فهرس الجزء الحادي عشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/  285 /

 

القرن الحادي عشر

ـ 82 ـ

الحرفوشي العاملي

المتوفى 1059

يا وردة من فوق بانه * سر المحبة من أبانه ؟
أخفيته جهدي وقد * غلغلت في قلبي مكانه
وكتمت أمر صبابتي * وسدلت أستار الصيانه
ما كنت أحسب أن يكون * الدمع يوما ترجمانه
لولا وضوح الامر ما * أغرى بنا الواشي لسانه
ولوى عنانك عن شج * شوقا اليك لوى عنانه
يا ظبية البان التي * عند القلوب لها مكانه !
قد أسكرتني مقلتاك * كأن في الاجفان حانه (1)
وكرعت في ماء الصبا * ففضحت لين الخيزرانه
أجريت ذكرك في الحمى * وقد اجتلى طرفي جنانه
فلوى القضيب معاطفا * نظم الندى فيها جمانه (2)
واحمر خد شقيقها * وافتر ثغر الاقحوانه (3)
فكأنني أجريت ذكر * (المرتضى) لذوي الديانه
غيث الاله وغوثه * حيث الزمان يرى الزمانه (4)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الحان والحانة :  موضع بيع الخمر . 

 (2) الجمان :  اللؤلؤ، والواحدة :  جمانة . 

 (3) الاقحوان :  نبات اوراق زهره .  واحدته :  اقحوانة

 (4) الزمانة :  العاهة .  تعطيل القوى . 

 

 

/  286 /

 

كم أودع اللاجي إليه * من مخاوفه أمانه ؟
وأسال فوق المرتجي * سيل الحيا الساري بنانه ؟
أعطاه باريه التقرب * منه زلفى والمكانه
فغدا القسيم بأمره * يعطى الورى كلا وشانه
يوري معاديه لظى * ويرى مواليه جنانه
سل عنه إن حمي الوطيس * وأصعد الحامي دخانه
من يلتوي قرصا به (1) * فيه التواء الافعوانه ؟
حتى يرويه ويروي * من دم الجاني سنانه
وينكص الرايات تعثر * بالجماجم من جبانه
واسأل) بخم (كم له * المختار من فضل أبانه ؟
واها له لو اطلقت * أعدائه شوطا عنانه

 

الشاعر:

الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي (2) الحريري الشامي العاملي . 

عبقري مقدم من عباقرة العلم والادب، وأوحدي من أساطين الفضيلة، لم يتحل بمأثرة إلا وأتبعها بالنزوع إلى مثلها، وما اختص باكرومة إلا وراقه أن يتطلع إلى ما هو أرفع منها، حتى عادت الفضائل والاحساب عنده كأسنان المشط، أو خطوط الدائرة المنتهية إلى مركزها، ورأيت أن أوسط من وصفه هو سيدنا المدني الشيرازي في سلافة العصر ص 315 قال :  منار العلم السامي، وملتزم كعبة الفضل وركنها الشامي . 

ومشكاة الفضائل ومصباحها، المنبر به مساؤها وصباحها .  خاتمة أئمة العربية شرفا عربا، والمرهف من كهام الكلام شبا وغربا .  أماط عن المشكلات نقابها، وذلل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) قرضاب :  السيف القطاع . 

 (2) نسبة إلى آل حرفوش المنسوبين إلى جدهم الاعلى الامير حرفوش الخزاعى الذى عقدت له راية بقيادة فرقة في حملة أبى عبيدة الجراح على بعلبك .  أصلهم من خزاعة العراق . راجع اعيان الشيعة 5 :  448 . 

 

 

/  287 /

 

صعابها وملك رقابها .  وحل للعقول عقالها، وأوضح للفهوم قيلها وقالها .  فتدفق بحر فوائده وفاض، وملا بفرائده الوطاب والوفاض .  وألف بتآليفه شتات الفنون، وصنف بتصانيفه الدر المكنون .  إلى زهد فاق به خشوعا وإخباتا، ووقار لا توازيه الرواسي ثباتا .  وتأله ليس لابن أدهم غرره وأوضاحه، وتقدس ليس للسري سره وايضاحه .  وهو شيخ شيوخنا الذي عادت علينا بركات أنفاسه، واستضأنا بواسطة من ضيا نبراسه .  وكان قد انتقل من الشام إلى بلاد العجم، وقطن بها إلى أن وفد عليه المنون وهجم .  فتوفي بها في شهر ربيع الثاني سنة تسع وخمسين وألف . 

وترجم له شيخنا الحر العاملي في) أمل الآمل) (1) وأثنى عليه بقوله :  كان عالما فاضلا أريبا ماهرا محققا مدققا شاعرا أديبا منشيا حافظا أعرف اهل عصره بالعلوم العربية .  قرأ على السيد نور الدين علي بن علي بن ابي الحسن الموسوي العاملي في مكة جملة من كتب الخاصة والعامة له كتب كثير الفوايد . 

وأطراه شيخنا العلامة المجلسي في (بحار الانوار) (2) بكلمة سيدنا صاحب السلافة المذكورة.  وعقود جمل الثناء عليه منضدة في صفحات المعاجم وكتب التراجم حتى اليوم، وقد فصلنا القول في ترجمته في كتابنا (شهداء الفضيلة) ص 118 وذكرنا هنالك في ص 160 :  ان المترجم له قرأ عليه الشيخ علي زين الدين حفيد الشهيد الثاني، ويروي عنه السيد هاشم الاحسائي كما في) المستدرك) 3 ص 406 . 

آثاره القيمة

1. طرائف النظام ولطائف الانسجام في محاسن الاشعار . 

2. اللآلي السنية في شرح الاجرومية، مجلدان . 

3. شرح شرح الكافيجي على قواعد ابن هشام . 

4. شرح شرح الفاكهي على القطر . 

5. شرح قواعد الشهيد قدس سره . 

6. شرح الصمدية في النحو . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المطبوع في آخر منهج المقال ص 452 . 

 (2) ج 25 ص 124 . 

 

 

/  288 /

 

7. شرح التهذيب في النحو . 

8. شرح الزبدة في الاصول . 

9. مختلف النحاة في النحو . 

10. رسالة الخال . 

11. ديوان شعره . 

