فهرس الجزء الحادي عشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

/  16 /

 

معاوية وشيعة أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

 

لم يبرح معاوية مستصغرا كل كبيرة في توطيد سلطانه، مستسهلا دونه كل صعب، فكان من الهين عنده في ذلك كل بائقة، ومن ذلك دؤبه على سفك دماء الشيعة - شيعة الامام الطاهر - في أقطار حكومته، وفي جميع مناطق نفوذه، واستباحة أموالهم وأعراضهم، وقطع اصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم، ولم يستثن النساء، وهم المعنيون بثناء صاحب الرسالة صلى الله عليه وآله عليهم السابقة أحاديثه في الجزء الثالث ص 78 ط 2 .

وهب أن هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوة، أو أن روايته لم تبلغ ابن آكلة الاكباد، فهل هم خارجون عن ربقة الاسلام المحرم للنفوس والاموال والحرمات بكتابه وسنة نبيه ؟ وهل اقترفوا إثما لا يغفر أو عثروا عثرة لا تقال غير ولا يتهم لامام أجمع المسلمون على خلافته وحث النبي صلى الله عليه وآله امته على اتباعه وولاء‌ه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته ؟ أو أن ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كل تلكم الاحكام الواردة في الكتاب والسنة ؟ أو انه لا يتحوب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدماء ولوغا ؟ ! . 

بعث بسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حي، وبعث معه جيشا آخر، وتوجه برجل من عامر ضم اليه جيشا آخر، ووجه الضحاك بن قيس الفهري في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كل من وجدوه من شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفوا أيدهم عن النساء والصبيان .  فمر بسر لذلك على وجهه حتى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناسا من أصحاب علي عليه السلام وأهل هواه، وهدم بها دورا، ومضى إلى مكة فقتل نفرا من آل أبي لهب، ثم أتى السراة فقتل من بها من أصحابه، وأتى نجران فقتل عبدالله بن عبدالمدان الحارثي وابنه، وكانا من

 

/  17 /

 

أصهار بني العباس عامل علي عليه السلام، ثم أتى اليمن وعليها عبيدالله بن العباس عامل علي بن أبي طالب وكان غائبا، وقيل :  بل هرب لما بلغه خبر بسر فلم يصادفه بسر ووجد ابنين له صبيين فأخذهما بسر لعنه الله (1) وذبحهما بيده بمدية كانت معه، ثم انكفأ راجعا إلى معاوية . 

وفعل مثل ذلك سائر من بعث به، فقصد العامري إلى الانبار فقتل ابن حسان البكري وقتل رجالا ونساء من الشيعة قال أبوصادقة (2) أغارت خيل لمعاوية على الانبار فقتلوا عاملا لعلي عليه السلام يقال له :  حسان بن حسان، وقتلوا رجالا كثيرا ونساء، فبلغ ذلك علي بن أبى طالب صلوات الله عليه فخرج حتى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال : 

إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة، وشمله البلاء، وريب بالصغار، وسيم الخسف، وقد قلت لكم :  أغزوهم قبل أن يغزوكم فانه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا .  فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، هذا أخو عامر قد جاء الانبار فقتل عاملها حسان بن حسان وقتل رجالا كثيرا ونساء، والله بلغني انه كان يأتي المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما، فلو أن امرء‌ا مسلما مات دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما بل كان به جديرا .  الحديث . 

أصاب ام حكيم بنت قارظ - زوجة عبيدالله وله على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلا إلى قول من أعلمها انهما قد قتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الابيات :

يا مـــــن أحس بابنــــي اللذين هما * كالـــــدرتين تشظــى عنهما الصدف

يا مـــــن أحـــس بابني اللذين هما * سمعــــي وقلبي فقلبي اليوم مردهف

يا مـــــن أحـــس بابني اللذين هما * مـــــخ العظـــام فمخي اليوم مختطف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا جاء في غير موضع من لفظ الحديث . 

 (2) أخرجه أبوالفرج مسندا حذفنا إسناده روما للاختصار . 

 

 

/  18 /

نبئــــت بسرا وما صدقت ما زعموا * من قولهم ومن الافك الذي اقترفوا

انحــــى علــــى ودجـي ابني مرهفة * مشحــــوذة وكــــذاك الافــك يقترف

حتــــى لقيــــت رجــــالا من ارومته * شـــم الانوف لهم في قومهم شرف

فــــالآن ألعــــن بســــرا حــق لعنته * هــــذا لعمـــر أبي بسر هو السرف

مــــن دل والهــــة حــــرى مـــولهة * علــــى صبييـن ضلا إذ غدا السلف

قالوا :  ولما بلغ على بن أبي طالب عليه السلام قتل بسر الصبيين جزع لذلك جزعا شديدا، ودعا على بسر لعنه الله فقال :  اللهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتى تسلبه عقله .  فأصابه ذلك وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زق منفوخ فلا يزال يضربه حتى يسأم (1) . 

 

صورة مفصلة :

لقد أشن الغارة معاوية على شيعة اميرالمؤمنين عليه السلام سنة 39 وفرق جيوشه في أصقاع حكومته عليه السلام واختارا ناسا ممن لا خلاق لهم لقتل أولئك الابرياء أينما كانوا وحيثما وجدوا، فوجه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر . 

ووجه سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره أن يأتي) هيت (فيقطعها ثم يأتي الانبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى) هيت (ثم أتى الانبار وطمع في أصحاب علي عليه السلام لقتلهم فقاتلهم فصبر أصحاب علي ثم قتل صاحبهم أشرس بن حسان البكري وثلاثون رجلا، واحتملوا ما في الانبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية . 

ووجه عبدالله بن مسعدة بن حكمة الفزاري) وكان أشد الناس على على (في ألف وسبعمائة إلى ثيماء، وأمره أن يصدق من مر به من أهل البوادى ويقتل من امتنع، ففعل ذلك وبلغ مكة والمدينة وفعل ذلك . 

