فهرس الجزء الحادي عشر

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  146 /

 

ـ 50 ـ

كتاب من الله إلى ابن الموفق

 

عن أبي الحسن علي بن الموفق المتوفى 265 قال :  خرجت يوما لاؤذن فأصبت قرطاسا فأخذته ووضعته في كمي فأذنت وأقمت وصليت فلما صليت قرأته فإذا فيه مكتوب :  بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن الموفق ! تخاف الفقر وأنا ربك ؟ . 

تاريخ الخطيب البغدادي 12 :  112، صفة الصفوة لابن الجوزي 2 :  218 .  كان حقا على الحافظين الخطيب وابن الجوزي أن يذكرا شطرا من حياة هذا الرجل بعد الكتاب المذكور المغمورة باليسار والنعمة لتكون تصديقا للخبر وشاهدا على صحة المزعمة، لكنهما أغفلا عن ذلك فلم يقم لنا شاهد ولا حجة . 

 

ـ 51 ـ

الحوراء تكلم أبا يحيى

 

قال أبويحيى زكريا بن يحيى الناقد (1) :  إشتريت من الله حوراء بأربعة آلاف ختمة، فلما كان آخر ختمة سمعت الخطاب من الحوراء وهي تقول :  وفيت بعهدك فها أنا التي قد إشتريتني.

تاريخ بغداد للخطيب 8 :  462، المنتظم لابن الجوزي 6 :  8، مناقب أحمد لابن الجوزي ص 510 . 

ليس لك أن تناقش في المدة التي ختم أبويحيى فيها الاربعة آلاف ختمة، فإن من الممكن عند القوم أن يختمها في بضع دقايق فإن أبا مدين المغربي كان يختم في اليوم والليلة سبعين ألف ختمة .  راجع الجزء الخامس ص 35 . 

 

ـ 52 ـ

دعاوى سهل بن عبدالله التسترى

 

ذكر الشعراني في طبقات الاخيار 1 :  158 نقلا عن كتاب (الجواهر) لسهل بن عبدالله التسترى المتوفى 283 انه قال :  أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أحد الاعلام المجتهدين وأئمة الحديث من تلمذة احمد بن حنبل إمام الحنابلة توفى سنة 285 . 

 

 

/  147 /

 

إبن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني حرفا معجما حار فيه الجن والانس ففهمته، وحمدت الله على معرفته، وحركت ما سكن وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن اربع عشرة سنة . 

قال الاميني :  ليت شعري متى ما أشهد الله ما في العلى نبيه الاعظم صاحب الرسالة الخاتمة ؟ ومتى ما نظر صلى الله عليه وآله في اللوح المحفوظ وفك طلسم السماء ؟ وهل رأى ذلك الحرف المعجم الذي حار فيه الجن والانس وفهمه، وهل حرك وسكن باذن الله ؟

أيم الله ان هذه الاساطير المشمرجة لا يبوح بها إلا من يتخبطه الشيطان من المس وإن هي إلا سم ناقع على روح الاسلام، تمس كرامة الاولياء، وتشوه سمعة الامة المسلمة، وتسود صحيفة تاريخها عند الامم، وتضحك الملا على عقلية اولئك المؤلفين الذين جمعت بيراعهم أشتات التاريخ الاسلامي . 

 

ـ 53 ـ

سهل وجبل قاف

 

عن سهل بن عبدالله قال :  صعدت جبل قاف فرأيت سفينة نوح مطروحه فوقه .  و قيل لابي يزيد رضي الله عنه :  هل بلغت جبل قاف ؟ فقال :  جبل قاف أمره قريب بل جبل كاف وجبل صاد وجبل عين وهي محيطة بالارض حول كل أرض جبل بمنزلة حائطها، وجبل قاف بهذه الارض وهي أصغر الارضين، وهو أيضا أصغر الجبال، وهو جبل من زمردة خضراء

وقيل :  إن خضرة السماء من خضرته .  وروى :  ان الدنيا كلها خطوة للولي .  وحكي :  إن وليا من أولياء الله تعالى احتاج إلى النار فرفع يده إلى القمر فاقتبس منه جذوة في خرقة كانت معه .  (1)

قال الاميني :  حقا قيل :  الجنون فنون :  وأيم الله يميت القلب ويجلب الهم ضياع التاريخ الاسلامى بيد هؤلاء المعشوذين الذين شوهوا صحائفه بأمثال هذه الترهات التي لم يخلق مثلها في أساطير الاولين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) روض الرياحين لليافعى 172 . 

 

 

/  148 /

 

ـ 54 ـ

وحشى أتى بماء الوضوء

 

قال سهل بن عبدالله رضي الله عنه :  أول ما رأيت من العجائب والكرامات إني خرجت يوما إلى موضع خال فطاب لي المقام فيه فوجدت من قلبي قربا إلى الله تعالى وحضرت الصلاة وأردت الوضوء وكانت عادتي من صباي تجديد الوضوء لكل صلاة، فكأني اغتممت لفقد الماء، فبينما أنا كذلك وإذا دب يمشي على رجليه كأنه إنسان معه جرة خضراء قد أمسك بيديه عليها، فلما رأيته من بعيد توهمت انه آدمي حتى دنا مني وسلم علي ووضع الجرة بين يدي، فجاء‌ني إعتراض العلم فقلت :  هذه الجرة والماء من أين هو ؟ فنطق الدب وقال :  يا سهل ! إنا قوم من الوحوش قد انقطعنا إلى الله تعالى بعزم المحبة والتوكل، فبينما نحن نتكلم مع أصحابنا في مسألة إذ نودينا :  ألا إن سهلا يريد ماء ليجدد الوضوء .  فوضعت هذه الجرة بيدي وإذا بجنبي ملكان فدنوت منهما فصبا فيها الماء من الهواء وأنا أسمع خرير الماء .  إلى آخر القصة .  روض الرياحين ص 104، 105. 

قال الاميني :  سل عن هذه العجائب الدب الطلق الذلق صاحب الجرة الخضراء، أو بقية الوحوش المنقطعة إلى الله بعزم المحبة والتوكل، أو سل الملكين إن سهل لك السبيل إليهما، وإن لم تجدهما فسل عقلك واتخذه حكما، واستعذ بالله من هذه الاوهام المخزية . 

 

ـ 55 ـ

قصة فيها كرامتان

 

قال عبدالله بن حنيف رحمه الله :  دخلت بغداد قاصدا الحج ولم آكل الخبز أربعين يوما ولم أدخل على الجنيد وكنت على طهارة فرأيت ظبيا على رأس البئر وهو يشرب وكنت عطشانا، فلما دنوت إلى البئر ولى الظبي فإذا الماء في أسفل البئر فمشيت وقلت :  يا سيدي مالي محل هذا الظبي ؟ فنوديت من خلفي :  جربناك فلم تصبر فارجع وخذ فرجعت فإذا البئر ملآنة ماء فملات ركوتي فكنت أشرب منه وأتطهر إلى المدينة ولم أنفد، ولما استقيت سمعت هاتفا يقول :  إن الظبي جاء بلا ركوة ولا حبل، وأنت

 

 

/  149 /

 

جئت معك الركوة .  فلما رجعت من الحج دخلت الجامع فلما وقع بصر الجنيد علي قال :  لو صبرت ولو ساعة لنبع الماء من تحت رجليك .  الروض الفائق ص 127 . 

قال الاميني :  أوهام متراكمة بعضها فوق بعض، وهل ترك الجنيد للانبياء والرسل علما بالمغيب لم يبح به، وهل أتي البئر العميقة ولي من الاولياء بلا ركوة ولا حبل كالظباء اللاتي يفقدنهما ولا يسعهن التأهب بأمثالهما، وأما الانسان العادي فليس له وهو سار في عالم الاسباب إلا أن يحمل معه أدوات حاجته، هكذا خلق الله البشر، وهو ظاهر كثير من الاحاديث الشريفة .  وحسبك سيرة النبي الاعظم والمرسلين من الانبياء صلوات الله عليهم اجمعين .  وكلهم لله أولياء، وجميعهم أفضل من ابن حنيف . 

 

ـ 56 ـ

حلق اللحية لله

 

أخرج الحافظ أبونعيم في حلية الاولياء 10 :  370 قال :  سمعت أبا نصر يقول : 

سمعت أحمد بن محمد النهاوندي يقول :  مات للشبلي (1) إبن كان إسمه غالبا، فجزت امه شعرها عليه، وكان للشبلي لحية كبيرة فأمر بحلق الجميع، فقيل له :  يا استاذ !

