فهرس الجزء السابع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

الخلافة عند القوم

نعم الخلافة التي تقول بها الجماعة لا تستدعي كل ما ذكرنا فإنهم يحسبون الخليفة أي مستحوذ على الأمة يقطع السارق، ويقتص القاتل، ويكلأ الثغور، ويحفظ الأمن العام إلى ما يشبه هذه ولا يخلع بفسق، ولا ينتقد بفاحشة مبينة، ولا يعاب بجهل ، ولا يؤاخذ بعثرة، ولا يشترط فيه أي من الملكات الكريمة، وله العتبى في كل ذلك ، وليس عليه من عتب .

 

كلمة الباقلاني

قال الباقلاني في التمهيد ص 181: باب الكلام في صفة الإمام الذي يلزم العقد له .

 فإن قال قائل: فخبرونا ما صفة الإمام المعقود له عندكم ؟ قيل لهم: يجب أن يكون على أوصاف: منها أن يكون قرشيا من الصميم، ومنها: أن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، ومنها: أن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب، وتدبير الجيوش والسرايا، وسد الثغور، وحماية البيضة وحفظ الأمة، والانتقام من ظالمها ، والأخذ لمظلومها، وما يتعلق به من مصالحها : ومنها: أن يكون ممن لا تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع لضرب الرقاب والأبشار .

 ومنها: أن يكون من أمثلهم في العلم وسائر هذه الأبواب التي يمكن التفاضل فيها ، إلا أن يمنع عارض من إقامة الأفضل فيسوغ نصب المفضول، وليس من صفاته أن يكون معصوما، ولا عالما بالغيب، ولا أفرس الأمة وأشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قبائل قريش .

 وقال في صفحة 185: فإن قالوا: فهل تحتاج الأمة إلى علم الإمام وبيان شئ

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الزمر آية 9.

(2) سورة الرعد آية 16 .

(3) سورة يونس آية 135.

 

/ صفحة 137 /

خص به دونهم، وكشف ما ذهب علمه عنهم ؟ قيل لهم: لا ؟ لأنه هو وهم في علم الشريعة وحكمها سيان.

 فإن قالوا: فلماذا يقام الإمام ؟ قيل لهم: لأجل ما ذكرناه من قبل من تدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم، وإقامة الحدود، وقسم الفئ بين المسلمين والدفع بهم في حجهم وغزوهم، فهذا الذي يليه و يقام لأجله، فإن غلط في شئ منه، أو عدل به عن موضعه كانت الأمة من ورائه لتقويمه والأخذ له بواجبه .

 وقال في ص 186: قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام " بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، و تضييع الحقوق، وتعطيل الحدود " ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه و ترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله، واحتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال، وإنه قال عليه السلام: إسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلوا وراء كل بر وفاجر.

 وروي أنه قال: أطعهم وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك، وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.

 في أخبار كثيرة وردت في هذا الباب وقد ذكرنا ما في هذا الباب في كتاب " إكفار المتأولين " وذكرنا ما روي في معارضتها وقلنا في تأويلها بما يغني الناظر فيه إن شاء الله .

 وقال في 186: وليس مما يوجب خلع الإمام حدوث فضل في غيره ويصير به أفضل منه، وإن كان لو حصل مفضولا عند ابتداء العقد لوجب العدول عنه إلى الفاضل ، لأن تزايد الفضل في غيره ليس بحدث منه في الدين، ولا في نفسه يوجب خلعه، و مثل هذا ما حكيناه عن أصحابنا أن حدوث الفسق في الإمام بعد العقد له لا يوجب خلعه، وإن كان ما لو حدث فيه عند ابتداء العقد لبطل العقد له ووجب العدول .

 قال الأميني: ومما أو عز إليه الباقلاني من الأخبار الكثيرة الدالة على وجوب طاعة الأئمة وإن جاروا واستأثروا بالأموال ولا ينعزل الإمام بالفسق ما يلي .

 1 - عن حذيفة بن اليمان قال: قلت يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال: نعم. قلت: وهل وراء هذا الشر

 

/ صفحة 138 /

خير ؟ قال نعم: قلت: فهل وراء ذلك الخير شر ؟ قال: نعم. قلت: كيف يكون ؟ قال : يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس.

 قلت: كيف أصنع يا رسول الله ! إن أدركت ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع . صحيح مسلم 2 ص 119، سنن البيهقي 8: 157 .

 2 - عن عوف بن مالك الأشجعي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم يصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله ! أفلا ننابذهم عند ذلك ؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا ومن ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا تنزعن يدا من طاعة .

 صحيح مسلم 2 ص 122، سنن البيهقي 8: 159 .

 3 - سأل سلمة بن يزيد الجعفي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا ؟ قال: فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأله فقال: إسمعوا وأطعيوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم . صحيح مسلم 2 ص 119 سنن البيهقي 8: 158 .

 4 - عن المقدام: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أطيعوا أمراءكم ما كان، فإن أمروكم بما حدثتكم به ؟ فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون بطاعتكم، وإن أمروكم بشئ مما لم آمركم به فهو عليهم وأنتم منه برءاء، ذلك بأنكم إذا لقيتم الله قلتم: ربنا لا ظلم. فيقول: لا ظلم. فيقولون: ربنا أرسلت إلينا رسلا فأطعناهم بإذنك. واستخلفت علينا خلفاء(1) فأطعناهم بإذنك. وأمرت علينا أمراء فأطعناهم. قال: فيقول: صدقتم هو عليهم وأنتم منه برءاء. سنن البيهقي 8 ص 159 .

 5 - عن سويد بن غفلة قال: قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أبا أمية لعلك أن تخلف بعدي، فأطع الإمام وإن كان عبدا حبشيا، إن ضربك فاصبر، وإن

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا افتراء على الله، إن الله قط لم يستخلف ولم يأمر على الأمة أولئك الخلفاء والأمراء وإنما هم خيرة أمتهم، والشكر والعتب " عليها مهما صلحوا أو جاروا.

 

/ صفحة 139 /

أمرك بأمر فاصبر، وإن حرمك فاصبر، وإن ظلمك فاصبر، وإن أمرك بأمر ينقص دينك فقل: سمع وطاعة، دمي دون ديني.

(1) وأخذا بهذه الأحاديث قال الجمهور بعدم عزل الإمام بالفسق قال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 8: 36 في ذيل هذه الأحاديث المذكورة عن صحيح مسلم: ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد إسلام فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق - إلى أن قال: فلو طرأ على الخليفة فسق قال بعضهم: يجب خلعه إلا أن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه .

 قال الأميني: فما عذر عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم من الناكثين والمارقين في الخروج على مولانا أمير المؤمنين ؟ هبه صلوات الله عليه آوى قتلة عثمان، وعطل الحدود " معاذ الله " فأين العمل بهذه الأحاديث التي أخذتها الأمة المسكينة سنة ثابتة مشروعة: أنا لا أدري .

 

كلمة التفتازاني

وقال التفتازاني في شرح المقاصد 2: 71: ولا يشترط أن يكون " الإمام " هاشميا ولا معصوما ولا أفضل من يولى عليهم ، وقال في ص 272: إذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة واستخلاف وقهر الناس بشوكة انعقدت له الخلافة له، وكذا إذا كان فاسقا أو جاهلا على الأظهر إلا أنه يعصى فيما فعل ويجب طاعة الإمام ما لم يخالف حكم الشرع سواء كان عادلا أو جائرا .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن البيهقي 8: 159.

