فهرس الجزء السابع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

مظاهر علم الخليفة

وأول مظهر من مظاهر علم الخليفة عند الباقلاني من المتقدمين كما في تمهيده ص 191، وعند السيد أحمد زيني دحلان من المتأخرين كما في سيرته هامش الحلبية 3: 376 هو إعلامه الناس بموت رسول الله صلى الله عليه وآله وحجاجه عمر بن الخطاب بقول العزيز الحكيم: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. الآية(1) .

 ما أذهل الرجلين عن أن الأمر لم يعضل على أي امرئ من الصحابة، وحاشاهم عن أن يكون هذا مبلغ علمهم، وقد كان حملة القرآن الكريم بأسرهم على علم من موته صلى الله عليه وآله أخذا بما أجرى الله بين البشر من الطبيعة المطردة وقضى أجلا وأجل مسمى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا، ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.

 وتمسكا بالقرآن العظيم، ونصوصه صلى الله عليه وآله الكثيرة عليه في مواقف لا تحصى، أحفلها حجة الوداع ومن هنا سميت تلك الحجة بحجة الوداع .

 ولم يكن إنكار عمر موته صلى الله عليه وآله وسلم لجهله بذلك، وقد قرأ عمر وبن زائدة عليه و على الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله الآية المذكورة قبل تلاوة أبي بكر إياها وأشفعها بقوله تعالى إنك ميت وإنهم ميتون(2) فضرب الرجل عنها وعن قارئها صفحا، وعمر وبن زائدة صحابي عظيم استخلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرت في غزواته كما في الإصابة 2 ص 523 .

 وإنما كان إنكاره ذلك وإرهابه الناس لسياسة مدبرة، وذلك صرف فكرة الشعب

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) آل عمران. آية: 144.

(2) راجع تاريخ ابن كثير 5: 243، شرح المواهب للزرقاني 8. 281.

 

/ صفحة 185 /

عن الفحص عن الخليفة إلى أن يحضر أبو بكر وكان غائبا بالسنح(1) خارج المدينة، وكان الأمر دبر بليل ، ألا ترى أن غير واحد من أعلام القوم قد اعتذروا عن إنكار عمر موته صلى الله عليه وآله سلم بغير الجهل فمنهم من قال: إن ذلك كان لتشوش البال، واضطراب الحال، والذهول عن جليات الأحوال(2) ومنهم من اعتذر بقوله: خبل عمر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: إنه والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه(3) .

 (المظهر الثاني) وجاء ابن حجر من علم الخليفة بمظاهر أخرى واحتج بها على كونه أعلم الصحابة على الإطلاق.

 منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه في صلح الحديبية عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله ألست نبي الله حقا ؟ قال: بلى قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن ؟ قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري.

 قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا.

 قال: فإنك آتيه ومطوف به.

 قال: فأتيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت: يا أبا بكر: أليس هذا نبي الله حقا ؟ قال: بلى.

 قلت: ألسنا على الله وعدونا على الباطل ؟ قال: بلى.

 قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن.

 فقال: أيها الرجل ! إنه رسول الله ولن يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق.

 فقلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال: بلى فأخبرك أنك تأتيه العام ؟ قلت: لا.

 قال: فإنك آتيه ومطوف به .

 قال الأميني: هل في هذه الرواية غير أن أبا بكر كان مؤمنا بنبوة رسول الله ، وبطبع الحال إن كل من اعتنق هذا المبدء يرى أنه صلى الله عليه وآله لا يعصي ربه وهو ناصره و أن كل ميعاد جاء به لا بد وأن يقع في الأجل المضروب له إن كان موقتا وإلا فهو يقع

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 3 ص 197، طبقات ابن سعد رقم التسلسل ط مصر: 786، تفسير القرطبي 4: 223 عيون الأثر 2: 339 .

 (2) شرح المقاصد للتفتازاني 2: 294 .

 (3) عيون الأثر لابن سيد الناس 3: 339.

 

/ صفحة 186 /

لا محالة في ظرفه الخاص به، فلا يخالجه شك إذا لم يعجل .

 هذه غاية ما يوصف به أبو بكر بهذا الحديث، وهو معنى يشترك فيه جميع المسلمين وليس من خاصته، فأي دلالة فيه على كون أبي بكر أعلم الصحابة على الإطلاق ؟ ولو كان عمر يسأل أي صحابي بسؤاله هذا لما سمع إلا لدة ما أجاب به أبو بكر ومثل ما أجاب به رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك المسلمون كلهم إلى منصرم الدنيا، فإنك لا تجد عند أحدهم ضميرا غير هذا، وإذا فاتحته بالكلام عن مثله فلا تسمع جوابا غيره، فهل فاتح عمر بن غير أبي بكر أحدا من الصحابة وسمع جوابا غير ما أجاب به ؟ حتى يستدل به على أعلميته على الإطلاق أو على التقييد .

 وهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله في صدد بيان غامض من علومه لما أجاب عمر حتى يكون إذا وافقه أبو بكر في الجواب يصبح به أعلم الصحابة على الإطلاق ؟ وابن حجر يعلم ذلك كله ولذلك تعمد بإسقاط لفظ الرواية وقال في الصواعق ص 19: هو(أبو بكر) من أكابر المجتهدين بل هو أعلم الصحابة على الإطلاق للأدلة الواضحة على ذلك منها: ما أخرجه البخاري وغيره أن عمر في صلح الحديبية سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصلح وقال: علام نعطي الدنية في ديننا فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى أبي بكر فسأله عما سأل عنه صلى الله عليه وسلم من غير أن يعلم بجواب النبي صلى الله عليه وسلم فأجابه بمثل ذلك الجواب سواء بسواء. ا ه‍ .

 يوهم ابن حجر أن هناك معضلة كشفها أبو بكر، أو عويصة من العلوم حلها مما يعد الخوض فيه من الأدلة الواضحة على أعلمية صاحبه من الصحابة على الإطلاق فليفعل ابن حجر ما شاء فإن نظارة التنقيب رقيبة عليه، والله من وراءه حسيب .

 *(المظهر الثالث) * ومن الأدلة الواضحة عند ابن حجر على أن الخليفة أعلم الصحابة على الإطلاق ما روي في الصواعق ص 19 عن عايشة مرسلا أنها قالت.

 لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشرأب النفاق، أي رفع رأسه، وارتدت العرب، وانحازت الأنصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها، أي فتتها، فما اختلفوا في لفظة إلا طار أبي بعبأها وفصلها، قالوا: أين ندفن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه .

 

 

/ صفحة 187 /

واختلفوا في ميراثه فما وجدنا عند أحد في ذلك علما فقال أبو بكر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة .

 ثم قال: قال بعضهم: وهذا أول اختلاف وقع بين الصحابة فقال بعضهم: ندفنه بمكة مولده ومنشأه، وبعضهم بمسجده، وبعضهم بالبقيع، وبعضهم ببيت المقدس مدفن الأنبياء ، حتى أخبرهم أبو بكر بما عنده من العلم، قال ابن زنجويه: وهذه سنة تفرد بها الصديق من بين المهاجرين والأنصار ورجعوا إليه فيها .

 قال الأميني: غاية ما في هذه المرسلة عن عايشة أن أبا بكر روى حديثين عن رسول الله صلى الله عليه وآله شذت روايتهما عن الحضور في ذينك الموقفين، فإن يكن بهما أبو بكر أعلم الصحابة على الإطلاق حتى من لم يحضرهما ولو بنحو من التهجم والرجم بالغيب.

 فكيف بمن روى آلافا مؤلفة من الأحاديث شذت عن أبي بكر روايتها جمعاء أو رواية أكثرها ؟ و مع ذلك لا يعد أحد منهم أعلم الصحابة أو أعلم من أبي بكر على الأقل .

 أليس هو صاحب نادرة الأب والكلالة والجد والجدتين إلى نوادر أخرى ؟ أليس هو الآخذ بالسنة الشريفة من نظراء المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة وعبد الرحمن بن سهيل إلى أناس آخرين عاديين ؟ كأن ابن حجر يقيس الناس إلى نفسه ويحسبهم ولايد حجر لا يعقلون شيئا و هم يسمعون، ألا يقول الرجل ما الذي فهمه الصحابة من هتاف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم هتف بقوله :

1 - ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة قوله صلى الله عليه وآله :

2 - ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة. وقوله صلى الله عليه وآله :

3 - ما بين حجرتي إلى منبري روضة من رياض الجنة. وقوله صلى الله عليه وآله :

4 - ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة وقوله صلى الله عليه وآله :

5 - من سره أن يصلي في روضة من رياض الجنة فليصل بين قبري ومنبري ؟ وهذه الأحاديث أخرجها باللفظ الأول البخاري(1) وأحمد، وعبد الرزاق ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حكاه الأنصاري عن نسخة من صحيحه في تحفة الباري المطبوع في ذيل إرشاد الساري 4: 412.

 

/ صفحة 188 /

وسعيد بن المنصور، والبيهقي في شعب الإيمان، والخطيب، والبزار، والطبراني، و الدارقطني، وأبو نعيم، وسمويه، وابن عساكر من طريق جابر، وسعد بن أبي وقاص، و عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري .

 راجع تاريخ الخطيب 11: 228، 290، إرشاد الساري للقسطلاني 4: 413 .

 وصحح إسناد البزار وقال: عند البزار بسند رجاله ثقات، كنز العمال 6: 254، شرح النووي لمسلم هامش الارشاد 6: 103 تحفة الباري في ذيل الارشاد 4: 412، وحكاه السمهودي في وفاء الوفا 1: 303 عن الصحيحين، وصححه من طريق البزار .

 وأخرجها باللفظ الثاني البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد، والدارقطني، و أبو يعلى، والبزار، والنسائي، وعبد الرزاق، والطبراني، وابن النجار، من طريق جابر وعبد الله بن عمر، وعبد الله المازني، وأبي بكر .

 راجع صحيح البخاري كتاب الصلاة: باب فضل ما بين القبر والمنبر وكتاب الحج، وصحيح مسلم كتاب الحج، باب: فضل ما بين قبره صلى الله عليه وسلم ومنبره، تيسير الوصول 3: 323، تمييز الطيب ص 139، فقال: متفق عليه، كنوز الدقائق ص 129، كنز العمال 6: 254، الجامع الصغير وصححه وقال: حديث متواتر كما في الفيض القدير 5: 433، تحفة الباري في ذيل الارشاد 4: 412، وفاء الوفا 1: 302، 303 وصححه بإسناد أحمد والبزار .

 وأخرجه باللفظ الثالث أحمد، والشاشي، وسعيد بن منصور، والخطيب من طريق جابر وعبد الله المازني كما في تاريخ الخطيب 3: 360، وكنز العمال 6، 254، وشرح النووي لمسلم هامش الارشاد 6: 103 .

 واللفظ الرابع تجده في الأوسط للطبراني من طريق أبي سعيد الخدري كما في إرشاد الساري 4.

 413، ووفاء الوفا 1: 303 .

 والخامس منها أخرجه الديلمي من طريق عبيد الله بن لبيد كما في كنز العمال 6 ص 254 .

 وقال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 193: قلت: كيف اختلفوا في موضع دفنه وقد قال لهم: فضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير قبري.

 وهذا تصريح بأنه

 

/ صفحة 189 /

دفن في البيت الذي جمعهم فيه وهو بيت عايشة ا ه‍ .

 وهذا الحديث أخرجه ابن سعد، وابن منيع، والحاكم، والبيهقي، والطبراني في الأوسط من طريق ابن مسعود كما في الخصايص الكبرى للحافظ السيوطي 2: 276 .

 أيرى ابن حجر أن الصحابة بعد تلكم الأحاديث كانوا غير عارفين تلك الروضة المقدسة التي أنبأهم بها نبيهم الأقدس، وأمرهم بالصلاة عليها ؟ أو يراهم إنهم عرفوا القبر والمنبر وما بينهما من الروضة، ووقفوا على حدودها من كثب أخذا منه صلى الله عليه وآله ثم اختلفوا في المدفن الشريف، فباح به أبو بكر فأصبح بذلك أعلمهم على الإطلاق ؟ على أنه لو صحت رواية الدفن لوجب أن يبوح بها رسول الله صلى الله عليه وآله لمن أوصاه بغسله ودفنه(1) لمن ولي غسله وكفنه وإجنانه(2) لمن يعلم أنه يباشر دفنه ويلي إجنانه في منتصف الليل من دون حضور غير أهله كما مر في ص 75 لا الذي يغيب عن ذلك المشهد، وغلبت على أجفانه عند ذاك سنة الكرى، وتعيين المدفن من أهم ما يوصى به عند كل أحد فضلا عن سيد البشر، وهذا الاعتبار يعاضد ما أخرجه أبو يعلى من حديث عايشة أيضا وإن يعارض حديثها عن أبيها قالت: اختلفوا في دفنه (صلى الله عليه وآله) فقال علي: إن أحب البقاع إلى الله مكان قبض فيه نبيه .

 (الخصايص الكبرى 2: 278) ولعل تجاه هذا الحديث اختلفت رواية الدفن .

 ولو كان عند دفن جثمان القداسة حوار كما نصفه ابن حجر لتناقلته الألسن و تداولته السير والمدونات نقلا عن الصحابة الحضور يوم ذاك الواقفين على الجلبة، و المستمعين للغط، ولما اختصت بوصفه صفحات الصواعق أو ما يشاكله من كتب المتأخرين ولا تفردت برواية شيئ منها عائشة، وكيف تفردت بها ؟ وهي التي تقول: ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل(3) .

