فهرس الجزء الثالث

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/ صفحة 377 /

القرن الرابع

19

القاضي التنوخي

المولود 278 المتوفى 342

 

من ابـــــن رسول الله وابـــــن وصـــية * إلـــــى مدغــل في عقبة الدين ناصب

نشـــــأ بـــــين طنـــــبور وزق ومـزهر * وفــي حجر شاد أو على صدر ضارب

ومن ظهـــــر سكـــــران إلى بطن قينة * عـــــلى شبـــــه فـــي ملكها وشوائب

يعـــــيب عـــــليا خـير من وطأ الحصى * وأكـــــرم ســـــار فــي الأنام وسارب

ويـــــزري على السبطين سبطي محمد * فـــــقل في حضيض رام نيل الكواكب

وينسب أفعـــــال القـــــراميط كـــــاذبـا * إلـــــى عــترة الهادي الكرام الأطائب

إلى معـــــشر لا يـــــبرح الــــذم بينهم * ولا تـــــزدري أعـــــراضهم بالمعائب

إذا ما انتدوا كانوا شمـــــوس بيوتهم * وإن ركبـــــوا كانوا شموس المواكب

وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردى * وإن ضحـــــكوا أبـكوا عيون النوادب

نشـــــوا بين جـــــبريل وبـين (محمد) * وبـــــين (عـــــلي) خــير ماش وراكب

وزير النـــــبي المصـــــطفى ووصـيه * ومشبـــــهه فـــــي شيـــــمة وضرائب

ومن قـــــال فـــي يوم (الغدير) محمد * وقـــــد خاف من غدر العداة النواصب

: أما إنـــــني أولى بكم من نفــوسكم * فـــــقالوا : بـلى قول المريب الموارب

فقال لهـــــم : مــــن كنت مولاه منكم * فهـــــذا أخـــــي مـولاه بعدي وصاحبي

أطيعـــــوه طـــــرا فهـــــو مني بمنزل * كهارون مــــن موسى الكليم المخاطب

[ القصيدة 83 بيتا ]

/ صفحة 378 /

* (ما يتبع الشعر) *:

 كان عبد الله بن المعتز العباسي المتوفى سنة 296 ممن ينصب العدا للطالبيين، ويتحرى الوقيعة فيهم بما ينم عن سوء سريرته، ويشف عن خبث طينته، وكثيرا ما كان يفرغ ما ينفجر به بركان ضغاينه في قوالب شعرية، فجائت من ذلك قصايد خلدت له السوءة والعار، ولقد تصدى غير واحد من الشعراء لنقض حججه الداحضة منهم :

 الأمير أبو فراس الآتي ذكره وترجمته، غير أنه أربى بنفسه الأبية عن أن تقابل ذلك الرجس بالموافقة في البحر والقافية، فصاغ قصيدته الذهبية الخالدة الميمية، ينصر فيها العلويين، وينال من مناوئيهم العباسيين، ويوعز إلى فضائحهم وطاماتهم التي لا تحصى.

 ومنهم : تميم بن معد الفاطمي المولود 237 والمتوفى 374، رد على قصيدة ابن المعتز الرائية أولها.

أي ربع لآل هند مدار ؟ * ..........

 وأول قصيدة ابن معد :

يا بني هاشم ولسنا سواء * في صغــار من العلى وكبار

ومنهم : ابن المنجم.

 وأبو محمد المنصور بالله المتوفى 614 الآتي ذكره في شعراء القرن السابع ومنهم : صفي الدين الحلي المتوفى 752 فقد رد عليه ببائيته الرنانة المنشورة في ديوانه المذكورة في ترجمته الآتية في شعراء القرن الثامن.