ما حملك على هذا ؟ فقال :  جزت هذه شعرها على مفقود، فكيف لا أحلق لحيتي أنا على

موجود ؟

قال الاميني :  أهلا بالناسك الفقيه، ومرحبا بالاولياء أمثال هذا المتخلع الجاهل بحكم الشريعة، وزه بمدون أخبارهم، ومنتفي آثار الاوحديين منهم كأبي نعيم، كيف خفي على هذا الفقيه البارع في مذهب مالك فتوى مالك وحرمة حلق اللحية، وإصفاق بقية الائمة معه على ذلك ؟ كيف خفي عليه الحكم ؟ وهو ذلك الفقيه المتضلع الذي أجاب في دم الحيض المشتبه بدم الاستحاضة بثمانية عشر جوابا للعلماء، وقد جالس الفقهاء عشرين سنة (2) ؟ وهلا وقف وهو مدرس الحديث عشرين عاما على المأثورات النبوية الدالة على حرمة حلق اللحية المروية من عدة طرق ؟ منها : 

1- عن عائشة مرفوعا :  عشر من الفطرة فذكر منها :  اعفاء اللحية .  وجاء من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ابوبكر دلف بن جحدر فقيه عالم محدث توفى 334 / 5 . 

 (2) راجع تهذيب التهذيب . 

 

 

/  150 /

 

طريق أبي هريرة أيضا . 

صحيح مسلم 1 :  153، سنن البيهقى :  149، سنن ابى داود 1 :  9، 10، صحيح الترمذى 10 :  216، مشكل الاثار 1 :  297، المعتصر من المختصر 2 :  220، طرح التثريب 1 :  73، نيل الاوطار 1 :  135 عن احمد ومسلم والنسائى والترمذى . 

2- عن ابن عمر مرفوعا :  اعفوا اللحى، واحفوا الشوارب، خالفوا المشركين . 

صحيح مسلم 1 :  153، سنن النسائى 1 :  16، جامع الترمذى 10 :  221 بلفظ :  احفوا الشوارب واعفوا اللحى، سنن البيهقى 1 :  149 عن الصحيحين، المحلى لابن حزم 2 :  222، تاريخ الخطيب 4 :  345 . 

3- عن ابن عمر مرفوعا :  خالفوا المشركين، وفروا اللحى، واحفوا الشوارب . 

أخرجه البخارى في صحيحه، ومسلم في الصحيح 1 :  153 بلفظ :  خالفوا المشركين، وحفوا الشوارب واوقوا اللحى .  سنن البيهقى 1 :  150، نيل الاوطار 1 :  141 قال :  متفق عليه . 

4- عن ابي هريرة مرفوعا :  جزو الشوارب، وارخو اللحى، وخالفوا المجوس صحيح مسلم 1 :  153، سنن البيهقى 1 :  150، تاريخ الخطيب 5 :  317 بلفظ :  احفوا الشوارب واعفوا اللحى، زاد المعاد لابن القيم 1 :  63 بلفظ :  قصوا الشوارب .  وفي ص 64 بلفظ :  جزوا الشوارب .  نيل الاوطار 1 :  141 عن احمد ومسلم . 

5- عن ابن عمر قال :  إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باحفاء الشوارب واعفاء اللحى .  صحيح مسلم 1 :  153، صحيح الترمذى 10 :  221، سنن ابى داود 2 :  195، سنن البيهقى 1 :  151 . 

6- عن أبي امامة قال :  قلنا :  يا رسول الله ! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم (1) ويوفرون سبالهم فقال :  قصوا سبالكم، ووفروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب . 

أخرجه احمد في المسند 5 :  264 . 

7- من حديث ابن عمر في المجوس :  إنهم يوفرون سبالهم، ويحلقون لحاهم، فخالفوهم . 

أخرجه ابن حبان في صحيحه كما ذكره العراقى في تخريج الاحياء للغزالى المطبوع في ذيله ج 1 ص 146 . 

8- عن أنس :  احفوا الشوارب، واعفوا اللحى، ولا تشبهوا باليهود .  أخرجه الطحاوى كما في شرح راموز الحديث :  1 :  141 . 

9- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده :  إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) جمع العثنون :  اللحية . 

 

 

/  151 /

 

من عرضها وطولها .  صحيح الترمذى 10 :  220 . 

وكيف عزب عن الشبلي ما ذهب إليه القوم من أن حلق اللحية من تغيير خلق الله الوارد في قوله تعالى :  ولآمرنهم فليغيرن خلق الله (1) .  وقد أفرط جمع في الاخذ به فقال بحرمة حلق اللحية والشارب للمرأة ايضا . 

قال الطبري :  لا يجوز للمرأة تغيير شيئ من خلقتها التي خلقها الله عليها بزيادة أو نقص التماس الحسن لا للزوج ولا لغيره، كمن تكون مقرونة الحاجبين فتزيل ما بينهما توهم البلج أو عكسه، ومن تكون لها سن زائدة فتقلعها، أو طويلة فتقطع منها، أو لحية أو شارب أو عنفقة فتزيلها بالنتف، ومن يكون شعرها قصيرا أو حقيرا فتطوله أو تغزره بشعر غيرها، فكل ذلك داخل في النهي، وهو من تغيير خلق الله تعالى .  قال :  ويستثنى من ذلك ما يحصل به الضرر والاذية كمن يكون لها سن زائدة أو طويلة تعيقها في الاكل، أو إصبع زائدة تؤذيها أو تؤلمها فيجوز ذلك، والرجل في هذا الاخير كالمرأة (2) . 

وقال القرطبي في تفسيره 5 :  393 في تفسير الآية :  لا يجوز لها) للمرأة (حلق لحية أو شارب أو عنفقة إن نبتت لها، لان كل ذلك تغيير خلق الله . 

وكيف خفي على الشبلي ما انتهى إلى ابن حزم الظاهري من الاجماع الذي

نقله في كتابه) مراتب الاجماع (ص 157 على ان حلق جميع اللحية مثلة لا تجوز، ولا سيما للخليفة، والفاضل، والعالم، وعد في ص 52 ناتف اللحية ممن لا تقبل شهادته . 

وهلم إلى كلمات أعلام الفقه : 

1- قال الحافظ العراقي في طرح التثريب 1 :  83 :  من خصال الفطرة إعفاء اللحية، وهو توفير شعرها وتكثيره، وإنه لا يؤخذ منه كالشارب .  من عفا الشيئ إذا كثر وزاد .  وفي الصحيحين من حديث ابن عمر الامر بذلك) اعفوا اللحى (وفي رواية : 

اوفوا .  وفي رواية :  وفروا .  وفي رواية :  ارخوا وهي بالخاء المعجمة على المشهور وقيل بالجيم .  من الترك والتأخير، وأصله الهمزة فحذف تخفيفا كقوله :  ترجي من تشاء منهن . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة النساء :  119 . 

 (2) فتح البارى 10 :  310 . 

 

 

/  152 /

 

واستدل به الجمهور على أن الاولى ترك اللحية على حالها، وأن لا يقطع منها شيئ وهو قول الشافعي وأصحابه، وقال القاضي عياض :  يكره حلقها وقصها وتحريقها .  وقال القرطبي في المفهم :  لا يجوز حلقها ولا نتفها ولا قص الكثير منها قال القاضي عياض :  وأما الاخذ من طولها فحسن .  قال :  وتكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في قصها، وجزها قال :  وقد اختلف السلف هل لذلك حد :  فمنهم من لم يحدد شيئا في ذلك إلا أنه لا يتركها لحد الشهرة ويأخذ منها، وكره مالك طولها جدا، ومنهم من حدد بمازاد على القبضة فيزال، ومنهم من كره الاخذ منها إلا في حج أو عمرة . 

2- قال الغزالي في الاحياء 1 :  146 :  قوله صلى الله عليه وسلم :  اعفوا اللحى .  أي كثروها وفي الخبر :  إن اليهود يعفون شواربهم، ويقصون لحاهم، فخالفوهم وكره بعض العلماء الحلق ورآه بدعة .  وقال في ص 148 :  وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل :  إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس، فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبى وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة وقالا :  تركها عافية احب لقوله صلى الله عليه وسلم :  اعفوا اللحى .  والامر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب، فإن الطول المفرط قد يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنبز إليه، فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية . 

3- قال ابن حجر في فتح الباري 10 :  288 عند ذكر حديث نافع :  كان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه :  الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك، بل كان يحمل الامر بالاعفاء على غير الحالة التي تشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه، فقد قال الطبري :  ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيئ من اللحية من طولها ومن عرضها، وقال قوم :  إذا زاد على القبضة يؤخذ الزائد، ثم ساق بسنده إلى ابن عمر انه فعل ذلك، وإلى عمر انه فعل ذلك برجل، ومن طريق أبي هريرة انه فعله، وأخرج ابوداود من حديث جابر بسند حسن قال :  كنا نعفي السبال إلا في حج أو عمرة .  وقوله :  نعفي .  بضم اوله وتشديد الفاء أي نتركه وافرا، وهذا يؤيد ما نقل عن ابن عمر فإن السبال بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبلة بفتحتين وهي ما طال من شعر اللحية فأشار جابر

 

 

/  153 /

 

إلى أنهم يقصرون منها في النسك ثم حكى الطبري اختلافا فيما يؤخذ من اللحية، هل له حد أم لا ؟ فأسند عن جماعة الاقتصار على أخذ الذي يزيد منها على قدر الكف، وعن الحسن البصري :  انه يؤخذ من طولها وعرضها ما لم يفحش، وعن عطاء نحوه قال :  وحمل هؤلاء النهي على منع ما كانت الاعاجم تفعله من قصها وتخفيفها، قال :  وكره آخرون التعرض لها إلا في حج أو عمرة، وأسنده عن جماعة واختار قول عطاء، وقال :  إن الرجل لو ترك لحيته لا يتعرض لها حتى أفحش طولها وعرضها لعرض نفسه لمن يسخر به، واستدل بحدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها، وهذا أخرجه الترمذي، ونقل عن البخاري انه قال في رواية عمر بن هارون :  لا أعلم له حديثا منكرا إلا هذا، وقد ضعف عمر بن هارون مطلقا جماعة . 

