فهرس الجزء الحادي عشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  37 /

 

معاوية وحجر بن عدي وأصحابه

 

إن معاوية استعمل مغيرة بن شعبة على الكوفة سنة إحدى وأربعين فلما أمره عليها دعاه وقال

له :  أما بعد :  فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا .  وقد قال المتلمس : 

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * ومـــــا علـــــم الانسان إلا ليعــــلما

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت ايصاء‌ك بأشياء كثيرة فأنا تاركها إعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح رعيتي، ولست تارك ايصاء‌ك بخصلة :  لا تقهم عن شتم علي وذمه .  والترحم على عثمان والاستغفار له، و العيب على أصحاب علي والاقصاء لهم، وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم، والاستماع منهم .  فقال المغيرة :  قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك، فلم يذمم بي رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم .  ثم قال :  بل نحمد إن شاء الله .  فأقام المغيرة عاملا على الكوفة سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية، غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتزكية لاصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال :  بل اياكم فذم الله ولعن ثم قام وقال :  إن الله عزوجل يقول :  كونوا قوامين بالقسط شهداء الله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم .  فيقول له المغيرة :  يا حجر ! لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ! ويحك اتق السلطان، اتق غضبه وسطوته، فإن غضب السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته .  اللهم ارحم عثمان بن عفان، وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله، فانه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم، وجمع كلمتنا، وحقن دمائنا، وقتل مظلوما(1)، اللهم فارحم أنصاره وأوليائه ومحبيه والطالبين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه كلها تخالف ما هو الثابت المعلوم من سيرة عثمان كما فصلنا القول فيها في الجزء الثامن والتاسع . 

 

 

/  38 /

 

بدمه. ونال من علي بن أبي طالب عليه السلام ولعنه ولعن شيعته، فوثب حجر فنعر نعرة أسمعت كل من كان في المسجد وخارجه وقال :  إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان !

مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنك قد حبستها عنا ولم يكن ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعا بذم أميرالمؤمنين، وتقريظ المجرمين .  فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون :  صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا فإنا لا ننتفع بقولك هذا ولا يجدي علينا شيئا .  وأكثروا في مثل هذا القول، فنزل المغيرة فدخل القصر فاستأذن عليه قومه فأذن لهم فقالوا :  علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة و يجتري عليك في سلطانك هذه الجرأة ؟ فيوهن سلطانك، ويسخط عليك أميرالمؤمنين معاوية، وكان أشدهم له قولا في أمر حجر والتعظيم عليه عبدالله بن أبي عقيل الثقفي، فقال لهم المغيرة :  إني قد قتلته إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة، انه قد اقترب أجلي، وضعف عملي، ولا احب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك و أشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة . 

ثم هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد) ابن سمية (فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ووجه إلى حجر فجاء‌ه، وكان له قبل ذلك صديقا فقال له : 

قد بلغني ما كنت تفعله بالمغيرة فيحتمله منك وإني والله لا أحتملك على مثل ذلك أبدا، أرأيت ما كنت تعرفني به من حب علي ووده، فإن الله قد سلخه من صدري فصيره بغضا وعداوة، وما كنت تعرفني به من بغض معاوية وعداوته فان الله قد سلخه من صدري وحوله حبا ومؤدة، واني أخوك الذي تعهد، إذا أتيتني وأنا جالس للناس فاجلس معي على مجلسي، وإذا أتيت ولم اجلس للناس فاجلس حتى أخرج إليك، ولك عندي في كل يوم حاجتان :  حاجة غدوة، وحاجة عشية، انك إن تستقم تسلم لك دنياك ودينك، وإن تأخذ يمينا وشمالا تهلك نفسك، وتشط عندي دمك، اني لا احب التنكيل قبل التقدمة، ولا آخذ بغير حجة، اللهم اشهد .  فقال حجر :  لن يرى الامير مني إلا ما يحب وقد نصح وأنا قابل نصيحته .  ثم خرج من عنده . 

 

 

/  39 /

 

ولما ولي زياد جمع أهل الكوفة فملا منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرضهم على البراء‌ة من علي (1) فقام في الناس وخطبهم ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة، وكان زياد يقيم ستة أشهر في الكوفة وستة أشهر في البصرة فرجع إلى البصرة واستخلف على الكوفة عمرو بن حريث فبلغه ان حجرا يجتمع إليه شيعة علي ويظهرون لعن معاوية والبرائة منه، وانهم حصبوا عمرو بن حريث فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا فصعد المنبر وخطب وحذر الناس وقال :  أما بعد :  فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا، وامنوني فاجترؤا على الله لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم، ولست بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالا لمن بعده، ويل امك يا حجر ! سقط العشاء بك على سرحان . 

ثم قال لشداد بن الهيثم الهلالي أمير الشرط :  اذهب فأتني بحجر فذهب إليه فدعاه فقال أصحابه :  لا يأتيه ولا كرامة فسبوا الشرط فرجعوا إلى زياد فأخبروه، فقال :  يا أشراف أهل الكوفة أتشجون بيد وتأسون باخرى ؟ أبدانكم عندي وأهواء‌كم مع هذا الهجاجة المذبوب (2) .  وفي الكامل :  أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الاحمق .  و الله ليظهرن لي براء‌تكم أو لاتينكم بقوم اقيم بهم أودكم وصعركم .  فقالوا :  معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا طاعتك وما فيه رضاك .  قال :  فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه، وقال زياد لصاحب شرطته : 

انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به .  فأتاه صاحب الشرطة يدعوه فمنعه أصحابه من إجابته فحمل عليهم فقال أبوالعمرطة الكندي لحجر :  انه ليس معك رجل معه سيف غيري فما يغني سيفي ؟ قم فألحق بأهلك يمنعك قومك . فقام وزياد ينظر إليهم وهو على المنبر وغشيهم أصحاب زياد فضرب رجل من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ ابن عساكره :  421 . 

 (2) في لفظ الطبرى :  الهجهاجة الاحمق المذبوب . 

 

 

/  40 /

 

الحمراء يقال له :  بكر بن عبيد رأس عمرو بن الحمق بعمود فوقع وحمله رجلان من الازد وأتيا به دار رجل يقال له :  عبيدالله بن موعد الازدي، وضرب بعض الشرطة يدعا ئذ بن حملة التميمي وكسر نابه، وأخذ عمودا من بعض الشرط فقاتل به وحمى حجرا وأصحابه حتى خرجوا من أبواب كندة. مضى حجر وأبوالعمرطة إلى دار حجر واجتمع إليهما ناس كثير ولم يأته من كندة كثير أحد فأرسل زياد وهو على المنبر مذحج وهمدان إلى جبانة كندة وأمرهم أن يأتوه بحجر، وأرسل سائر أهل اليمن إلى جبانة الصائدين وأمرهم أن يمضوا إلى صاحبهم حجر فيأتوه به، ففعلوا فدخل مذحج وهمدان إلى جبانة كندة فأخذوا كل من وجدوا، فأثنى عليهم زياد فلما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف وقال لهم ؟

لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وما احب أن تهلكوا، فخرجوا فأدركهم مذحج و همدان فقاتلوهم وأسروا قيس بن يزيد ونجا الباقون فأخذ حجر طريقا إلى بني حوت فدخل دار رجل منهم يقال :  له سليم بن يزيد، وأدركه الطلب فأخذ سليم سيفه ليقاتل فبكى بناته فقال حجر :  بئسما أدخلت على بناتك إذا قال :  والله لا تؤخذ من داري أسيرا ولا قتيلا وأنا حي، فخرج حجر من خوخة في داره فأتى النخع فنزل دار عبدالله بن الحرث أخي الاشتر فأحسن لقاء‌ه فبينما هو عنده إذ قيل له :  إن الشرط تسأل عنك في النخع . 

