فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/  ص 324  /

 

جناية التاريخ

ما أكثر جناية التاريخ على ذوي الفضل والاحساب الذين تستفيد الامة من تاريخ حياتهم ، ورائم أخلاقهم وآثار مآثرهم ، ونفسياتهم الكاملة ، ومعاقد أقوالهم وبوالغ عظاتهم ، ودرر حكمهم ، وموارد إقدامهم وإحجامهم.

تجد التاريخ هنا يسرع السير فينسي ذكرهم ، ويغمط فضلهم ، أو يأتي بمجمل من القول في صورة مصغرة ، أو يحور الكلام ومزيجه الخبر المائن أو رواية شائنة ، كل ذلك تأييدا لمبدأ ، وأخذا بناصر نزعة ، وسترا على أقوام آخرين تمس الحقيقة الراهنة بهم وبكرامتهم ، وتبعا لاهواء وشهوات من ساسة الوقت أو زعماء الزمن.

فمن هذه النواحي كلها أغفل التاريخ عن التبسط في حياة ابي ذر الماثلة بالفضائل والفواضل الشاخصة بالعبقرية والكمال ، التي يجب أن تتخذ قدوة في السلوك و التهذيب ، وأن تكون للامة بها أسوة وقدوة في التقوى والمبدأ.

 

- البلاذري  :

فتجد البلاذري يذكر حديث إخراج أبي ذر إلى الربذة من عدة طرق بصورة مرت في صفحة 292 ويروي قول أبي ذر لحوشب الفزاري " وأبوذر هو الذي ما أظلت الخضراء.الخ ".أخرجت كارها.ثم عقبه باكذوبة سعيد بن المسيب " الذي كان من مناوي العترة الطاهرة وشيعتهم " من إنكار إخراج عثمان إياه ، وانه خرج اليها راغبا في سكناها.

ولا يعلم المغفل ان في ذلك تكذيبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخبر أبا ذر بأنه يخرج من المدينة كما مر ص 316 بطرق صحيحة.وتكذيبا لمولانا أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال لعثمان بعد وفاة أبي ذر في المنفى وقد صمم عثمان أن يتبع ذلك بنفي عمار : يا عثمان  إتق الله فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسيير (1) وتكذيبا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سيوافيك الحديث بتمامه ان شاء الله تعالى.

 

 

/  ص 325  /

 

لابي ذر في قوله الآنف فيما رواه البلاذري نفسه من طريق صحيح : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.

وتكذيبا لعثمان الذي روى عنه البلاذري أيضا انه لما انهى إليه نعي أبي ذر قال : رحمه الله.

فقال عمار : نعم فرحمه الله من كل أنفسنا فقال عثمان : يا عاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره " يأتي تمام الحديث في مواقف عمار ".

وتكذيبا لما رواه البلاذري ايضا عن كميل بن زياد النخعي في حديث أسلفناه ص 294 وتكذيبا ، وتكذيبا.

ولا يعلم المسكين ان تلك الحادثة الفجيعة المتعلقة بعظيم من عظماء الصحابة كأبي ذر وقد كثر حوله الحوار او الاخذ والرد وتوفرت النقمة والنقد حتى عدت من عظائم الحوادث ، وسار بحديثها الركبان ، وتذمر لها المؤمنون ، وشمت فيها من شمت ، و نقم بها على الخليفة ، وكان مما استتبعها : ان ناسا من أهل الكوفة قالوا لابي ذر وهو بالربذة : إن هذا الرجل فعل بك وفعل ، هل أنت ناصب لنا رأية ؟ يعني نقاتله.

فقال : لا ، لو أن عثمان سيرني من المشرق إلى المغرب سمعت واطعت (1) .

وقال ابن بطال كما في عمدة القاري للعيني 4 : 291 : إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر لانه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له وكان في جيشه ميل الي ابي ذر فأقدمه عثمان خشية الفتنة لانه كان رجلا لا يخاف في الله لومة لائم.

فما كنت يومئذ تمر بحاضرة من الحواضر الاسلامية إلا وتجد توغلا من أهلها في هذا الحديث ، وتغلغلا بين ارجائها من جراء ذلك الحادث الجلل.

إن حادثة كمثلها لا تستر بانكار مثل ابن المسيب المنبعث عن الولاء الاموي لكنه شاء ان يقول فقال ، ذاهلا عن انه لا يقبل منه ذو مسكة ان يترك مثل أبي ذر دارا هجرته ومهجر شرفه ويعرض عن جوار نبيه ويختار الربذة منزلا له ولاهله مع جدبها وقفرها ، ولو كانت له خيرة في الامر ، فما تلك المدامع الجارية من لوعة المصاب وغصة الاكتئاب ؟

وما تلكم النفثات الملفوظة منه ومن مشيعيه في ذلك الوادي الوعر لما حان التوديع وآن الفرقان بين الاحبة ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد 3 : 212.

 

 

/  ص 326  /

 

ومن أمانة البلاذري في النقل : أنه عند سرد قصة أبي ذر ومشايعة مولانا أمير المؤمنين له قال: جرى بين علي وعثمان في ذلك كلام.ولم يذكر ما جرى لان فيه نيلا من صاحبه.

 

- ابن جرير الطبري  :

وإنك تجد الطبري في التاريخ لما بلغ إلى تاريخ أبي ذر يقول : في هذه السنة اعني سنة 30 كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب اشخاصه إياه منها اليها امور كثيرة كرهت ذكر أكثرها ، فأما العاذرون معاوية في ذلك فانهم ذكروا في ذلك قصة.اه‍.

لماذا ترك الطبري تلكم الامور الكثيرة ولم يذكر منها إلا قصة العاذرين ؟ التي افتعلوها معذرة لمعاوية وتبريرا لعمل الخليفة ، وأما الحقائق الراهنة التي كانت تمس كرامة الرجلين ، وكانت حديث امة محمد وقتئذ وهلم جرامن ذلك اليوم حتى عصرنا الحاضر فكره ايرادهاا ، وحسب انها تبقى مستورة إن لم يلهج هوبها ، وقد ذهب عليه ان في فجوات الدهر ، وثنايا التاريخ ، وغضون كتب الحديث منها بقايا كافية لمن تروقه معرفة نفسيات مناوي ابي ذر ، وتحقق اعلام النبوة التي جاء بها النبي الاعظم في قصة ابي ذر من المغيبات.

ثم ذكر القصة بصورة مكذوبة مختلقة لا يصح شيء منها ، وكل جملة منها يكذبه التاريخ الصحيح أو الحديث المتسالم على صحته ، وكفاها وهنا ما في سندها من الغمز وإليك رجاله

1- السري.مر الكلام فيه في هذا الجزء ص 140 وانه مشترك بين اثنين عرفا بالكذب والوضع.

2- شعيب بن ابراهيم الاسيدي الكوفي ، اسلفنا صفحة 140 من هذا الجزء قول الحافظين : ابن عدي والذهبي فيه وانه مجهول لا يعرف.

3- سيف بن عمر التيمي الكوفي ، ذكرنا في صفحة 84 من هذا الجزء اقوال الحفاظ وائمة الجرح والتعديل حول الرجل وانه ضعيف ، متروك ، ساقط ، وضاع ، عامة حديثه منكر ، يروي الموضوعات عن الاثبات ، كان يضع الحديث ، واتهم بالزندقة.

 

 

/  ص 327  /

 

اضف إلى المصادر السابقة : " الاستيعاب " ترجمة القعقاع 2 : 535 ، " الاصابة " 3 : 239 ، مجمع الزوائد للهيثمي 10 : 21.

4- عطية بن سعد العوفي الكوفي.للقوم فيه آراء متضاربة بين توثيق وتضعيف وقال الساجي : ليس بحجة وكان يقدم عليا على الكل.وقال ابن سعد : كتب الحجاج إلى محمد بن القاسم ان يعرضه على سب علي فإن لم يفعل فاضربه اربعمائة سوط واحلق لحيته فاستدعاه فأبى ان يسب فأمضى حكم الحجاج فيه (1) وذكر ابن كثير في تفسيره 1 : 501 عن صحيح الترمذي من طريق عطية في علي مرفوعا : لا يحل لاحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك.فقال : ضعيف لا يثبت فإن سالما متروك وشيخه عطية ضعيف.اه‍.