 ومنهم : القاضي التنوخي المترجم له فقد نظم هذه القصيدة التي ذكرنا منها شطرا ردا عليه، وهي مذكورة في كتاب (الحدائق الوردية) 83 بيتا، وأحسبها كما في غير واحد من المجاميع المخطوطة أنها تمام القصيدة، وذكرت في (مطلع البدور) 74 بيتا، وذكر منها اليماني في (نسمة السحر) 48 بيتا، والحموي 14 بيتا في (معجم الأدباء) ج 14 ص 181 وقال :

 كان عبد الله بن المعتز قد قال قصيدة يفتخر فيها ببني العباس على بني أبي طالب أولها :

أبـــى الله إلا مــــا تــرون فمالكم * غضابا على الأقدار يا آل طالب؟!

فأجابه أبو القاسم التنوخي بقصيدة نحلها بعض العلويين وهي مثبتة في ديوانه أولها :

 

/ صفحة 379 /

من ابن رسول الله وابـــن وصيـــــه * إلى مدغـــــل في عـقدة الدين ناصب

نشأ بــــــين طنـــــبور ودف ومـزهر * وفي هجر شاد أو على صدر ضارب

ومن ظهر سكران إلى بطـن قيـــــنة * عــلى شبـــــــــه في ملكها وشوائب

يقول فيها :

وقلـــــت : بنو حــرب كسوكم عمائما * من الضرب في الهامات حمر الذوائب

صـــــدقت منـــــايانا السيـــــوف وإنما * تموتون فــوق الفرش موت الكواعب

ونحـــــن الأولـــــى لا يسرح الذم بيننا * ولا تـــــدري أعـــــراضنا بالمعــــايب

إذا مـــــا انـــتدوا كانوا شموس نديهم * وإن ركـــــبوا كــــــانوا بدور الركائب

وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردى * وإن ضحكـــوا بكـــــوا عيون النوائب

وما للغـــــواني والوغـــــى فتعــودوا * بقـــــرع المثـــــاني من قراع الكتائب

ويـــــوم حنـــــين قلــت : حزنا فخاره * ولـــــو كـــان يدري عدها في المثالب

أبـــــوه مناد والـــوصي مضارب (1) * فـــــقل فـــــي منـــــاد صيت ومضارب

وجـــــأتم مـــــع الأولاد تبغــون إرثه * فابعـــــد بمحـــــجوب بحـــــاجب حاجب

وقلـــــتم : نهضنا ثـــــائرين شعـارنا * بثـــــارات زيـــــد الخير عـــند التحارب

فهـــــلا بإبراهيـــــم كـــــان شعـاركم * فتـــــرجع دعـــــواكم تعــلة (2) خائب

ورواها عماد الدين الطبري في الجزء العاشر من كتابه [ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ] وقال :

 حدثنا الحسين بن أبي القاسم التميمي، قال : أخبرنا أبو سعيد السجستاني، قال أنبأنا القاضي ابن القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي ببغداد، قال : أنشدني أبي أبو علي المحسن، قال : أنشدني أبي أبو القاسم علي بن محمد ابن أبي الفهم التنوخي لنفسه من قصيدة :

ومـــن قال في يوم (الغدير) محمد * وقد خاف من غدر العداة النواصب

: أمــــا أنا أولى منـــــكم بنفوسكم * فقالوا : بلى قول المريب الموارب

فقال لهم : من كنت مـــولاه منــكم * فهـــذا أخي مـــولاه فيكم وصاحبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يريد العباس وعليا أمير المؤمنين عليه السلام.

(2) أي تعلل.

 

/ صفحة 380 /

أطيعـــــوه طرا فهـــــو مني كمنزل * لهارون من موسى الكليم المخاطب

فقولا له : إن كنــــت من آل هاشم * فما كـــــل نجـــــم في السماء بثاقب

وروى القصيدة وأنها في رد عبد الله بن المعتز صاحب تاريخ طبرستان ص 100 بهاء الدين محمد بن حسن وذكر منها خمسة عشر بيتا ومنها :

فكـــــم مثـــل زيد قد أبادت سيوفكم * بلا ســـــبــــب غير الظنون الكواذب

أما حمل المنصـور من أرض يثرب * بـــــدور هدى تجـلو ظلام الغياهب ؟

وقطعـــــتم بالبغـــــي يـــــوم محــمد * قـــــرائن أرحـــــام لـــــه وقــــرائب