وسبب ذلك ان أمة سوداء لقيتهم فقالت :  من تطلبون ؟ فقالوا :  حجر بن عدي .  فقالت : 

هو في النخع .  فخرج حجر من عنده فأتى الازد فاختفى عند ربيعة بن ناجد فلما أعياهم طلبه دعا زياد محمد بن الاشعث وقال له :  والله لتأتيني به أو لاقطعن كل نخلة لك وأهدم دورك، ثم لا تسلم مني حتى اقطعك إربا إربا .  فاستمهله فأمهله ثلاثا واحضر قيس بن يزيد أسيرا فقال له زياد :  لا بأس عليك قد عرفت رأيك في عثمان وبلاء‌ك مع معاوية بصفين وإنك إنما قاتلت مع حجر حمية وقد غفرتها لك ولكني ائتني بأخيك عمير .  فاستأمن له منه على ماله ودمه فأمنه فأتاه به وهو جريح فأثقله حديدا وأمر الرجال أن يرفعوه ويلقوه ففعلوا به ذلك مرارا فقال قيس بن يزيد لزياد :  ألم تؤمنه ؟ قال :  بلى قد أمنته على دمه ولست اهريق له دما، ثم ضمنه وخلى سبيله .

 

 

/  41 /

 

مكث حجر بن عدي في بيت ربيعة يوما وليلة فأرسل إلى محمد بن الاشعث يقول له ليأخذ له من زياد أمانا حتى يبعث به إلى معاوية فجمع محمد جماعة منهم جرير بن عبدالله، وحجر بن يزيد، وعبدالله بن الحارث أخو الاشتر، فدخلوا على زياد فاستأمنوا له على أن يرسله إلى معاوية فأجابهم فأرسلوا إلى حجر بن عدي فحضر عند زياد فلما رآه قال : 

مرحبا بك أبا عبدالرحمن ! حرب في ايام الحرب، وحرب وقد سالم الناس .  على أهلها تجنى براقش .  فقال حجر :  ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة واني لعلى بيعتي .  فقال :  هيهات هيهات يا حجر ! أتشج بيد وتأسو باخرى ؟ وتريد إذا أمكننا الله منك أن نرضى ؟

كلا والله لاحرصن على قطع خيط رقبتك .  فقال :  ألم تؤمني حتى أتى معاوية فيرى في رأيه ؟ قال :  بلى، إنطلقوا به إلى السجن، فلما مضى به قال :  أما والله لولا أمانه ما برح حتى يلقط عصبه .  فاخرج وعليه برنس في غداة باردة فحبس عشر ليال، وزياد ماله غير الطلب لرؤس أصحاب حجر . 

 

 

عمرو بن الحمق

 

خرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى نزلا المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه وبلغ عامل ذلك الرستاق يقال له :  عبيدالله بن أبي بلتعة خبرهما فسار إليهما في الخيل فخرجا إليه، فأما عمرو فكان بطنه قد استسقى فلم يكن عنده إمتناع .  وأما رفاعة فكان شابا قويا فوثب على فرس له جواد وقال لعمرو : 

اقاتل عنك ؟ قال :  وما ينفعني أن تقتل ؟ ! انج بنفسك .  فحمل عليهم فأفرجوا له حتى أخرجه فرسه وخرجت الخيل في طلبه وكان راميا فلم يلحقه فارس إلا رماه فجرحه أو عقره فانصرفوا عنه، وأخذ عمرو بن الحمق فسألوه من أنت ؟ فقال :  من إن تركتموه كان أسلم لكم، وإن قتلموه كان أضر عليكم .  فسألوه فأبى أن يخبرهم فبعث به إبن أبي بلتعة إلى عامل الموصل وهو عبدالرحمن بن عبدالله بن عثمان الثقفي فلما رأى عمرا عرفه وكتب إلى معاوية بخبره فكتب إليه معاوية :  انه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه فأطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان . 

فاخرج فطعن تسع طعنات فمات في الاولى منهن أو في الثانية وبعث برأسه إلى معاوية فكان رأسه أول رأس حمل في الاسلام.

 

 

/  42 /

 

قال الاميني :  هذا الصحابي العظيم) عمرو بن الحمق (الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة (1) محكوم عليه عند القوم وغيرهم بالعدالة وكون أقواله وأفعاله حجة لولا أن عدالة الصحابة تمطط إلى اناس معلومين بالخلاعة والمجون كمغيرة بن شعبة، والحكم بن أبي العاص، والوليد بن عقبة، وعبدالله بن أبي سرح، وزياد بن أبيه، واغيلمة قريش من الشباب الزائف ممن جرت المخازي إليهم الويلات، وتتقلص عن آخرين أنهكتهم العبادة، وحنكتهم الشريعة، وأبلتهم الطاعة كعمرو بن الحمق، وحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، وزيد وصعصعة ابنى صوحان، ولداتهم . 

أنا لا أدري ما كان المبرر للنيل من عمرو وقتله ؟ وأي جريمة أوجبت أن يطعن بالطعنات التسع اللاتي أجهزت عليه اولاهن أو ثانيتها ؟ أما واقعة عثمان فكانت الصحابة مجمعين عليها بين سبب ومباشر كما قدمناه لك في الجزء التاسع ص 69 - 169 فلم لم يؤاخذوا عليها واختصت المقاصة اناسا انقطعوا إلى ولاء مولانا أميرالمؤمنين ولاء الله وولاء رسوله صلى الله عليه وآله ؟ ولم يجهز معاوية الجيوش ولا بعث البعوث على طلحة والزبير وهما أشد الناس في أمر عثمان وأوغلهم في دمه ؟ ! ومن ذا الذي أودي بعثمان غير معاوية نفسه في تثبطه عن نصره وتربصه به حتى بلغ السيف منه المحز (2) ؟ ولماذا كان يندد ويهدد ويؤاخذ أهل المدينة وغيرهم بأنهم تخاذلوا عن نصرته ولا يفعل شيئا عن ذلك بنفسه المتهاونة عن أمر الرجل ؟ نعم :  كانت تلكم الافاعيل على من يوالي عليا صلوات الله عليه، فهي منكمشة عمن يعاديه ويقدمهم إبن آكلة الاكباد . 

هل لمعاوية أن يثبت ان هلاك عثمان كان بطعنات عمرو ؟ وهؤلاء المؤرخون ينصون على أن المهجز عليه هو كنانة بن بشر التجيبي، وقد جاء في شعر الوليد بن عقبة : 

ألا إن خيـــــر النــــاس بعد ثلاثة * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وقال هو أو غيره : 

عـــــلاه بالعمـــــود أخــــــو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا وصفه الامام السبط الحسين عليه السلام فيما مر من كتاب له إلى معاوية . 

 (2) راجع الجزء التاسع ص 150 - 153 . 

 (3) الانساب للبلاذرى 5 :  98، تاريخ الطبرى 5 :  132 . 

 

 

/  43 /

 

وأخرج الحاكم في المستدرك 3 :  106 باسناده عن كنانة العدوي قال :  كنت فيمن حاصر عثمان قال :  قلت :  محمد بن أبي بكر قتله ؟ قال :  لا، قتله جبلة بن الايهم رجل من أهل مصر .  قال :  وقيل :  قتله كبيرة السكوني فقتل في الوقت .  وقيل :  قتله كنانة بن بشر التجيبي، ولعلهم اشتركوا في قتله لعنهم الله، وقال الوليد بن عقبة : 

ألا إن خيـــــر النــــاس بعد نبيهم * قتيل التجيبي الذي جاء من مصر

وفي الاستيعاب 2 :  477، 478 :  كان أول من دخل الدار عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال :  دعها يابن أخي والله لقد كان أبوك يكرمها .  فاستحى وخرج، ثم دخل رومان به سرحان رجل أزرق قصير محدود عداده في مراد وهو من ذي أصبح معه خنجر فاستقبله به وقال :  على أى دين أنت يا نعثل ؟ ! فقال عثمان :  لست بنعثل ولكنى عثمان ابن عفان وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين قال :  كذبت وضربه على صدغه الايسر فقتله فخر . 

وقال :  اختلف فيمن باشر قتله بنفسه فقيل :  محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص .  وقيل بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره، وكان الذي قتله سودان بن حمران وقيل :  بل ولي قتله رومان اليمامي .  وقيل :  بل رومان رجل من بني أسد بن خزيمة .  وقيل :  بل ان محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها وقال :  ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر فقال له :  يا ابن أخي ! أرسل لحيتي فوالله انك لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني .  فيقال :  انه حينئذ تركه وخرج عنه .  ويقال :  إنه حينئذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه .  والله أعلم . 