وكون الرجل في الاسناد آية كذب الرواية إذ الشيعي الجلد كالعوي لا يروي حديث الخرافة.

5- يزيد الفقعسي.لا أعرفه ولا أجد له ذكرا في كتب التراجم.

فانظر إلى أمانة الطبري على ودايع التاريخ فإنه يصفح عن ذلك الكثير الثابت الصحيح ويقتصر على هذه المكاتبة المكذوبة المفتعلة.حيا الله الامانة.

 

نظرة قيمة في تاريخ الطبري

شوه الطبري تاريخه بمكاتبات السري الكذاب الوضاع ، عن شعيب المجهول الذي لا يعرف ، عن سيف الوضاع ، المتروك ، الساقط ، المتهم بالزندقة ، وقد جاء‌ت في صفحاته بهذا الاسناد المشوه 701 رواية وضعت للتمويه على الحقايق الراهنة في الحوادث الواقعة من سنة 11 إلى 37 عهد الخلفاء الثلاثة فحسب ، ولا يوجد شيء من هذا الطريق الوعر في اجزاء الكتاب كلها غير حديث واحد ذكره في السنة العاشرة ، وإنما بدا برواية تلكم الموضوعات من عام وفاة النبي الاقدس ، وبثها في الجزء الثالث والرابع والخامس ، وانتهت بانتهاء خامس الاجزاء.

ذكر في الجزء الثالث من ص 210 في حوادث سنة 11                 57 حديثا

أخرج في الجزء الرابع في حوادث السنة الثانية عشر                   427 حديثا

أورد في الجزء الخامس في حوادث السنة ال‍23 ـ 37                   207 حديثاً

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المجموع 701 حديثا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تهذيب لابن حجر 7 : 226.

 

 

/  ص 328  /

 

ومما يهم لفت النظر اليه ان الطبري من صفحة 210 من الجزء الثالث إلى ص 241 يروي عن السري بقوله : حدثني.المعرب عن السماع منه ، ومن ص 241 يقول : كتب إلى السري.الي آخر ما يروي عنه إلاحديثا واحداا في الجزء الرابع ص 82 يقول فيه : حدثنا.

ولست أدري ان السري ، وسيف بن عمر هل كان علمهما بالتاريخ مقصورا على حوادث تلكم الاعوام المحدودة فقط ؟ ومن حوادثها على ما يرجع إلى المذهب فحسب لا مطلقا ؟ أوكانت موضوعاتهما تنحصر بالحوادث الخاصة المذهبية الواقعة في الايام الخالية من السنين المعلومة ؟ لكونها الحجر الاساسي في المبادئ والآراء والمعتقدات ، وقد أرادوا خلط التاريخ الصحيح وتعكير صفوه بتلكم المفتعلات ثزلفا إلى اناس ، واختذالا عن آخرين ، ومن أمعن النظر في هذه الروايات يجدها نسيج يد واحدة ، ووليد نفس واحد ، ولا أحسب ان هذه كلها تخفى على مثل الطبري ، غير ان الحب يعمي ويصم.

وقد سودت هاتيك المخاريق المختلفة صحائف تاريخ ابن عساكر ، وكامل ابن الاثير ، وبداية ابن كثير ، وتاريخ ابن خلدون ، وتاريخ أبي الفدا إلى كتب أناس آخرين إقتفوا أثر الطبري على العمى ، وحسبوا أن ما لفقه هو في التاريخ اصل متبع لاغمز فيه ، مع ان علماء الرجال لم يختلفوا في تزييف أي حديث يوجد فيه أحد من رجال هذا السند فكيف اذا اجتمعوا في إسناد رواية.

والتآليف المتأخرة اليوم المشحونة بالتافهات التي هي من ولائد الاهواء و الشهوات كلها متخذة من هذه السفاسف التي عرفت حالها وسنوقفك على نماذج منها في الجزء التاسع إنشاء الله تعالى.

 

ابن الاثير الجزرى

وأنت ترى ابن الاثير في الكامل الناقص تبعا للطبري في الذكر والاهمال كما هو كذلك في كل ما توافقا عليه من التاريخ لكنه زاد ضغثا على أبالة فقال : وفي هذه السنة كان ما ذكر في أمر ابي ذر وإشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة ، وقد ذكر في سبب ذلك امور كثيرة من سب معاوية إياه وتهديده بالقتل وحمله إلى المدينة

 

/  ص 329  /

 

من الشام بغير وطاء ، ونفيه من المدينة على الوجه الشنيع لا يصح النقل به ، ولو صح لكان ينبغي ان يعتذر عن عثمان ، فان للامام أن يؤدب رعيته ، وغير ذلك من الاعذار لا أن يجعل ذلك سببا للطعن عليه كرهت ذكرها.اه‍

إن الذي لم يصحح الرجل نقله صححه آخرون فنقلوه قبله وبعده فلم ينل المسكين مبتغاه ، وكان قد حسب أن الحقائق الثابتة تخفى عن أعين الناس إن سترها هو بذيل أمانته ، وقد ذهب عليه ان أهل النصفة من المؤلفين ورواد الحقايق من الرواة سوف لا يدعون صغيرة ولا كبيرة إلا ويحصونها على الامة ، وإن مدونة التاريخ ليست قصرا على كتابه.

هب انه ستر التاريخ بالاهمال لكنه ماذا يصنع بالمحدثين ؟ الذين اثبتوا حديث إخراجه من المدينة وطرده عن مكة والشام في باب الفتن وفي باب أعلام النبوة (1) أولا يبهظ ذلك ابا ذر وزملائه من رجالات أهل البيت عليهم السلام ومن يرى رايه من صلحاء الامة ، ولا سيما ان سابقة الطرد من عاصمة النبوة لم تكن إلا لمثل الحكم " عم الخليفة " وابنه وعائلته زبانية العيث والفساد تنزيها للعاصمة عن معرتهم ، وتطهيرا لها عن لوث بقائهم فيها ، أفهل يساوي أبوذر ذلك العظيم عند الله ورسوله شبيه عيسى بن مريم في أمة محمد صلى الله عليه وآله الذي ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق منه ، وقد امر الله سبحانه رسوله بحبه ، وهو من الثلاثة الذين تشتاق اليهم الجنة ، والثلاثة الذين يحبهم الله تعالى.

أفهل يساوي من هو هذا بالطريد اللعين ، فيشوه ذكره بهذه التسوية ، ويشهر بين الملا موصوما بذلك ، ويمنع الناس عن التقرب اليه ، وينادي عليه بذل الاستخفاف ، ويحرم الناس عن علومه الجمة التي هو وعائها ، ولعمر الحق ، وشرف الاسلام ، ومجد الانسانية ، وقداسة ابي ذر ، إن النشر بالمناشير ، والقرض بالمقاريض أهون على الديني الغيور من بعض هاتيك الشنايع.

ثم إن تاديب الخليفة للرعية إنما يقع على من فقد الآداب الدينية وطوحت به طوائح الجهل إلى مساقط الضعة.وأما مثل ابي ذر الذي أطراه رسول الله صلى الله عليه وآله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ص 324 ـ 328.

 

 

/  ص 330  /

 

بما لم يطر به غيره وقر به وأدناه وعلمه وإذا غاب عنه تفقده ، وشهد انه شبيه عيسى بن مريم هديا وسمتا وخلقا وبرا وصدقا ونسكا وزهدا.فبماذا يؤدب ؟ ولما ؟ واي تاديب هذا يراه النبي الاعظم بلاء في الله ؟ ويأمر أبا ذر بالصبر وهو يقول : مرحبا بأمر الله.وبم ولم استحق ابوذر التأديب ؟ وعمله مبرور مشكور عند المولى سبحانه ، ويراه مولانا أمير المؤمنين غضبا لله ويقول له : فارج من غضبت له (1) .