وقال عياض :  يكره حلق اللحية وقصها وتجذيفها، وأما الاخذ من طولها وعرضها إذا عظمت فحسن، بل تكره الشهرة في تعظيمها كما يكره في تقصيرها كذا قال :  وتعقبه النووي بانه خلاف ظاهر الخبر في الامر بتوفيرها قال :  والمختار تركها على حالها وأن لا يتعرض لها بتقصير ولا غيره .  وكان مراده بذلك في غير النسك لان الشافعي نقص على استحبابه فيه . 

وقال في ص 289 :  أنكر ابن التين ظاهر ما نقل عن ابن عمر فقال :  ليس المراد أنه كان يقتصر على قدر القبضة من لحيته بل كان يمسك عليها فيزيل ما شذ منها فيمسك من أسفل ذقنه بأصابعه الاربعة ملتصقة فيأخذ ما سفل عن ذلك ليتساوى طول لحيته،

قال أبوشامة :  وقد حدث قوم يحلقون لحاهم وهو أشد مما نقل عن المجوس انهم كانوا يقصونها .  وقال النووي :  يستثنى من الامر باعفاء اللحى ما لو نبتت للمرأة لحية فانه يستحب لها حلقها، وكذا لو نبت لها شارب أو عنفقة . 

4- قال المناوي في) فيض القدير) 1 :  198 :  اعفوا اللحى وفروها، فلا يجوز حلقها ولا نتفها، ولا قص الكثير منها، كذا في التنقيح، ثم زاد الامر تأكيدا مشيرا إلى العلة بقوله :  ولا تشبهوا باليهود في زيهم الذي هو عكس ذلك، وفي خبر ابن حبان بدل اليهود :  المجوس .  وفي آخر :  المشركين .  وفي آخر :  آل كسرى .  قال الحافظ العراقي:

 

 

/  154 /

 

والمشهور أنه من فعل المجوس فيكره الاخذ من اللحية، واختلف السلف فيما طال منها فقيل :  لا بأس أن يقبص عليها ويقص ما تحت القبضة كما فعله إبن عمر، ثم جمع من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، والاصح كراهة أخذ مالم يتشعث ويخرج عن السمت مطلقا . 

5- قال السيد علي القاري في شرح الشفا للقاضي (1) :  حلق اللحية منهي عنه، وأما إذا طالت زيادة على القبضة فله أخذها . 

6- في شرح الخفاجي على الشفا 1 :  343 :  وتقصير اللحية حسن كما مر، و هيئته تحصل بقص ما زاد على القبضة، ويؤخذ من طولها ايضا، وأما حلقها فمهني عنه لانه عادة المشركين.

7- قال الشوكاني في [ نيل الاوطار ] 1 :  136 :  اعفاء اللحية توفيرها كما في القاموس، وفي رواية للبخاري :  وفروا اللحى .  وفي رواية اخرى لمسلم :  اوفوا اللحى .  وهو بمعناه، وكان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشارع عن ذلك وأمر باعفائها .  قال القاضي عياض :  يكره حلق اللحية وقصها وتحريقها، وأما الاخذ من طولها وعرضها فحسن .  ثم نقل الاقوال في حد ما زاد . 

وقال في ص 142 :  قد حصل من مجموع الاحاديث خمس روايات :  اعفوا .  واوقوا .  وأرخوا .  وارجوا .  ووفروا .  ومعناها كلها تركها على حالها .  قوله :  خالفوا المجوس .  قد سبق انه كان من عادة الفرس قص اللحية فنهى الشرع عن ذلك . 

8- في شرح راموز الحديث 1 :  141 :  أشار إلى العلة في خبر ابن حبان :  المجوس بدل اليهود، وفي آخر :  المشركين .  وفي اخرى :  كسرى .  قال العراقي :  المشهور :  انه فعل المجوس، فكره الاخذ من اللحية، واختلف السلف فيما طال .  ثم نقل الاقوال التي ذكرناها.

9- أحسن كلمة تجمع شتات الفتاوى وآراء ائمة المذاهب في المسألة ما أفاده الاستاذ محفوظ في

(الابداع في مضار الابتداع) (2) ص 405 قال :  ومن أقبح العادات ما اعتاده الناس اليوم من حلق اللحية وتوقير الشارب، وهذه البدعة كالتي قبلها سرت إلى المصريين من مخالطة الاجانب واستحسان عوائدهم حتي استقبحوا محاسن دينهم وهجروا سنة نبيهم محمد صلى الله عليه وآله فعن إبن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله قال :  خالفوا المشركين وفروا اللحى واحفوا الشوارب .  وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه .  رواه البخاري وروى مسلم عن ابن عمر إيضا عن النبي صلى الله عليه وآله قال :  احفوا الشوارب واعفوا اللحى) إلى أن قال بعد ذكر عدة من أحاديث الباب (:  والاحاديث في ذلك كثيرة وكلها نص في وجوب توقير اللحية وحرمة حلقها والاخذ منها على ما سيأتي . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هامش شرح الخفاجى 1 :  343 . 

 (2) تأليف الاستاذ الكبير الشيخ على محفوظ أحد مدرسى الازهر الشريف (الطبعة الرابعة).

 

 

/  155 /

 

ولا يخفى أن قوله :  خالفوا المشركين وقوله :  خالفوا المجوس .  يؤيدان الحرمة فقد أخرج أبوداود وابن حبان وصححه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله :  من تشبه بقوم فهو منهم .  وهو غاية في الزجر عن التشبه بالفساق أو بالكفار في أي شئ مما يختصون به من ملبوس أو هيأة، وفي ذلك خلاف العلماء منهم من قال بكفره وهو ظاهر الحديث .  ومنهم من قال :  لا يكفر ولكن يؤدب .  فهذان الحديثان بعد كونهما أمرين دالان على أن هذا الصنع من هيآت الكفار الخاصة بهم إذ النهي إنما يكون عما يختصون به .  فقد نهانا صلى الله عليه وآله عن التشبه بهم عاما في قوله :  من تشبه .  ومن افراد هذا العام حلق اللحية .  وخاصا في

قوله :  وفروا اللحى خالفوا المجوس، خالفوا المشركين . 

ثم ما تقدم من الاحاديث ليس على اطلاقه فقد روى الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص

قال :  كان رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ من لحيته من عرضها وطولها .  وروى ابوداود والنسائي :  ان ابن عمر كان يقبض على لحيته فيقطع ما زاد على الكف .  وفي لفظ :  ثم يقص ما تحت القبضة .  وذكره البخاري تعليقا .  فهذه الاحاديث تقيد ما رويناه آنفا . 

فيحمل الاعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها .  وقد اتفقت المذاهب الاربعة على وجوب توفير اللحية وحرمة حلقها والاخذ القريب منه . 

الاول :  مذهب الحنفية قال في (الدر المختار):  ويحرم على الرجل قطع لحيته

 

 

/  156 /

 

وصرح في النهاية بوجوب قطع ما زاد على القبضة) بالضم (وأما الاخذ منها وهي دون ذلك كما يفعله بعض المغاربة ومخنثة الرجال فلم يبحه أحد .  وأخذ كلها فعل يهود الهند ومجوس الاعاجم اه‍ وقوله :  وما وراء ذلك يجب قطعه .  هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه كان يأخذ من اللحية من طولها وعرضها، كما رواه الامام الترمذي في جامعه، ومثل ذلك في أكثر كتب الحنفية . 

الثاني :  مذهب السادة المالكية حرمة حلق اللحية وكذا قصها إذا كان يحصل به مثلة .  وأما إذا طالت قليلا وكان القص لا يحصل به مثلة فهو خلاف الاولى أو مكروه كما يؤخذ من شرح الرسالة لابي الحسن وحاشيته للعلامة العدوي رحمهم الله . 

الثالث :  مذهب السادة الشافعية، قال في شرح العباب :  فائدة قال الشيخان :  يكره حلق اللحية.  واعترضه ابن الرفعة بأن الشافعي رضي الله عنه نص في الام على التحريم .  وقال الاذرعي :  الصواب تحريم حلقها جملة لغير علة بها .  اه‍ ومثله في حاشية ابن قاسم العبادي على الكتاب المذكور . 

