فهرس الجزء السابع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

حجاج بالعريش

قال المحاملي: كنت عند أبي الحسن بن عبدون وهو يكتب لبدر، وعند جمع فيهم أبو بكر الداودي وأحمد بن خالد المادرائي - فذكر قصة مناظرته مع الداودي في التفصيل إلى أن قال -: فقال الداودي: والله ما نقدر نذكر مقامات علي مع هذه العامة.

 قلت : أنا والله أعرفها مقامه ببدر، وأحد، الخندق، ويوم حنين، ويوم خيبر.

 قال: فإن عرفتها ينفعني أن تقدمه علي أبي بكر وعمر، قلت: قد عرفتها ومنه قدمت أبا بكر وعمر عليه.

 قال : من أين ؟ قلت: أبو بكر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم على العريش يوم بدر مقامه مقام الرئيس ، والرئيس ينهزم به الجيش، وعلي مقامه مقام مبارز، والمبارز لا ينهزم به الجيش .

 ذكره الخطيب في تاريخه 8: 21، وابن الجوزي في المنتظم 6: 327، وأحسب أن مبتدع هذه الباكورة، ومؤسس فكرة العريش والاستدلال بها في التفضيل هو الجاحظ قال في خلاصة كتاب العثمانية ص 10: والحجة العظمى للقائلين بتفضيل علي قتله الاقران وخوضه الحروب، وليس له في ذلك كبير فضيلة، لأن كثرة القتل و المشي بالسيف إلى الأقران لو كان من أشد المحن وأعظم الفضائل وكان دليلا على الرياسة والتقدم، لوجب أن يكون للزبير وأبي دجانة ومحمد بن مسلمة وابن عفراء و البراء بن مالك من الفضل ما ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! لأنه لم يقتل إلا رجلا واحدا ولم يحضر الحرب يوم بدر ولا خالط الصفوف، وإنما كان معتزلا عنهم في العريش و معه أبو بكر.

 وأنت ترى الرجل الشجاع قد يقتل الاقران، ويجندل الأبطال، وفوقه من العسكر من لا يقتل ولا يبارز وهو الرئيس، أو ذو الرأي والمستشاري في الحرب، لأن للرؤساء من الاكتراث والاهتمام وسعل البال والعناية والتفقد ما ليس لغيرهم، ولأن الرئيس هو المخصوص بالمطالبة وعليه مدار الأمور، وبه يستبصر المقاتل ويستنصر، وباسمه ينهزم العدو، ولو لم يكن له إلا أن الجيش لو ثبت وفر هو لم يغن ثبوت الجيش كله وكانت الدبرة

 

/ صفحة 208 /

عليه، ولو ضيع القوم جميعا وحفظ هو لانتصر وكانت الدولة له، ولهذا لا يضاف النصر ، والهزيمة إلا إليه.

 ففضل أبي بكر بمقامه في العريش مع رسول الله يوم بدر أعظم من جهاد علي ذلك اليوم وقتله أبطال قريش. ا ه‍ .

 قال الأميني: نحن لا ننبس في الجواب عن هذه الأساطير المشمرجة ببنت شفه ، وإنما نقتصر فيه بما أجاب به عنها أبو جعفر الاسكافي المعتزلي البغدادي المتوفى 240 قال في الرد عليها(1) : لقد اعطي أبو عثمان مقولا وحرم معقولا، إن كان يقول هذا على اعتقاد و جد، ولم يذهب به مذهب اللعب واللهو، أو على طريق التفاصح والتشادق وإظهار القوة والسلاطة وذلاقة اللسان وحدة الخاطر والقوة على جدال الخصوم.

 ألم يعلم أبو عثمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أشجع البشر وأنه خاض الحروب وثبت في المواقف التي طاشت فيها الألباب، وبلغت القلوب الحناجر ؟ فمنها يوم أحد ووقوفه بعد أن فر المسلمون بأجمعهم ولم يبق معه إلا أربعة: علي. والزبير. وطلحة. وأبو دجانة، فقاتل ورمي بالنبل حتى فنيت نبله وانكسرت سية قوسه، وانقطع وتره، فأمر عكاشة بن محصن أن يوترها فقال: يا رسول الله لا يبلغ الوتر، فقال: أو تر ما بلغ.

 قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق لقد أوترت حتى بلغ وطويت منه شبرا على سية القوس، ثم أخذها فما زال يرميهم حتى نظرت إلى قوسه قد تحطمت، وبارز أبي بن خلف فقال له أصحابه : إن شئت عطف عليه بعضنا ؟ فأبي وتناول الحربة من الحارث بن السمت ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير قالوا: فتطايرنا عنه تطاير الشعارين فطعنه بالحربة فجعل يخور كما يخور الثور، ولو لم يدل على ثباته حين انهزم أصحابه وتركوه إلا قوله: " إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم " فكونه صلى الله عليه وسلم في أخراهم وهم يصعدون ولا يلون هاربين دليل على أنه ثبت ولم يفر.

 وثبت يوم حنين في تسعة من أهله ورهطه الأدنين، وقد فر المسلمون كلهم والنفر التسعة محدقون به، العباس آخذ بحكمة بغلته ، وعلي بين يديه مصلت سيفه، والباقون حول بغلته يمنة ويسرة، وقد انهزم المهاجرون والأنصار، وكلما فروا أقدم هو صلى الله عليه وسلم وصمم مستقدما يلقي السيوف والنبال بنحره

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رسائل الجاحظ ص 54، شرح ابن أبي الحديد 3 ص 275.

 

/ صفحة 209 /

وصدره، ثم أخذ كفا من البطحاء وحصب المشركين وقال: شاهت الوجوه.

 والخبر المشهور عن علي وهو أشجع البشر: كنا إذا اشتد البأس وحمى الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولذنا به.

 فيكف يقول الجاحظ: إنه ما خاض الحروب ولا خالط الصفوف ؟ وأي فرية أعظم ومن فرية من نسب رسول الله صلى الله وسلم إلى الإحجام والاعتزال الحرب ؟ ثم أي مناسبة بين أبي بكر ورسول الله في هذا المعنى ؟ ليقيسه وينسبه إلى رسول الله صاحب الجيش والدعوة ورئيس الاسلام والملة، والملحوظ بين أصحابه وأعدائه بالسيادة، وإليه الإيماء والإشارة، وهو الذي أحنق قريشا والعرب، وورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم و عيب دينهم وتضليل أسلافهم، ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم وأكابرهم، وحق لمثله إذا تنحى عن الحرب واعتزلها أن يتنحى ويعتزل، لأن ذلك شأن الملوك والرؤساء إذ كان الجيش منوطا بهم وببقائهم، فمتى هلك الملك هلك الجيش، ومتى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه، وإن عطب جيشه بأن يستجد جيشا آخر، ولذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه، وخطأوا الاسكندر لما بارز فور ملك الهند ونسبوه إلى مجانبة الحكمة ومفارقة الصواب والحزم، فليقل لنا الجاحظ: أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى ؟ ومن الذي كان يعرفه من أعداء الاسلام ليقصده بالقتل ؟ وهل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما ؟ بل كان عثمان أكثر منه صيتا، وأشرف منه مركبا، والعيون إليه طمح، والعدو عليه أحنق وأكلب.

 ولو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الاسلام ضعفا ؟ أو يحدث وهنا ؟ أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن تندرس و تعفى آثارها وتنطمس منارها ؟ ليقول الجاحظ: إن أبا بكر كان حكمه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجانبة الحروب واعتزالها.

 نعوذ بالله من الخذلان.

 وقد علم العقلاء كلهم ممن له بالسير معرفة وبالآثار والأخبار ممارسة حال حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت ، وحاله عليه الصلاة والسلام فيها كيف كان، ووقوفه حيث وقف وحربه حيث حارب، و جلوسه في العريش يوم جلس، وأن وقوفه صلى الله عليه وسلم وقوف رئاسة وتدبير، ووقوف ظهر وسند، يتعرف أمور أصحابه ويحرس صغيرهم وكبيرهم بوقوفه من ورائهم وتخلفه عن التقدم في أوائلهم، لأنهم متى علموا أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم ولم تتعلق

 

/ صفحة 210 /

بأمره نفوسهم، فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم، ولا يكون لهم فئة يلجئون إليها و ظهرا يرجعون إليه، ويعلمون أنه متى كان خلفهم تفقد أمورهم وعلم مواقفهم وآوى كل إنسان مكانه في الحماية والنكاية وعند النازلة في الكر والحملة، فكان وقوفه حيث وقف أصلح لأمرهم، وأحمي وأحرس لبيضتهم، ولأنه المطلوب من بينهم، إذ هو مدبر أمورهم ووالي جماعتهم، ألا ترون أم موقف صاحب اللواء موقف شريف ؟ وأن صلاح الحرب في وقوفه، وأن فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته، فللرئيس حالات: الأولى حالة يتخلف ويقف آخرا ليكون سندا وقوة ورداءا وعدة، وليتولى تدبير الحرب و يعرف مواضع الخلل.