نعم : يجب أن يكون أبوذر هو المؤدب للناس لما حمله من علم النبوة وأحكام الدين وحكمه ، والنفسيات الكريمة ، والملكات الفاضلة التي تركته شبيها بعيسى بن مريم في أمة محمد صلى الله عليه وآله.

مابال الخليفة يتحرى تاديب أبي ذر وهو هذا ، ويبهظه تاديب الوليد بن عقبة السكير على شرب الخمر واللعب بالصلاة المفروضة ؟.

ويبهظه تاديب عبيدالله بن عمر على قتل النفوس المحترمة.

ويبهظه تاديب مروان وهو يتهمه بالكتاب المزور عليه.

ويبهظه تاديب الوقاح المستهتر المغيرة بن الاخنس وهو يقول له : أنا أكفيك علي بن ابي طالب.فأجابه الامام بقوله : يا ابن اللعين الابتر والشرة التي لا اصل لها ولا فرع أنت تكفيني ؟ فوالله ما أعز الله من أنت ناصره الخ (2) .

ما بال الخليفة يطرد أبا ذر ويردفه بصلحاء آخرين ويرى الامام الطاهر أمير المؤمنين أحق بالنفي منهم (3) ويأوي طريد رسول الله الحكم وابنه ويرفدهما وهما هما ؟.

ما بال الخليفة يخول مروان مهمات المجتمع ؟ ويلقي اليه مقاليد الصالح العام ؟

ولم يصخ إلى قول صالح الامة مولانا أمير المؤمنين له : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به ؟ والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه ، وأيم الله إني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، اذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك ، يأتي تمام الحديث في الجزء التاسع إن شاء الله تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ما مر في هذا الجزء صفحة 300.

 (2) نهج البلاغة 1 : 253.

 (3) سيوافيك حديثه في مواقف عمار ان شاء الله تعالى.

 

 

/  ص 331  /

 

ما بال الخليفة يعطي مروان أزمه اموره ويشذ عن السيرة الصالحة حتى توبخه زوجته نائلة بنت الفرافصة ؟ وتقول : قد أطعت مروان يقودك حيث شاء ، قال : فما اصنع قالت.تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك ، فانك متى اطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة ، وإنما تركك الناس لمكانه ، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة وهو لا يعصى (1) ليت الخليفة كانت له اذن واعية تسمع من بنت الفرافصة كلمتها الحكمية التي كانت فيها نجاته في النشأتين.

كان من صالح الخليفة أن يدني اليه ابا ذر فيستفيد بعلمه وخلقه ونسكه وأمانته وثقته وتقواه وزهده لكنه لم يفعل ، وماذا كان يجديه لو فعل ؟ وحوله الامويون وهو المتفاني في حبهم وهم لا يرون ذلك الرأي السديدا لانه على طرف النقيض مما حملوه من النهمة والشره ، واكتناز الذهب والفضة ، والسير مع الهوى والشهوات ، وهم المسيطرون على رأي الخليفة وابوسفيان يقول : يا بني أمية تلقفوها تلقف الكرة فوالذي يحلف به أبوسفيان ما زلت أرجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة.أو يقول لعثمان :

صارت اليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة واجعل أوتادها بني امية فانما هو الملك ولا ادري ما جنة ولا نار." راجع ص 285 ".

وعثمان وإن زبره تلك الساعة لكنه لم يعد رأيه في بني أمية المتلاعبين بالدين لعبهم بالاكر ، ولا ادري هل تهجس في تأديب ابي سفيان على ذلك القول الالحادي الشائن كما تهجس وفعل في أبي ذر البر التقي ، ومن يماثله من الصلحاء الاتقياء ؟.

لقد فات ابن الاثير كل هذا فاعتذر عن الرجل بأن الخليفة يؤدب رعيته.

- عماد الدين ابن كثير :

جاء ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية 7 : 155 فبنى على اساس ما علاه من قبله في حذف ما كان هنالك من هنات وزاد في الطنبور نغمات قال : كان أبوذر ينكر على من يقتني مالا من الاغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت ويوجب ان يتصدق بالفضل ويتأول قول الله سبحانه وتعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع فبعث يشكوه إلى عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبري 5 : 112 ، الكامل لابن الاثير 3 69.

 

 

/  ص 332  /

 

فكتب عثمان إلى ابي ذر أن يقدم عليه المدينة فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة وهي شرقي المدينة ويقال : إنه سال عثمان ان يقيم بها وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لى : اذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها.وقد بلغ البناء سلعا ، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الايان حتى لا يرتد أعرابيا بعد هجرته ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات.أه‍.

وقال في ص 165 عند ذكر وفاته : جاء في فضله أحاديث كثيرة من اشهرها ما رواه الاعمش عن ابي اليقظان عثمان بن عمير عن ابي حرب بن ابي الاسود عن عبدالله ابن عمرو ان رسول الله قال : ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء اصدق لهجة من أبي ذر.وفيه ضعف.ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وآله ومات ابوبكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة ، وليس عنده سوى امرأته وأولاده فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبدالله بن مسعود من العراق في جماعة من اصحاب فحضروا موته وأوصاهم كيف يفعلون به ، وقيل: قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه ، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت ، وقد ارسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله.أه‍.

هذا كل ما في عيبة ابن كثير من المخاريق في المقام.وفيه مواقع للنظر :

1- إتهامه أبا ذر بأنه كان ينكر اقتناء المال على الاغنياء.الخ.هذه النظرية قديما ما عزوه إلى الصحابي العظيم إختلاقا عليه وزورا ، وقد تحولت في الادوار الاخيرة بصورة مشوهة اخرى من نسبة الاشتراكية اليه وسنفصل القول عنها تفصيلا إنشاء الله تعالى.

2- إنه حسب نزوله الشام وهبوطه الربذة بخيرة منه بعدما أوعز إلى أن عثمان امره بالمقام بالربذة ، اما حديث الربذة فقد أوقفناك آنفا على أنه كان منفيا اليها ، و اخرج من مدينة الرسول بصورة منكرة ، ووقع هنالك ما وقع بين علي عليه السلام ومروان ، وبينه وبين عثمان ، وبين عثمان وبين عمار ، واعتراف عثمان بتسييره ، وتسجيل علي أمير المؤمنين عليه ذلك ، وسماع غير واحد من أبي ذر الصادق نفسه حديثه ، وان عثمان

 

 

/  ص 333  /

 

 جعله أعرابيا بعد الهجرة ، وهو مقتضى إعلام النبوة في إخبار رسول الله صلى الله عليه وآله إياه بأنه سوف يخرج من المدينة ، ويطرد من مكة والشام ، وأما خبر الشام فقد مر إخراجه اليها ولم يكن ذلك باختياره ايضا.

3- وأما حديث بلوغ البناء السلع فإفك مفترى على ام ذر وقد جاء في مستدرك الحاكم 3 : 344 ، وذكره البلاذري كما مر في ص 293 ورآه سبب خروج أبي ذر إلى الشام بإذن عثمان لا سبب خروجه إلى الربذة كما في حديث الطبري.

على ان ابن كثير اخذه من الطبري في التاريخ وجل ما عنده إنما هوملخص ما فيه مع التصرف فيه على ما يروقه ، وإسناد الرواية في التاريخ رجاله بين كذاب وضاع وبين مجهول لا يعرف إلى ضعيف متهم بالزندقة كما اسلفناه في ص 84 ، 140 ، 141 327 وهم :

1- السري / 2- شعيب / 3- سيف / 4- عطية / 5- يزيد الفقعسي.

وحديث يكون في إسناده احد من هؤلاء لا يعول عليه ، وعلى فرض إعتباره فانه لا يقاوم الصحاح المعارضة له الدالة على اخبار رسول الله صلى الله عليه وآله بأنه يخرج ويطرد من مكة والمدينة والشام : راجع ص 316 319 وهي معتضدة بما مر عن ابي ذر وعثمان وغيرهما في تسيير عثمان إياه ، اضف اليها الاعذار الباردة الواردة عن أعلام القوم في تبرير عثمان عن هذا الوزر الشائن.