 

/ صفحة 140 /

 

كلمة القاضي الإيجي(1)

 قال في المواقف: الجمهور على أن أهل الإمامة مجتهد في الأصول والفروع ليقوم بأمور الدين، ذو رأي ليقوم بأمور الملك، شجاع ليقوى على الذب عن الحوزة وقيل: لا يشترط هذه الصفات لأنها لا توجد فيكون اشتراطها عبثا أو تكليفا بما لا يطاق ومستلزما للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها .

نعم: يجب أن يكون عدلا لئلا يجور. عاقلا ليصلح للتصرفات. بالغا لقصور عقل الصبي. ذكرا إذ النساء ناقصات عقل ودين. حرا لئلا يشغله خدمة السيد ، ولئلا يحتقر فيعصى، فهذه الصفات مشروط بالاجماع .

وها هنا صفات في اشتراطها خلاف، الأولى أن يكون قرشيا. الثانية: أن يكون هاشميا، شرطه الشيعة. الثالثة: أن يكون عالما بجميع مسائل الدين، وقد شرطه الإمامية الرابعة: ظهور المعجزة على يده إذ به يعلم صدقه في دعوى الإمامة ، والعصمة وبه قال الغلاة. ويبطل الثلاثة: إنا ندل على خلافة أبي بكر ولا يجب له شيئ مما ذكر(2) الخامسة: أن يكون معصوما اشترطه الإمامية والاسماعيلية، و يبطله: إن أبا بكر لا يجب عصمته اتفاقا(3) .

 

كلمة أبي الثناء

قال في مطالع الأنظار ص 470: صفات الأئمة هي تسع.

 الأولى: أن يكون الإمام مجتهدا في أصول الدين وفروعه.

 الثانية أن يكون ذا رأي وتدبير، يدير الوقايع، أمر الحرب والسلم وساير الأمور السياسية.

 الثالثة: أن يكون شجاعا قوي القلب لا يجبن عن القيام بالحرب، ولا يضعف قلبه عن إقامة الحد ولا يتهور بإلقاء النفوس في التهلكة.

 وجمع تساهلوا في الصفات الثلث وقالوا: إذا لم يكن الإمام متصفا بالصفات الثلاث ينيب من كان موصوفا بها .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إمام الشافعية القاضي عبد الرحمن الإيجي المتوفى 756 .

 (2) دليل يضحك الثكلى لأنه لا يعدوه أن يكون مصادرة بالمطلوب، وأخذ المدعى دليلا .

 (3) اقرأ واضحك أو اعطفه على ما قبله .

 (4) شمس الدين بن محمود الاصبهاني المتوفى 749.

 

/ صفحة 141 /

الرابعة: أن يكون الإمام عدلا لأنه متصرف في رقاب الناس وأموالهم وأبضاعهم فلو لم يكن عدلا لا يؤمن تعديه.

 إلخ .

 الخامسة: العقل. السادسة. البلوغ. السابعة: الذكورة. الثامنة: الحرية التاسعة: أن يكون قرشيا . ولا يشترط فيه العصمة خلافا للإسماعيلية والاثنا عشرية. لنا إمامة أبي بكر(1) . والأمة اجتمعت على كونه غير واجب العصمة، لا أقول إنه غير معصوم .

 

ما تنعقد به الإمامة

قال القاضي عضد الايجي في المواقف: المقصد الثالث فيما تثبت به الإمامة: إنها تثبت بالنص من الرسول، ومن الإمام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحل والعقد خلافا للشيعة: لنا ثبوت إمامة أبي بكر رضي الله عنه بالبيعة(2) .

 وقال: إذا ثبت حصول الإمامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أن ذلك لا يفتقر إلى الإجماع(3) إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر ، وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع من في المدينة فضلا عن إجماع الأمة.

 هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الأعصار إلى وقتنا هذا .

 وقال بعض الأصحاب: يجب كون ذلك بمشهد بينة عادلة كفا للخصام في ادعاء من يزعم عقد الإمامة له سرا قبل من عقد له جهرا، وهذا من المسائل الاجتهادية .

 ثم إذا اتفق التعدد تفحص عن المتقدم فامضي، ولو أصر الآخر فهو من البغاة ، ولا يجوز العقد لإمامين في صقع متضايق الأقطار، أما في متسعها بحيث لا يسع الواحد تدبيره فهو محل الاجتهاد .

 إنتهى ما في المواقف وقد أقره شراحه وهم: السيد الشريف الجرجاني، والمولى حسن چلبي، والشيخ مسعود الشيرواني راجع شرح المواقف 3: 265 - 7 .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما اتقنها من برهنة ويا للعحب .

 (2) انظر إلى هذا النول الذي تشابهوا في النسج عليه .

 (3) قال السيد الشريف الجرجاني: يعني من جميع أهل الحل والعقد.

 

/ صفحة 142 /

 

كلمة الماوردي

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية ص 4: اختلفت العلماء في عدد من تنعقد به الإمامة منهم على مذاهب شتى فقالت طائفة: لا تنعقد إلا بجمهور أهل العقد والحل من كل بلد ليكون الرضاء به عاما، والتسليم لإمامته إجماعا، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر رضي الله عنه على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعة قدوم غائب عنها.

وقالت طائفة أخرى: أقل من تنعقد به منهم الإمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقد ها أحدهم برضى الأربعة استدلالا بأمرين: أحدهما: أن بيعة أبي بكر رضي الله عنه انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثم تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب . وأبو عبيدة ابن الجراح. وأسيد بن حضير. وبشر بن سعد وسالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنهم. الثاني: إن عمر رضي الله عنه جعل الشورى في ستة ليعقد لأحدهم برضى الخمسة وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلمين من أهل البصرة .

 وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم برضى الاثنين ليكونوا حاكما وشاهدين كما يصح عقد النكاح بولي وشاهدين .

 وقالت طائفة أخرى: تنعقد بواحد لأن العباس قال لعلي رضي الله عنهما: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان ولأنه حكم وحكم الواحد نافذ. ا ه‍ .

 

م كلمة الجويني

 قال إمام الحرمين الجويني المتوفى 478 في " الارشاد " ص 424: باب في الاختيار وصفته وذكر ما تنعقد الإمامة به .

 إعلموا أنه لا يشترط في عقد الإمامة الإجماع، بل تنعقد الإمامة وإن لم تجمع الأمة على عقدها، والدليل عليه أن الإمامة لما عقدت لأبي بكر ابتدر لإمضاء أحكام المسلمين، ولم يتأن لانتشار الأخبار إلى من نأى من الصحابة في الأقطار، و لم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريث حامل، فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود، ولا حد محدود، فالوجه الحكم بأن الإمامة تنعقد

 

/ صفحة 143 /

بعقد واحد من أهل الحل والعقد .

 ثم قال بعض أصحابنا: لا بد من جريان العقد بمشهد من الشهود، فإنه لو لم يشترط ذلك لم نأمن أن يدعي مدع عقدا سرا متقدما على الحق المظهر المعلن . وليست الإمامة أحط رتبة من النكاح، وقد شرط فيه الاعلان، ولا يبلغ القطع، إذ ليس . يشهد له عقل، ولا يدل عليه قاطع سمعي، وسبيله سبيل سائر المجتهدات. ا ه‍ .

 وقال الإمام ابن العربي المالكي في شرح صحيح الترمذي 13 ص 229: لا يلزم في عقد البيعة للإمام أن تكون من جميع الأنام بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد على الخلاف المعلوم فيه .

