعاوية - فقام إليها برمحه فبقر كل راوية منها فناوشه الغلمان حتى بلغ شأنه معاوية فقال: دعوه فانه شيخ قد ذهب عقله. فقال: كلا والله ما ذهب عقلي ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندخل بطوننا وأسقيتنا خمرا، و أحلف بالله لئن بقيت حتى أرى في معاوية ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لابقرن بطنه أو لاموتن دونه.

وذكره ابن حجر في الاصابة 2: 401، ولخصه في تهذيب التهذيب 6: 192، وأخرجه ملخصا أبوعمر في الاستيعاب 2: 401، وذكره ابن الاثير في اسد الغابة 3: 299 باللفظ المذكور إلى (وأسقيتنا) فقال: أخرجه الثلاثة (يعني ابن مندة وأبونعيم وأبوعمر).

قال الاميني: لعل في الناس من يحسب أن سلسلة الاستهتار بمعاقرة الخمور كانت مبدوة بيزيد بن معاوية، وإن لم يحكم الضمير الحر بانتاج أبوين صالحين في دار طنبت بالصلاح والدين تخلو عن الخمور والفجور ولدا مستهترا مثل يزيد الطاغية المتخصص

 

 

/ ص 182/

 

في فنون العيث والفساد، لكن هذه الانباء تعلمنا ان هاتيك الخزاية كانت موروثة له من أبيه الماجن المشيع للفحشاء في الذين آمنوا بحمل الخمور إلى حاضرته على القطار تارة، وعلى حماره اخرى، بملا من الاشهاد، ونصب أعين المسلمين، وتوزيعها في الملا الديني، وهو يحاول مع ذلك أن لا ينقده أحد، ولا ينقم عليه ناقم، وكم لهذه المحاولة من نظائر ينبو عنها العدد ولا تقف على حد، فهو وما ولد سواسية في الخمر والفحشاء، والمجون وهذه هي التي أسقطته عند صلحاء الامة، وحطته عن أعينهم، فلا يرون له حرمة ولا كرامة، ولا يقيمون له وزنا، حتى انه لما استخلف قام على المنبر فخطب الناس فذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال: وليت فأخذت حتى خالط لحمي ودمي، فهو خير مني، و أنا خير ممن بعدي. يا أيها الناس  إنما أنا لكم جنة، فقام عبادة بن صامت فقال: أرأيت إن احترقت الجنة ؟ قال: إذن تخلص إليك النار، قال: من ذلك أفر، فأمر به فاخذ، فأضرط بمعاوية، ثم قال: علمت كيف كانت البيعتان حين دعينا إليهما ؟ دعينا على أن نبايع على أن لا نزني ولا نسرق ولا نخاف في الله لومة لائم، فقلت: أما هذه فاعفني يا رسول الله، ومضيت أنا عليها، وبايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولانت يا معاوية أصغر في عيني من أن أخاف في الله عزوجل. (1)

وذكر معاوية الفرار من الطاعون في خطبته فقال له عبادة: امك هند أعلم منك (2) وسيوافيك قوله له: لا اساكنك بأرض، وقوله: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله وإن رغم معاوية، ما ابالي أن لا اصحبه في جنده ليلة سوداء، وقال أبوالدرداء له: لا اساكنك بأرض أنت بها.

ومن جراء هذه المكافحة والكشف عن عورات الرجل كتب معاوية إلى عثمان بالمدينة: ان عبادة قد أفسد علي الشام وأهله، فإما أن تكفه إليك، وإما أن اخلي بينه وبين الشام. فكتب إليه عثمان: أن أرحل عبادة حتى ترجعه إلى داره من المدينة فبعث بعبادة حتى قدم المدينة، فدخل على عثمان في الدار وليس فيها إلا رجل من السابقين أو من التابعين الذين قد أدركوا القوم متوافرين فلم يفج عثمان به إلا وهو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الشام لابن عساكر 7: 213.

(2) أخرجه ابن عساكر والطبراني كما في تاريخ الشام 7: 210.

 

 

/ ص 183/

 

قاعد في جانب الدار فالتفت إليه وقال: مالنا ولك يا عبادة ؟ فقام عبادة بين ظهراني الناس فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا القاسم يقول: إنه سيلي اموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى، فلا تضلوا بربكم، فوالذي نفس عبادة بيده إن فلانا - يعني معاوية - لمن اولئك. فما راجعه عثمان بحرف (1).

وحذا معاوية في هذه الموبقة حذو أبيه أبي سفيان فانه كان يشرب الخمر وهو من أظهر آثامه وبوائقه، وقد جاء في حديث أبي مريم السلولي الخمار بالطائف انه نزل عنده وشرب وثمل وزنا بسمية ام زياد بن أبيه، والحديث يأتي في استلحاق معاوية زيادا.

فبيت معاوية حانوت الخمر، ودكة الفجور، ودار الفحشاء والمنكر من أول يومه، والخمر شعار أهله، وما اغنتهم النذر إذ جاء‌ت، وهم بمجنب عن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لا بل هم أهله - لعنت الخمر وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاصرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها (2).

وعن قوله صلى الله عليه وآله: شارب الخمر كعابد وثن. وفي لفظ: مدمن خمر كعابد وثن (3).

وعن قوله صلى الله عليه وآله: ثلاثة حرم الله تبارك وتعالى عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق، والديوث الذي يقر في أهله الخبث. (4).