4- وأما ما ذكره من أمر عثمان أبا ذر أن يتعاهد المدينة حتى لا يرتد اعرابيا فانه من جملة تلك الرواية المكذوبة التي تشمل على حديث السلع ، وقد مر من طريق البلاذري باسناد صحيح في ص 294 قول ابي ذر : ردني عثمان بعد الهجرة اعرابيا.

على انه لم يذكر احد ان أبا ذر قدم المدينة خلال أيام نفيه من سنة ثلاثين إلى وفاته سنة إثنتين وثلاثين حتى يكون ممتثلا لامر عثمان بالتعاهد.

5- ما ذكره من انه جاء في فضله احاديث كثيرة من اشهرها.الخ.

إن شنشنة الرجل في الفضائل انه اذا قدم لسرد تاريخ من يهواه من الامويين ومن انضوى اليهم من رواد النهم جاء باشياء كثيرة وسرد التافه الموضوع في صورة الصحاح من غير تعرض لاسنادها أو تعقيب لمضامينها ، ولا يمل من تسطيرها وإن

 

 

/  ص 334  /

 

سودت اضابير من القراطيس ، لكنه اذا وصلت النوبة إلى ذكر فضل احد من أهل البيت عليهم السلام أو شيعتهم وبطانتهم من عظماء الامة وصلحائها كأبي ذر تضييق عليه الارض برحبها ، وتلكأ وتلعثم كأن في لسانه عقلة وفي شفتيه عقدة ، أو انه كان في اذنه وقرأ عن سماعها فلم تنه اليه ، وإن اضطرته الحالة إلى ذكر شيء منها جاء به في صورة مصغرة كما تجده هاهنا حيث جعل ما هو من اشهر فضائل ابي ذر ضعيفا ، وهو يعلم أن طريق هذا الاسناد ليس منحصرا بما ذكره هو من طريق ابن عمرو الذي أخرجه ابن سعد والترمذي وابن ماجة والحاكم ، وإنما جاء من طريق علي امير المؤمنين وأبي ذر وأبي الدرداء وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمر وابي هريرة ، وحسن الترمذي غير واحد من طرقه في صحيحه 2 : 221.

وإسناد أحمد من طريق ابي الدرداء في مسنده 5 : 197 صحيح رجاله كلهم ثقات.

وإسناد الحاكم من طريق ابي ذر صححه هو واقره الذهبي كما في " المستدرك " 3 : 342.

وإسناد الحاكم من طريق علي عليه السلام وأبي ذر ايضا صححه هو وأقره الذهبي كما في " المستدرك " 4 : 480.

وأما إسناد ما أخرجه ابن كثير من طريق ابن عمرو فقال الذهبي فيما نقله عنه المناوي في شرح الجامع الصغير : سنده جيد.وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجال أحمد وثقوا وفي بعضهم خلاف.وحسنه السيوطي في الجاامع الصغير.فأين الضعف المزعوم ؟ ولا يهمنا التعرض لبقية ما رمى القول فيه على عواهنه فانها مأخوذة من الطبري مع عدم الاجادة في الاخذ ، لعله اراد إصلاح ما في روايته من التهافت فزاد عوارا على عواره ، وروايته هي من جملة اساطير أوقفناك على وضعها ص 327.

والممعن في كتب المحدثين يعلم أن هذه الجنايات التي اوعزنا إلى بعضها لم تعد كتب الحديث فتجدها تثبتمامن حقه الحذف ، وتحذف ما يجب ان يذكر ، ونكل عرفان ذلك إلى سعة باعك ايها القارئ الكريم  ؟

لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاء‌ك فبصرك اليوم حديد " سور ق 22 "

 

 

/  ص 335  /

 

 

نظرية ابي ذر في الاموال

 

وافى سيدنا ابوذر كغيره من قرناء‌ه المقتصين اثر الكتاب والسنة يبغي صالح قومه ونجاح امته ، يبغي بهم أن لا يتخلفوا عنهما قيد ذرة ، يريد أن ينفي عن الناس البخل الذميم ، وأن تكون لضعفاء الامة لماظة من منائح الاغنياء ، وأن لا يمنعوا حقوقهم التي إفترضها الله لهم ، وكان نكيره الشديد متوجها إلى مغتصبي اموال الفقراء ، والى أهل الاثرة الذين كانت القناطير المقنطرة من الذهب والفضة منضدة في دورهم ، و كانت سبائك التبر تقسم بكسرها بالفؤوس ، من دون أن تخرج منها الحقوق المفروضة من أخماس وزكوات ، ومن غير إغاثة للملهوفين الذين كان قوتهم السغب ، وريهم الظمأ وراحتهم النكد ، وعند القوم اموال لهم متكدسة لا تنتفع بهاالعفاة ، ولا يستفيد من نماء‌ها المجتمع ، ولا يصرف شيء منها في الصالح العام ، وقد شاء الله سبحانه للذهب والفضة ان تتداول بهما الايدي ، ويتقلبا في وجوه الحرف والمهن والصنايع ، فتنتجع العامة بهما فأربابهما بالارباح ، والضعفاء بالاجور ، والبلاد بالعمران ، والاراضي بالاحياء والمعالم والمعارف بالدعاية والنشر ، والملا العلمي بالجوامع والكليات والكتب و الصحف ، والمضطرون بحقوقهما الالهية واستحكامات تقتضيها الظروف ، حتى تكون الامة سعيدة بما يتسنى لها من تلكم الجهات من السعي وراء مناجحها ، ولذلك حرم المولى سبحانه إتخاذ الاواني من الذهب والفضة لئلا يبقيا جامدين يعدوهما اعظم الفوائد واكثرها المرقومة فيهما المترقبة منهما من الوجوه التي ذكرناها.

كان نكير سيدنا ابي ذر موجها إلى امثال من ذكرناهم كمعاوية الذي كان يرفع ابوذر عقيرته على بابه كل يوم ويتلو قوله تعالى : الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.وكان يرى الاموال تجبى اليه فيقول : جاء‌ت القطار تحمل النار.

وكمروان الذي كان إحدى منايح عثمان له خمس افريقية وهو خمسمائة الف دينار.

 

 

/  ص 336  /

 

وكعبد الرحمن بن عوف وقد خلف ذهبا قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه ، وترك اربع نسوة فأصاب كل امرأة ثمانون الفا ، فتكون ثروته من هذا الذهب المكنوز فحسب ما مر في صفحة 284.

وكزيد بن ثابت المخلف من الذهب والفضة غير الاموال المكردسة والضياع العامرة ما كان يكسر عند تقسيمه بالفؤوس.

وكطلحة التارك بعده مائة بهارا في كل بهار ثلاث قناطر ذهب ، والبهار جلد ثور وهذه هي التي قال عثمان فيها : ويلي على ابن الحضرمية (يعني طلحة) أعطيته كذا وكذا بهار ذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي (1) أو طلحة التارك مائة جمل ذهبا كما مر عن ابن الجوزي.

وأمثال هؤلاء البخلاء على المجتمع الديني ، وهو يرى ان خليفة الوقت يأتيه ابوموسى بكيلة ذهب وفضة فيقسمها بين نسائه وبناته من دون اي إكتراث لمخالفة السنة الشريفة ، وهو يعلم الكمية المدخرة من النقود التي نهبت يوم الدار.

زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من المذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عند حسن المآب (2)

فما ظنك بالرجل الديني الواقف على كل هذه الكنوز من كثب ؟ وهو يعلم بواسع ما وعاه من رسول الله صلى الله عليه وآله من المغيبات ، ومما يشاهده من نفسيات القوم ، ان تلكم الاموال المكتنزة سوف يصرف اكثرها في الدعوة إلى الباطل ، وفي تجهيز العساكر من ناكثي بيعة الامام الطاهر والخارجين عليه والمزحزحين حليلة المصطفى عن خدر هاعن عقر داره صلى الله عليه ونله وسلم ، وفي اجور الوضاعين للاحاديث في فضائل بني امية والوقيعة في رجالات اهل البيت عليهم السلام ، وفي محر في الكلم عن مواضعه ، وفي منائح لاعني مولانا امير المؤمنين وقاتلي الصلحاء الابرياء من موالي العترة الطاهرة ، ويصرف شيء كثير منها في الخمور والفجور ، إلى غير ذلك من وجوه الشر.