وأخرج أيضا ما رويناه عن المستدرك بلفظ :  فقال محمد بن طلحة فقلت لكنانة : 

هل ندى محمد بن أبي بكر بشئ من دمه ؟ قال :  معاذ الله دخل عليه فقال له عثمان :  يا ابن اخي لست بصاحبي وكلمه بكلام فخرج ولم يند بشئ من دمه .  قال :  فقلت لكنانة :  من قتله ؟ قال :  قتله رجل من أهل مصر يقال له :  جبلة بن الايهم ثم طاف بالمدينة ثلاثا يقول :  أنا قاتل نعثل .

 

 

/  44 /

 

وذكر المحب الطبري في رياضه 2 :  130 ما أخرجه أبوعمر في) الاستيعاب (من استحياء محمد بن أبي بكر وخروجه من الدار ودخول رومان بن سرحان وقتله عثمان . 

فقال :  وقيل :  قتله جبلة بن الايهم .  وقيل :  الاسود التجيبي وقيل :  يسار بن غلياض .  وأخرج ابن عساكر في حديث ذكره ابن كثير في تاريخه 7 :  175 :  وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى بأبي رومان .  وقال قتادة :  اسمه رومان .  وقال غيره :  كان أزرق أشقر .  وقيل :  كان إسمه سودان بن رومان المرادي .  وعن ابن عمر قال :  كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا .  إلخ . 

وقال ابن كثير في تاريخه 7 :  198 :  أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله فهذا لا يصح (1) عن أحد من الصحابة انه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله لكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الامر كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم . 

ثم أي مبرر لابن هند في أمره باتمام الطعنات التسع بعد الطعنة المودية به ؟ وهل في الشريعة تعبد بأن يفعل بالمقتص منه مثل ما فعله بمن يقتص له ؟ أو يكتفى بما هو المقصود من القصاص من إعدام القاتل ؟ ولعل عند فقيه بني امية مسوغا لا نعرفه أضف إلى ذلك حمل رأسه من بلد إلى بلد، وهو أول رأس مطاف به في الاسلام (2) . 

قال النسابة أبوجعفر محمد بن حبيب في كتاب) المحبر (ص 490 :  ونصب معاوية رأس عمرو بن الحمق الخزاعي وكان شيعيا ودير به في السوق .  وكان عبدالرحمن بن ام الحكم أخذه بالجزيرة .  وقال ابن كثير :  فطيف به في الشام وغيرها، فكان أول رأس طيف به ثم بعث معاوية برأسه إلى زوجته آمنة بنت الشريد - وكانت في سجنه - فالقي في حجرها .  فوضعت كفها على جبينه ولثمت فمه وقالت :  غيبتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلى قتيلا، فأهلا بها من هدية غير قالية ولا مقلية . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع فتعرف الصحيح من السقيم وتقف على جلية الحال في القضية . 

 (2) معارف ابن قتيبة 127، الاستيعاب 2 :  404، الاصابة 2 :  533 وقال :  ذكره ابن حبان بسند جيد، تاريخ ابن كثير 8 :  48

 

 

/  45 /

 

نعم :  هذه الافاعيل إلى أمثالها من نماذج فقه امه آكلة الاكباد الذي سوغ لها ما فعلت بعم النبي الاعظم سيد الشهداء حمزة سلام الله عليه، واقتص أثر أبيه يزيد بن معاوية فيما ارتكبه من سيد شباب أهل الجنة الحسين السبط صلوات الله عليه، فقتله و آله وصحبه الاكرمين أشنع قتلة وطيف برؤسهم الكريمة في الامصار على سمر القنا فأعقبهما خزاية لا يغسلها مر الدهور، وشية قورن ذكرها بالخلود . 

على انه لو كان هناك قصاص فهو لاولياء الدم وهم ولد عثمان، وإن لم يكن هناك ولي أو انه عجز عن تنفيذ الحكم فيقوم به خليفة الوقت فإنه ولي الدم وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو يومئذ وقبله مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام فهو موكول إليه، وكان عمرو ابن الحمق في كنفه يراه ويبصر موقفه وخضوعه له، فلو كان عليه قصاص أجراه عليه و هو الذي لم تأخذه في الله لومة لائم، وساوى عدله القريب والبعيد، وكانت يده مبسوطة عند ذاك، وعمرو أخضع له من الظل لذيه، ومعاوية عندئذ أحد أفراد الامة - إن صدق انه أحد أفرادها - لا يحويه عير ولا نفير، ولا يناط به حكم من أحكام الشريعة، غير أنه قحمه في الورطات حب الوقيعة في محبي علي أميرالمؤمنين عليه السلام والله من ورائه حسيب . 

 

 

صيفي بن فسيل

 

وجد زياد في طلب أصحاب حجر وهم يهربون منه ويأخذ من قدر عليه منهم فجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له :  إن امرء‌ا منا يقال له :  صيفي بن فسيل من رؤس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليه فبعث إليه فأتى به فقال له زياد :  يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ فقال :  ما أعرف أبا تراب .  قال :  ما أعرفك به ؟ أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ قال :  بلى .  قال :  فذلك أبوتراب .  قال :  كلا ذاك أبوالحسن والحسين .  فقال له صاحب الشرطة :  أيقول لك الامير :  هو أبوتراب، وتقول أنت :  لا ؟ قال :  أفإن كذب الامير أردت أن أكذب، وأشهد له بالباطل كما شهد ؟ قال له زياد :  وهذا أيضا مع ذنبك، علي بالعصا فاتي بها فقال :  ما قولك في علي ؟ قال :  أحسن قول أنا قائله في عبد من عبيدالله أقوله في أميرالمؤمنين .

 قال :  إضربوا عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض .  فضرب حتى لصق بالارض ثم قال :  أقلعوا عنه، ايه ما قولك في علي ؟ ! قال :  والله لو شرحتني

 

 

/  46 /

 

بالمواسى والمدى ما قلت إلا ما سمعت مني .  قال :  لتلعننه أو لاضربن عنقك .  قال :  إذا والله تضربها قبل ذلك، فأسعد وتشقى .  قال :  ادفعوا في رقبته .  ثم قال :  أوقروه حديدا واطرحوه في السجن، ثم قتل مع من قتل من حجر وأصحابه . 

قال الاميني :  ما أكبرها من جناية على رجل يقول :  ربي الله ويدين بالرسالة ويوالي إمام الحق، وليس عليه ما يجلب التنكيل به كما فعله ابن سمية بايعاز من ابن آكلة الاكباد إلا الخضوع لولاية أمر الكتاب بها والرضوخ لها، وقد أكدته السنة في نصوصها المتواترة . 

وهل الامتناع عن لعن من أمر الله باتباعه وطهره وقدسه يسوغ الضرب والحبس والقتل ؟ أنا لا أدري .  وإن إبن الزانية ومن ركزه على ولاية الامصار لعليمان بما ارتئاه، لكن احتدام بغضهما لصاحب الولاية الكبرى حداهما إلى أن يلغا دم من أسلم وجهه لله وهو محسن .  وإلى الله المنتهى . 

 

 

قبيصة بن ضبيعة

بعث زياد إلى قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي صاحب شرطته شداد بن الهيثم فدعا قبيصة في قومه وأخذ سيفه فأتاه ربعي بن حراش بن جحش العبسي ورجال من قومه ليسوا بالكثير فأراد أن يقاتل فقال صاحب الشرطة :  أنت آمن على دمك و مالك، فلم تقتل نفسك ؟ فقال له أصحابه :  قد اومنت فعلام تقتل نفسك وتقتلنا معك ؟

قال :  ويحكم إن هذا الدعي ابن العاهرة والله لئن وقعت في يده لا أفلت منه أبدا أو يقتلني .  قالوا :  كلا فوضع يده في أيديهم فأقبلوا به إلى زياد فلما دخلوا عليه قال زياد :  وحي عسى تعزون على الدين، أما والله لاجعلن لك شاغلا عن تلقيح الفتن  والتوثب على الامراء .  قال :  إني لم آتك إلا على الامان .  قال :  فانطلقوا به إلى السجن وقتل مع من قتل من أصحاب

حجر . 