وعن قوله صلى الله عليه وآله: ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر (5).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 5: 325، تاريخ ابن عساكر 7: 212.

(2) سنن أبي داود 2: 161، سنن ابن ماجة 2: 174، جامع الترمذى 1: 167، مستدرك الحاكم 4: 144، 145. وأخرجه أحمد في المسند 2: 71، وإبن أبي شيبة، وإبن راهويه والبزار، وابن حبان، راجع نصب الراية للزيلعى 2: 264.

(3) أخرجه ابن ماجة وابن حبان والبزار وغيرهم، راجع الترغيب والترهيب 3: 102، نصب الراية 2: 298.

(4) أخرجه أحمد والنسائى والبزار والحاكم وصححه. راجع الترغيب والترهيب 3: 104.

(5) أخرجه الطبراني، وإبن المنذر في الترغيب والترهيب 3: 104 وقال: رواته لا أعلم فيهم مجروحا.

 

 

/ ص 184/

 

وعن قوله صلى الله عليه وآله: من شرب الخمر خرج نور الايمان من جوفه.

وعن قوله صلى الله عليه وآله: من شرب الخمر سقاه الله من حميم جهنم.

وعن قوله صلى الله عليه وآله: إن عند الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا: يا رسول الله  وما طينة الخبال ؟ قال: عرق أهل النار. أو: عصارة أهل النار.

وعن قوله صلى الله عليه وآله: من شرب حسوة من خمر لم يقبل الله منه ثلاثة أيام صرفا ولا عدلا، ومن شرب كأسا لم يقبل الله صلاته أربعين صباحا، ومدمن الخمر حقا على الله أن يسقيه من نهر الخبال قيل: يا رسول الله  وما نهر الخبال ؟ قال صديد أهل النار (1)

إلى أحاديث كثيرة في الترهيب من هذا الرجس الذي كان يشربه معاوية ووالده وولده.

 

2- معاوية يأكل الربا:

1 - أخرج مالك والنسائي وغيرهما من طريق عطاء بن يسار: ان معاوية رضي الله عنه باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبوالدرداء رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا. فقال له أبوالدرداء رضي الله عنه: من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخبرني عن رأيه، لا اساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبوالدرداء رضي الله عنه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكر له ذلك فكتب عمر إلى معاوية: أن لا تبع ذلك إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن.

راجع موطأ مالك 2: 59، اختلاف الحديث للشافعي هامش كتابه الام 7: 23، سنن النسائي 7: 279، سنن البيهقي 5: 280.

2 - وأخرج مسلم وغيره من طريق أبي الاشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية فغنمنا غنايم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس فتسارع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت فقام فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عينا بعين فمن زاد أو ازداد فقد أربى، فرد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الترغيب والترهيب 3: 101 - 110.

 

 

/ ص 185/

 

الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ؟ فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما ابالي ان لا أصحبه في جنده ليلة سوداء.

راجع صحيح مسلم 5: 43، سنن البيهقي 5: 277، تفسير القرطبى 3: 349.

3 - وأخرج البيهقي وغيره من طريق حكيم بن جابر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذهب الكفة بالكفة، والفضة الكفة بالكفة حتى خص ان الملح بالملح فقال معاوية: إن هذا لا يقول شيئا. فقال عبادة رضي الله عنه: أشهد أني سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول ذلك.

وزاد النسائي: قال عبادة: إني والله ما ابالي أن لا أكون بأرض يكون بها معاوية، وفي لفظ ابن عساكر: إني والله ما ابالي أن أكون بأرضكم هذه.

راجع مسند أحمد 5: 319، سنن النسائي 7: 277، سنن البيهقي 5: 278، تاريخ ابن عساكر 7: 206.

4 - وأخرج ابن عساكر في تاريخه 7: 212: من طريق الحسن قال: كان عبادة بن الصامت بالشام فرأى آنية من فضة، يباع الاناء بمثلي ما فيه، أو نحو ذلك فمشى إليهم عبادة فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبادة ابن الصامت، ألا واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس من مجالس الانصار ليلة الخميس في رمضان ولم يصم رمضان بعده يقول: الذهب بالذهب، مثلا بمثل، سواء بسواء، وزنا بوزن، يدا بيد، فما زاد فهو ربا، والحنطة بالحنطة، قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا، والتمر بالتمر قفيز بقفيز، يد بيد، فما زاد فهو ربا. قال: فتفرق الناس عنه. فاتي معاوية فاخبر بذلك فأرسل إلى عبادة فأتاه فقال له معاوية: لئن كنت صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وسمعت منه لقد صحبناه وسمعنا منه فقال له عبادة: لقد صحبته وسمعت منه، فقال له معاوية: فما هذا الحديث الذي تذكره ؟ فأخبره به، فقال له معاوية: اسكت عن هذا الحديث ولا تذكره فقال له: بلى، وإن رغم أنف معاوية، ثم قام فقال له معاوية: ما نجد شيئا أبلغ فيما بيني وبين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من الصفح عنهم.

 

 

/ ص 186/

 

5 - عن قبيصة بن ذؤيب: ان عبادة أنكر على معاوية شيئا فقال: لا اساكنك بأرض، فرحل إلى المدينة فقال له عمر: ما أقدمك ؟ فأخبره فقال له عمر: ارحل إلى مكانك فقبح الله أرضا لست فيها وأمثالك، فلا إمرة له عليك.