ما ظنك بالرجل ؟ وفي أذنه نداء الصادع الكريم : إذا بلغ بنوأبي العاص ثلاثين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح ابن ابي الحديد 2 : 404.

 (2) سورة آل عمران : 14.

 

 

/  ص 337  /

 

رجلا إتخذوا مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا.ويرى بين عينيه آل ابي العاص بلغوا ثلاثين وجاء‌وا يلعبون بالملك تلاعب الصبيان بالاكر ، وقد إتخذوا مال الله دولا..

فهل تراه يخفق على ذلك كله ، كأنه لا يبصر ولا يسمع ولا يعلم ؟ أو أنه يدوخ العالم بعقيرته ؟ ويلفت الانظار إلى جهات الحكمة ووجوه الفساد.عساه يكسح شيئا من الشر الحاضر ، ويسد عادية المعرة المقبلة وإن أسس هذا الدين الحنيف الدعوة إلى الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون. (1)

لقد ناء أبوذر بهذه المهمة الدينية وهوالذي لا تأخذه في الله لومة لائم ، وما كان يلهج إلا بقوله تعالى : الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.ولم يشذ في تأويل الآية عما يقتضيه ظاهرها لان مطمح نظره كان هؤلاء الذين ذكرناهم ممن جمعوا من غير حله ، وادخروا على غير حقه ، ولم يؤدوا المفترض مما استباحوه من المال واكتنزوه ، ولذلك لم يوجه نكيره إلى ناس آخرين من زملائه ومعاصريه من أهل اليسار كقيس بن سعد بن عبادة الانصاري الذي كان يهب غير الحقوق الواجبة عليه آلافا مؤلفة وقد عرفت شطرا من يساره في الجزء الثاني 8885.

وكأبي سعيد الخدري الذي كان يقول : ما أعلم أهل بيت من الانصار اكثر أموالا منا (2) .

وكعبدالله بن جعفر الطيار الذي دوخ الاجواء ذكر ثروته وعطاياه وقد فصلها ابن عساكر في تاريخه 7 : 325 ـ 344 وغيره.

وعبدالله بن مسعود الذي خلف تسعين الفا كما في صفة الصفوة.

وحكيم بن حزام الذي كانت بيده دار الندوة فباعها من معاوية بمائة الف درهم فقال له عبدالله بن الزبير : بعت مكرمة قريش.فقال حكيم : ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن اخي إني اشتريت بها دارا في الجنة اشهدك اني قد جعلتها في سبيل الله.وحج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة آل عمران آية : 104.

 (2) صفة الصفوة لابن الجوزى 1 : 300.

 

 

/  ص 338  /

 

حكيم ومعه مائة بدنة قد أهداها وجللها الحبرة ، وقف مائة وصيف يوم عرفة في أعناقهم أطوقة الفضة قد نقش في رؤسها : عتقاء الله عزوجل عن حكيم وأعتقهم ، وأهدى الف شاة (1) .

إلى اناس آخرين لدة هؤلاء من أهل اليسار.فلم تسمع اذن الدنيا ان ابا ذر وجه إلى احد من هؤلاء الاثرياء لوما لانه كان يعلم بأنهم اقتنوها من طرقها المشروعة وأدوا ما عليهم منها وزادوا ، وراعوا حقوق المروء‌ة حق رعايتها ، وما كان يبغي بالناس إلا هذه.

لماذا يرى أبوذر بناء معاوية الخضراء في دمشق فيقول : يا معاوية  إن كانت هذه الدار من مال الله ؟ فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهذا الاسراف.فسكت معاوية ويقول أبوذر : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لارى حقا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثر عليه (2) .

ويرى بناء المقداد داره بالمدينة بالجرف وقد جعلها مجصصة الظاهر والباطن كما في مروج الذهب 1 : 434 فلا ينكره عليه ولا ينهاه عنه ولا ينبس ببنت شفة ، وليس ذلك إلا لماكان يراه من الفرق الواضح بين المالين والبنائين وصاحبيهما.

وأما وجوب إنفاق المال الزائد على القوت كله الذي عزاه إلى سيدنا ابي ذر المختلقون فمن أفائكم المفتريات ، لم يدعه أبوذر ولا دعا اليه وكيف يكون ذلك ؟ وأبوذر يعي من شريعة الحق وجوب الزكاة ؟ وهل يمكن ذلك إلا بعد اليسار والوفر الزائد على المؤن ؟ والله سبحانه يقول : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ، وفي تنكير الصدقة و (من) التبعيض دلالة على أن المأخوذ بعض المال لاكله.

على ان النصب الزكوية المضروبة في النقدين والانعام والغلات كلها نصوص على ان الباقي من المال مباح لاربابه ، ولابي ذر نفسه في آداب الزكاة أحاديث أخرجها البخاري ومسلم وغيرها من رجال الصحاح وأحمد والبيهقي وغيرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صفة الصفوة لابن الجوزى 1 : 304

 (2) راجع ما مر ص 304.

 

 

/  ص 339  /

 

فلو كان يجب إنفاق بعد إخراج الزكاة فما معنى التحديد بالنصب والاخراج منها ؟ وهذا معنى واضح لا يخفى على كل مسلم فضلا عن مثل ابي ذر الذي هو وعاء العلم والمحيط بالسنة الشريفة.

ولو كانت على المكلف بقية من الواجب بعد الزكاة لم يؤدها فما معنى الفلاح ؟ الذي وصف الله تعالى به المؤمنين بقوله : قد افلح المؤمنون ، الذين هم في صلاتهم خاشعون ، والذين هم عن اللغو معرضون ، والذين هم للزكاة فاعلون ، سورة المؤمنون 41 وليت شعري إن كان من المفترض إنفاق كل ما للانسان من المال بعد المؤن فبماذا يحترف أو يمتهن ؟ وليس عنده فاضل على المؤن.أبما ادخره لقوته ؟ أم بما رجع عنه بخفي حنين ؟ ومماذا يخرج الزكاة ؟ فيسد بها خلة الضعفاء ويقتات هو في مستقبله الذي هو أوان فاقته.أمن المحتمل ان ابا ذر كان يوجب ترك كل هذه ؟ ويريد أن تكون الدنيا مشحونة بالعفاة المتكففين ؟ فلا يرى المتسول إلا شحاذا مثله ، ولا يجد العافي منتجعا لكشف كربته وتسديد إعوازه ان دامت الحالة على ما يتقول به على أبي ذر سنة أودون سنة.

تالله لا يبغي أبوذر بالمجتمع الديني هذه الضعة وهو لا يحب لهم إلا الخير كله ، ولا يريد هذا اي مصلح او صالح في نفسه فضلا عن أبي ذر المعدود في علماء الصحابة ومصلحيهم وصلحائهم.

نعم : غضب أبوذر لله كما قاله مولانا أمير المؤمنين (1) وغضب للمسلمين حيث رأى فيئهم مدخرا عنهم تتمتع به سماسرة النهمة والجشع.

يرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهــــم من فيئهم صفرات

فكان كل ما انتابه من جراء هذا الاخذ والرد بعين الله وفي سبيله كما عهد اليه رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي قال : في الله ؟ قال : في الله. قال : مرحبا بأمر الله. راجع ص 316 من هذا الجزء.

ثم إن ما شجر من الخلاف بين أبي ذر ومعاوية في قوله تعالى : الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم فخصه معاوية بأهل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ص 300 من هذا الجزء.

