فهرس الجزء الرابع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 / صفحة 40 /

القرن الرابع

 

(25)

الصاحب بن عباد

المولود 326 المتوفى 385

 

قالت: فمن صاحب الدين الحنيف أجب ؟ * فـــــقلت أحـــــمد خـــــير السـادة الرسل

قالت: فمن بــعـــــده تصـفي الولاء لـه ؟ * قـــــلت: الوصي الـــذي أربى على زحل

قالت: فمن بات من فوق الفراش فدى ؟ * فقلت: أثبـــــت خـــــلق الله فــــي الـوهل

قالت: فمـــــن ذا الــــذي آخاه عن مقةٍ؟ * فقلت: مـــــن حـاز رد الشمس في الطفل

قالت: فمـــــن زوّج الــزهراء فـاطمة ؟ * فقلت: أفـــــضل مـــــن حـــــاف ومنتعــل

قالت: فمن والـــــد السبطيــن إذ فرعا ؟ * فقلت: ســـــابق أهـــــل السبق فـي مهل

قالت: فمن فـــــاز فــــي بدر بمعجزها ؟ * فقلت: أضـــــرب خـــــلق الله فـــي القلل

قالت: فمـــــن أسد الأحزاب يفـــرسها ؟ * فـــــقلت: قـــــاتل عـــمرو الضيغم البطل

قالت: فيوم حنـــــين مـــــن فـــرا وبرا ؟ * فـــــقلت: حـــــاصد أهل الشرك في عجل

قالت: فمن ذا دعـــــي للطـــــير يأكــله ؟ * فـــــقلت: أقـــــرب مرضـــــي ومنــــتحل

قالت: فمن تلـــــوه يـــوم الكساء أجب ؟ * فقلت: أفـــــضل مكـــــسو ومشـــــتــــمل

قالت: فـــمن ساد في يوم (الغدير) أبن ؟ * فقلت: مـــــن كـــــان للاسلام خــير ولي

قالت: ففي من أتى فــي هل أتى شرف ؟ * فقـــــلت: أبـــــذل أهـــــل الأرض للنـــفل

قالت: فمن راكـــــع زكـــــى بخــــاتمه ؟ * فقلت: أطعـــــنهم مـــــذ كـــــان بــــالأسل

قالت: فـــــمن ذا قــسيم النار يسهمها ؟ * فقلت: مـــــن رأيـــــه أذكى من الشعــــل

قالت: فمـــــن باهــــل الطهر النبي به ؟ * فقـــــلت: تـــــاليه فـــــي حـــــل ومــرتحل

قالت: فمـــــن شبـــــه هارون لنعرفه ؟ * فقلت: مـــــن لـــــم يحـــــل يــوما ولم يزل

قالت: فمن ذا غـــــدا بــاب المدينة قل ؟ * فقـــــلت: مـــــن ســـــألــــوه وهو لم يسل

 

/ صفحة 41 /

قالت: فمن قاتل الأقـــــوام إذ نـــــكثوا ؟ * فقلت: تفـــــسيره فـــــي وقـــــعة الجـــمل

قالت: فمن حارب الأرجاس إذ قسطوا ؟ * فقلت: صفـــــين تـــــبدي صفــــــحة العمل

قالت: فمــــن قارع الأنجاس إذ مرقوا ؟ * فقلت: معـــــناه يـــــوم النهـــــروان جــلي

قالت: فمن صاحب الحوض الشريف غدا* فقلت: من بـــــيته فـــــي أشــــــرف الحلل

قالت: فمـــــن ذا لـــــواء الحمد يحمله ؟ * فقلت: مـــــن لـــــم يكن في الروع بالوجل

قالت: أكل الـــــذي قـــــد قلـت في رجل ؟ * فقلت: كـــــل الـــــذي قـــــد قلت فــي رجل

قالت: فمـــــن هــو هذا الفرد سِمه لنـا ؟ * فقلت: ذاك أميـــــر المـــــؤمنيـــــن عــلي

وله من قصيدة:

يا كفو بنت محمــــد لولاك مـــــا * زفت إلـــــى بشــر مدى الأحقاب

يا أصل عترة أحـــــمد لــولاك لم * يـــــك أحــمد المبعوث ذا أعقاب

كان النبي مدينــــة العـــــلم التي * حوت الكمــــال وكنت أفضل باب

ردت عليك الشمس وهي فضيلة * بهـــــرت فلـــــم تستر بلف نقاب

لم أحـــــك إلا مـــا روته نواصب * عـــــادتك فهــي مباحة الأسلاب

عـــــوملت يـــا تلو النبي وصنوه * بأوابـــــد جـــــاءت بكـــل عجاب

قـــــد لقبـــــوك أبـــا تراب بعد ما * باعوا شريعـــــتهم بكـــف تراب

لم تعلموا أن الوصــــي هو الذي * آتي الزكاة وكان في المحـــراب

لم تعلموا أن الوصــــي هو الذي * حكم الغدير له عـلى الأصحـــاب

وله قوله:

وقالوا: علي علا. قلت: لا * فـــــإن العـــــلا بعـلي علا

ولكن أقـــــول كقـول النبي * وقد جمع الخلق كل الملا:

ألا إن من كنـــت مولى له * يـــــوالي عـــــليا وإلا فلا

وله من قصيدة قوله:

وكم دعـــــوة للمصطفى فيه حققت * وآمـــــال من عادى الوصي خوائب

فمـــــن رمـــــد آذاه جـلاه داعـــــيا * لساعته والريح في الحرب عاصب

مـــــن سطوة للحــــر والبرد رفعت * بدعـــــوته عـــــنه وفيــــها عجائب

 

/ صفحة 42 /

وفي أي يوم لم يكن شمس يومـه * إذا قيـل هذا يوم تقضى المآرب ؟

أفي خطبة الزهراء لما استخصه * كفــاءا لها والكل من قبل طالب ؟

أفـــــي الطـير لما قد دعا فأجابه * وقـــــد رده عــــنه غبي موارب ؟

أفـــــي رفعــه يوم التباهل قدره ؟ * وذلك مجـــــد مـــا علمت مواظب

أفـــــي يــــوم خم إذ أشاد بذكره ؟ * وقـــد سمع الايصاء جاء وذاهب

أيعسوب ديـــــن الله صنـــــو نبـيه * ومن حبـــه فرض من الله واجب

مكانـــــك من فــــوق الفراقد لائح * ومجدك من أعلى السماك مراقب

وسيفـــــك في جــيد الأعادي قلائد * قـــــلائد لم يعـــــكف عـليهن ثاقب

* (الشاعر) * :

الصاحب كافي الكفاة أبو القاسم إسماعيل بن أبي الحسن عباد بن العباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقاني.

 قد يرتج القول على صاحبه بالرغم من بلوغه الغاية القصوى من القدرة في تحليل شخصيات كبيرة أتتهم الفضايل من شتى النواحي، واكتنفتهم المزايا الفاضلة من جهات متفرقة، ومن هاتيك النفسيات الكبيرة التي أعيت البليغ حدودها نفسية - الصاحب - فهي تستدعي الافاضة في تحليلها من ناحية العلم طورا، ومن ناحية الأدب تارة، كما تسترسل القول من وجهة السياسة مرة، ومن وجهة العظمة أخرى، إلى جود هامر، وفضل وافر، وشرف صميم، ومذهب قويم، وفضايل لا تحصى ومهما هتف المعاجم بشئ من ذلك فإنه بعض الحقيقة، ولعل في شهرته بهاتيك المآثر جمعاء غنى عن الاطناب في وصفه، وإنك لا تجد شيئا من كتب التراجم إلا وفيه لمع من محامده، ومن أشهرها (يتيمة الدهر) للثعالبي وهو أبسط من كتب فيه من القدماء وقد استوعب فيه 91 صحيفة، وإنما ألفها له ولشعرائه، وأفرد غير واحد من رجال التأليف كتابا في ترجمته منهم: 1 - مهذب الدين محمد بن علي الحلي المزبدي المعروف بأبي طالب الخيمي له كتاب [ الديوان المعمور في مدح الصاحب المذكور ].

 

 

/ صفحة 43 /

2 - الشيخ محمد علي بن الشيخ أبي طالب الزاهدي الجيلاني المولود 1103 و المتوفى 1181.

3 - السيد أبو القاسم أحمد بن محمد الحسني الحسيني الاصبهاني، له كتاب [ رسالة الارشاد في أحوال الصاحب بن عباد ] ألفها سنة 1259.

 4 - الأستاذ خليل مردم بك له كتاب في المترجم طبع في مطبعة الترقي 252 صحيفة بدمشق وهو الجزء الرابع من أئمة الأدب الأربعة في أربعة أجزاء.

 وبعد هذه الشهرة الطائلة فليس علينا إلا سرد ترجمة بسيطة هي جماع ما في هذه الكتب.

 ولد الصاحب في إحدى كور فارس باصطخر أو بطالقان في 16 ذي القعدة سنة 326، وأخذ العلم والأدب عن والده وأبي الفضل ابن العميد.

 وأبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي، وأبي الفضل العباس بن محمد النحوي الملقب بعرام، وأبي سعيد السيرافي وأبي بكر بن مقسم، والقاضي أبي بكر أحمد بن كامل بن شجرة، و عبد الله بن جعفر بن فارس ويروي عن الأخيرين.

 قال السمعاني: إنه سمع الأحاديث من الاصبهانيين والبغداديين والرازيين وحدث، وكان يحث على طلب الحديث وكتابته، وروى عن ابن مردويه أنه سمع الصاحب يقول: من لم يكتب الحديث لم يجد حلاوة الاسلام.

 وكان يملي الحديث على خلق كثير فكان المستملي الواحد ينضاف إليه الستة كل يبلغ صاحبه، فكتب عنه الناس الكثير الطيب منهم: القاضي عبد الجبار.

 والشيخ عبد القاهر الجرجاني.

 وأبو بكر بن المقري.

 والقاضي أبو الطيب الطبري.

 وأبو بكر بن علي الذكواني.

 وأبو الفضل محمد بن محمد بن إبراهيم النسوي الشافعي.

 ثم شاع نبوغه في العلوم وتضلعه في فنون الأدب، واعترف به الشاهد والغائب حتى عده شيخنا بهاء الملة والدين في رسالة غسل الرجلين ومسحهما من علماء الشيعة في عداد ثقة الاسلام الكليني.

 والصدوق.

 والشيخ المفيد.

 والشيخ الطوسي والشيخ الشهيد ونظرائهم.

 ووصفه العلامة المجلسي الأول في حواشي نقد الرجال بكونه من أفقه فقهاء أصحابنا المتقدمين والمتأخرين، وعده في مقام آخر: من

 

/ صفحة 44 /

رؤساء المحدثين والمتكلمين.

 وأطراه شيخنا الحر العاملي في (أمل الآمل) بأنه محقق متكلم عظيم الشأن جليل القدر في العلم.

 كما أن الثعالبي في (فقه اللغة) جعله أحد أئمتها الذين اعتمد عليهم في كتابه أمثال الليث. والخليل. وسيبويه. وخلف الأحمر. وثعلب الاحمثي. وابن الكلبي. وابن دريد.

 وعده الأنباري أيضا من علماء اللغة فأفرد له ترجمته في كتابه: طبقات الأدباء النحاة، وكذلك السيوطي في (بغية الوعاة) في طبقات اللغويين والنحاة، ورآه العلامة المجلسي في مقدمة البحار علما في اللغة والعروض والعربية من الإمامية.

 م - وقال ابن الجوزي في (المنتظم) 7 ص 180: كان يخالط العلماء والأدباء ويقول لهم: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان، وسمع الحديث وأملى، وروى أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بكيا قال: سمعت أبا الفضل زيد بن صالح الحنفي يقول: لما عزم الصاحب إسماعيل بن عباد على الاملاء وكان حينئذ في الوزارة خرج يوما متطلسا متحنكا بزي أهل العلم فقال: قد علمتم قدمي في العلم فأقروا له بذلك.

 فقال: وأنا متلبس بهذا الأمر وجميع ما أنفقته من صغري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدي، ومع هذا فلا أخلو من تبعات، أشهد الله وأشهدكم أني تائب إلى الله من كل ذنب أذنبته.

 واتخذ لنفسه بيتا وسماه بيت التوبة، ولبث أسبوعا على ذلك، ثم أخذ خطوط الفقهاء بصحة توبته، ثم خرج فقعد للإملاء وحضر الخلق الكثير وكان المستملي الواحد ينضاف إليه ستة كل يبلغ صاحبه، فكتب الناس حتى القاضي عبد الجبار، وكان الصاحب ينفذ كل سنة إلى بغداد خمسة آلاف دينار تفرق في الفقهاء وأهل الأدب وكان لا تأخذه في الله لومة لائم ].