 

كلمة القرطبي

 وقال القرطبي في تفسيره 1 ص 230: فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله خلافا لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد، ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك(1) ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود، قال الإمام أبو المعالي: من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر، قال: هذا مجمع عليه. ا ه‍ [.

 قال الأميني: فما المبرر عندئذ لتخلف عبد الله بن عمر. وأسامة بن زيد. وسعد ابن أبي وقاص. وأبي موسى الأشعري. وأبي مسعود الأنصاري. وحسان بن ثابت . والمغيرة بن شعبة. ومحمد بن مسلمة وبعض آخر من ولاة عثمان على الصدقات وغيرها عن بيعة مولانا أمير المؤمنين بعد إجماع الأمة عليها ؟ وما عذر تأخرهم عن طاعته في حروبه، وقد عرفوا بين الصحابة وسموا المعتزلة لاعتزالهم بيعة علي ؟(2) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كان بني هاشم كلهم، والأنصار بأجمعهم إلا رجلين، والزبير وعمار وسلمان ومقدادا وأبا ذر وآخرين كثيرين من المهاجرين المتخلفين عن بيعة أبي بكر المنكرين إياها كما فصل في محله لم يكونوا من الصحابة عن القرطبي وإلا فلا يجوز للمفسر أن يكذب وهو يعلم أن التاريخ الصحيح سيكشف الستر عن دجله .

 (2) المستدرك للحاكم 3: 115، تأريخ الطبري 5: 115، الكامل لابن الأثير 3 : 80، تأريخ أبي الفدا ج 1: 115، 171.

 

/ صفحة 144 /

 

رأي الخليفة الثاني في الخلافة وأقواله فيها

 

عن عبد الرحمن بن أبزي قال: قال عمر: هذا الأمر في أهل بدر ما بقي منهم أحد، ثم في أهل أحد ما بقي منهم أحد، وفي كذا وكذا، وليس فيها لطليق ولا لولد طليق ولا لمسلمة الفتح شيئ [ طبقات ابن سعد 3: 248 ] وفي كلمة له ذكرها ابن حجر في الإصابة 2: 305: إن هذا الأمر لا يصلح للطلقاء ولا لأبناء الطلقاء .

 وقال: لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة الجراح.

 ولو كان سالم حيا ما جعلتها شورى(1) .

 وقال لما طعن: إن ولوها الأجلح سلك بهم الطريق الأجلح المستقيم: يعني عليا.

 فقال له ابن عمر: ما يمنعك أن تقدم عليا ؟ قال: أكره أن أحملها حيا وميتا .

 [ الأنساب للبلاذري 5: 16، الاستيعاب لأبي عمر 2: 419 ] وقال: لوليتها عثمان لحمل آل أبي معيط على رقاب الناس، والله لو فعلت لفعل ولو فعل لأوشكوا أن يسيروا إليه حتى يجزوا رأسه.

 فقالوا: علي ؟ قال.

 رجل قعدد(2) قالوا: طلحة ؟ قال: ذاك رجل فيه بأو(3) قالوا: الزبير ؟ قال. ليس هناك .

 قالوا: سعد ؟ قال: صاحب فرس وقوس.

 فقالوا: عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: ذاك فيه إمساك شديد، ولا يصلح لهذا الأمر إلا معط في غير سرف، وممسك في غير تقتير .

 أخرجه القاضي أبو يوسف الأنصاري المتوفى 182 في كتابه " الآثار " نقلا عن شيخه إمام الحنفية أبي حنيفة .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد 3: 248، التمهيد للباقلاني 204، الاستيعاب لأبي عمر 2: 561، طرح التثريب 1: 49، أسد الغابة 2: 246 .

 (2) القعدد الجبان الخامل.

 كأن الخليفة نسي سوابق، مولانا أمير المؤمنين في المغازي و الحروب وعزمه الماضي وبسالته المشهودة إلى غيرها من صفاته الكمالية وتغافل عن أن الذي أقعده عن مناجزته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله هو خوف الردة من الناس بوقوع الفتنة لا حذار بارقة عمر وراعدته وشجاعته التي هو سلام الله عليه جد عليم بكمها وكيفها، نعم: الجو الخالي يبعث الانسان على أن يقول هكذا .

 (3) البأو: الكبر والتعظيم فيه.

 

/ صفحة 145 /

هذه الكلمات وما يتلوها سلسلة بلاء تشذ عن الحق والمنطق غير أنا نمر بها كراما .

 وعن ابن عباس قال: قال عمر: لا أدري ما أصنع بأمة محمد ؟ وذلك قبل أن يطعن، فقلت: ولم تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم ؟ قال: أصاحبكم ؟ يعني عليا قلت: نعم، هو أهل لها في قرابته برسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وسابقته وبلائه. فقال عمر إن فيه بطالة وفكاهة.

 قلت: فأين أنت عن طلحة ؟ قال: أين الزهو والنخوة ؟ قلت عبد الرحمن بن عوف ؟ قال: هو رجل صالح على ضعف قلت: فسعد ؟ قال: ذاك صاحب مقنب وقتال، لا يقوم بقرية لو حمل أمرها.

 قلت: فالزبير ؟ قال: لقيس مؤمن الرضى كافر الغضب شحيح.

 إن هذا الأمر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، جواد في غير سرف.

 قلت: فأين عن عثمان ؟ قال: لو وليها لحمل بني أبي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه .

 ذكره البلاذري في الأنساب 5: 16، وفي لفظ آخر له ص 17: قيل: طلحة ؟ قال: أنفه في السماء وإسته في الماء .

 

نظرة في الخلافة التي جاء بها القوم

قال الأميني: هذا ما جاء به القوم من الخلافة الإسلامية والامامة العامة فهي عندهم ليست إلا رياسة عامة لتدبير الجيوش، وسد الثغور، وردع الظالم، والأخذ للمظلوم ، وإقامة الحدود، وقسم الفئ بين المسلمين، والدفع بهم في حجهم وغزوهم، ولا يشترط فيها نبوغ في العلم زايدا على علم الرعية، بل هو والأمة في علم الشريعة سيان، و يكفي له من العلم ما يكون عند القضاة، وهؤلاء القضاء بين يديك وأنت جد عليم بعلمهم ويسعك إمعان النظر فيه من كثب، ولا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه وجوره وفجوره، ويجب على الأمة طاعته على كل حال برا كان أو فاجرا، ولا يسوغ لأحد مخالفته ولا القيام عليه والتنازع في أمره .

 فعلى هذا الأساس كان يزحزح خلفاء الانتخاب الدستوري في القضاء والافتاء عن حكم الكتاب والسنة ولم يكن هناك أي وازع، ولم يكن يوجد قط أحد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، خوفا مما افتعلته يد السياسة وجعلت به على الأفواه

 

/ صفحة 146 /

أوكية، من حديث عرفجة مرفوعا: ستكون هنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان(1) .

 ورواية عبد الله مرفوعا: ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا: يا رسول الله ! كيف تأمر من أدرك منا ذلك ؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم.

 " صحيح مسلم 2 ص 118 " وعلى هذا الأساس تمكن معاوية بن أبي سفيان من أن يجلس بالكوفة للبيعة و يبايعه الناس على البراءة من علي بن أبي طالب.

 " البيان والتبيين 2: 85 " وعلى هذا الأساس أقر عبد الله بن عمر بيعة يزيد الخمور، قال نافع: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه ومواليه.

 وفي رواية سليمان: حشمه و ولده وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة .

 زاد الزهراني: قال: وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن تبايع رجلا على بيعة الله ورسوله ثم تنصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلع ولا بايع في هذا الأمر إلا كانت الفيصل فيما بيني وبينه ، وفي لفظ: إن عبد الله بن عمر جمع أهل بيته حين انتزى أهل المدينة مع عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وخلعوا يزيد بن معاوية، فقال: إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غدرة فلان، وإن من أعظم الغدر بعد الاشراك بالله أن يبايع رجل رجلا على بيع الله ورسوله، ثم ينكث بيعته، ولا يخلعن أحد منكم يزيد، ولا يشرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون صيلما بيني وبينه(2) .

 وعلى هذا الأساس جاء عن حميد بن عبد الرحمن إنه قال: دخلت على يسير الأنصاري(الصحابي) حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: إنهم يقولون: إن يزيد ليس بخير أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أقول ذلك ولكن لإن يجمع الله أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن يفترق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يأتبك في الجماعة إلا خير(3) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 2 ص 121، سنن أبي داود 2: 283 .

(2) صحيح البخاري. 1: 166 سنن البيهقي 8: 159، 160، مسند أحمد 2 96 .

 (3) الاستيعاب 2 ص 635 أسد الغابة 5: 126.

 

/ صفحة 147 /

وعلى هذا الأساس تكلمت عائشة فيما رواه الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة : ألا تعجبين من رجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة ؟ قالت: وما تعجب من ذلك ؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة(1) وعلى هذا الأساس يوجه قول مروان بن الحكم، قال: ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي، فقيل له: ما لكم تسبونه على المنابر ؟ قال: إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك(2) .

 وعلى هذا الأساس صح قتل معاوية عبد الرحمن بن خالد لما أراد البيعة ليزيد ، إنه خطب أهل الشام وقال لهم: يا أهل الشام إنه قد كبرت سني، وقرب أجلي ، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم، إنما أنا رجل منكم فرأوا رأيكم فاصقعوا واجتمعوا وقالوا: رضينا عبد الرحمن بن خالد(3) فشق ذلك على معاوية وأسرها في نفسه، ثم إن عبد الرحمن مرض فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا وكان عنده مكينا أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها، فأتاه فسقاه فانخرق بطنه فمات، ثم دخل أخوه المهاجر ابن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له فرصدا ذلك اليهودي فخرج ليلا من عند معاوية فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه فقتله المهاجر .

 ذكره أبو عمر في الاستيعاب 2: 408 فقال: وقصته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها، ذكرها عمر بن شبه في أخبار المدينة وذكرها غيره . ا ه‍.

 وذكرها ابن الأثير في أسد الغابة 3: 289 .

 وعلى هذا الأساس يتم اعتذار شمر بن ذي الجوشن قاتل الإمام السبط فيما رواه أبو إسحاق، قال: كان شمر بن ذي الجوشن يصلي معنا ثم يقول: للهم إنك شريف تحب الشرف وإنك تعلم أني شريف فاغفر لي قلت: كيف يغفر لله لك و قد أعنت على قتل ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك فكيف نصنع ؟ إن أمراءنا هؤلاء

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور 6: 19 .

 (2) الصواعق المحرقة ص 33 .

 (3) صحابي من فرسان قريش له هدى حسن وفضل وكرم إلا أنه كان منحرفا عن علي و بني هاشم: أسد الغابة 3: 289.

 

/ صفحة 148 /

أمرونا بأمر فلم نخالفهم، ولو خلقناهم كنا شرا من هذه الحمر الشقاة(1) .

 وفي لفظ: أللهم اغفر لي فإني كريم لم تلدني اللئام.

 قلت له: إنك لسيئ الرأي والفكر تسارع إلى قتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدعو بهذا الدعاء، فقال: إليك عني فلو كنا كما تقول أنت وأصحابك لكنا شرا من الحمر في الشعاب .

 وعلى هذا الأساس جرى ما جرى على أبي بكر الطائي وأصحابه.

 قال سليمان ابن ربوة: اجتمعت أنا وعشرة من المشايخ في جامع دمشق فيهم أبو بكر بن أحمد بن سعيد الطائي فقرأنا فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فوثب علينا قريب من مائة يضربونا ويسحبونا إلى الوالي فقال لهم أبو بكر الطائي: يا سادة اسمعوا لنا إنما قرأنا اليوم فضائل علي وغدا نقرأ فضائل أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه وقد حضرتني أبيات فإن رأيتم أن تسمعوها ؟ فقالوا له:هات فأنشأ بديهاً:

حـــــب عـــــلي كلـه ضرب * يرجف من خيفـــــته القلب

ومذهبــــي حب إمام الهدى * يـــــزيد والديـن هو النصب

من غير هذا قال فهو امرؤ * ليـــــس لـــــه عـقل ولا لب

والنـــاس من يغد لأهوائهم * يسلـــــم وإلا فــالقضا نهب

قالوا: فخلّوا عنا.

 " تمام المتون للصفدي ص 188 " وعلى هذا الأساس هتكت حرمات آل الله، وأضيعت مقدسات العترة والهادية ، وسفكت دماء الأبرياء الأزكياء من شيعة أهل البيت الطاهر، وشاع وذاع لعن سيد العترة نفس النبي الأقدس، والمطهر بلسان الله، على صهوات المنابر، واتخذه خلفاء بني أمية سنة متبعة في أرجاء العالم الاسلامي، حتى وبخ معاوية سعد بن أبي وقاص لسكوته عن سب أبي السبطين مولانا أمير المؤمنين(2) حتى تمكن عبد الله بن الوليد ابن عثمان بن عفان من أن قام إلى هشام بن عبد الملك عشية عرفة وهو على المنبر فقال : يا أمير المؤمنين ! إن هذا يوم كانت الخلفاء تستحب فيه لعن أبي تراب(3) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن عساكر 6: 338، ميزان الاعتدال للذهبي 1: 449 .

 (2) راجع الجزء الثالث ص 200 ط 2.

(3) رسائل الجاحظ ص 92، أنساب البلاذري 5: 116 .

 

/ صفحة 149 /

وقال سعيد بن عبد الله لهشام بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين ! إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب فالعنه أنت أيضا(1) .

 وعلى هذا الأساس من معنى الخلافة لا عسف ولا حزازة في رأي الخليفة الأول ومن حذا حذوه من صحة اختيار المفضول على الفاضل، وتقديم المتأخر على المتقدم بأعذار مفتعلة، وأوهام مختلقة، ومرجحات واهية، وسياسة وقتية، إذ الأمر الذي لا يشترط في صاحبه شئ من القداسة الروحية، والملكات الفاضلة، والخلايق الكريمة ، والنفسيات الشريفة، ومعالم ومعارف، ومدارج ومراتب، ولا يؤاخذ هو بما فعل، ولا يخلع بتعطيل الأحكام، وترك إقامة، الحدود، ولا ينابذ ما دام يقيم في أمته الصلاة كما سمعت تفصيل ذلك كله لا وازع عندئذ من أن يكون أمثال أبي عبيدة الجراح حفار القبور حاملا لهذا العبء الثقيل، متحليا بأبراد الخلافة، ولا مانع من تقديم الخليفة الأول إياه أو صاحبه على نفسه في بدء الأمر، ولا حاجز من اختيار أي مستأهل لتنفيذ ما ذكر ص 138 مما يقام له الإمام ولو بمعونة سماسرته وجلاوزته ومن يهمه أمره، بل من له الشدة والفظاظة والعنف والتهور إلى أمثالها ربما يكون أولى من غيره مهما اقتضته السياسة الوقتية .