 ثم إن أول مفند لهذه السنة المزعوم اطرادها هو مدفن أول الأنبياء آدم عليه السلام فإنه توفي بمكة ودفن عند الجبل الذي اهبط منه في الهند، ، وقيل بجبل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد رقم التسلسل 798، 801، الخصايص الكبرى 2: 276، 277 .

(2) طبقات ابن سعد ص 798 .

(3) راجع ما مر في 75.

 

/ صفحة 190 /

أبي قبيس بمكة(1) .

وقد اشترى إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه السلام مغارة في حبرون(2) من عفرون بن صخر فدفن فيها سارة ثم دفن فيها هو وابنه إسحاق .

 وتوفي يعقوب عليه السلام في مصر واستأذن يوسف سلام الله عليه ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر فدفنه في المغارة بحبرون(3) .

 *(المظهر الرابع) * أما رواية الإرث فسرعان ما ناقض ابن حجر فيها نفسه . فتراه يحسب ها هنا في ص 19: أنها مختصة بأبي بكر وهي من الأدلة الواضحة على أعلميته، وهو يعتقد في صفحة 21: إنه رواها علي والعباس وعثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد وأمهات المؤمنين وقال: كلهم كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك: وإن أبا بكر إنما انفرد باستحضاره أولا ثم استحضره الباقون .

 ما هذا التهافت بين كلامي الرجل ؟ وما أذهله أخيرا عما جاء به أولا ؟ وهل الأعلمية مترشحة من محض الاستحضار أو لا ؟ أو السبق إلى الهتاف به ؟ وكل منهما كما ترى لا يفيد مزية إلا في الحفظ دون العلم .

 ثم لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ذلك لوجب أن يفشيه إلى آله وذويه الذين يدعون الوراثة منه ليقطع معاذيرهم في ذلك بالتمسك بعمومات الإرث من آي القرآن الكريم والسنة الشريفة، فلا يكون هناك صخب وحوار تتعقبهما محن وإحن ولا تموت بضعته الطاهرة وهي واجدة على أصحاب أبيها(4) ويكون ذلك كله مثارا للبغضاء والعداء في الأجيال المتعاقبة بين أشياع كل من الفريقين وقد بعث هو صلى الله عليه وآله لكسح تلكم المعرات وعقد الاخاء بين الأمم والأفراد .

 ألم يكن صلى الله عليه وآله على بصيرة مما يحدث بعده من الفتن الناشئة من عدم إيقاف

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ الطبري 1: 80، 81 العرائس للثعلبي ص 29، الكامل لابن الأثير 1: 22 ، تاريخ ابن كثير 1: 98 (2) في تاريخ الطبري: جيرون والصحيح: حبرون .

 (3) تاريخ الطبري 1: 161، 169، معجم البلدان 3: 208، تاريخ ابن كثير 1: 174 . 197، 220 .

 (4) سيوافيك في هذا الجزء تفصيل ذلك.

 

/ صفحة 191 /

أهله وذويه على هذا الحكم المختص به صلى الله عليه وآله المخصص لشرعة الإرث ؟ حاشاه.

 و عنده علم المنايا والبلايا والقضايا والفتن والملاحم .

 وهل ترى أن دعوى الصديق الأكبر أمير المؤمنين وحليلته الصديقة الكبرى .

 صلوات الله عليهما وآلهما على أبي بكر ما استولت عليه يده مما تركه النبي صلى الله عليه وآله من ماله كانت بعد علم وتصديق منهما بتلك السنة المزعومة صفحا منهما عنها لاقتناء حطام الدنيا ؟ أو كانت عن جهل منهما بما جاء به أبو بكر ؟ نحن نقدس ساحتهما [ أخذا بالكتاب والسنة ] عن علم بسنة ثابتة والصفح عنها، وعن جهل يربكهما في الميزان .

 ولماذا يصدق أبو بكر في دعواه الشاذة عن الكتاب والسنة، فيما لا يعلم إلا من قبل ورثته صلى الله عليه وآله ووصيه الذي هتف صلى الله عليه وآله وسلم به وبوصايته من بدء دعوته في الأندية والمجتمعات ؟(1) ولم تكن أذن واعية لدعوى الصديقة وزوجها الطاهر بكون فدك نحلة لها من رسول الله صلى الله عليه وآله وهي لا تعلم إلا من قبلهما ؟ قال مالك بن جعونة عن أبيه أنه قال: قالت فاطمة لأبي بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل لي فدك فاعطني إياها، و شهد لها علي بن أبي طالب، فسألها شاهدا آخر فشهدت لها أم أيمن: فقال: قد علمت يا بنت رسول الله ! إنه لا تجوز إلا رجلين أو رجل وامرأتين وانصرفت .

 وفي رواية خالد بن طهمان: إن فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر رضي الله عنه: أعطني فدك فقد جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لي فسألها البينة فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي صلى الله عليه وسلم فشهد لها بذلك فقال: إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل وامرأتين(2) .

 ثم مم كان غضب الصديقة الطاهرة سلام الله عليها ؟ وهي التي جاء فيها عن أبيها الأقدس: إن الله يرضى لرضاها ويغضب لغضبها(3) أمن حكم صدع به والدها وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ؟ وحاشاها، أم لأن ذلك الحكم البات رواه عنه صديق أمين يريد بث حكم الشريعة وتنفيذه وهي مصدقة له ؟ نحاشي ساحة البضعة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثاني صفحة 278 ط 2 .

(2) فتوح البلدان للبلاذري ص 38 .

(3) راجع ج 3 ص 20 وسيأتيك في هذا الجزء.

 

/ صفحة 192 /

الطاهرة بنص آية التطهير عن هذه الخزاية، فلم يبق إلا شق ثالث وهو: إنها كانت تتهم الراوي، أو تعتقد خللا في الرواية، وتراه حكما خلاف الكتاب والسنة، وهذا الذي دعاها إلى أن لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله، حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس، ثم مهلت هنيهة حتى إذا سكن نشيج القوم ، وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله.

 ثم قالت ما قالت وفيما قالت: أنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟ يا بن أبي قحافة ! أترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد، والوعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون.

 ثم انكفأت إلى قبر أبيها صلى الله عليه وآله فقالت :

قد كان بعدك أنـــــباء وهنـــــبــــثة * لو كنــــت شاهدها لم تكثر الخطب

إنا فقـــــدناك فقــــد الأرض وابلها * واختـــــل قومك فاشهدهم ولا تغب

فليــــت بعـــدك كان الموت صادفنا * لما قضيت وحالت دونك الكثب(1)

وهذا الذي تركها غضباء على من خالفها وتدعو عليه بعد كل صلاة حتى لفظت نفسها الأخيرة صلى الله عليها كما سيوافيك تفصيله .