 وإخباتا إلى علمه وأدبه ألف له غير واحد من الأعلام الأفذاذ تآليف قيمة منهم.

 1 - شيخنا الصدوق أبو جعفر القمي ألف له كتابه [ عيون أخبار الرضا ] .

م 2 - الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي كتابه [ نفي التشبيه ] كذا في لسان الميزان 2 ص 306 نقلا عن فهرست النجاشي، ويظهر من النجاشي ص 5 إنه غيره ولم يسمه.

 3 - الشيخ الحسن بن محمد القمي ألف له كتابه [ تاريخ قم ]

 

/ صفحة 45 /

4 - أبو الحسن أحمد بن فارس الرازي اللغوي كتابه [ الصاحبي ].

 5 - القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه [ التهذيب ].

 م 6 - أبو جعفر أحمد بن أبي سليمان داود الصواف المالكي، ألف للصاحب كتابه [ الحجر ] ووجهه إليه فقال الصاحب: ردوا الحجر من حيث جاء.

 ثم قبله ووصله عليه، ذكره ابن فرحون في (الديباج المذهب) ص 36 ] وللصاحب آثار خالدة في العلم والأدب منها:

1 - كتاب أسماء الله وصفاته.

 2 - " نهج السبيل في الأصول.

 3 - " الإمامة في تفضيل أمير المؤمنين.

 4 - " الوقف والابتداء.

 5 - " المحيط في اللغة في عشر مجلدات (1).

 6 - " الزيدية.

 7 - " المعارف في التاريخ.

 8 - " الوزراء.

 9 - " القضاء والقدر.

 10 - " الروزنامجه. ينقل عنه الثعالبي في (يتيمة الدهر ).

 11 - " أخبار أبي العيناء.

 12 - " تاريخ الملك واختلاف الدول.

 13 - " الزيديين.

 14 - " جوهرة الجمهرة لابن دريد.

 15 - " الاقناع في العروض.

 16 - " نقض العروض.

 17 - " ديوان رسائله في عشر مجلدات.

 18 - " الكافي في الرسائل وفنون الكتابة.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا في معجم الأدباء، وفي كشف الظنون: في سبع مجلدات.

 

/ صفحة 46 /

19 - " الأعياد وفضايل النيروز.

20 - " ديوان شعره.

21 - " الشواهد.

22 - " التذكرة.

23 - " التعليل.

24 - " الأنوار.

25 - " الفصول المهذبة للعقول.

26 - " رسالة الابانة عن مذهب أهل العدل.

27 - " في الطب.

28 - " في الطب أيضا.

29 - " الكشف عن مساوي شعر المتنبي طبعت بمصر في 26 صحيفة قال الثعالبي في (اليتيمة ): ولما عمل الصاحب هذه الرسالة عمل القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني كتابه (الوساطة) بين المتنبي وخصومه في شعره، وقال فيه بعض أدباء نيسابور:

أيا قاضيا قــــد دنت كتــــبـه * وإن أصبحـت داره شاحطه

كتاب (الوساطة) في حسنه * لعـــقــــد معاليك كالواسطه

30 - رسالة في فضل سيدنا عبد العظيم الحسني المدفون بالري.

 31 - كتاب السفينة نسبها إليه الثعالبي في تتمة اليتيمة.

 م 32 - كتاب مفرد في ترجمة الشافعي محمد بن إدريس إمام الشافعية كما في (الكواكب الدرية) ص 263 ].

 م - وشافهني الأستاذ حسين محفوظ الكاظمي بأنه رأى من تآليف الصاحب ما يلي :

1 - الفصول الأدبية والمراسلات العبادية، مرتبة على خمسة عشر بابا في كل باب خمسة عشر فصلا، والنسخة مؤرخة بسنة 628.

 2 - رسالة في الهداية والضلالة، مخطوطة بالخط الكوفي، نسخت من نسخة المؤلف وعليها خطه.

 

 

/ صفحة 47 /

3 - الأمثال السائرة من شعر أبي الطيب المتنبي، وهي 372 بيتا "، والنسخة بخط الباخرزي مؤرخة بسنة 434 ].

 والقارئ جد عليم بأن مؤلف هذه الكتب المتنوعة أحد أفذاذ العلم الذين لم يعدهم أي مقام منيع من الفنون، فهو فيلسوف متكلم فقيه محدث مؤرخ لغوي نحوي أديب كاتب شاعر، فما ظنك بمثله من نابغة جمع الشوارد، وألف بين متفرقات العلوم، وهل تجده إلا في الذروة والسنام من الفضل الظاهر، فحق له هذا الصيت الطاير. والذكر السائر مع الفلك الدائر.

 كانت للصاحب مكتبة عامرة وقد نوه بها لما أرسل إليه صاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني في السير يستدعيه إلى حضرته، ويرغبه في خدمته وبذل البذول السنية، فكان من جملة أعذاره قوله: ثم كيف لي بحمل أموالي مع كثرة أثقالي ؟ وعندي من كتب العلم خاصة ما يحمل على أربعمائة حمل أو أكثر.

 في (معجم الأدباء) قال أبو الحسن البيهقي: وأنا أقول: بيت الكتب الذي بالري دليل على ذلك بعد ما أحرقه السلطان محمود بن سبكتكين فإني طالعت هذا البيت فوجدت فهرست تلك الكتب عشر مجلدات، فإن السلطان محمود لما ورد إلى الري قيل له: إن هذه الكتب كتب الروافض وأهل البدع فاستخرج منها كل ما كان في علم الكلام وأمر بحرقه.

 يظهر من كلام البيهقي هذا أن عمدة الكتب التي أحرقت هي خزانة كتب الصاحب، وهكذا كانت تعبث يد الجور بآثار الشيعة وكتبهم ومآثرهم.

 وكان خازن تلك المكتبة ومتوليها أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي المقري المتوفى 381 (1) وأبو محمد عبد الله الخازن بن الحسن الاصبهاني.

 وزارته صلاته مادحوه :

قال أبو بكر الخوارزمي: الصاحب نشأ من الوزارة في حجرها، ودب ودرج من وكرها، ورضع أفاويق درها، وورثها عن آبائه كما قال أبو سعيد الرستمي في حقه:

ورث الوزارة كابرا عن كابر * موصـــولة الاسنــاد بالإسناد

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 341.

 

/ صفحة 48 /

يروي عن العباس عباد وزا * رته وإسماعـــيل عــن عباد

وهو أول من لقب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل بن العميد فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لما تولى الوزارة وبقي علما عليه، وذكر الصابي في كتاب التاجي: أنه إنما قيل له الصاحب لأنه صحب مؤيد الدولة ابن بويه منذ الصبى وسماه الصاحب فاستمر عليه هذا اللقب واشتهر به ثم سمي به كل من ولي الوزارة بعده.

 إستكتبه مؤيد الدولة من 347 تقريبا إلى سنة 366 وسافر معه إلى بغداد سنة 347 حتى استوزره من سنة 366، إلى وفاة مؤيد الدولة سنة 373 ثم استوزره أخوه فخر الدولة، وسافر معه إلى الري عاصمة مملكته، ولم يؤل الصاحب جهدا في خدمة أميره وتوسيع مملكته قال الحموي: فتح الصاحب خمسين قلعة سلمها إلى فخر الدولة لم يجتمع عشر منها لأبيه ولا لأخيه.

 وله أيام وزارته عطائه الجزل، وسيب يده المتدفق، وبرء المتواصل إلى العلماء والشعراء، قال الثعالبي: حدثني عون بن الحسين قال: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسابات كاتبها - وكان صديقي - مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة للعلويين والفقهاء والشعراء خاصة غير الخدم والحاشية ثمانمائة وعشرين، وكان ينفذ إلى بغداد في السنة خمسة آلاف دينار تفرق على الفقهاء والأدباء، وكانت صلاته وصدقاته وقرباته في شهر رمضان تبلغ مبلغ ما يطلق منها في جميع شهور السنة، فكان لا يدخل عليه في شهر رمضان أحد كائنا من كان فيخرج من داره إلا بعد الافطار عنده، وكانت داره لا تخلو في كل ليلة من لياليه من ألف نفس مفطرة فيها [ يتيمة الدهر 3 ص 174 ].

 كان عهده أخصب عهد للعلم والأدب بتقريبه رجالات الفضيلة وتشويقه إياهم وتنشيطهم لنشر بضائعهم الثمينة حتى نفق سوقها، ورايج أمرها، وكثرت طلابها، و نبغت روادها، فكانت قلائد الدرر منها تقابل بالبدر والصرر فمدحه على فضله المتوفر.

 وجوده المديد الوافر خمسمائة شاعر، تجد مدايحهم مبثوثة في الدواوين والمعاجم،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) توجد ترجمته في الوافي بالوفيات للصفدي 1 ص 342.

 

/ صفحة 49 /

قال الحموي، حدث ابن بابك قال: سمعت الصاحب يقول: مدحت والعلم عند الله بمائة ألف قصيدة شعرا عربية وفارسية.

 وقد خلدت تلك القصائد له على صفحة الدهر ذكرا لا يبلى، وعظمة لا يخلقها مر الجديدين ومن أولئك الشعراء:

1 - أبو القاسم الزعفراني عمر بن إبراهيم العراقي له قصائد في الصاحب منها نونية مطلعها:

ســـواك يعد الغـــنى واقتنى * ويأمره الحرص أن يخزنا

وأنت ابن عباد ن المرتجى * تعــــد نـــــوالك نيـل المنى

2 - أبو القاسم عبد الصمد بن بابك يمدح الصاحب بقصيدة أولها:

خلعت قلايدها عن الجوزاء * عذراء رقصها لعاب المـاء

3 - أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف الوزير من آل بويه له قصيدة منها:

أقـــول وقـــلبي في ذراك مخــــــيــــم * وجــــــسمي جنيب للصبا والجنائب

يجاذب نحو الصاحب الشوق مقودي * وقـــد جـــاذبتني عنه أيدي الشواذب

4 - الوزير أبو العباس الضبي المتوفى 398 [ أحد شعراء الغدير الآتي شعره وترجمته ] له قصايد في مدح المترجم.

 5 - الكاتب أبو القاسم علي بن القاسم القاشاني كتب إلى الصاحب بقصيدة أولها:

إذا الغيوم أرجفن باسقها * وحـــف أرجاءها بوارقها

6 - أبو الحسن محمد بن عبد الله السلامي العراقي المتوفى سنة 394 له في الصاحب قصيدة أولها:

رقـــى العذال أم خدع الرقيب * سقت ورد الخدود من القلوب

وله فيه أرجوزة منها:

فمـــــا تحـــــل الــوزراء ما عقد * بجـــــهدهم مــــا قاله وما اجتهد

شتــــان ما بــــين الأسود والنقد * هل يستوي البحر الخضم والثمد

أمنيـــــتي مـــــن كل خير مستعد * أن يســلم الصاحب لي طول الأبد

7 - القاضي أبو الحسن علي بن العزيز الجرجاني المتوفى سنة 392 له من قصيدة في الصاحب قوله.

 

 

/ صفحة 50 /

أو ما انثـنـيـت عـن الوداع بلوعة * ملأت حـــــشاك صبابة وغليلا؟!

ومدامـــــع تجـري فيحسب أن في * آمـــــاقهن بـــــنان إســماعيلا؟!

يا أيهـــــا القـــــرم الـــــذي بعلوه * نـــــال العلاء من الزمان السولا

قسمت يداك على الورى أرزاقها * فكـــــنوك قـاسم رزقها المسئولا

وله فيه قصايد كثيرة أخرى.

 8 - أبو الحسن علي بن أحمد الجوهري الجرجاني [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] له قصايد كثيرة في الصاحب همزية. رائية. فائية. بائية وغيرها.

 9 - أبو الفياض سعد بن أحمد الطبري، له في الصاحب قصايد منها ميمية أولها:

الــدمع يعــرب ما لا يعرب الكلم * والدمع عدل وبعض القول متهم

10 - أبو هاشم محمد بن داود بن أحمد بن داود بن أبي تراب علي بن عيسى بن محمد البطحائي بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام. المعروف بالعلوي الطبري له شعر كثير في الصاحب وللصاحب فيه كذلك.

 11 - أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي له قصايد في الصاحب ومن قصيدة يمدحه:

ومن نصر التوحيد والعدل فعله * وأيقـــــظ نـوام المعالي شمائله

ومــــن ترك الأخيار ينشد أهله * أحـل أيها الربع الذي خف آهله

12 - أبو سعد نصر بن يعقوب له قصيدة في الصاحب مطلعها:

أبـــــي لي أن أبالي بالليالي * وأخشى صرفها فيمن يبالي

13 - السيد أبو الحسين علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن القاسم بن محمد بن القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام صهر الصاحب له قصيدة تربو على الستين بيتا يمدح بها الصاحب خالية من حرف الواو، ذكر الثعالبي في يتيمة الدهر منها 20 بيتا، ومؤلف (الدرجات الرفيعة) 14 بيتا أولها.