 واتبع الأكثرون الخليفة في تقديم المفضول على الفاضل، قال القاضي في المواقف : جوز الأكثرون إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذ لعله أصلح للإمامة من الفاضل ، إذا المعتبر في ولاية كل أمر معرفة مصالحه ومفاسده، وقوة القيام بلوازمه، ورب مفضول في علمه وعمله هو بالزعامة أعرف، وشرائطها أقوم، وفصل قوم فقالوا: نصب الأفضل إن أثار فتنة لم يجب وإلا وجب.

 وقال الشريف الجرجاني: كما إذا فرض أن العسكر والرعاية لا ينقادون للفاضل بل للمفضول.

 " شرح المواقف 3.

 279 " قال الأميني: إنا لا نريد بالأفضل إلا الجامع لجميع صفات الكمال التي يمكن اجتماعها في البشر لا الأفضلية في صفة دون أخرى، فيكون حينئذ الأفقه مثلا هو الأبصر بشئون السياسة، والأعرف بمصالح الأمور ومفاسدها، والأثبت في إدارة الصالح العام، والأبسل في مواقف الحروب، والأقضى في المحاكمات، والأخشن في ذات الله، والأرأف بضعفاء

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ ابن كثير 9: 432.

 

/ صفحة 150 /

الأمة، والأسمح على محاويج الملأ الديني، إلا أمثالها من الشرايط والأوصاف ، إذن فلا تصوير لما حسبوه من أن المفضول قد يكون أقدر وأعرف وأقوم . إلخ.

 وعلى المولى سبحانه أن لا يخلي الوقت عن إنسان هو كما قلناه، بعد أن أثبتنا إن تقييضه من اللطف الواجب عليه سبحانه، وهو عديل القرآن الكريم ولا يفترقا حتى يردا على النبي الحوض .

 وأما من لا ينقاد له من الجيش وغيره فهو كمن لا ينقاد لصاحب الرسالة، لا يزحزح بذلك صاحب الأمر عما قيضه الله له من الولاية الكبرى، بل يجب على بقية الأمة إخضاعهم كما أخضعوا أهل الردة أو من حسبوه منهم، وأن يفوقوا إليه سهم الجن كما فوقوه إلى سعد بن عبادة أمير الخزرج .

 ولم تكن للخليفة مندوحة عن رأيه في تقديم المفضول، وما كان إلا تصحيحا لخلافة نفسه، ولتقدمه على من قدسه المولى سبحانه في كتابه العزيز، ورآه نفس النبي الأقدس وقرن طاعته بطاعته، وولايته بولايته، وأكمل به الدين، وأتم به النعمة، وأمر نبيه بالبلاغ وضمن له العصمة من الناس، وهتف هاتف الوحي بولايته وأولويته بالمؤمنين من أنفسهم في محتشد رهيب بن مائة ألف أو يزيدون قائلا: يا أيها الناس ! إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه .

 ولم تكن تخفى لأي أحد فضائل أبي السبطين وملكاته وروحياته، وطيب عنصره ، وطهارة محتده، وقداسة مولده، وعظمة شأنه، وبعد شأوه في حزمه وعزمه وسبقه في الاسلام، وتفانيه في ذات الله، وأفضليته في العلم والفضائل كلها .

 نعم: على رأي الخليفة في تقديم المفضول على الفاضل وقع الانتخاب من أول يومه ، فبويع أبو بكر بعقد رجلين ليس إلا: عمر بن الخطاب وأبي عبيدة الحفار ابن الجراح، وكان الأمر أمر نهار قصي ليلا، مدبرا بين أولئك الرجال مؤسسي الانتخاب الدستوري، وما اتبعهما يوم ذاك إلا أسيد بن حضير، وبشر بن سعد، ثم دردب الناس لما عضه الشفاف(1) واتسع الخرق على الراقع، وما أدركت القويمة حتى أكلتها

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مثل يضرب لمن يمتنع مما يراد منه ثم يذل وينقاد.

 

/ صفحة 151 /

الهويمة(1) وأصبح المصلح الهضيم يقول: دع الرجل واختياره(2) وإن في الشر خيارا، ولا يجتنى من الشوك العنب .

 بويع أبو بكر ودب قمله(3) وقسمت الوظايف الدينية من أول يومه بين ثلاث : له الإمامة، وقال عمر: وإلي القضاء. قال أبو عبيدة: وإلي الفئ. وقال عمر: فلقد كان يأتي علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان(4) ولم يكن هناك من يزعم أو يفوه بأفضلية أبي بكر وعمر من مولانا أمير المؤمنين، هذا أبو بكر ينادي على صهوات المنابر : وليت ولست بخيركم، ولي شيطان يعتريني. ويطلب من أمته العون له على نفسه و إقامة أمته وعوجه(5) .

 وهذا عمر بن الخطاب ونصوصه بين يديك على أن الأمر كان لعلي غير أنهم زحزحوه عنه لحداثة سنه والدماء التي عليه(6) أو لما قاله لما عزم على الاستخلاف : لله أبوك لولا دعابة فيك.

 كما في " الغيث المنسجم للصفدي 1: 168 " وكان يدعو الله ربه أن لا يبقيه لمعضلة ليس فيها أبو الحسن، ويرى أن عليا لولاه لضل هو(7) ولولاه لهلك هو، ولولاه لافتضح هو، وعقمت النساء أن تلدن مثل علي.

 إلى كثير مما مر عنه في الجزء السادس في نوادر الأثر، ولم يكن قط يختلج في هواجس ضميره ولن يختلج " وأنى يختلج " أنه كان يماثل مولانا عليا في إحدى فضائله، أو يدانيه في شئ منها، أو يبعد عنه بقليل .

 وبعدما عرفت معنى الخلافة عند القوم، ووقفت على رأي سلفهم فيها وفي مقدمهم الخليفة الأول، هلم معي إلى التهافت بين تلكم الكلمات وبين مزاعم أخرى جنح إليها

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أصل المثل: أدرك القويمة لا تأكلها الهويمة. والمراد: إدراك الرجل الجاهل حتى لا يقع في هلكة .

 (2) مثل يضرب لمن لا يقبل الوعظ .

 (3) مثل يضرب للانسان إذا سمن وحسن حاله .

 (4) طبقات ابن سعد 3 ص 130 .

 (5) راجع ما مر في هذا الجزء ص 118 .

 (6) راجع ما مر في الجزء الأول ص 389، وفي هذا الجزء ص 80 .

 (7) التمهيد للباقلاني ص 199.

 

/ صفحة 152 /

لفيف آخر " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا " .

 قال أحمد بن محمد الوتري البغدادي في روضة الناظرين ص 2: إعلم أن جماهير أمل السنة والجماعة يعتقدون أن أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم، وأن المتقدم في الخلافة هو المقدم في الفضيلة لاستحالة تقديم المفضول على الفاضل لأنهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل، والدليل عليه: إن أبا بكر رضي الله عنه لما نص على عمر رضي الله عنه قام إليه طلحة رضي الله عنه فقال له: ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا قال أبو بكر رضي الله عنه : فركت لي عينيك، ودلكت لي عقبيك، وجئتني تكفني عن رأيي، وتصدني عن ديني أقول له إذا سألني: خلفت عليهم خير أهلك.

 فدل على أنهم كانوا يراعون الأفضل فالأفضل. ا ه‍ .