تاريخ ابن عساكر كما في كنز العمال 7: 78، والاستيعاب 2: 412، اسد الغابة 3: 106.

قال الاميني  إن من ضروريات الدين الحنيف الثابتة كتابا وسنة وإجماعا حرمة الربا، وانه من أكبر الكبائر قال الله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا. (1)

وقال عزوجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله. (2)

وتواترت السنة الشريفة في المسألة وبلغت حدا لا يسع لاي مسلم ولو كان قرويا أن يدعي الجهل به فضلا عمن يدعي إمرة المؤمنين. ومنها:

1 - جاء من غير طريق إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه

وكاتبه. (3)

2 - صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم إجتنبوا السبع الموبقات. قيل: يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. الحديث (4)

3 - أخرج البزار من طريق أبي هريرة مرفوعا: الكبائر سبع: أولهن الشرك بالله. وقتل النفس بغير حقها، وأكل الربا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة البقرة 275.

(2) سورة البقرة: 279.

(3) صحيح مسلم 5: 50، سنن أبي داود 2: 83، جامع الترمذي، المحلى 8: 468، سنن ابن ماجة 2: 40، سنن البيهقى 5: 275، 285، الترغيب والترهيب 2: 247، تيسير الوصول 1: 68.

(4) صحيح مسلم 1: 271، وفى ط 5: 50، المحلى لابن حزم 8: 468، الترغيب و الترهيب 2: 247.

 

 

/ ص 187/

 

4 - أخرج البخاري وأبوداود عن أبي جحيفة: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله.

5 - أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا: أربع، حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه.

6 - أخرج الحاكم والبيهقي باسناد صحيح من طريق ابن مسعود مرفوعا: الربا ثلاث وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل امه.

7 - أخرج البزار بإسناد صحيح مرفوعا: الربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك.

8 - أخرج البيهقي بإسناد لا بأس به من طريق أبي هريرة مرفوعا: الربا سبعون بابا أدناها كالذي يقع على امه.

9 - أخرج الطبراني في الكبير عن عبدالله بن سلام مرفوعا: الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الاسلام.

وعن عبدالله موقوفا: الربا أثنان وسبعون حوبا، أصغرها حوبا كمن أتى امه في الاسلام. ودرهم من الربا أشد من بضع وثلاثين زنية. قال: ويأذن الله بالقيام للبر والفاجر يوم القيامة إلا آكل الربا فانه لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

10 - أخرج أحمد والطبراني في الكبير ورجال أحمد رجال الصحيح من طريق عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة مرفوعا: درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم، أشد من ستة وثلاثين زنية.

11 - أخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق أنس بن مالك قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلام فذكر أمر الربا وعظم شأنه وقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل.

12 - أخرج الطبراني في الصغير والاوسط من طريق إبن عباس مرفوعا: من أكل درهما من ربا فهو مثل ثلاثة وثلاثين زنية.

 

 

/ ص 188/

 

وفي لفظ البيهقى: ان الربا نيف وسبعون بابا أهونهن بابا مثل من أتى امه في الاسلام، ودرهم من ربا أشد من خمس وثلاثين زنية.

13 - أخرج الطبراني في الاوسط من طريق البراء بن عازب مرفوعا: الربا اثنان وسبعون بابا أدناها مثل إتيان الرجل امه.

14 - أخرج ابن ماجة والبيهقي وابن أبي الدنيا من طريق أبي هريرة مرفوعا: الربا سبعون حوبا أيسرها أن ينكح الرجل امه.

15 - أخرج الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس مرفوعا: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله.

وفي لفظ أبي يعلى بإسناد جيد من طريق ابن مسعود: ما ظهر في قوم الزنا و الربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله.

16 - أخرج أحمد من طريق عمرو بن العاصي مرفوعا: ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا اخذوا بالسنة (1).

17 - أخرج أحمد وابن ماجة مختحرا والاصبهاني من طريق أبي هريرة مرفوعا: رأيت ليلة اسري بي لما انتهينا السماء السابعة فنظرت فوقي فإذا أنا بزعد وبروق وصواعق فأتيت على قوم بطونهم كالحيات ترى من خارج بطونهم قلت: يا جبريل: من هؤلاء ؟

قال: هؤلاء أكلة الربا. وأخرج الاصبهاني من طريق أبي سعيد الخدري بلفظ قريب من هذا.

18 - أخرج الطبراني بإسناد رواته رواة الصحيح عن ابن مسعود مرفوعا: بين يدي الساعة يظهر الربا والزنا والخمر.

19 - أخرج الطبراني والاصبهاني من طريق عوف بن مالك مرفوعا: إياك والذنوب التي لا تغفر، (إلى أن قال:) وآكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط ثم قرأ: الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

20- روى عبدالله بن أحمد في زوائده من طريق عبادة بن الصامت مرفوعا: والذي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السنة: العام المقحط،

 

 

/ ص 189/

 

نفسي بيدي ليبيتن اناس من امتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير باستحلالهم المحارم واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا.

هذه جملة من أحاديث الباب جمعها وغيرها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 2 : 247 - 251.

21 - صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خطبة له في حجة الوداع قوله: ألا و إن كل شئ من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وربا الجاهلية موضوع، و أول ربا أضعه ربا العباس بن عبدالمطلب وانه موضوع كله. (1)

22 - وروى أئمة الحديث واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر والبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، يدا بيد، فمن زاد واستزاد فقد أربى، والآخذ والمطعي فيه سواء.