برق ذكرت به الحبائب * لمــا بدى فالدمع ساكب

14 - أبو عبد الله الحسين بن أحمد الشهير بابن الحجاج البغدادي المتوفى 391 [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] له فائية يمدح بها الصاحب أولها:

 

/ صفحة 51 /

أيهــا السائل عني * أنا في حال طريفه

وأخرى مطلعها:

ســاق عــلى حسن وجهها تلفي * وسرها ما رأته العين من دنفي

وله نونية في مدحه أولها:

يا عـــــذولي أمــا أنا * فسبــيلــي إلى العنا

وحـــديثي مـــن حقه * في الزمان أن يدونا

15 - أبو الحسن علي بن هارون بن المنجم له قصيدة في الصاحب يصف بها داره بقوله:

وأبـــــوابها أثوابها من نقوشها * فلا ظلم إلا حين ترخى ستورها

16 - الشيخ أبو الحسن بن أبي الحسن صاحب البريد ابن عمة الصاحب له قصيدة يصف بها دارا بناها المترجم بإصبهان وانتقل إليها:

دار على العز والتأييد مبناها * وللمكارم والعـــلياء مغــناها

17 - أبو الطيب الكاتب له في وصف دار الصاحب بإصبهان قصيدة مطلعها:

ودار ترى الدنيا عليها مدارها * تحوز السماء أرضها وديارها

18 - أبو محمد ابن المنجم له رائية يصف بها دار الصاحب مستهلها:

هجـــــرت ولـــم أنو الصدود ولا الهجرا * ولا أضمرت نفسي الصروف ولا الغدرا

19 - أبو عيسى ابن المنجم يمدح الصاحب بقصيدة يصف داره ويقول:

هي الدار قد عم الأقاليم نورها * ولــو قدرت بغداد كانت تزورها

20 - أبو القاسم عبيد الله بن محمد بن المعلى يصف دار الصاحب بقصيدة أولها:

بي من هواها وإن أظهرت لي جلدا * وجـــــد يذيب وشـــوق يصدع الكبدا

21 - أبو العلاء الأسدي يمدحه بقصيدة ويصف داره مطلعها:

واسعد بدارك إنها الخلد * والعـيش فيها ناعم رغد

22 - أبو الحسن الغويري له قصايد في الصاحب منها قصيدة يصف بها داره بإصبهان أولها:

دار غدت للفضل داره * أفــلاك أسعــده مداره

 

/ صفحة 52 /

23 - أبو سعيد الرستمي محمد بن محمد بن الحسن الاصبهاني مدح الصاحب بقصائد منها بائية مستهلها:

عــقـــني بالعــــقـيق ذاك الحبيب * فالحشى حشوه الجوى والنحيب

وله من قصيدة لامية يمدح بها الصاحب قوله:

أفـــــي الحق أن يعطى ثلاثون شاعرا * ويحرم ما دون الرضى شاعر مثلي؟!

كمـــــا ألحقـــــت واو بعـــمر وزيادة  * وضويق باسم الله فـــــي ألــف الوصل

24 - أبو محمد عبد الله بن أحمد الخازن الاصبهاني له قصايد يمدح بها الصاحب أجودها قصيدة مطلعها:

هــذا فؤادك نهبى بين أهواء * وذاك رأيك شورى بين آراء

25 - أبو الحسن علي بن محمد البديهي وهو الذي قال فيه صاحبنا المترجم:

تقول البيت في خمسين عاما * فلم لقــبت نفـــــسك بالبديهي

له قصايد يمدح بها الصاحب منها لامية أولها:

قـد أطعت الغرام فاعص العذولا * ما عسى عائب الهوى أن يقولا

26 - أبو إبراهيم إسمعيل بن أحمد الشاشي العامري، له قصايد صاحبية منها بائية أولها:

ســرينا إلى العليا فقيل كواكب * وثرنا إلى الجلي فقيل قواضب

27 - أبو طاهر بن أبي الربيع عمرو بن ثابت له صاحبيات منها جيمية أولها:

أما لصحابي بالعذيب معرج * عـــــلى دمن أكنافها تتأرج

28 - أبو الفرج الحسين بن محمد بن هند وله صاحبيات منها قصيدة أولها:

لها من ضلوعي أن يشب وقودها *ومن عبراتي أن تــــفض عقودها

29 - العميري قاضي قزوين، أهدى إلى الصاحب كتبا وكتب معها:

العـــــميري عــبد كافي الكفاة * وإن اعــتد في وجوه القضاة

خـــــدم المجلس الرفيع بكتب * مفعمات من حسنها مترعات

فوقع الصاحب بقوله:

قد قبلنا من الجميع كتابا * ورددنـــا لوقتها الباقيات

 

/ صفحة 53 /

لســت أستغـــنم الكثير فطبعي * قول خذ ليس مذهبي قول هات

30 - أبو الرجاء الأهوازي مدح الصاحب لما ورد الصاحب الأهواز ومن قصيدته:

إلـــــى ابن عـــــباد أبـــــي القـاسم * الصـاحب إسماعـــيل كافي الكفاة

وتشـــــرب الجـــــند هنيـــــئا بهـــا * من بعد ماء الري ماء الفرات(1)

31 - أبو منصور أحمد بن محمد اللجيمي الدينوري له شعر يمدح به الصاحب.

 32 - أبو النجم أحمد الدامغاني المعروف ب‍ (شصت كله) المتوفى سنة 432 له قصيدة بالفارسية مدح بها الصاحب.

 33 - الشريف الرضي [ أحد شعراء الغدير يأتي شعره وترجمته ] مدح الصاحب بدالية سنة 375 ولم ينفذها إليه، وأخرى سنة 385 قيل وفاة الصاحب بشهر وأنفذها إليه.

 34 - القاضي أبو بكر عبد الله بن محمد بن جعفر الأسكي، له شعر في الصاحب ومنه قوله:

كل بـــــر ونــوال وصله * واصل منك إلى معتزله

يا بن عـباد ستلقى ندما * لفراق الجيرة المرتحله

35 - أبو القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني، له صاحبيات مدحا ورثاء قال الثعالبي في تتميم يتيمته: كان يساير الصاحب يوما فرسم له وصف فرس كان تحته فقال مرتجلا:

طـــــرف تحـــــاول شـأوه ريح الصبا * سفهـــــا فتعـــــجز أن تشــــق غباره

بارى بشمس قميصه شمس الضحى * صبغـــــا ورض حجـــــاره بحجـــــاره

36 - أبو بكر محمد بن أحمد اليوسفي الزوزني له صاحبية أولها:

أطــلع الله للمعالي سعودا * وأعاد الزمان غضا جديدا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أعجب ما رأيت من تعاليق معجم الأدباء الطبعة الثانية تعليق هذا البيت في ج 6 ص 254 جعل الأستاذ الرفاعي الشطر الثاني في المتن (من بعد ماء الري ماء الصراة) وقال في التعليق: الصراة: نهر بالعراق.

 

 

/ صفحة 54 /

ومنها:

بعــــث الدهــر جنده وبعثنا * نحـــوه دعــــوة الإله جنودا

يا عميد الزمان إن الليالي * كــدن يتركن كل قلب عميدا

حـــادثات أردن إحداث هدم * لعـــــلاه فأحـــدثت تشيـــيدا

وله من أخرى قوله:

سلام عـــــليها إن عـــــيني عــندما * أشارت بلحظ الطرف تخضب عندما

37 - أبو بكر يوسف بن محمد بن أحمد الجلودي الرازي له قصيدة صاحبية منها قوله:

رياض كأن الصاحب القرم جادها * بأنـــوائه أو صاغــــها من طباعه

يجـــــلي غيابات الخطوب بـــرأيه * كما صدع الصبح الـــدجى بشعائه

ومنها:

سحــــاب كيمـناه وليل كبأسه * وبرق كماضية وخرق كباعه

38 - أبو طالب عبد السلام بن الحسين المأموني، قال فريد وجدي في (دائرة المعارف) 6 ص 20: مدح الصاحب بقصايد فأعجبه نظمه توفي سنة 383.

 39 - أبو منصور الجرجاني، كتب إلى الصاحب قوله:

قـــــل للوزير المرتجى * كـــــافي الكفاة الملتجى

إنـــــي رزقـــــت ولــدا * كالصبـــــح إذ تبـــلجــــا

لا زال فـــــي ظلـك ظــ * ـــل المكرمات والحجى

فسمّـــــه وكـــــنـــــــّه * مشـــــرّفا متـــــوّجــــــا

فوقع الصاحب تحتها بقوله:

هـــنــئـــتـــه هنـــئـــتــــه * شمس الضحى بدر الدجا

فـــــســـــمـــــه محـــسنا * وكـــــنـــــه أبـــــا الــرجا

40 - الأوسي مدح الصاحب ببائية أنشدها بين يديه فلما بلغ إلى قوله :

لمــا ركبت إليك مهري أنعلت * بدر السماء وسمّرت بكواكب

قال له الصاحب. لم أنثت المهر ؟ ولم شبهت النعل بالبدر ولا يشبهه ؟ ولو

 

/ صفحة 55 /

شبهته بالهلال لكان أحسن فإنه علي هيئته فقال: الأوسي: أما تأنيث المهر فلأني عنيت المهرة ؟ وأما تشبيهي النعل ببدر السماء فلأني أردت النعل المطبقة.

 41 - إبراهيم بن عبد الرحمن المعري مدح الصاحب بقصيدة منها:

قـــــد ظهر الحــق وبان الهدى * لمـــــن لـــــه عـــينان أو قلبُ

مثل ظهور الشمس في حجبها * إذ رفعــــت عن نورها الحجب

بالملك الأعـــــظم مستبـــــشر * شـــــرق بـــــلاد الله والغـــرب

42 - محمد بن يعقوب أحد أئمة النحو كتب إلى الصاحب كما في (دمية القصر) 1 ص 301:

قـــــل للـــــوزير أدام الله نعـــــمتـــه * مستخدمـــــا لمجاري الدهر والقدر

أردت عـــــبدا وقـــــد أعـــطيته ولدا * فسمـــــه بأســم من بالعرب مفتخر

وإن وصلـــــت لـــــه تشـريف كنيته * جمعت بالطول بين الروض والمطر

لا زال ظـــــلك ممـــــدودا ومنـتشرا * فـــــإنه خـــــير ممـــــدود ومنـتــشر

هنــيــته ابنا يشيع الأنس في البشر * هنيت مقـــــدم هـــــذا الصارم الذكر

43 - محمد بن علي بن عمر أحد أعيان الري قرأ على الصاحب ومدحه برائية.

 والأدباء يعبرون عن المترجم وأبي إسحاق الصابي بالصادين كما وقع في قول الشيخ أحمد البربير المتوفى سنة 1226 في كتابه (الشرح الجلي) ص 283 يمدح كاتبا مليحا.

لله كـــــاتبا الذي أنـــــا رقــه * وهــو الذي لا زال قرة عيني

فــي ميم مبسمه ولام عذاره * ما بات ينسخ بهجة الصادين

شعره في المذهب :

وللصاحب مراجعات ومراسلات مع مادحيه تجدها في الكتب والمعاجم، وشعره كما سمعت كثير مدون ونحن نقتصر من نظمه الذهبي بما عقد سمط جمانه في المذهب ذكر له الثعالبي في [ يتيمة الدهر ] ج 3 ص 247:

حـــب عـلي بن أبي طالب * هو الذي يهدي إلى الجنة

إن كان تفضيلي له بدعة * فلعـــنة الله على الســــنة

 

/ صفحة 56 /

وذكر له في الكتاب:

ناصب قــــال لي: معاوية خالك * خـــيــــر الأعـــمام والأخــــوال

فهــــو خال للمؤمنين جميعـــــا * قلت: خال لكن من الخير خالي

وذكر له فقيه الحرمين الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في (كفاية الطالب) ص 81، والخوارزمي في (المناقب) ص 69:

يا أميـــــر المـــؤمنين المرتضى * إن قـــــلبي عـــــندكم قـــــد وقـفا

كــلمـــــا جـــــددت مـــــدحي فيكم * قال ذو النصب: نسيت السلفا(1)

مـــــن كـــمـــــولاي عــــلي زاهد * طـــلـــــق الـــــدنيا ثـلاثا ووفى؟!