 والحالة الثانية: يتقدم فيها في وسط الصف ليقوى الضعيف ويشجع الناكس: وحالة ثالثة: وهي إذا اصطدم الفيلقان، وتكافح السيفان، اعتمد ما يقتضيه الحال ومن الوقوف حيث يستصلح، أو من مباشرة الحرب بنفسه فإنها آخر المنازل وفيها تظهر شجاعة الشجاع النجد، وفسالة الجبان المموه.

 فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وأين منزلة أبي بكر ليسوى بين المنزلتين، ويناسب بين الحالتين ؟ ولو كان أبو بكر شريكا لرسول الله في الرسالة وممنوحا من الله بفضيلة النبوة، وكانت قريش والعرب تطلبه كما تطلب محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ لكان للجاحظ أن يقول ذلك، فأما وحاله حاله وهو أضعف المسلمين جنانا وأقلهم عند العرب ترة لم يرم قط بسهم، ولا سل سيفا، ولا أراق دما، وهو أحد الأتباع غير مشهور ولا معروف ولا طالب ولا مطلوب، فكيف يجوز أن يجعل مقامه ومنزلته مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنزلته ؟ ولقد خرج ابنه عبد الرحمن مع المشركين يوم أحد فرآه أبو بكر فقام مغيظا على فسل من السيف مقدار إصبع يروم البروز إليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ! شم سيفك وامتعنا بنفسك.

 ولم يقل له(وامتعنا بنفسك) إلا لعلمه بأنه ليس أهلا للحرب وملاقاة الرجال وأنه لو بارز لقتل .

 وكيف يقول الجاحظ: لا فضيلة لمباشرة الحروب ولقاء الاقران وقتل أبطال الشرك ؟ وهل قامت عمد الاسلام إلا على ذلك ؟ وهل ثبت الدين واستقر إلا بذلك ؟ أتراه لم يسمع قول الله تعالى " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص " ؟ والمحبة من الله تعالى هي إرادة الثواب، فكل من كان أشد ثبوتا في هذا الصف وأعظم

 

/ صفحة 211 /

قتالا كان أحب إلى الله، ومعنى الأفضل هو الأكثر ثوابا، فعلي عليه السلام إذا هو أحب المسلمين إلى الله لأنهم أثبتهم قدما في الصف المرصوص، لم يفر قط بإجماع الأمة، ولا بارزه قرن إلا قتله، أو تراه لم يسمع.

 قول الله تعالى: " وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " ؟ وقوله " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ثم قال سبحانه: مؤكدا لهذا البيع والشراء " ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " وقال الله تعالى: " ذلك بأنهم لا يصيبهم ظلما ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح " فمواقف الناس في الجهاد على أحوال، وبعضهم في ذلك أفضل من بعض، فمن دلف إلى الأقران واستقبل السيوف والأسنة كان أثقل على أكتاف الأعداء لشدة نكابته فيهم ممن وقف في المعركة وأعان ولم يقدم، وكذلك من وقف في المعركة وأعان ولم يقدم إلا أنه بحيث تناله السهام والنبل أعظم عناء وأفضل ممن وقف حيث لا يناله ذلك، ولو كان الضعيف والجبان يستحقان الرئاسة بقلة بسط الكف وترك الحرب وإن ذلك يشاكل فعل النبي صلى الله عليه وسلم، لكان أوفر الناس حظا في الرئاسة وأشدهم لها استحقاقا حسان بن ثابت، وإن بطل فضل علي في الجهاد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أقلهم قتالا - كما زعم الجاحظ ليبطلن على هذا القياس فضل أبي بكر في الانفاق، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أقلهم مالا، وأنت إذا تأملت أمر العرب وقريش ونظرت السير وقرأت الأخبار عرفت أنها تطلب محمدا صلى الله عليه وسلم وتقصد قصده وتروم قتله ، فإن أعجزها وفاتها طلبت عليا وأرادت قتله، لأنه كان أشبهم بالرسول حالا، وأقربهم منه قربا، وأشدهم عنه دفعا، وإنهم متى قصدوا عليا فقتلوه أضعفوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكسروا شوكته، إذ كان أعلى من ينصره في البأس والقوة والشجاعة والنجدة والاقدام والبسالة.

 ألا ترى إلى قوله عتبة ربيعة يوم بدر - وقد خرج هو وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة فأخرج إليهم الرسول نفرا من الأنصار فاستنسبوهم فانتسبوا لهم فقالوا : ارجعوا إلى قومكم، ثم نادوا: يا محمد ! - أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأهله الأدنين: قوموا يا بني هاشم ! فانصروا حقكم الذي آتاكم الله على باطل

 

/ صفحة 212 /

هؤلاء، قم يا علي ! قم يا حمزة ! قم يا عبيدة ! ألا ترى ما جعلت هند بنت عتبة لمن قتله يوم أحد لأنه اشترك هو وحمزة في قتل أبيها يوم بدر ؟ ألم تسمع قول هند ترثي أهلها :

ما كان لي من عتبة من صبر * أبي وعــمــي وشقيق صدري

أخـــي الذي كان كضوء البدر * بهم كســرت يا علي ! ظهري

وذلك لأنه قتل أخاها الوليد بن عتبة وشرك في قتل أبيها عتبة، وأما عمها شيبة فإن حمزة تفرد بقتله.

 وقال جبير بن مطعم لوحشي مولاه يوم أحد: إن قتلت محمدا فأنت حر، وإن قتلت عليا فأنت حر، وإن قتلت حمزة فأنت حر، فقال أما محمد فسيمنعه أصحابه، وأما علي فرجل حذر كثير الالتفات في الحرب، ولكني سأقتل حمزة.

 فقعد له وزرقه بالحربة فقتله .

 ولما قلنا من مقاربة حال علي في هذا الباب لحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومناسبتها إياه ما وجدناه في السيرة والأخبار من إشفاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذره على ودعائه له بالحفظ والسلامة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق وقد برز علي إلى عمرو ورفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه: اللهم إنك أخذت مني حمزة يوم أحد، و عبيدة يوم بدر، فاحفظ اليوم علي عليا، رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين.

 و لذلك ضن به عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا في كلها يحجمون ويقدم علي فيسأل الأذن له في البراز حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه عمرو فقال : وأنا علي.

 فأدناه وقبله وعممه بعمامته وخرج معه خطوات كالمودع له، القلق لحاله ، المنتظر لما يكون منه.

 ثم لم يزل صلى الله عليه وسلم رافعا يده إلى السماء مستقبلا لها بوجهه و المسلمون صموت حوله كأنما على رؤسهم الطير حتى ثارت الغبرة وسمعوا التكبير من تحتها فعلموا أن عليا قتل عمرا.

 فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين.

 ولذلك قال حذيفة بن اليمان: لو قسمت فضيلة علي بقتل عمرو يوم الخندق بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم.

 وقال ابن عباس: في قوله تعالى " وكفى الله المؤمنين القتال " قال: بعلي بن أبي طالب. ا ه‍ .

 

 

/ صفحة 213 /

الغريق يتشبث بكل حشيش أعيت القوم شجاعة الخليفة، وأضلتهم عن المذاهب، وجعلتهم في الرونة، وأركبتهم على الزحلوقة تسف بهم تارة وتعليهم أخرى، فلم يجدو مهيعا يوصلهم إلى ما يرومون من إثباتها له مهما وجدوا غضون التاريخ خالية عن كل عين وأثر يسمعهم الركون إليه في الحجاج لها، فتشبثوا بالتفلسف فيها فهذا يبني فلسفة العريش، والآخر ينسج نسج العناكيب ويعد ثباته في موت رسول الله صلى الله عليه وآله وعدم تضعضعه في تلك الهائلة دليل على كمال شجاعته، قال القرطبي في تفسيره 4: 222 في سورة آل عمران 144 عند قوله تعالى: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبه فلن يضر الله شيئا " هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجرأته فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم فظهرت عنده شجاعته وعلمه و قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، و اضطرب الأمر فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح(1) .

 وهذا الاستدلال أقره الحلبي في سيرته 3: 35 وقال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم طاشت العقول فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد ولم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان عمر رضي الله عنه ممن خبل، وكان عثمان رضي الله عنه ممن أخرس، فكان لا يستطيع أن يتكلم، وكان علي رضي الله عنه ممن أقعد فلم يستطع أن يتحرك، وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمدا، وكان أثبتهم: أبو بكر الصديق رضي الله عنه - إلى أن قال: قال القرطبي: و هذا أدل دليل على كمال شجاعة الصديق. الخ .