راجع صحيح مسلم 5: 44، سنن النسائي 7: 277، 278، سنن البيهقي 5: 278.

23 - ومن طريق أبي سعيد مرفوعا: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض. ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل. الحديث.

راجع صحيح مسلم 5: 42، صحيح البخاري 3: 288، كتاب الام للشافعي 3: 25، سنن النسائي 7: 278، سنن البيهقي 5: 276، 278، بداية المجتهد 2: 194.

24 - من طريق ابن عمر: الذهب بالذهب لا فضل بينها، بهذا عهد صاحبنا إلينا وعهدنا إليكم. كتاب الام للشافعي، سنن البيهقي 5: 279.

25 - من طريق أبي هريرة مرفوعا: الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.

صحيح مسلم 5: 45، سنن النسائي 7: 278، سنن ابن ماجة 2: 34.

26 - من طريق عبادة بن الصامت مرفوعا: الذهب بالذهب تبرها وعينها، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبر بالبر مدى بمدى، والشعير بالشعير مدى بمدى، والتمر بالتمر مدى بمدى، والملح بالملح مدى بمدى، فمن زاد أو ازداد فقد أربى.

سنن أبي داود 2: 85، وبلفظ قريب من هذا عن عبادة في كتاب الام للشافعي 3: 12.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   صحيح مسلم 4: 41، سنن البيهقى 5: 274، سنن أبى داود 2: 83.

 

 

/ ص 190 /

 

وعلى هذه السنة الثابتة جرت الفتاوى قال القرطبي في تفسيره 5: 349: أجمع العلماء على القول بمقتضي هذه السنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير، فإن مالكا جعلهما صنفا واحدا.

وقال ابن رشد في بداية المجتهد 2: 194: أجمع العلماء على ان بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز إلا مثلا بمثل.

وفي الفقه على المذاهب الاربعة 2: 245: لا خلاف بين أئمة المسلمين في تحريم ربا النسيئة، فهو كبيرة من الكبائر بلا نزاع، وقد ثبت ذلك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله وإجماع المسلمين. الخ

وفي ص 247: أما ربا الفضل وهو أن يبيع أحد الجنسين بمثله بدون تأخير في القبض فهو حرام في المذاهب الاربعة.

هذا ما عند الله وعند رسوله وعند المسلمين أجمع لكن معاوية بلغت به الرفعة مكانا يقول فيه: قال الله ورسوله وقلت، هما يحرمان الربا بأشد التحريم، ويستحله معاوية، وينهى عن رواية سنة جاء‌ت فيه، ويشدد النكير عليها وعلى من رواها حتى يغادر الصحابي الصالح من جرائه عقر داره، فماذا للقائل أن يقول فيمن يحاد الله ورسوله، ويستحل ما حرماه، ويتعد حدودهما ؟ أو يقول فيمن يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها.

ولان صح للجاحظ إكفار معاوية لمحض مخالفته للسنة الثابتة باستلحاق زياد كما سيوافيك شرحه فهو بما ذكرناه هنا وفي غير واحد من موارده ومصادره أكفر كافر. ولنا حق النظر إلى ناحية اخرى من هذه القصة وهي بيع آنية الفضة من دون كسرها المحرم في شريعة الاسلام تحريما باتا لا خلاف فيه راجع المحلى لابن حزم 8: 514، نعم: هذا حكم الاسلام ومعاوية لا يبالي به فيبيع ما يشاء كيف يشاء، وسيرى وبال أمره يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والامر يومئذ لله.

 

3- معاوية يتم في السفر:

أخرج الطبراني وأحمد باسناد صحيح من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير قال: لما

 

 

/ ص 191 /

 

 قدم علينا معاوية حاجا، قدمنا معه مكة قال: فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف إلى دار الندوة، قال: وكان عثمان حين أتم الصلاة فإذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخر أربعا أربعا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة، فلما صلى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان ابن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عبته به، فقال لهما: وما ذاك ؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة، قال: فقال لهما: ويحكما و هل كان غير ما صنعت ؟ قد صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قالا: فإن ابن عمك قد أتمها وإن خلافك إياه له عيب، قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعا. (1)

قال الاميني: انظر إلى مبلغ هؤلاء الرجال أبناء بيت امية من الدين، ولعبهم بطقوس الاسلام، وجرأتهم على الله وتغيير سنته، وأحداثهم في الصلاة وهي أفضل ما بنيت عليه البيضاء الحنيفية، وانظر إلى ابن هند حلف الخمر والربا كيف يترك ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووجد هو عمله عليه، ووافقه هو مع أبي بكر وعمر، ثم يعدل عنه لمحض ان ابن عمه غير حكم الشريعة فيه، وان مروان بن الحكم طريد رسول الله وابن طريده، الوزغ ابن الوزغ، اللعين ابن اللعين على لسان النبي العظيم، وصاحبه عمرو بن عثمان ما راقهما إتباعه السنة، فاستهان مخالفتها دون أن يعيب ابن عمه بعمله، فأحيى احدوثه ذي قرباه، وأمات سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، غير مكترث لما سمعته اذن الدنيا عن ابن عمر: الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر (2) فزه به من خليفة للمسلمين وألف زه.