مـــــن دعـــي للطيـــر أن يأكله ؟ * ولنـــــا فــــي بعـــض هذا مكتفى

مــن وصـي المصـــطفى عندكم ؟ * ووصي المصطـــفى مـن يُصطفى

وذكر الفقيه الكنجي في الكتاب ص 192، وسبط ابن الجوزي في (تذكرة خواص الأمة) ص 88، والخوارزمي في (المناقب) ص 61:

حـــــب النبي وأهل البيت معتمدي (2) * إن الخـــــطوب أساءت رأيـــــها فــينا

أيا ابن عـــــم رسول الله أفـــــضل مـن * ســـــاس الأنـــــام وســــاد الهاشميينا

يا نـــــدرة الــــدين يا فرد الزمان أصخ * لمـــــدح مـــــولى يـــرى تفضيلكم دينا

هل مثل سيفك في الاسلام لو عرفوا ؟ * وهـــــذه الخـــــصلة الغـــــراء تكــفينا

هل مثل عـــــلمك إذ زالــوا وإذ وهنوا * وقـــــد هـــــديت كمــا أصبحت تهدينا ؟

هل مثل جمعـــــك للقـــــرآن نعــــــرفه * لفـــــظا ومعـــــنى وتـــــأويلا وتبيينا ؟

هل مثل حـــــالك عـــــند الطير تحضره * بدعـــــوة نلتـــــها دون المصــــــلينا ؟

هل مثل بذلـــــك للعاني الأسير وللطفل * الصغـــــير وقـــــد أعــــطيت مسكينا ؟

هل مثل صبـــــرك إذ خـانوا وإذ ختروا * حــــتى جرى ما جرى في يوم صفينا ؟

هل مثل فتـــــواك إذ قـــــالوا مجــاهرة * لـــــولا عـــــلي هلـــــكنا فـي فتاوينا ؟

يا رب سهـــــل زيـــــاراتي مشاهدهـــم * فـــــإن روحـــــي تهـــــوى ذلك الطينا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تسب السلفا.

 الخوارزمي (2) هذه الأبيات المحكية عن الكتب الثلاث لم توجد في (أعيان الشيعة) سوى ثلاثة منها.

 

 

/ صفحة 57 /

يا رب صير حياتي في محبتهم * ومحشـــري معـهم آمين آمينا

وذكر ابن شهر آشوب من هذه القصيدة بعد البيت الثاني من أولها:

أنت الإمام ومنظـــــور الأنـــام فمن * يـــــرد مـــــا قلتـــــه يــقمع براهينا

هـــل مثل فعلك في ليل الفراش وقد * فـــديت بالـــــروح خــتام النبـيــينا ؟

هـــــل مثل فــاطــمة الزهراء سيدة * زوجـــــتها يا جــمــــال الفاطميينا ؟

هل مثـل بــرك في حال الركوع وما * بـــر كبـــــرك بـــــرا للمـــــزكيـنا ؟

هـل مثل فعـــلك عند النعل تخصفها * لو لم يكن جاحدوا التفضيل لاهينا ؟

هل مثل نجليـــك في مجد وفي كـرم * إذ كــــونا مـن سلال المجد تكوينا ؟

وله في مناقب الخطيب الخوارزمي ص 105، وكفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 243، وتذكرة خواص الأمة ص 31، ومناقب ابن شهر آشوب، وغيرها قصيدة ولوقوع الاختلاف فيها نجمع بين رواياتها ونشير إلى ما روته رجال العامة ب‍ (ع):

بلغـــــت نفـــــسي منـــــاهــــا * بـــــالمـــــوالي آل طـــــــــــه

بــــــــرســــــــــول الله مـــــن * حـــــاز المعـــــالي وحــواها

وببـــــنت المصـــــطـــفى من * أشبـــــهت فـــــضلا أبـــــاها

ع مـــــن كمـــــولاي عــــلي * والـــــوغــــى تحمي لظاها ؟

ع مـــــن يصيـــد الصيد فيها * بالظـــــبى حــــــتى انتظاها ؟

يـــــوم أمضـــــاها عــليهـــم * ثم أمضاها عليهم فارتضاها

ع من لـــــه في كـــــل يـــوم * وقعـــــات لا تـــــــضـــاهي ؟

ع كــــم وكم حرب ضــروس * ســـــد بالمرهــــــــف فاها ؟

ع اذكـــــروا أفعـــــال بــــدر * لســـــت أبغي ما ســـــــواها

ع اذكـــــروا غـــــزوة أحـــد * إنـــــه شــــمس ضحاهـــــــا

ع اذكـــــروا حـــرب حنيـــن * إنـــــه بـــــدر دجـــــاهــــــــا

ع اذكروا الأحزاب قـــدما " * إنـــه ليـــــــــــث شــــراهـــا

ع اذكروا مهجـــــة عـــمرو * كـــــيف أفناهـــــــا شجاها ؟

ع اذكـــــروا أمــــر بـــراءة * واخبــــروني من تــــــلاها ؟

 

/ صفحة 58 /

ع اذكروا مهجـــــة عـــمرو * كـــــيف أفناهـــــــا شجاها ؟

ع اذكـــــروا مـــــن زوج الـ * ـزهــراء قد طاب ثراها (1)

ع اذكـــــروا بكـــــرة طيــــر * فلـــــقـــــد طـــــار ثــــناها ؟

ع اذكـــــروا لــــي قلل العلم * ومـــــن حــــــــــل ذراهــــــا

ع حـــــاله حـــــالة هــــــــــا * رون لمـــــوسى فــافهماهـا

ع أعـــــلى حـــــب عـــــلــي * لامنـــــي القـــوم سفاها ؟ !

ع أهملـــــوا قـــــرباه جــهلا * وتخـــــطوا مقـــــتـــــضـاها

ع أول الـــــنـــــاس صـــــلاة * جـــــعـــــل التــــقوى حلاها

ع ردت الشـــــمـــــس عـليه * بعـــــد مـــــا غـــــاب سناها

ع حجـــــة الله عـــلى الخلق * شـــــقى مـــــن قـــــد قـلاها

وبحبـــــي الحـــــسن البــالغ * فـــــي العـــــليا مـــــداهـــــا

والحـــــسين المـــــرتضــــى * يـــــوم المســاعي إذ حواها

ليـــــس فـــــيهم غـــــير نجم * قـــــد تعـــــالى وتـــــناهــــى

عـــــترة أصبحـــــت الــــدنيا * جميعـــــا فـــــي حـــــمــــاها

ما تـــــحدث عـــــصب الـبــــ * ــغي بأنـــــواع عـــــمـــــاها

أردت الأكـــــبـــــر بـــــالســـ * ــم ومـــــا كـــــان كـــــفـاها

وانبـــــرت تبـــــغي حــــسينا * وعـــــرته وعـــــراهــــــــــا

منعـــــته شـــــربة والطــــيــ * ــر قـــــد أروت صـــــداهــــا

فـــــأفـــــاتـــــت نـــــفســـــه * يا ليـــــت روحـــــي قد فداها

بنـــــته تـــــدعوا أبـــــاهــــا * أخـــــته تبـــــكي أخـــــاهــــا

لـــــو رأى أحـــــمـــــد مـــــا * كـــــان دهـــــاه ودهـــــاهــا

لشـــــكا الحـــــال إلـــــى الله * وقـــــد كـــــان شكـــاها (2)

وله في مناقبي ابن شهر آشوب والخطيب الخوارزمي ص 233 قصيدة نجمع بينهما

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في لفظ أهل السنة: اذكروا من زوج * الزهراء كيما تتباهى (2) غير واحد من الأبيات لا يوجد في (أعيان الشيعة ).

 

 

/ صفحة 59 /

لاختلافهما في عدد الأبيات ألا وهي:

ما لعـــــلي العـــــلى أشـــــبــــاه * لا والـــــذي لا إلـــــه إلا هـــو

مبـــــناه مبـــــنى النــــبي تعرفه * وابـــــناه عـــــند التـفاخر إبناه

إن عـــــليا عـــــلا إلى شــــرف * لـو رامه الوهم ذل مرقاه (1)

أيـــــا غـــــداة الكــساء لا تهني * عـــــن شـــرح علياه إذ تكساه

يا ضحـــــوة الطــير تنبئي شرفا * فـــــاز بـــــه لا يـــــنال أقـصاه

بـــــراءة استعــملي بلاغك من * أقعـــــد عـــــنه ومـــن تولاه؟!

يا مرحب الكفر قد أذاقــــك من * مــن حد ما قد كرهت ملقاه ؟ !

يا عمرو من ذا الذي أنالك من * حـــــارة الحتــف حين تلقاه ؟ !

لـــــو طلب النجـم ذات أخمصه * عـــــلاه والفـــــرقدان نـــــعلاه

أما عـــــرفتم سمــو منزله ؟ ! * أمـــــا عــــرفتم علو مثواه ؟ !

أمـــــا رأيتـــــم محـــــمدا حدبا * عـــــليه قـــــد حـاطه ورباه ؟ !

واختصـــــه يافعـــــا وآثــــــره * واعـــــتامه مخـــــلصا وآخـــاه

زوجـــــه بضعـــــة النــــبوة إذ * رآه خـــــير امـــــرئ وأتــــــقاه

يا بـــــأبي السيد الحسين وقــد * جـــــاهـــــد في الدين يوم بلواه

يا بأبـــــي أهلـــــه وقـــد قتلوا * مـــــن حـــــوله والعيون ترعاه

يا قبـــــح الله أمـــــة خـــــذلت * سيـــــدها لا تـــــريد مـــــرضـاه

يا لعـــــن الله جـــــيفة نجـــسا * يقـــــرع مـــــن بغــــــضه ثناياه

وله دالية ذكرها الخوارزمي في (المناقب) ص 223، وابن شهر آشوب في مناقبه ونجمع بين الروايتين وهي:

هو البدر في هيجاء بدر وغيره * فرايصه من ذكره السيف ترعد

علي له في الطير ما طار ذكـره * وفـــامت به أعداؤه وهي تشهد

علي لــــه فـي هل أتى ما تلوتم * عـلى الرغم من آنافكم فتفردوا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذا البيت وما بعده إلى أربعة أبيات لا توجد في مناقب ابن شهر آشوب بل رواها الخوارزمي.

 

 

/ صفحة 60 /

وكم خــــبر في خــــيبر قــــد رويـتم * ولكــــنكم مــــثل النــعام تشرّدوا

وفــــي أحــــد ولـــــى رجال وسيفه * يســــود وجـه الكفر وهو مسود

ويوم حــــنين حــــن للغـــل بعضكم * وصــــارمه عـضب الغرار مهند

تــــولى أمـــور الناس لم يستغلهم * ألا ربمــــا يــــرتاب مــــن يتــقلد

ولــــم يك محـــتاجا إلى علم غيره * إذا احـــتاج قوم في قضايا تبلدوا

ولا سد عــــن خــير المساجد بابه * وأبــــوابهم إذ ذاك عــــنــه تسدد

وزوجــــته الـــزهراء خير كريمة * لخير كريم فضلها ليس يجحد(1)

وبالحسنين المجــــد مــــد رواقـه * ولــــولاهما لـم يبق للمجد مشهد

تفــــرعت الأنـوار للأرض منهما * فــــلله أنــــوار بــــدت تـــتجــــدد

هم الحجج الغر التي قد توضحت * وهــــم سرج الله التي ليس تخـمد

أو إليكــــم يــــا آل بــــيت محــمد * فكــــلكم للعــــلم والــــدين فـــرقد

وأتــــرك مـــن ناواكم وهو هتكه * يــــنادى عــــليه مـولد ليس يحمد

وذكر له الحموئي صاحب (فرايد السمطين) في السمط الثاني في الباب الأول:

منايــــح الله جــــاوزت أمـــــلي * فليس يدركها شكري ولا عملي

لكن أفضــــلها عـــندي وأكملها * محــــبتي لأمـير المؤمنين علي

وذكر العلامة المجلسي في (البحار) ج 10 ص 264 نقلا عن بعض الكتب القديمة من قصيدة طويلة له:

أجروا دماء أخي النبي محمد * فلتجر غزر دموعنا ولتهمل

ولتصدر اللعــــنات غــــير مــزالة * لعــــداه مــن ماض ومن مستقبل

وتجــردوا لبنــــيه ثــــم بنــــاتــــه * بعــــظايم فــــاسمع حــديث المقتل

منعوا الحسين الماء وهو مجاهد * في كــــربلاء فنـــح كنوح المعول

منعــــوه أعــــذب منهـل وكذا غدا * يــــردون فــي النيران أوخم منهل

أيجز رأس ابن النبي وفي الورى * حــــي أمــــام ركــــابه لم يقـــتل ؟

وبنو السفاح تحكموا في أهل حي * عــــلى الفــــلاح بفـــرصة وتعجل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذا البيت رواه الخوارزمي ولا يوجد فيما جمع له السيد في (أعيان الشيعة)  

 

/ صفحة 61 /

نكــــت الدعي بن الدعي ضواحكا * هــــي للنـبي الخير خير مقبل (2)

تمضــــي بــــنو هنـد سيوف الهند * فــــي أوداج أولاد النبــــي وتعتلي

ناحــــت مــــلائكة السمـاء لقتلهم * وبكوا فــــقد اسقــوا كؤوس الذبل

فـــأرى البكاء على الزمان محللا * والضحــــك بـعـد الطف غير محلل

كــــم قلـــت للأحزان: دومي هكذا * وتــــنزلي فــــي القـــلب لا تترحلي

هذه نبذة من شعره في الأئمة عليهم السلام، وفي مناقب ابن شهر آشوب منه نبذ منثورة على أبواب الكتاب جمعها السيد في [ أعيان الشيعة ] ولمثول الكتابين للطبع وانتشارهما ضربنا عن ذكر جميعها صفحا، ولم نذكر هاهنا إلا الخارج عن الكتابين ولو في الجملة.