 قال الأميني: يوهم القرطبي أن في كتاب الله العزيز ما يدل على شجاعة الخليفة وعلمه، وليس فيما جاء به أكثر من أنه استدل بالآية الشريفة يوم ذاك على موت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي صلة بها إلى شجاعة الرجل ؟ ! وأي قسم فيها من أنحاء الدلالة الثلاثة فضلا عن أن تكون أدل دليل ؟ فإن يكن هناك شئ من الدلالة - وأين وأنى

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بضم أوله وسكون النون وقد تضم: موضع خارج المدينة بينها وبين منزل النبي ميل.

 

/ صفحة 214 /

فهو في ثبات جأشه وتمسكه بالآية الكريمة لا في الآية نفسها .

 ثم كيف خفي على الرجل وعلى من تبعه الفرق ين ملكتي الشجاعة والقسوة ؟ وأن هذا النسج الذي أوهن من بيت العنكبوت إنما نسجته يد السياسة لدفع مشكلات هناك، فخبلوا عمر بن الخطاب " وحاشة الخبل " تصحيحا لإنكاره موت رسول الله صلى الله عليه وآله وأنه كان من ذلك القلق كما مر في ص 184، وأقعدوا عليا لإيهام العذر في تخلفه عن البيعة، وأخرسوا عثمان لأنه لم ينبس في ذلك الموقف ببنت شفة .

 على أن ما جاء به القرطبي من ميزان الشجاعة يستلزم كون الخليفة أشجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا إذ لم يرو عن أبي بكر في رزية النبي الأعظم أكثر من أنه كشف عن وجه النبي وقبله وهو يبكي وقال: طبت حيا وميتا(1) وقد فعل صلى الله عليه وآله أكثر وأكثر من هذا في موت عثمان بن مظعون فإنه صلى الله عليه وآله إنكب عليه ثلاث مرات مرة بعد أخرى وقبله باكيا عليه وعيناه تذرفان والدموع تسيل على وجنتيه وله شهيق(2)، وشتان بين عثمان بن مظعون وبين سيد البشر روح الخليقة وعلة العوالم كلها، وشتان بين المصيبتين .

 كما يستدعي مقياس الرجل كون عمر بن الخطاب أشجع من النبي الأقدس لحزنه العظيم في موت زينب وبكائه عليها، وعمر كان يوم ذاك يضرب النسوة الباكيات عليها بالسوط كما مر في الجزء السادس ص 159 ط 2 فضلا عن عدم تأثره بتلك الرزية .

 وعلى هذا الميزان يغدو عثمان بن عفان أشجع من رسول الله صلى الله عليه وآله لوجده صلى الله عليه وآله لموت إحدى بنتيه: رقية أو أم كلثوم زوجة عثمان.

 وبكائه عليها، وعثمان غير متأثر به ولا بانقطاع صهره من رسول الله صلى الله عليه وآله غير مشغول بذلك من مقارفة بعض نساءه في ليلة وفاتها كما في صحيحة أنس(3) .

 وقبل هذه كلها ما ذكره أعلام القوم في موت أبي بكر من طريق ابن عمر من قوله : كان سبب موت أبي بكر موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جسمه يجري حتى مات.

 وقوله :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 6: 281 كتاب المغازي، سيرة ابن هشام 4: 334، طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل 785، تاريخ الطبري 3: 198 .

(2) سنن البيهقي 3: 406، حلية الأولياء 1: 105، الاستيعاب 2: 495، أسد الغابة ، الغدير 3 387، الإصابة 2: 464 .

(3) مستدرك الحاكم 4: 47، الاستيعاب 2: 748 وصححه، الإصابة 4: 304، 489 الغدير 3: 24.

 

/ صفحة 215 /

كان سبب موته كمدا لحقه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال يذيبه حتى مات.

 وفي لفظ القرماني: ما زال جسمه ينقص حتى مات .

 راجع المستدرك الحاكم 3: 63، أسد الغابة 3: 224، صفة الصفوة 1: 100 ، الرياض النضرة 1: 180، تاريخ الخميس ج 2: 263، حياة الحيوان للدميري 1: 49 .

 الصواعق ص 53، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 55، أخبار الدول للقرماني هامش الكامل 1: 198، نزهة المجالس للصفوري 2: 197، مصباح الظلام للجرداني 2: 25 .

 كأن هذا الحديث عزب عن القرطبي والحلبي، فأخذا بهذا مشفوعا بكلامهما المذكور في شجاعة أبي بكر يكون هو شاكلة عبد الله بن أنيس في موتهما كمدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم ينبأ قط خبير بموت أحد من الصحابة غيرهما بموته صلى الله عليه وآله وسلم، و هذا دليل على ضعف قلبهما عند حلول المصائب، فهما أجبنا الصحابة على الإطلاق إذا وزنا بميزان القرطبي وفيها عين .

 ووراء هذ، المغالاة في شجاعة الخليفة وعده أشجع الصحابة ما عزاه القوم إلى ابن مسعود من أنه قال: أول من أظهر الاسلام بسيفه محمد صلى الله عليه وسلم وأبو بكر.

 والزبير بن العوام رضي الله عنهم(1) وما يعزى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله من أنه قال: لولا أبو بكر الصديق لذهب الاسلام(2) .

 قال الأميني: لقد كانت على الأبصار غشاوة عن رؤية هذا السيف الذي كان بيد الخليفة، فلم يؤثر أنه تقلده يوما، أو سله في كريهة، أو هابه إنسان في معمعة، حتى يقرن برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان منذ بعث سيفا الله تعالى مجردا .

إن الـــرسول لنور يستضاء به * مهند من سيوف الله مسلول(3)

 أو يقرن بمثل الزبير الذي عرفته وسيفه الحرب الزبون فشكرته، وقد سجل التاريخ مواقفه المشهودة وسجل للخليفة يوم خيبر وأمثاله .

 وأنا لا أدري بأي خصلة في الخليفة نيط بقاء الاسلام، أبشجاعته هذه ؟ أم بعلمه الذي عرفت كميته ؟ أم بماذا ؟ " فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر " .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نزهة المجالس للصفوري 2، 182 .

 (2) نور الأبصار للشبلنجي ص 54 .

 (3) البيت من قصيدة لكعب بن زهير المشهورة ببانت سعاد.

 

/ صفحة 216 /

 

- 3 -

ثبات الخليفة على المبدء

 

عن أبي سعيد الخدري: إن أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ! إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلي. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذهب إليه فاقتله. قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: إذهب إليه فاقتله. قال فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع فقال: يا رسول الله ! إني رأيته متخشعا فكرهت أن أقتله قال: يا علي إذهب فاقتله. فذهب علي فلم يره فرجع فقال: يا رسول الله ! إني لم أره.

 فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا وأصحابه يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية(1) .

 وعن أنس بن مالك قال: كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل يعجبنا تعبده و اجتهاده وقد ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه فلم يعرفه فوصفناه بصفته فلم يعرفه فبينا نحن نذكره إذ طلع الرجل قلنا: هو هذا.

 قال: إنكم لتخبروني عن رجل إن في وجهه لسفعة من الشيطان فأقبل حتى وقف عليهم ولم يسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدك الله هل قلت حين وقفت على المجلس: ما في القوم أحد أفضل مني أو خير مني ؟ قال: أللهم نعم.

 ثم دخل يصلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يقتل الرجل ؟ فقال أبو بكر أنا ، فدخل عليه فوجده يصلي فقال: سبحان الله ! أقتل رجلا يصلي: وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل المصلين، فخرج.

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعلت ؟ قال: كرهت أن أقتله وهو يصلي وأنت قد نهيت عن قتل المصلين.

 قال: من يقتل الرجل ؟ قال عمر: أنا.

 فدخل فوجده واضعا جبهته فقال عمر: أبو بكر أفضل مني فخرج فقال له النبي صلى الله عليه وسلم مه ؟ قال: وجدته واضعا وجهه لله فكرهت أن أقتله.

 فقال: من يقتل الرجل ؟ فقال علي: أنا.

 فقال: أنت

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مسند أحمد 3: 15، تاريخ ابن كثير 7: 298.

 

/ صفحة 217 /

إن أدركته. فدخل عليه فوجده قد خرج فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: مه ؟ قال : وجدته قد خرج قال: لو قتل ما اختلف من أمتي رجلان كان أولهم وآخرهم(1) .

 صاحب القصة هو ذو الثدية رأس الفتنة يوم النهروان قتله أمير المؤمنين الإمام علي يوم ذاك كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود، قال الثعالبي في ثمار القلوب ص 233 : ذو الثدية شيخ الخوارج وكبيرهم الذي علمهم الضلال، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وهو في الصلاة فكع عنه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فلما قصده علي رضي الله عنه لم يره، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: أما إنك لو قتلته لكان أول فتنة وآخرها، ولما كان يوم النهروان وجد بين القتلى فقال علي رضي الله عنه: ائتوني بيده المخدجة. فأتي بها فأمر بنصبها .