 وهل هذا الحكم مطرد بين الأنبياء جميعا ؟ أو أنه من خاصة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ والأول ينقضه الكتاب العزيز بقوله تعالى: وورث سليمان داود - النمل 16 - و قوله سبحانه عن زكريا: فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب - مريم 6 - .

 ومن المعلوم أن حقيقة الميراث انتقال ملك الموروث إلى ورثته بعد موته بحكم المولى سبحانه، فحمل الآية الكريمة على العلم والنبوة كما فعله القوم خلاف الظاهر لأن النبوة والعلم لا يورثان، والنبوة تابعة للمصلحة العامة، مقدرة لأهلها من أول

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بلاغات النساء لابن طيفور ص 12، شرح ابن أبي الحديد 4: 93، أعلام النساء 3: 1208.

 

/ صفحة 193 /

يومها عند بارئها، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ولا مدخل للنسب فيها كما لا أثر للدعاء والمسألة في اختيار الله تعالى أحدا من عباده نبيا والعلم موقوف على من يتعرض له ويتعلمه .

 على أن زكريا سلام الله عليه إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه " كما هو صريح الآية " من بني عمه وعصبته من الميراث، وذلك لا يليق إلا بالمال، ولا معنى لحجب الموالي عن النبوة والعلم ثم إن اشتراطه عليه السلام في وليه الوارث كونه رضيا بقوله: واجعله رب رضيا .

 لا يليق بالنبوة، إذا العصمة والقداسة في النفسيات والملكات لا تفارق الأنبياء، فلا محصل عندئذ لمسألته ذلك.

 نعم يتم هذا في المال ومن يرثه فإن وارثه قد يكون رضيا وقد لا يكون .

 وأما كون الحكم من خاصة رسول الله صلى الله عليه وآله فالقول به يستلزم تخصيص عموم آي الإرث مثل قوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين " النساء 11 " وقوله سبحانه: وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " الأنفال 75 " وقوله العزيز: إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف " البقرة 180 " ولا يسوغ تخصيص الكتاب إلا بدليل ثابت مقطوع عليه لا بالخبر الواحد الذي لم يصح الأخذ بعموم ظاهره لمخالفته ما ثبت من سيرة الأنبياء الماضين صلوات الله على نبينا وآله وعليهم .

 لا بالخبر الواحد الذي لم يخبت إليه صديقة الأمة وصديقها الذي ورث علم نبيها الأقدس، وعده المولى سبحانه في الكتاب نفسا لنبيه صلى الله عليهما وآلهما .

 لا بالخبر الواحد الذي لم ينبأ عنه قط خبير من الأمة وفي مقدمها العترة الطاهرة وقد اختص الحكم بهم وهم الذين زحزحوا به عن حكم الكتاب والسنة الشريفة .

 وحرموا من وراثة أبيهم الطاهر، وكان حقا عليه صلى الله عليه وآله أن يخبرهم بذلك، ولا يأخر بيانه عن وقت حاجتهم، ولا يكتمه في نفسه عن كل أهله وذويه وصاحبته وأمته إلى آخر نفس لفظه .

 لا بالخبر الواحد الذي جر على الأمة كل هذه المحن والإحن، وفتح عليها

 

/ صفحة 194 /

باب العداء المحتدم بمصراعيه، وأجج فيها نيران البغضاء والشحناء في قرونها الخالية ، وشق عصا المسلمين من أول يومهم، وأقلق من بينهم السلام والوئام وتوحيد الكلمة .

 جزى الله محدثه عن الأمة خيرا .

 ثم إن كان أبو بكر على ثقة من حديثه فلم ناقضه بكتاب كتبه لفاطمة الصديقة سلام الله عليها، ، بفدك ؟ غير أن عمر بن الخطاب دخل عليه فقال: ما هذا ؟ فقال: كتاب كتبته لفاطمة بميراثها من أبيها.

 فقال: مما ذا تنفق، على المسلمين وقد حاربتك العرب كما ترى ؟ ثم أخذ عمر الكتاب فشقه، ذكره سبط ابن الجوزي كما في السيرة الحلبية 3: 391 .

 وإن كان صح الخبر وكان الخليفة مصدقا فيما جاء به فما تلكم الآراء المتضاربة بعد الخليفة ؟ وإليك شطرا منها:

1 - لما ولي عمر بن الخطاب الخلافة رد فدكا إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله فكان علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها.

 فكان علي يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله جعلها في حياته لفاطمة.

 وكان العباس يأبى ذلك ويقول: هي ملك رسول الله و أنا وارثه.

 فكانا يتخاصمان إلى عمر، فيأبى أن يحكم بينهما ويقول: أنتما أعرف بشأنكما أما أنا فقد سلمتها إليكما .

 راجع صحيح البخاري كتاب الجهاد السير باب فرض الخمس ج 5: 3 - 10، صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير، باب: حكم الفئ، الأموال لأبي عبيد ص 11 ذكر حديث البخاري وبتره، سنن البيهقي 6: 299، معجم البلدان 6: 343، تفسير ابن كثير 4: 335 ، تاريخ ابن كثير 5: 288، تاج العروس 7: 166 .

*(لفت نظر) *

نحن لا نناقش فيما نجده من المخازي في أحاديث الباب كأصل التنازع المزعوم بين علي والعباس، وما جاء في لفظ مسلم في صحيحه من قول العباس لعمر: يا أمير المؤمنين ! اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن .

 أهكذا كان العباس يقذف سيد العترة الطاهر المطهر بهذا السباب المقذع وبين يديه آية التطهير وغيرها مما نزل في علي أمير المؤمنين في آي الكتاب العزيز ؟ فما العباس وما خطره عندئذ ؟ وبماذا يحكم عليه أخذا بقول النبي الطاهر ؟ من سب عليا فقد سبني، و

 

/ صفحة 195 /

من سبني فقد سب الله، ومن سب الله كبه الله على منخريه في النار ؟(1) لاها الله نحن نحاشي العباس عن هذه النسب المخزية، ونرى القوم راقهم سب مولانا أمير المؤمنين فنحتوا هذه الأحاديث وجعلوها للنيل منه قنطرة ومعذرة والله يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون.

 وإلى الله المشتكى .

 2 - أقطع مروان بن الحكم فدكا في أيام عثمان بن عفان كما في سنن البيهقي 6 : 301 وما كان إلا بأمر من الخليفة .

 3 - لما ولي معاوية بن أبي سفيان الأمر أقطع مروان بن الحكم ثلث الفدك، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي فلم يزالوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام خلافته فوهبها لعبد العزيز ابنه فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز .

 4 - ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة خطب فقال: إن فدك كانت مما أفاء الله على رسوله ولم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فسألته إياها فاطمة فقال: ما كان لك أن تسأليني وما كان لي أن أعطيك فكان يضع ما يأتيه منها في أبناء السبيل، ثم ولي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي فوضعوا ذلك بحيث وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ولي معاوية فأقطعها مروان بن الحكم فوهبها مروان لأبي ولعبد الملك فصارت لي وللوليد وسليمان فلما ولي الوليد سألته حصته منها فوهبها لي، وسألت سليمان حصته منها فوهبها لي فاستجمعتها، وما كان لي من مال أحب إلي منها، فاشهدوا أني قد رددتها إلى ما كانت عليه .