 قال السيد في (الدرجات الرفيعة ): إن الصاحب رحمه الله قال قصيدة معراة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولا في المنثور والمنظوم وأولها:

قد ظل يجري صدري * من ليس يعدوه فكري

وهي في مدح أهل بيت عليهم السلام في سبعين بيتا فتعجب الناس، وتداولتها الرواة فسارت مسير الشمس في كل بلدة، وهبت هبوب الريح في البر والبحر، فاستمر الصاحب على تلك الطريقة، وعمل قصايد كل واحدة منها خالية من حرف واحد من حروف الهجاء وبقيت عليه واحدة تكون خالية من الواو فانبرى صهره أبو الحسين علي لعملها وقال قصيدة ليست فيها واو ومدح الصاحب بها وأولها:

برق ذكرت به الحبائب * لما بدى فالدمع ساكب

كان للصاحب خاتمان نقش أحدهما هذه الكلمات:

عـــلى الله تـوكلت * وبالخمس توسلت

ونقش الآخر:

شفيع إسماعيل في الآخرة * محـــمد والعـــترة الطاهرة

ذكره الشيخ في المجالس وأشار إليه شيخنا الصدوق في أول (عيون الأخبار)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (2) لم يذكر سيدنا الأمين في أعيان الشيعة من القصيدة إلا هذا البيت.

 

 

/ صفحة 62 /

الصاحب ومذهبه :

إن كون الصاحب من علية الشيعة الإمامية مما لا يمتري فيه أي أحد من علماء مذهبه الحق، كما يشهد بذلك شعره الكثير الوافر في أئمة أهل البيت عليهم السلام ونثره المتدفق منه لوايح الولاية والتفضيل وهو يهتف بقوله:

فكم قد دعوني رافضيا لحبكم * فلم ينثني عنكم طويل عوائهم

وقد نص على مذهبه هذا السيد رضي الدين ابن طاووس في كتاب (اليقين) ومر عن المجلسي الأول أنه من أفقه فقهاء أصحابنا، واقتفى أثره ولده في مقدمات البحار فصرح بأنه كان من الإمامية، وعده القاضي الشهيد في مجالسه من وزراء الشيعة، ويقول شيخنا الحر في أمل الآمل.

 إنه كان شيعيا إماميا، وعده ابن شهر آشوب في المعالم من شعراء أهل البيت المجاهرين، وشيخنا الشهيد الثاني من أصحابنا، و في (معاهد التنصيص ): إنه كان شيعيا جلدا كآل بويه معتزليا، وقبل هذه الشهادات كلها شهادة الشيخين العلمين رئيس المحدثين الصدوق في (عيون أخبار الرضا )، وشيخنا المفيد فيما حكاه عنه ابن حجر في (لسان الميزان) 1 ص 413، ورسالته في أحوال عبد العظيم الحسني المندرجة في خاتمة (المستدرك) 3 ص 614 (1) من جملة الشواهد أيضا، وفي (لسان الميزان) 1 ص 413: كان الصاحب إمامي المذهب و أخطأ من زعم أنه كان معتزليا، وقد قال عبد الجبار القاضي لما تقدم الصلاة عليه: ما أدري كيف أصلي على هذا الرافضي.

 وعن ابن أبي طي: إن الشيخ المفيد شهد بأن الكتاب الذي نسب إلى الصاحب في الاعتزال وضع على لسانه ونسب إليه وليس هو له.

 وهناك نقول متهافتة يبطل، بعضها بعضا تفيد اعتناق الصاحب مذهب الاعتزال تارة وتمذهبه بالشافعية أخرى، وبالحنفية طورا، وبالزيدية مرة، وفي القاذفين من يحمل عليه حقدا يريد تشويه سمعته بكل ما توحي إليه ضغاينه كأبي حيان التوحيدي ومن حكي عنه طرفي نقيض كشيخنا المفيد الذي ذكرنا حكاية ابن حجر عنه بوضع ما نسب إلى الصاحب من الكتاب الذي يدل على الاعتزال، ونقل عنه أيضا نسبته

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نقلا عن نسخة بخط بعض بني بابويه مؤرخة بسنة 516.

 

 

/ صفحة 63 /

إلى جانب الاعتزال.

 وهذا التهافت في النقل يسقط الثقة بأي النقلين وإن كان النص على تشيعه معتضدا بكلمات العلماء قبله وبعده، والسيد رضي الدين الذي عرفت النص عنه بتشيعه في كتاب (اليقين) فقد نقل عنه حكايته عن الشيخ المفيد وعلم الهدى نسبته إلى الاعتزال، وأنت تعلم أن نصه الأول هو معتقده وهذه حكاية محضة، وقد عرفت حال المحكي عن الشيخ المفيد، وأما السيد المرتضى فالظاهر أن منتزع هذه النسبة إليه هو رده على الصاحب في تعصبه للجاحظ الذي هو من أركان المعتزلة، غير أنا نحتمل أن هذا التعصب كان لأدبه لا لمذهبه كتعصب الشريف الرضي للصابي.

 وما وقع إلينا في المحكي عن رسالة (الابانة) للصاحب من إنكار النص على أمير المؤمنين عليه السلام فهو حكاية محضة عمن يقول بذلك بل ما في (الابانة) يكفي بمفرده في إثبات كونه إماميا وإليك نص كلامه مشفوعا " بمقاله في (التذكرة) حول الإمامة.

 قال في (الابانة ): زعمت العثمانية وطوائف الناصبية أن أمير المؤمنين عليه السلام مفضول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير فاضل واستدلت بأن أبا بكر وعمر وليا عليه وقالت الشيعة العدلية: فقد ولى النبي عليه السلام عليهما عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل فليقولوا: إنه خير منهما، فقالت الشيعة: علي عليه السلام أفضل الناس بعد النبي فلذلك آخى بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر فلم يكن ليختار لنفسه إلا الأفضل، وقد ذكر ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

 ثم إنه لم يستثن إلا النبوة وفيه قال: أللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير.

 وقد قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه: وعاد من عاداه. إلى آخر الدعاء.

 وبعد: فالفضيلة تستحق بالمسابقة وهو أسبقهم إسلاما وقد قال الله تعالى: السابقون السابقون أولئك المقربون، وبالجهاد وهو لم يغمد حساما، ولم يقصر إقداما، كشاف الكروب، وفراج الخطوب، ومسعر الحروب، وقاتل مرحب، وقالع باب خيبر، وصارع عمرو بن عبد ود، ومن قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. كرارا غير فرار، وقد قال الله تعالى:

 

/ صفحة 64 /

فضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما.

 وبالعلم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

 وأثر ذلك بين لأنه عليه السلام لم يسئل من الصحابة أحدا وقد سألوه، ولم يستفتهم وقد استفتوه، حتى أن عمر يقول: لولا علي لهلك عمر، ويقول: لا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن، وقد قال الله تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

 وبالزهد والتقوى والبر والحسنى فإذا كان أعلمهم فهو أتقاهم وقال الله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء.

 وبعد: فهو الذي آثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه مخرجا قوته كل ليلة إليهم عند فطره حتى أنزل الله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.

 فأخبر نبيه وعده عليه الجنة.

 والحديث طويل وفضله كثير، وهو الذي تصدق بخاتمه في ركوعه حتى أنزل الله فيه: إنما وليكم الله ورسوله.

 وزعمت طائفة من الشيعة ذاهلة عن تحقيق الاستدلال أن عليا عليه السلام كان في تقية فلذلك ترك الدعوة إلى نفسه.

 وزعمت أن عليه نصا جليا لا يحتمل التأويل، وقالت العدلية: هذا فاسد، كيف تكون عليه التقية في إقامة الحق وهو سيد بني هاشم ؟ وهذا سعد بن عبادة نابذ المهاجرين وفارق الأنصار لم يخش مانعا ودافعا وخرج إلى حوران ولم يبايع، ولو جاز خفاء النص الجلي عن الأمة في مثل الإمامة لجاز أن يتكتم صلاة سادسة وشهر يصام فيه غير شهر رمضان فرضا، وكلما أجمع عليه الأمة من أمر الأئمة الذين قاموا بالحق وحكموا بالعدل صواب، وأما من نابذ عليا عليه السلام وحاربه وشهر سيفه في وجهه فخارج عن ولاية الله إلا من تاب بعد ذلك وأصلح إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. ا ه‍.

 المراد على ما يفهم من جواب العدلية أن دعوى تقية علي عليه السلام وتركه الدعوة إلى نفسه مع ادعاء النص الجلي عليه زعم فاسد، وإن الاعتقاد بترك الدعوة لا يوافق مع القول بالنص الجلي إذ لو كان لأبان وما ترك الدعوة، والمدعي ذاهل عن تحقيق الاستدلال بما ذكر من الكتاب والسنة فإنه عليه السلام دعا إلى نفسه واحتج بأدلة أوعزت إليها، فنسبة إنكار النص الجلي إلى المترجم بهذه العبارة كما فعله غير واحد في غير محله جدا.

 

 

/ صفحة 65 /

وقال في ذيل كتابه [ التذكرة ] ذكر الصاحب رحمه الله في آخر كتاب: (نهج السبيل ): إن أمير المؤمنين عليا عليه السلام أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستدل عليه بأن الأفضلية تستحق بالسابقة والعلم والجهاد والزهد فوق جميعهم، فلا شك أنه متقدمهم وغير متأخر عنهم، وقد سبقهم بمنازلة الأقران، وقتل صناديد الكفار وأعلام الضلالة، وهو الذي آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينه وبينه حين آخى بين أبي بكر وعمر، و رضيه كفوا لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء سلام الله عليهم، ودعا الله أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه، وأخبرنا أنه منه بمنزلة هارون من موسى لفضل فيه، وقال عليه السلام: أللهم ائتني بأحب الخلق إليك يأكل معي هذا الطائر، ولا يكون أحبهم إلى الله إلا أفضلهم، وقال: أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقال: أنا ما سألت الله شيئا إلا سألت لعلي مثله حتى سألت له النبوة فقيل: لا ينبغي لأحد من بعدك، ولم يكن يسألها إلا لفضله.

 ولهذا استثنى النبوة في حديث: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

 فصبر على المحن، وثبت على الشدايد، ولم ترده أيام توليته إلا خشونة في الدين، وأكله للجشب (1) ولبسا للخشن، يستقون من علمه، وما يستقي إلا ممن هو أعلم، خير الأولين وخير الآخرين، عهد إليه في الناكثين والقاسطين والمارقين، وقتل بين يديه عمار بن ياسر المشهود له بالجنة لبصيرته في أمره، وشبهه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعيسى بن مريم عليه السلام كما شبهه بهارون، لا تضرب الأمثال إلا بالأنبياء، وتصدق بخاتمة في ركوعه حتى أنزل فيه: إنما وليكم الله ورسوله.

 الآية، وآثر المسكين واليتيم والأسير على نفسه حتى أنزل فيه: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا، وقال تعالى: إنما أنت منذر ولكل قوم هاد.

 فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنا المنذر وأنت يا علي الهادي، وقال تعالى: و تعيها أذن واعية وقال صلى الله عليه وآله وسلم: هي أذن علي عليه السلام وجعله الله في الدنيا فصلا بين الإيمان والنفاق حتى قيل: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا ببغضهم عليا عليه السلام، وأخبر أنه في الآخرة قسيم الجنة والنار، وقال ابن عباس: ما أنزل الله في القرآن يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي سيدها وأبوها وشريفها، وأعلى من ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: علي يعسوب المؤمنين، وله ليلة الفراش حين نام عليه في مكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صابرا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) جشب الطعام: غلظ.

 

 

/ صفحة 66 /

على ما كان يتوقع من الذبح صحبة إسحاق ذبيح الله حين صبر على ما ظن أنه نازل به من الذبح، وقال فيه مثل عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر، ولا أعاشني الله لمشكلة ليس لها أبو الحسن.