 وأنت ترى أن هذه المزعمة فيها دجل لإغراء البسطاء من الأمة المسكينة و هي تصادم رأي الجمهور ونظريات علماء الكلام منهم، وعمل الصحابة ونصوصهم ، وقبل كل شيئ رأي الخليفة أبي بكر، وكأن ما حسبه من الاستحالة قد خفي علي الخليفة وعلى من آزره على أمره، واعتنق إمامته في القرون والأجيال من بعده وكأن أفضلية الرجل الفظ الغليظ كانت تخفى على الصحابة، ولم يكن يعلمها أحد فأعرب عنها أبو بكر، وكأن التاريخ ونوادر الأثر لم تكن بين يدي(الوتري) حتى يعرف مقادير الرجال، ولا يغلو فيهم ولا يتحكم ولا يجازف في القول ولا يسرف في الكلام ويعلم بأن عمر لو كان خير الأمة وتلك سيرته ونوادر أثره فعلى الاسلام السلام .

 نعم: إنما هي أهواء وشهوات أخذ كل بطرف منها، وفتاوى مجردة هملج ورائها كل حسب ميوله، ونحن نضع عقلك السليم مقياسا بين هذين الإمامين: من نصفه نحن، ومن يقول به هؤلاء.

 فراجعه إلى أيهما يجنح، وأيا منهما يتخذه وسيلة بينه وبين ربه سبحانه، وأيهما يحق له أن يستحوذ على رقاب المسلمين ونفوسهم ونواميسهم وأحكامهم في دنياهم وأخراهم ؟ إن لم تكن في ميزان نصفته عين .

 فويل للمطففين .

 

 

/ صفحة 153 /

 

- 6 -

رأي الخليفة في القدر

 

أخرج اللالكائي في السنة عن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى أبي بكر فقال : أرأيت الزنا بقدر ؟ قال: فإن الله قدره علي ثم يعذبني ؟ قال: نعم، يا بن اللخناء ! أما والله لو كان عندي إنسان أمرت أن يجأ(1) أنفك(2) .

 قال الأميني: أترى الخليفة عرف معنى القدر الصحيح ؟ بمعنى ثبوت الأمر الجاري في العلم الأزلي الإلهي، مع إعطاء القدرة على الفعل والترك، مع تعريف الخير والشر وتبيان عاقبة الأول ومغبة الأخير .

 إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا(3) إنا هديناه النجدين(4) ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غني كريم(5) ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن الله غني حميد(6) .

 كل ذلك مع تكافؤ العقل والشهوة في الانسان مع خلق عوامل النجاح تجاه النفس الأمارة بالسوء، فمن عامل بالطاعة بحسن اختياره، ومن مقترف للمعصية بسوء الخيرة .

 فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات(7) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها(8) من اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها(9) من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون(10) فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها(11) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي، وإن اهتديت

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وجاء عنقه: ضربه، ووجأه: رضه ودقه .

(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 65 .

(3) سورة الانسان: 3.

(4) سورة البلد: 10 .

(5) سورة النمل: 40.

(6) سورة لقمان: 12 .

(7) سورة فاطر: 33.

(8) سورة يونس: 108 الاسراء: 15 .

(9) سورة الزمر: 41.

(10) سور ة الجاثية: 15 .

(11) سورة الأنعام: 104.

 

/ صفحة 154 /

فبما يوحي إلي ربي(1) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها(2) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى(3) ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين .

 فالقدر لا يستلزم جبرا وعلم المولى سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين ويأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف.

 كما لا أثر له في اختيار المكلفين، ولا يقبح معه العقاب على المعصية، ولا يسقط معه الثواب على الطاعة .

 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره(5) ونضع الموازين القسط يوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين(6) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم(7) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون(8) .

 فهل الخليفة عرف هذا المعنى من القدر، فأجاب بما أجاب ؟ لكن السائل لم يفهم ما أراده فانتقده بما انتقد، غير أنه لو كان يريد ذلك لما جابه المنتقد بالسباب المقذع والتمني بأن يكون عنده من يجأ أنفه قبل بيان المراد فيفئ الرجل إلى الحق .

 أو أن الخليفة لم يكن يعرف من القدر إلا ما ارتفعت به عقيرة جماهير من أشياعه من القول بخلق الأعمال ؟ فيتجه إذن ما قاله المنتقد سبه الخليفة أولم يسبه .

 والذي يؤثر عن ابنته عائشة هو الجنوح إلى المعنى الثاني يوم اعتذرت عن نهضتها على مولانا أمير المؤمنين، وتبرجها عن خدرها المضروب لها تبرج الجاهلية الأولى بعد أن ليمت على ذلك: بأنها كانت قدرا مقدورا وللقدر أسباب، أخرجه الخطيب البغدادي بإسناده في تاريخه 1: 160 .

 وإن كان يوقفنا موقف السادر ما يؤثر عنها فيما أخرجه الخطيب أيضا في تاريخه 5: 185 عن عروة قال: ما ذكرت عائشة مسيرها في وقعة الجمل قط إلا بكت حتى

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة سبأ: 5.

(2) سورة الاسراء: 7 .

 (3) سورة النجم: 30.

(4) سورة القصص: 85 .

 (5) سورة الزلزلة: 7، 8.

(6) سورة الأنبياء: 47 .

 (7) سورة غافر: 17.

(8) سورة آل عمران: 25.

 

/ صفحة 155 /

تبل خمارها وتقول: يا ليتني كنت نسيا منسيا(1) قال سفيان الثوري: النسي المنسي : الحيضة الملقاة .

 كأنها كانت ترى مسيرها حوبا كبيرا جديرا أن تبكي عليه مدى الدهر، وتبل بدمعها خمارها، وتتمنى ما تمنت وهذا ينافي ذلك الاعتذار البارد المأخوذ أصله عن رأي أبيها الخليفة الذي لم يجد مساغا في دفع ما يتجه عليه إلا السباب .

 

- 7 -

ترك الخليفة الضحية مخافة أن تستن

قد مر في الجزء السادس ص 177 ط 2 من الصحيح الوارد في أن أبا بكر وعمر كانا لا يضحيان كراهة أن يقتدى بهما، فيظن فيها الوجوب .

 وقد استوفينا حق القول هناك فراجع.

 

- 8 -

ردة بني سليم

عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في بني سليم ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد بن الوليد فجمع رجالا منهم في الحظائر ثم أحرقها عليهم بالنار فبلغ ذلك عمر فأتى أبا بكر فقال: تدع رجلا يعذب بعذاب الله عز وجل، فقال أبو بكر: والله لا أشيم سيفا سله الله على عدوه حتى يكون هذا الذي يشيمه، ثم أمره فمضى من وجهه ذلك إلى مسيلمة . الرياض النضرة 1 ص 100 .

 لبس في هذا الجواب مخرج عن اعتراض عمر فقد جاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم.

(المائدة آية 33) وصح عنه صلى الله عليه وآله النهي عن الإحراق وقوله: لا يعذب بالنار إلا رب النار.

 و

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وذكره ابن الأثير في النهاية 4: 151، وابن منظور في لسان العرب. 2: 196 ، والزبيدي في تاج العروس 1: 367.

 

/ صفحة 156 /

قوله: إن النار لا يعذب بها إلا الله.

 وقوله: لا يعذب بالنار إلا ربها(1): وقوله: من بدل دينه فاقتلوه(2) وقوله: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان فإنه يرجم، ورجل يخرج محاربا لله ورسوله فإنه يقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض، أو يقتل نفسا فيقتل بها .

 سنن أبي داود 2 ص 219، مصابيح السنة 2: 59، مشكاة المصابيح ص 300 .