 قال الأميني: هلم معي نسائل الرجلين ممن أخذا أن الصلاة تحقن دم صاحبها ؟ هل أخذاها عن شريعة غاب الصادع بها، فارتبكا بين قوليه ؟ أليست هي الشريعة المحمدية وصاحبها هو الذي أمر بقتل الرجل ؟ وهو ينظر إليه من كثب، ويعلم أنه يصلي، و قد أخبرته الصحابة وفيهم الرجلان بخضوعه وخشوعه في صلاته، وإعجابهم بتعبده و اجتهاده، وفي المخبرين أبو بكر نفسه، غير أن رسول الله صلى الله عليه وآله عرف بواسع علمه النبوي أن كل ذلك عن دهاء وتصنع يريد بن إغراء الدهماء للحصول على أمنيته الفاسدة التي لم يتمكن منها إلا على عهد الخوارج فأراد صلى الله عليه وآله قمع تلك الجرثومة الخبيثة بقتله، ولقد أراد صلى الله عليه وآله تعريف الناس بالرجل إيقافهم على ما انطوت عليه أضالعه فاستحفاه عما دار في خلده حين وقف على القوم وفيهم النبي صلى الله عليه وآله وأراد أن يعلموا أنه يجد نفسه خيرا أو أفضل منهم ومنه صلى الله عليه وآله .

 أي كافر هذا يجب قتله لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في وجهه لسفعة من الشيطان ؟ وأي شقي هذا يقف على المنتدى وقد ضم صدره نبي العظمة ولم يسلم ؟ وأي صفيق يعرب عن سوء ما هجس في ضميره بكل صراحة، غير محتشم عن موقفه، ولا مكترث لمقاله ؟

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حلية الأولياء 2: 317، ج 3: 227، مسند البزار من طريق الأعمش، وأبو يعلى مسنده كما في تأريخ ابن كثير 7 ص 298، الإصابة 1: 484 .

 

/ صفحة 218 /

نعم لذلك كله أمر صلى الله عليه وآله بقتله وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، لكن الشيخين رؤفا به حين وجداه يصلي تثبتا على المبدء، وتحفظا على كرامة الصلاة ومن أتى بها، وزاد عمر: إن أبا بكر خير مني ولم يقتله.

 أو لم يكن النبي الآمر بقتله خيرا منهما ؟ أولم يكن هو مشرع الصلاة والآتي بحرمتها ؟ أو لم يكن مصدقا لدى الصديق وصاحبه في قوله حول الرجل وإعرابه عن نواياه ؟ كان خيرا للشيخين أن يتركا هذا التعلل الواضح فساده ويتعللا بما في لفظ أبي نعيم في الحلية من أنهما هابا أن يقتلاه، وبما أسلفناه عن ثمار القلوب للثعالبي من أنهما كعا عن الرجل.

 أي جبنا وضعفا وتهيبهما الرجل وإن كان مصليا غير شاك السلاح، فلعله يكون معذرا لهما عن ترك الامتثال، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لكنهما يوم عرفا نفسهما كذلك والانسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره لماذا أقدما على قتل الرجل ، ففوتا على النبي صلى الله عليه وآله طلبته وعلى الأمة السلام والأمن ولو بعد لأي من عمر الدهر عند ثورات الخوارج ؟ وأبو بكر هذا هو الذي يحسبه ابن حزم والمحب الطبري والقرطبي والسيوطي أشجع الناس كما مر ص 200 وقد يهابه ظل الرجال في مصلاهم .

 وللرجل(ذي الثدية) سابقة سوء عند الشيخين من يوم قسم رسول الله صلى الله عليه وآله غنيمة هوازن قال ذو الثدية للنبي صلى الله عليه وآله لم أرك عدلت.

 أو: لم تعدل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله.

 فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ فقال عمر: يا رسول الله ألا أقتله ؟ قال: لا، سيخرج من ضيضئ هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم تراقيهم. تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 148، الامتاع للمقريزي ص 425 .

 

 

/ صفحة 219 /

 

- 4 -

تهالك الخليفة في العبادة

 

لم يؤثر عن الخليفة دؤب على العبادة على العهد النبوي أو بعده غير أشياء لا تنجع من أثبتها له إلا بعد تحمل متطاول، أو تفلسف في القول لو أجدت الفلسفة على لا شيئ .

 روى المحب الطبري في الرياض النضرة 1 ص 133: إن عمر بن الخطاب أتى إلى زوجة أبي بكر بعد موته فسألها عن أعمال أبي بكر في بيته ما كانت فأخبرته بقيامه في الليل وأعمال كان يعملها ثم قالت: ألا إنه كان في كل ليلة جمعة يتوضأ و يصلي ثم يجلس مستقبل القبلة رأسه على ركبتيه فإذا كان وقت السحر رفع رأسه و تنفس الصعداء فيشم في البيت روائح كبد مشوي.

 فبكا عمر وقال: أنى لابن الخطاب بكبد مشوي .

 وفي مرآة الجنان 1 ص 68: جاء إن أبا بكر كان إذا تنفس يشم منه رائحة الكبد المشوية .

 وفي عمدة التحقيق للعبيدي المالكي ص 135: لما مات أبو بكر الصديق رضي الله عنه واستخلف عمر رضي الله عنه كان يتبع آثار الصديق رضي الله عنه ويتشبه بفعله فكان يتردد كل قليل إلى عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما ويقول لهما: ما كان يفعل الصديق إذا خلا بيته ليلا ؟ فيقال له: ما رأينا له كثير صلاة بالليل ولا قيام إنما كان إذا جنه الليل يقوم عند السحر ويقعد القرفصاء ويضع رأسه على ركبتيه ثم يرفعها إلى السماء ويتنفس الصعداء ويقول: أخ. فيطلع الدخان من فيه. فيبكي عمر ويقول : كل شيئ يقدر عليه عمر إلا الدخان.

 فقال : وأصل ذلك أن شدة خوفه من الله تعالى أوجبت احتراق قلبه، فكان جليسه يشم منه رائحة الكبد المشوي، وسببه أن الصديق لم يتحمل أسرار النبوة الملقاة إليه وفي الحديث: أنا أعلمكم بالله وأخوفكم منه.

 فالمعرفة التامة تكشف عن جلال

 

/ صفحة 220 /

المعروف وجماله وكلاهما أمر عظيم جدا تتقطع دونه الغايات ولولا أن الله تعالى ثبت من أراد ثباته وقواه على ذلك ما استطاع أحد الوقوف ذرة على كليهما وجلالا و جمالا، والغاية في الطرفين قد نالها الصديق رضي الله عنه.

 فقد ورد: ما صب في صدري شيئ إلا صببته في صدر أبي بكر.

 ولو صبه جبريل عليه السلام في صدر أبي بكر ما أطاقه لعدم مجراه من المماثل، لكن لما صب في صدر النبي صلى الله عليه وسلم وهو من جنس البشرية فجرى في قناة مماثلة للصديق، فبواسطتها أطاق حمله، ومع ذلك احترق قلبه. الخ .

 وروى الترمذي الحكيم في نوادر الأصول ص 31 و 261، عن بكر بن عبد الله المزني قال: لم يفضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثرة صوم ولا صلاة إنما فضلهم بشئ كان في قلبه. وذكر أبو محمد الأزدي في شرح مختصر صحيح البخاري 2: 41، 105 . و ج 3: 98. و ج 4: 63، والشعراني في اليواقيت والجواهر 2: 221، واليافعي في مرآة الجنان 1: 68، والصفوري في نزهة المجالس 2 ص 183: إن في الحديث ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولن بشئ وقر في صدره .

 قال الأميني: لو صح حديث الكبد المشوي لوجب اطراده في الأنبياء والرسل ويقدمهم سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنهم أخوف من الله من أبي بكر وخاتم النبيين أخوفهم، ولوجب أن تكون الرائحة فيهم أشد وأنشر، فإن الخوف فرع الهيبة المسببة عن إحاطة العلم بما هناك من عظمة وقهر وجبروت ومنعة، وينبأنا عن ذلك قوله تعالى : إنما يخشى الله من عباده العلماء(1) قال ابن عباس: يريد إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني.

 وقيل: عظموه وقدروا قدره، وخشوه حق خشيته ، ومن ازداد به علما ازداد به خشية. " تفسير الخازن 3: 525 " وفي الحديث: أعلمكم بالله أشدكم له خشية.

 " تفسير ابن جزي 3: 158 " وفي خطبة له صلى الله عليه وآله: فوالله إني لأعلمهم بالله وأشد هم له خشية(2) .

 وفي خطبة أخرى له صلى الله عليه وآله: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا(3) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة فاطر آية 28 .

(2) صحيح مسلم كتاب المناقب. باب علمه بالله وشدة خشيته، تفسير الخازن 3: 525 .