 ودهره كله إسلام وزمانه أجمع إيمان، لم يكفر بالله طرفة عين، عاش في نصرة الاسلام حميدا، ومضى لسبيله شهيدا، جعلنا الله ممن آثر المحبة في القربى، وهدانا للتي هي أحسن وأولى، وحسبنا الله منزل الغيث وفاطر النسم (1).

 وقد أبان عن مذهبه الحق [ الإمامية ] في شعره بقوله:

بالنص فاعقد إن عقدت يمينا * كل اعــتــــقاد الاختيار رضينا

مكــــن لقـــــول إلهنــا تمكينا *: واختار موسى قومه سبعينا

وقال في قصيدته البائية التي مرت:

لم تعــلموا أن الوصي هو الذي * آتي الـــزكاة وكان في المحراب

لم تعــلموا أن الوصي هو الذي * حكم (الغدير) له على الأصحاب

وله قوله:

إن المحبة للوصي فريضة * أعني أمير المؤمنين عليا

قد كلف الله البرية كــــلـها * واخــــتاره للمـؤمنين وليا

وما في (لسان الميزان) من اشتهاره بذلك المذهب (الاعتزال) وإنه كان داعية إليه فيدفعه تخطأته أولا من زعم أنه من معتنقيه، وما نقله عن القاضي عبد الجبار من أنه لما تقدم للصلاة عليه قال: ما أدري كيف أصلي على هذا الرفضي، وما تكرر في شعره من قذف أعدائه له بالرفض، إلا أن يريد ابن حجر الاشتهار المحض دون الحقيقة فليلتئم مع قوله الآخر.

 والذي أرتأيه ويساعدني فيه الدليل أن الصاحب كغيره من أعلام الإمامية كان يوافق المعتزلة في بعض المسائل كمسألة العدل التي تطابقت آراء الشيعة والمعتزلة فيها على مجابهة الأشاعرة في الجبر واستلزامه تجوير الحق تعالى، وإن افترقا من ناحية أخرى في باب التفويض وأمثال هذه، فقد كان يصعب على الباحث التمييز بين

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كل ما ذكره الصاحب من الأحاديث في فضل مولانا أمير المؤمنين ثابت وصحيح عند القوم مبثوث في أجزاء كتابنا بأسانيده، أخرجه بها الحفاظ في الصحاح والمسانيد.

 

 

/ صفحة 67 /

الفريقين فيرمى كل فريق باسم قسيمه، ومن هنا أتى الصاحب بهذه القذيفة كغيره من أعلام الطايفة مثل علم الهدى السيد المرتضى وأخيه الشريف الرضي.

وأما نسبته إلى الشافعية فيدفعها عزوه إلى الحنفية، ومن أبدع التناقض قول أبي حيان في كتاب [ الامتاع ج 1 ص 55 ] إنه كان يتشيع لمذهب أبي حنيفة ومقالة الزيدية، وأما انتسابه إلى الزيدية فيدفعه تعداده الأئمة عليهم السلام في شعره كقوله: بمحــــمد ووصيــــه وابنــيهما * الطــــاهرين وســــيد العـــــبّاد

ومحـــمد وبجعــــفر بـن محمد * وسمي مبعوث بشاطي الوادي

وعــــلي الطــــوسي ثـم محمد * وعــــلي المسمــوم ثم الهادي

حــــسن وأتــــبع بعـده بإمامة * للقــــائم المبعــــوث بالمرصاد

وقوله:

بمحــــمد ووصيــــه وابنـــيهما * وبعابد وبــــباقــرين وكــــاظــــم

ثــــم الرضــــا ومحــمد ثم ابنه * والعــــسكري المتقــــي والقائم

أرجو النجاة من المواقف كلها * حـــتى أصيــــر إلــــى نعيم دائم

وقوله:

نــــبي والــــوصي وســــيدان * وزيــــن العـــابدين وباقران

وموسى والرضا والفاضلان * بهم أرجو خلودي في الجنان

وقوله أرجوزة:

يا زائــــرا قــــد قــــصد المشـاهدا * وقــــطع الجــــبال والفــــدافـــــدا

فأبلــــغ النــــبي مــــن ســــلامــي * مــــا لا يــــبــــيــــد مــــدة الأيــام

حــــتى إذا عــــدت لأرض الكـوفة * البلــــدة الطــــاهــــرة المعــروفة

وصــرت في الغري في خير وطن * سلم على خير الورى أبي الحسن

ثمــــة ســــر نحــــو بقــيع الغرفد * مسلمــــا عــــلى أبــــي محــــمــد

وعــــد إلــــى الطــــف بكــــربلاء * أهــــد ســــلامي أحـــسن الاهداء

لخــــير مــــن قــــد ضمه الصعيد * ذاك الحــــسين السيــــد الشهــــيد

 

/ صفحة 68 /

واجنـــــب إلـــــى الصحـراء بالبقيع * فثـــــم أرض الشـــــرف الـــــرفــيع

هنـــــاك زيـــــن العـــــابدين الأزهر * وباقـــــر العـــــلم وثـــــم جعـــــفــــر

أبلغهـــــم عـــــني الـــــسلام راهــنا * قـــــد مـــــلأ البـــــلاد والمـــــواطـنا

واجنـــــب إلـــــى بغـــداد بعد العيسا * مسلمـــــا عـــــلى الـــــزكي موسى

واعجل إلى طوس على أهدى سكن * مبلغـــــا تحـــــيتي أبـــــا الحـــــسـن

وعـــــد لبغـــــداد بطـــــير أســعـــــد * سلـــــم عـــــلى كنـــــز التـقى محمد

وأرض ســـــامراء أرض العــسكر * سلـــــم عـــــلى عـــــليّ ن المـــطهر

والحـــــسن الرضـــــي فــي أحواله * مـــــن منبـــــع العـــــلوم فـي أقواله

فإنـــــهم دون الأنـــــام مفـــــزعــي * ومـــــن إليهـــــم كـــــل يـوم مرجعي

وله أرجوزة أخرى يعد فيها الأئمة الهداة ويسميهم. م - وقصيدة في الإمام أبي الحسن الرضا ثامن الحجج صلوات الله عليهم، تذكر في مقدمة (عيون الأخبار) لشيخنا الصدوق، وقصيدة أخرى فيه عليه السلام أيضا ألا وهي:

يـــــا زائـــــرا قــد نهضا * مبتـــــدرا قـــــد ركــضا

وقـــــد مضـــــى كــــــأنه * البـــــرق إذا مـا أومضا

أبلـــــغ ســـــلامي زاكـيا * بطــــوس مولاي الرضا

سبــــط النـبي المصطفى * وابن الوصي المرتضى

5 من حاز عزا أقعـــسا * وشـــاد مــجــــدا أبـيضا

وقـــــل له عـــن مخلص * يـــــرى الولا مفـترضا:

في الصـــــدر نفح حـرقة * تـــــترك قـــلبي حرضا

من ناصبـــــين غـــادروا * قــلب الموالي ممرضا

صرحـــــت عنهم معرضا * ولـــــم أكــــن معرضا

10 نابـــــذتهم ولــــم أبل * إن قـــــيل: قـد ترفضا

يا حـــــبذا رفـــــضي لمن * نـــــابذكم وأبغـــــضــا

ولـــــو قـــــدرت زرتـــــه * ولـو على جمر الغضا

لكنـــــني معـــــتـــــقــــــل * بقـــــيد خـــطب عرضا

 

/ صفحة 69 /

جعــــلت مــــدحي بــــــدلا * مــــن قـصده وعـوضا

أمــــانـــــــــة مــــــــورده * عــلى الرضا ليرتضى

15 رام بــــن عـــباد بها * شفــــاعـــة لن تدحضا

نوادر فيها المكارم :

1 - يحكى أن الصاحب استدعى في بعض الأيام شرابا فأحضروا قدحا فلما أراد أن يشربه قال له بعض خواصه: لا تشربه فإنه مسموم - وكان الغلام الذي ناوله واقفا - فقال للمحذر: ما الشاهد على صحة قولك ؟ فقال: تجربه في الذي ناولك إياه.

 قال: لا أستجيز ذلك ولا استحله.

 قال: فجر به في دجاجة قال: التمثيل بالحيوان لا يجوز.

 ورد القدح وأمر بقلبه، وقال: للغلام انصرف عني ولا تدخل داري، وأمر بإقرار جارية وجرايته عليه، وقال لا يدفع اليقين بالشك، والعقوبة بقطع الرزق نذالة.

 2 - كتب إليه بعض العلويين يخبره بأنه قد رزق مولودا ويسأله أن يسميه ويكنيه فوقع في رقعته: أسعدك الله بالفارس الجديد، والطالع السعيد، فقد والله ملأ العين قرة، و النفس مسرة مستقرة، والاسم علي ليعلي الله ذكره، والكنية أبو الحسن ليحسن الله أمره، فإني أرجو له فضل جده، وسعادة جده، وقد بعثت لتعويذه دينارا من مائة مثقال، قصدت به مقصد الفال، رجاء أن يعيش مائة عام، ويخلص خلاص الذهب الأبرز من نوب الأيام، والسلام.

 3 - كتب بعض أصحاب الصاحب إليه رقعة في حاجة فوقع فيها، ولما ردت إليه لم ير فيها توقيعا، وقد تواترت الأخبار بوقوع التوقيع فيها، فعرضها على أبي العباس الضبي فم أزال يتصفحها حتى عثر بالتوقيع وهو ألف واحدة، وكان في الرقعة: فإن رأى مولانا أن ينعم بكذا ؟ فعل.

 فأثبت الصاحب أمام (فعل) ألفا يعني: أفعل.

 4 - كتب الصاحب إلى أبي هاشم العلوي وقد أهدى إليه في طبق فضة عطرا:

العــــبد زارك نــــازلا برواقكــا * يستــنبط الاشراق من إشراقكا

فــاقـبل من الطيب الذي أهديته * مـــا يسرق العطار من أخلاقكا

والظرف يوجب أخذه مع ظرفه * فأضــــف بــه طبقا إلى أطباقكا

 

/ صفحة 70 /

5 - نظر أبو القاسم الزعفراني يوما إلى جميع من فيها من الخدم والحاشية عليهم الخزوز الفاخرة الملونة فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا فسأل الصاحب عنه، فقيل: إنه في مجلس كذا يكتب.

 فقال: علي به.

 فاستهل الزعفراني ريثما يكمل مكتوبه فأعجله الصاحب، وأمر بأن يؤخذ ما في يده من الدرج، فقام الزعفراني إليه وقال: أيد الله الصاحب.

اسمعــــه ممن قـــــاله تزدد به * عجبا فحسن الورد في أغصانه

قال: هات يا أبا القاسم. فأنشده أبياتا منها:

ســــواك يــــعد الغنى ما اقتنى * ويأمــــره الحـرص أن يخزنا

وأنــــت ابن عـباد ن المرتجى * تعــــد نوالك نــــيل المــــنــى

وخــــيرك مــــن باســــط كـفه * وممــــن ثـــناها قريب الجنى

غمرت الورى بصنوف الندى * فأصغــــر ما مــــلكوه الغــنى

وغــــادرت أشعرهـــم مفحما * وأشكرهم عــــاجــــزا الكـــنا

أيــــا من عطاياه تهدي الغنى * إلــــى راحـتي من نأى أو دنا

كســـوت المقيمين والزائرين * كــــسى لــم يخل مثلها ممكنا

وحــــاشية الــدار يمشون في * ضــــروب مــــن الخـز إلا أنا

ولــــست أذكــــر لــــي جــاريا * عـلى العهد يحسن أن يحسنا

فقال الصاحب قرأت في أخبار معن بن زائدة: أن رجلا قال له: احملني أيها الأمير، فأمر له بناقة وفرس وبغلة وحمار وجارية، ثم قال له: لو علمت أن الله تعالى خلق مركوبا غير هذه لحملتك عليه، وقد أمرنا لك من الخز بجبة، وقميص. ودراعة. وسراويل وعمامة. ومنديل. ومطرف. ورداء. وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتخذ من الخز لأعطيناكه، ثم أمر بإدخاله الخزانة، وصب تلك الخلع عليه، وتسليم ما فضل عن لبسه في الوقت إلى غلامه.

 6 - كتب أبو حفص الوراق الاصبهاني إلى الصاحب: لولا أن الذكرى أطال الله بقاء مولانا الصاحب الجليل - تنفع المؤمنين: وهزة الصمصام تعين المصلتين لما ذكرت ذاكرا، ولا هززت ماضيا، ولكن ذا الحاجة لضرورته يستعجل النجح،

 

/ صفحة 71 /

ويكد الجواد السمح، وحال عبد مولانا أدام الله تأييده في الحنطة مختلفة، وجرذان داره عنها منصرفة، فإن رأى أن يخلط عبده بمن أخصب رحله، ولم يشد رحله ؟ فعل إن شاء الله تعالى، فوقع الصاحب فيه: أحسنت أبا حفص قولا، وسنحسن فعلا، فبشر جرذان دارك بالخصب: و أمنها من الجدب، فالحنطة تأتيك في الأسبوع، ولست عن غيرها من النفقة بممنوع إن شاء الله تعالى.

 7 - عن أبي الحسن العلوي الهمداني الشهير بالوصي إنه قال: لما توجهت تلقاء الري في سفارتي إليها من جهة السلطان فكرت في كلام ألقى به الصاحب، فلم يحضرني ما أرضاه، حين استقبلني في العسكر، وأفضى عناني إلى عنانه جرى على لساني: (ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم ).

 فقال: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندوني، ثم قال: مرحبا بالرسول ابن الرسول، الوصي ابن الوصي.

 8 - مرض الصاحب في الأهواز بإسهال فكان إذا قام عن الطست ترك إلى جانبه عشرة دنانير، حتى لا يتبرم به الخدم، فكانوا يودون دوام علته، ولما عوفي تصدق بنحو من خمسين ألف دينار.

 9 - في (اليتيمة) عن أبي نصر ابن المرزبان إنه قال: كان الصاحب إذا شرب ماء بثلج أنشد على أثره:

قعـــقــــعــــة الثلج بماء عــــذب * تستخرج الحمد من أقصى القلب

ثم يقول: أللهم جدد اللعن على يزيد.

 10 - في (معجم الأدباء) كان ابن الحضيري يحضر مجلس الصاحب بالليالي فغلبته عينه ليلة فنام وخرجت منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عني:

يا بن الحضيري لا تذهب على خجل * لحـــادث كـــــان مثل الناي والعـــود

فإنهــــا الريح لا تســــطيع تحبسها * إذ لســــت أنــــت سليــــمان بن داود

 

/ صفحة 72 /

غرر كلم للصاحب

تجري مجرى الأمثال

ــ من استماح البحر العذب، استخرج اللؤلؤ الرطب.

ــ من طالت يده بالمواهب، إمتدت إليه ألسنة المطالب.

ــ من كفر النعمة، استوجب النقمة.

ــ من نبت لحمه على الحرام، لم يحصده غير الحسام.

ــ من غرته أيام السلامة، حدثته ألسن الندامة.

ــ من لم يهزه يسير الإشارة، لم ينفعه كثير العبارة.

ــ رب لطائف أقوال، تنوب عن وظائف أموال.

ــ الصدر يطفح بما جمعه، وكل إناء مؤد ما أودعه.

ــ اللبيب تكفيه اللمحة، وتغنيه اللحظة عن اللفظة.

ــ الشمس قد تغيب ثم تشرق، والروض قد يذبل ثم يورق.

ــ البدر يأفل ثم يطلع، والسيف ينبو ثم يقطع.

ــ العلم بالتذاكر، والجهل بالتناكر.

ــ إذا تكرر الكلام على السمع، تقرر في القلب.

ــ الضمائر الصحاح أبلغ من الألسنة الفصاح.

ــ الشيئ يحسن في إبانه، كما أن الثمر يستطاب في أوانه.

ــ الآمال ممدودة، والعواري مردودة.

ــ الذكرى ناجعة، وكما قال الله تعالى نافعة.

ــ متن السيف لين، ولكن حده خشن، ومتن الحية ألين، ونابها أخشن عقد المنن في الرقاب لا يبلغ إلا بركوب الصعاب.

ــ بعض الحلم مذلة، وبعض الاستقامة مزلة.

ــ كتاب المرء عنوان علقه، بل عيار قدره، ولسان فضله، بل ميزان علمه.

 

 

/ صفحة 73 /

ــ إنجاز الوعد من دلائل المجد واعتراض المطل من إمارات البخل، وتأخير الاسعاف من قرائن الأخلاف.

ــ خير البر ما صفا وضفا، وشره ما تأخر وتكدر.

ــ فراسة الكريم لا تبطي، وقيافة الشر لا تخطي.

ــ قد ينبح الكلب القمر ؟ فليلقم النابح الحجر.

ــ كم متورط في عثار رجاء أن يدرك بثار.

ــ بعض الوعد كنقع الشراب، وبعضه كلمع السراب.

ــ قد يبلغ الكلام حيث تقصر السهام.

ــ ربما كان الاقرار بالقصور أنطق من لسان الشكور.

ــ ربما كان الامساك عن الاطالة أوضح في الابانة والدلالة.

ــ لكل امرئ أمل، ولكل وقت عمل.

ــ إن نفع القول الجميل، والأنفع السيف الصقيل.

ــ شجاع ولا كعمرو، مندوب ولا كصخر.

ــ لا يذهبن عليك تفاوت ما بين الشيوخ والأحداث، والنسور والبغاث.

ــ كفران النعم عنوان النقم.

ــ جحد الصنائع داعية القوارع.

ــ تلقي الاحسان بالجحود تعريض النعم للشرود.

ــ قد يقوى الضعيف، ويصحو النزيف، ويستقيم المائد، ويستيقظ الهاجد.

ــ للصدر نفثة إذا أحرج، وللمرء بثة إذا أحوج.

ــ ما كل امرء يستجب للمراد، ويطيع يد الارتياد.

ــ قد يصلي البرئ بالقسيم، ويؤخذ البر بالأثيم.

ــ ما كل طالب حق يعطاه، ولا كل شائم مزن يسقاه.

ــ وقد أكثر الثعالبي في ذكر أمثال هذه الكلم الحكمية في (يتيمة الدهر) و ذكرها برمتها سيدنا الأمين في (أعيان الشيعة ).

ــ هذا مثال الشيعة وهذه أمثلته، هذا وزير الشيعة وهذه حكمه، هذا فقيه

 

/ صفحة 74 /

الشيعة وهذا أدبه، هذا عالم الشيعة وهذه كلمه، هذا متكلم الشيعة وهذا مقاله، هؤلاء رجال الشيعة وهذه مآثرهم وآثارهم، هكذا فليكن شيعة آل الله وإلا فلا.

 وفاته :

توفي الصاحب ليلة الجمعة الرابع والعشرين من صفر سنة 385 بالري ولما توفي عطلت المدينة وأسواقها، واجتمع الناس على باب قصره، وينتظرون خروج جنازته، وحضر فخر الدولة وسائر القواد، وقد غيروا بزاتهم، فلما خرج نعشه من الباب على أكتاف حامليه للصلاة عليه قام الناس بأجمعهم إعظاما، وصاحوا صيحة واحدة، وقبلوا الأرض، وخرقوا ثيابهم، ولطموا وجوههم، وبلغوا في البكاء و النحيب عليه جهدهم، وصلى عليه أبو العباس الضبي، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة وقعد في بيته للعزاء أياما، وبعد الصلاة عليه علق نعشه بالسلاسل في بيت إلى أن نقل إلى إصفهان فدفن في قبة هناك تعرف بباب درية(1) قال ابن خلكان: وهي عامرة إلى الآن وأولاد بنته يتعاهدونها بالتبييض.

 وقال السيد في (روضات الجنات) قلت: بل وهي عامرة إلى الآن، وكان أصابها تشعث وانهدام فأمر الإمام العلامة محمد إبراهيم الكرباسي في هذه الأيام بتجديد عمارتها، ولا يدع زيارتها مع ما به من العجز في الأسبوع والشهر والشهرين، وتدعى في زماننا بباب الطوقچي والميدان العتيق، و الناس يتبركون بزيارته، ويطلبون عند قبره الحوائج من الله تعالى.

 قال الثعالبي في (اليتيمة ): لما كنى المنجمون عما يعرض عليه له في سنة موته قال الصاحب:

يا مــــالك الأرواح والأجسام * وخـــــالق النجـوم والأحكام

مدبـــــر الضـــــياء والظـلام * لا المشتـــرى أرجوه للانعام

ولا أخـــاف الضر من بهرام * وإنمــــا النجـــوم كـــالأعلام

والعـــلم عند الملك العــــلام * يا رب فـاحفظني من الأسقام

ووقـــــني حـــــوادث الأيـــام * وهجـــــنة الأوزار والآثــــام

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بفتح الدال المهملة وكسر الراء كذا ضبطها السيد في أعيان الشيعة، وتجدها في (اليتيمة) وغيرها بالذال المجمعة كما يأتي بعيد هذا في شعر أبي منصور اللجيمي.

 

 

/ صفحة 75 /

هبني لحب المصطفى المعتام * وصنـــــوه وآلـــــه الكــــرام

ورثي الصاحب بقصايد كثيرة منها نونية أبي منصور أحمد بن محمد اللجيمي منها (1 ):

أكـــافينا العـــظــيم إذا وردنـــا * ومـــولانا الجـــسيم إذا فــقدنا

أردنـــا منـــك مــا أبت الليالي * فأبطـــل مـــا أرادت مـــا أردنا

شقـقت عليك جيبي غير راض * به لك فـــاتخذت الـــوجد خـدنا

ولـــو أنـــي قتلت عليك نفسي * لكـــان إلـى قضاء الحق أدنى

أفـــدنا شـــرح أمــر فيه لبس * فإنا صائـــبا كــــنا استـــفدنــــا

ألـــم تـلك منصفا عدلا ؟ فأني * عـــمرت حـــفيرة وقـلبت مدنـا

وكيف تركت هذا الخلق حالت * خـــلائقهم فلـيس كما عهدنا؟!

تملكـــنا اللئـــام وصيـــرونـــا * عـــبيدا بعـــد مـــا كنــا عــبدنا

لئـــن بلغـــت رزيـــتـــه قلـوبا * فـــذبن أو أعـــينا منـــا فجـدنا

لما بلغـــت حـــقائقها ولــكـــن * عـــلى الأيـام نعرف من فقدنا

وله في رثائه من قصيدة (2):

مضــى من إذا ما أعوز العلم والندى * أصيـــبا جـــميعا مـــن يـــديه وفـــيه

مضـى من إذا أفكرت في الخلق كلهم * رجعـــت ولـــم أظـــفـــر لـــه بشبــيه

ثـــوى الجــود والكافي معا في حفيرة * ليـــأنس كـــل مـــنهـــمــا بـــأخـــيـــه

همـــا اصطـــحبا حيـــيـــن ثــــم تعانقا * ضجـــيعـــيـــن فـــي قــبر بباب ذريه

قد يعزى بعض هذه الأبيات إلى أبي القاسم بن أبي العلاء الاصبهاني مع حكاية طيف عنه.

 ومنها نونية أبي القاسم بن أبي العلاء الاصفهاني ذكر منها الثعالبي في (يتيمة الدهر) ج 3 ص 263 قوله:

يا كـــــافي الملك مـــا وفيت حظك من * وصـــــف وإن طــــال تمجيد وتأبين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يتيمة الدهر ج 4 ص 375.

 (2) يتيمة الدهر ج 4 ص 375.

 

 

/ صفحة 76 /

فقـــــت الصفـــــات فما يرثيك من أحد * إلا وتزيـــــيـــــنه إيـــــاك تهجــــين

مـــــا مت وحـــدك لكن مات من ولدت * حـــــواء طـــــرا بـل الدنيا بل الدين

هـــــذي نـــــواعي العـلا مذ مت نادبة * مـــــن بعـــــد ما ندبتك الخرد العين

تـــــبكي عــليك العطايا والصلات كما * تـــــبكي عـــليك الرعايا والسلاطين

قـــــام السعـــاة وكان الخوف أقعدهم * فاستيقـــــظوا بعــد ما مت الملاعين

لا يعجب الناس منهم إن هم انتشروا * مضـــى سليمـــــان وانحل الشياطين

ومنها دالية أبي الفرج بن ميسرة ذكر منها الثعالبي في [ اليتيمة ] ج 3 ص 254 قوله:

ولـــــو قـــــبل الفــــداء لكان يفدى * وإن حـــل المصاب على التفادي

ولكـــــن المنـــــون لهـــــا عيــون * تكـــــد لحـــــاظها فـــــي الانــتقاد

فـــــقل للــدهر: أنت أصبت فالبس * برغـــــمك دونـــــنا ثـــــوبي حداد

إذا قـــــدمت خـــــاتمة الـــــرزايــا * فـــــقد عـــــرضت سـوقك للكساد

ومنها دالية لأبي سعيد الرستمي ذكر الثعالبي منها قوله:

أبعد ابن عباس يهش إلى السرى * أخـــــو أمـــــل أو يستماح جواد؟!

أبـــــى الله إلا أن يمـــــوتا بمـوته * فمـــــا لهـــــما حـــتى المعاد معاد

ومنها لأمية أبي الفياض سعيد بن أحمد الطبري ذكرها الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 254.