 

 

/  ص 340  /

 

الكتاب وعممه أبوذر عليهم وعلى المسلمين كما أخرجه البخاري ومر بلفظه ص 295 وهذه الرواية هي المستند الوحيد لجملة من الافاكين على ابي ذر ظاهر في أنه لا خلاف بينهما في المقدار المنفق من المال وإنما هو في توجيه الخطاب ، فارتأى معاوية ان المخاطب به اهل الكتاب ، وعلم ابوذر من مستقي الوحي ولحن الآية الكريمة انها تعم كل مكلف.إذن فيجب إما أن يعزى هذا الشذوذ إليهما جميعا ، أو تبرئان عنه جميعا ، فافراد ابي ذر بالقذف من ولائد الضغائن والاحن.

وأياما كان فالمراد إنفاق البعض لا الكل ، وإن كان النظر القاصر قد يجنح إلى الاخير لاول وهلة.وليست هذه الآية بدعا من آيات أخرى تماثلها في السياق كقوله تعالى :

مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل.الآية " البقرة 261 ".

وقوله تعالى : الذين ينفقون اموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند

ربهم." البقرة 274 ".

وقوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا اذى لهم أجرهم عند ربهم." البقرة 262 ".

وقوله تعالى : ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضاة الله.الآية " البقرة 265 " على أن هذه الآيات أصرح من هاتيك في العموم لمكان الجمع المضاف فيها ، لكن المعلوم بالضرورة من دين الاسلام انه نزلها إلى البعض ، ولعل النكتة في الاتيان بالجمع المضاف فيها : ان الموصوفين بها بلغوا من نزاهة النفس وكرم الطباع وعلو الهمة حدا لا يبالون معه لو توقفت الحالة على انفاق كل أموالهم.او انهم حين يسمحون بانفاق البعض في سبيل الله تعالى يجعله سبحانه في مكان إنفاق الكل بفضل منه ويثيبهم على ذلك.وبهذا يعلم السر في قوله تعالى : إن الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيلهم " الانفال 36 ".وقوله تعالى : والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس.الآية " النساء 38 ".

فليست هذه الآيات في منتأى عن قوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. " آل عمران 92 ".

 

 

/  ص 341  /

 

وقوله تعالى : قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقون مما رزقناهم سرا وعلانية. " ابراهيم 31 ".

وقوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. " البقرة 3 ".

وقوله تعالى : الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون." الانفال 3 ".

وقوله تعالى : والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون." الحج 35 ".

وقوله تعالى : ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ، " السجدة 16 ".

وقوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناهم " البقرة 254 ".

وقوله تعالى : يا ايها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " البقرة 267 ".

وقوله تعالى : وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي احدكم الموت " المنافقون 10 ".

على ان غير واحد من تلكم الآيات تومي إلى الانفاق المندوب كما نص عليه علماء التفسير وحفاظ الحديث ، ومع ذلك لم يدعها سبحانه على ما يتوهم منها من جمعها المضاف حتى جعل لها حدا بقوله عزوجل : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا." الاسراء 29 ".

وقوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما." الفرقان 67 ".

أترى أنأبا ذر سلام الله عليه عزب عنه كل هذه الآيات الكريمة والاصول المسلمة ، أو كان له رأي خاص في تأويلها تجاه الحقائق الراهنة ؟ حتى جاء بعد لاي من عمر الدنيا رعرعة تجشأهم الدهر فقائهم وقفوا على تلكم الكنوز المخبأة.

ولو كان لابي ذر ادنى شذوذ عن الطريقة المثلى في حكم إلهي ، شذوذا يخل بنظام المجتمع ويقلق السلام والوئام ، وتكثر حوله القلاقل ، وفيه إنارة العواطف و الاخلال بالامن او التزحزح عن مبادئ الاسلام ؟ لكان مولاناامير المؤمنين عليه السلام أول من يردعه ويحبسه عن قصده السيئ وابوذر اطوع له من الظل لذيه ؟ لكنه عليه السلام بدلا عن ذلك يقول : غضبت لله فارج من غضبت له.ويقول : والله ما اردت تشييع ابي ذر إلا لله.

ويقول لعثمان : اتق الله فانك سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك.

وأمير المؤمنين من تعرفه بتنمره في ذات الله لا تأخذه في الله لومة لائم ، وهو مع الحق

 

 

/  ص 342  /

 

والحق معه في كل ما يقول ويفعل.

وهل ترى ؟ أن رسول الله صلى الله عليه وآله مع أنه كان يعلم أن أبا ذر سوف ينوء في أخرياته بدعوة باطلة كهذه طفق ينوه به ، ويعرفه بنى الملا بصفات فاضلة تكبر مقامه ، وتعظم

مكانته عند الجامعة ، وتمكنه من القلوب الصالحة ويول عمر له صلى الله عليه وآله وسلم : يا رسول الله  فتعرف ذلك له ؟ فيقول صلى الله عليه وآله : نعم فاعرفوه له ؟ فيكون صلى الله عليه وآله مؤيدا له على عيثه ، ومؤسسا لباطله ، ومعرفا لضلاله ؟ حاشا رسول العظمة من مثل ذلك.

فمن أظلم ممن إفترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم

قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ، إذ تلقونه بالسنتكم

وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم ، ما لهم به من علم

ولا لآبائهم ، إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون

 

 

/  ص 343  /

 

 

أبوذر والاشتراكية

لقد عرفت كل ما في كنانة الاولين من نبال مرشوقة إلى العبد الصالح شبيه عيسى في أمة محمد صلى الله عليه وآله فهلم هاهنا إلى رجرجة الآخرين من مقلدة الدور الاخير الخابطين خبط عشواء ، الذين رموا أبا ذر وأجله بالاشتراكية تارة وبالشيوعية أخرى.

هل أحاط علما هؤلاء الاغرار بمبادئ الشيوعية التعيشة ، ومواد الاشتراك الذي هو بمقربة من رديفته المبغوضة ؟

وهل اتيح لهم عرفان مغازي ابي ذر المصلح العظيم فيما قال ودعا اليه ؟ حتى طفقوا يوفقوا بين المبدأين.

لا أحسب انهم عرفوا شيئا من تلكم المغازي وانهم في ظني الغالب بهم شيوعية خونة يديفون السم في الدسم ، ويسرون حسوا في ارتغاء ، إتخذوا ما قالوه بل تقولوه أكبر دعاية إلى تلكم المبادئ الهدامة لاسس المدنية والحضارة ، المضادة لناموس الطبيعة ، فضلا عن حدود الاسلام ، بجعل مثل ابي ذر العظيم شيوعيا أو إشتراكيا ، وقد صافقه على ما هتف به ونقم على من ناوء‌ه وآذاه من القوم جل الصحابة إن لم نقل كلهم ممن يعبأ به وبرأيه ، واستاء‌وا لما نكب به من جراء ذلك الهتاف وفي مقدمهم مولانا أمير المؤمنين علي عليه السلام وإنباه الامامان إن قاما وإن قعدا ، وعمار الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله : ان عمارا مع الحق مع الحق والحق معه يدور عمار مع الحق أينما دار (1) إلى كثيرين وافقوا هؤلاء على النقمة والاستياء ، فلم يكن ابوذر شاذا في رأيه ، ولا أنهي الينا انه خالفه احد من الصحابة فدونك صحايف التاريخ وزبر الحديث.

نعم : خالفه الذين يريدون أن يخضموا مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، وكانوا يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون منها ما يجب عليهم انفاقه ، ويحرمون الامة عن اعطياتهم وما ينمو منها ، ويريدون للضعفاء أن يرزحوا تحت نير الاضهاد ، ويرسفوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سيوافيك في محله في الجزء التاسع باذن الله تعالى.

 

 

/  ص 344  /

 

في قيود الفاقة والضعة ، خاضعين لهم مستعبدين ، وللقوم من أموالهم قصور مشيدة ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة ، يأكلون فيها مال الله أكلا لما ، ويحبون إحتكاره حبا جما.