(3) صحيح البخاري كتاب الرقاق. باب لو تعلمون ما أعلم، مسند أحمد 6: 164، تيسير الوصول 2، 26، تفسير الخازن 3: 525.

 

/ صفحة 221 /

وقال مولانا أمير المؤمنين: أعلمكم أخوفكم.

 " غرر الحكم للآمدي ص 62 " وقال مقاتل: أشد الناس خشية الله أعلمهم.

 " تفسير الخازن " 3: 525 " وقال الشعبي ومجاهد: إنما العالم من خشي الله(1) .

 وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم(2) .

 ومن هنا قوله صلى الله عليه وآله: إني أعلمكم بالله وأخشاكم لله(3) ولذلك تجد أن أزلف الناس إلى السلطان يتهيبه أكثر ممن دونه في الزلفة.

 فترى الوزير يكبره ويخافه أبلغ ممن هو أدنى منه، والأمر على هذه النسبة في رجال الوظايف، حتى تنتهي إلى أبسطها كالشرطي مثلا، ثم إلى سائر أفراد الرعية .

 وهلم معي إلا الأولياء والمقربين والمتهالكين في الخشية من الله والمتفانين في العبادة وفي مقدمهم سيدهم مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي كان في حلك الظلام يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويتأوه ويتفوه بما ينم عن غاية الخوف والخشية ، وهو قسيم الجنة والنار بنص من الرسول الأمين كما مر في الجزء الثالث ص 299 ط 2، وكان يغشى عليه عدة غشوات في كل ليلة، ولم يشم أحد منه ولا منهم رائحة الكبد المشوي .

 ولو اطرد ما يزعمونه لوجب تكيف الفضاء من لدن آدم إلى عهد الخليفة بتلك الرائحة المنتشرة من تلكم الأكباد المشوية، ولا سود وجه الدنيا بذلك الدخان المتصاعد من الأكباد المحترقة .

 أيحسب راوي هذه المهزأة أن على كبد المختشي نارا موقدة يعلوها ضرم، و يتولد منها دخان ؟ فلم لم تحرق ما في الحشى كله ويكون إنضاجها مقصورا على الكبد فحسب ؟ وهل للكبد حال المعذبين الذين كلما نضجت جلودهم بدلوا جلودا أخرى ؟ وإلا فالعادة قاضية بفناء الكبد بذلك الحريق لمتواصل .

 وإن تعجب فعجب بقاء الانسان بعد فناء كبده، ولعلك إذا أحفيت الراوي السؤال

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي 14: 343، تفسير الخازن 3: 525 .

 (2) تفسير القرطبي 14: 343، تفسير الخازن 3: 525 .

 (3) تفسير البيضاوي 2: 302، اللمع لأبي نصر ص 96.

 

/ صفحة 222 /

عن هذه لأجابك بأنها كلها معاجز تخص بالخليفة .

 وأحسب أن صاحب المزاعم من المتطفلين على موائد العربية فإن العربي الصميم جد عليم بكثير الكناية والاستعارة في لغة الضاد فإذا قالوا: إن نار الخوف أحرقت فلانا لا يريدون لهبا متقدا يصعد منه الدخان أو تشم منه رائحة شي الأكباد، وإنما يعنون لهفة شديدة، وحرقة معنوية تشبه بالنيران .

 وأما ما سرده العبيدي من فلسفة ذلك الحريق في كبد الخليفة فإنها من الدعاوي الفارغة وفيها الغلو الفاحش وإن شئت قلت: إنما هي أوهام لم تقم لها حجة، وليس من السهل أن يدعمها ببرهنة يمسكها عن التزحزح، فهي كالريشة في مهب الريح تجاه حجاج المجادل، ووجاه سيرة الخليفة نفسه، وما عزاه إلى الرواية من حديث خرافة : ما صب الله في صدري شيئا إلا وصببته في صدر أبي بكر.

 فهو على تنصيص العلماء على وضعها كما مر في ج 5 ص 316 لا يلزم به الخصم، ولا يثبت به المدعى، وفيه من سرف القول ما لا يخفى على العارف بالرجال وتاريخهم .

 

 

 

/ صفحة 223 /

 

- 5 -

تبرز الخليفة في الأخلاق

 

لم نقف من أخلاقيات الخليفة على شئ يرفع الانسان من هذه الناحية عدا ما في صحيح البخاري في كتاب التفسير من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال: قد ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس(1) فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزل في ذلك: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله و رسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم. سورة الحجرات: 1 .

 وأخرج البخاري من طريق ابن أبي ملكية أيضا قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميم فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع. وأشار الآخر برجل آخر . قال نافع: لا أحفظ اسمه. فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت خلافك.

 فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهر وآله بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون(2). الحجرات: 2 .

 قال الأميني: ألا تعجب من الرجلين أنهما طيلة مصاحبتهما هذا النبي المعظم صلى الله عليه وآله وسلم لم يحدهما التأثر بأخلاقه الكريمة إلى الحصول على أدب محاضرة العظماء والمثول بين أيديهم لا سيما هذا العظيم، العظيم خلقه بنص الذكر الحكيم، وما عرفا أن الكلام بين يديه لا بد وأن يكون تخافتا وهمسا إكبارا لمقامه وإعظاما لمرتبته. وأن لا يتقدم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأقرع بن حابس هو ذلك الأعرابي الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله وهو يبول في المسجد، وقد أخرج حديثه البخاري في صحيحه. راجع إرشاد الساري 1: 284 ] .

 (2) صحيح البخاري 7 ص 225، الاستيعاب في ترجمة القعقاع 2: 535، تفسير القرطبي 16: 300، تفسير ابن كثير 4: 205، تفسير الخازن 4: 172، الإصابة 1: 58 و ج 3: 24.

 

/ صفحة 224 /

أحد إليه بالكلام إلا أن يكون جوابا عن سؤال، أو ما ينم عن امتثال أمر، أو إخبارا عن مهمة، أو سؤالا عن حكم لكنهما تقدما بالكلام الخارج عن ذلك كله، وتماريا و احتدم الحوار بينهما، وارتفعت أصواتهما في ذلك، وكاد الخيران أن يهلكا حتى جعلا أعمالهما في مظنة الاحباط فنزلت الآية الكريمة .

 وما أخرجه ابن عساكر عن المقدام أنه قال: استب عقيل بن أبي طالب وأبو بكر وكان أبو بكر سبابا.

 وكأن ابن حجر استشعر من هذه الكلمة ما لا يروقه فقال: سبابا أو نسابا.

 لكن الرجل أنصف في الترديد وقد جاء بعده السيوطي فحذف كلمة: سبابا.

 وجعلها نسابا بلا ترديد(1) والمنقب يعلم أن لفظة نسابا لا صلة لها بقوله استبا بل المناسب كونه سبابا، وكأن الراوي يريد بذلك أنه فاق عقيلا بالسب لأنه كان ملكة له ، وإن كان يسع المحور أن يقول بإرادة كونه نسابا أنه كان عارفا بحلقات الأنساب و مواقع الغمز فيها، فكان إذا استب يطعن مستابه في عرضه ونسبه، لكنه لا يجدي المتمحل نفعا فإنه من أشنع مصاديق السب، وفيه القذف وإشاعة الفحشاء .

 ويظهر من لفظ الحديث كما في الخصايص الكبرى 2 ص 86 إن السباب بين أبي بكر وعقيل كان بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وآله وكان ذلك في أخريات أيامه صلى الله عليه وآله .

 ومن شواهد كونه سبابا(وسباب المسلم فسوق)(1) ما مر في صفحة 153 من قوله للسائل عن القدر: يا بن اللخناء.

 وقوله لعمر: ثكلتك أمك وعدمتك يا بن الخطاب .

 لما بلغه طلب الأنصار أن يولي عليهم رجلا أقدم سنا من أسامة فأخذ بلحيته فقال : استعمله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتأمرني أن أنزعه ؟(3) .

 على أنه وهم في قوله هذا من ناحيتين: إحداهما أن الذي يجب أن لا يعزل من منصوبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الخليفة فحسب لا يتسرب إليه الرأي والمقائيس، كما لا يتطرقان إلى الأحكام والسنن المشرعة، لأنه صلى الله عليه وآله نصبه يوم نصب بأمر من المولى

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق ص 43 تاريخ الخلفاء ص 37 .

 (2) مسند أحمد 1 ص 411، سنن ابن ماجة 2: 461، تاريخ الخطيب 5: 144 ، وصححه السيوطي في الجامع الصغير، وقال النووي في رياض الصالحين ص 323: متفق عليه.

(3) التمهيد للباقلاني ص 193، تاريخ الطبري 3: 212، تاريخ ابن عساكر 1: 117 ، الكامل لابن الأثير 2: 139، تاريخ أبي الفدا ج 1: 156، الروض الأنف 2: 375.