خـــــليلي كـــــيف يقبلك المقيل ؟ * ودهـــــرك لا يقـــــيل ولا يقيل

يـــــنادي كـــــل يـــــوم فـــي بنيه *: ألا هبـــــوا فـــــقد جد الرحيل

وهـــــم رجـــــلان منتــظر غفول * ومبـــــتدر إذا يـــــدعى عجـول

كـــــأن مثال مـــــن يفـنى ويبقى * رعـــــيل ســـــوف يتـلوه رعيل

5 فهــــم ركب وليس لهم ركاب * وهـــــم سفــــر وليس لهم قفول

تـــــدور عـــليهم كــــأس المنايا * كما دارت على الشرب الشمول

ويحـــــدوهم إلـــــى الميعـاد حاد * ولكـــــن ليـــــس يقـــدمهم دليل

ألـــــم تــــر من مضى من أولينا * وغـــــالتهم مـــــن الأيــام غول

 

/ صفحة 77 /

قـــــد احـــــتالوا فما دفع الحويل * وأعولنا فما نفع العــــــويل؟!؟!

كـــــذاك الدهـــــر أعمـــار تزول * وأحـــــوال تحـــــول ولا تـــؤول

10 لنا منـــــه وإن عــفنا وخفنا * رســـــول لا يــــصاب لديه سول

وقـــــد وضـــح السبيل فما لخلق * إلى تـــــبديله أبـــــدا ســـبـــــيل

لعـــــمرك إنـــــه أمـــــد قصــــير * ولكـــــن دونـــــه أمـــــد طــويل

أرى الاســـــلام أسلمـــــه بـــنوه * وأسلمهـــــم إلـــــى ولـــه يهول

أرى شمـــــس النهــار تكاد تخبو * كـــــأن شعـــــاعها طــرف كليل

15 أرى القمر المنير بـدا ضئيلا * بلا نـــــور فـــــأضناه النـــــحول

أرى زهـــــر النجــــــوم محدقات * كأن ســـــراتها عـــــور وحـــول

أرى وجـــــه الزمـــان وكل وجه * بـــــه مما يكـــــابده فـــــلـــــــول

أرى شـــــم الجــــــبال لها وجيب * تكـــــاد تـــــذوب مــــنه أو تزول

وهـــــذا الجـــــو أكـــلف مقشعر * كـــــأن الجـــــو مــــن كمد عليل

20 وهذي الــريح أطيبها سموم * إذا هبـــــت وأعـــــذبها بـــــلــيل

وللسحـــــب الغـــــزار بكــــل فج * دمـــــوع لا يـــــزار بها المحول

نعـــــى الناعـــي إلى الدنيا فتاها * أميـــــن الله فالدنيـــــا ثـــكـــــول

نعـــــى كـــــافي الكــــفاة فكل حر * عـــــزيز بعـــــد مصــــرعه دليل

نعـــــى كهـــــف العـفاة فكل عين * بما تـــــقذي العـــــيون بــه كحيل

25 كأن نســـــيم تربــــته سحيرا * نسيـــــم الـــــروض تقبله القبول

إذا وافـــــى أنــــوف الركب قالوا *: سحيق المسك أم ترب مهيل ؟!

آيا قمـــــر المكـــــارم والمعــالي * أبن لي كيـــف عاجلك الأفول ؟ !

أبـــــن لـــــي كيف هالك ما يهول * وغالك بعد عزك ما يغول ؟ ! ؟ !

ويـــــا مـــــن ساس أشتات البريا * وألجم من يقول ومـــــن يصــول

30 أدلت على الليالي من شكاها * وقـــــد جـــــارت عليك فمن يديل

بكـــــاك الـــــدين والــــدنيا جميعا * وأهلهمـــــا كـــــما يبكى الحمول

بكـــتك البيض والسمر المواضي * وكنـــــت تعرولها فيـــــمن تعــول

 

/ صفحة 78 /

بكتك الخيل معـــــولة ولـــــكــــن * بكـــــاها حـــــين تــــندبك الصهيل

35 قلـــــوب العالمين عليك قلب * وحـــــظك من بكـــــائهم قـــــليـــل

ولـــــي قـــــلب لصاحـــــبه وفــي * يسيـــــل وتحـــــته روح تــــسيـــل

إذا نظـــــمت يدي في الطرس بيتا * محـــــاه منـــــه منتـــــظم هطــول

فــــإن يك رك شعري من ذهولي * فذلك بعـــــض مـــــا يجني الذهول

كتبـــــت بمـــــا بكيـــت لأن دمعي * عـــــليك الـــــدهر فيــــاض همول

40 وكنـــت أعد من روحي فداء * لروحـــــك إن أريـــــد لهـــــا بـديل

أأحيـــــا بعـــــده وأقـــــر عـــــيـنا * حـــــياتي بعـــــده هـــــدر غــــلول

حـــــياتي بعـــــده مـــــوت وحـــي * وعـــــيشـــــي بعـــــده ســــم قتول

عـــــليك صـــــلاة ربــــك كل حين * تهـــــب بهـــــا مـــــن الخلد القبول

ومنها ميمية أبي القاسم غانم بن محمد بن أبي العلا الاصبهاني يقول فيها(1):

مضى نجل عباد المرتجى * فمـــــات جـميع بنــــي آدم

أوارى بقبرك أهل الزمان * فيـــــرجـــــح قبرك بالعالم

وله من قصيدة أخرى في رثاء الصاحب يقول فيها:

هي نفـــــس فـــــرقتها زفــــراتي * ودمـــــاء أرقـــــتها عـــــبراتي

لشبـــــاب عــذب المشارع ماض * ومشيـــــب جــــذب المراتع آت

زمـــــن أذرت الجـــــفون عـــليه * من شؤوني ما كان ذوب حياتي

تتلاقى من ذكـــــره فـي ضلوعي * ودموعي مصايـــــف ومشـــاتي

جاد تلك العهود كل أجـــــــش الـ * ــودق ثر الاخلاف جون السرات

بل ندى الصاحب الجليل أبي القا * سم نجـــــل الأميـــر كافي الكفاة

تـــــتـــــبارى كلـــــتا يديه عطايا * ومنـــــايا حـــــتما لعــاف وعات

ضامنـــــا سيـــــبه لغـــــنم مفـاد * مـــــوذنا سيفـــــه بـــروح مفات

وارتيـــــاح يــريك في كل عطف * ألف ألف كطـــــلحة الطــــــلحات

ويـــــد لا تـــــزال تحــــت شكور * لاثم ظـــــهرهـــــا وفـــــوق دواة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تتميم يتيمة الدهر ج 1 ص 120.

 

 

/ صفحة 79 /

ومنها تائية رثاه بها صهره السيد أبو الحسن علي بن الحسين الحسني أولها (1):

ألا إنهــــا أيــــدي المـــكــــارم شــــلــــت * ونــــفس المعــــالي إثــــر فــــقدك سلّتِ

حــــرام عــــلى الظــلماء إن هي قوضت * وحجر(2) على شمس الضحى أن تجلت

لتــــبك عــــلى كــــافي الكــــفاة مـــآثــــر * تباهــــي النجــــوم الـزهر في حيث حلّت

لقــــد فــــدحت فيــــه الــــرزايا وأوجعـت * كــــما عــــظمت منــــه العـــــطايا وجلّت

ألا هــــل أتــــى الآفــــاق آيــــة غــــمـــة * أطلــــت ؟ ! ونعــــمي أي دهـر تولت ؟ !

وهــــل تعــــلم الغــــبراء مــــاذا تضمـنت * وأعــــواد ذاك النعــش ماذا أفلت ؟ ! ؟ !

فــــلا أبصــــرت عــــيني تهــــلل بـــــارق * يحــــاكي نــــدى كفــــيك إلا استــــهلـــت

ولــــو قبــــلت أرواحــــنا عــــنــــك فــدية * لجــــدنا بهــــا عــــنــــد الفــــداء وقـــلّتِ

وقال السيد أبو الحسن محمد بن الحسين الحسني المعروف بالوصي الهمداني المترجم في يتيمة الدهر في رثائه:

مــــات المـوالي والمحـب * لأهل بــــيت أبــــي تـراب

قــــد كـان كالجبل المنيـع * لهم فصار مع التراب(3)

وله في رثائه:

نوم العيون على الجفون حرام * ودمــوعهن مـــع الدماء سجام

تبـــكي الوزير سليل عباد العلا * والـدين والقــــرآن والاســــلام

تبكيــــه مكـــة والمشاعر كلها * وحجــــيجها والنـسك والاحرام

تـبكيه طيبة والرسول ومن بها * وعــــقيقها والسهـــل والأعلام

كــافي الكفاة قضى حميدا نحبه * ذاك الإمــــام السيـــد الضرغام

مــــات المعالي والعلوم بموته * فعــــلى المعــالي والعلوم سلام

ورثاه سيدنا الشريف الرضي [ الآتي ذكره في شعراء القرن الخامس ] بقصيدة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذكرها له الحموي في معجم الأدباء والسيد في (الدرجات الرفيعة) (2) الحجر المنع.

 (3) ذكرهما له في ترجمته الثعالبي في (اليتيمة) ج 3 ص 260.

 

 

/ صفحة 80 /

شرحها أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى 392 في مجلد واحد كما ذكره الحموي في (معجم الأدباء) 5 ص 31، ولنشر القصيدة في ديوان ناظمه الشريف وفي غير واحد من المعاجم نضرب عنها صفحا أولها:

أكـــذا المنـــون يقطر الأبطالا ؟ ! * أكذا الزمان يضعضع الأجيالا ؟ !

أكــــذا تصــــاب الأسد وهي مدلة * تحمي الشبول وتمنع الأغيالا ؟ !

أكــــذا تقــام على الفرائس بعدما * ملأت هماهمها الورى أوجالا  ؟!

أكــــذا تحـط الزاهرات عن العلى * من بعد ما شأت العيون منالا ؟ !

[ القصيدة 112 بيتا ]

ومر أبو العباس الضبي بباب الصاحب بعد وفاته فقال:

أيها البــــاب لـم علاك اكتئاب ؟ ! * أيــــن ذاك الحجاب والحجاب ؟ !

أين من كان يفزع الدهر منه ؟ ! * فهــــو اليــــوم فــي التراب تراب

لا يذهب على القارئ أن استدلال مثل الصاحب أحد عمد مراجع اللغة والأدب على أفضلية أمير المؤمنين نظما ونثرا بحديث (الغدير) حجة قوية على صحة إرادة معنى للمولى لا يبارح الإمامة والخلافة كما أراد هو.

مصادر ترجمة الصاحب :

يتيمة الدهر 3 ص 169 - 267 .

فهرست ابن النديم ص 194

أنساب السمعاني. معالم العلماء

محاسن إصبهان للمافروخي الاصبهاني

نزهة الألباء في طبقات الأدباء

كامل ابن الأثير 9 ص 37

معجم الأدباء 6 ص 168 - 317

المنتظم لابن الجوزي 7 ص 179

تجارب السلف لابن سنجر ص 243

تاريخ ابن خلكان 1 ص 78

مرآة الجنان لليافعي 2 ص 441

تاريخ ابن كثير 11 ص 314

شرح دراية الحديث للشهيد

نهاية الأرب 3 ص 108

شذرات الذهب 3 ص 113

معاهد التنصيص 2 ص 162

بغية الوعاة للسيوطي ص 196

مجالس المؤمنين للقاضي ص 324

بحار الأنوار ج 10 ص 264 - 7

الدرجات الرفيعة للسيد علي خان

 

/ صفحة 81 /

أمل الآمل لشيخنا الحر العاملي

لسان الميزان لابن حجر 1 ص 413

تكملة الأمل للشيخ عبد النبي الكاظمي

منتهى المقال لأبي علي ص 56

روضات الجنات

تنقيح المقال لشيخنا المامقاني 1 ص 135

أعيان الشيعة 12 في 240 صحيفة

سفينة البحار للقمي 2 ص 13

الكنى والألقاب 2 ص 365 - 71

الطليعة في شعراء الشيعة ج 1

قال الحموي في (معجم البلدان) 6 ص 8: ذكرت أخباره مستقصاة في أخبار مردويه.

 ولأبي حيان التوحيدي المتوفى 380 رسالة [ مثالب الوزيرين ] ألفها في تعيير المترجم الصاحب وأبي الفضل ابن العميد نشرت في [ الامتاع والمؤانسة ] 1 ص 53 - 67 وقد سلب عنهما مالهما من المآثر والفضائل، وبالغ في التعصب عليهما، وجاء بأمر خداج، وأتى بمنكر من قول وزور، وفاحشة مبينة، وما أنصف وما أبر بإجماع المؤرخين، ولهتيكته هذه أسباب تجد ذكرها في أعيان الشيعة وغيره.