 

4- احدوثة الاذان في العيدين:

أخرج الشافعي في كتاب الام 1: 208 من طريق الزهري قال: لم يوذن للنبي صلى الله عليه وسلم ولابي بكر ولا لعمر ولا لعثمان في العيدين حتى أحدث ذلك معاوية بالشام فأحدثه الحجاج بالمدينة حين أمر عليها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مر تفصيل الكلام حول ما أحدثه عثمان في صلاة المسافر خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وآله في الجزء الثامن ص 100 - 119، واسلفنا الحديث

في ج 8: 269.

(2)   راجع ج 8: 115.

 

 

/ ص 192 /

 

وفي المحلى لابن حزم 5: 82: أحدث بنو امية تأخير الخروج إلى العيد وتقديم الخطبة قبل الصلاة والاذان والاقامة.

وفي البحر الزخار 2: 58: لا أذان ولا إقامة لها (لصلاة العيدين) لما مر ولا خلاف انه محدث يب (1) أحدثه معاوية. (ابن سيرين) بل مروان وتبعه الحجاج (ابوقلابة) بل ابن الزبير، والمحدث بدعة لقوله صلى الله عليه وآله: فهو رد وشرها محدثاتها. وينادى لها: الصلاة جامعة.

وفي فتح الباري لابن حجر 2: 362: اختلف في أول من أحدث الاذان فيها، فروى ابن ابي شيبة باسناد صحيح عن سعيد بن المسيب انه معاوية، وروى الشافعي عن الثقة عن الزهري مثله، وروى ابن المنذر عن حصين بن عبدالرحمن قال: اول من أحدثه زياد بالبصرة. وقال الداودي: اول من أحدثه مروان، وكل هذه لا ينافي ان معاوية أحدثه كما تقدم في البداء‌ة بالخطبة.

وقال فيما أشار اليه في البداء‌ة بالخطبة: لا مخالفة بين هذين الاثرين وأثر مروان لان كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على انه ابتدأ ذلك وتبعه عماله. (2)

وقال القسطلاني في ارشاد الساري 2: 202، أول من أحدث الاذان فيها معاوية.

رواه ابن أبي شيبة باسناد صحيح، زاد الشافعي في روايته: فأخذ به الحجاج حين أمر على المدينة أو زياد بالبصرة رواه ابن المنذر، أو مروان قاله الداودي، أو هشام قاله ابن حبيب، أو عبدالله بن الزبير رواه ابن المنذر أيضا. ويوجد في شرح الموطأ للزرقاني 1: 323 نحوه.

وفي أوائل السيوطي ص 9. أول من أحدث الاذان في الفطر والاضحى بنو مروان أخرجه ابن أبي شيبة عن أبي سيرين (3) وأخرج أيضا عن ابن المسيب قال: أول من أحدث الاذان في العيدين معاوية، وأخرج عن حصين قال: أول من أذن في العيد زياد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اشارة إلى سعيد بن المسيب.

(2) راجع ما اسلفناه في الجزء الثامن ص 160، 164، 165، ط 2.

(3) كذا في النسخ والصحيح: ابن سيرين.

 

 

/ ص 193 /

 

وفي نيل الاوطار للشوكاني 3: 364: قال ابن قدامة في المغني: روي عن ابن الزبير: انه اذن وأقام، وقيل: إن أول من أذن في العيدين زياد. وروى ابن أبي شيبة في " المصنف " بإسناد صحيح عن ابن المسيب قال: أول من أحدث الاذان في العيد معاوية.

قال الاميني: إن من المتسالم عليه عند أئمة المذاهب عدم مشروعية الاذان والاقامة إلا للمكتوبة فحسب، قال الشافعي في كتابه " الام " 1: 208: لا أذان إلا للمكتوبة فإنا لم نعلمه اذن لرسول الله صلى الله عليه وآله إلا للمكتوبة وأحب أن يأمر الامام المؤذن أن يقول في الاعياد وما جمع الناس له من الصلاة: الصلاة جامعة. أو: آن الصلاة. وإن قال: هلم إلى الصلاة، لم نكرهه وإن قال: حي على الصلاة. فلا بأس، وإن كنت احب أن يتوقى ذلك لانه من كلام الاذان. إلخ.

ومن مالك في الموطأ 1: 146: انه سمع غير واحد من علمائهم يقول: لم يكن في عيد الفطر ولا في الاضحى نداء ولا إقامة منذ زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي اليوم، قال مالك: وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.

وقال الشوكاني في نيل الاوطار 3: 364: أحاديث الباب تدل على عدم شرعية الاذان والاقامة في صلاة العيدين، قال العراقي: وعليه عمل العلماء كافة. وقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في هذا خلافا ممن يعتد بخلافه.

وقد تضافرت الاخبار الدالة على هدي الرسول الاعظم في صلاة العيدين وانه صلى الله عليه وسلم صلاها بغير أذان ولا اقامة وإليك جملة منها:

1 - عن جابر بن عبدالله: شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكأ على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على الطاعة ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن.

صحيح البخارى مختصرا 2: 111، صحيح مسلم 3: 18، سنن النسائى 3: 186، سنن الدارمى مختصرا ومفصلا 1: 375، 377، وأخرجه بلفظ قريب من هذا من طريق ابن عباس في ص 376، 378، زاد المعاد لابن القيم 1: 173.

2 - عن جابر بن سمرة: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيد غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة.