الرابع :  مذهب السادة الحنابلة نص في تحريم حلق اللحية .  فمنهم من صرح بأن المعتمد حرمة حلقها .  ومنهم من صرح بالحرمة ولم يحك خلافا كصاحب الانصاف، كما يعلم ذلك بالوقوف على شرح المنتهى وشرح منظومة الآداب وغيرهما . 

ومما تقدم تعلم أن حرمة حلق اللحية هي دين الله وشرعه الذي لم يشرع لخلقه سواه، وأن العمل على غير ذلك سفه وضلالة، أو فسق وجهالة، أو غفلة عن هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وآله

نعم :  لم يكن الشبلي ولا الحافظ الذي يثني عليه بحلق لحيته في حب الله، ولا الحفاظ الآخرون الذين أطنبوا القول حول لحية أبي بكر الصديق محتاجين إلى اللحية، بل كانوا يفتقرون إلى عقل تام كما جاء فيما ذكره السمعاني في الانساب في) الرستمي ) عن مطين بن احمد قال :  رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له :  يا نبي الله ! أشتهي لحية كبيرة .  فقال :  لحيتك جيدة وأنت محتاج إلى عقل تام .

 

 

/  157 /

 

ـ 57 ـ

عمود نور من السماء إلى قبر الحنبلي

 

ذكر ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب 3 :  46 في ترجمة أبي بكر عبدالعزيز بن جعفر الحنبلي المعروف بغلام الخلال المتوفى سنة 363 قال :  حكى أبوالعباس ابن أبي عمرو الشرابي قال :  كان لنا ذات ليلة خدمة أمسيت لاجلها، ثم إني خرجت منها نوبة الناس وتوجهت إلى داري بباب الازج، فرأيت عمود نور من جوف السماء إلى جوف المقبرة فجعلت أنظر إليه ولا ألتفت خوفا أن يغيب عني إلى أن وصلت إلى قبر أبي بكر عبدالعزيز فإذا أنا بالعمود من جوف السماء إلى القبر :  فبقيت متحيرا ومضيت وهو على حاله . 

قال الاميني :  أبوبكر الحنبلي هذا هو شيخ الحنابلة وعالمهم في عصره صاحب التصانيف وهو الراوي عن الخلال عن الحمصي عن إمام الحنابلة أحمد :  انه سئل عن التفضيل فقال :  من قدم عليا على أبي بكر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله، ومن قدمه على عمر فقد طعن على رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى أبي بكر، ومن قدمه على عثمان فقد طعن على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى أهل الشوري والمهاجرين والانصار . 

وليت مثقال ذرة من ذلك النور الخيالي الممتد من قبر الرجل سطع على مكمن بصيرته ابان حياته، فلا يخضع لكلمة شيخه التافهة هذه التي تخالف الكتاب والسنة وإن مقدار الرجل ينبو عن التدخل في هذا الشأن العظيم الذي ليس هو من رجاله لكن) حن قدح ليس منها (أنى يقع قوله في التفضيل مع آيتي المباهلة والتطهير ؟

ومقتضى الاولى اتحاد مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام مع صنوه النبي الاعظم صلى الله عليه وآله فيما يمكن اتحاد شخصين فيه، وليست هي إلا الفضائل والفواضل والمكارم والمآثر ما خلا النبوة فما ظنك برجل يوازنه صلى الله عليه وآله فيما ذكرناه من الفضل ؟ أليس من السخف أن يقال :  من قدم عليا .  إلخ ؟ ومقتضى الثانية عصمته صلوات الله عليه عن جميع الذنوب والمعاصي، وهل يوازي المعصوم من يجتحر السيئات ويقترف الآثام ؟ لكن صاحب النور يروي :  من قدم عليا .  إلخ .  ولا يبالي بما يروي . 

فمقتضى المقام أن يقال :  من قدم أحدا على مولانا أميرالمؤمنين فقد طعن على

 

 

/  158 /

 

الكتاب الكريم ومن صدع به صلى الله عليه وآله ومن أنزله جلت عظمته . 

وأنى يقع قول صاحب النور المروي عن إمامه أحمد أمام السنة المتواترة الواردة من شتى النواحي في فضل الامام صلوات الله عليه المتقدمة في الاجزاء السابقة من هذا الكتاب (1) ؟ فمن قدمه سلام الله عليه على أبي بكر وصاحبيه فقد جاء بالحجة البالغة، والنور الساطع، وأخذ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها . 

 

ـ 58 ـ

تمر ينقلب رطبا لابن سمعون

 

أخرج الخطيب في تاريخه 1 :  275 قال :  حدثنا أبوبكر محمد بن محمد الطاهري قال :  سمعت أبا الحسين ابن سمعون (2) يذكر أنه خرج من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم قاصدا بيت المقدس، وحمل في صحبته تمرا صيحانيا، فلما وصل إلى بيت المقدس

ترك التمر مع غيره من الطعام في الموضع الذي كان يأوي إليه، ثم طالبته نفسه بأكل

الرطب فأقبل عليها باللائمة وقال :  من أين لنا في هذا الموضع رطب ؟ فلما كان وقت

الافطار عمد إلى التمر ليأكل منه فوجده رطبا صيحانيا ! فلم يأكل منه شيئا، ثم عاد

إليه من الغد عشية فوجده تمرا على حالته الاولى فأكل منه . 

وذكره ابن العماد في الشذرات 3 :  126 . 

 

ـ 59 ـ

ابن سمعون يخبر عما يراه النائم

 

أخرج ابن الجوزي في المنتظم 7 :  199 من طريق أبي بكر الخطيب البغدادي عن أبي طاهر محمد بن علي بن العلاف قال :  حضرت أباالحسين ابن سمعون يوما في مجلس الوعظ وهو جالس على كرسيه يتكلم، وكان أبوالفتح القواس جالسا إلى جنب الكرسي فغشيه النعاس ونام، فأمسك أبوالحسين عن الكلام ساعة حتى استيقظ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وسيوافيك قول احمد وجمع آخرين من ائمة الحديث :  لم يرد في حق أحد من الصحابة بالاسانيد الحسان أكثر مما جاء في حق على بن أبى طالب .  وقول حبر الامة ابن عباس :  ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في على . 

 (2) الواعظ الشهير الامام القدوة الناطق بالحكمة كما في المنتظم والشذرات توفى 387 . 

 

 

/  159 /

 

أبوالفتح ورفع رأسه فقال له أبوالحسين :  رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومك ؟

قال :  نعم، فقال أبوالحسين :  لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عما كنت فيه .

 

ـ 60 ـ

ابن سمعون وصبية الرصاص

 

قال إبن الجوزي في المنتظم 7 :  198 :  حكي أن الرصاص الزاهد كان يقبل رجل ابن سمعون دائما فلا يمنعه فقيل له في ذلك فقال :  كان في داري صبية خرج في رجلها الشوكة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي :  قل لابن سمعون :  يضع رجله عليها فإنها تبرأ، فلما كان من الغد بكرت إليه فرأيته قد لبس ثيابه فسلمت عليه فقال :  بسم الله فقلت :  لعل له حاجة أمضي معه وأعرض عليه في الطريق حديث الصبية فجاء إلى داري فقال :  بسم الله .  فدخلت وأخرجت الصبية إليه وقد طرحت عليها شيئا فترك رجله عليها، وانصرف وقامت الجارية معافاة فأنا اقبل رجله أبدا . 

 

ـ 61 ـ

ملك ينزل لأبي المعالي

 

كان أبوالمعالي البغدادي المتوفى 496 من الصلحاء الزهاد، ذكر انه أصابته فاقة شديدة في شهر رمضان فعزم على الذهاب إلى بعض الاصحاب ليستقرض منه شيئا قال :  فبينما أنا اريده إذا بطائر قد سقط على كتفى وقال :  يا أبا المعالي ! أنا الملك الفلاني لا تمض إليه نحن نأتيك به .  قال :  فبكر إلي الرجل . 

رواه ابن الجوزي في المنتظم 9 :  136، وابن كثير في تاريخه 12 :  163 .  ألا تعجب من ابن الجوزي لا يمر على منقبة من مناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله إلا وحكم عليها بالوضع أو الضعف أو الوهن، لكنه يرسل هذه الخزعبلات إرسال المسلم، ولا ينبس في اسنادها ببنت شفة، ولا في متونها بما يقتضيه المقام من التنفيذ والاحالة ؟ كل ذلك لانه غال فيمن يحبهم، وقال لمن يشنأهم . 

 

ـ 62 ـ

ألله يكلم أبا حامد الغزالي

 

قال صاحب مفتاح السعادة 2 :  194 :  قال - أبوحامد الغزالي (1) - في بعض

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أبوحامد محمد بن محمد الطوسى الشافعى حجة الاسلام الغزالى صاحب كتاب) إحياء العلوم (ولد بطوس 450 وتوفى 505 . 

 

 

/  160 /

 

مؤلفاته :  كنت في بدايتي منكرا لاحوال الصالحين ومقامات العارفين حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام فقال لي يا أبا حامد ! قلت :  أو الشيطان يكلمني ؟

قال :  لا .  بل أنا الله المحيط بجهاتك الست ثم قال :  يا أبا حامد ! ذر أساطيرك وعليك بصحبة أقوام جعلتهم في أرضي محل نظري، وهم أقوام باعوا الدارين بحبي .  فقلت :  بعزتك إلا أذقتني برد حسن الظن بهم .  فقال :  قد فعلت ذلك والقاطع بينك وبينهم تشاغلك بحب الدنيا، فاخرج منها مختارا قبل أن تخرج منها صاغرا، فقد أمضيت عليك نورا من أنوار قدسي، فقم وقل .  قال :  فاستيفظت فرحا مسرورا وجئت إلى شيخي يوسف النساج فقصصت عليه المنام فتبسم وقال :  يا أبا حامد ! هذا ألواحنا في البداية فمحوناها، بلى إن صحبتني سأكحل بصر بصيرتك بأثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الابصار، فتصفو من كدر طبيعتك، وترتقى على طور عقلك، وتسمع الخطاب من الله تعالى - كما كان لموسى عليه السلام:أنا الله رب العالمين . 

قال الاميني :  مادح نفسه يقرء‌ك السلام .  ليت شعري هل كان يضيق فم الشيطان عن أن

يقول :  أنا الله المحيط بجهاتك الست، كما لم تضق أفواه المدعين للربوبية في سالف الدهر ؟ فمن اين عرف الغزالي بصرف الدعوى انه هو الله ؟ ولماذا لم يحتمل بعد انه هو الشيطان ؟ وإن كان قد صدق الرؤيا وأذعن بان الله هو الذي خاطبه فلماذا لم يدع الاساطير وقد خوطب ب‍ :  ذر الاساطير .  ولم ينسج على نول النساج شيخه إلا التافهات ؟

وليته كان يوجد في صيدلية النساج كحل آخر تحد بصر الغزالي وبصيرته حتى لا يبوء بإثم كبير مما في إحيائه من رياضيات غير مشروعة محبذة من قبله كقصة لص الحمام وغيرها، وحديث منعه عن لعن يزيد اللعين في باب آفات اللسان إلى أمثاله الكثير الباطل . 

وما أحد أثمد النساج الذي يترك من اكتحل به لا يرضى بعد رؤيته العرش ومن حوله، حتى يشاهد ما لا تدركه الابصار، ويسمع الخطاب - كما سمعه موسى - :  أنا الله رب العالمين ؟ وأنا إلى الغاية لا أدري ان موسى عليه السلام المشارك له في السماع هل

 

 

/  161 /

 

شاركه في الرؤية ؟ ولعل صاحب الهذيان يجد نفسه مربية على نبي الله موسى الذي هو من اولي العزم من الرسل، وخوطب بقول الله العزيز :  لن تراني ياموسى ! هكذا فليكن السالك المجاهد الغزال . 

 

 

ـ 63 ـ

يد الغزالى في يد سيد المرسلين

 

قال الشيخ الامام الزاهد شمس الدين أبوعبدالله محمد بن محمد الجلالي النسائي الشافعي :  رأيت في بعض تصانيف الشيخ الامام مسعود الطرازي :  ان الامام أبا حامد الغزالي رحمه الله كان قد أوصى أن يلحده الشيخ أبوبكر النساج الطوسي تلميذ الشيخ الامام أبي القاسم الكرساني قال :  فلما ألحده وخرج من اللحد خرج متغيرا منتقع اللون فقيل له في ذلك فلم يخبر بشيئ، فأقسموا عليه بالله إلا ما أخبرتهم فقال :  إني لما وضعته في اللحد شاهدت يدا يمنى قد خرجت من تجاه القبلة وسمعت هاتفا يقول :  ضع يد محمد الغزالي في يد سيد المرسلين محمد المصطفى العربي صلى الله عليه وآله فوضعتها فيها ثم خرجت كما ترون أو كما قال قدس الله روحه العزيز (1).

لقد علم الغزالي أن للنساج عليه يدا واجبة بتكحيله بأثمده المتقدم ذكره، فكان منه بدء هدايته، فأحب أن يكون هو المجهز له في الغاية، وعرف ان الرجل نسيج وحده في وشي الخرافات، فأوصى إليه ما أوصى، وأحسب ان يد الغزالي التي وضعها في يد النبي محمد صلى الله عليه وآله غير التي حمل القلم الذي خط به كتاب) الاحياء (المشحون بالاباطيل والاضاليل أو غيره من كتبه التى تحوي أمثال قصة الرؤية والاثمد . 

 

ـ 64 ـ

إحياء العلوم للغزالي

 

عن الامام أبي الحسن المعروف بابن حرازم - ويقال :  ابن حرزم - وكان مطاعا في بلاد المغرب انه لما وقف على) إحياء العلوم (للغزالي أمر باحراقه .  وقال :  هذا بدعة مخالف للسنة، فأمر باحضار ما في تلك البلاد من نسخ الاحياء، فجمعوا وأجمعوا على إحراقها يوم الجمعة، وكان إجماعهم يوم الخميس، فلما كان ليلة الجمعة رأى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مفتاح السعادة 2 :  207 . 

 

 

/  162 /

 

ابوالحسن في المنام كأنه دخل من باب الجامع، ورأى في ركن المسجد نورا وإذا بالنبي صلى الله عليه وآله وأبي بكر وعمر جلوس والامام الغزالي قائم وبيده (الاحياء) وقال:

يا رسول الله ! هذا خصمي ثم جثا على ركبتيه وزحف عليهما إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وآله فناوله) كتاب الاحياء (وقال :  يا رسول الله ! انظر فيه فإن كان فيه بدعة مخالفة لسنتك كما زعم تبت إلى الله، وإن كان شيئا تستحسنه حصل لي من بركتك فأنصفني من خصمي، فنظر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله ورقة ورقة إلى آخره ثم قال :  والله إن هذا شيئ حسن، ثم ناوله أبابكر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك، ثم قال :  نعم، والذي بعثك بالحق يارسول الله ! إنه لحسن .  ثم ناوله عمر رضي الله عنه فنظر فيه كذلك ثم قال كما قال أبوبكر رضي الله عنه .  فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بتجريد أبي الحسن وضربه حد المفتري فجرد وضرب ثم شفع فيه أبوبكر بعد خمسة أسواط وقال :  يا رسول الله !

إنما فعل ذلك إجتهادا في سنتك وتعظيما .  فعفا عنه أبوحامد عند ذلك، فلما استيقظ  أبوالحسن من منامه وأصبح أعلم أصحابه بما جرى ومكث قريبا من الشهر متألما من الضرب ثم سكن عنه الالم ومكث إلى أن مات وأثر السياط على ظهره وصار ينظر كتاب) الاحياء (ويعظمه وينتحله أصلا أصيلا . 

وفي لفظ اليافعي :  وبقيت متوجعا لذلك خمسا وعشرين ليلة، ثم رأيت النبي صلى الله عليه وآله جاء ومسح علي وتوبني فشفيت ونظرت في) الاحياء (ففهمته غير الفهم الاول .  و ذكره السبكي في طبقاته 4 :  132 وقال :  هذه حكاية صحيحة حكاها لنا جماعة من ثقات مشيختنا عن الشيخ العارف ولي الله سيدي ياقوت الشاذلي، عن شيخنا السيد الكبير ولي الله أبي العباس المرسي، عن شيخه الشيخ الكبير ولي الله أبي الحسن الشاذلي قدس الله تعالى اسرارهم (1) وذكره المولى احمد طاش كبرى زاده في مفتاح السعادة 2 :  209، واليافعي في مرآت

الجنان 3 :  322 : 

وقال السبكي في طبقاته :  4 :  113 :  كان في زماننا شخص يكره الغزالي ويذمه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا حكى عن السبكى والمطبوع من طبقاته يخالفه في بعض الالفاظ . 

 

 

/  163 /

 

ويستعيبه في الديار المصريه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأبابكر وعمر رضي الله عنهما بجانبه والغزالي جالس بين يديه وهو يقول :  يا رسول الله ! هذا يتكلم في، وان النبي صلى الله عليه وسلم قال :  هاتوا السياط، وأمر به فضرب لاجل الغزالي، وقام هذا الرجل من النوم وأثر السياط على ظهره، ولم يزل كان يبكي ويحكيه للناس .  وسنحكي منام أبي الحسن ابن حرزم المغربي المتعلق بكتاب) الاحياء (وهو نظير هذا . 

قال الاميني :  نعما هي لو صدقت الاحلام ؟ إنا نحن نربأ صاحب الرسالة عن الاصفاق على تصديق مثل هذا الكتاب الذي هو في كثير من مواضيعه على الطرف النقيض لما صدع به من شريعته المقدسة، وليست أباطيل الغزالي بألغاز لا يحلها إلا الفني فيها، وإنما هي سرد متعارف يعرفها كل من وقف عليها من أهل العلم، وليس فهمها قصرا على قوم دون آخرين، فهي فتق لا يرتق، وصدع لا يرأب . 

قال ابن الجوزي في المنتظم 9 :  169 :  أخذ في تصنيف كتاب) الاحياء (في القدس ثم أتمه بدمشق إلا انه وضعه على مذهب الصوفية وترك فيه قانون الفقه مثل انه ذكر في محو الجاه ومجاهدة النفس :  ان رجلا أراد محو جاهه فدخل الحمام فلبس ثياب غيره، ثم لبس ثيابه فوقها، ثم خرج يمشي على محل حتى لحقوه فأخذوها منه وسمي سارق الحمام، وذكر مثل هذا على سبيل التعليم للمريدين قبيح، لان الفقه يحكم بقبح هذا فإنه متى كان للحمام حافظ وسرق سارق قطع، ثم لا يحل لمسلم أن يتعرض بأمر يأثم الناس به في حقه .  وذكر ان رجلا اشترى لحما فرأى نفسه تستحيي من حمله إلى بيته فعلقه في عنقه ومشى، وهذا في غاية القبح، ومثله كثير ليس هذا موضعه، وقد جمعت أغلاط الكتاب وسميته) إعلام الاحياء بأغلاط الاحياء (وأشرت إلى بعض ذلك في كتابي المسمى) بتلبيس ابليس (مثل ما ذكر في كتاب النكاح :  ان عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وسلم :  أنت الذي تزعم انك رسول الله .  وهذا محال . 

إلى أن قال : 

وذكر في كتاب) الاحياء (من الاحاديث الموضوعة وما لا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الاحاديث على من يعرف، وإنما نقل نقل حاطب ليل .  وكان قد صنف للمستظهر كتابا في الرد على الباطنية، وذكر في آخر

 

 

/  164 /

 

مواعظ الخلفاء فقال :  روي ان سليمان بن عبدالملك بعث إلى أبي حازم :  ابعث إلي من إفطارك .  فبعث إليه نخالة مقلوة فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر عليها وجامع زوجته، فجاء‌ت بعبد العزيز، فلما بلغ ولد له عمر بن عبدالعزيز .  وهذا من أقبح الاشياء لان عمر ابن عم سليمان وهو الذي ولاه، فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئا أصلا .  الخ . 

وقال ابن الجوزي في) تلبيس ابليس (ص 352 :  قد حكى أبوحامد الغزالي في كتاب

(الاحياء (قال :  كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع .  قال :  وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر إذا خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود ورياء البذل . 

قال :  وكان بعضهم يستأجر من يشتمه على ملا من الناس ليعود نفسه الحلم .  قال :  وكان آخر يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الموج ليصير شجاعا .  ثم قال :  قال المصنف رحمه الله :  أعجب من جميع هؤلاء عندي أبوحامد كيف حكى هذه الاشياء ولم ينكرها ؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم ؟ وقال قبل أن يورد هذه الحكايات :  ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فإن رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير، وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه .  وإن رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك .  وإن رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان .  وإن رأى شره الطعام غالبا عليه الزم الصوم، وإن رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا .  فقال : 

قلت :  وإني لاتعجب من) أبي حامد (كيف يأمر بهذه الاشياء التي تخالف الشريعة ؟ وكيف يحل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا ؟ وكيف يحل رمي المال في البحر ؟ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال .  وهل يحل سب مسلم بلا سبب ؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك

 

 

/  165 /

 

وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه ؟ وذاك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج، وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟ فما أرخص ما باع أبوحامد الغزالي الفقه بالتصوف ؟ . 

وقال :  وحكى أبوحامد :  ان أبا تراب النخشبي قال لمريد له :  لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة .  فقال :  قلت :  وهذا فوق الجنون بدرجات . 

هذه جملة من كلمات ابن الجوزي حول) إحياء العلوم (ومن أمعن النظر في أبحاث هذا الكتاب يجده أشنع مما قاله ابن الجوزي، وحسبك ما جاء به من حلية الغناء والملاهي وسماع صوت المغنية الاجنبية والرقص واللعب بالدرق والحراب، ونسبة كل ذلك إلى نبي القداسة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (1) بعد سرد جملة من الموضوعات تدعيما لرأيه السخيف :  فيدل هذا على ان صوت النساء غير محرم تحريم صوت المزامير، بل إنما يحرم عند خوف الفتنة، فهذه المقاييس والنصوص تدل على إباحة الغناء، والرقص، والضرب بالدف، واللعب بالدرق والحراب، والنظر إلى رقص الحبشية والزنوج في أوقات السرور كلها قياسا على يوم العيد فانه وقت سرور، وفي معناه يوم العرس، والوليمة، والعقيقة، والختان، ويوم القدوم من السفر، وسائر أسباب الفرح وهو كل ما يجوز به الفرح شرعا، ويجوز الفرح بزيارة الاخوان ولقائهم واجتماعهم في موضع واحد على طعام أو كلام فهو ايضا مظنة السماع .  ثم ذكر سماع العشاق تحريكا للشوق وتهييجا للعشق وتسلية للنفس .  وفصل القول في ذلك بما لا طائل تحته، وخلط الحابل بالنابل، وجمع فيه بين الفقه المزيف وبين السلوك بلا فقاهة . 

ومن طامات كتاب) الاحياء (أو من شواهد جهل مؤلفه المبير ومبلغه من الدين والورع رأيه الساقط في اللعن قال في ج 3 :  121 :  وعلى الجملة ففي لعن الاشخاص خطر فليجتنب، ولا خطر في السكوت عن لعن ابليس مثلا فضلا عن غيره، فإن قيل:

هل يجوز لعن يزيد لانه قاتل الحسين أو أمره به ؟ قلنا :  هذا لم يثبت أصلا، فلا يجوز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع احياء العلوم 2 :  276 . 

 

/  166 /

 

أن يقال :  إنه قتله، أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة، لانه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق ثم ذكر أحاديث في النهي عن لعن الاموات فقال :  فإن قيل :  فهل يجوز أن يقال :  قاتل الحسين لعنه الله، أو الآمر بقتله لعنه الله ؟

قلنا :  الصواب أن يقال :  قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله لانه يحتمل أن يموت بعد التوبة، فإن وحشيا قاتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله وهو كافر، ثم تاب عن الكفر والقتل جميعا، ولا يجوز أن يلعن والقتل كبيرة، ولا تنتهي إلى رتبة الكفر، فاذا لم يقيد بالتوبة واطلق كان فيه خطر، وليس في السكوت خطر فهو أولى .

فهلم معي أيها القارئ الكريم إلى هذه التافهات المودوعة في غضون) إحياء العلوم (هل يراها النبي الاعظم صلى الله عليه وآله شيئا حسنا، وحلف بذلك ؟ وهل سره دفاع الرجل عن ابليس اللعين أو عن جروه يزيد الطاغية الذي أبكى عيون آل الله وعيون صلحاء امة محمد صلى الله عليه وآله في ريحانته إلى الابد ؟ !

وهل يحق لمسلم صحيح ينزه عن النزعة الاموية الممقوتة، ويطلع على فقه الاسلام وطقوسه، ويعلم تاريخ الامة، ويعرف نفسيات أبناء بيت امية الساقط، ولا يجهل أو لا يتجاهل بما أتت به يد يزيد الطاغية الاثيمة، وما نطق به ذلك الفاحش المتفحش وما أحدثه في الاسلام من الفحشاء والمنكر، وما ثبت عنه من أفعاله وتروكه، وما صدر عنه من بوائق وجرائم وجرائر، أن يدافع عنه بمثل ما أتى به هذا المتصوف الثرثار البعيد عن العلوم الدينية وحياتها ؟ وهو لا يبالي بما يقول، ولا يكترث لمغبة ما خطته يمناه الخاطئة، والله من وراء‌ه حسيب، وهو نعم الحكم العدل، والنبي الاعظم، ووصيه الصديق، والشهيد السبط المفدى هم خصماء الرجل يوم يحشر للحساب مع يزيد الخمور والفجور - ومن أحب حجرا حشره الله معه - وسيذوق وبال مقاله ويرى

جزاء محاماته . 

ولست أدري إلى الغاية ان حد المفتري الذي أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله على أبي الحسن ابن حرازم إن كان بحق - ولابد أن يكون ما يفعله النبي حقا - فلما ذا درأته عنه شفاعة الشيخ أبي بكر ؟ ولا شفاعة في الحدود .  وإن لم يكن أبوالحسن مستحقا

 

 

/  167 /

 

له فبماذا أقامه رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ولماذا أرجأ الشيخ رأيه في اجتهاد ابن حرازم إلى أن جرد وضرب خمسة أسواط ؟ وكيف خفي على رسول الله صلى الله عليه وآله ما يدرأ به الحد من شبهة الاجتهاد ؟ ومن سنته الثابته درألحدود بالشبهات .  وهل تقام الحدود في عالم الطيف ؟

 

ـ 65 ـ

اللامشي يسجد على أرض النهر

 

قال السمعاني :  سمعت أبابكر الزاهد السمرقندي يقول :  بت ليلة مع الامام اللامشي - الحسين بن علي أبي علي الحنفي المتوفى 522 - في بعض بساتينه فخرج من باب البستان نصف الليل ومر على وجهه فقمت أنا وتبعته من حيث لا يعلم، فوصل إلى نهر كبير عميق، وخلع ثيابه، واتزر بميرز وغاض في الماء، وبقي زمانا لا يرفع رأسه فظننت أنه غرق فصحت وقلت :  يا مسلمون ! غرق الشيخ فإذا بعد ساعة قد ظهر وقال : 

يا بني لا نغرق .  فقلت : 

يا سيدي ! ظننت أنك غرقت، فقال :  ما غرقت ولكن أردت أن أسجد لله سجدة على ارض النهر فإن هذه أرض أظن أن أحدا ما سجد لله عليها سجدة) الجواهر المضية في طبقات الحنفية) 1 :  215 . 

مرحى بالسخافه وزه بمستسخف الناس الذين يخضعون لامثال هذه السفاسف، وحيا الله هذه النفس التي لم يأخذ بخناقها إنقطاع النفس طيلة تلك المدة تحت الماء، وليس ذلك من خرافة القصاصين بعجيب، ولا عجب فإن المغالاة في الحب يستسهل وقوع ما يحيله العقل .

 

ـ 66 ـ

الطلحى يستر سوأته بعد موته

 

أخرج ابن الجوزي وإبن كثير بالاسناد عن أحمد الاسواري وكان ثقة وهو تولى غسل إسماعيل بن محمد الحافظ (1) انه قال :  أراد أن ينحي الخرقة عن سوأته وقت الغسل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أبوالقاسم الطلحى الشافعى من اهل اصبهان قال ابن الجوزى :  إمام في الحديث والتفسير و اللغة حافظ متقن دين ولد 459 وتوفى باصبهان سنة 535 . 

 

 

 

/  168 /

 

فجذبها الشيخ اسماعيل من يده وغطى فرجه، فقال الغاسل :  أحياة بعد الموت ؟

المنتظم 10 :  90، تاريخ ابن كثير 12 :  217 . 

قال الاميني :  لا حياة بعد الموت لامثال الطلحي، إلى يوم الوقت المعلوم، لكن الغلو في الحب يحيى ويميت ويميت ويحيي . 

طاعة الحيوانات والجمادات للمنبجى

قال الامام أبومحمد ضياء الدين الوتري في) روضة الناظرين (ص 36 :  قال الشيخ عقيل بن شهاب الدين أحمد المنبجي العمري أحد أحفاد عمر بن الخطاب، وكان يلقب بالغواص :  أعطاني الله الكلمة النافذة في كل شئ، ثم داخله وجد فقام :  وقال :  يا هوام ! يا حجارة ! يا شجر ! صدقوني، فإني ما ادعيت باطلا، فوفدت الوحوش من الجبل وقد ملا زئيرها وصراخها البقاع ودارت به، ورقصت الحجارة، فهذه صاعدة وهذه نازلة، واشتبكت الاغصان بعضها ببعضها، ثم حضر فسكت وعاد كل لما كان عليه . 

وقال الوتري :  كان يلقب بالغواص، وذلك لانه مر بجماعة من تلامذة شيخه السروجي بالفرات، ففرش سجادته على الماء وجلس عليها وغاص بالماء إلى الجانب الآخر، ثم ظهر من الماء، ولا بلل بثيابه، فذكر ذلك إخوانه لشيخه مسلمة السروجي فقال :  عقيل غواص .  فاشتهر

بذلك (1)

قال الاميني :  حقا إن تأثير هذا الرجل في المواليد الثلاث أقوى من تأثير الله سبحانه في تصديقها إياه إن حققت المزاعم والتافهات، فقد جاء في الذكر الحكيم :  و إن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .  (2) وسبح لله ما في السموات والارض (5) ولله يسجد ما في السموات والارض (4) والنجم والشجر يسجدان (5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) روضة الناظرين ص 35 . 

 (2) سورة الاسراء :  47 . 

 (3) سورة الصف :  2 . 

 (4) سورة النحل :  52 . 

 (5) سورة الرحمن :  7.

 

 

 

/  169 /

 

ألم تر ان الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس (1) ومع ذلك لم يسمع أحد للوحوش والدواب نعيقا، وللشجر هفيفا، وللاحجار صعودا وحبوطا، بعنوان السجدة و التسبيح، فهو لا محالة إما بلسان ملكوتي، أو بعنوان جعل الاستعداد، أو الشهادة التكوينية التي لا تفارق كل موجود على حد قول القائل : 

وفي كل شئ له آية * تدل علــى انه واحد

وعليه ينزل قوله تعالى :  شهد الله انه لا إله إلا هو .  أي خلق ما يشهد له بأحد الوجوه المذكورة، وإلا فهي دعوى لا شهادة لها إن اريد بها ظاهرها . 

أو ان للموجودات في تسبيحها وسجودها لغة وأطوارا لا يحسها البشر، إلا من اصطفاه الله من عباده المنتجبين، وعلمه منطق الطير، وعرفه لغة الحجر والشجر والهوام، لكن الشيخ الغواص أعطاء الله الكلمة النافذة في كل شئ حتى زارت وصرخت له الوحوش، ورقصت الحجارة، واشتبكت اغصان الاشجار، فحظيت بسماعها ورؤيتها آذان اولئك الغالين في فضائله ومقلهم، فحيى الله منحة المولى سبحانه لعبده أكثر مما عنده، ولك إمعان النظر وتدقيق البحث حول السجادة والغوص، وهذه كلها سهلة غير مستصعب على الشيخ مهما كان حفيد عمر الخلفية، وقد سمعت كراماته الظاهرة في العناصر الاربعة في الجزء الثامن ص 83 - 87 ط 1، هكذا يخلق أو يختلق الغلو الفضائل، وافقت العقل أم لم توافق . 

 

ـ 68 ـ

كرامة لابن مسافر الاموى

 

قال عمر بن محمد :  خدمت الشيخ عدي - ابن مسافر الشامي الاموي المتوفى 557 / 8 - سبع سنين شهدت له فيها خارقات أحدها :  أني صببت على يديه ماء فقال لي : 

ما تريد ؟ قلت اريد تلاوة القرآن ولا أحفظ منه غير الفاتحة وسورة الاخلاص، فضرب بيده في صدري فحفظت القرآن كله في وقتي، وخرجت من عنده وأنا أتلوه بكماله .  (شذرات الذهب (لابن العماد الحنبلي 4 :  180،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الحج :  19 . 

 

 

 

/  170 /

 

قال الاميني :  ليت هذا الاموي أدرك عهد الخليفة الثاني فيضرب بيده في صدره فلا يتجشم بمقاساة الشدة لحفظ سورة البقرة في أثني عشر عاما .  لكنه لم يدرك . 

وليت شعري هل كان يرضخ راوي هذه الاسطورة لها لو كان صاحبها علويا ؟ أو ان رضوخه قصر على الاموي فحسب ؟

وذكر ابن العماد إيضا في شذرات ذهبه نقلا عن اليونيني - الآتي ذكره .  قال قال لي عدي بن مسافر يوما :  إذهب إلى الجزيرة السادسة بالبحر المحيط تجد بها مسجدا فادخله ترى فيه شيخا فقل له :  يقول لك الشيخ عدي بن مسافر :  احذر الاعتراض و لا تختر لنفسك أمرا ليست لك فيه إرادة .  فقلت :  يا سيدي ! وأنى لي بالبحر المحيط ؟

فدفعني بين كتفي فإذا أنا بجزيرة والبحر محيط بها وثم مسجد فدخلته فرأيت شيخا مهيبا يفكر فسلمت عليه وبلغته الرسالة فبكى وقال :  جزاه الله خيرا، فقلت :  يا سيدي ! ما الخبر ؟

فقال :  اعلم أن أحد السبعة الخواص في النزع وطمحت نفسي و إرادتي أن أكون مكانه، ولم تكمل خطرتي حتى اتيتني فقلت :  يا سيدى ! وأنى لي بالوصول إلى جبل هكار ؟ فدفعني بين كتفي فإذا أنا بزاوية الشيخ عدي فقال لي :  هو من العشرة الخواص . 

قال الاميني :  الجنون فنون، وأرقها جنون الحب والمغالاة في الفضائل . 

 

ـ 69 ـ

عبدالقادر يحيى دجاجة

 

قال اليافعي في مرآة الجنان 3 :  356 :  روى الشيخ الامام الفقيه العالم المقري ابوالحسن علي بن يوسف بن جرير بن معضاد الشافعي اللخمي في مناقب الشيخ عبدالقادر (1) بسنده من خمس طرق، وعن جماعة من الشيوخ الجلة أعلام الهدى العارفين المقتنين للاقتداء، قالوا :  جاء‌ت امرأة بولدها إلى الشيخ عبدالقادر فقالت له : 

يا سيدي ! إني رأيت قلب ابني هذا شديد التعلق بك، وقد خرجت عن حقي فيه لله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الشيخ السيد عبدالقادر بن أبى صالح موسى الحسنى الجيلانى، مؤسس الطريقة القادرية. من كبار المتصوفين، ولد في 491 بجيلان [ وراء طبرستان ] وانتقل إلى بغداد شابا، وتوفى سنة 561 ودفن ببغداد وقبره مشهور يزار . 

 

 

/  171 /

 

عزوجل ولك، فقبله الشيخ وأمره بالمجاهدة وسلوك الطريق، فدخلت امه عليه يوما فوجدته نحيلا مصفرا من آثار الجوع والسهر، ووجدته يأكل قرصا من الشعير فدخلت إلى الشيخ فوجدت بين يديه إناء فيه عظام دجاجة مسلوقة قد أكلها، فقالت : 

يا سيدي ! تأكل لحم الدجاج ويأكل ابني خبز الشعير ؟ فوضع يده على تلك العظام وقال :  قومي بإذن الله تعالى الذي يحيي العظام وهي رميم .  فقامت الدجاجة سوية وصاحت، فقال الشيخ :  إذا صار ابنك هكذا فليأكل ما شاء . 

وذكرها الشيخ عبدالقادر القادري في) تفريح الخاطر (ص 32 . 

قال الاميني :  إن خاصة الانبياء وفي الطليعة منها إحياء الموتى هل تتأتى لكل مرتاض، فلا يبقى بينه وبين النبي المرسل أي مائز ؟ وهب ان الباحث تصور لصدورها من الاولياء اعتبارا آخر فتكون كرامة للولي ومعجزة للنبي الذي ينتحل شرعته، إلا أنه اعتبار اهتدى إليه الفكر بعد روية طويلة، لكنه لا خارج له تصل إليه العامة، فاطرادها بل وظهورها من غير اطراد يحط عندها من مقام النبوة لمحض المشاكلة الصورية، وكلما كان كذلك لا يمكن وقوعه . 

ثم هل لاكل خبز الشعير وما جشب من الطعام بمحضه أن يوصل السالك إلى مرتبة يحيى فيها الموتى، وإن كان المولى سبحانه يعلم انه متى بلغ إلى هذه المرتبة ألهاه أكل الدجاجة المسلوقة أكلا لما ؟ !

وهل الرياضة شرط في حدوث القوة في النفس والملكات الفاضلة وليست شرطا في بقائها ؟ !

أو ليس التلهي باللذايذ مزيحة لتلكم الاحوال النفسية كما كانت الرياضة مجتذبة لها ؟ فاحف القول السؤال عن هذه المشكلات، فإن أجابوك فأخبرني . 

 

ـ 70 ـ

عبدالقادر يحتلم في ليلة أربعين مرة

 

ذكر الشعراني في الطبقات الكبرى 1 :  110 قال :  كان الشيخ عبدالقادر (الجيلاني) رضي الله عنه يقول :  أقمت في صحراء العراق وخرائبه خمسا وعشرين سنة مجردا سائحا لا أعرف الخلق ولا يعرفوني، يأتيني طوائف من رجال الغيب والجان اعلمهم

 

 

/  172 /

 

الطريق إلى الله عزوجل، ورافقني الخضر عليه السلام في أول دخولي العراق، وما كنت عرفته وشرط أن لا اخالفه وقال لي :  اقعد هنا .  فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين، يأتيني كل سنة مرة ويقول لي :  مكانك حتى آتيك .  قال :  ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ ولا أشرب الماء، ومكثت فيها سنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ، وسنة لا أكل ولا أشرب ولا أنام، ونمت مرة بايوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت وذهبت إلى الشط واغتسلت، ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط واغتسلت فوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة وأنا أغتسل، ثم صعدت إلى الايوان خوف النوم.

قال الاميني :  اقرأه مع إمعان وتبصر في شأن هذا العارف معلم طوائف من رجال الغيب والجان الذي اتخذوه الطريق إلى الله، وكان رفيق الخضر عليه السلام، وأعجب من انسان لم يأكل سنة، ولم يشرب اخرى، ويتركهما ثالثة، ولم تخر قواه حتى يحتلم في ليلة شاتية أربعين مرة، ويعبث به الشيطان بهذا العدد الجم وهو فان في الله ولو كان اتفق له ذلك خلال تلكم الايام التي كان يأكل فيها الدجاجة المسلوقة ويحيي عظامها كما مر لكان يعد بعيدا عن الطبيعة

البشرية . 

وما أطول تلك الليلة حتى وسعت أربعين نومة ذات احتلام، وأغسالا بعدها على عدد الاحلام المتخللة بالذهاب إلى الشط والاياب إلى مقره ومنامه، وبعد ذلك كله تبقى منها برهة يصعد الشيخ إلى الايوان خوفا من النوم، ولعله لو نام بعد نومته المتممة للاربعين لبلغ العدد الاربعمائة أو أكثر، ولم يكن الشيطان يفارق ذلك الهيكل القدسي واللعب به مهما امتدت ليلته، وليس إحيائه عظام الدجاجة بأعظم من هذه الكرامة، وإن هي إلا أحلام نائم نسجتها أيدي العرونة غلوا في الفضائل . 

 

ـ 71 ـ

قدم النبى صلى الله عليه وآله على رقبة عبدالقادر

 

قال الشيخ السيد عبدالقادر الكيلاني :  لما عرج بجدي صلى الله عليه وسلم ليلة المرصاد، وبلغ سدرة المنتهى بقي جبريل الامين عليه السلام متخلفا وقال :  يا محمد ! لو دنوت أنملة لاحترقت فارسل الله تعالى روحي إليه في ذلك المقام، لاستفادتي من سيد الانام عليه وعلى آله

 

 

/  173 /

 

الصلاة والسلام، فتشرفت به، واستصحلت على النعمة العظمى والوراثة والخلافة الكبرى، وحضرت وأوجدت بمنزلة البراق حتى ركب علي جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعناني بيده حتى وصل، فكان قاب قوسين أو أدنى وقال لي :  يا ولدي وحدقة عيني ! قدمي هذه على رقبتك، وقدماك على رقاب كل أولياء الله تعالى .  وقال رضي الله عنه : 

وصلت إلى العرش المجيد بحضرتي * فلاحــــت لي الانوار والحق أعطاني

نظــــرت لعــــرش الله قبــــل تخلقـي * فلاحت لي الامــــلاك والله سمــــاني

وتوجنــــي تــــاج الــــوصال بنظــرة * ومن خلقه التشريف والقرب أكساني

 

ـ 72 ـ

عبـدالقــــادر وملـك المـوت

 

عن السيد الشيخ الكبير أبي العباس أحمد الرفاعي قال :  توفي أحد خدام الشيخ عبدالقادر الكيلاني وجاء‌ت زوجته إليه فتضرعت والتجأت إليه وطلبت حياة زوجها فتوجه الشيخ إلى المراقبة فرأى في عالم الباطن ان ملك الموت عليه السلام يصعد إلى السماء ومعه الارواح المقبوضة في ذلك اليوم فقال :  يا ملك الموت ! قف واعطني روح خادمي فلان، وسماه باسمه، فقال ملك الموت :  إني أقبض الارواح بأمر إلهي واوديها إلى باب عظمته، كيف يمكنني أن أعطيك روح الذى قبضته بأمر ربي ؟ فكرر الشيخ عليه اعطاء روح خادمه إليه، فامتنع من اعطائه، وفي يده ظرف معنوي كهيئة الزنبيل فيه الارواح المقبوضة في ذلك اليوم، فبقوة المحبوبية جر الزنبيل وأخذه من يده، فتفرقت الارواح ورجعت إلى أبدانها، فناجى ملك الموت عليه السلام ربه وقال :  يا رب ! أنت أعلم بما جرى بيني و بين محبوبك ووليك عبدالقادر، فبقوة السلطنة والصولة أخذ مني ما قبضته من الارواح في هذا اليوم فخاطبه الحق جل جلاله :  ياملك الموت ! إن الغوث الاعظم محبوبي ومطلوبى لم لا أعطيته روح خادمه ؟ وقد راحت الارواح الكثيرة من قبضتك بسبب روح واحد، فتندم هذا الوقت (2) . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نفس المصدر الاتى في الخرافة التالية . 

 (2) تفريح الخاطر في ترجمة عبدالقادر ص 5، 12 ط مصر مطبعة عيسى البابى الحلبى و شركاؤه سنة 1339 .