ووجه الضحاك بن قيس وأمره أن يمر بأسفل واقصة ويغير على كل من مر به ممن هو في طاعة علي عليه السلام من الاعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاغانى 15 :  44 - 47، تاريخ ابن عساكر 3 :  223، الاستيعاب 1 :  65، النزاع والتخاصم ص 13، تهذيب التهذيب 1 :  435، 436 . 

 

 

/  19 /

 

وأخذ الاموال، ومضى إلى الثعلبية وقتل وأغار على مسلحة علي، وانتهى إلى القطقطانة، فلما بلغ عليا أرسل إليه حجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلا، وقتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحاك وأصحابه ورجع حجر ومن معه.

ووجه عبدالرحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح . 

ووجه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة علي، فأخذ من اهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع . 

ووجه زهير بن مكحول العامري إلى السماوة، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليا فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبدالله الاشجعي ليصدقوا من في طاعته من كلب وبكر، فوافوا زهيرا فاقتتلوا فانهزم أصحاب علي وقتل جعفر بن عبدالله . 

وبعث سنة 40 بسر بن أرطاة في جيش فسار حتى قدم المدينة وبها أبوأيوب الانصاري عامل علي عليها، فهرب أبوأيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد فصعد منبرها فنادى عليه :  يا دينار ! ويا نجار ! ويا زريق ! (1) شيخي شيخي عهدي به بالامس فأين هو ؟ يعني عثمان - ثم قال :  يا أهل المدينة ! والله لولا ما عهد إلي معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته .  فأرسل إلى بني سلمة فقال :  والله ما لكم عندي أمان حتى تأتوني بجابر بن عبدالله .  فانطلق جابر إلى ام سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله فقال لها :  ماذا ترين ؟ ان هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن اقتل .  قالت :  أرى أن تبايع فاني قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبدالله بن زمعة أن يبايعا، فأتاه جابر فبايعه، وهدم بسر دورا بالمدينة، ثم سار إلى مكة فخاف أبوموسى أن يقتله فهرب، وكتب أبوموسى إلى اليمن :  إن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل الناس، تقتل من أبى أن يقر بالحكومة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه بطون من الانصار . 

 

 

/  20 /

 

ثم مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيدالله بن عباس عاملا لعلي فهرب منه إلى علي بالكوفة، واستخلف عبدالله بن عبدالمدان الحارثي فأتاه بسر فقلته وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيدالله بن عباس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما :  عبدالرحمن وقثم، وقال بعض :  إنه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلما أراد قتلهما قال له الكناني :  لم تقتل هذين ولا ذنب لهما ؟ فإن كنت قاتلهما فأقتلني معهما، قال :  أفعل .  فبدأ بالكناني فقتله ثم قتلهما .  فخرجت نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن :  يا هذا ! قتلت الرجال، فعلام تقتل هذين ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية والاسلام، والله يابن أرطاة إن سلطانا لا يقوم إلا بقتل الصبي الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرحمة، وعقوق الارحام، لسلطان سوء، وقتل بسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة على باليمن وبلغ عليا الخبر . 

تاريخ الطبري 6 :  77 - 81، كامل ابن الاثير 3 :  162 - 167، تاريخ ابن عساكر 3 :  222، 459، الاستيعاب 1 :  65، 66، تاريخ ابن كثير 7 :  319 - 322، وفاء الوفاء 1 :  31 .  وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب 1 :  65 :  كان يحيى بن معين يقول :  كان بسر بن أرطاة رجل سوء .  قال أبوعمر :  ذلك لامور عظام ركبها في الاسلام فيما نقل أهل الاخبار وأهل الحديث ايضا منها :  ذبحه ابني عبدالله بن العباس وهما صغيران بين يدي امهما .  وقال الدارقطني :  لم تكن له استقامة بعد النبي عليه الصلاة والسلام وهو الذي قتل طفلين لعبيدالله بن العباس .  وقال أبوعمرو الشيباني :  لما وجه معاوية بن أبي سفيان بسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة علي رضي الله عنه قام اليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الاشهب الجعدي فقال :  يا أميرالمؤمنين ! نسألك بالله والرحم أن تجعل لبسر على قيس سلطانا فيقتل قيسا بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة .  فقال معاوية :  يا بسر لا إمرة لك على قيس فسار حتى أتى المدينة فقتل ابني عبيدالله وفر أهل المدينة ودخلوا الحرة حرة بني سليم .  قال أبو عمرو  :  وفي هذه الخرجة التي ذكر أبوعمرو الشيباني أغار بسر بن أرطاة على همدان

 

 

/  21 /

 

وسبى نسائهم، فكن اول مسلمات سبين في الاسلام، وقتل أحياء من بني سعد) ثم أخرج أبوعمرو باسناده من طريق رجلين عن أبي ذر (:  انه دعا وتعوذ في صلاة صلاها أطال قيامها وركوعها وسجودها قال :  فسئلاه مم تعوذت ؟ وفيم دعوت ؟ قال تعوذت بالله من يوم البلاء يدركني، ويوم العورة أن أدركه .  فقالا :  وما ذاك ؟ فقال :  أما يوم البلاء فتلقى فئتان من المسلمين فيقتل بعضهم بعضا، وأما يوم العورة فإن نساء‌ا من المسلمات يسبين فيكشف عن سوقهن فأيتهن كانت أعظم ساقا اشتريت على عظم ساقها، فدعوت الله أن لا يدركني هذا الزمان ولعلكما تدركانه .  فقتل عثمان ثم أرسل معاوية بسر بن أرطاة إلى اليمن فسبى نساء مسلمات فأقمن في السوق . 

وفي تاريخ ابن عساكر 3 :  220 - 224 :  كان بسر من شيعة معاوية بن أبي سفيان وشهد معه صفين، وكان معاوية وجهه إلى اليمن والحجاز في أول سنة أربعين، وأمره أن يستقرأ من كان في طاعة علي فيوقع بهم، ففعل بمكة والمدينة واليمن أفعالا قبيحة وقد ولي البحر لمعاوية .  وقتل باليمن ابني عبيدالله بن العباس .  وقال الدارقطني : 

ان بسرا كانت له صحبة ولم يكن له استقامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم (يعني :  أنه كان من أهل الردة). 

قال :  وروى البخاري في التاريخ :  ان معاوية بعث بسرا سنة سبع وثلاثين فقدم المدينة فبايع ثم انطلق إلى مكة واليمن فقتل عبدالرحمن وقثم ابني عبيدالله بن عباس وفي رواية الزهري :  أن معاوية بعثه سنه تسع وثلاثين فقدم المدينة ليبلغ الناس فأحرق دار زرارة (1) بن خيرون أخي بني عمرو بن عوف بالسوق، ودار رفاعة (2) ابن رافع، ودار عبدالله (3) بن سعد من بني الاشهل، ثم استمر إلى مكة واليمن فقتل عبدالرحمن بن عبيد، وعمرو (4) بن ام إدراكة الثقفي، وذلك ان معاوية بعثه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحابى توجد ترجمته في معاجم الصحابة . 

 (2) صحابى مترجم له في المعاجم . 

 (3) صحابى ترجم له اصحاب فهارس الصحابة . 

 (4) صحابى مذكور في عد الصحابة . 

 

 

/  22 /

 

على ما حكاه ابن سعد ليستعرض الناس فيقتل من كان في طاعة علي بن أبي طالب فأقام في المدينة شهرا فما قيل له في أحد :  إن هذا ممن أعان على عثمان إلا قتله، وقتل قوما من بني كعب على مائهم فيما بين مكة والمدينة وألقاهم في البئر ومضى إلى اليمن . 

وقتل من همدان بالجرف من كان مع علي بصفين فقتل أكثر من مأتين، وقتل من الابناء كثيرا وهذا كله بعد قتل علي بن أبي طالب . 

قال ابن يونس :  كان عبيدالله بن العباس قد جعل ابنيه عبدالرحمن وقثم عند رجل من بني كنانة وكانا صغيرين فلما انتهى بسر إلى بني كنانة بعث إليهما ليقتلهما، فلما رأى ذلك الكناني دخل بيته فأخذ السيف واشتد عليهم بسيفه حاسرا وهو يقول : 

ألليـــــث مــن يمنع حافات الدار * ولا يزال مصلتا دون الدار (1)

إلا فتـــــى أروع غيـــــر غــــدار

فقال له بسر :  ثكلتك امك والله ما أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ فقال : 

اقتل دون جاري فعسى اعذر عند الله وعند الناس .  فضرب بسيفه حتى قتل، وقدم بسر الغلامين فذبحهما ذبحا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت قائلة منهن :  يا هذا هؤلاء الرجال قتلت فعلام تقتل الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهلية ولا إسلام والله ان سلطانا لا يقوم إلا بقتل الرضع الصغيرة والمدره الكبير، وبرفع الرحمة وعقوق الارحام لسلطان سوء فقال لها بسر  والله لقد هممت أن أضع فيكن السيف .  فقالت :  تالله انها لاخت التي صنعت، وما أنا بها منك بآمنة .  ثم قالت للنساء اللواتي حولها :  ويحكن تفرقن . 

وفي الاصابة 3 :  9 :  عمرو بن عميس قتله بسر بن ارطاة لما أرسله معاوية للغارة على عمال علي فقتل كثيرا من عماله من أهل الحجاز واليمن . 

 

صورة مفصلة :

كان بسر بن أرطاة (2) قاسي القلب، فظا سفاكا للدماء، لا رأفة عنده ولا رحمة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) والصحيح :  ولا يزال مصلتا دون الجار . 

(2) ويقال :  ابن أبي أرطاة .

 

 

/  23 /

 

فأمره معاوية أن يأخذ طريق الحجاز والمدينة ومكة حتى ينتهي إلى اليمن، وقال له :  لا تنزل على بلد أهله على طاعة علي إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لانجاء لهم، وانك خيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، واقتل شيعة علي حيث كانوا.

وفي راوية إبراهيم الثقفي في (الغارات) في حوادث سنة اربعين :  بعث معاوية بسر بن أبي أرطاة في ثلاثة آلاف وقال :  سر حتى تمر بالمدينة فاطرد الناس، واخف به من مررت به، وانهب اموال كل من أصبت له مالا ممن لم يكن له دخل في طاعتنا، فاذا دخلت المدينة فأرهم إنك تريد أنفسهم، وأخبرهم إنه لا براء‌ة لهم عندك ولا عذر حتى إذا ظنوا انك موقع بهم فاكفف عنهم، ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لاحد، وأرحب الناس عنك فيما بين المدينة ومكة، واجعلها شرودات حتى تأتي صنعاء والجند، فإن لنا بها شيعة وقد جاء في كتابهم . 

فخرج بسر في ذلك البعث مع جيشه وكانوا إذا وردوا ماء أخذوا إبل أهل ذلك الماء فركبوها، وقادوا خيولهم حتى يردوا الماء الآخر، فيردون تلك الابل ويركبون إبل هؤلاء، فلم يزل يصنع ذلك حتى قرب إلى المدينة، فاستقبلتهم قضاعة ينحرون لهم الجزر حتى دخلوا المدينة، وعامل على عليه السلام عليها أبوأيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج عنها هاربا ودخل بسر المدينة، فخطب الناس وشتمهم وتهددهم يومئذ وتوعدهم وقال :  شاهت الوجوه إن الله تعالى ضرب مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا .  وقد أوقع الله تعالى ذلك المثل بكم وجعلكم أهله كان بلدكم مهاجر النبي صلى الله عليه وآله ومنزله وفيه قبره ومنازل الخلفاء من بعده، فلم تشكروا نعمة ربكم ولم ترعوا حق نبيكم، وقتل خليفة الله بين أظهركم، فكنتم بين قاتل وخاذل ومتربص وشامت، إن كانت للمؤمنين قلتم :  ألم نكن معكم ؟ وإن كان للكافرين نصيب، قلتم :  ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ؟ ثم شتم الانصار، فقال :  يا معشر اليهود وأبناء العبيد بني زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبدالاشهل ! أما

والله لاوقعن بكم وقعة تشفى غليل صدور المؤمنين وآل عثمان، أما والله لادعنكم

 

/  24 /

 

أحاديث كالامم السالفة، فتهددهم حتى خاف الناس أن يوقع بهم، ففزعوا إلى حويطب بن عبدالعزى، ويقال :  انه زوج امه فصعد إليه المنبر فناشده وقال :  عترتك وأنصار رسول الله وليست بقتلة عثمان، فلم يزل به حتى سكن ودعا الناس إلى بيعة معاوية فبايعوه ونزل فأحرق دورا كثيرة منها :  دار زرارة بن حرون أحد بني عمرو بن عوف، ودار رفاعة بن رافع الزرقي، ودار أبي أيوب الانصاري، وفقد جابر بن عبدالله الانصاري، فقال :  مالي لا أرى جابرا يا بني سلمة ؟ لا أمان لكم عندي أو تأتوني بجابر .  فعاذ جابر بام سلمة رضي الله عنها، فأرسلت إلى بسرب ن أرطاة فقال :  لا أومنه حتى يبايع فقالت له ام سلمة :  اذهب فبايع، وقالت لابنها عمر :  اذهب فبايع، فذهبا فبايعاه . 

وروى من طريق وهب بن كيسان قال :  سمعت جابر بن عبدالله الانصاري يقول :  لما خفت بسرا وتواريت عنه قال لقومي :  لا أمان لكم عندي حتى يحضر جابر فأتوني وقالوا :  ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت فحقنت دمك ودماء قومك فانك إن لم تفعل قتلت مقاتلينا وسبيت ذرارينا، فاستنظرتهم الليل فلما أمسيت دخلت على ام سلمة فاخبرتها الخبر فقالت :  يا بني انطلق فبايع احقن دمك ودماء قومك، فاني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع، وإني لاعلم انها بيعة ضلالة . 

قال إبراهيم :  فأقام بسر بالمدينة أياما ثم قال لهم :  إني قد عفوت عنكم وإن لم تكونوا لذلك بأهل، ما قوم قتل امامهم بين ظهرانيهم بأهل أن يكف عنهم العذاب، ولئن نالكم العفو مني في الدنيا اني لارجو أن لا تنالكم رحمة الله عزوجل في الآخرة، وقد استخلفت عليكم أبا هريرة فإياكم وخلافه .  ثم خرج إلى مكة . 

وروى الوليد بن هشام قال :  أقبل بسر فدخل المدينه فصعد منبر الرسول صلى الله عليه وآله ثم قال :  يا أهل المدينة خضبتم لحاكم وقتلتم عثمان مخضوبا، والله لا أدع في المسجد مخضوبا إلا قتلته .  ثم قال لاصحابه :  خذوا بأبواب المسجد وهو يريد أن يستعرضهم فقام إليه عبدالله بن الزبير وأبوقيس أحد بني عامر بن لوي فطلبا إليه حتى كف عنهم وخرج إلى مكة فلما قرب منها هرب قثم بن العباس وكان عامل علي عليه السلام

 

 

/  25 /

 

ودخلها بسر فشتم أهل مكة وأنبهم ثم خرج عنها واستعمل عليها شيبة بن عثمان . 

وروى عوانة عن الكلبي :  ان بسرا لما خرج من المدينة إلى مكة قتل في طريقه رجالا، وأخذ أموالا، وبلغ أهل مكة خبره فتنحى عنها عامة أهلها، وتراضى الناس بشيبة بن عثمان أميرا لما خرج قثم بن العباس عنها، وخرج إلى بسر قوم من قريش فتلقوه فشتمهم ثم قال :  أما والله لو تركت ورأيي فيكم لتركتكم وما فيها روح تمشي على الارض .  فقالوا :  ننشدك الله في أهلك وعترتك .  فسكت ثم دخل وطاف بالبيت وصلى ركعتين ثم خطبهم فقال :  الحمد لله الذي أعز دعوتنا، وجمع الفتنا، وأذل عدونا بالقتل والتشريد، هذا ابن ابي طالب بناحية العراق في ضنك وضيق قد ابتلاه الله بخطيئته، وأسلمه بجريرته، فتفرق عنه أصحابه ناقمين عليه، وولي الامر

معاوية الطالب بدم عثمان، فبايعوا، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا .  فبايعوا وفقد سعيد بن العاص فطلبه فلم يجده وأقام أياما ثم خطبهم فقال :  يا أهل مكة ! اني قد صفحت عنكم فإياكم والخلاف، فوالله إن فعلتم لاقصدن منكم إلى التي تبير الاصل، وتحرب المال، وتخرب الديار، ثم خرج إلى الطائف . 

قال (إبراهيم الثقفي):  ووجه رجلا من قريش إلى نبالة وبها قوم من شيعة علي عليه السلام وأمره بقتلهم فأخذهم وكلم فيهم وقيل له :  هؤلاء قومك فكف عنهم حتى نأتيك بكتاب من بسر بأمانهم فحبسهم وخرج منيع الباهلي من عندهم إلى بسر وهو بالطائف يستشفع إليه فيهم، فتحمل عليه بقوم من الطائف فكلموه فيهم وسألوه الكتاب بإطلاقهم فوعدهم ومطلهم بالكتاب حتى ظن انه قد قتلهم القرشي المبعوث لقتلهم، وان كتابه لا يصل إليهم حتى يقتلوا، ثم كتب لهم فأتى منيع منزله وكان قد نزل على امرأة بالطائف ورحله عندها فلم يجدها في منزلها فوطئ على ناقته بردائه وركب فسار يوم الجمعة وليلة السبت لم ينزل عن راحلته قط فأتاهم ضحوة وقد اخرج القوم ليقتلوا واستبطئ كتاب بسر فيهم فقدم رجل منهم فضربه رجل من أهل الشام فانقطع سيفه فقال الشاميون بعضهم لبعض :  شمسوا سيوفكم حتى تلين فهزوها وتبصر منيع الباهلي بريق السيوف، فألمع بثوبه فقال القوم :  هذا راكب عنده خبر

 

 

/  26 /

 

فكفوا وقام به بعيره، فنزل عنه وجاء على رجليه يشد فدفع الكتاب اليهم فاطلقوا، وكان الرجل المقدم الذي ضرب بالسيف فانكسر السيف أخاه . 

قال ابراهيم :  وروى علي بن مجاهد عن ابن اسحاق :  ان اهل مكة لما بلغهم ما صنع بسر خافوه وهربوا، فخرج ابنا عبيدالله بن العباس وهما :  سليمان .  وداود .  وامهما حورية ابنة خالد بن فارط الكنانية وتكنى ام حكيم، وهم حلفاء بني زهرة وهما غلامان مع أهل مكة فأضلوهما عند بئر ميمون بن الحضرمي، وميمون هذا أخو العلاء بن الحضرمي، وهجم عليهما بسر فأخذهما وذبحهما فقالت امهما : 

هامن أحـــــس با بنـــي اللذين هما * كالدرتين تشظى عنهما الصدف(1)

وقد روي ان اسمهما :  قثم وعبدالرحمن، وروي :  انهما ضلا في أخوالهما من بني كنانة، وروي :  ان بسرا انهما قتلهما باليمن وانهما ذبحا على درج صنعاء وروى عبدالملك بن نوفل عن أبيه :  ان بسرا لما دخل الطائف وقد كلمه المغيرة قال له : 

لقد صدقتني ونصحتني فبات بها وخرج منها وشيعه المغيرة ساعة ثم ودعه وانصرف عنه فخرج حتى مر ببني كنانة وفيهم ابنا عبيدالله بن العباس وامهما فلما انتهى بسر إليهم طلبهما، فدخل رجل من بني كنانة، وكان أبوهما أوصاه بهما، فأخذ السيف من بيته وخرج فقال له بسر :  ثكلتك امك والله ما كنا أردنا قتلك فلم عرضت نفسك للقتل ؟ قال :  اقتل دون جاري أعذر لي عند الله والناس .  ثم شد على اصحاب بسر بالسيف حاسرا وهو يرتجز:

آليـــــت لا يمنع حافات الدار * ولا يموت مصلتا دون الجار

إلا فتـــــى أروع غيــر غدار

فضارب بسيفه حتى قتل، ثم قدم الغلامان فقتلا، فخرج نسوة من بني كنانة فقالت امرأة منهن : هذه الرجال يقتلها فما بال الولدان ؟ والله ما كانوا يقتلون في جاهلية ولا اسلام، والله إن سلطانا لا يشتد إلا بقتل الرضع الضعيف، والشيخ الكبير ورفع الرحمة، وقطع الارحام، لسلطان سوء، فقال بسر :  والله لهممت أن أضع فيكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إلى اخر الابيات التى مرت في صفحة 17، 18 . 

 

 

/  27 /

 

السيف، قالت :  والله إنه لاحب إلى إن فعلت . 

قال إبراهيم :  وخرج بسر من الطائف فأتى نجران فقتل عبدالله بن عبدالمدان وابنه مالكا وكان عبدالله هذا صهرا لعبيدالله بن العباس ثم جمعهم وقام فيهم، وقال : 

يا أهل نجران ! يا معشر النصارى وإخوان القرود ! أما والله إن بلغني عنكم ما أكره لاعودن عليكم بالتي تقطع النسل، وتهلك الحرث، وتخرب الديار، وتهددهم طويلا ثم سار حتى دخل أرحب فقتل أبا كرب وكان يتشيع ويقال :  إنه سيد من كان بالبادية من همدان فقدمه فقتله، وأتى صنعاء قد خرج عنها عبيدالله بن العباس وسعيد بن نمران، وقد استخلف عبيدالله عليها عمرو بن اراكة الثقفي، فمنع بسرا من دخولها وقاتله فقتله بسر ودخل صنعاء فقتل منها قوما، وأتاه وفد مأرب فقتلهم فلم ينج منهم إلا رجل واحد ورجع إلى قومه فقال لهم :  أنعي قتلانا، شيوخا

وشبانا.

قال إبراهيم :  وهذه الابيات المشهورة لعبد بن اراكة الثقفى يرثي بها ابنه عمرا : 

لعمري لقد أردى ابن أرطاة فارسا * بصنعاء كالليـــث الهزبر أبي الاجر

تعـــــز فـــــإن كـــان البكارد هالكا * على أحـــد فاجهد بكاك على عمرو

ولا تبـــــك ميتـــــا بعـــد ميت أحبة * علـــــي وعبـــــاس وآل أبــــي بكر

قال :  ثم خرج بسر من صنعاء فأتى أهل حبسان وهم شيعة لعلي عليه السلام فقاتلهم وقاتلوه فهزمهم وقتلهم قتلا ذريعا، ثم رجع إلى صنعاء فقتل بها مائة شيخ من أبناء فارس لان ابني عبيدالله بن العباس كانا مستترين في بيت امرأة من أبنائهم تعرف بابنة بزرج وكان الذي قتل بسر في وجهه ذلك ثلاثين ألفا، وحرق قوما بالنار، فقال يزيد بن مفرغ : 

تعلق مـــــن أسماء مــــــا قد تعلقا * ومثل الذي لاقـى من الشوق أرقا

سقى منفخ الاكناف منبعـــج الكلى * منـــــازلها مــــن مشرقات فشرقا

إلى الشرف الاعلى إلى رامهرمز * إلـــى قربات الشيخ من نهر اربقا

إلى دست مــــارين إلى الشط كله * إلى مجمع السلان من بطن دورقا

إلى حيث يرقــــى من دجيل سفينه * إلى مجـــــمع النهـرين حيث تفرقا

 

 

/  28 /

 

إلى حيث سار المرء بسر بجيشه * فقتـــــل بســـــر ما استطاع وحرقا

قال :  ودعا علي عليه السلام على بسر فقال :  أللهم ان بسرا باع دينه بالدنيا، وانتهك محارمك، وكانت طاعة مخلوق فاجر، آثر عنده مما عندك، أللهم فلا تمته حتى تسلبه عقله، ولا توجب له رحمتك، ولا ساعة من نهار، أللهم العن بسرا وعمرا ومعاوية، وليحل عليهم غضبك، ولتنزل بهم نقمتك، وليصبهم بأسك وزجرك الذي لا ترده عن القوم المجرمين .  فلم يلبث بسر بعد ذلك إلا يسيرا حتى وسوس وذهب عقله، فكان يهذي بالسيف ويقول :  اعطوني سيفا أقتل به. لا يزال يردد ذلك حتى اتخذ له سيف من خشب، وكانوا يدنون منه المرفقة فلا يزال يضربها حتى يغشى عليه فلبث كذلك إلى أن مات (1) . 

وفي شرح ابن أبي الحديد 3 :  15 :  روى أبوالحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرء‌ون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشد الناس بلاء حينئذ اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة علي عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم أيام علي عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم، وقطع الايدي والارجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق :  أن لا يجيروا لاحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة .  وكتب إليهم : 

أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكل ما يروي كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ أحد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح ابى الحديد 1 :  116 - 121.

 

 

/  29 /

 

مردود من الناس عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا، ثم كتب إلى عماله :  ان الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جائكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقض له في الصحابة مفتعلة، فإن هذا أحب إلي، وأقر لعيني، وأدحض لحجة أبي تراب وشيعته، وأشد إليهم من مناقب عثمان وفضله . 

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان :  انظروا إلى من أقامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطائه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة اخرى :  من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره . 

فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى أن الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر إلخ . 

استخلف زياد على البصرة سمرة بن جندب لما كتب معاوية إلى زياد بعهده على الكوفة والبصرة فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكوفة وستة أشهر بالبصرة، وسمرة من الذين أسرفوا في القتل على علم من معاوية بل بأمر منه، أخرج الطبري من طريق محمد بن سليم قال :  سألت أنس بن سيرين :  هل كان سمرة قتل أحدا ؟ قال :  وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب ؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له معاوية :  هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا ؟ قال :  لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت، أو كما قال .  قال أبوسوار العدوي :  قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن . 

وروى باسناده عن عوف قال :  أقبل سمرة من المدينة فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من أزقتهم ففجأ أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فأوجره الحربة قال :  ثم مضت الخيل فأتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط في دمه فقال :  ما هذا

 

 

/  30 /

 

؟ قيل :  أصابته أوائل خيل الامير .  قال :  إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا (1) . 

أعطى معاوية سمرة بن جندب من بيت المال أربعمائة الف درهم على أن يخطب في أهل الشام بأن قوله تعالى :  ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام، وإذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد انها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام .  وان قوله تعالى :  ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله .  نزل في ابن ملجم أشقى مراد (2) . 

وأخرج الطبري من طريق عمر بن شبه قال :  مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له، فأقر سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا .  قال عمر :  وبلغني عن جعفر الضبعي قال :  أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ثم عزله فقال سمرة :  لعن الله معاوية والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا . 

وروى من طريق سليمان بن مسلم العجلي قال :  سمعت أبي يقول :  مررت بالمسجد فجاء رجل إلى سمرة فأدى زكاة ماله ثم دخل فجعل يصلى في المسجد فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد وبدنه ناحية، فمر أبوبكرة فقال :  يقول الله سبحانه :  قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى .  قال أبي :  فشهدت ذلك فما مات سمرة حتى أخذه الزمهرير فمات شر ميتة .  قال :  وشهدته واتي بناس كثير واناس بين يديه فيقول للرجل :  ما دينك ؟ فيقول :  أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله، وإني بري من الحرورية .  فيقدم فيضرب عنقه حتى مر بضعة وعشرون .  تاريخ الطبري 6 :  164 . 

وفي مقدم عمال معاوية الحاملين عداء سيد العترة، المهاجمين على شيعة آل الله بكل قوى متيسرة زياد بن سمية، ومن الزائد جدا بحثنا عن جرائمه الوبيلة التي حفظها له التاريخ، وأسودت بها صفحات تاريخه، ولا بدع وهو وليد البغاء من الادعياء المشهورين، ربيب حجر سمية البغي، والاناء إنما يترشح بما فيه، والشوك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبرى 6 :  132 . 

(2) شرح ابن ابى الحديدا :  361 . 

 

 

/  31 /

 

لا يثمر العنب، وقد صدق النبي الكريم في قوله صلى الله عليه وآله في السبطين ووالديهما :  لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد ردي المولد .

وكان السلف يبور أولادهم بحب علي عليه السلام فمن كان لا يحبه علموا انه لغير رشدة (1) .  فلا تعجب من الدعي ومن كتابه القارص إلى الامام السبط الحسن الزكي عليه السلام قد شفع إليه في رجل من شيعته .  قال ابن عساكر :  كان سعد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي طالب، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها أخافه وطلبه زياد فأتي الحسن بن علي فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته وحبسهم وأخذ ماله وهدم داره، فكتب الحسن إلى زياد :  من الحسن بن علي إلى زياد .  أما بعد :  فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له مالهم وعليه ما عليهم، فهدمت داره، وأخذت ماله وعياله فحبستهم، فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره، واردد عليه عياله وماله، فإني قد أجرته فشفعني فيه .  فكتب اليه زياد : 

من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة :  أما بعد :  فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة وأنا سلطان وأنت سوقة كتبت إلي في فاسق لا يؤبه به، وشر من ذلك توليه أباك وإياك، وقد علمت أنك أدنيته إقامة منك على سوء الرأي ورضي منك بذلك، وأيم الله لا تسبقني به، ولو كان بين جلدك ولحمك، وإن نلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليك، فإن أحب لحم إلي أن آكل منه أللحم الذي أنت منه، فسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك، فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه، وإن قتلته لم أقتله إلا لحبه أباك الفاسق، والسلام (2)، ولما بلغ موته ابن عمر قال :  يا ابن سمية ! لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك . 

كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي عليه السلام - وفي لفظ البيهقي:  يحرضهم على البرائة من علي كرم الله وجهه، فملا منهم المسجد و

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مرت تلكم الاحاديث وستأتى في مسند المناقب ومرسلها .  

 (2) تاريخ ابن عساكر 5 :  418، شرح ابن الحديد 4 :  7، 72 . 

 

 

/  32 /

 

الرحبة - فمن أبي ذلك عرضه على السيف .  وعن المنتظم لابن الجوزي :  ان زيادا لما حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم، وهم أن يخرب دورهم، ويحمر نخلهم، فجمعهم حتى ملا بهم المسجد والرحبة يعرضهم على البرائة من علي عليه السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استئصالهم وإخراب بلدهم .  فذكر عبدالرحمن بن السائب

قال :  احضرت فصرت إلى الرحبة ومعي جماعة من الانصار، فرأيت شيئا في منامي وأنا جالس في الجماعة وقد خفقت، وهو اني رأيت شيئا طويلا قد أقبل فقلت :  ما هذا ؟ فقال :  أنا النقاد ذو الرقبة بعثت إلى صاحب هذا القصر، فانتبهت فزعا فما كان إلا مقدار ساعة حتى خرج خارج من القصر فقال :  انصرفوا فإن الامير عنكم مشغول، وإذا به قد أصابه ما ذكرنا من البلاء، وفي ذلك يقول عبدالله بن السائب : 

ما كـــــان منتهيـــــا عمـــــا أراد بنا * حـــــتى تأتـــــى لــــه النقاد ذوالرقبه

فاسقـــــط الشـــــق منه ضربة ثبتت * لما تناول ظلما صاحب الرحبه (1)

قال الاميني :  هلم معي نقرأ هذه الصحائف السوداء المحشوة بالمخازي وشية العار، المملوة بالموبقات والبوائق، فننظر هل في الشريعة البيضاء، أو في نواميس البشرية، أو في طقوس العدل مساغ لشئ منها ؟ دع ذلك كله هل تجد في عادات الجاهلية مبررا لشئ من تلكم الهمجية ؟ وهل فعل اولئك الاشقياء الاشداء في أيامهم المظلمة فعلا يربو مخاريق ابن هند ؟ لا .  وانك لا تسمع عن أحد ممن يحمل عاطفة إنسانية ولا أقول ممن يعتنق الدين الحنيف فحسب يستبيح شيئا من ذلك، أو يحبذ مخزاتا من تلكم المخازي، وهل تجد معاوية وهذه جناياته من مصاديق قوله تعالى :  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود .  الآية ؟ (2) فهل ترى ابن أبي سفيان خارجا عنهم ؟ فليس هو من رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ممن معه، ولا رحيما بهم، أو أن من ناواه وعاداه وسبه وآذاه وقتله وهتكه خارجون عن ربقة الاسلام ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مروج الذهب 2 :  69، المحاسن والمساوى للبيهقى 1 :  39، قال المسعودى والبيهقى :  صاحب الرحبة هو على بن أبى طالب، شرح ابن ابى الحديد 1 :  286 نقلا عن ابن الجوزى . 

 (2) سورة الفتح 29 . 

 

 

/  33 /

 

فهو شديد عليهم وهم خيرة امة محمد المسلمة، تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا. فالحكم للنصفة لا غيرها . 

كأن هاهنا نسيت ثارات عثمان وعادت تبعة اولئك المضطهدين محض ولاء علي اميرالمؤمنين عليه السلام وقد قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله، وحبهم لمن يحبه الله ورسوله، وطاعتهم لمن فرض الله طاعته، وودهم من جعل الله وده أجر الرسالة .  فلم يقصد معاوية وعماله أحدا بسوء إلا هؤلاء، فطفق يرتكب منهم ما لا يرتكب إلا من أهل الردة والمحادة لله ولرسوله .  فكان الطريد اللعين ابن الطريد اللعين مروان، وأزنى ثقيف مغيرة بن شعبة، واغيلمة قريش الفسقة في أمن ودعة، وكان يولي لاعماله الزعانفة الفجرة أعداء أهل بيت الوحي :  بسر بن أرطاة، ومروان بن الحكم، ومغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه، وعبدالله الفزاري، وسفيان بن عوف، والنعمان بن بشير، والضحاك بن قيس، وسمرة بن جندب، ونظرائهم، يستعملهم على عباد الله وهو يعرفهم حق المعرفة ولا يبالي بقول رسول الله صلى الله عليه وآله :  من تولى من أمر المسلمين شيئا فاستعمل عليهم رجلا وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم بكتاب الله وسنة رسوله فقد خان الله ورسوله وجميع المؤمنين (1) .  فكانوا يقترفون السيئات، ويجترحون المآثم بأمر منه ورغبة، ولم تكن عنده حريجة من الدين تزعه عن تلكم الجرائم، فأمر بالاغارة على مكة المكرمة وقد جعلها الله بلدا آمنا يأمن من حل بها وإن كان كافرا، ولاهلها وطيرها ووحشها ونباتها حرمات عند الله، وهي التى حقنت دم أبي سفيان ومن على شاكلته من حامل ألوية الكفر والالحاد، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يرعاها كل الرعاية يوم الفتح وغيره، فما عامل أهلها هو وجيشه الفاتح إلا بكل جميل، وكان صلى الله عليه وآله يقول : 

إن هذا بلد حرم الله يوم خلق السموات والارض، وهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وأنه لم يحل القتال فيه لاحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مجمع الزوائد 5 :  211 . 

 (2) صحيح البخارى :  باب لا يحل القتال بمكة 3 :  168، صحيح مسلم 4 :  109 . 

 

 

/  34 /

 

وقال صلى الله عليه وآله وسلم إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرء يؤمن بالله  واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فان أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله فقولوا له :  إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالامس، وليبلغ الشاهد الغائب(1).

وأمر ابن هند بالاستحواذ على مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وإخافة أهلها والوقيعة فيهم واستقراء من يوجد فيها من شيعة علي أميرالمؤمنين صلوات الله عليه وللمدينة المنورة في الاسلام حرمتها الثابتة، ولنبيه صلى الله عليه وآله فيها قوله الصادق :  ألمدينة حرم ما بين عائر

إلى كذا، من أحدث فيها حدثا (2) أو آوى حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل (3) . 

وقوله صلى الله عليه وآله :  لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع كما ينماع الملح في الماء (4) .

وقوله صلى الله عليه وآله :  لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص

أو ذوب الملح في الماء (5) . 

وقوله صلى الله عليه وآله :  أللهم إن ابراهيم حرم مكة فجعلها حرما وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها، أن لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف (6) . 

وقوله صلى الله عليه وآله :  من أراد أهل هذه البلدة بسوء) يعني المدينة (أذابه الله كما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري :  باب لا يعضد شجر الحرم 3 :  167 . 

 (2) قال القاضى عياض :  معنى قوله :  من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا .  الخ .  من أتى فيها إثما أو آوى من أتاه . 

 (3) صحيح البخاري 3 :  179، صحيح مسلم 4 :  114، 115، 116، مسند أحمد 1:  81، 126، 151، ج 2 :  450، سنن البيهقى 5 :  196، سنن أبى داود 1 :  318 . 

 (4) صحيح البخاري 3 :  181 . 

 (5) صحيح مسلم 4 :  113

 (6) صحيح مسلم 4 :  117، سنن ابى داود 1 :  318، واللفظ لمسلم . 

 

 

/  35 /

 

يذوب الملح في الماء .  وفي لفظ سعد :  من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله .  الخ (1) .  وقوله صلى الله عليه وآله :  المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (2) . 

وقوله صلى الله عليه وآله :  أيما جبار أراد المدينه بسوء أذابه الله تعالى كما يذوب الملح في الماء .  وفي لفظ :  من أراد أهل هذه البلدة بدهم أو بسوء (3) . 

وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني برجال الصحيح :  أللهم من ظلم أهل المدينة وأخافهم فأخفه، وعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل.  (4)

وقوله صلى الله عليه وآله :  من أخاف اهل المدينة أخافه الله يوم القيامة، وغضب عليه، ولم يقبل منه صرفا ولا عدلا (5) . 

وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه النسائي :  من أخاف اهل المدينة ظالما لهم أخافه الله، وكانت عليه لعنة الله (6) .  وفي لفظ ابن النجار :  من أخاف اهل المدينة ظلما أخافه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . 

وقوله صلى الله عليه وآله :  من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي .  أخرجه أحمد في مسنده 3 :  354 بالاسناد عن جابر بن عبدالله :  إن أميرا من امراء الفتنة قدم المدينة وكان قد ذهب بصر جابر فقيل لجابر :  لو تنحيت عنه فخرج يمشي بين ابنيه فنكب فقال :  تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابناه أو أحدهما :  يا أبت ! وكيف أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مات ؟ قال :  سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :  من أخاف  الحديث . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح مسلم 4 :  121، 122 . 

 (2) صحيح البخارى 3 :  178، سنن البيهقى 5 :  197 . 

 (3) وفاء الوفاء للسمهودى 1 :  31 . 

 (4) وفاء الوفاء 1 :  31 وصححه . 

 (5) وفاء الوفاء 1 :  31، فيض القدير 6 :  40 . 

 (6) وفاء الوفاء 1 :  31 . 

 

 

/  36 /

 

قلت :  الامير المشار اليه هو بسر بن أرطاة كما في وفاء الوفاء للسمهودي 1 :  31 وصحح الحديث . 

وقوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الطبراني في الكبير :  من آذى أهل المدينة آذاه الله، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل .  وفاء الوفاء 1 : 32 . 

نعم :  إن بسرا لم يلو إلى شيئ من ذلك وإنما أوتمر بما سول له معاوية من هتك الحرمات بقتل الرجال، وسبي النساء، وذبح الاطفال، وهدم الديار، وشتم الاعراض، وما رعي لرسول الله صلى الله عليه وآله إلا ولا ذمة في مجاوري حرم أمنه، وساكني حماه المنيع فخفر ذمته كما هتك حرمته، واستخف بجواره، وآذاه باباحة حرمه حرم الله تعالى، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (1) وإن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة (2) فيالها من جرأة تقحم صاحبها في المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله ودينه القويم . 

كما أن يزيد كان يحذو حذو أبيه في جرائمه الوبيلة وشن الغارة على أهل المدينة المشرفة، وبعث مسلم بن عقبة الهاتك الفاتك إلى هتك ذلك الجوار المقدس بوصية من والده الآثم قال السمهودي في وفاء الوفاء 1 :  91 . 

وأخرج ابن أبي حيثمة بسند صحيح إلى جويرية بنت أسماء :  سمعت أشياخ المدينة يتحدثون :  ان معاوية رضي الله عنه لما احتضر دعا يزيد فقال له :  إن لك من أهل المدينة يوما فإن فعلوا فارمهم بمسلم بن عقبة فإني عرفت نصيحته .  فلما ولي يزيد وفد عليه عبدالله بن حنظلة وجماعة فأكرمهم وأجازهم فرجع فحرض الناس على يزيد وعابه و دعاهم إلى خلع يزيد فأجابوه فبلغ ذلك يزيد فجهز اليهم مسلم بن عقبة . الخ .

وأخرجه البلاذري في أنساب الاشراف 5 :  43 بلفظ أبسط من لفظ السمهودي . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة التوبة :  61 . 

 (2) سورة الاحزاب :  57 .