 

 

وقال صاحب (الامل) بعد عد كتبه :  ورسائل متعددة، رأيته في بلادنا مدة ثم سافر إلى اصفهان، ولما توفي رثيته بقصيدة طويلة منها : 

أقم ماتما للمجد قد ذهب المجد * وجد بقلبي السوء والحزن والوجد
وبانت عن الدنيا المحاسن كلها * وحل بها لون الضحى فهو مسود
وسائلة ما الخطب راعك وقعه * وكادت له الشم الشوامخ تنهد ؟
وما للبحار الزاخرات تلاطمت * وأمواجها أيد وساحلها خد ؟
فقلت :  نعى الناعي إلينا) محمدا (* فذاب أسى من نعيه الحجر الصلد
مضى فائق الاوصاف مكتمل العلى * ومن هو في طرق السرى العلم الفرد
فكم قلم ملقى من الحزن صامت * فما عنده للصامتين له رد ؟
وطالب علم كان مغتبطا به * كمغتنم للوصل فاجأه الصد
لقد أظلمت طرق المباحث بعده * وكان كبدر التم قارنه السعد
فأهل المعالي يلطمون خدودهم * وقد قل في ذا الرزء أن يلطم الخد
لرزء) الحريري (استبان على العلى * أسى لم تكن لولا المصاب به يبدو

 

وشاعرنا (الحريري) مع أنه وليد مهد العروبة، ورضيع ثدي مجدها الموثل له في الادب والقريض يد ناصعة، وفي علوم لغة الضاد تضلع وتقدم، قال سيدنا المدني و) السلافة (:  له الادب الذي اينعت ثمار رياضه، وتبسمت أزهار حدائقه وغياضه فحلا جناها لاذواق الافهام، وتنشق عرفها كل ذي فهم فهام .  فمن مطرب كلامه الذي سجعت به على أغصان أنامله عنادل أقلامه قوله مادحا شيخه الشيخ شرف الدين الدمشقى سنة ست وعشرين وألف:

 

 

/  289 /

 

إذا ما منحت جفوني القرارا * فمر طارق الطيف يدني المزارا
فعلك تثلج قلبا به * تأجج وجدا وزاد استعارا
وأنى يزور فتى قد براه * سقام يمض ولو زار حارا ؟
خليلي عرج على رامة * لانظر سلعا وتلك الديارا
وعج بي على ربع من قد نأى * لاسكب فيه الدموع الغزارا
فقلبي من منذ زم المطي * ترحل عني إلى حيث سارا
فهل ناشد لي وادي العقيق * عنه فإني عدمت القرارا ؟
بروحي رشا فاتن فاتك * إذا ما انثنى هام فيه العذارا
ولما رنا باللحاظ انبرت * قلوب الانام لديه حيارا
ومن عجب انها لم تزل * تعاقب بالحد وهي السكارا
وأعجب من ذا رأينا بها * انكسارا يقود اليها انتصارا
ولم أر من قبله سافكا * دماء ولم يخش في القتل ثارا
يعير الغزالة من وجهه * ضياء ويسلب منها النفارا
ويحمي بمرهف أجفانه * جنيا من الورد والجلنارا
تملكني عنوة والهوى * إذا ما أغار الحذار الحذارا
يرق العذول إذا ما رأى * غرامي ويمنحني الاعتذارا
ومن رشقته سهام اللحاظ * فقد عز برء وناء اصطبارا
حنانيك لست بأول من * دعاه الغرام فلبى جهارا
ولا أنت أول صب جنى * على نفسه حين أضحى جبارا
ترفق بقلبك واستبقه * فقد حكم الوجد فيه وجارا
وعج عن حديث الهوى واقر عن * إلى مدح من في العلى لا يجارا
إمام توحد في المكرمات * ونال المعالي والافتخارا
وأدرك شأو العلى يافعا * وألبس شانيه منه الصغارا
سما في الكلام إلى غاية * وناهيك من غاية لا تبارا
مناقبه لا يطيق الذكي * بيانا لمعشارها وانحصارا

 

 

/  290 /


غدا كعبة لاقتداء الورى * وأضحى لباغي الكمال المنارا
إليه المفاخر منقادة * أبت غيره أن يكون الوجارا
هو البحر لا ينقضي وصفه * فحدث عن البحر تلق اليسارا
إذا أظلم البحر عن فكرة * توقد عاد لديه نهارا
يفيد لراجي المعالي على * ويمنح عافي نداه النضارا
وبكر تجرر أذيالها * إليك دلالا وتسعى بدارا
أتتك من الحسن في مطرف * تثنى قواما أبى الاهتصارا
تضوع عبيرا وتختال في * ملابس وشي أبت أن تعارا
تشكى إليك زمانا جنى * عليها بنوه وخانوا الذمارا
وهموا بإطفاء مقباسها * فلم يجدوا حين راموا اقتدارا
فباؤا بخفي حنين وقد * علاهم خسار ونالوا بوارا
وكيف وأنت الذي قد قدحت * زنادا ذكاها وأوريت نارا
فهاك عروسا ترجى بأن * يكون القبول لديها نثارا
ومنك إليك أتت إذ غدت * لها منشأ واضحا والنجارا
ودم واحد الدهر فرد الورى * تنال سموا وتحوي وقارا
مدى الدهر ما لاح شمس الضحى * وناوح بلبل روض هزارا
وواصل صبا حبيب وما * تذكر نجدا فحن ادكارا

 

وتوجد في (السلافة) من شعره مائة واثنان وعشرون بيتا غير ما ذكرناه،

وورث فضائله ومكارمه ولده الفاضل الصالح الشيخ إبراهيم بن محمد الحرفوشي نزيل طوس

(مشهد الامام الرضا عليه السلام (والمتوفى بها سنة 1080 كما ذكره شيخنا الحرفي) الامل (وقد قرأ على أبيه وغيره . 

 

 

/  291 /

 

القرن الحادي عشر

ابن أبي الحسن العاملي

المتوفى 1086

 

علي تعالى بالمكارم والفضل * واصحابكم قدما عكوف على العجل
أباه ذووا الشورى لما في صدورهم * تغلغل من حقد عليه ومن غل
وماذا عسى يا مرو أن ينفع الابا * وقد قال فيه المصطفى خاتم الرسل ؟ !
ونص عليه في (الغدير) بأنه * إمام الورى بالمنطق الصادع الفصل
فأودعتموها غير أهل بظلمكم * وأبعدتموها أي بعد عن الاهل
فآذوا رسول الله في منع بنته * تراثا لها يا ساء ذلك من فعل
وكم ركبوا غيا وجاؤا بمنكر ؟ * وكم عدلوا عن جانب الرشد والعدل ؟
مثالب لا تحصى عدادا وكثرة * أبى عدها عن أن يحيط به مثلي
كفرتم ولفقتم أحاديث جمة * بمدح أناس ساقطين ذوي جهل
ولم يكفكم حتى وضعتم مثالبا * لصنو رسول الله والمرتضى العدل
فقلتم ضلالا :  ساء حيدر أحمدا * بخطبته بنت اللعين أبي جهل (1)
على انه لو كان حقا وثابتا * فحاشاه أن يأبى ويغضب من حل
نسبتم إلى الهادي متابعة الهوى * وكذبتم فيه الاله بذا النقل

 

القصيدة ذكرها العلامة السيد أحمد العطار في الجزء الثاني من كتابه) الرائق)

 

الشاعر:

السيد نور الدين علي) الثاني (بن السيد نور الدين علي) الكبير (بن الحسين بن أبي الحسن الموسوي العاملي الجبعي . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) حديث هذه الخطبة يوجد في صحاح القوم ومسانيدهم . 