 

/ صفحة 225 /

سبحانه رئيسا عالميا مدى أمد حياته، كما أنه شرعها أحكاما عالمية مدى أمد الدهر .

 بخلاف أمراء الجنود والولاة والعمال فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يوليهم الأمر لمصالح وقتية بعد الفراغ من تأهلهم للإمارة والولاية والعمل، وإذا انقضى ظرف المصلحة أو تبدلت بأخرى أو سلب التأهل من أحدهم كان يزحزحه من عمل إلى عمل، أو يسقطه عن الوظيفة نهائيا، أو إلى أمد تعود بعده إليه جدارته، وكذلك شأن الخليفة من بعده فإنه قائم مقامه صلى الله عليه وآله وله وسلم النصب والنزع، والخفض والرفع، ولذلك أمر أبو بكر نفسه خالد بن سعيد على مشارق الشام في الردة، وكان قد استعمله النبي صلى الله عليه وآله على ما بين زمع وزبيد إلى حد نجران أو على صدقات مذحج ومات صلى الله عليه وآله وهو على عمله .

 واستعمل أبو بكر نفسه أيضا يعلى بن أمية على حلوان، ثم عمل لعمر على بعض اليمن، ثم استعمله عثمان على صنعاء، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد استعمله على الجند وتوفي وهو على عمله .

 واستعمل أبو بكر عكرمة على عمان ثم عزله واستعمل عليها حذيفة بن محصن وكان قد استعمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص على عمان فمات رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أميرها، واستعمل عكرمة على صدقات هوازن عام وفاته .

 واستعمل عمر عثمان بن أبي العاص على عمان والبحرين سنة 15، وكان قد استعمله النبي صلى الله عليه وآله على الطائف وأقره أبو بكر بعد وفاته صلى الله عليه وآله .

 واستعمل عمر عبد الله بن قيس أبا موسى الأشعري على البصرة، ثم عزله عثمان و أقره على الكوفة، ثم عزله علي عليه السلام عنها، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله ولاه مخاليف اليمن .

 وقال أبو الفدا في تاريخه 1: 166: أقر عثمان ولاة عمر سنة لأنه كان أوصى بذلك ثم عزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة، وولاها سعد بن أبي وقاص، ثم عزله ولى الكوفة الوليد بن عقبة وكان أخا عثمان من أمة .

 راجع تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير، والاستيعاب، وأسد الغابة، وتاريخ أبي الفدا، وتاريخ ابن كثير، والإصابة، وغيرها من كتب التاريخ ومعاجم التراجم .

 وكم وكم لهؤلاء الولاة المذكورين من نظير، فليس أسامة ببدع من هؤلاء، وإنما هو كأحدهم، له ما لهم وعليه ما عليهم .

 

 

/ صفحة 226 /

فاقتصار الخليفة في الحجاج بنصب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسامة في غير محله، إلا أن يقيده بأن ما ارتآه صلى الله عليه وآله وسلم من المصلحة يوم ذاك باقية بعد من غير حاجة إلى أي من القول والفعل الذين ارتكبهما .

 الناحية الثانية: إن طلبة الأنصار هذه متخذة عن عمل الخليفة نفسه وصاحبيه حيث قدماه يوم السقيفة بكبر سنه وشيبته كما مر في صفحة 91، 92 فلا غضاضة على الأنصار إذن أن يتحروا للإمارة عليهم من هو أقدم سنا من أسامة تأسيا بالخلافة.

 و إذا كان تولية الرسول صلى الله عليه وآله أسامة للقيادة مانعة عن نزعة فما بال منصوبه صلى الله عليه وآله للخلافة يوم غدير خم بمشهد من مائة ألف أو يزيدون، وفي مواقف أخرى متكثرة يعزل عن الأمر ؟ ولا منكر يصاخ إليه: ولا وازع يسمع منه، هب أن قيسا أخذ بلحية عمر يوم ذاك كما أخذ بها أبو بكر يوم أسامة، واحتج آخرون لأمير المؤمنين عليه السلام واحتدم الحوار لكن: لا رأي لمن لا يطاع .

 نعم: أخرج ابن حبان في خلق الخليفة من طريق إسماعيل بن محمد الكذاب الوضاع مرفوعا عن جبرئيل أنه قال: أبو بكر لفي السماء أشهر منه في الأرض فإن الملائكة لتسميه حليم قريش.

 الخ: قد أسلفناه في الجزء الخامس ص 344 ط 2 بينا هناك أنه كذب موضوع .

 ولو كان الخليفة حليم قريش أو كان يرث النبي الأعظم شيئا من خلقه العظيم لما توفيت بضعته الطاهرة سلام الله عليها وهي واجدة عليه من جراء ما تلقت منه من غلظة وعنف في كشف بيتها الذي تمنى تركه عند وفاته، ولم يكن يأمر بقتال من فيه(1) إلى هنات وهنات .

 أخرج البخاري في باب فرض الخمس ج 5 ص 5 عن عائشة: إن فاطمة عليها السلام ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقسم لها ميراثها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا نورث ما تركنا صدقة.

 فغضبت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرة حتى توفيت .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع صفحة 77 و 174.

 

/ صفحة 227 /

وأخرج في الغزوات باب غزوة خيبر ج 6 ص 196 عن عائشة قالت: إن فاطمة " إلى أن قالت " فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى عليها .

 ويوجد الحديث في صحيح مسلم 2 ص 72، مسند أحمد 1 ص 6، 9، تاريخ الطبري 3 ص 202، مشكل الآثار للطحاوي 1 ص 48، سنن البيهقي 6 ص 300 ، 301، كفاية الطالب ص 226، تاريخ ابن كثير 5 ص 285 وقال في ج 6 ص 333 : لم تزل فاطمة تبغضه مدة حياتها، وذكره بلفظ الصحيحين الديار بكري في تاريخ الخميس 2: 193 .

ولأي الأمـــور تـــــدفن ليــــــلا * بضعة المصطفى ويعفى ثراها ؟

بلغت من موجدتها أنها أوصت بأن تدفن ليلا، وأن لا يدخل عليها أحد، ولا يصلي عليها أبو بكر، فدفنت ليلا ولم يشعر بها أبو بكر، وصلى عليها علي وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس(1) .

 وقال الواقدي كما في السيرة الحلبية 3 ص 390: ثبت عندنا أن عليا كرم الله وجهه دفنها رضي الله عنها ليلا وصلى عليها ومعه العباس والفضل ولم يعلموا بها أحدا .

 وقال ابن حجر في الإصابة 4 ص 379، والزرقاني في شرح المواهب 3 ص 207 : روى الواقدي من طريق الشعبي قال: صلى أبو بكر على فاطمة.

 وهذا فيه ضعف و انقطاع، وقد روى بعض المتروكين عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه نحو ووهاه الدارقطني وابن عدي، وقد روى البخاري عن عائشة: أنها لما توفيت دفنها زوجها علي ليلا، ولم يأذن بها أبا بكر وصلى عليها .

 قال الأميني: حديث مالك عن جعفر بن محمد أسلفناه في الجزء الخامس صحيفة 350 ط 2 ولفظه: توفيت فاطمة ليلا فجاء أبو بكر وعمر وجماعة كثيرة فقال أبو بكر لعلي :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طبقات ابن سعد، رسائل الجاحظ ص 300، حلية الأولياء 2: 43، مستدرك الحاكم 3: 163، طرح التثريب 1 ص 15، أسد الغابة 5: 254، الاستيعاب 2: 751، مقتل الخوارزمي 1 ص 83، إرشاد الساري للقسطلاني 6: 362، الإصابة 4 ص 378، 380 ، تأريخ الخميس 1 ص 313.

 

/ صفحة 228 /

تقدم فصل. قال: لا والله لا تقدمت وأنت خليفة رسول الله، فتقدم أبو بكر فصلى أربعا .

 وقد بينا هنا لك أنه من موضوعات عبد الله بن محمد القدامي المصيصي كما عده الذهبي في الميزان 2: 7 من مصائبه .

 ومن جراء تلك الموجدة منعت عن أن تدخلها يوم ذاك عائشة كريمة أبي بكر فضلا عن أبيها، فجاءت تدخل فمنعتها أسماء فقالت: لا تدخلي.

 فشكت إلى أبي بكر و قالت: هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقف أبو بكر على الباب وقال: يا أسماء ! ما حملك على أن منعت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وقد صنعت لها هودج العروس ؟ قالت: هي أمرتني أن لا يدخل عليها أحد ، وأمرتني أن أصنع لها ذلك .

 راجع الاستيعاب 2: 772، ذخاير العقبى ص 53، أسد الغابة 5: 524، تاريخ الخميس 1: 313، كنز العمال 7: 114، شرح صحيح مسلم للسنوسي 6: 281، شرح الآبي لمسلم 6: 282، أعلام النساء 3: 1221 .