 

 

عبدالله بن خليفة

بعث زياد بكير بن حمران الاحمري إلي عبدالله بن خليفة الطائي وكان شهد مع حجر فبعثه في اناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم

 

 

/  47 /

 

فأخرجوه فلما أرادوا أن يذهبوا به وكان عزيز النفس إمتنع منهم فحاربهم وقاتلهم فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط فنادت ميثاء اخته :  يا معشر طئ ! أتسلمون إبن خليفة لسانكم وسنانكم ؟ فلما سمع الاحمري نداء‌ها خشي أن تجتمع طئ فيهلك فهرب فخرج نسوة من طئ فأدخلنه دارا وانطلق الاحمري حتى أتى زيادا

فقال :  إن طيئا إجتمعت إلي فلم أطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه وقال :  جئني به وقد اخبر عدي بخبر عبدالله، فقال عدي :  كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟ قال :  جئني حتى أن قد قتلوه، فاعتل له وقال :  لا أدري أين هو ولا ما فعل فحبسه فلم يبق رجل من أهل المصر من أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي فأتوا

زيادا فكلموه فيه وأخرج عبدالله فتغيب في بحتر فأرسل إلى عدي إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت، فبعث إليه عدي :  والله لو كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك .  فدعا زياد عديا فقال له :  إني اخلي سبيلك على أن تجعل لي لتنفيه من الكوفة ولتسير به إلى جبلي طئ

 

قال :  نعم فرجع وأرسل إلى عبدالله بن خليفة :  اخرج فلو قد سكن غضبه لكلمته فيك حتى ترجع إن شاء الله .  فخرج إلى الجبلين ومات بهما قبل موت زياد .

 

 

الشهادة المزورة على حجر

 

جمع زياد من أصحاب حجر بن عدي أثنى عشر رجلا في السجن ثم دعا رؤساء الارباع وهم :  عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة .  وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان .  وقيس بن الوليد على ربع ربيعة وكندة .  وأبوبردة بن أبي موسى على ربع مذحج وأسد، فشهد هؤلاء ان حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أميرالمؤمنين، وزعم ان هذا الامر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراء‌ة من عدوه وأهل حربه، وان هؤلاء الذين معه هم رؤس أصحابه وعلى مثل رأيه .  ونظر زياد في شهادة الشهود وقال :  ما أظن هذه شهادة قاطعة وأحب أن يكون الشهود أكثر من أربعة فدعا الناس ليشهدوا عليه وقال زياد : 

 

/  48 /

 

على مثل هذه الشهادة فاشهدوا، أما والله لاجهدن على قطع خيط عنق الخائن الاحمق فقام عثمان بن شرحبيل التيمي أول الناس فقال :  اكتبوا اسمي فقال زياد :  ابدؤا بقريش ثم اكتبوا إسم من نعرفه ويعرفه أميرالمؤمنين بالصحة والاستقامة (1) فشهد عليه سبعون رجلا فقال زياد :  ألقوهم إلا من عرف بحسب وصلاح في دينه فألقوا حتى صيروا إلى هذه العدة وهم أربع وأربعون فيهم :  عمر بن سعد بن أبي وقاص .  شمر بن ذي الجوشن شبث بن ربعي .  زجر بن قيس.

وممن شهد شداد بن المنذر أخو الحضين وكان يدعى :  إبن بزيعة .  فكتب :  شهادة إبن بزيعة.  فقال زياد :  أما لهذا أب ينسب إليه ؟ ألغوا من الشهود فقيل له :  انه أخو الحضين بن المنذر ؟ فقال :  أنسبوه إلى أبيه فنسب، فبلغ ذلك شدادا فقال :  والهفاه على إبن الزانية أو ليست امه أعرف من أبيه ؟ فوالله ما ينسب إلا إلى امه سمية . 

وكتب في الشهود شريح بن الحرث، وشريح بن هانئ .  فأما شريح بن الحرث فقال :  سألني عنه فقلت :  أما انه كان صواما قواما .  وأما شريح بن هانئ فقال : 

بلغني ان شهادتي كتبت فأكذبته ولمته، وكتب كتابا إلى معاوية وبعثه اليه بيد وائل بن حجر وفي الكتاب :  بلغني ان زيادا كتب شهادتي، وان شهادتي على حجر انه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه .  فلما قرأ معاوية الكتاب قال : 

ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم . 

وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله . 

قال الاميني :  هذه شهادة زور لفقها إبن أبيه أو ابن امه على أصناف من الناس منهم الصلحاء والاخيار الذين أكذبوا ذلك العز والمختلق كشريح بن الحرث وشريح بن هانئ ومن حذا حذوهما، وشهدوا بخلاف ما كتب عنهما ومنهم من كانوا غائبين عن ساعة الشهادة وساحتها، لكن يد الافك أثبتتها عليهم كابن وقاص الحارثي ومن يشاكله . 

ومنهم رجرجة من الناس يستسهلون شهادة الزور ويستسوغون من جرائها إراقة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعنى المعروفين بالاستقامة في عداء أميرالمؤمنين على عليه السلام واهل بيته . 

 

 

/  49 /

 

الدماء ليس لهم من الدين موضع قدم ولا قدم كعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس، فتناعقوا بشهادة باطلة لاجلها وصفهم الدعي بانهم خيار أهل المصر وأشرافهم، وذوو النهى والدين .  وإن معاوية جد عليم بحقيقة الحال لكن شهوة الوقيعة في كل ترابي حبذت له قبول الشهادة المزورة والتنكيل بحجر وأصحابه الصلحاء الاخيار، فصرم بهم اصول الصلاح وقطع أواصرهم يوم أودى بهم، ولم يكترث لمغبة ما ناء به من عمل غير مبرور فإلى الله المشتكى . 

 

 

تسيير حجر واصحابه إلى معاوية ومقتلهم

 

دفع زياد حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب وأمرهما أى يسيرا بهم إلى الشام فخرجوا عشية وسار معهم صاحب الشرطة حتى أخرجهم من الكوفة فلما انتهوا إلى جبانة عرزم نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات فقال لوائل وكثير :  ائذنا لي فاوصي أهلي .  فأذنا له، فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال :  اسكن فسكتن .  فقال :  اتقين الله عزوجل واصبرن فاني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين :  إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن الذي يرزقكن ويكفيني مؤنتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت، أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن .  ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية . 

فساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وهم اثنى عشر رجلا : 

حجر بن عدي، الارقم بن عبدالله، شريك بن شداد، صيفي بن فسيل، قبيصة بن ضبيعة، كريم بن عفيف، عاصم بن عوف، ورقاء بن سمي، كدام بن حيان، عبدالرحمن بن حسان، محرز بن شهاب، عبدالله بن حوية .  وأتبعهم زياد برجلين مع عامر بن الاسود فتموا أربعة عشر رجلا فحبسوا بمرج عذراء فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه على أهل الشام فإذا فيه : 

بسم الله الرحمن الرحيم لعبدالله معاوية بن أبي سفيان أميرالمؤمنين من زياد بن أبي سفيان أما

بعد :  فإن الله قد أحسن عند أميرالمؤمنين البلاء، فأدا له من عدوه وكفاه مؤنة من بغى عليه،

 

 

/  50 /

 

إن طواغيت الترابية الصبائية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أميرالمؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي النهى والدين فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا، وقد بعثت بهم إلى أميرالمؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا . 

فلما قرأ معاوية الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال :  ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون ؟ فقال له يزيد بن أسد البجلي :  أرى أن تفرقهم في قرى الشام فيكفيكهم طواغيتها وكتب معاوية إلى زياد :  أما بعد :  فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قبلك عليهم فنظرت في ذلك فأحيانا أرى قتلهم أفضل من تركهم، وأحيانا أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم، والسلام . 

فكتب إليه زياد مع يزيد بن حجية التميمي :  أما بعد :  فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه فعجبت لاشتباه الامر عليك فيهم وقد شهد عليهم بما قد سمعت من هو أعلم بهم، فإن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا تردن حجرا وأصحابه إلي . 