 

 

/  292 /

 

من أعيان الطائفة ووجوه أعلامها، وفي الطليعة من عباقرتها، جمع بين العلم والادب، وتحلى بأبراد الزهد والورع، كما كان أبوه أوحديا من أعلام بيت الوحي وفذا من أفذاذ العلم والفضيلة، وعلما من تلامذة شيخنا الشهيد الثاني . 

قرأ سيدنا المترجم له على أبيه السيد الشريف الطاهر، وعلى العلمين الحجتين صاحب

(المدارك (أخيه لابيه، والشيخ حسن بن الشيخ الشهيد الثانى أخيه لامه ويروي عنهما . 

ويروي بالاجازة عن الشيخين :  العرضي الحلبي (1) والبوريني الشامي (2) قال في إجازته للمولى محمد محسن :  إني أروي جانبا من مؤلفات العامة في المعقول والفقه والحديث عن الشيخين الجليلين المحدثين، أعلمي زمانهما، ورئيسي أوانهما : 

عمر العرضي الحلبي، وحسن البوريني الشامي، بالاجازه منهما بالطرق المفصلة عنهما في إجازتيهما إلي . 

ويروى عن السيد بالاجازة المولى محمد طاهر القمي المتوفى 1098 الآتي ذكره في هذا الجزء انشاء الله تعالى . 

والشيخ هاشم بن الحسين بن عبدالرؤف الاحسائي (3) . 

والشيخ أبوعبدالله الحسين بن الحسن بن يونس العاملي العيناثي الجبعي (4)

والمولى محمد حسن بن محمد مؤمن، باجازة مؤرخة بسنة 1051 (5) . 

والسيد محمد مؤمن بن دوست محمد الحسيني الاستر آبادي نزيل مكة المشرفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) عمر بن عبدالوهاب العرضى الحلبى الشافعى القادرى، المحدث الفقيه الكبير، مفتى حلب وواعظها، ولد بحلب سنة 950 وتوفى في شعبان سنة 1024 .  توجد ترجمته في خلاصة الاثر 3 :  215 . 

 (2) الشيخ حسن بن محمد بدرالدين البورينى الشافعى، له تآليف بديعة ورسائل كثيرة، وديوان شعر، ولد سنة 963، وتوفى في جمادى الاولى سنة 1024 .  ترجم له المحبى في الخلاصة 2 :  51 - 62 . 

 (3) راجع مستدرك الوسائل 3 :  407 . 

 (4) راجع اجازات البحار ص 159، 160 . 

 (5) توجد في اجازات البحار ص 141 . 

 

 

/  293 /

 

والشهيد بها سنة 1088 كان من تلمذة السيد المترجم له .  (1) توجد ترجمة هذا الشريف المؤمن في كتابنا (شهداء الفضيلة) . 

والمولى محمد باقر بن محمد مؤمن الخراساني السبزواري المتوفى سنة 1090 يروي عن شاعرنا الشريف كما في إجازته للمولى محمد شفيع (2) . 

والشيخ جعفر بن كمال الدين البحراني المتوفى 1091 (3) . 

والسيد أحمد نظام الدين المتوفى سنة 1086 والد السيد على خان المدني صاحب) السلافة (كما في (روضات الجنات) ص 413 . 

وأنت مهما اطلعت على ذكر شاعرنا) نورالدين (في المعاجم تجدها مزدانة بجمل الاطراء له، مشحونة بغرر ودرر في الثناء عليه، منضدة بأيدي أعلام العلم والدين، قال سيدنا صدرالدين المدني في (سلافة العصر) ص 302 :  طود العلم المنيف، وعضد الدين الحنيف، ومالك أذمة التأليف والتصنيف، الباهر بالرواية والدراية، والرافع لخميس المكارم أعظم راية، فضل يعثر في مداه مقتفيه، ومحل يتمنى البدر لو أشرق فيه، وكرم يخجل المزن الهاطل، وشيم يتحلى بها جيد الزمن العاطل، وصيت من حسن السمعة بين السحر والنحر . 

فسار مسير الشمس في كل بلدة * وهب هبوب الريح في البر والبحر

 

حتى كان رائد المجد لم ينتجع سوى جنابه، وبريد الفضل لم يقعقع سوى حلقة بابه، وكان له في مبدأ بالشام مجال لا يكذبه بارق العز إذا شام، بين إعزاز وتمكين، ومكان في جانب صاحبها مكين، ثم انثنى عاطفا عنانه وثانيه، فقطن بمكة شرفها الله تعالى وهو كعبتها الثانية، تستلم أركانه كما تستلم أركان البيت العتيق، وتستسنم أخلاقه كما يستسنم المسك العبيق، يعتقد الحجيج قصده من غفران الخطايا، وينشد بحضرته : 

تمام الحج أن تقف المطايا .  وقد رأيته بها وقد أناف على التسعين، والناس تستعين به ولا يستعين، والنور يسطع من أسارير جبهته، والعز يرتع في ميادين جدهته، ولم يزل بها إلى أن دعي فأجاب، وكأنه الغمام أمرع البلاد فانجاب، وكانت وفاته لثلاث عشرة بقين من ذي الحجة الحرام سنة ثمان وستين وألف رحمه الله تعالى، وله شعر يدل على علو محله، وابلاغه هدي القول إلى محله، فمنه قوله متغزلا :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع اجازات البحار ص 164 . 

 (2) راجع اجازات البحار ص 156 . 

 (3) راجع مستدرك الوسائل 3 :  389 . 

 

 

/  294 /

 

يا من مضوا بفؤادي عندما رحلوا * من بعد ما في سويد القلب قد نزلوا !
جاروا على مهجتي ظلما بلا سبب * فليت شعري إلى من في الهوى عدلوا ؟
وأطلقوا عبرتي من بعد بعدهم * والعين أجفانها بالسهد قد كحلوا
يامن تعذب من تسويفهم كبدي * ما آن يوما لقطع الحبل أن تصلوا ؟
جادوا على غيرنا بالوصل متصلا * وفي الزمان علينا مرة بخلوا
كيف السبيل إلى من في هواه مضى * عمري وماصدني عن ذكره شغل ؟
واحيرتي ضاع ما أوليت من زمن * إذ خاب في وصل من أهواهم الامل
في أي شرع دماء العاشقين غدت * هدرى وليس لهم نار إذا قتلوا ؟
يا للرجال من البيض الرشاق أما * كفاهم ما الذي بالناس قد فعلوا ؟
من منصفي من غزال ما له شغل * عني ولا عاقني عن حبه عمل ؟
نصبت أشراك صيدي في مراتعه * الصيد فني ولى في طرقه حيل
فصاح بي صائح :  خفض عليك فقد * صادوا الغزال الذي تبغيه يا رجل !
فصرت كالواله الساهي وفارقني * عقلي وضاقت علي الارض والسبل
وقلت :  بالله قل لي :  أين سار به * من صاده ؟ علهم في السير ما عجلوا
فقال لي :  كيف تلقاهم وقد رحلوا * من وقتهم واستجدت سيرها الابل ؟
وقوله مادحا بعض الامراء وهي من غرر كلامه : 
لك الفخر بالعليا لك السعد راتب * لك العز والاقبال والنصر غالب
لك المجد والاجلال والجود والعطا * لك الفضل والنعما لك الشكر واجب
سموت على هام المجرة رفعة * ودارت على قطبي علاك الكواكب
فيا رتبة لو شئت أن تبلغ السهى * بها أقبلت طوعا إليك المطالب
بلغت العلا والمجد طفلا ويافعا * ولا عجب فالشبل في المهد كاسب
سموت على قب السراحين صائلا * فكلت بكفيك القنا والقواضب

 

 

/  295 /

 

وحزت رهان السبق في حلبة العلا * فأنت لها دون البرية صاحب
وجلت بحومات الوغى جول باسل * فردت على أعقابهن الكتائب
فلا الذارعات المعتمات تكنها * ملابسها لما تحن المضارب
ولا كثرة الاعداء تغني جموعها * إذا لمعت منك النجوم الثواقب
خض الحتف لا تخش الردى واقهر العدى * فليس سوى الاقدام في الرأي صائب
وشمر ذيول الحزم عن ساق عزمها * فما ازدحمت إلا عليك المراتب
إذا صدقت للناظرين دلائل * فدع عنك ما تبدي الظنون الكواذب
ببيض المواضي يدرك المرء شاؤه * وبالسمر إن ضاقت تهون المصاعب
لاسلافك الغر الكرام قواعد * على مثلها تبنى العلى والمناصب
زكوت وحزت المجد فرعا ومحتدا * فآباؤك الصيد الكرام الاطايب
ومن يزك أصلا فالمعالي سمت به * ذرى المجد وانقادت إليه الرغائب
القصيدة

وتوجد ترجمته في (البحار) 25 ص 124، ورياض العلماء، وخلاصة الاثر 3 :  132 - 134، وروضات الجنات ص 530، والفوائد الرضوية 1 :  313، والكنى والالقاب 3 :  223، وقال صاحب (أمل الآمل) :  وقد رأيته في بلادنا وحضرت درسه بالشام أياما يسيرة وكنت صغير السن ورأيته بمكة ايضا أياما، وكان ساكنا بها أكثر من عشرين سنة، ولما مات رثيته بقصيدة طويلة ستة وسبعين بيتا أولها : 

على مثلها شقت حشا وقلوب * إذا شققت عند المصاب جيوب
لحى الله قلبا لا يذوب لفادح * نكاد له صم الصخور تذوب
جرى كل دمع يوم ذاك مرخما * وضاق فضاء الارض وهو رحيب
على السيد المولى الجليل المعظم * النبيل بعيد قد بكا وقريب
خبا نور دين الله فارتد ظلمة * إذا اغتاله بعد الطلوع مغيب
فكل جليل بعد ذاك محقر * وكل جميل بعد ذاك معيب
فمن ذا يمير السائلين وقد قضى ؟ * ومن لسؤال السائلين يجيب ؟
ومن ذا يحل المشكلات بفكره * يبين خفي العلم وهو غيوب ؟

 

 

/  296 /

 

ومن ذا يقوم الليل لله داعيا * إذا عز داع في الظلام منيب ؟
ومن ذا الذي يستغفر الله في الدجى * ويبكي دما إن قارفته ذنوب ؟
ومن يجمع الدنيا مع الدين والتقى * مع الجاه ؟ إن المكرمات ضروب
لتبك عليه للهداية أعين * ومدمعها منها عليه صبيب
وتبك عليه للتصانيف مقلة * تقاطر منها مهجة وقلوب
القصيدة

وقال :  كان عالما فاضلا أديبا شاعرا منشيا جليل القدر عظيم الشأن، وله كتاب شرح مختصر النافع لم يتم، وكتاب الفوائد المكية، وشرح الاثنى عشرية (1) الصلاتية للشيخ البهائي، وغير ذلك من الرسائل 1 ه‍ وله رسالة في تفسير آية مودة ذي القربى، ورسالة غنية المسافر عن المنادم والمسامر . 

وورثه على فضائله وفواضله ولده السيد جمال الدين بن نور الدين علي بن الحسين بن أبي الحسن الحسيني الدمشقي، قرأ بدمشق على العلامة السيد محمد بن حمزة نقيب الاشراف، ثم هاجر إلى مكة وأبوه ثمة في الاحياء فجاور بها مدة، ثم دخل اليمن أيام الامام أحمد بن الحسن فعرف حقه من الفضل، ومدحه بقصيدة مطلعها : 

خليلي عودا لي فياحبذا المطل * إذا كان يرجى في عواقبه الوصل (2)

 

ثم فارق اليمن، ودخل الهند، فوصل إلى حيدر آباد وصاحبها يومئذ الملك ابوالحسن، فاتخذه نديم مجلسه، وأقبل عليه بكليته، ولما طرقت النكباء أبا الحسن من سلطان الهند الاعظم وحبس، انقلب الدهر على السيد جمال الدين فبقي مدة في حيدرآباد إلى أن مات بها في سنة ثمان وتسعين وألف، كما أخبرني بذلك أخوه روح الادب السيد علي بمكة المشرفة . 

كذا ترجمه المحبي في (خلاصة الاثر) 1 :  494، وأثنى عليه صاحب (أمل الآمل) ص 7 وقال :  عالم فاضل محقق مدقق ماهر أديب شاعر، كان شريكنا في الدروس عند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أسماه في اجازته للمولى محمد محسن بالانوار البهية . 

 (2) ذكر منها المحبى في) الخلاصة (خمسة عشر بيتا . 

 

 

/  297 /

 

جماعة من مشايخنا، سافر إلى مكة وجاور بها، ثم إلى مشهد الرضا عليه السلام ثم إلى حيدر آباد، وهو الآن ساكن بها، مرجع فضلائها وأكابرها، وله شعر كثير من معميات و غيرها، وله حواش وفوائد كثيرة، ومن شعره قوله : 

قد نالني فرط التعب * وحالني من العجب
فمن أليم الوجد * في جوانحي نار تشب
ودمع عيني قد جرى * على الخدود وانسكب
وبان عن عيني الحمى * وحكمت يد النوب
ياليت شعري هل ترى * يعود ما كان ذهب ؟
يفدي فؤادي شادنا * مهفهفا عذب الشنب
بقامة كأسمر * بها النفوس قد سلب
ووجنة كأنها * جمر الغضا إذا التهب

 

فذكر شطرا من شعره فقال :  وقد كتبت إليه مكاتبة منظومة اثنين وأربعين بيتا أذكر منها

أبياتا : 

سلام وإكرام وأزكى تحية * تعطر أسماع بهن وأفواه
وأثنيته مستحسنات بليغة * تطابق فيها اللفظ حسنا ومعناه
وأشرف تعظيم يليق بأشرف * الكرام وأحلى الوصف منه وأعلاه
اقبل ارضا شرفتها نعاله * وابدي بجهدي كل ما قد ذكرناه
من المشهد الاقصى الذي من ثوى به * ينل في حماه كل ما تيمناه
إلى ما جد تعنو الانام ببابه * فتدرك أدنى العز منه وأقصاه
وأضحى ملاذا للانام وملجأ * يخوضون في تعريفه كلما فاهوا
فتى في يديه اليمن واليسر للورى * فلليمن يمناه ولليسر يسراه
جناب الامير الامجد الندب سيدي * جمال العلى والدين أيده الله
وبعد :  فإن العبد ينهي صبابة * تناهت ووجدا ليس يدرك أدناه
ويشكو فراقا أحرق القلب ناره * وقد دك طود الصبر منه وأفناه
وإنا وإن شطت بكم غربة النوى * لنحفظ عهد الود منكم ونرعاه

 

 

/  298 /

 

وقد جائني منكم كتاب مهذب * فبدل همي بالمسرة مرآه
فلا تقطعوا أخباركم عن محبكم * فإن كتابا من حبيب كلقياه
وإني بخير عن ان فراقكم * أذاب فؤادي بالغرام وأصماه (1)
واهدي سلامي والتحية والثنا * وألطف مدح مع دعاء تلوناه
إلى الاخوة الامجاد قرة مقلتي * أحبه قلبي خير ما يتمناه
إلى أن قال : 

إليكم تحيات أتت من عبيدكم * محمد الحر الذي أنت مولاه
وفي صفر تاريخه عام ستة * وسبعين بعد الالف بالخير عقباه

 

وأوعز إلى ذكره الجميل صاحب (روضات الجنات) ص 155 في ذيل ترجمة لسيد جمال الدين الجرجاني، وذكره ابن أخيه السيد عباس بن علي في (نزهة الجليس) وتوجد ترجمته في (بغية الراغبين) وفيه :  انه قرأ على أبيه وجماعة، وروى عن أبيه وعن جده لامه الشيخ نجيب الدين.  وذكره القمي في (الفوائد الرضوية) 1 :  84، وجمع شتات ترجمته سيد الاعيان في الجزء السادس عشر ص 383 - 390

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أصمى الصيد :  رماه فقتله مكانه . 

 

 

 

/  299 /

 

القرن الحادي عشر

الشيخ حسين الكركي

المتوفى 1076

فخاض (أميرالمؤمنين) بسيفه * لظاها وأملاك السماء له جند
وصاح عليهم صيحة هاشمية * تكاد لها الشم الشوامخ تنهد
غمام من الاعناق تهطل بالدما * ومن سيفه برق ومن صوته رعد
وصي رسول الله وارث علمه * ومن كان في خم له الحل والعقد
لقد ضل من قاس الوصي بضده * وذوالعرش يأبى أن يكون له ند
القصيدة (1)

الشاعر :

الشيخ حسين بن شهاب الدين بن حسين بن خاندار (2) الشامي الكركي العاملي، هو من حسنات عاملة، ومن العلماء المشاركين في العلوم المتضلعين منها، أما حظه من الادب فوافر، ولعلك لا تدري إذا سرد القريض أنه هل نظم درا، أوصاغ تبرا . 

ذكره معاصره في) الامل (وقال :  كان عالما فاضلا ماهرا أديبا شاعرا منشيا ؟

من المعاصرين له كتب منها :  شرح نهج البلاغة، وعقود الدرر في حل أبيات المطول والمختصر، وحاشية المطول، وكتاب كبير في الطب، وكتاب مختصر فيه، وحاشية البيضاوي، ورسائل في الطب وغيره، وهداية الابرار في اصول الدين، ومختصر الاغاني، وكتاب الاسعاف ورسالة في طريقه، وديوان شعره، وأرجوزة في النحو، أرجوزة في المنطق، وغير ذلك وشعره حسن جيد خصوصا مدائحه لاهل البيت عليهم السلام، سكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) اخذناها من (أمل الامل) نقلها عن خط ناظمها . 

 (2) في خلاصة الاثر :  جاندار . 

 

 

/  300 /

 

اصفهان مدة ثم حيدرآباد سنين ومات بها، وكان فصيح اللسان، حاضر الجواب، متكلما حكيما، حسن الفكر، عظيم الحفظ والاستحضار، توفي في سنة 1076 وكان عمره 68 سنة .  ا ه‍

وبالغ في الثناء عليه السيد المدني في) السلافة (ص 355 ومما قال :  طود رسى في مقر العلم ورسخ، ونسخ خطة الجهل بما خط ونسخ .  علا به من حديث الفضل اسناده، وأقوى به من الادب أقواؤه ؟ وسناده .  رأيته فرأيت منه فردا في الفضائل وحيدا، وكاملا لا يجد الكمال عنه محيدا .  تحل له الحبى وتعقد عليه الخناصر، أو في على من قبله وبفضله اعترف المعاصر .  يستوعب قماطر العلم حفظا بين مقروء ومسموع، ويجمع شوارد الفضل جمعا هو في الحقيقة منتهى الجموع، حتى لم ير مثله في الجد على نشر العلم وإحياء مواته، وحرصه على جميع أسبابه وتحصيل أدواته .  كتب بخطه ما يكل لسان القلم عن ضبطه، واشتغل بعلم الطب في أواخر عمره، فتحكم في الارواح و الاجساد بنهيه وأمره . 

ثم ذكر انتقاله وتجوله في البلاد، وقدومه على والده سنة اربع وسبعين، ووفاته يوم الاثنين لاحدى عشرة بقيت من صفر سنة ست وسبعين وألف عن أربع وستين سنة تقريبا .  وذكر من شعره مائتين وواحدا وعشرين بيتا .  ومنها قوله : 

يا شقيق البدر ! أخفى * فرعك المسدول بدرك
فارحم العشاق واكشف * يا جميل الستر سترك

 

وقوله : 

جودي بوصل أو ببين * فاليأس إحدى الراحتين
أيحل في شرع الهوى * أن تذهبي بدم الحسين ؟

 

وقوله : 

ولقد تاملت الزمان وأهله * فرأيت نار الفضل فيهم خامده
فتن تجوش ودولة قد حازها * أهل الرذالة والعقول الفاسده
فقلوبهم مثل الحديد صلابة * وأكفهم مثل الصخور الجامده
فرأيت أن الاعتزال سلامة * وجعلت نفسي واو عمر والزائده

 

 

/ 301 /

 

ومن شعره المذكور في (أمل الآمل) قوله . 

رضيت لنفسي حب آل محمد * طريقة حق لم يضع من يدينها
وحب علي منقذي حين يحتوي * لدى الحشر نفس لا يفادى رهينها

 

وقوله من قصيدة : 

أبا حسن ! هذا الذي استطيعه * بمدحك وهو المنهل السائغ العذب
فكن شافعي يوم المعاد ومونسي * لدى ظلمات اللحد إذ ضمني الترب

 

ومن شعره قوله (1) : 

ما لاح برق من ربى حاجر * إلا استهل الدمع من ناظري
ولا تذكرت عهود الحمى * إلا وسار القلب عن سائري
أواه كم أحمل جور الهوى ؟ * ما أشبه الاول بالآخر ؟
يا هل ترى يدري نؤوم الضحى * بحال ساه في الدجى ساهر ؟
تهب إن هبت يمانية * أشواقه للرشأ النافر
يضرب في الآفاق لا يأتلي * في جوبها كالمثل السائر
طورا تهاميا وطورا له * شوق إلى من حل في الحائر
كأن مما رابه قلبه * علق في قادمتي طائر

 

ومنها : 

يطيب عيشي في ربى ظبية * بقرب ذاك القمر الزاهر
(محمد) البدر الذي أشرق ال‍ * ـكــون بباهي نوره الباهر
كونه الرحمن من نوره * من قبل كون الفلك الدائر
حتى إذا أرسله للهدى * كالشمس يغشي ناظر الناظر
أيده بالمرتضى حيدر * ليث الحروب الاروع الكاسر
فكان مذ كان نصيرا له * بورك في المنصور والناصر
يجندل الابطال يوم الوغى * بذي الفقار الصارم الباتر

 

توجد ترجمة شاعرنا (الحسين) في خلاصة الاثر 2 :  90 - 94، ورياض الجنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخذنا أبياتا منه من (أمل الامل) وعدة أبيات من (خلاصة الاثر) . 

 

 

/  302 /

 

في الروضة الرابعة لسيدنا الزنوزي، وإجازات البحار ص 125 لشيخنا العلامة المجلسي، وروضات الجنات ص 193، 557، وتتميم أمل الآمل لابن أبي شبانة، ونجوم السماء ص 93، وسفينة البحار 1 :  273، وأعيان الشيعة 26 :  138 - 156، والفوائد الرضوية 1 :  135، وشهداء الفضيلة ص 123، وذكره صاحب (معجم الاطباء) ص 171 وأثنى عليه وقال :  وذكره البديعي في كتابه (ذكرى حبيب) وقال فيه :  هو ثاني أبي الفضل البديع الهمداني، وثالث ابن الحجاج والواساني، وقد دون مدايحه وسماها (كنز اللآلي (وجمع أهاجيه ووسمها ب‍) السلاسل والاغلال (اشتغل بعلم الطب في آخر عمره .  إلخ رحم الله معشر السلف.

 

 

/  303 /

 

القرن الحادي عشر

القاضي شرف الدين

المتوفى 1079

 

لو كان يعلم أنها الاحداق * يوم النقا ما خاطر المشتاق
جهل الهوى حتى غدا في اسره * والحب ما لاسيره إطلاق
يا صاحبي وما الرفيق بصاحب * إن لم يكن من دأبه الاشفاق
هذا لنقا حيث النفوس تباح و * الالباب تشرق والدماء تراق
حيث الظباء لهن شوق في الهوى * فيه لارباب العقول نفاق
وحذار من تلك الظباء فمالها * في الحب لا عهد ولا ميثاق
كالبدر إلا أنه في تمه * لا يختشى أن يعتريه محاق
كالغصن لكن حسنه في ذاته * والغصن زانت قده الاوراق
مهما شكوت له الجفاء يقول لي * :  ما الحب إلا جفوة وفراق
أو أشتكي سهري عليه يقل :  متى * نامت لمن حل الهوى آماق ؟
أو قلت :  قد أشرقتني بدامعي * قال :  الاهلة شأنها الاشراق
كنت الخلي فعرضتني للهوى * يوم النوى الوجنات والاحداق

 

إلى أن قال : 

ولقد أقول لعصبة زيدية * وخدت بهم نحو العراق نياق
بأبي وبي وبطارفي وبتالدي * من يمموه ومن إليه تساق
:  هل منة في حمل جسم حل في * أرض الغري فؤاده الخفاق ؟
أسمعتهم ذكر الغري وقد سرت * بعقولهم خمر السرى فأفاقوا
حبا لمن يسقي الانام غدا ومن * تشفى بترب نعاله الاحداق
لمن استقامت علة الباري به * وعلت وقامت للعلا أسواق