 5 - فكانت فدك بيد أولاد فاطمة مدة ولاية عمر بن عبد العزيز فلما ولي يزيد بن عبد الملك قبضها منهم فصارت في أيدي بني مروان كما كانت يتداولونها حتى انتقلت الخلافة عنهم .

 6 - ولما ولي أبو العباس السفاح ردها على عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي أمير المؤمنين .

 7 - ثم لما ولي أبو جعفر المنصور قبضها من بني حسن .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مر الايعاز إليه في الجزء الثاني ص 299 ط 2 وسيوافيك تفصيل مصادره إنشاء الله.

 

/ صفحة 196 /

8 - ثم ردها المهدي بن المنصور على ولد فاطمة سلام الله عليها .

 9 - ثم قبضها موسى بن المهدي وأخوه من أيدي بني فاطمة فلم تزل في أيديهم حتى ولي المأمون .

 10 - ردها المأمون على الفاطميين سنة 210 وكتب بذلك إلى قثم بن جعفر عامله على المدينة : أما بعد: فإن أمير المؤمنين بمكانه من دين الله وخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرابة به، أولى من استن بسنته، ونفذ أمره، وسلم لمن منحه منحة، وتصدق عليه بصدقة منحته وصدقته وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه - في العمل بما يقربه إليه - رغبته، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى فاطمة بنت رسول الله فدك، وتصدق بها عليها ، وكان ذلك أمرا ظاهرا معروفا لا اختلاف فيه بين آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تزل تدعي منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردها إلى ورثتها، ويسلمها إليهم تقربا إلى الله تعالى بإقامة حقه وعدله، وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذ أمره وصدقته ، فأمر باثبات ذلك في دواوينه، والكتاب إلى عماله، فلئن كان ينادى في كل موسم بعد أن قبض نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر كل من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك، فيقبل قوله، وتنفذ عدته، إن فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدق قولها فيما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لها .

 وقد كتب أمير المؤمنين إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره برد فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها، وما فيها من الرقيق والغلات وغير ذلك، وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، لتولية أمير المؤمنين إياهما القيام بها لأهلها .

 فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين، وما ألهمه الله من طاعته، ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاتها إن شاء الله، والسلام .

 

 

/ صفحة 197 /

وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة 210 ه‍ .

 11 - ولما استخلف المتوكل على الله أمر بردها إلى ما كانت عليه قبل المأمون راجع فتوح البلدان للبلاذري ص 39 - 41، تاريخ اليعقوبي 3: 48، العقد الفريد 2: 333، معجم البلدان 6: 344، تاريخ ابن كثير 9: 200 وله هناك تحريف دعته إليه شنشنة أعرفها من أخزم، شرح ابن أبي الحديد 4: 103، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 154، جمهرة رسائل العرب 3: 510، أعلام النساء 3: 1211 .

 كل هذه تضاد ما جاء به الخليفة من خبره الشاذ عن الكتاب والسنة، فأنى لابن حجر ومن لف لفه أن يعده من الأدلة الواضحة على علمه وهذا شأنه، فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؟ .

 

التمسك بالأفائك

والعجب العجاب قول ابن حجر في الصواعق ص 20: لا يقال بل علي أعلم من أبي بكر للخبر الآتي في فضائله: أنا مدينة العلم وعلي بابها.

 لأنا نقول: سيأتي أن ذلك الحديث مطعون فيه، وعلى تسليم صحته أو حسنه فأبو بكر محرابها.

 ورواية فمن أراد العلم فليأت الباب لا تقتضي الأعلمية فقد يكون غير الأعلم يقصد لما عنده من زيادة الايضاح والبيان والتفرغ للناس بخلاف الأعلم.

 على أن تلك الرواية معارضة بخبر الفردوس: أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها.

 فهذه صريحة في أن أبا بكر أعلمهم، وحينئذ فالأمر بقصد الباب إنما هو لنحو ما قلناه لا لزيادة شرفه على ما قلته لما هو معلوم ضرورة أن كلا من الأساس والحيطان والسقف أعلى عن الباب. ا ه‍ .

 قال الأميني: إن الطعن في حديث أنا مدينة العلم لم صدر إلا من ابن الجوزي ومن يشاكله من رماة القول على عواهنه، وقد عرفت في الجزء السادس ص 61 - 81 ط 2 نصوص العلماء على صحة الحديث، واعتبار قوم حسنه، وتقرير آخرين ما صدر ممن تقدمهم إلى ذينك الوجهين وتزييف ما ارتآه ابن الجوزي .

 وأما ما ذكره من رواية الفردوس فلا يختلف اثنان في ضعفها وضعف ما يقاربها في اللفظ مما تدرج نحته في الأزمنة المتأخرة تجاه ما يثبته هتاف النبي الأعظم من

 

/ صفحة 198 /

فضيلة العلم الرابية لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام وابن حجر نفسه من أولئك الذين زيفوه وحكموا عليه بالضعف كما في كتابه الفتاوى الحديثية ص 197 فقال: حديث ضعيف، و معاوية حلقتها فهو ضعيف أيضا.

 فأذهله لجاجه في حجاجه عن حكمه ذاك، ورأى ما حكم عليه بالضعف نصا في أعلمية أبي بكر .

 وقال العجلوني في كشف الخفا ج 1: 204: روى الديلمي في " الفردوس " بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها.

 وروى أيضا عن أنس مرفوعا: أنا مدينة العلم، علي بابها، ومعاوية حلقتها.

 قال في المقاصد: وبالجملة فكلها ضعيفة وألفاظ أكثرها ركيكة .

 وقال السيد محمد درويش الحوت في أسنى المطالب ص 73: أنا مدينة العلم، أبو بكر أساسها، وعمر حيطانها وذلك لا ينبغي ذكره في كتب العلم لا سيما مثل ابن حجر الهيثمي ذكر ذلك في الصواعق والزواجر وهو غير جيد من مثله: ا ه‍ .

 فلم يبق إذن مجال للمناقشة بالتعبير بالباب لمولانا صلوات الله عليه وبالأساس و الحيطان والسقف والحقلة لغيره، حسب المسكين ناحت هذه المهزأة مدينة خارجية يرمق إليها، ويتجول بين جدرانها، ويتفيأ تحت سقفها، ويدق بابها بالحلقة، وقد عزب عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن السبب الوحيد للاستفادة من علوم النبوة هو خليفته مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، كما أن المدخل الوحيد للمدنية بابها، فهو معنى كنائي جيئ به لإفادة ما ذكرناه، والأساس لا فضيلة له غير أنه يقوم عليه سياج المدينة المشاد للوقاية عن الغارات والسرقات، وأما معنويات المدنية فلا صلة لها بشئ من ذلك، والاستفادة بالسقف على فرض تصويره في المدن ليس إلا الاستظلال ودفع عايدة الحر والقر ولذلك لا يسقف إلا المحال التي يتصور فيها ذلك كالبيوت والحمامات والحوانيت والربط وأمثالها.

 فقاصد المدينة للاستفادة مما فيها من علم أو ثروة أو أي من أقسام النفع معنوية ومادية لا يتوصل بها إلا بالدخول من الباب، فهو أهم مما جاء به ابن حجر من الأساس والجدار والسقف وأما الحلقة فيحتاج إليه لفتح الباب وسده و الدق إذا كان مرتجا غير أن باب علم النبوة غير موصود، ولا يزال مفتوحا على البشر بمصراعيه أبد الدهر .

 

 

/ صفحة 199 /

ثم إن من الواضح أن المراد من التعبير بالباب ليس الولوج والخروج فحسب وإنما هو الاستفادة والأخذ، ولا يتم هذا إلا أن يكون عنده كل علم النبوة الذي أراد صلى الله عليه وآله سوق الأمة إليه، وحصر الطريق إلى ذلك بمن عبر عنه بالباب تأكيدا للحصر ثم زاد في التأكيد بقوله: فمن أراد المدينة فليأت الباب .

 فعلي أمير المؤمنين هو الباب المبتلى به الناس، ومن عنده كل علم النبوة وكل ما يحتاج إليه البشر من فقه أو عظة أو خلق أو حكم أو حكم أو سياسة أو حزم أو عزم، فهو أعلم الناس لا محالة، وأما زيادة الايضاح والبيان والتفرغ للناس، فلا يجوز أن تنفك عمن سيق إليه البشر لغاية التفهم، وإزاحة الجهل، لا لمحض البيان وجودة السرد، لأن وضوح البيان بمجرده غير واف للغرض، لارتباك صاحبه عند الجهل بما يقدم إليه من المعضلات، كارتباك الأعلم عند التفهيم إذا أعوزه البيان عن الإفهام، فمن الواجب أن يجتمعا في إنسان واحد الذي هو مرجع الأمة جمعاء، وهو قضية اللطف الواجب عليه سبحانه، فذلك الانسان هو عدل الكتاب العزيز وهما الثقلان خليفتا النبي الأقدس لا يتفرقا حتى يردا عليه الحوض، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر

 

 

 

/ صفحة 200 /

 

- 2 -

شجاعة الخليفة

لم يؤثر عن الخليفة قبل الاسلام مشهد يدل على فروسيته، كما أنه لم نجد له في مغازي النبي صلى الله عليه وآله مع كثرتها وشهوده فيها موقفا يشهد له بالبسالة، أو وقفة تخلد له الذكر في التاريخ، أو خطوة قصيرة في ميادين تلك الحروب الدامية تعرب عن شئ من هذا الجانب الهام غير ما كان في واقعة خيبر من فراره عن مناضلة مرحب اليهودي كصاحبه عمر بن الخطاب، قال علي وابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر إلى خيبر فرجع منهزما ومن معه، فلما كان من الغد بعث عمر فرجع منهزما يجبن أصحابه ويجبنه أصحابه .

 أخرجه الطبراني والبزار كما في مجمع الزوائد 9: 124 ورجال إسناد البزار رجال الصحيح غير محمد بن عبد الرحمن ومحله الصدق، وذكر انهزام الرجلين يوم خيبر القاضي عضد الايجي في المواقف وأقره شراحه كما في شرحه 3: 276، وذكره القاضي البيضاوي في طوالع الأنوار كما في المطالع ص 483 .

 ويعرب عن فرارهما يوم ذاك قول رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ما فرا: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه ليس بفرار.

 وفي لفظ: كرار غير فرار.

 وفي لفظ: والذي كرم وجه محمد لأعطينها رجلا لا يفر ، وفي لفظ: لأدفعن إلى رجل لن يرجع حتى يفتح الله له.

 وفي لفظ: لا يولي الدبر(1) .

 وقال ابن أبي الحديد المعتزلي فيما يعزى إليه من القصيدة العلوية :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 6: 191، صحيح مسلم 2: 324، طبقات ابن سعد ص 618، 630 رقم التسلسل ط مصر، مسند أحمد 1: 284، 185، 353، 358، خصائص النسائي ص 4 - 8، سيرة ابن هشام 3: 386، مستدرك الحاكم 3: 109، حلية الأولياء 2: 62 ، أسد الغابة 4: 21، الامتاع للمقريزي ص 314، تاريخ ابن كثير 4: 185 - 187، تيسير الوصول 3: 227، الرياض النضرة 2: 184 - 188.

 وهناك مصادر كثيرة تأتي في محلها إنشاء الله تعالى.

 

/ صفحة 201 /

ومـــــا أنـــــس لا أنـس اللذين تقدما * وفـــــرهما والفــــر قد علما حوب(1)

وللـــــراية العـــــظمى وقــد ذهبا بها * مـــــلابس ذل فـــــوقها وجـــــلابـيـــب

يشلهـــــما مـــــن آل مـوسى شمردل * طـــــويل نجاد السيف أجيد يعبوب(2)

يمـــــج منـــــونا سيـــــفه وسنـــــانه * ويلهب نـــــارا غـــــمده والأنابــــيــب

أحضــــرهما أم حـضر أخرج خاضب * وذان هما أم ناعم الخد مخضوب(3)

عــــــذرتكما إن الحـــــمام لمبغـــض * وإن بقـــــاء النــــفس للنفس محبوب

ليكـــــره طعــم الموت والموت طالب * فكـــــيف يلـذ الموت والموت مطلوب

ومما ينبأنا عن هذا الجانب حديث كع الخليفة عن ذي الثدية لما أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بقتله وهو في صلاته غير شاك السلاح، فرأى مخالفة الأمر النبوي أهون من قتل الرجل، فآب إليه صلى الله عليه وآله وسلم معتذرا بما سيوافيك تفصيله إنشاء الله .

 نعم يراه ابن حزم في كتاب " المفاضلة بين الصحابة " ومن لف لفه أشجع الصحابة على الإطلاق ونحتوا له حديثا على أمير المؤمنين أنه قال: أخبروني من أشجع الناس ؟ فقالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحدا إلا انتصفت منه ولكن أخبروني بأشجع الناس ؟ قالوا: لا نعلم: فمن ؟ قال: أبو بكر، أنه لما كان يوم بدر فجعلنا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عريشا فقلنا: من يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا يهوي إليه أحد من المشركين ؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبا بكر شاهرا بالسيف على رأس رسول الله لا يهوي إليه أحد إلا هوى إليه، فهو أشجع الناس. الحديث(4) .

 ليت القوم لم يحذفوا سند هذه الأثارة المفتعلة وكانوا يروونها بالإسناد حتى نعرف الملأ العلمي بالذي اختلقها، وحسبنا أن الحافظ الهيثمي ذكرها بلا إسناد في

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحوب: الإثم .

 (2) شمردل مر في ص 52، يريد من طول النجاد طول القامة. الأجيد: الطويل الجيد و هو العنق. اليعبوب، الفرس الكثير الجرى أطلق على مرحب هذه اللفظة لشدته وسرعة حركته .

 (3) الحضر: العدو. الأخرج: ذكر النعام الذي فيه بياض وسواد. الخاضب: الذي أكل الربيع فاحمر طنبوباه أو اصفر. ناعم الخد مخضوب: كناية عن المرأة. يعني: هما رجلان أم أمرأتان في ضعفهما ورقة قلوبهما ؟ .

(4) الرياض النضرة 1: 92، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 25.

 

/ صفحة 202 /

مجمع الزوايد 9: 461 وضعفه وقال: فيه من لم أعرفه .

 وتكذبها صحيحة ابن إسحاق قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم بدر " في العريش وسعد بن معاذ قائم على باب العريش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متوشح السيف في نفر من الأنصار يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم يخافون على كرة العدو(1) .

 ثم إن حراسة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن تنحصر بيوم بدر ولا بأبي بكر بل في كل موقف من مواقفه صلى الله عليه وآله كان يتعهد أحد من الصحابة بحراسته، فكانت الحراسة لسعد بن معاذ ليلة البدر وفي يومه لأبي بكر على ما ذكره الحلبي في السيرة 3: 353، ولمحمد بن مسلمة يوم أحد، وللزبير بن العوام يوم الخندق، وللمغيرة بن شعبة يوم الحديبية ، ولأبي أيوب الأنصاري ليلة بنى بصفية ببعض طرق خيبر، ولبلال وسعد بن أبي وقاص وذكوان بن عبد قيس بوادي القرى، ولابن أبي مرثد الغنوي ليلة وقعة حنين(2) .

 وكانت هذه السيرة في الحراسة مستمرة إلى أن نزل قوله تعالى في حجة الوداع والله يعصمك من الناس.

 فترك الحرس(3) فأبو بكر رديف أولئك الحرسة بعد تسليم ما جاء في حراسته .

 ولو صدق النبأ وكانت يوم بدر لأبي بكر تلك الأهمية الكبرى لكان هو أولى وأحق بنزول القرآن فيه يوم ذاك دون علي وحمزة وعبيدة لما نزل فيهم ذلك اليوم : هذان خصمان اختصموا في ربهم.

 سورة الحج: 19(4) ولو صحت المزعمة لما خص علي وحمزة وعبيدة بقوله تعالى: من المؤمنين رجال

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عيون الأثر لابن سيد الناس 1: 258 .

(2) عيون الأثر 2: 316، المواهب اللدنية 1: 283، السيرة الحلبية 3: 354، شرح المواهب للزرقاني 3: 204 .

(3) مستدرك الحاكم 2: 313، تفسير القرطبي 6: 244، تفسير ابن جزى الكلبي 1 : 173، تفسير ابن كثير 2: 78، الخصايص الكبرى 1: 126 عن الترمذي والحاكم البيهقي وأبي نعيم .

(4) صحيح البخاري 6: 98 كتاب التفسير صحيح مسلم 2: 550، طبقات ابن سعد ص 518 ، مستدرك الحاكم 2: 386 وصححه هو والذهبي، تفسير القرطبي 12: 25، 26، تفسير ابن كثير 3: 212، تفسير ابن جزى 3: 38 تفسير الخازن 3: 298.

 

/ صفحة 203 /

صدقوا ما عاهدوا الله عليه الآية.

 الأحزاب: 23(1) ولما نزل في علي أمير المؤمنين قوله تعالى: هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين " سورة الأنفال: 62 " ولما ورد فيها ما ورد عن النبي الأعظم مما أسلفناه في الجزء الثاني ص 46 - 51 .

 ولما خص لمولانا علي قوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله " سورة البقرة: 207 " كما ذكره القرطبي في تفسيره 3: 21 وفصلنا القول فيه في الجزء الثاني ص 47 - 49 ط 2 .

 وكان حقا على رضوان منادي الله يوم بدر بقوله :

لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فـــتــــى إلا علي

أن ينوه باسم أبي بكر وبسيفه المشهور على رأس رسول الله صلى الله عليه وآله ثم هل تنحصر مغازي النبي الأعظم وحروبه الدامية ببدر ؟ وهل العريش كان في البدر فحسب دون ساير الغزوات ؟ وهل سيد العريش النبي الأعظم كان يلازم عريشه ولم يحضر قط في ميادين القتال ؟ أو كان ينزل بالمعارك ويستخلف صاحبه على العريش ؟ ما أعوز النبي الأعظم يوم خيبر مجاهد كرار غير فرار لا يولي الدبر، و كان معه الخليفة الأشجع ؟ أكان فرارا غير كرار ؟ ومن المعني في قول المؤرخين من أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع لواءه لرجل من المهاجرين فرجع ولم يصنع شيئا ؟(3) أهذا الرجل وصاحبه نكرتان لا يعرفان ؟ لا ها الله .

 وأين كان الأشجع ؟ يوم خرجت كتائب اليهود يقدمهم ياسر فكشف الأنصار حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في موقفه، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و أمسى مهموما(4) .

 ولماذا بعث صلى الله عليه وآله يوم ذاك - وكان الأشجع معه - سلمة بن الأكوع إلى علي ؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما مر في الجزء الثاني ص 51 ط 2 .

 (2) راجع ما أسلفناه في الجزء الثاني صفحة 59 - 61 ط 2 .

 (3) الامتاع للمقريزي ص 313، السيرة الحلبية 3 ص 39 .

 (4) الامتاع للمقريزي ص 314، السيرة الحلبية 3 ص 39.

 

/ صفحة 204 /

وكان قد تخلف بالمدينة لرمد عينيه، وكان لا يبصر موضع قدمه فذهب إليه سلمة وأخذ بيده يقوده(1) وملأ المسامع قوله صلى الله عليه وآله لأعطين الراية إلى رجل كرار غير فرار .

 أكان الأشجع في العريش يوم خيبر ؟ لما قاتل المصطفى بنفسه يومه ذلك أشد القتال وعليه درعان وبيضة مغفر، وهو على فرس يقال له: الظرب(2) وفي يده قناة وترس كما في السيرة الحلبية 3 ص 39 .

 أكان الأشجع في العريش يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ؟ حتى خلص العدو إلى رسول الله فدث بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته، وشج في وجهه، وكلمت شفته، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم(3) .

 أكان الأشجع في العريش ؟ يوم قال فيه علي: لما تخلى الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله يوم أحد نظرت في القتلى فلم أر رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: والله ما كان ليفر وما أراه في القتلى، ولكن الله غضب علينا بما صنعنا، فرفع نبيه، فما في خير من أن أقاتل حتى أقتل ، فكسرت جفن سيفي ثم حملت على القوم فأفرجوا لي فإذا برسول الله بينهم.

 وقد أصابت عليا يوم ذاك ستة عشر ضربة كل ضربة تلزمه الأرض فما كان يرفعه إلا جبريل . " أسد الغابة 4: 20 " .

أكان الأشجع في العريش يوم وقع رسول الله في حفرة من الحفر التي عمل أبو عامر ليقع فيها المسلمون وهم لا يعلمون ؟ فأخذ علي بن أبي طالب بيده صلى الله عليه وآله واحتضنه ورفعه طلحة حتى استوى قائما(4) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم 2: 102، سنن البيهقي 9: 131، الرياض النضرة 2: 186، السيرة الحلبية 3: 41، شرح المواهب للزرقاني 2: 223 .

 (2) من أشهر خيله صلى الله عليه وآله وأعرفها، سمي بذلك لكبره أو لسمنه أو لقوته وصلابته تشبيها له بالجبل. قالوا: أهداه له صلى الله عليه وآله وسلم فروة ابن عمرو الجذامي. أو: ربيعة بن أبي البراء. أو: جنادة بن المعلى .

 (3) سيرة ابن هشام 3: 27، طبقات ابن سعد رقم التسلسل 549، تاريخ ابن كثير 4: 23 ، 29، امتاع المقريزي ص 135، شرح المواهب للزرقاني 2: 37 .

 (4) سيرة ابن هشام 3: 27، الامتاع المقريزي ص 135، تاريخ ابن كثير 4 ص 24 ، عيون الأثر 2: 12.

 

/ صفحة 205 /

أكان الأشجع في العريش يوم رأي رسول الله في ميدان النزال وهو لابس درعين : درعه ذات الفضول ودرعه فضة، أو يوم حنين وله درعان: درعه ذات الفضول والسعدية .

 " شرح المواهب للزرقاني 2: 24 " أكان الأشجع في العريش يوم ضرب وجه النبي بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها ؟ " المواهب اللدنية 1: 124 " أكان الأشجع في العريش يوم بايع رسول الله على الموت ثمانية ؟ هم: علي ، والزبير، وطلحة، ، وأبو دجانة، والحارث بن الصمة، وحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت ، وسهل بن حنيف، ورسول الله يدعوهم في أخراهم.

 " الامتاع للمقريزي ص 132 " أكان الأشجع في العريش يوم كان علي يذب عن رسول الله من ناحية، وأبو دجانة مالك بن خرشة من ناحية، وسعد بن أبي وقاص يذب طائفة، والحباب بن المنذر يحوش المشركين كما تحاش الغنم ؟ " الامتاع للمقريزي ص 143 " أكان الأشجع في العريش يوم حمى الوطيس، وجلس رسول الله صلى الله عليه وآله تحت راية الأنصار ؟ وأرسل إلى علي أن قدم فقدم علي وهو يقول: أنا أبو القصم(2) .

 أكان الأشجع في العريش يوم انتهى رسول الله إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: اغسلي عن هذا دمه يا بنية فوالله صدقني اليوم ؟ يوم ملأ علي درقته ماء من المهراس فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليشرب منه، وغسل عن وجهه الدم وصب على رأسه، و أخذت فاطمة(سلام الله عليها) قطعة حصير فأحرقته فألصقته عليه فاستمسك الدم(3) .

 أكان الأشجع في العريش لما ملأ الفضاء نداء جبرئيل ؟

لا سيف إلا ذو الفقار * ولا فـــــتى إلا عـلي

أكان الأشجع في العريش يوم نظم حسان بن ثابت :

جبــــريل نادى معلنا * والنقع ليس بمنجلي

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(2) سيرة ابن هشام 3: 19، شرح المواهب للزرقاني 2: 31 .

 (3) طبقات ابن سعد 3: 90 رقم التسلسل 252، سيرة ابن هشام 3: 34، 51، الامتاع ص 138، تاريخ ابن كثير 4: 35، عيون الأثر 2: 15، المواهب اللدنية 1: 125، شرح الزرقاني 2: 56.

 

/ صفحة 206 /

والمسلمون قد أحدقوا * حــــول النبـي المرسل

لا سيــف إلا ذو الفقار * ولا فتـــى إلا علي(1)

أكان الأشجع في العريش يوم حمراء الأسد ؟ وقد خرج صلى الله عليه وآله وهو مجروح في وجهه، مشجوج في جبهته، ورباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، وهو متوهن منكبه الأيمن من ضربة ابن قميئة، وركبتاه مجحوشتان.(طبقات ابن سعد رقم التسلسل 553) .

 أكان الأشجع في العريش يوم حنين ؟ لما حمى الوطيس وفر الناس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبق معه إلا أربعة: ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم: علي ابن أبي طالب والعباس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر، ولا يقبل أحد من المشركين جهته صلى الله عليه وآله وسلم إلا قتل.

(السيرة الحلبية 3: 123) .

 أكان الأشجع في العريش يوم الأحزاب ؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ينقل مع صحبه من تراب الخندق وقد وارى التراب بياض بطنه ويقول :

لاهم لولا أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنـــا ولا صليــنا

فأنـــــزلن سكيــنة علينا * وثبــــت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى لقد بغوا علينا * إذا أرادوا فتــنــــة أبينا

(طبقات ابن سعد رقم التسلسل 575، تاريخ ابن كثير 4: 96) .

 أكان الأشجع في العريش يوم قال صلى الله عليه وآله وسلم: لضربة علي خير من عبادة الثقلين وفي لفظ: قتل علي لعمرو أفضل من عبادة الثقلين.

 وفي لفظ: لمبارزة علي لعمرو بن ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة ؟(2) .

 نعم: للرجل موقف يوم أحد لما طلع يومئذ عبد الرحمن بن أبي بكر(وكان من المشركين) فقال: من يبارز وارتجز يقول :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع ما مر في الجزء الثاني صفحة 59 - 61 ط 2 .

(2) مستدرك الحاكم 3: 32، المواقف للقاضي الإيجي 3: 276، كنز العمال 6: 158 ، السيرة الحلبية 2: 349 وهناك كلمة ردا على ابن تيمية في رده على هذا الحديث، هداية المرتاب في فضايل الأصحاب ص 148.

 

/ صفحة 207 /

لم يبـــق إلا شـكة ويعبوب * وصارم يقتل ضلال الشيب

فنهض إليه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول: أنا ذلك الأشيب ثم ارتجز فقال :

لم يبق إلا حسبي وديني * وصارم تقضي به يميني

فقال له عبد الرحمن: لولا أنك أبي لم أنصرف.الامتاع ص 144.