 

(إعتذار الخليفة إلى الصديقة)

هذه المذكورات كلها وبعض سواها تكذب ما اختلقته رماة القول على عواهنه من رواية الشعبي أنه قال: جاء أبو بكر إلى فاطمة وقد اشتد مرضها فاستأذن عليها فقال لها علي: هذا أبو بكر على الباب يستأذن فإن شئت أن تأذني له ؟ قالت: أو ذاك أحب إليك ؟ قال: نعم.

 فدخل فاعتذر إليها وكلمها فرضيت عنه .

 وعن الأوزاعي قال بلغني أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبت على أبي بكر فخرج أبو بكر حتى قام على بابها في يوم حار ثم قال: لا أبرح مكاني حتى ترضى عني بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها علي فأقسم عليها لترضى فرضيت(1) .

 ما قيمة هذه الرواية تجاه تلكم الصحاح ؟ ولا يوجد لها أثر في أي أصل من أصول الحديث ومسانيد الحفاظ، وقد بلغت إلى الأوزاعي المتوفى 157 وأرسل بها الشعبي المتوفى 104 / 5 / 6 / 7 / 9 / 10 ولا يعرف من بلغها، ومن أتى بها، ومن أوحاها إلى الرجلين.

 نعم تساعد نصوص الصحاح ما أتى به ابن قتيبة والجاحظ قال الأول: إن

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرياض النضرة 2 ص 120، تاريخ ابن كثير 5 ص 289.

 

/ صفحة 229 /

عمر قال لأبي بكر رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة فإنا قد أغضبناها فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما فأتيا عليا فكلماه فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط فسلما عليها فلم ترد عليهما السلام فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله ! والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله ؟ إلا أني سمعت أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة.

 فقالت أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به ؟ فقالا: نعم: فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا: نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 قالت: فإني أشهد الله وملائكته إنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه.

 فقال أبو بكر.

 أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة ! ثم انتحب أبو بكر يبكي حتى كادت نفسه أن تزهق و هي تقول: والله لأدعون عليك في كل صلاة أصليها.

 ثم خرج باكيا فاجتمع الناس إليه فقال لهم: يبيت كل رجل معانقا حليلته مسرورا بأهله وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي(1) .

 وقال الجاحظ في رسائله ص 300: وقد زعم أناس أن الدليل على صدق خبرهما " يعني أبا بكر وعمر " في منع الميراث وبراءة ساحتهما ترك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم النكير عليهما..

 ! قد يقال لهم: لئن كان ترك النكير دليلا على صدقهما، أن ترك المتظلمين والمحتجين عليهما والمطالبين لهما دليل على صدق دعواهم، أو استحسان مقالتهم ، ولا سيما وقد طالت المناجات، وكثرت المراجعة والملاحات، وظهرت الشكية، واشتدت الموجدة، وقد بلغ ذلك من فاطمة إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر.

 ولقد كانت قالت له حين أتته مطالبة بحقها ومحتجة لرهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت ؟ قال :

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإمامة والسياسة 1 ص 14، أعلام النساء 3 ص 1214.

 

/ صفحة 230 /

أهلي وولدي قالت: فما بالنا لا نرث النبي صلى الله عليه وسلم ؟(1) فلما منعها ميراثها، وبخسها حقها واعتل عليها، وجلح أمرها، وعاينت التهضم، وأيست في التورع، ووجدت نشوة الضعف وقلة الناصر، قالت: والله لأدعون الله عليك.

 قال: والله لأدعون الله لك.

 قالت والله لا كلمتك أبدا قال: والله لا أهجرك أبدا.

 فإن يكن ترك النكير على أبي بكر دليلا على صواب منعها، أن في ترك النكير على فاطمة دليلا على صواب طلبها ؟ وأدنى ما كان يجب عليهم في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ ، ورفع قدرها عن البذاء، وأن تقول هجرا، وتجور عادلا، أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا على الخصمين جميعا فقد تكافأت الأمور واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل حكم الله في المواريث أولى بنا وبكم، وأوجب علينا وعليكم .

 فإن قالوا: كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها، وكلما ازدادت عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة. حديث تقول له: الله لا أكلمك أبدا. فيقول: والله لا أهجرك أبدا. ثم تقول: والله لأدعون الله عليك. فيقول: والله لأدعون الله لك ثم يتحمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك عن أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها، المكبر لمقامها، الصائن لوجهها، المتحنن عليها: ما أحد أعز علي منك فقرا، ولا أحب إلي منك غنى، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور، وقد يبلغ من مكر الظالم ودها، الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم، و ذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقت المحق، وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة ؟ وقد زعمتم أن عمر قال على منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: متعة النساء ومتعة الحج، أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما(2) فما وجدتم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا الحديث أخرجه أحمد في المسند 1 ص 10، والبلاذري في فتوح البلدان ص 38 ، وابن كثير في تأريخه 5 ص 289 .

 (2) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا ص 211 ط 2.

 

/ صفحة 231 /

أحدا أنكر قوله، ولا استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه ولا استفهمه .

 وكيف تقضون بترك النكير ؟ وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الأئمة من قريش(1) ثم قال في شكايته: لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشك(2) حين أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم شورى وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي اعتقته وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ذلك من قوله منكر، ولا قابل إنسان بين قوله ولا تعجب منه، وإنما يكون ترك النكير على من لا رغبة ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والأمر والنهي القتل والاستحياء والحبس والاطلاق فليس بحج تشفي ولا دلالة تضئ. إنتهت كلمة الجاحظ .

 

نظرة في كلمة قارصة

لا يسعنا أن نفوه في الدفاع عن الخليفة بما قال ابن كثير في تاريخه 5 ص 249 من أن فاطمة حصل لها - وهي امرأة من البشر ليست براجية العصمة - عتب وتغضب ، ولم تكلم الصديق حتى ماتت.

 وقال في ص 289: وهي امرأة من بنات آدم تأسف كما يأسفون، وليست بواجبة العصمة، مع وجود نص رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخالفة أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. ا ه‍ .

 أنى لنا السرف والمجازفة في القول بمثل هذا تجاه آية التطهير في كتاب الله العزيز النازلة فيها وفي أبيها وبعلها وبنيها ؟ .

 أنى لنا بذلك وبين يدينا هتاف النبي الأقدس صلى الله عليه وآله: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ؟ وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، ويغضبني ما أغضبها .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه غير واحد من الحفاظ وصححه ابن حزم في الفصل 4: 89 فقال: هذه رواية جاءت مجئ التواتر، ورواها أنس بن مالك وعبد الله بن عمر ومعاوية، وروى جابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعبادة بن الصامت معناها، ومما يدل على صحة ذلك إذعان الأنصار به يوم السقيفة. ه‍ .

(2) أخرجه ابن سعد، والباقلاني، وأبو عمر، والحافظ العراقي كما مر ص 144.

 

/ صفحة 232 /

وفي لفظة فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها .

 وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها.

 في تاج العروس: أي يتعبني ما أتعبها .

 وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها .

 وفي لفظة: فاطمة بضعة مني يسعفني ما يسعفها.

 في تاج العروس: أي ينالني ما ينالها، ويلم بي ما يلم بها .

 وفي لفظة: فاطمة شجنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها .

 وفي لفظة: فاطمة مضغة مني فمن آذاها فقد آذاني .

 وفي لفظة فاطمة مضغة مني يقبضني ما قبضها، ويبسطني ما بسطها .

 وفي لفظة: فاطمة مضغة مني يسرني ما يسرها .

 أخرجها على اختلاف ألفاظها أئمة الصحاح الست وعدة أخرى من رجال الحديث في السنن والمسانيد والمعاجم وإليك جملة ممن رواها .

 1 - ابن أبي مليكة المتوفى 117 كما في رواية البخاري ومسلم وابن ماجة و ابن داود وأحمد والحاكم .

 2 - أبو عمر بن دينار المكي المتوفى 125 / 6 كما في صحيحي البخاري ومسلم .

 3 - الليث بن سعد المصري المتوفى 175 كما في إسناد ابن ماجة وابن داود وأحمد .

 4 - أبو محمد ابن عيينة الكوفي المتوفى 198 كما في الصحيحين .

 5 - أبو النضر هاشم البغدادي المتوفى 205 / 7 كما في مسند أحمد .

 6 - أحمد بن يونس اليربوعي المتوفى 227 كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود .

 7 - الحافظ أبو الوليد الطيالسي المتوفى 227 كما في صحيح البخاري .

 8 - أبو المعمر الهذلي المتوفى 336 كما في صحيح مسلم .

 9 - قتيبة بن سعيد الثقفي المتوفى 240 روى عنه مسلم وأبو داود .

 10 - عيسى بن حماد المصري المتوفى 248 / 9 روى عنه ابن ماجة .

 11 - إمام الحنابلة أحمد المتوفى 241 في مسنده 4: 323، 328 .