فأقبل يزيد بن حجية حتى مر بهم بعذراء، فقال :  يا هؤلاء ! أما والله ما أرى براء‌تكم ولقد جئت بكتاب فيه الذبح فمروني بما أحببتم مما ترون انه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به .  فقال حجر أبلغ معاوية :  أنا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وإنما شهد علينا الاعداء والاظناء فقدم يزيد بالكتاب إلى معاوية وأخبره بقول حجر فقال معاوية . 

زياد أصدق عندنا من حجر .  فقال عبدالرحمن بن ام الحكم الثقفي .  ويقال :  عثمان بن عمير الثقفي :  جذاذها جذاذها .  فقال له معاوية :  لا تعن أبرا .  فخرج أهل الشام ولا يدرون ما قال معاوية وعبدالرحمن فأتوا النعمان بن بشير فقالوا له مقالة ابن ام الحكم فقال النعمان :  قتل القوم . 

أقبل عامر بن الاسود العجلي وهو بعذراء يريد معاوية ليعلمه بالرجلين اللذين بعث بهما زياد ولحقا بحجر وأصحابه فلما ولى ليمضي قام إليه حجر بن عدي يرسف في القيود فقال :  يا عامر ! اسمع مني أبلغ معاوية :  إن دماء‌نا عليه حرام .  وأخبره أنا قد اومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا .  فقال له نحوا من هذا الكلام فأعاد عليه حجر مرارا .  فدخل عامر على معاوية فأخبره بأمر الرجلين فقام يزيد بن أسد البجلي فاستوهب

 

 

/  51 /

 

الرجلين وكان جرير بن عبدالله كتب في أمر الرجلين انهما من قومي من أهل الجماعة و الرأى الحسن سعى بهما ساع ظنين إلى زياد وهما ممن لا يحدث حدثا في الاسلام ولا بغيا على الخليفة فلينفعهما ذلك عند اميرالمؤمنين .  فوهبهما له وليزيد بن اسد .  وطلب وائل بن حجر في الارقم الكندي فتركه .  وطلب أبوالاعور في عتبة بن الاخنس فوهبه له .  وطلب حمزة بن مالك الهمداني في سعيد بن نمران فوهبه له .  وطلب حبيب بن مسلمة في عبدالله بن حوية التميمي فخلى سبيله . 

فقام مالك بن هبيرة فسأله في حجر فلم يشفعه فغضب وجلس في بيته، فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي من بني سلامان بن سعد والتحصين بن عبدالله الكلابي وأبا شريف البدي - في الاغاني :  أبا حريف البدري - فأتوهم عند المساء فقال الخثعمي حين رأى الاعور مقبلا :  يقتل نصفنا وينجو نصفنا .  فقال سعيد بن نمران :  أللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض .  فقال عبدالرحمن بن حسان العنزي :  أللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راض فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد .  فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسل معاوية :  إنا قد امرنا أن نعرض عليكم البراء‌ة من علي واللعن له فإن فعلتم هذا تركناكم وإن أبيتم قتلناكم، وان أميرالمؤمنين يزعم ان دماء‌كم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير انه قد عفا عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا :  لسنا فاعلين فامروا بقيودهم فحلت، وبقبورهم فحفرت، وادنيت أكفانهم، فقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية :  يا هؤلاء !

قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا :  هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق .  فقال :  أصحاب معاوية أميرالمؤمنين كان أعلم بكم، ثم قاموا إليهم وقالوا :  تبرؤن من هذا الرجل ؟ قالوا :  بل نتولاه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله فوقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي فقال له قبيصة : 

إن الشر بين قومي وقومك أمن - أي :  آمن - فليقتلني غيرك فقال له :  برتك رحم فأخذ الحضرمي فقتله .  وقتل القضاعي صاحبه . 

قال لهم حجر :  دعوني اصلي ركعتين، فأيمن الله ما توضات قط إلا صليت ركعتين . 

 

 

/  52 /

 

فقالوا له :  صل .  فصلى ثم انصرف فقال :  والله ما صليت صلاة قط أقصر منها ولو لا أن تروا ان ما بي جزع من الموت لاحببت أن أستكثر منها .  ثم قال :  أللهم إنا نستعديك على امتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا، أما والله لئن قتلتموني بها اني لاول فارس من المسلمين سلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها .  فمشى إليه هدبة الاعور بالسيف فارعدت فصائله فقال :  كلا زعمت انك لا تجزع من الموت فأنا أدعك فابرأ من صاحبك .  فقال :  مالي لا أجزع ؟ وأنا أرى قبرا محفورا، وكفنا منشورا، وسيفا مشهورا، واني والله إن جزعت لا أقول ما يسخط الرب فقيل له :  مد عنقك .  فقال :  إن ذلك لدم ما كنت لاعين عليه، فقدم فضربت عنقه وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة . 

 

 

الخثعمي والعنزي من أصحاب حجر

 

قال عبدالرحمن بن حسان العنزي، وكريم بن عفيف الخثعمي :  إبعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته .  فبعثوا إلى معاوية فأخبروه فبعث ائتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي :  لا تبعد يا حجر ! ولا يبعد مثواك، فنعم أخو الاسلام كنت .  وقال الخثعمي نحو ذلك ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا . 

كفـــى بشفاة القبر بعدا لهالك * وبالموت قطاعا لحبل القرائن

فلما دخل عليه الخثعمي قال له :  ألله ألله يا معاوية ! إنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ومسئول عما أردت بقتلنا وفيم سفكت دماء‌نا ؟ فقال معاوية :  ما تقول في علي ؟ قال أقول فيه قولك، أتتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به ؟ فسكت وكره معاوية أن يجيبه فقام شمر بن عبدالله الخثعمي فاستوهبه .  فقال :  هو لك غير اني جالسه شهرا فحبسه فكان يرسل إليه بين كل يومين فيكلمه، ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة ما دام له سلطان فنزل الموصل فكان يقول :  لو قد مات معاوية قدمت المصر فمات قبل معاوية بشهر . 

ثم أقبل على عبدالرحمن بن حسان فقال له :  ايه يا أخا ربيعة ! ما قولك في علي ؟

 

 

/  53 /

 

قال :  دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال :  والله لا أدعك حتى تخبرني عنه .  قال :  أشهد انه كان من الذاكرين الله كثيرا، ومن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر (1) والعافين عن الناس .  قال :  فما قولك في عثمان ؟ قال :  هو أول من فتح باب الظلم وارتج أبواب الحق .  قال :  قتلت نفسك .  قال بل إياك قتلت لا ربيعة بالوادي - يعني انه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه - فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه :  أما بعد :  فإن هذا العنزي شر من بعثت به فعاقبه بالعقوبة التي هو أهلها واقتله شر قتلة .  فلما قدم به على زياد بعث به إلي قس الناطف (2) فدفن به حيا . 

فقتل من أصحاب حجر معه . 

شريك بن شداد الحضرمـــي * صيفـــي بــن فسيل الشيباني * قبيصة بــــن ضبيعة العبسي

محرز بن شهاب المنقــــري * كـــدام بــــن حيــــان العنزي * عبدالرحمن بن حسان العنزي

ونجا منهم : 

كريم بن عفيـف الخثعمي * عبدالله بن حوية التميمي * عاصــم بن عوف البجلي

ورقـــاء بن سمي البجلي * أرقـــم بن عبدالله الكندي * عتبة بن الاخنس السعدي

سعد بن نمران الهمداني . 

أخذنا ما في هذا الفصل (3) من الاغانى 16 :  2 - 11، عيون الاخبار لابن قتيبة 1 : تاريخ الطبرى 6 :  141 - 156، مستدرك الحاكم 3 :  468، تأريخ ابن عساكر 4 :  84، ج 6 :  459، الكامل لابن الاثير 3 :  202 - 208، تاريخ ابن كثير 8 :  49 - 55 . 