 وأما فعل أمير المؤمنين عليه السلام بعبد الله بن سبأ وأصحابه فلم يكن إحراقا ولكن حفر لهم حفائر، وخرق بعضها إلى بعض، ثم دخن عليهم حتى ماتوا كما قال عمار الدهني: فقال عمرو بن دينار: قال الشاعر :

لتــــرم بي المنايا حيث شاءت * إذا لم ترم بي فـــــي الحفرتين

إذا مـــــا أججــــوا حطبا ونارا * هناك الموت نقدا غير دين(3)

 وأما قول أبي بكر: لا اشيم سيفا الخ.

 فهو تحكم تجاه النص النبوي، وما كان السيف أنطق من القول، ومتى شهر الله سبحانه هذا السيف صاحب الدواهي الكبرى والطامات في يومه هذا، ويومه الآخر المخزي في بني حنيفة ومع مالك بن نويرة و أهله، ويومه قبلهما مع بني جذيمة الذي تبرأ فيه رسول صلى الله عليه وآله من عمله، إلى غيرها من المخاريق والمخازي التي تغمد بها هذا السيف .

 

- 9 -

حرق الخليفة الفجاءة

قدم على أبي بكر رجل من بني سليم يقال له: الفجاءة وهو إياس بن عبد الله بن عبد باليل بن عميرة بن خفاف فقال لأبي بكر: إني مسلم وقد أردت جهاد من ارتد من الكفار فاحملني وأعني فحمله أبو بكر على ظهر وأعطاه سلاحا فخرج يستعرض الناس

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 4: 325 كتاب الجهاد باب: لا يعذب بعذاب الله، مسند أحمد 3: 494 و ج 2: 207 سنن أبي داود 2: 219، صحيح الترمذي سنن البيهقي 9: 71، 72، مصابيح السنة 2 ص 57 58، تيسير الوصول 1 ص 236 .

 (2) صحيح البخاري 10 ص 83 كتاب استتابة المرتدين، سنن أبي داود 2 ص 219، مصابيح السنة 2 ص 57 .

(3) سنن البيهقي 9 ص 71.

 

/ صفحة 157 /

المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويصيب من امتنع منهم ومعه رجل من بني الشريد يقال له: نجبة بن أبي الميثاء فلما بلغ أبا بكر خبره كتب إلى طريفة بن حاجز: إن عدو الله الفجاءة أتاني يزعم أنه مسلم ويسألني أن أقويه على من ارتد عن الاسلام فحملته وسلحته ثم انتهى إلي من يقين الخبر أن عدو الله قد استعرض الناس المسلم والمرتد يأخذ أموالهم ويقتل من خالفه منهم فسر إليه بمن معك من المسلمين حتى تقتله أو تأخذه فتأتيني به فسار إليه طريفة فلما التقى الناس كانت بينهم الرميا بالنبل فقتل نجبة بن أبي الميثاء بسهم رمي به فلما رأي الفجاءة من المسلمين الجد قال لطريفة: والله ما أنت بأولى بالأمر مني أنت أمير لأبي بكر وأنا أميره، فقال له طريفة: إن كنت صادقا فضع السلاح وانطلق إلى أبي بكر فخرج معه فلما قدما عليه أمر أبو بكر طريفة بن حاجز فقال : أخرج به إلى هذا البقيع فحرقه فيه بالنار.

 فخرج به طريفة إلى المصلى فأوقد له نارا فقذفه فيها.

 وفي لفظ الطبري: فأوقد له نارا في مصلى المدينة على حطب كثير ثم رمي فيها مقموطا.

 وفي لفظ ابن كثير: فجمعت يداه إلى قفاه وألقي في النار فحرقه وهو مقموط(1) .

 قال الأميني: القول في هذا كالذي سبقه من عدم جواز الاحراق بالنار والتعذيب بها، على أن الفجاءة كان متظاهرا بالاسلام وتلقاه الخليفة بالقبول يوم أعطاه ظهرا و سلحه، وإن كان فاسقا بالجوارح على ما انتهى إلى الخليفة من يقين الخبر، ولم يكن سيف الله مشهورا هاهنا حتى يتورع عن إغماده، ولا يدعى مثله لطريفة حتى يكون معذرا في مخالفة النص الشريف، ولعل لذلك كله ندم أبو بكر نفسه يوم مات عن فعله ذلك كما في الصحيح الآتي إنشاء الله تعالى. فإلى الملتقى .

 والعجب كل العجب من دفاع القاضي عضد الايجي عن الخليفة بقوله في المواقف .

 إن أبا بكر مجتهد، إذ ما من مسألة في الغالب إلا وله فيها قول مشهور عند أهل العلم ، وإحراق الفجاءة لاجتهاده وعدم قبول توبته لأنه زنديق ولا تقبل توبة الزنديق في الأصح وجاء بعده القوشجي مدافعا عن الخليفة بقوله في شرح التجريد ص 482: إحراقه فجاءة بالنار من غلطة في اجتهاده فكم مثله للمجتهدين ؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأريخ الطبري 3 ص 234، تأريخ ابن كثير 6 ص 319، الكامل لابن الأثير 2 ص 146 ، الإصابة 2 ص 322.

 

/ صفحة 158 /

إقرأ واضحك أو ابك.

 زه زه بالاجتهاد تجاه نص الكتاب والسنة، ومرحبا مجتهد يخالف دين الله .

 

- 10 -

رأي الخليفة في قصة مالك

سار خالد بن الوليد يريد البطاح حتى قدمها فلم يجد بها أحدا وكان مالك بن نويرة قد فرقهم ونهاهم عن الاجتماع وقال: يا بني يربوع إنا دعينا إلى هذا الأمر فأبطأنا عنه فلم نفلح، وقد نظرت فيه فرأيت الأمر يتأتى لهم بغير سياسة، وإذا الأمر لا يسوسه الناس، فإياكم ومناوأة قوم صنع لهم فتفرقوا وادخلوا في هذا الأمر ، فتفرقوا على ذلك، ولما قدم خالد البطاح بث السرايا وأمرهم بداعية الاسلام وأن يأتوه بكل من لم يجب، وإن إمتنع أن يقتلوه، وكان قد أوصاهم أبو بكر أن يأذنوا ويقيموا إذا نزلوا منزلا فإن أذن القوم وأقاموا فكفوا عنهم، وإن لم يفعلوا فلا شيء إلا الغارة ثم تقتلوا كل قتلة، الحرق فما سواه، إن أجابوكم إلى داعية الاسلام فسائلوهم فإن أقروا بالزكاة فاقبلوا منهم وإن أبوها فلا شئ إلا الغارة، ولا كلمة، فجاءته الخيل بمالك بن نويرة في نفر معه من بني ثعلبة بن يربوع من عاصم وعبيد وعرين وجعفر فاختلفت السيرة فيهم، وكان فيهم أبو قتادة فكان فيمن شهد أنهم قد أذنوا وأقاموا و صلوا، فلما اختلفوا فيهم أمر بهم فحبسوا في ليلة باردة لا يقوم لها شئ وجعلت تزداد بردا، فأمر خالد مناديا فنادى: أدفئوا أسراكم وكانت في لغة كنانة القتل فظن القوم أنه أراد القتل ولم يرد إلا الدفء فقتلوهم، فقتل ضرار بن الأزور مالكا وسمع خالد الواعية فخرج وقد فرغوا منهم فقال: إذا أراد الله أمرا أصابه، وتزوج خالد أم تميم امرأة مالك فقال أبو قتادة: هذا عملك ؟ فزبره خالد فغضب ومضى.

 وفي تاريخ أبي الفدا: كان عبد الله بن عمرو أبو قتادة الأنصاري حاضرين فكلما خالدا في أمره فكره كلامهما.

 فقال مالك: يا خالد ابعثنا إلى أبي بكر فيكون هو الذي يحكم فينا.

 فقال خالد: لا أقالني الله إن أقلتك وتقدم إلى ضرار بن الأزور بضرب عنقه .

 فقال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق وأكثر عليه في ذلك فقال: يا عمر ! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد فإني لا أشيم سيفا سله الله على الكافرين .

 

 

/ صفحة 159 /

وفي لفظ الطبري وغيره: إن أبا بكر كان من عهده إلى جيوشه أن إذا غشيتم دارا من دور الناس فسمعتم فيها أذانا للصلاة فأمسكوا عن أهلها حتى تسألوهم ما الذي نقموا، وإن لم تسمعوا أذانا فشنوا الغارة فاقتلوا وحرقوا، وكان ممن شهد لمالك بالاسلام أبو قتادة الحارث بن ربعي، وقد كان عاهد الله أن لا يشهد مع خالد بن الوليد حربا أبدا بعدها، وكان يحدث أنهم لما غشوا لقوم راعوهم تحت الليل فأخذ القوم السلاح، قال: فقلنا: إنا المسلمون.

 فقالوا: ونحن المسلمون، قلنا: فما بال السلاح معكم ؟ قالوا لنا: فما بال السلاح معكم ؟ قلنا: فإن كنتم كما تقولون ؟ فضعوا السلاح . قال: فوضعوها ثم صلينا وصلوا، وكان خالد يعتذر في قتله: إنه قال وهو يراجعه : ما أخال صاحبكم إلا وقد كان يقول كذا وكذا. قال: أو ما تعده لك صاحبا. ثم قدمه فضرب عنقه وعنق أصحابه .

 فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته، وأقبل خالد بن الوليد قافلا حتى دخل المسجد وعليه قباء له عليه صدأ الحديد، معتجرا بعمامة له قد غرز في عمامته أسهما فلما أن دخل المسجد قام إليه عمر فانتزع الأسهم من رأسه فحصلها ثم قال: أرئاء ؟ قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته، والله لأرجمنك بأحجارك ولا يكلمه خالد بن وليد ولا يظن إلا أن رأي أبي بكر على مثل رأي عمر فيه، حتى دخل على أبي بكر فلما أن دخل عليه أخبره الخبر واعتذر إليه فعذره أبو بكر وتجاوز عنه ما كان في حربه تلك.

 قال فخرج خالد حين رضي عنه أبو بكر، وعمر جالس في المسجد فقال خالد: هلم إلي يا بن أم شملة ؟ قال فعرف عمر أن أبا بكر قد رضي عنه، فلم يكلمه ودخل بيته .

 وقال سويد: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شعرا وإن أهل العسكر اثفوا برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكا فإن القدر نضجت وما نزج رأسه من كثرة شعره، وقى الشعر البشر حرها أن يبلغ منه ذلك .

 وقال ابن شهاب: إن مالك بن نويرة كان كثير شعر الرأس، فلما قتل أمر خالد برأسه فنصب اثفية لقدر فنضج ما فيها قبل أن يخلص النار إلى شؤون رأسه .

 وقال عروة: قدم أخو مالك متمم بن نويرة ينشد أبا بكر دمه ويطلب إليه في

 

/ صفحة 160 /

سبيهم فكتب له برد السبي، وألح عليه عمر في خالد أن يعزله، وقال: إن في سيفه رهقا.

 فقال: لا يا عمر ! لم أكن لاشيم سيفا سله الله على الكافرين .

 وروى ثابت في الدلائل: إن خالدا رأى امرأة مالك وكانت فائقة في الجمال فقال مالك بعد ذلك لامرأته: قتلتيني.

 يعني سأقتل من أجلك(1) ، وقال الزمخشري وابن الأثير وأبو الفدا والزبيدي: إن مالك بن نويرة رضي الله عنه قال لامرأته يوم قتله خالد بن وليد: أقتلتني.

 أي عرضتني بحسن وجهك للقتل لوجوب الدفع عنك، والمحاماة عليك، وكانت جميلة حسناء تزوجها خالد بعد قتله فأنكر ذلك عبد الله بن عمر. وقيل فيه :

أفـــــي الحـــق أنا لم تجف دماؤنا * وهذا عروسا باليمامة خالد ؟(2)

وفي تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7 ص 165: أمر خالد ضرارا بضرب عنق مالك فالتفت مالك إلى زوجته وقال لخالد: هذه التي قتلتني.

 وكانت في غاية الجمال ، فقال خالد: بل قتلك رجوعك عن الاسلام فقال مالك: أنا مسلم.

 فقال خالد: يا ضرار ! إضرب عنقه فضرب عنقه وفي ذلك يقول أبو نمير السعدي :

ألا قـــــل لحي أوطـؤا بالسنابك * تطاول هــذا الليل من بعد مالك

قــــضى خالد بغيا عليه بعرسه * وكـــــان له فيها هوى قبل ذلك

فأمضى هواه خالد غير عاطف * عـنان الهوى عنها ولا متمالك

وأصبـــح ذا أهل وأصبح مالك * إلى غير أهل هالكا في الهوالك

فلما بلغ ذلك أبا بكر وعمر قال عمر لأبي بكر: إن خالدا قد زنى فاجلده. قال أبو بكر: لا، لأنه تأول فأخطأ قال: فإنه قتل مسلما فاقتله. قال: لا، إنه تأول فأخطأ . ثم قال: يا عمر ! ما كنت لأغمد سيفا سله الله عليهم، ورثى مالكا أخوه متمم بقصائد عديدة. وهذا التفصيل ذكره أبو الفدا أيضا في تاريخه 1: 158 .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأريخ الطبري 3 ص 241، تأريخ ابن الأثير 3 ص 149، أسد الغابة 4: 295 ، تأريخ ابن عساكر 5 ص 105، 112، خزانة الأدب 1: 237، تأريخ ابن كثير 6 ص 321 ، تاريخ الخميس، 2: 233، الإصابة ج 1 ص 414 و ج ص 357 .

 (2) الفائق 2 ص 154، النهاية 3 ص 257، تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 158، تاج العروس 8 ص 75.

 

/ صفحة 161 /

وفي تاريخ الخميس 2: 233: اشتد في ذلك عمر وقال لأبي بكر: ارجم خالدا فإنه قد استحل ذلك، فقال أبو بكر: والله لا أفعل، إن كان خالد تأول أمرا فأخطأ وفي شرح المواقف: فأشار عمر على أبي بكر بقتل خالد قصاصا، فقال أبو بكر: لا أغمد سيفا شهره الله على الكفار.

 وقال عمر لخالد: لئن وليت الأمر لأقيدنك به .

 م وفي تاريخ ابن عساكر 5: 112: قال عمر: إني ما عتبت على خالد إلا في تقدمه وما كان يصنع في المال.

 وكان خالد إذا صار إليه شيئ قسمه في أهل الغنى ولم يرفع إلى أبي بكر حسابه، وكان فيه تقدم على أبي بكر يفعل الأشياء التي لا يراها أبو بكر ، وأقدم على قتل مالك بن نويرة ونكح امرأته، وصالح أهل اليمامة ونكح ابنة مجاعة بن مرارة، فكره ذلك أبو بكر وعرض الدية على متمم بن نويرة وأمر خالدا بطلاق امرأة مالك ولم ير أن يعزله وكان عمر ينكر هذا وشبهه على خالد ].