 

 

/ صفحة 233 /

12 - الحافظ البخاري أبو عبد الله المتوفى 256 في صحيحه في المناقب 5: 274 .

 13 - الحافظ مسلم القشيري المتوفى 261 في صحيحه في الفضائل 2: 261 .

 14 - الحافظ أبو عبد الله ابن ماجة المتوفى 272 في سننه 1 ص 216 .

 15 - الحافظ أبو داود السجستاني المتوفى 275 في سننه 1 ص 324 .

 16 - الحافظ أبو عيسى الترمذي المتوفى 275 في جامعه 2 ص 319 .

 17 الحكيم أبو عبد الله الترمذي المحدث المتوفى 285 في نوادر الأصول 308 .

 18 - الحافظ أبو عبد الرحمن النسائي المتوفى 303 في خصايصه ص 35 .

 19 أبو الفرج الاصبهاني المتوفى 303 في الأغاني 8 ص 156 .

 20 - الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المتوفى 405 في المستدرك 1543 ، 158، 159 .

 21 - الحافظ أبو نعيم الاصبهاني المتوفى 430 في حلية الأولياء 2: 40 .

 22 - الحافظ أبو بكر البيهقي المتوفى 458 في السنن الكبرى 7: 307 .

 23 - أبو زكريا الخطيب التبريزي المتوفى 502 في مشكاة المصابيح ص 560 .

 24 - الحافظ أبو القاسم البغوي المتوفى 510 / 16 في مصابيح السنة 2: 278 .

 25 - القاضي أبو الفضل عياض المتوفى 544 في الشفاء 2: 19 .

 26 - أخطب الخطباء الخوارزمي المتوفى 568 في مقتله ص 53 .

 27 - الحافظ أبو القاسم ابن عساكر المتوفى 571 في تاريخه 1 ص 298 .

 28 - أبو القاسم السهيلي المتوفى 581 في الروض الأنف 2: 196 .

 وقال: إن أبا لبابة رفاعة بن عبد المنذر ربط نفسه في توبة وإن فاطمة أرادت حله حين نزلت توبته فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن فاطمة مضغة مني.

 فصلى الله عليه وعلى فاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، ومن صلى عليها فقد صلى على أبيها صلى الله عليه وسلم .

 29 - ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى 586 في شرح النهج 2 ص 458 .

 30 - أبو الفرج ابن الجوزي المتوفى 597 في صفة الصفوة 2: 5 .

 31 - الحافظ أبو الحسن بن الأثير الجزري المتوفى 630 في أسد الغابة 5 ص 521 .

 

 

/ صفحة 234 /

32 - أبو سالم ابن طلحة الشافعي المتوفى 652 في مطالب السئول ص 6: 7 .

 33 - سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في التذكرة ص 175 .

 34 - الحافظ الكنجي الشافعي المتوفى 658 في الكفاية ص 220 .

 35 - الحافظ محب الدين الطبري المتوفى 694 في ذخاير العقبي ص 37 .

 36 - الحافظ أبي محمد الأزدي الأندلسي المتوفى 699 في شرح المختصر صحيح البخاري 3: 91 .

 37 - الحافظ الذهبي الشافعي المتوفى 747 في تلخيص المستدرك .

 38 - القاضي الإيجي المتوفى 756 في المواقف كما في شرحه 3: 268 .

 39 - جمال الدين محمد الزرندي الحنفي المتوفى في بضع و 750 في درر السمطين .

 40 - أبو السعادات اليافعي المتوفى 768 في مرآة الجنان 1: 61 .

 41 - الحافظ زين الدين العراقي المتوفى 806 في طرح التثريب 1: 150 .

 42 - الحافظ نور الدين الهيثمي المتوفى 807 في مجمع الزوائد 9: 203 .

 43 - الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى 852 في تهذيب التهذيب 12: 441 .

 44 - الحافظ جلال الدين السيوطي المتوفى 911 في الجامع الصغير والكبير 45 - الحافظ أبو العباس القسطلاني المتوفى 923 في المواهب اللدنية 1: 257 .

 46 - القاضي الديار بكري المالكي المتوفى 966 / 82 في الخميس 1: 464 .

 47 - ابن حجر الهيتمي المتوفى 974 في الصواعق 112، 114 .

 48 - صفي الدين الخزرجي المتوفى 0 0 0 في الخلاصة ص 435 .

 49 - زين الدين المناوي المتوفى 1031 / 5 في كنوز الدقائق ص 96 .

 وقال في شرح الجامع الصغير 4 ص 421: استدل به السهيلي على أن من سبها كفر لأنه يغضبه، وأنها أفضل من الشيخين قال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثم لما رأت أم الفضل في النوم أن بضعة منه وضعت في حجرها أولها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تلد فاطمة غلاما فيوضع في حجرها، فولدت الحسن فوضع في حجرها، فكل من يشاهد الآن من ذريتها بضعة من تلك البضعة، وإن تعددت الوسائط، ومن تأمل ذلك انبعث من قلبه داعي

 

/ صفحة 235 /

الاجلال لهم وتجنب بغضهم على أي حال كانوا عليه .

 قال ابن حجر: وفيه تحريم أذى من يتأذى المصطفى صلى الله عليه وآله بتأذيه، فكل من وقع منه في حق فاطمة شئ فتأذت به فالنبي صلى الله عليه وآله يتأذى به بشهاة هذا الخبر، ولا شئ أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقرار معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد .

 50 - الشيخ أحمد المغربي المالكي المتوفى 1041 في فتح المتعال ص 385.

 قال في قصيدة كبيرة يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وآله :

فما كسبطي رسول الله من أحد * ولا يضاهيهما في الفخر مفتخر

وهـــل كفاطمة الزهراء أمهما * بنــــــت النبي المصطفى بشر ؟

فإنهـــــا بضعــــة منه وما أحد * كبضعة المصطفى إن حقق النظر

51 - الشيخ أحمد باكثير المكي الشافعي المتوفى 1047 في وسيلة المال 52 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفى 1122 في شرح المواهب 3: 205 قال: استدل به السهيلي على أن من سبها كفر وتوجيهه أنها تغضب ممن سبها و قد سوى بين غضبها وغضبه ومن أغضبه كفر .

 53 - الزبيدي الحنفي المتوفى 1205 في تاج العروس 5. 227 و ج 6: 139 .

 54 - القندوزي الحنفي المتوفى 1293 في ينابيع المودة ص 171 .

 55 - الحمزاوي المالكي المتوفى 1303 في النور الساري هامش البخاري 5: 274 .

 56 - الشيخ مصطفى الدمشقي 0 0 0 في مرقاة الوصول ص 109 .

 57 - السيد حميد الدين الآلوسي المتوفى 1324 في نثر اللئالي ص 181 .

 58 - السيد محمود القراغولي البغدادي الحنفي في جوهرة الكلام ص 105 .

 59 - عمر رضا كحالة في أعلام النساء 3 ص 1216 .

 ثم أنى لنا القول بمقال ابن كثير وملأ الأسماع قول رسول الله صلى الله عليه وآله: فاطمة قلبي وروحي التي بين جنبي فمن آذاها فقد آذاني(1) وقوله: إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضي لرضاها.

 أو: إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك قاله لفاطمة ؟ ! .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثالث من كتابنا هذا ص 20 .

 

/ صفحة 236 /

راجع معجم الطبراني، مستدرك الحاكم 3: 154 وصححه، مسند ابن النجار، مقتل الخوارزمي 1: 52، تذكرة السبط ص 175، كفاية الطالب للكنجي ص 219، ذخاير العقبى للمحب الطبري ص 39، ميزان الاعتدال 2: 72، مجمع الزوائد 9: 203، تهذيب التهذيب 12 : 443، كنز العمال 7: 111، أخبار الدول هامش الكامل 1: 185، كنوز الدقايق للمناوي ص 30، شرح المواهب للزرقاني 3: 202، الاسعاف ص 171، ينابيع المودة 173، 174 ، الشرف المؤبد ص 59 .

 هذه مطلقات تشمل جميع موجبات الرضا والغضب من الصديقة سلام الله عليها حتى المباحات شأن أبيها الأقدس كما فهمه القسطلاني والحمزاوي في شرح البخاري وذلك يكشف عن أنها صلوات الله عليها لا ترضى إلا لما فيه مرضاة المولى سبحانه، ولا تغضب إلا على ما يغضبه، حتى أنها لو رضيت أو غضبت على أمر مباح فإن هناك جهة شرعية تدخله في الراجحات، أو يجعله من المكروهات، فلن تجد منها في أي من الرضا والغضب وجهة نفسية أو صبغة شهوية، وذلك معنى العصمة التي نفاها المتحذلق - ابن كثير - بعد أن تصامم أو تعامى عن دلالة آية التطهير النازلة فيها وفي أبيها وبعلها وبنيها: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .