فهرس الجزء الحادي عشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/  3  /

 

يتبع الجزء العاشر

 

مواقف معاوية مع أبي محمد الحسن السبط عليه السلام

 

إن لابن آكلة الاكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعر منها الجلود، وتقف منها الشعور، وتندى منها جبهة الانسانية، ويلفظها الدين الحفاظ، وينبذها العدل و الاحسان، وينكرها كرم الارومة وطيب المحتد، ارتكبها معاوية مستسهلا كل ذلك، مستهينا بامر الدين والمروء‌ة . 

من هو الحسن عليه السلام ؟

لا أقل من أن يكون هو سلام الله عليه أوحديا من المسلمين، وأحد حملة القرآن، وممن أسلم وجهه لله وهو محسن، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة، ومغازي الكتاب والسنة، والملكات الفاضلة جمعاء، وهو القدوة والاسوة في مكارم الاخلاق، ومعالم الاسلام المقدس، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه، والوقيعة فيه، وايذائه، ومحاربته، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم  . 

أضف إلى ذلك :  انه صحابي مبجل ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير، وأعظم فضائله :  أنه ليس بين لابتي العالم من يستحق الامامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذ غيره، لفضله وقرابته. فهو أولى صحابي ثبت له ما أثبتوه لهم من الاحكام، فلا يجوز

 

/  4  /

 

منافرته والصد عنه، والاعراض عن آرائه وأقواله، وارتكاب مخالفته، وما يجلب الاذى اليه من السب له، والهتك لمقامه، واستصغار أمره.

زد عليه :  أنه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيدة نساء العالمين، لحمه من لحمه، ودمه من دمه. فيجب على معتنقي تلك النبوة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه، والحصول على مرضاته، وهو لا يرضى إلا بالحق الصراح والدين الخالص.

وهو عليه السلام قبل هذه كلها أحد أصحاب الكساء الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . 

وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى، الذين يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا . 

وهو من ذوي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله الذين أوجب الله مؤدتهم وجعلها أجر الرسالة.

وهو أحد من باهل بهم رسول الله صلى الله عليه وآله نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم .  وهو أحد الثقلين اللذين خلفهما النبى الاعظم صلى الله عليه وآله بين امته ليقتدى بهم و قال :  ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا . 

وهو من أهل بيت مثلهم في الامة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق . 

وهو من الذين أوجب الله الصلاة عليهم في الفرائض، ومن لم يصل عليهم لا صلاة له . 

وهو أحد من خاطبهم النبي صلى الله عليه وآله بقوله :  أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم .  وهو أحد أهل خيمة خيمها رسول الله صلى الله عليه وآله فقال :  معشر المسلمين ! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردئ الولادة . 

 

/  5  /

 

وهو أحد ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله كان يشمهما ويضمهما اليه . 

وهو وأخوه الطاهر سيدا شباب اهل الجنة . 

وهو حبيب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بحبه قائلا :  اللهم اني احبه فاحبه، واحب من يحبه . 

وهو أحد السبطين كان جدهما صلى الله عليه وآله يأخذهما على عاتقه ويقول :  من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني . 

وهو أحد اللذين أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيدهما فقال :  من أحبني واحب هذين وأباهما وامهما كان معي في درجتى يوم القيامة . 

وهو أحد ابني رسول الله كان يقول صلى الله عليه وآله :  الحسن والحسين ابناي من أحبهما أحبنى، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبعضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار (1) هذا هو الامام الحسن المجتبى عليه السلام واما معاوية ابن آكلة الاكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرت عليك في الجزء العاشر ص 178 وأما جنايات معاوية على ذلك الامام المطهر فقد سارت بها الركبان، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوهة المجلى، مسودة الهندام .  فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقه الثابت له بالنص والجدارة، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الامام عليه السلام له بالصلح حقنا لدماء شيعته، وحرسا على كرامة اهل بيته، وصونا لشرفه الذي هو شرف الدين، وما كان يرمق اليه معاوية ويعلمه الامام عليه السلام بعلمه الواسع من ان الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه، لكنه يستبقيه ليمن بذلك عليه، ثم يطلق سراحه، و هو بين أنيابه ومخالبه، حق يقابل به ما سبق له ولاسلافه طواغيت قريش يوم الفتح، فملكهم رسول الله صلى الله عليه وآله أرقاء له، ثم من عليهم وأطلقهم، فسموا الطلقاء وبقي ذلك سبة عليهم إلى آخر الدهر، فراق داهية الامويين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبة عليهم، لكنه أكدت آماله، وأخفقت ظنونه، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه الاحاديث تأتى باسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها ان شاء الله . 

 

 

/  6  /

 

الذي كان من ولائده الابقاء على شرف البيت الهاشمي، ودرأ العار عنهم، إلى نتايج مهمة، كل منها كان يلزم الامام عليه السلام بالصلح على كل حال، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه، والكائد الغادر بإله وذمته، فعهد اليه ان لا يسب أباه على منابر المسلمين، وقد سبه وجعله سنة متبعة في الحواضر الاسلامية كلها . 

وعهد إليه أن لا يتعرض بشيعة أبيه الطاهر بسوء، وقد قتلهم تقتيلا، واستقرأهم في البلاد تحت كل حجر ومدر، فطنب عليهم الخوف في كل النواحي بحيث لو كانيقذف الشيعي باليهودية لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب سلام الله عليه . 

وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب اليه سلام الله عليه :  إن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني

قيس : 

وإن أحـــــد أســـــدى إليــك أمانة * فـــــأوف بهـا تدعى إذ امت وافيا

ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى * ولا تجفــه إن كان في المال فانيا

ثم الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها (1) ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعد ما قتل الامام السبط ليصفو له الجو . 

ولما تصالحا كتب به الحسن كتابا لمعاوية صورته : 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلم اليه ولاية المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا، بل يكون الامر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى ان الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى ان اصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) شرح ابن ابى الحديد 4 :  13 . 

 

 

/  7  /

 

ابي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وأن لا يبتغي للحسن بن علي ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غائلة سرا وجهرا، ولا يخيف أحدا منهم في افق من الآفاق، اشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيدا (1) فلما استقر له الامر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال :  يا أهل الكوفة ! أترانى قاتلتكم على الصلاة والزكاة و الحج ؟ وقد علمت انكم تصلون وتزكون وتحجون، ولكنني قاتلتكم لاتأمر عليكم وعلى رقابكم) إلى أن قال (:  وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين (2) وقال أبواسحاق السبيعي :  ان معاوية قال في خطبته بالنخيلة :  ألا ان كل شئ أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به (3) قال ابواسحاق :  وكان والله غدارا (4) . 

وكان الرجل ألد خصماء ذلك السبط المفدى، وقد خفر ذمته، واستهان بأمره واستصغره، وهو الامام العظيم، وقطع رحمه، وما راعى فيه جده النبي العظيم، ولا أباء الوصي المقدم، ولا امه الصديقة الطاهرة، ولا نفسه الكريمة التي اكتنفتها الفضائل والفواضل من شتى نواحيها، ولم ينظر فيه ذمة الاسلام، ولا حرمة الصحابة، ولا مقتضى القرابة، ولا نصوص رسول الله صلى الله عليه وآله فيه، ولعمر الحق لو كان مأمورا بقطعه وبغضه ومباينته لما وسعه أن يأتي بأكثر مما جاء به، وناء بعبأه، وباء بإثمه، فقد قنت بلعنه في صلواته التي تلعن صاحبها قال

ابوالفرج :  حدثني أبوعبيد محمد ابن أحمد قال :  حدثني الفضل بن الحسن المصري قال :  حدثني يحيى بن معين قال :  حدثني أبوحفص اللبان عن عبدالرحمن بن شريك عن اسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال :  خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين جالسان تحت المنبر فذكر عليا فنال منه، ثم نال من الحسن، فقام الحسين ليرد عليه فأخذه الحسن

بيده فأجلسه ثم قام فقال :  أيها الذاكر عليا ! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية و

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الصواعق لابن حجر ص 81 . 

 (2) راجع ما مر في الجزء العاشر ص 329 . 

 (3) شرح ابن ابى الحديد 4 :  16 . 

 (4) راجع ما اسلفناه في الجزء العاشر ص 262 . 

 

/  8  /

 

أبوك صخر، وامي فاطمة وامك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة، و جدتي خديجة قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكرا، وألامنا حسبا، وشرنا قديما وحديثا، وأقدمنا كفرا ونفاقا .  فقال طوائف من أهل المسجد :  آمين .  قال الفضل :  قال يحيى بن معين :  وأنا أقول :  آمين .  قال ابوالفرج :  قال أبوعبيد قال الفضل :  وأنا أقول :  آمين، ويقول علي بن الحسين الاصفهاني :  آمين .  قلت :  ويقول عبدالحميد بن ابي الحديد مصنف هذا الكتاب :

آمين (1) قال الاميني :  وأنا أقول :  آمين . 

وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دس إليه عليه السلام السم النقيع، فلقي ربه شهيدا مكمودا، وقد قطع السم أحشاؤه . 

قال ابن سعد في الطبقات :  سمه معاوية مرارا، لانه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين . 

وقال الواقدي :  انه سقي سما ثم أفلت، ثم سقي فأفلت، ثم كانت الآخرة توفي فيها، فلما حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف اليه :  هذا رجل قطع السم امعائه، فقال الحسين :  يا أبا محمد ! أخبرني من سقاك ؟ ! قال .  ولم يا أخي ؟ قال :  أقتله والله قبل أن أدفنك، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلف الشخوص إليه .  فقال :  يا أخي ! إنما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميه . 

وقد سمعت بعض من يقول :  كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما (2) . 

وقال المسعودي :  لما سقي السم فقام لحاجة الانسان ثم رجع فقال :  لقد سقيت السم عدة مرار فما سقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني اقلبه بعود في يدي، فقال له الحسين :  يا أخي ! من سقاك ؟ قال :  وما تريد بذلك ؟ فإن كان الذى أظنه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما احب أن يؤخذ بي برئ، فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثا حتى توفي رضي الله عنه .  وذكر :  أن امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السم، وقد كان معاوية دس اليها انك إن احتلت في قتل الحسن وجهت اليك بمائة ألف درهم، وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمه، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل اليها :  إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح ابن ابى الحديد 4 :  16 . 

 (2) تاريخ ابن كثير 8 :  43 . 

 

 

/  9  /

 

وذكر :  ان الحسن قال عند موته :  لقد حاقت شربته، وبلغ امنيته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال .  وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة علي في شعر طويل : 

جعـــــدة بكيـــــه ولا تســـــأمـي * بعـــــد بكاء المعول الثاكل (1)

لـــــم يسبـــــل الستر على مثله * في الارض من حاف ومن ناعل

كـــــان إذا شبـــــت لـــــه نــاره * يـــــرفعها بالسنـــد الغاتل (2)

كيمـــــا يراهـــــا بائـــس مرمل * وفـــــرد قـــــوم ليــــــس بالآهل

يغلـــــي بنـــــئ اللحـــم حتى إذا * أنضـــــج لـــــم يغــــل على آكل

أعنـــــي الـــــذي أسلمنــا هلكه * للزمن المستخرج الماحل (3)

قال أبوالفرج الاصبهاني :  كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح :  أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده، وأن تكون الخلافة له من بعده، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيئ أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص فدس اليهما سما فماتا منه، ارسل إلى ابنة الاشعث اني مزوجك بيزيد ابني على أن تسم الحسن .  وبعث إليها بمائة ألف درهم، فسوغها المال ولم يزوجها منه .  مقاتل الطالبيين ص 29 .  وحكاه عنه ابن ابي الحديد في شرح النهج 4 :  11، 17 من طرق مغيرة و أبي بكر بن حفص . 

وقال ابوالحسن المدائني :  كانت وفاته في سنة 49 وكان مريضا أربعين يوما وكان سنه سبعا وأربعين سنة، دس إليه معاوية سما على يد جعدة بنت الاشعث زوجة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في تاريخ ابن كثير :  بكاء حق ليس بالباطل . 

 (2) في تاريخ ابن كثير :  يرفعها بالنسب الماثل . 

 (3) مروج الذهب 2 :  50 . 

 

 

/  10  /

 

الحسن، وقال لها :  إن قتلتيه بالسم فلك مائة الف، وازوجك يزيد إبني .  فلما مات وفى لها بالمال ولم يزوجها من يزيد، وقال :  أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول الله صلى الله عليه وآله (شرح ابن ابي الحديد 4 :  4)

وقال :  كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول :  والله ما وفى معاوية للحسن بشئ مما أعطاه، قتل حجرا وأصحاب حجر، وبايع لابنه يزيد، وسم الحسن .  شرح ابن ابي الحديد 4 :  7 . 

وقال أبوعمر في الاستيعاب 1 :  141 :  قال قتادة وابوبكر بن حفص :  سم الحسن بن علي، سمته امرئته بنت الاشعث بن قيس الكندي .  وقالت طائفة :  كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم .  ثم ذكر صدر ما رواه المسعودي . 

وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص 121 :  قال علماء السير منهم :  ابن عبدالبر سمته زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي .  وقال السدي :  دس إليها يزيد بن معاوية أن سمي الحسن وأتزوجك .  فسمته فلما مات ارسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال :  أنا والله ما أرضاك للحسن، أفنرضاك لانفسنا ؟ وقال الشعبي :  إنما دس اليها معاوية فقال :  سمي الحسن وأزوجك يزيد واعطيك مائة الف درهم، فلما مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب انجاز الوعد، فبعث إليها بالمال وقال :  إني احب يزيد، وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوجتك إياه . 

وقال الشعبي :  ومصداق هذا القول :  ان الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية :  لقد عملت شربته وبلغت امنيته، والله لا يفي بما وعد، ولا يصدق فيما يقول .  ثم حكى عن طبقات ابن سعد :  ان معاوية سمه مرارا كما مر . 

وقال ابن عساكر في تاريخه 4 :  229 يقال :  :  إنه سقي السم مرارا كثيرا فافلت منه ثم سقي المرة الاخيرة فلم يفلت منها .  ويقال :  إن معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما فسقاه فأثر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحوا من أربعين مرة . 

وروى محمد بن المرزبان :  ان جعدة بنت الاشعث بن القيس كانت متزوجة بالحسن فدسّ

 

 

/  11  /

 

 اليها يزيد أن سمي الحسن وأنا أتزوجك ففعلت، فلما مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها :  إنا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لانفسنا ؟ فقال كثير، ويروى انه للنجاشي :

يا جعـــــدة ! ابكي ولا تسأمي * بكـــــاء حــــــق ليس بالباطل

لـــن تستري البيت على مثله * في الناس من حاف ولا ناعل

أعنـــــي الــــذي أسلمه أهله * للــــــزمن المستخرج الماحل

كـــــان إذا شبـــــت لـــه ناره * يرفعهـــــا بالنســـــب المــاثل

كيمـــــا يــــراها بائس مرمل * او وفـــــد قـــــوم ليس بالآهل

يغلـــــي بنــــئ اللحم حتى إذا * أنضـــــج لـــــم يغـل على آكل

وروى المزي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال عن ام بكر بنت المسور قالت : 

سقي الحسن مرارا وفي الآخرة مات فانه كان يختلف كبده، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا .  وفيه عن عبدالله بن الحسن :  قد سمعت من يقول :  كان معاوية قد تلطف لبعض خدمه أن يسقيه سما .  وقال أبوعوانة عن مغيرة عن أم موسى :  إن جعدة بنت الاشعث سقت الحسن السم فاشتكى منه أربعين يوما .

وفي) مرئاة العجائب وأحاسن الاخبار الغرائب) (1) قيل :  كان سبب موت الحسن ابن علي من سم سم به يقال :  إن زوجته جعدة بنت الاسود بن قيس الكندي سقته إياه، ويذكر والله اعلم بحقيقة امورهم :  ان معاوية دس اليها بذلك على أن يوجه لها مائة الف درهم ويزوجها من ابنه يزيد، فلما مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال : 

إني احب حياة يزيد .  وذكروا :  ان الحسن قال عند موته :  لقد حاقت شربته والله لا وفاء لها بما وعد ولا صدق فيما قال .  وفي سمه يقول رجل من الشيعة : 

تعرفكـــــم لـــــك من سلوة * تفـــــرج عنــك قليل الحزن

بمــوت النبي وقتل الوصي * وقتل الحسين وسم الحسن

وقال الزمخشري في) ربيع الابرار (في الباب الحادي والثمانين :  جعل معاوية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأليف الشيخ أبى عبدالله محمد بن عمر زين الدين . 

 

 

/  12 /

 

لجعدة بنت الاشعث امرأة الحسن مائة الف درهم حتى سمته، ومكث شهرين وانه يرفع من تحته طستا من دم وكان يقول :  سقيت السم مرارا ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرة، لقد لفظت كبدي .

وفي) حسن السريرة) (1) :  لما كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دس معاوية إلى جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن علي أن تسقي الحسن السم ويوجه لها مائة الف ويزوجها من ابنه يزيد .  ففعلت ذلك . 

كان معاوية يرى أمر الامام السبط عليه السلام حجر عثرة في سبيل امنيته الخبيثة بيعة يزيد، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين :  عهده إليه عليه السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب، وجدارة أبي محمد الزكي ونداء الناس به من ناحية اخرى، فنجى نفسه عن هذه الورطة بسم الامام عليه السلام، ولما بلغه نعيه غدا مستبشرا، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه .  

قال ابن قتيبة :  لما مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب اليه معاوية :  إن استطعت أن لا يمضي يوم بي يمر إلا يأتيني فيه خبره فأفعل .  فلم يزل يكتب اليه بحاله حتى توفي فكتب اليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبدالله ابن عباس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلما جلس قال معاوية :  يا ابن عباس هلك الحسن بن علي ؟ فقال ابن عباس :  نعم هلك، إنا لله وإنا إليه راجعون .  ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن اصبنا به لقد اصبنا بمن كان خيرا منه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة .  ثم شهق ابن عباس وبكى .  الحديث (2) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ألفه الشيخ عبدالقادر بن محمد بن الطبرى ابن بنت محب الدين الطبرى مؤلف الرياض النضرة . 

(2) الامامة والسياسة 1 :  144 . 

 

 

/  13  /

 

وفي العقد الفريد 2 :  298 :  لما بلغ معاوية موت الحسن بن علي خر ساجدا لله، ثم أرسل إلى ابن عباس وكان معه في الشام فعزاه، وهو مستبشر .  وقال له :  ابن كم سنة مات أبومحمد ؟ فقال له :  سنه كان يسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال :  بلغني انه ترك أطفالا صغارا، قال :  كل ما كان صغيرا يكبر، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير، ثم قال :  مالي أراك يا معاوية ! مستبشرا بموت الحسن بن علي ؟

فوالله لا ينسأ في أجلك، ولا يسد حفرتك، وما أقل بقائك وبقائنا بعده ؟ وذكره الراغب في المحاضرات 2 :  224 . 

وفي حياة الحيوان 1 :  58، وتاريخ الخميس 2 :  294، وفي ط :  328 :  قال ابن

خلكان :  لما مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية :  أن أقبل المطي إلي بخبر الحسن، فلما بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية :  أقر الله عينك، ما الذي كبرت لاجله ؟ فقال :  مات الحسن .  فقالت :  أعلى موت ابن فاطمة تكبر ؟

فقال :  ما كبرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي (1) .  ودخل عليه ابن عباس فقال : 

يا ابن عباس ! هل تدري ما حدث في أهل بيتك ؟ قال :  لا أدري ما حدث إلا اني أراك مستبشرا وقد بلغني تكبيرك، فقال :  مات الحسن .  فقال ابن عباس :  رحم الله أبا محمد . 

ثلاثا، والله يا معاوية ! لا تسد حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنا اصبنا بالحسن فلقد اصبنا بامام المتقين وخاتم النبيين، فجبر الله تلك الصدعة وسكن تلك العبرة، وكان الخلف علينا من بعده .

وكان ابن هند جذلانا مستبشرا بموت الامام أميرالمؤمنين عليه السلام قبل ولده الطاهر السبط، فبلغ الحسن عليه السلام وكتب اليه فيما كتب :  قد بلغني انك شمت بما لا يشمت به ذووالحجى، وإنما مثلك في ذلك كما قال الاول : 

وقل للذي يبقى خلاف الذي مضى * :  تجهـــــز لاخرى مثلها فكأن قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) إلى هاهنا ذكره الزمخشرى ايضا في) ربيع الابرار (في الباب الحادى والثمانين، و البدخشى في (نزل الابرار). 

 

 

/  14  /

 

وإنـــــا ومــن قد مات منا لكالذي * يــــــروح فيمسي في المبيت ليقتدي

ولارضاء معاوية منع ذلك الامام الزكي عن أن يقوم ؟ أخوه الحسين السبط بانجاز وصيته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له، وهو أولى إنسان بالدفن فيها، قال ابن كثير في تاريخه 8 :  44 :  فأبى مروان أن يدعه، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية .  وقال ابن عساكر 4 :  226 قال) مروان (:  ما كنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله، قد دفن عثمان بالبقيع، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات .

هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرسول صلى الله عليه وآله ولعل فيما أنساه التاريخ أضعافها، وهل هناك مسائل ابن حرب عما اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحق من جرائه هذه النكبات والعظائم ؟ وهل يسع ابن آكلة الاكباد أن يعد منه شيئا في الجواب ؟ غير انه عليه السلام كان سبط محمد صلى الله عليه وآله وقد عطل دين آباء الرجل الذي فارقه كرها ولم يعتنق الاسلام إلا فرقا، وانه شبل علي خليفة الله في أرضه بعد نبيه صلى الله عليه وآله وهو الذي مسح أسلافه الوثنيين بالسيف، وأثكلت امهات البيت الاموي بأجريتهم، ولما ينقضي حزن معاوية على اولئك الطغمة حتى تشفى بأنواع الاذى التي صبها على الامام المجتبى إلى أن اغتاله بالسم النقيع، ولم يملك نفسه حتى استبشر بموته، وسجد شكرا، وأنا لا أدري أللاته سجد أم لله سبحانه ؟ وان لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد : 

قــــد قتلت القرم من ساداتهم * وعــــدلنا ميــــل بـــدر فاعتدل

ليــــت أشياخي ببدر شهـــدوا * جزع الخزرج من وقع الاسل

لعبــــت هــــاشم بالمـــلك فلا * خــــبر جاء ولا وحــــي نـــزل

وانه بضعة الزهراء فاطمة الصديقة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله ومنها نسله الذين ملاوا الدنيا أوضاحا وغررا من الحسب الوضاء، والشرف الباذخ، والدين الحنيف، كل ذلك ورغبات معاوية على الضد منها، وما تغنيه الآيات والنذر .

وفي الذكر الحكيم :  سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الارض بغير الحق،

 

/  15  /

 

وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين. ( الاعراف :  146)

 

***