 

 

/ ص 194 /

 

صحيح مسلم 3: 29، سنن أبي داود 1: 179، جامع الترمذى 3: 4، مسند أحمد 5: 92، 94، 95، 98، 107 بألفاظ شتى، سنن البيهقى 3: 284، فتح البارى 2: 362.

3 - عن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الاضحى.

صحيح البخارى 2: 111، صحيح مسلم 3: 19، جامع الترمذي 3: 4، المحلى لابن حزم 5: 85، سنن النسائى 3: 182، سنن البيهقى 3: 284.

4 - عن ابن عباس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى العيد بلا أذان ولا إقامة، وأبا بكر

وعمر أو عثمان. شك يحيى.

سنن أبي داود 1: 179، سنن ابن ماجة 1: 386، قال الزرقاني في شرح الموطأ 1: 323: إسناده صحيح.

5 - عن عبدالرحمن بن عابس قال: سأل رجل ابن عباس: أشهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب ولم يذكر أذانا ولا إقامة.

سنن أبي داود 1: 179. 6 - عن عطاء أخبرني جابر: أن لا أذان لصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعد ما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شيئ لا نداء يومئذ ولا إقامة.

صحيح مسلم 3: 19.

7 - عن عبدالله بن عمر: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فصلي بغير أذان ولا إقامة.

سنن النسائي حكاه عنه ابن حجر في فتح الباري 2: 362، والزرقاني في شرح الموطأ

1: 323.

8 - عن سعد بن أبي وقاص: ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بغير أذان ولا إقامة.

أخرجه البزار في مسنده كما في فتح الباري 2: 362، ونيل الاوطار 3: 363.

9 - عن البراء بن عازب: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في يوم الاضحى بغير أذان

ولا إقامة.

 

 

/ ص 195 /

 

أخرجه الطبراني في الاوسط كما في الفتح 2: 362: ونيل الاوطار 3: 363.

10 - عن أبي رافع: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيد ماشيا بغير أذان ولا إقامة.

أخرجه الطبراني في الكبير كما في نيل الاوطار 3: 364.

11 - عن عطاء: ان ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير أول ما بويع له انه لم يكن يؤذن للصلاة يوم الفطر فلا تؤذن لها، قال: فلم يؤذن لها ابن الزبير يومه. صحيح مسلم 3: 19، صحيح البخاري 2: 111.

هذه شريعة الله التي شرعها في صلاة العيدين، واستمر عليها العمل في دور النبوة، ولم تزل متبعة على عهد الشيخين وهلم جرا حتى أحدث رجل النفاق بدعته الشنعاء وأدخل في الدين ما ليس منه، فكان مصيره ومصير بدعته ومن عمل بها إلى النار، وكان على الامة منه يوم أسود عند حشرها، كما كان منه عليها يوم أحمر في دنياها، فأي خليفة هذا يجر على قومه الويلات في النشأتين جمعاء ؟ وهذه وما شابهها من بدع الرجل تنم عن تهاونه بالشريعة وعدم التزامه بسننها وفروضها، وإنما كان يعمل بما يرتأيه وتحبذ له ميوله غير مكترث لمخالفته الدين، متى وجد فيه حريجة من شهواته، ومدخلا من أهوائه، فحسب أن في تقديم الاذان دعوة إلى الاجتماع وملتمحا للابهة، وعزب عنه أن دين الله لا يقاس بهذه المقاييس وإنما هو منبعث عن مصالح لا يعلم حقائقها إلا الله، ولو كانت لتلك المزعمة مقيل من الحق لجاء بها نبي العظمة صلى الله عليه وآله: فدع معاوية يتورط في سيئاته، ويهملج في تركاضه إلى الضلال، والله يعلم منقلبه ومثواه.

 

5- يصلى معاوية الجمعة يوم الاربعاء:

إن رجلا من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفين فتعلق به رجل من دمشق فقال: هذه ناقتي أخذت مني بصفين. فارتفع أمرهما إلى معاوية وأقام الدمشقي خمسين رجلا بينة يشهدون انها ناقته فقضى معاوية على الكوفي وأمره بتسليم البعير إليه فقال الكوفي: أصلحك الله انه جمل وليس بناقة فقال معاوية: هذا حكم قد مضى، ودس إلى الكوفي بعد تفرقهم فأحضره وسأله عن ثمن بعيره

 

 

/ ص 196 /

 

فدفع إليه ضعفه وبره وأحسن إليه وقال له: أبلغ عليا أني اقابله بمائة الف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل،. ولقد بلغ من أمرهم في طاعتهم له أنه صلى بهم عند مسيرهم إلى صفين الجمعة في يوم الاربعاء وأعاروه رؤسهم عند القتال وحملوه بها وركنوا إلى قول عمرو بن العاص: ان عليا هو الذي قتل عمار بن ياسر حين أخرجه لنصرته، ثم ارتقى بهم الامر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير (1).

قال الامينى: اشتملت هذه الصحيفة السوداء على أشياء تجد البحث عن بعضها في طيات كتابنا هذا كاتخاذ لعن علي أمير المؤمنين سنة يدؤب عليها، وكتأويل عمرو ابن العاص قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار: تقتلك الفئة الباغية، بأن عليا عليه السلام هو الذي قتل عمارا لالقائه بين سيوف القوم ورماحهم، وكبيان ما يعرب عن حال أصحاب معاوية ومبلغهم من العقل والدين، وهذه كلمة معاوية ومعتقده فيهم، وهو على بصيرة منهم، وقد كان يستفيد من اولئك الهمج بضؤلة عقليتهم، وخور نفسياتهم، وبعدهم عن معالم الدين ونواميس الشريعة المقدسة، فيجمعهم، على قتال إمام الحق تارة وللشهادة بأنه عليه السلام هو الذي قتل عثمان طورا إلى موارد كثيرة من شهادات الزور التي كان يغريهم بها كقصة حجر بن عدي وأمثالها.

والذي يهمنا هاهنا أولا حكمه الباطل على ناقة لم تكن توجد هنالك، وإنما الموجود جمل قد شاهده وعلم به وانه خارج عن موضوع الشهادة، لكنه نفذ الحكم الباطل المبتني على خمسين شهادة، زور كلها، ويقول بمل‌ء فمه: هذا حكم قد مضى. والحقيقة غير عازبة عنه ويتبجح انه يقابل إمام الهدى عليه السلام بمائة ألف من اولئك الحمر المستنفرة لكنه لم يقابل إمام الحق بهم فحسب، وإنما كان يقابل النبي الاعظم ودينه الاقدس وكتابه العزيز بتلكم الرعرعة الدهماء.

ويهمنا ثانيا تغييره وقت صلاة الجمعة عند مسيره إلى صفين (في تلك السفرة المحظورة التي انشأت على الضد من رضى الله ورسوله) إلى يوم الاربعاء، وإلى الغاية لم يظهر لي سر هذا التغيير، هل نسي يوم الجمعة فحسب يوم الاربعاء انه يوم الجمعة ؟ ومن العجب انه لم يذكره أحد من ذلك الجيش اللجب، ولا ذكره منهم

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مروج الذهب 2: 72.

 

 

/ ص 197 /

 

أحد. أو أنه كان يبهضه ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في فضل يوم الجمعة وفضل ساعاته والاعمال الواردة فيه، وقد اتخذه هو صلى الله عليه وآله والمسلمون من بعده عيدا تمتاز به هذه الامة عن بقية الامم ؟ وما كان ابن هند يستسهل أن يجري في الدنيا سنة للنبي متبعة لم يولها إخلالا وعبثا، فبدر إلى ذلك التبديل عتوا منه، وما أكثر عبثه بالدين وحيفه بالمسلمين ؟

ولعله اختار يوم الاربعاء لما ورد فيه من أنه أثقل الايام، يوم نحس مستمر (1) فأراد أن يرفع النحوسة بصلاة الجمعة، ولم يعبأ باستلزام ذلك تغيير سنة الله التي لا تبديل لها، والجمعة سيد الايام خير يوم طلعت عليه الشمس. (2)

وبهذا وأمثاله يستهان بما يؤثر عن الرجل من تقديم وقت الجمعة إلى الضحى (3) ووقتها المضروب لها في شريعة الاسلام الزوال لا غيره، وهي بدل الظهر، ووقتها وقتها وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله الثابتة المتبعة، فعن سلمة بن الاكوع قال: كنا نجمع مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفئ (4)

 وعن سلمة أيضا قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليس للحيطان فيئا يستظل به (5)

وعن جابر بن عبدالله لما سئل متى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ؟ قال: كان يصلي ثم نذهب إلى جمالنا لنريحها حين تزول الشمس (6)

 وعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين يميل الشمس. (7)

وعن الزبير بن العوام قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نبتدر الفئ فما يكون إلا موضع القدم أو القدمين. وفي رواية أبي معاوية: ثم نرجع فلا نجد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ثمار القلوب ص 521، 522.

(2) أخرجه الحاكم والترمذى والنسائى وأبوداود.

(3) راجع فتح البارى 2: 309، نيل الاوطار 3: 319، 320.

(4) صحيح مسلم 3: 9، سنن البيهقى 3: 190، نصب الراية 2: 195.

(5) صحيح مسلم 3: 9، سنن البيهقى 3: 191.

(6) مسند أحمد، سنن النسائي، صحيح مسلم 3: 8، 9، سنن البيهقى 3: 190، المحلى

5: 44.

(7) صحيح البخارى، مسند أحمد، سنن أبى داود، سنن النسائى، سنن البيهقى 3: 190

نصب الراية 2: 195.

 

 

/ ص 198 /

 

في الارض من الظل إلا موضع أقدامنا (1)

وقال البخاري في صحيحه: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك روي عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث رضي الله عنهم.

وقال البيهقي في سننه الكبرى 3: 191: ويذكر هذا القول عن عمر وعلي ومعاذ ابن جبل والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث أعني في وقت الجمعة إذا زالت الشمس.

وقال ابن حزم في المحلى 5: 42: الجمعة هي ظهر يوم الجمعة، ولا يجوز أن تصلى إلا بعد الزوال، وآخر وقتها آخر وقت الظهر في سائر الايام.

وقال ابن رشد في البداية 1 ص 152: أما الوقت فإن الجمهور على أن وقتها وقت الظهر بعينه أعني وقت الزوال، وأنها لا تجوز قبل الزوال، وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تصلى قبل الزوال وهو قول أحمد بن حنبل.

وقال النووي في شرح صحيح مسلم (2) بعد سرد بعض أحاديث الباب: قال مالك وأبوحنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق فجوزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيئ إلا ما عليه الجمهور.

وقال القسطلاني: هو مذهب عامة العلماء وذهب أحمد إلى صحة وقوعبا قبل الزوال متمسكا بما روي عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال من طريق لا تثبت (3)

طرق ما تمسك به أحمد تنتهي إلى عبدالله بن سيدان السلمي زيفها الحفاظ لمكان ابن سيدان قال الزيلعي في نصب الراية 2: 196: فهو حديث ضعيف. وقال النووي. في الخلاصة: اتفقوا على ضعف ابن سيدان. وقال ابن حجر في فتح الباري 2: 309: انه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة، قال ابن عدي: شبه المجهول. وقال البخاري:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقى 3: 191.

(2) هامش ارشاد السارى 4: 162.

(3) ارشاد السارى 2: 164

 

 

/ ص 199 /

 

لا يتابع على حديثه بل عارضه ما هو أقوى منه. ثم ذكر من عمل أبي بكر وعمر وعلي على خلاف حديث ابن سيدان بأسانيد صحيحة.

فالسنة الثابتة في توقيت الجمعة هي السنة المتبعة في صلاة الظهر، وإقامة معاوية الجمعة في الضحى خروج عن سنة النبي صلى الله عليه وآله وهديه، وشذوذ عن سيرة السلف كشذوذه في بقية أفعاله وتروكه.

 

6- احدوثة الجمع بين الاختين:

أخرج ابن المنذر عن القاسم بن محمد: ان حيا سألوا معاوية عن الاختين مما ملكت اليمين يكونان عند الرجل يطؤهما ؟ قال: ليس بذلك بأس، فسمع بذلك النعمان ابن بشير، فقال: أفتيت بكذا وكذا ؟ قال: نعم. قال: أرأيت لو كان عند الرجل اخته مملوكته يجوز له أن يطأها. قال: أما والله لربما وددتني أدرك، فقل لهم: اجتنبوا ذلك، فانه لا ينبغي لهم ؟ فقال: إنما الرحم من العتاقة وغيرها (1)

قال الاميني: هذا الباب المرتج فتحه عثمان كما أسلفنا تفصيله في الجزء الثامن ص 220 - 229 وقد عد ذلك من أحداثه، ولم يوافقه عليه أحد من السلف والخلف ممن يعبأبه وبرأيه، حتى جاء معاوية معليا على ذلك البنيان المتضعضع، معليا بما شذ عن الدين الحنيف، أخذ باحدوثة ابن عمه، صفحا عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أتينا هنالك في بطلانه بمالم يبق معه في القوس منزع.

 

7- احدوثة معاوية في الديات:

أخرج الضحاك في الديات ص 50 من طريق محمد بن اسحاق قال: سألت الزهري قلت: حدثني عن دية الذمي كم كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قد اختلف علينا فيها. فقال: ما بقي أحد بين المشرق والمغرب أعلم بذلك مني، كانت على عهد رسول الله ألف دينار وأبي بكر وعمر وعثمان حتى كان معاوية أعطى أهل القتيل خمسمائة دينار، و وضع في بيت المال خمسمائة دينار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   الدر المنثور 2: 137

 

 

/ ص 200 /

 

وفي لفظ البيهقي في سننه 8: 102: كانت دية اليهود والنصارى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل دية المسلم وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف، وألقى النصف في بيت المال، قال: ثم قضى عمر بن عبدالعزيز في النصف وألقى ما كان جعل معاوية.

وفي الجوهر النقي: ذكر أبوداود في مراسيله بسند صحيح عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن قال: كان عقل الذمي مثل عقل المسلم في زمن رسول الله وزمن أبي بكر وزمن عمر وزمن عثمان حتى كان صدرا من خلافة معاوية، فقال معاوية: إن كان أهله اصيبوا به فقد اصيب به بيت مال المسلمين، فاجعلوا لبيت مال المسلمين النصف ولاهله النصف خمسمائة دينار، ثم قتل رجل من أهل الذمة. فقال معاوية: لو انا نظرنا إلى هذا الذي يدخل بيت المال فجعلناه وضيعا عن المسلمين وعونا لهم، قال لمن هناك: وضع عقلهم إلى خمسمائة.

وقال ابن كثير في تاريخه 8: 139: قال الزهري: مضت السنة ان دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف وأخذ النصف.

قال الاميني: تقدم في الجزء الثامن ص 176: ان دية الذمى في دور النبوة لم يكن ألفا كما حسبه الزهري، ولم يذهب إليه أحد من أئمة المذاهب إلا أبا حنيفة وإن أول من جعلها ألفا هو عثمان، وعلى أي حال فما ارتكبه معاوية فيه بدع  ثلاث.

1 - أخذ الدية ألفا.

2 - تنصيفه بين ورثة المقتول وبيت المال.

3 - وضعه حصة بيت المال أخيرا إن كانت الالف سنة ولبيت المال فيها حق.

فمرحى بخليفة يجهل حكما واحدا من الشريعة من شتى نواحيه، أو: يعلمه لكنه يتلاعب به كيفما حبذته له ميوله، وهو لا يقيم للحكم الآلهى وزنا، ولا يرى لله حدودا لا يتجاوزها، ويقول: لو أنا نظرنا. إلخ. ولا يبالي بما تقول على الله ولا يكترث لمغبة ما أحدثه في الدين وفي الذكر الحكيم قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الاقاويل، لاخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين سورة الحاقة 44، 45، 46.