قال الاميني :  من حجر بن عدي ؟ ومن الذين كانوا معه ؟ وما الذي كانت غايتهم في تلكم المواقف الهائلة ؟ وماذا اقترفوه من ذنب حتى قتلوا تقتيلا ؟ ولماذا هتكت حرمانهم، وقطعت أوصال حياتهم وهم فئة مسلمة ! ؟

حجر بن عدي من عدول الصحابة، أو أحد الصحابة العدول، راهب أصحاب محمد صلى الله عليه وآله كما قاله الحاكم (4) من أفاضل الصحابة وكبارهم مع صغر سنه مستجاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في الاغانى :  من الامرين بالحق والقائمين بالقسط . 

 (2) موضع قرب الكوفة على شاطئ الفرات الشرقى . 

 (3) المذكور تحت عنوان [ معاوية وحجر بن عدى وأصحابه ] ص 37 . 

 (4) مستدرك الحاكم 3 :  468 . 

 

 

/  54 /

 

الدعوة كما في الاستيعاب (1) وكان ثقة معروفا كما قاله ابن سعد (2) وقال المرزباني :  إنه وفد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من عباد الله وزهادهم وكان بارا بامه، وكان كثير الصلاة والصيام (3) وقال أبومعشر :  كان عابدا وما أحدث الا توضأ وما توضأ إلا صلى (4) وكان له صحبة ووفادة وجهاد وعبادة كما في الشذرات (5) وكان صاحب كرامة واستجابة دعاء مع التسليم إلى الله، روى ابن الجنيد في كتاب الاولياء :  إن حجر بن عدي أصابته جنابة فقال للموكل به :  اعطني شرابي أتطهر به ولا تعطني غدا شيئا .  فقال :  أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية قال :  فدعا الله فانسكبت له صحابة بالماء فأخذ منها الذي احتاج إليه، فقال له أصحابه :  ادع الله أن يخلصنا .  فقال :  أللهم خر لنا (6) . 

وقالت عائشة :  أما والله إن كان ما علمت لمسلما حجاجا معتمرا (7) وقالت لمعاوية :  قتلت حجرا وأصحابه، أما والله لقد بلغني انه سيقتل بعذراء سبعة رجال - وفي لفظ :  اناس - يغضب الله وأهل السماء لهم (8) . 

وقال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام :  يا أهل الكوفة ! سيقتل فيكم سبعة نفرهم من خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود .  وفي لفظ :  حجر بن عدي واصحابه كأصحاب الاخدود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (9) . 

وفيما كتب (10 (الامام السبط الحسين عليه السلام إلى معاوية :  ألست قاتل حجر وأصحابه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ج 1 :  135 . 

 (2) طبقات ابن سعد، تاريخ ابن عساكر 4 :  85، تاريخ ابن كثير 8 :  50 . 

 (3) تاريخ ابن كثير :  8 :  50 . 

 (4) تاريخ ابن عساكر 4 :  85، 420، ج 5، تاريخ ابن كثير 8 :  50 . 

 (5) 1 :  57 . 

 (6) الاصابة 1 :  315 . 

 (7) الاغانى 16 :  11، تاريخ الطبرى 6 :  156، الكامل 4 :  209 . 

 (8) تاريخ ابن عساكر 4 :  86، تاريخ ابن كثير 8 :  55، الاصابة 1 :  315 . 

 (9) تاريخ ابن عساكر 4 :  66، تاريخ ابن كثير 8 :  55، شذرات الذهب 1 :  57 . 

(10)  مر تمام الكتاب في الجزء العاشر ص 160، 161 . 

 

 

/  55 /

 

العابدين المخبتين ؟ الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما أعطيتهم المواثيق الغليظة والعهود المؤكدة جرأة على الله واستخفافا بعهده ؟

أو لست بقاتل عمرو بن الحمق الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم نزلت من سقف الجبال ؟

أو لست قاتل الحضرمي (1) الذي كتب إليك فيه زياد :  انه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم الذي اجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولو لا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين :  رحلة الشتاء والصيف، فوضعها الله عنكم بنا، منة عليكم . 

هذا حجر وأصحابه، وأما غاية ذلك العبد الصالح والتابعين له باحسان في مواقفهم كلها فهي النهي عن المنكر الموبق من لعن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام على صهوات المنابر فكانوا يغبرون في وجه من يرتكب تلكم الجريمة من عمال معاوية وزبانيته الاشداء على إمام الحق وأوليائه، ولم ينقم القوم منهم غير ذلك من عيث في المجتمع، أو إفساد على السلطان، أو شق لعصا المسلمين وكان حجر وهو سيد قومه يقول :  ألا إني على بيعتي لا أقيلها ولا أستقيلها سماع الله والناس .  ويقول ليزيد بن حجية :  ابلغ معاوية انا على بيعتنا لا نستقيلها ولا نقيلها، وانه انما شهد علينا الاعداء والاظناء .  ويقول :  ما خلعت يدا عن طاعة ولا فارقت جماعة وإني على بيعتي .  ولما ادخل على معاوية سلم عليه بإمرة المؤمنين (2) . 

لم يكن صلاح الرجل وأصحابه يخفى على أي أحد حتى على مثل المغيرة الذي كان من زعانف معاوية الخصماء الالداء على شيعة أميرالمؤمنين علي عليه السلام فإنه لما اشير إليه بالتنكيل بحجر وأصحابه قال :  لا احب أن أبتدئ أهل هذا المصر بقتل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يعنى شريك بن شداد الحضرمي، كان من أصحاب حجر الذين بعث بهم زياد إلى معاوية وقتل مع حجر . 

 (2) الاغانى 16 :  6، تاريخ الطبرى 6 :  153، الكامل لابن الاثير :  4 :  210، مستدرك الحاكم 3 :  469، 470، الاستيعاب 1 :  357، الاصابة :  1 :  315 .

 

 

/  56 /

 

خيارهم وسفك دماء‌هم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية ويذل يوم القيامة المغيرة، ورأى أصحاب معاوية منهم آخر ليلة حياتهم بعذراء حسن صلاة ودعاء فأعجبهم نسكهم وأكبروا موقفهم من طاعة الله غير أنهم ألقوا عليهم البراء‌ة من علي أميرالمؤمنين عليه السلام بأمر من معاوية برائة يتبعها الامان والسلام فلم يفعلوا، فقتلوا في موالاة علي عليه السلام كما قاله الحاكم في المستدرك 3 :  470، وسمعت في كلمة الامام السبط عليه السلام قوله :  أو لست قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد :  أنه على دين علي كرم الله وجهه .  فلم يك ذنبهم إلا موالاة من قرن الله ولايته بولايته وولاية رسوله . 

ونحن لا ندري هل ثبت في الشريعة أن البراء‌ة من إمام الهدى ولعنه مجلبة للامان على حين أن الرجل مستحق للاعدام ؟ أو أن ذلك نفسه فريضة ثابتة قامت بها الضرورة من الدين فيهدر به دم تاركها، ويكون قتله من احب ما يكون إلى معاوية كما جاء فيما رواه ابن كثير في تاريخه 8 :  54 من أن عبدالرحمن بن الحارث قال لمعاوية : 

أقتلت حجر بن الادبر ؟ فقال معاوية :  قتله أحب إلي من أن أقتل معه مائة ألف . 

نعم :  نحن لا ندري، لكن فقه معاوية وشهواته يستسيغان ذلك، فلا يصيخ إلى نصح أي ناصح، فإنه لما استشار أصحابه في أمر حجر وهو في سجن عذراء قال له عبدالله بن زيد بن أسد البجلي :  يا أميرالمؤمنين ! أنت رأعينا ونحن رعيتك، وأنت ركننا ونحن عمادك، إن عاقبت قلنا :  أصبت .  وإن عفوت قلنا :  أحسنت .  والعفو أقرب للتقوى، وكل راع مسؤول عن رعيته (1) وما ذنب حجر وأصحابه الصلحاء ومن شاكلهم من أهل الصلاح وحملة الاسلام الصحيح إذ عبسوا على إمارة السفهاء ؟ إمارة الوزع ابن الوزغ، إلى أزنى ثقيف مغيرة، إلى طليق إسته بسر بن أرطاة، إلى ابن أبيه زياد، إلى خليفتهم الغاشم ابن هند .  و حجر وأصحابه هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وأخبتوا إلى ما جاء به نبي الاسلام، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله انه قال لجابر بن عبدالله :  أعاذك الله من إمارة السفهاء .  قال :  وما إمارة السفهاء ؟ قال :  امراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا علي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مستدرك الحاكم 3 :  469 .

 

 

/  57 /

 

حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فاولئك مني وأنا منهم، و سيردوا علي حوضي (1)

وقال صلى الله عليه وآله :  إن هلاك امتي أو فسادا امتي رؤس امراء اغيلمة سفهاء من

قريش (2).

وعن كعب بن عجرة مرفوعا :  سيكون امراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على طلمهم، فليس مني ولا أنا منه، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ولا يرد علي الحوض يوم القيامة (3).

وقال صلى الله عليه وآله :  ستكون عليكم امراء تشغلهم أشياء عن الصلاة حتى يؤخروها عن وقتها، فصلوها لوقتها (4) وابن سمية من اولئك الامراء الذين أخروا الصلاة وأنكره عليه ذلك حجر بن عدي كما مر حديثه في الجزء العاشر ص 120 . 

ولم يكن لمعاوية عذر في قتل اولئك الصفوة إلا التشبث بالتافهات فكان يتلون في الجواب بمثل قوله :  إني رأيت في قتلهم صلاحا للامة، وفي مقامهم فسادا للامة . 

وقوله :  إني وجدت قتل رجل في صلاح الناس خيرا من استحيائه في فسادهم (5) وهل صلاح الناس في الالتزام بلعن علي أميرالمؤمنين عليه السلام والبرائة منه والتحامل على شيعته، وفسادهم في تركها أو النهي عنها ؟ انظر لعلك تجد له وجها في غير شريعة الاسلام . 

وبمثل قوله :  لست أنا قتلتهم إنما قتلهم من شهد عليهم (6) ولقد عرفت حال تلك الشهادة المزورة، أو انها من قوم لا خلاق لهم، وكان معاوية أعرف بها وبهم، ومع ذلك استباح دماء القوم، وتترس بقيله عن مراشق العتاب، والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند أحمد 3 :  321 .

 (2) مسند أحمد 2 :  299، 304، 328، 520 .

 (3) مسند أحمد 4 :  243، تاريخ الخطيب 5 :  362 .

 (4) مسند أحمد 5 :  315، تاريخ الخطيب 13 :  185 .

 (5) تاريخ ابن كثير 8 :  55 .

 (6) تاريخ الطبرى 6 :  156، الاستيعاب 1 :  135 .

 

 

/  58 /

 

وبمثل قوله :  فما أصنع كتب إلي فيهم زياد يشدد أمرهم ويذكر انهم سيفتقون علي فتقا لا يرقع

(1) وقوله :  حملني ابن سمية فاحتملت (2) قبح الله الصلف والوقاحة أكان زياد عاملا له أو هو عامل لزياد ؟ ! حتى يحتمل الموبقات بإشارته .  وهل يهدر دماء الصالحين - وبذلك عرفهم المجتمع الديني - بقول فاسق مستهتر ؟ ! والله يقول :  يا أيها الذين آمنوا إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (3) لكن معاوية بعد أن استلحق زيادا بأبي سفيان راقه أن لا ينحرف عن مرضاته وفيها شفاء غلته وإن زحزحته عن زمرة اناس خوطبوا بالآية الشريفة . 

وبمثل قوله لعائشة لما عاتبته على قتله حجرا وأصحابه :  فدعيني وحجرا نلتقي عند ربنا عزوجل .  وقوله لها حين قالت له :  أين عزب عنه حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه ؟ :  حين غاب عني مثلك من حلماء قومي (4) إن هو إلا الهزء بالله و بلقاء‌ه، أو لم يكف من آمن بالله واليوم الآخر نصح القرآن وحده وشرعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم معه في حرمة دماء المؤمنين الابرياء ؟ هل يسع معاوية أو يغنيه يوم لقاء الله التمسك بالترهات تجاه قوله تعالى :  ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق (5) وقوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ .  ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما (6) وقوله تعالى :  إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (7) وقوله تعالى :  وعباد الرحمن الذين يمشون في الارض هونا - إلى قوله - ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاستيعاب 1 :  134، اسد الغابة 1 :  386 . 

 (2) الاغانى 16 :  11، تاريخ الطبرى 6 :  156، كامل ابن الاثير 4 :  209 . 

 (3) سورة الحجرات :  6 . 

 (4) الاغاني 16 :  11، الاستيعاب 1 :  134، اسد الغابة 1 :  386، تاريخ ابن كثير 8 :  55 . 

 (5) سورة الاسراء :  33 . 

 (6) سورة النساء :  92، 93 . 

 (7) سورة آل عمران :  21 . 

 

 

/  59 /

 

يلق أثاما ؟ ! (1) . 

أو لم يكف معاوية ما رواه هو نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله :  كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ؟ مسند أحمد 4 :  96 . 

أو ما كتبه بيده الاثيمة إلى مولانا أميرالمؤمنين من كتاب :  واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :  لو تمالا أهل صنعاء وعدن على قتل رجل واحد من المسلمين لاكبهم الله على مناخرهم في النار ؟ . 

أو ما رواه ابن عمر مرفوعا :  لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ؟ . 

أوما جاء به البراء بن عازب مرفوعا :  زوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق .  رواه ابن ماجة والبيهقي، وزاد فيه الاصبهاني :  ولو أن أهل سماواته وأهل أرضه اشتركوا في دم مؤمن لادخلهم النار . 

وفي رواية لبريدة مرفوعا :  قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا . 

وفي حديث لابي هريرة مرفوعا :  لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن لاكبهم الله في النار . 

ومن حديث لابن عباس مرفوعا :  لو اجتمع أهل السماء والارض على قتل امرئ لعذبهم الله إلا أن يفعل ما يشاء . 

ومن حديث لابي بكرة مرفوعا :  لو ان أهل السماوات والارض اجتمعوا على قتل مسلم لكبهم الله جميعا على وجوههم في النار . 

ومن طريق ابن عباس مرفوعا :  أبغض الناس إلى الله ملحد في الحرم .  ومبتغ في الاسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه، صحيح البخاري،

سنن البيهقي 8 :  27 . 

ومن طريق أبي هريرة مرفوعا :  من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي الله مكتوبا بين عينيه :  آيس من رحمة الله . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الفرقان :  68 . 

 

 

/  60 /

 

ومن حديث أبي موسى مرفوعا :  أصبح أبليس بث جنوده فيقول :  من أخذل اليوم مسلما ألبسه التاج .  فيجئ هذا فيقول :  لم أزل به حتى طلق امرأته .  فيقول :  أوشك أن يتزوج .  ويجئ هذا فيقول :  لم أزل به حتى عق والديه .  فيقول :  يوشك أن يبرهما ويجئ هذا فيقول :  لم أزل به حتى أشرك .  فيقول :  أنت أنت ويجئ هذا فيقول :  لم أزل به حتى قتل فيقول :  أنت أنت ويلبسه التاج . 

ومن حديث عبدالله بن عمرو مرفوعا :  من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما .  وفي لفظ أحمد :  من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله تبارك وتعالى عليه الجنة لم يشم ريحها . 

إلى أحاديث جمة اخرى أخرجها الحفاظ وأئمة الحديث في الصحاح والمسانيد وجمع شطرا منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3 :  120 - 123 . 

ما أحوج معاوية مع هذه كلها إلى نصح ضرائب عائشة في هذه الموبقة الكبيرة و هي نفسها لم تكترث لسفك دماء آلاف مؤلفة ممن حسبتهم أبنائها على حد قول الشاعر : 

جاء‌ت مع الاشقين في هودج * تزجــــي إلى البصرة أجنادها

كأنهـــــا فـــــي فعلهـــــا هـرة * تريـــــد أن تأكـــــل أولادهـــا

نعم :  مضى حجر سلام الله عليه إلى ربه سجيح الوجه، وضئ الجبين، حميدا سعيدا مظلوما مهتضما، مضرجا بدمه، مصفدا بقيود الظلم والجور، خاتما حياته الحميدة بالصلاة، قائلا :  لا تطلقوا عني حديدا، ولا تغسلوا عني دما، وادفنوني في ثيابي فإني مخاصم .  وفي لفظ :  فإنا نلتقي معاوية على الجادة .  (1) وأبقت تلك الموبقة على معاوية خزي الابد، وعد الحسن من أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة :  قلته حجرا

، وقال :  ويلا له من حجر و أصحاب حجر (2) . 

ونحن على يقين من أن الله تعالى سيأخذ ابن آكلة الاكباد بما خطته يده

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مستدرك الحاكم 3 :  469، 470، الاستيعاب 1 :  135، كامل ابن الاثير 4 :  210، اسد الغابة 1 :  386، الاصابة 1 :  315 . 

 (2) مرح تمام حديث الحسن في ص 225 من الجزء العاشر . 

 

 

/  61 /

 

الاثيمة إلى أهل البصرة من قوله :  إن سفك الدماء بغير حلها، وقتل النفوس التي حرم الله قتلها، هلاك موبق، وخسران مبين، لا يقبل الله ممن سفكها صرفا ولا عدلا (1).

 

 

الحضرميان وقتلهما على التشيع

 

قال النسابة أبوجعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفى 245 في كتابه)المحبر) ص 479 :  صلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر وعبدالله بن نجي الحضرميين، على أبوابهما اياما بالكوفة وكانا شيعيين وذلك بأمر معاوية .  وقد عدهما الحسين بن علي رضي الله عنهما على معاوية في كتابه اليه : الست صاحب حجر والحضرميين اللذين كتب اليك ابن سمية أنهما على دين علي ورأيه، فكتبت إليه من كان على دين علي ورأيه فاقتله وامثل به، فقتلهما ومثل بأمرك بهما ؟ ودين علي وابن عم علي الذي كان يضرب عليه أباك - يضربه عليه أبوك - أجلسك مجلسك الذي أنت فيه .  ولولا ذلك كان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشم الرحلتين (2) اللتين بنا من الله عليك بوضعها عنكم . 

قال الاميني :  هلموا معي يا أهل دين الله ! هل اعتناق دين علي عليه السلام مما يستباح به دم مسلم، وتستحل المثلة والتنكيل المحظورة في الشريعة المطهرة، الممنوع عنها ولو بالكلب العقور ؟ أليس دين علي هو دين محمد صلى الله عليه وآله الذي صدع به عن الله تعالى ؟ نعم هو كذلك لكن معاوية حايد عن الدين القويم ولا يقيم له وزنا ما، ولا يكترث لمغبة هتكه، ولا يتريث عن الوقيعة فيه . 

 

 

مالك الاشتر

 

ومن الصلحاء الذين قتلهم معاوية بغير ذنب أتاه مالك بن الحارث الاشتر النخعي لله در مالك وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا، ولو كان من حجر لكان صلدا، على مثل مالك فليبك البواكي، وهل موجود كمالك ؟ أشد عباد الله بأسا، وأكرمهم حسبا، كان أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، حسام صارم، لا نابي الضريبة، ولا كليل الحد، حكيم في السلم، رزين في الحرب ذو رأي أصيل، وصبر جميل . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح ابن أبى الحديد 1 :  350 . 

 (2) كان المقريش في الجاهلية رحلتان كل عام :  رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام .  وكان ابوسفيان يرء‌س العير التي تردد بين مكة والشام . 

 

 

/  62 /

 

كان ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل، كان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق، كان فارسا شديد البأس شجاعا رئيسا حليما جوادا فصيحا شاعرا (1) . 

كتب علي عليه السلام إلى مالك وهو يومئذ بنصيبين :  أما بعد :  فإنك ممن استظهرته على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الاثيم، وأشد الثغر المخوف، وكنت وليت محمد بن أبي بكر مصر فخرجت عليه بها خوارج وهو غلام حدث ليس بذي تجربة للحرب ولا بمجرب للاشياء، فأقدم علي لننظر في ذلك فيما ينبغي، واستخلف على عملك أهل الثقة والنصيحة من أصحابك .  والسلام . 

فأقبل مالك إلى علي حتى دخل عليه فحدثه حديث أهل مصر وخبره خبر أهلها وقال :  ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله، فإني لم اوصك، اكتفيت برأيك، واستعن بالله على ما أهمك، فاخلط الشدة باللين، وارفق ما كان الرفق أبلغ، واعتزم بالشدة حين لا يغني عنك إلا الشدة .  فخرج الاشتر من عند علي فأتى رحله فتهيأ للخروج إلى مصر وأتت معاوية عيونه فاخبروه بولاية علي الاشتر، فعظم ذلك عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الاشتر إن قدمها كان أشد عليه من محمد بن أبي بكر، فبعث معاوية إلى المقدم على أهل الخراج بالقلزم وقال له :  إن الاشتر قد ولي مصر فإن كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت وبقيت فاحتل له بما قدرت عليه .  فخرج الرجل حتى أتى القلزم وأقام به، وخرج الاشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم إستقبله ذلك الرجل فعرض عليه النزول فقال :  هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج . 

فتزل عنده فأتاه بطعام فلما أكل أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياها، فلما شربها مات، وأقبل معاوية يقول لاهل الشام :  إن عليا وجه الاشتر إلى مصر فادعوا الله أن

يكفيكموه  فكانوا كل يوم يدعون الله على الاشتر، وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الاشتر فقام معاوية خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال :  أما بعد :  فإنه كانت لعلي يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر، وقطعت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع في بيان هذه الجمل كلها إلى ما اسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 ط 1 . 

 

 

/  63 /

 

الاخرى اليوم يعني الاشتر (1) . 

وفي لفظ ابن قتيبة في العيون 1 :  201 :  فقال معاوية لما بلغه الخبر :  يا بردها على الكبد ! إن لله جنودا منها العسل .  وقال علي :  لليدين وللفم . 

وفي لفظ المسعودي في المروج 2 :  39 :  ولى علي الاشتر مصر وأنفذه إليها في جيش فلما بلغ ذلك معاوية دس إلى دهقان وكان بالعريش (2) فأرغبه وقال :  أترك خراجك عشرين سنة فاحتل للاشتر بالسم في طعامه .  فلما نزل الاشتر العريش سأل الدهقان : 

أي الطعام والشراب أحب إليه ؟ قيل :  ألعسل .  فأهدى له عسلا وقال :  إن من أمره وشأنه كذا وكذا، ووصفه للاشتر وكان الاشتر صائما فتناول منه شربة فما استقرت في جوفه حتى تلف، وأتى من كان معه على الدهقان ومن كان معه .  وقيل :  كان ذلك بالقلزم والاول أثبت .  فبلغ ذلك عليا فقال :  لليدين وللفم .  وبلغ ذلك معاوية فقال :  إن لله جندا من العسل . 

قال الاميني :  هاهنا تجد معاوية كيف لا يتحوب من ذلك الحوب الكبير قتل العبد الصالح الممدوح بلسان رسول الله وخليفته مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام (3) .  وإنه واهل الشام فرحوا فرحا شديدا، بموت ذلك البطل المجاهد (4) لمحض انه كان يناصر إمام وقته المنصوص عليه والمجمع على خلافته، ولا غرو فإنه كان يسر ابن هند كل ما ساء ملة الحق وأئمة الهدى وأولياء الصلاح، وما كان يسعه أن يأتي بطامة أكبر من هذه لو لم يكن في الاسلام للنفوس القادسة أي حرمة، وللائمة عليهم السلام ومناصريهم أي مكانة، حتى لو كان معاوية مستمرا على ما دؤب عليه إلى أخريات عهد النبوة من الكفر المخزي فلم يحده الفرق من بارقة الاسلام إلى الاستسلام، فما جاء زبانيته الكفرة يومئذ بأفظع من هذه وأمثالها يوم قتلوا خيار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله لمناصرتهم إياه، وحبهم ذوي قرباه، ودفاعهم عن ناموس أهل بيته الاكرمين . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبرى 6 :  54، كامل ابن الاثير :  3 :  152 . 

 (2) هى مدينة كانت أول عمل مصر من ناحية الشام على ساحل بحر الروم . 

 (3) راجع ما أسلفناه في الجزء التاسع ص 37 - 41 . 

 (4) تاريخ ابن كثير :  7 :  312 .