وفي أرض باخمرا مصابيح قد ثوت * متربة الهامـــــات حـــــمر التـرائب

وغـــــادر هـــــاديكم بفـــــخ طـوائفا * يغـــــاديهم بالقـــــاع بقع النواعــب

وهـــــارونكم أودى بغـــــير جــريرة * نجـــــوم تـــقى مثل النجوم الثواقب

ومأمـــــونكم ســــم الرضا بعد بيعة * تـــــود ذرى شــــم الجبال الرواسب

فهـــــذا جـــــواب للـذي قال : مالكم * غضابا على الأقدار يا آل طالب ؟ !

* (الشاعر) *:

 أبو القاسم التنوخي علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم بن جابر ابن هاني بن زيد بن عبيد بن مالك بن مريط بن سرح بن نزار بن عمرو بن الحرث ابن صبح بن عمرو بن الحرث بن عمرو بن الحارث بن عمرو [ ملك تنوخ ] بن فهم بن تيم الله [ وهو تنوخ ] ابن أسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة ملك بن حمير بن سبا بن سحت بن يعرب بن قحطان بن غابن بن شالح بن الشحد ابن سام بن نوح النبي عليه السلام (1) من أغزر عيالم العلم، وملتقى الفضايل، ومجتمع الفنون المتنوعة، مشاركا في علوم كثيرة، مقدما في الكلام، متضلعا في الفقه والفرايض، حافظا في الحديث، قدوة في الشعر والأدب، بصيرا بعلم النجوم والهيئة، خبيرا بالشروط والحاضر والسجلات،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) النسب ذكره الخطيب البغدادي في تاريخه نقلا عن حفيد المترجم أبي القاسم ابن المحسن إلى قضاعة، وذكر بعده السمعاني في (الأنساب) وإلى قضاعة بين الكتابين اختلاف في بعض الأسماء.

 

/ صفحة 381 /

استاذا في المنطق، متبحرا في النحو، واقفا على اللغة، معلما في القوافي، عبقريا في العروض، وكما أنه من أعيان العلم فهو مفرد في الكرم وحسن الشيم، فذ في الظرف والفكاهة، دمث الخلايق، لين الجانب.

ولادته ونشأته:

ولد بأنطاكية يوم الأحد لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة 278 ونشأ بها حتى غادرها في حداثته سنة ست وثلثمائة إلى بغداد، وتفقه بها على مذهب أبي حنيفة، وسمع الحديث من الحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني صاحب (مسدد ).

 وأحمد ابن خليل الحلبي صاحب أبي اليمان الحمصي. وأحمد بن محمد بن أبي موسى الأنطاكي. و أنس بن سالم الخولاني. والحسن بن أحمد بن إبراهيم بن فيل. والفضل بن محمد العطار الأنطاكيين. والحسين بن عبد الله القطان الرقي. وأحمد بن عبد الله بن زياد الجبلي. ومحمد بن حصن بن خالد الآلوسي الطرسوسي. والحسن بن الطيب الشجاعي. و عمر بن أبي غيلان الثقفي. وأبي بكر بن محمد بن محمد الباغندي. وحامد بن محمد ابن صعيب البلخي. وأبي القاسم البغوي. وأبي بكر بن أبي داود. وقرأ في النجوم على البنائي المنجم صاحب الزيج.

 يروي عنه أبو حفص بن الآجري البغدادي، وأبو القاسم بن الثلاج (1) البغدادي، وعمر بن أحمد بن محمد المقري، وابنه أبو علي المحسن التنوخي.

 وأول من قلده القضاء بعسكر مكرم وتستر وجندي سابور في أيام المقتدر بالله الخليفة الذي ولي الخلافة من سنة 295 حتى قتل سنة 320.

 من قبل القاضي أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول التنوخي، وكتبه له أبو علي ابن مقلة وكان ذلك سنة 310 في السنة الثانية والثلاثين من عمره، ثم تقلد القضاء بالأهواز وكورة واسط وأعمالها والكوفة وسقي الفرات، وعدة نواح من الثغور الشامية، وأرجان وكورة سابور مجتمعا ومفترقا، وتولى قضاء أيذج وجند حمص من قبل المطيع لله الذي ولي الخلافة سنة 334، وكان المطيع لله قد عول علي أبي السائب عن قضاء القضاة وتقليده إياه فأفسد ذلك بعض أعدائه، وكان ابن مقلة قلده المظالم بالأهواز، واستخلفه

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) الفلاح. في أنساب السمعاني.

 

/ صفحة 382 /

أبو عبد الله البريدي بواسط على بعض أمور النظر، وقال الثعالبي :

 كان يتقلد قضاء البصرة والأهواز بضع سنين، وحين صرف عنه ورد حضرة سيف الدولة زائرا ومادحا فأكرم مثواه وأحسن قراه، وكتب في معناه إلى الحضرة ببغداد حتى أعيد إلى عمله، وزيد في رزقه ورتبته، وكان المهلبي الوزير وغيره من رؤساء العراق يميلون إليه جدا، ويتعصبون له ويعدونه ريحانة الندماء، وتاريخ الظرفاء، ويعاشرون منه من تطيب عشرته، وتكرم أخلاقه، وتحسن أخباره.

 حديث حفظه وذكائه:

كان المترجم آية في الحفظ والذكاء، قال ولده القاضي أبو علي المحسن في (نشوار المحاضرة) ص 176 : حدثني أبي قال : سمعت أبي ينشد يوما وسني إذ ذاك خمس عشرة سنة بعض قصيدة دعبل الطويلة التي يفتخر فيها باليمن ويعدد مناقبهم ويرد على الكميت مناقبه بنزار أولها :

أفيقي من ملامك يا ظعينا * كفـــاني اللوم مر الأربعينا

وهي نحو ستمائة بيت فاشتهيت حفظها لما فيها من مفاخر اليمن وأهلي فقلت : يا سيدي تخرجها إلي حتى أحفظها، فدافعني فألحت عليه فقال : كأني بك تأخذها فتحفظ منها خمسين بيتا أو مائة بيت ثم ترمي بالكتاب وتخلقه علي.

 فقلت : ادفعها إلي. فأخرجها وسلمها إلي وقد كان كلامه أثر في فدخلت حجرة كانت برسمي من داره فخلوت فيها ولم أتشاغل يومي وليلتي بشئ غير حفظها فلما كان في السحر كنت قد فرغت من جميعها وأتقنتها فخرجت إليه غدوة على رسمي فجلست بين يديه فقال : هي، كم حفظت من القصيدة ؟ فقلت : قد حفظتها بأسرها. فغضب وقد رآني قد كذبته وقال لي : هاتها، فأخرجت الدفتر من كمي فأخذه وفتحه ونظر فيه وأنا أنشد إلى أن مضيت في أكثر من مائة بيت فصفح منها عدة أوراق وقال :

 أنشد من هيهنا.

 فأنشدت مقدار مائة بيت إلى آخرها، فهاله ما رآه من حسن حفظي فضمني إليه وقبل رأسي وعيني وقال : بالله يا بني لا تخبر بها أحدا فإني أخاف عليك من العين. وذكر ابن كثير هذه القصة ملخصا في تاريخه 11 ص 227.

 

/ صفحة 383 /

وقال أبو علي أيضا : حفظني أبي وحفظت بعده من شعره أبي تمام والبحتري سوى ما كنت أحفظ لغيرهما من المحدثين والقدماء مائتي قصيدة قال : وكان أبي وشيوخنا بالشام يقولون : من حفظ للطائيين أربعين قصيدة ولم يقل الشعر فهو حمار في مسلاخ إنسان، فقلت الشعر وسني دون العشرين، وبدأت بعمل مقصورتي التي أولها :

لولا التناهي لم أطع نهي النهى * أي مـــدى يطلب من حاز المدى

وقال أبو علي : كان أبي يحفظ للطائيين سبعمائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظ لغيرهم من المحدثين والمخضرمين والجاهليين، ولقد رأيت له دفترا بخطه هو عندي يحتوي على رؤس ما يحفظه من القصايد مأتين وثلاثين ورقة أثمان منصوري لطاف، وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا عظيما من ذلك [ إلى أن قال ] :

 وكان مع ذلك يحفظ ويجيب فيما يفوق عشرين ألف حديث، وما رأيت أحدا أحفظ منه، ولولا أن حفظه افترق في جميع هذه العلوم لكان أمرا هائلا.

 تآليفه :

إن تضلع المترجم في العلوم الجمة، وشهرته الطايلة في جل الفنون النقلية والعقلية والرياضية، وتجوله في الأقطار والأمصار، تستدعي وجود تآليف له قيمة، كما قال ولده أبو علي : إن له في علم العروض والفقه وغيرهما عدة كتب مصنفة، وقال الحموي : إن له تصانيف في الأدب منها : كتاب في العروض، قال الخالع : ما عمل في العروض أجود منه. وكتاب علم القوافي. وذكر السمعاني واليافعي وابن حجر وصاحب الشذرات له ديوان شعر، واختار منه الثعالبي ما ذكر من شعره، وسمعت فيما يتبع شعره في (الغدير) نقل الحموي عن ديوانه بائيته كغيرها، وذكر المسعودي له قصيدته [ المقصورة ] التي عارض بها ابن دريد يمدح فيها تنوخ وقومه من قضاعة أولها :

لـولا انتهائي لم أطع نهي النهى * مدى الصبا نطلب من حاز المدى

إن كنت أقصرت فما أقصر قلــب * داميـــــا تـــــرميه ألحـــاظ الدمى

ومقـــــلة إن مقــــلت أهل الفضا * أغضت وفي أجفانها جمر الغضا

وفيها يقول :

 

/ صفحة 384 /

وكـــــم ظباء رعـــــيها ألحـاظها * أسرع في الأنفس من حد الظبى

أســـرع من حرف إلى جر ومن * حـــــب إلـــــى حــبة قلب وحشى

قضـــــاعة مـــــن ملك بن حمير * ما بعـــــده للمـــــرتقين مـــــرتقا

وقال أبو علي في (نشوار المحاضرة) : إن ما ضاع من شعره أكثر مما حفظ. ا ه‍ .

غير أن هذه الكتب قد عصفت عليها عواصف الضياع كما أن التصدي لمنصب القضاء عاقه الاكثار عن التآليف على قدر غزارة علمه.

 مذهبه :

من العويص جدا البحث والتنقيب عن مذهب من نشأ في مثل القرن الثالث والرابع عصر التحزب للآراء والنزعات، عصر تشتت الاعتقادات، عصر تكثر النحل، وتوفر الدواعي على انتحال الرجل لما يخالف عقده القلبي، وتظاهره بما لا يظهره سر جنانه، وقد قضت الأيام، ومرت الأعوام على آثارهم، ونتايج أفكارهم مما كان يمكننا منه استظهار المعتقدات، وحكم الدهر على منشور فلتات ألسن كانت تعرب عن مكنون الضماير، وتقرأ علينا دروس الحقيقة من جانب مذهب الغابرين.

 واضطراب كلمات أرباب المعاجم حول مذهب شاعرنا التنوخي وولده أبي علي منذ عهدهم إلى اليوم ينم عن أنهم كانوا يخفون مختارهم من المذهب، وكانوا يظهرون في كل صقع وناحية نزلوا ما يلايم مذهب أهليها، فقال الخطيب البغدادي في تاريخه، والسمعاني في أنسابه، وابن كثير في تاريخه، وصاحب شذرات الذهب، والسيد العباسي في المعاهد، وشيخنا أبو الحسن الشريف في ضياء العالمين : إن المترجم تفقه على مذهب أبي حنيفة.

 ونص اليافعي في مرآة الجنان، والذهبي في ميزان الاعتدال، والسيوطي في البغية، وأبو الحسنات في الفوائد البهية، بأنه حنفي المذهب.

 وقال الخطيب البغدادي في تاريخه، والسمعاني في أنسابه : إنه كان يعرف الكلام في الأصول على مذهب المعتزلة، وفي كامل ابن الأثير : كان عالما بأصول المعتزلة.

 وفي لسان الميزان : إنه يرمى بالاعتزال، وعده سيدنا القاضي في مجالس المؤمنين من قضاة الشيعة، وبذلك نص صاحب مطلع البدور، ونقل صاحب نسمة السحر عن المسوري اليمني : إنه كان معتزلي

/ صفحة 385 /

الأصول متشيعا جدا حنفي المذهب.

 والذي يجمع بين هذه الشتات أن الرجل كان معتزلي الأصول، وحنفي الفروع، زيدي المذهب، ويؤكد مذهبه هذا ما ذكره معاصره المسعودي في (مروج الذهب) ج 2 ص 519 من قوله : إنه في وقتنا هذا وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة بالبصرة في جملة الزيديين (1) وقصيدته البائية التي ذكرنا شطرا منها ترجح كفة التشيع في ميزانه، كما أن غير واحد من قضايا ذكرها ولده أبو علي في كتابه [ الفرج بعد الشدة ] نقلا عن المترجم يوذن بذلك.

 وفاته :

توفي في عصر يوم الثلاثا لسبع خلون من شهر ربيع الأول سنة 342 بالبصرة ودفن من الغد في تربة اشتريت له بشارع المربد، قال ولده أبو علي في (نشوار المحاضرة) : وفيما شاهدناه من صحة أحكام النجوم كفاية، هذا أبي حول مولد نفسه في السنة التي مات فيها وقال لنا : هذه سنة قطع علي مذهب المنجمين.

 وكتب بذلك إلى بغداد إلى أبي الحسن البهلول القاضي صهره ينعي نفسه ويوصيه، فلما اعتل أدنى علة وقبل أن تستحكم علته أخرج التحويل ونظر فيه طويلا وأنا حاضر فبكى ثم أطبقه واستدعى كاتبه وأملى عليه وصيته التي مات عنها وأشهد فيها من يومه، فجاء أبو القاسم غلام زحل المنجم، فأخذ يطيب نفسه، ويورد عليه شكوكا، فقال له : يا أبا القاسم ؟ لست ممن تخفى عليه فأنسبك إلى غلط، ولا أنا ممن يجوز عليه هذا فتستغفلني، وجلس فوافقه على الموضع الذي خافه وأنا حاضر فقال له : دعني من هذا.

 بيننا شك في أنه إذا كان يوم الثلاثا العصر لسبع بقين من الشهر فهو ساعة قطع عندهم فأمسك أبو القاسم غلام زحل لأنه كان خادما لأبي وبكى طويلا وقال : يا غلام طست.

 فجاؤه به فغسل التحويل وقطعه وودع أبا القاسم توديع مفارق فلما كان في ذلك اليوم العصر مات كما قال. أخذنا ترجمته من يتيمة الدهر 2 ص 309. نشوار المحاضرة. تاريخ الخطيب البغدادي 12 ص 77. تاريخ ابن خلكان 1 ص 288. معجم الأدباء 14 ص 162.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  (1) في النسخة : اليزيديين. وهو تصحيف واضح.

 

/ صفحة 386 /

أنساب السمعاني. فوات الوفيات 2 ص 68. كامل ابن الأثير 8 ص 168. تاريخ ابن كثير 11 ص 227. مرآة الجنان 2 ص 334. لسان الميزان 4 ص 256. معاهد التنصيص 1 ص 136. شذرات الذهب 2 ص 342. مجالس المؤمنين ص 255. الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص 137. مطلع البدور. الحدائق الوردية. نسمة السحر 2. روضات الجنات 447، 477. تنقيح المقال 2 ص 302.

 قد يوجد الاشتباه في غير واحد من هذه المعاجم كمجالس المؤمنين، ونسمة السحر، وتنقيح المقال بين ترجمة المترجم وبين ترجمة حفيده أبي القاسم علي بن المحسن للاتحاد في الاسم والكنية والشهرة بالتنوخي فوقع الخلط بين الترجمتين. يطلع عليه الباحث بمعونة ما ذكرناه.

 خلف المترجم على علمه الجم وفضايله الكثيرة ولده أبو علي المحسن بن علي وهو كما قال الثعالبي : هلال ذلك القمر، وغصن هاتيك الشجر، والشاهد العدل بمجد أبيه وفضله، والفرع المشيد لأصله، والنائب عنه في حياته، والقائم مقامه بعد وفاته، وفيه يقول أبو عبد الله ابن الحجاج [ الآتي ذكره ] :

إذا ذكر القـــــضاة وهم شيـوخ * تخـــيرت الشباب على الشيوخ

ومـــــن لم يرض لم أصفعه إلا * بحضرة سيدي القاضي التنوخي

له كتاب الفرج بعد الشدة. ونشوان المحاضرة. والمستجار من فعلات الأجواد. ديوان شعره، وهو أكبر من ديوان أبيه، سمع بالبصرة من مشايخها، ونزل بغداد وحدث بها وأول سماعه بالحديث سنة 333، وأول ما تقلد القضاء بالقصر وبابل و وأرباضهما في سنة 349، ثم ولاه المطيع لله بعسكر مكرم وايذج ورامهرمز وتقلد غيرها أعمالا كثيرة في شتى الجهات، ولد ليلة الأحد لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة 327 بالبصرة.

 وتوفي ليلة الاثنين لخمس بقين من المحرم سنة 384 ببغداد و هو في المذهب شبيه أبيه لكن شواهد التشيع فيه أكثر وأوضح من أبيه.

 وأعقب أبو علي المحسن أبا القاسم علي خلف أبيه وجده على علمهما الكثار، وأدبهما الغزير، كان يصحب الشريف المرتضى علم الهدى ويلازمه، وكان من خاصته، وصحب أبا العلاء المعري وأخذ عنه، وكانت بينه وبين الخطيب أبي زكريا التبريزي

/ صفحة 387 /

صلة ومؤانسة، وتقلد قضاء المداين وأعمالها، ودرزنجان، والبردان، وقرميسين وغيرها.

 يروي عنه الخطيب البغدادي في تاريخه وترجمه وذكر مشايخه، ويروي عنه أبو الغنائم محمد بن علي بن الميمون البرسي المعروف بابي، وهو يروي عن أبي الحسن علي بن عيسى الرماني كما في إجازة العلامة الحلي الكبيرة لبني زهرة وعن أبي عبد الله المرزباني المتوفى 384، وأمره في المذهب أوضح من والده وجده، وتشيعه من المتسالم عليه عند أرباب المعاجم، ولد في منتصف شعبان سنة 370 بالبصرة، وتوفي ليلة الاثنين ثاني المحرم سنة 447 ودفن بداره بدرب التل.

 حدث الحموي في (معجم الأدباء) عن القاضي أبي عبد الله ابن الدامغاني قال : دخلت على القاضي أبي القاسم التنوخي (الصغير) قبل موته بقليل وقد علت سنه فأخرج إلي ولده من جاريته فلما رآه بكى فقلت : تعيش إن شاء الله وتربية ويقر الله عينك به.

 فقال : هيهات والله ما يتربى إلا يتيما وأنشد :

أرى ولــــد الفتى كلا عليه * لقد سعد الذي أمسى عقيما

فـــــإما أن يخـــــلفه عــدوا * وإمـــــا أن يـــــربـــيه يتيما

ثم قال : أريد أن تزوجني من أمه فإنني قد اعتقتها على صداق عشرة دنانير. ففعلت، وكان كما قال تربى يتيما، وهو أبو الحسن محمد بن علي بن المحسن. قبل القاضي أبو عبد الله شهادته ثم مات سنة أربع وتسعين وأربعمائة وانقرض بيته، بسط القول في ترجمته الحموي في (معجم الأدباء) 14 ص 110 - 124.