 

 

/  304 /

 

ولمن إليه حديث كل فضيلة * من بعد خبر المرسلين يساق
لمحطم اللدن الرماح وقد غدا * للنقع من فوق الرماح رواق
لفتى تحيته لعظم جلاله * من زايريه الصمت والاطراق
صنو النبي وصهره يا حبذا * الصنوان قد وشجتهما الاعراق
وأبوالاولى فاقوا وراقوا والاولى * بمديحهم تتزين الاوراق
انظر إلى غايات كل فضيلة * أسواه كان جوادها السباق ؟
وامدحه لا متحرجا في مدحه * إذ لا مبالغة ولا إغراق
ولاه أحمد في) الغدير (ولاية * أضحت مطوقة بها الاعناق
حتى إذا أجرى إليها طرفه * حادوه عن سنن الطريق وعاقوا
ما كان أسرع ما تناسوا عهده * ظلما وحلت تلكم الاطواق ؟
شهدوا بها يوم) الغدير (لحيدر * إذ عم من أنوارها الاشراق
القصيدة (1)

 

الشاعر:

القاضي شرف الدين الحسن بن القاضي جمال الدين علي بن جابر بن صلاح بن أحمد بن صلاح بن أحمد بن ناحي بن أحمد بن عمر بن حنظل بن المطهر بن علي الهبلي (2) الخولاني اليمني الصنعاني، أحد أعلام اليمن وأعيانها الادباء، كان عالما كاتبا شاعرا، له ديوان تسمى بقلائد الجواهر، وفي (نسمة السحر) :  ان اليمن لم تلد أشعر منه من أول الدهر إلى وقته، ومن منثور كتاباته تقريظ على (سمط اللئالي) تأليف السيد أبي الحسن (3) إسماعيل بن محمد ومن شعره : 

مشروطة خطرت ترنح قامة * يخزي الذوابل لينها وشطاطها
قامت قيامة عاشقيها في الهوى * مذ أسفرت وبدت لهم أشراطها

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تجدها في نسمة السحر فيمن تشيع وشعر ج 1 . 

 (2) بفتح الهاء والموحدة بعدها، بيت كبير من خولان . 

 (3) احد ائمة اليمن له شهرة طايلة بها، توفى سنة 1079، توجد ترجمته في خلاصة الاثر للمولى المحبى ج 1 ص 416. 

 

 

/  305 /

 

توفي بصنعاء وهو شاب في صفر سنة 1079 ورثاه والده وغيره . 

وذكره صاحب (خلاصة الاثر) وأطراه وأثنى عليه في الكتاب ج 2 ص 30 و ذكر كثيرا من شعره ومما رواه قوله : 

أين استقر السفر الاول * عما قريب بهم ننزل ؟
مروا سراعا نحو دار البقا * ونحن في آثارهم نرحل
ما هذه الدنيا لنا منزلا * وإنما الآخرة المنزل
قد حذرتنا من تصاريفها * لو أننا نسمع أو نعقل
يطيل فيها المرء آماله * والموت من دون الذي يأمل
يحلو له ما مر من عيشها * ودونه لو عقل الحنظل
ألهته عن طاعة خلاقه * والله لا يلهو ولا يغفل
يا صاح ! ما لذة عيش بها * والموت ما تدري متى ينزل ؟
يدعو لي الاحباب من بيننا * يجيبه الاول فالاول
يا جاهلا يجهد في كسبها * أغرك المشرب والمأكل ؟
ويا أخا الحرص على جمعها ! * مهلا فعنها في غد تسأل
لا تتعبن فيها ولا تأسفن * لما مضى فالامر مستقبل
ما قولنا بين يدي حاكم * يعدل في الحكم ولا يعزل ؟
ما قولنا لله في موقف * يخرس فيه المصقع المقول ؟
وإن سألنا فيه عن كل ما * نقول في الدنيا وما نفعل
ما الفوز للعالم في علمه * وإنما الفوز لمن يعمل

 

وقوله وفيه الجناس الكامل : 

رويدك من كسب الذنوب فأنت لا * تطيق على نار الجحيم ولا تقوى
أترضى بأن تلقى المهيمن في غد * وأنت بلا علم لديك ولا تقوى ؟

 

 

/  306 /

 

القرن الحادى عشر

السيد ابوعلى الانسي

المتوفى 1079

 

أمر الله في التنازع بالرد * إليه سبحانه وتعالى (1)
وإلى خير خلقه سيد الرسل * وأزكاهم فعالا مقالا
فلماذا غدا التنازع في أمر * عظيم قد خالفوه ضلالا ؟
حكمت في مقام خير البرايا * حين ولى تيها رجال رجالا
فأبن لي ما حال من خالف الله * ومن صير الحرام حلالا ؟ !
واعرض القول في الجواب على * ما أنزل الله واطرح الاقوالا
زعم النص في الوصي خفيا * من رمى النصب أصغريه وغالا
وحديث) الغدير (يكفيه مما * قال فيه) محمد (واستقالا
غير أن الضغاين القرشيات * بها كانت الليالي حبالا (2)

 

الشاعر:

السيد أبوعلي أحمد بن محمد الحسني اليمني الانسي (3) أحد أعيان اليمن ومؤلفيها الافاضل من الجارودية، ذكره صاحب (نسمة السحر) ج 1 وأطراه، وله شعر كثير في العقايد، وكان المتوكل يتقي لسانه حتى أنه دخل إليه يوما بالسودة فجعل يعاتبه على تقصيره في حقه فقضى له جميع حوائجه، وقال :  أنا لا استحل أن أرد حاجة واحدة من حوائجك .  فقال السيد :  وأحتاج إلى هذه الوسادة الهندية التي تحتك .  فقام المتوكل عنها وأخذها السيد ومدحه بشعره، توفي سنة 1079 وورث أدبه الباهر ولده السيد أحمد الآتي ذكره في القرن الآتي . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أشار إلى قوله تعالى :  فان تنازعتم في شيئ فردوه إلى الله والرسول .  النساء 59 . 

 (2) ذكرها صاحب نسمة السحر في ج 1 . 

 (3) بفتح الهمزة وكسر النون نسبة إلى مخلاق انس وهى مدينة معروفة باليمن . 

 

 

/  307 /

 

القرن الحادي عشر

السيد شهاب الموسوي

المولود 1025 المتوفى 1087

 

خلط الغرام الشجو في أمشاجه * فبكى فخلت بكاه من أوداجه

 

إلى أن قال : 

نور مبين قد أنار دجى الهدى * ظلم الضلالة في ضياء سراجه
و (غدير خم) بعد ما لعبت به * ريح الشكوك وآض من لجلاجه
أمطرته بسحابة سميتها * (خير المقال) وضاق في أمواجه
وأبنت في نكت البيان عن الهدى * فأريتنا المطموس من منهاجه
وكذلك منتخب من التفسير لم * تنسج يدا أحد على منساجه

 

هذه الابيات توجد في ديوانه ص 140 من قصيدة تبلغ 40 بيتا قالها سنة 1087 يمدح بها السيد علي خان المشعشعي (1) ويذكر كتابه (خير المقال) في الامامة وفيه ذكر حديث غدير خم، والمقرظ كما تراه يثبت في شعره حديث الغدير ويسمي ورطات القالة حول دلالته شكوكا، ولذلك ذكرناه في عداد شعراء الغدير . 

 

الشاعر:

السيد شهاب بن أحمد بن ناصر بن حوزي بن لاوي بن حيدر بن المحسن بن محمد مهدي المتوفى في شهر شعبان سنة 844 - ابن فلاح (2) بن مهدي بن محمد بن أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن الرضا بن إبراهيم بن هبة الله بن الطيب بن أحمد بن محمد ابن القاسم بن محمد أبي الفخار ابن أبي علي نعمة الله بن عبدالله بن أبي عبدالله جعفر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاتى ترجمته بعد هذه الترجمة . 

 (2) وفى نسخة ان فلاحا ابن لاحمد من غير واسطة، وفي نسخة السيد ناجى :  ان فلاحا ابن محمد بن أحمد (تحفة الازهار)

 

 

/  308 /

 

الاسود الملقب بارتفاح ابن موسى بن محمد بن موسى ابن أبي جعفر عبدالله العولكاني ابن الامام موسى الكاظم عليه السلام الحويزي . 

كان المترجم له من عباقرة شعراء أهل البيت عليهم السلام فخم اللفظ، جزل المعنى، قال السيد ضامن بن شدقم في (تحفة الازهار ج 3) :  كان سيدا جليلا، حسن الاخلاق، كريم الاعراق، فصيحا أديبا شاعرا ثم ذكر نبذا من شعره، وذكره صاحب (تاريخ آداب اللغة العربية) ج 3 ص 280 وقال :  إنه مشهور برقته .  وقال البستاني في دائرة المعارف ج 10 ص 589 :  إنه من أعيان القرن الحادي عشر توفي سنة 1082، وكان له شعر رقيق، وسجع منسجم ومن شعره قوله : 

ولي قمر منير ضاع مني * بنقطة خاله المسكي نسكي
تقبأ بالظلام لاجل خذلي * وعمم بالصباح لاجل هتكي

 

وله من قصيدة تقرأ طولا وعرضا وطردا وعكسا على أنحاء شتى : 

فخر الورى حيدري عم نائله * فخر الهدى ذوالمعالي الباهرات علي
نجم السهى فلكيات مراتبه * مأوى السنانير يسمو على زحل
ليث الشرى قبس تهمى أنامله * غيث الندى مورد أشهى من العسل
بدر البها افق تبدو كواكبه * شمس الدنا صبح ليل الحادث الجلل
طود النهى عند بيت المال صاحبه * سمط الثنا زينة الاجيال والدول

 

وله ديوان معروف مطبوع في مصر سنة 1221 مرة، وسنة 1290 ثانية، و 1302 اخرى و 1320 رابعة، وقد جمعه ولده السيد معتوق فسمى باسمه وترجم في أوله والده وذكر إنه ولد سنة 1025 وتوفي يوم الاحد 14 شوال 1087 وهو أعرف بشؤن والده وحياته ووفاته من (البستاني) الذي وهم فأرخ وفاته بسنة 1082 وأرخها النبهاني في المجموعة النبهانية ج 4 ص 15 بسنة 1087 . 

وترجمه الاسكندري في (الوسيط) ص 315 وقال :  شاعر العراق في عصره . 

وسابق حلبته في رقة شعره، ولد سنة 1025 ونشأ بالبصرة، وبها تعلم وتأدب، وقال الشعر وأجاده، وكان في نشأته فقيرا، فاتصل بالسيد علي خان أحد امراء البصرة من قبل الدولة الصفوية الايرانية، وكانت وقتئذ تملك العراق والبحرين، ومدحه مدحا

 

 

/  309 /

 

رقيقة، وأكثر شعره مقصور عليه وعلى آل بيته فغمره بإحسانه . 

وابن معتوق من كبار الشيعة لنشوه في دولة شيعية غالية، فأفرط في التشيع في شعره، وجاء في مدح علي والشهيدين بما يخرج عن حد الشرع والعقل، ويمتاز شعره بالرقة وكثرة الاستعارات والتشبيهات حتى لتكاد الحقيقة تهمل فيه جملة 10 ه‍ . 

قال الاميني :  لم يكن شاعرنا أبومعتوق العلوي نسبا ومذهبا، العلوي نزعة وأدبا، ببدع من بقية موالي أهل بيت الوحي صلوات الله عليهم وشعرائهم المقتصدين البعيدين عن كل إفراط وغلو، المتقصين أثر الشرع والعقل في ولاء آل الله، ومديح فئة النبوة، وحملة أعباء الخلافة، وكذلك الدولة الصفوية العلوية لم تكن كما حسبه الاسكندري غالية في التشيع، وكلما أثبته الشاعر واعتقدت به دولة المجد الصفوى من فضائل لسروات المكارم من أئمة الهدى صلوات الله عليهم هي حقايق راهنة يخضع لها العقل، ولا يأباه المنطق، وهي غيره مستعصية على الاصول المسلمة من الدين، وأما هذا الذي قذفه وإياهم من الغلو والافراط والخروج عن حد الشرع والعقل فإنما هو من وغر الصدر الذي لم يفتأ تغلي به مراجل الحقد منذ أمد بعيد، ومنذ تشظى عن الحزب العلوي خصمائهم الالداء، فهملجوا مع الافك، وارتكضوا مع هلجات الباطل، وإلا فهذا ديوان أبي معتوق بمطلع الاكمة من القارئ، وتلك صحيفة تاريخ الصفوية البيضاء في مقربة من مناظر الطالبين، وكل منهما على ما وصفناه، لكن الاسكندري راقه القذف فقال، وليست هذه بأول قارورة كسرت في الاسلام، ونحن عرفناك الفئة الغالية، وانها غير الشيعة، والله هو الحكم العدل . 

***