نعم : خالفه اولئك الذين عرفهم يزيد بن قيس الارحبي يوم صفين بقوله من خطبة له : يحدث احدهم في مجلسه بذيت وذيت ، ويأخذ مال الله ، ويقول : لا إثم علي فيه ، كأنما أعطي تراثه من أبيه ، كيف ؟ إنما هو مال الله افاء‌ه علينا بأسيافنا ورماحنا قاتلوا.عباد الله  القوم الظالمين الحاكمين بغير ما انزل الله ولا تأخذكم فيهم لومة لائم ، إنهم إن يظهروا عليكم يفسدو عليكم دينكم ودنياكم ، وهم من قد عرفتم وجربتم (1) فأي انسان يبلغه ان العظماء الذين نوهنا بذكرهم وهم أهل الفضائل والعلوم اعتنقوا مبدء‌ا لا يروقه أن يقتص أثرهم ؟ وهو لا يعلم أن ذلك العزو المختلق تقولوه دعاية إلى ضلالهم وترويجا لباطلهم وسترا على عوارهم.

دع ذلك كله وهلم معي إلى النظر في مبادئ الشيوعية والفرق الاشتراكيين ، ان القوم على تعدد فرقهم إلى الاشتراكية " الديمقراطية " والاشتراكية " الوطنية النازية " والشيوعية ، والماركسية " اشتراكية رأس المال " وبالرغم من تباينهم الكثير في شتى النواحي لا يختلفون في مواد ثلاثة تجمع شملهم المبدد " بدد الله شملهم ".

1- تقويض النظام الحالي ، وتشييد نظام جديد على أنقاضه يضمن توزيع الثروة توزيعا عادلا بين الافراد.

2- إلغاء الملكية الخاصة " ثروات الانتاج " كراس المال ، والارض ، والمصانع على أن تستولي الدولة على هذه الملكيات جميعها ، وتجعلها ملكية عامة تديرها للمصلحة العامة.

3- يشتغل الافراد لحساب الدولة باجور تعطى لهم بالتساوي ، على أساس قيمة العمل الذي ينتجه كل منهم ، وتبعا لذلك لا يكون هناك دخل للافراد سوى الاجور.

وتنفرد الشيوعية عن بقية الاشتراكيين بأمرين : أحدهما إلغاء الملكية الخاصة الغاء نهائيا من غير فرق بين (ثروات الانتاج وثروات الاستهلاك) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبرى 6 : 10 ، كامل ابن الاثير 3 : 128 ، شرح ابن ابي الحديد 1 : 485.

 

 

/  ص 345  /

 

وثانيهما : توزيعها المال بين الافراد لكل على حسب حاجته ، ويستخدم من كل على حسب قدرته ، فيكلف العامل بالعمل على قدر استطاعته ، ويدر عليه المعاش بما يسد حاجته.

فعلينا هاهنا ان نعيد ذكر ما هتف به أبوذر في شتى مواقفه ، وما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في باب الاموال ، وما قال في حقه عظماء الصحابة في الاطراء له والدفاع عنه بعد هتافه بما هتف ، وما يؤث رفيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من الثناء الجميل وعهده اليه بما ينتابه من النكبات فنظر اليها نظرة مستشف للحقيقة فنرى هل ينطبق شيء منها على مواد (الشيوعية والاشتراكية) ؟ أوينحسر عنه ذلك الافك المفترى داحرا إلى حضيض البهت والافتراء ؟.

إن من قول ابي ذر لعثمان : ويحك يا عثمان  أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك لتبطش بي بطش الجبار.

ومن قوله له ايضا : اتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام.قال عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك.

قال أبوذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تجد أبا ذر هاهنا يلفت نظر عثمان إلى عهد الرسالة ثم إلى عهد الشيخين ويدعوه إلى اتباع تلكم السير ، ومن جلية الحال عند هاتيك الادوار الثلاثة إطراد الملكية الخاصة ، ووجود أهل اليسار من الملاكين ، والتجار ، وحريتهم في ثروتي الانتاج والاستهلاك ، واختصاص كل مالية من نقود او عقار او ضياع او مصانع أو أطعمة باربابها ومن النواميس المسلمة عند نبي الاسلام صلى الله عليه وآله انه لا يحل مال امرء إلا بطيب نفسه (1) وفي الذكر الحكيم : لا تأكلوا اموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ، فتجده يعز والاموال إلى أربابها ويحرم أكلها بالباطل إلا أن تستباح بتجارة شرعية تستتبع رضا المالك الخاصا ، وهناك آيات كريمة كثيرة تربو على خمسين آية لم يعدها عزو الاموال إلى مالكيها تقدم شطر منها في صفحة 340.

فأبو ذر في هذا الموقف يدعو إلى ضد الدعوة الاشتراكية الملغية للملكية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مر الحديث ص 129.

 

 

/  ص 346  /

 

الخاصة ، ويرى مخالفة ذلك من المنكر الذي يجب النهي عنه ، فلم يردعه عما مضى فيه قول عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك.

ومن قوله لمعاوية لما بنى الخضراء ، إن كانت هذه الدار من مال الله ؟ فهي الخيانة وإن كانت من مالك ؟ فهذا الاسراف فأبو ذر هاهنا يجوز أن يكون المال مقسوما إلى مال الله وإلى ما يخص للانسان نفسه ، فيرتب على الاول الخيانة ، وعلى الثاني السرف ، ولم ينقم على معاوية نفس تصرفه في المال وإنما نقم عليه أحد الامرين الخيانة أو الاسراف ، ولو كان ملغيا للملكية

لكان الواجب عليه أن ينتقد منه اصل تصرفه في تلكم الاموال.

وتراه يسمي مال المسلمين من الفئ والصدقات والغنائم مال الله ، وقد روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله ايضا لعثمان حيث قال له : اشهد إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا بلغ بنوا أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا وعباده خولا ، ودينه دخلا وصدقه في حديثه مولانا امير المؤمنين عليه السلام.

وهذه التسمية لم تكن قصرا على عهد ابي ذر ومعاوية وإنما كانت دارة قبله وبعده ، هذا عمر بن الخطاب وقوله لابي هريرة لما قدم من البحرين : يا عدو الله وعدو كتابه  اسرقت مال الله ؟ قال: لست بعدو الله ولا بعدو كتابه ، ولكني عدو من عاداهما ولم أسرق مال الله (1) .

وقال الاحنف بن قيس : كنا جلوسا بباب عمر فخرجت جارية فقلنا : هذه سرية عمر فقالت : إنها ليست بسرية عمر إنها لا تحل لعمر ، انها من مال الله.قال : فتذاكرنا بيننا ما يحل له من مال الله قال : فرقي ذلك اليه فارسل الينا فقال : ما كنتم تذاكرون ؟ فقلنا : خرجت علينا جارية فقلنا : هذه سرية عمر.فقالت : إنها ليست بسرية عمر إنها لا تحل لعمر ، انها من مال الله ؟ فتذاكرنا بيننا ما يحل لك من مال الله.فقال : الا أخبركم بما استحل من مال الله ؟ حلتين حلة الشتاء والقيظ (2) .

وقال عمر : لا يترخصن احدكم في البرذعة او الحبل او القتب فإن ذلك للمسلمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاموال لابي عبيد ص 269 ، راجع ما أسلفناه في ج 6 ص 254 ط 1 و 271 ط 2.

 (2) الاموال لابى عبيد ص 268.

 

 

/  ص 347  /

 

ليس أحد منهم إلا وله فيه نصيب ، فإن كان لانسان واحد ؟ رآه عظيما ، وإن كان لجماعة المسلمين ؟ إرتخص فيه وقال : مال الله (1) .

ومن قوله في حديث : البلاد بلاد الله ، وتحمى لنعم مال الله ، يحمل عليها في سبيل الله (2) .

وفي حديث من قوله : المال مال الله ، والعباد عباد الله ، والله لولا ما أحمل عليه في سبيل الله ما حميت من الارض شبرا في شبر (3) .

وكان عمر كلما مر بخالد قال : يا خالد  اخرج مال الله من تحت إستك (4) .

وهذا مولانا أمير المؤمنين يقول في خطبته الشقشقية (5) : إلى ان قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع.

وفي خطبة له عليه السلام : لو كان المال لي لسويت بينهم ، فكيف ؟ والمال مال الله ، ألا وإن إعطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف (6) .

ومن كتاب له إلى عامله بآذربيجان : ليس لك أن تفتات في رعية ، ولا تخاطر إلا بوثيقة ، وفي يديك مال من مال الله عزوجل وأنت من خزانه (7) .

ومن كتاب له إلى اهل مصر : ولكنني آسي أن يلي امر هذه الامة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مالا الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين حربا ، والفاسقين حزبا (8) .

ومن كتاب له إلى عبدالله بن العباس : وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة. (9) .

وروي انه عليه السلام رفع اليه رجلان سرقا من مال الله أحدهما عبد من مال الله والآخر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاموال لابى عبيد س 268.

 (2)  (3) الاموال لابي عبيد ص 299.

 (4) راجع ما اسلفناه في الجزء السادس ص 257 ط 1 و 274 ط 2.

 (5) اسلفنا مصادرها في الجزء السابع ص 8782.

 (6) نهج البلاغة 1 : 242.

 (7) نهج البلاغة 2 : 6 ، العقد الفريد : 2 : 283.

 (8) نهج البلاغة 2 : 120.

 (9) نهج البلاغة 2 : 128.

 

 

/  ص 348  /

 

من عروض الناس. فقال عليه السلام : أما هذا فهو من مال الله ولاحد عليه ، مال الله أكل بعضه

بعضا.الحديث (نهج البلاغة 2 : 202)

كماأن التسمية بمال المسلمين أيضا كان مطردا قبل هذا العهد وبعده ، قال عمر ابن الخطاب لعبدالله بن الارقم : اقسم بيت مال المسلمين في كل شهر مرة ، اقسم مال المسلمين في كل جمعة مرة.ثم قال : اقسم بيت المال في كل يوم مرة.قال : فقال رجل من القوم : يا امير المؤمنين  لو أبقيت في مال المسلمين بقية تعدها لنائبة.سنن البيهقي 6 : 357.

وقال عمر في خالد لما اعطى الاشعث بن قيس عشرة آلاف : إن كان دفعها من ماله ؟ فهو سرف ، وان كان من مال المسلمين ؟ فهي خيانة.الغدير 6 : 274 ط 2 وقال مولانا امير المؤمنين عليه السلام في خطبة له في ذكر اصحاب الجمل : فقدموا على عاملي بها وخزان بيت المسلمين وغيرهم من أهلها.ونهج البلاغة 1 : 320.

وقال لعبدالله بن زمعة : إن هذا المال ليس لي ولالك وإنما هو فئ للمسلمين نهج البلاغة

1 : 461.

ومن كتاب له إلى زياد بن أبيه : وإني اقسم بالله قسما صادقا لئن بلغني انك خنت من فئ المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لاشدن عليك شدة.نهج البلاغة 2 : 19.

وفي كتاب لعبد الحميد بن عبدالرحمن الي عمر بن عبدالعزيز : إني قد اخرجت للناس أعطياتهم وقد بقي في بيت المال مال.فكتب اليه : انظر كل من أدان في غير سفه ولا سرف فاقض عنه.فكتب اليه : لني قد قضيت عنهم وبقي في بيت مال المسلمين مال فكتب اليه : أن انظر كل بكر ليس له مال فشاء أن تزوجه وأصدق عنه.

فكتب اليه : إني قد زوجت كل من وجدت وقد بقي في بيت مال المسلمين مال. (الاموال لابى عبيد ص 251) ولكل من التسميتين وجه معقول ، أما التسمية بمال الله فلانه لله سبحانه و هو الآمر باخراجه ومعين النصب ، ومبين الكميات المخرجة ، ومشخص المصارف و المستحقين ، وأما التسمية بمال المسلمين فلانهم المصرف والمدر له ، فلا غضاضه على ابي ذر لو سماه بأي من الاسمين ، ولا يعرب أي منهما عن مبدء سوء.

 

 

/  ص 349  /

 

وما رواه الطبري في تاريخه 5 : 66 من طريق عرفناك رجاله في  وانه باطل لا يعول عليه من انه لما ورد ابن السوداء (1) الشام لقي أبا ذر فقال : يا ابا ذر  الا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال الله ، ألا إن كل شيء لله ؟ كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين ويمحو اسم المسلمين.فأتاه أبوذر فقال : ما يدعوك إلى ان تسمي مال المسلمين مال الله : قال : يرحمك الله يا أبا ذر  ألسنا عباد الله والمال ماله والخلق خلقه والامر أمره ؟ قال : فلا تقله.قال : فإني لا أقول : إنه ليس لله ولكن سأقول : مال المسلمين.

فهذا بعد الغض عن إسناده الباطل ومتنه الركيك وبعد الاغضاء عن أن مثل أبي ذر الذي هو من أوعية العلم وعلب الفضائل وحملة الرأي السديد ليس بالذي يحركه ابن السوداء اليهودي فيعيره اذنا واعية ثم يمضي لما ألقاه عليه من التلبيس فيخبط الجو ويعكر الصفو.فقصارى ما فيه ان أبا ذر وجد معاوية متدرعا بهذه التسمية إلى الحيف في أموال المسلمين والتقلب فيها على حسب الميول والشهوات بايهام ان المال مال الله فهو مباح لعبيده يتصرف كل منهم فيه كيف شاء ويتملك منه ما شاء كالمباحات الاصلية ، فأراد أبوذر أن يدحر حجته الداحضة ورأيه الضئيل بان المال للمسلمين كافة بأمر من مالكه الاصلي جلت آلائه فليس لاحد ان يتستبد بشئ منه دونهم ، ويستغله بحرمانهم واكتناز الذهب والفضة ، وفيهم أمس الحاجة إلى مقدراتهم.

ويعرب عن رأي معاوية ما جرى بينه وبين صعصعة بن صوحان ، رواه المسعودي في مروج الذهب 2 : 79 من طريق ابراهيم بن عقيل البصري قال : قال معاوية يوما وعنده صعصعة وكان قدم عليه بكتاب علي وعنده وجوه الناس : الارض لله ، وأنا خليفة الله ، فما آخذ من مال الله فهو لي ، وما تركت منه كان جائزا لي ، فقال صعصعة :

تمنيك نفسك ما لا يكو ن جهلا معاوي  لا تأثم فهذا الحوار بين أبي ذر ومعاوية في منتأى عن إثبات المالكية ونفيها ، وليس فيه إلى المبدأ الاشتراكي اي طرف رامق ، وتعرف عن راى معاوية خطبة الارحبي المذكورة ص 344.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يعنى عبدالله بن سبا اليهودي الممقوت لكافة فرق المسلمين خصوصا الشيعة منهم فانه محكوم عليه عندهم بالكفر وقد نقم عليه وعلى اصحابه مولانا امير المؤمنين عليه السلام لالحادهم.

 

 

/  ص 350  /

 

ومن كلمات أبي ذر قوله لمعاوية لما بعث اليه بثلاثمائة دينار : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها ، وإن كانت صلة فلا حاجة لي فيها.

فانك تشهد هاهنا أبا ذر يقسم المال إلى العطاء المفترض الذي منع منه عامه ذلك " لامره بالمعروف ونهيه عن المنكر " والى المال المملوك الذي يخرج منه الصلة بطوع من صاحبه ورغبة ، فان الصلة من المروء‌ات وهي لا تكون إلا من خالص مال الرجل ، ومن غير الحقوق الالهية ، ومن غير الاموال المسروقة ، فأين هو عن إلغاء الملكية الذي هو الحجر الاساسي للاشتراكيين ؟ على أنه ليس عندهم صلة ولا غيرها من حقوق الانسانية وإنما هي عندهم أجور على قيم أعمال الرعية.

 

 

رواياته في الاموال

وأما ما رواه أبوذر في باب الاموال عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فينادي بما لا يلائم

الاشتراكية قط وإليك جملة منه :

1- ما من مسلم ينفق من كل مال له زوجين في سبيل الله عزوجل إلا إستقبلته حجبة الجنة كلهم يدعوه إلى ما عنده.قلت : وكيف ذلك ؟ قال صلى الله عليه وآله : إن كانت رجالا فرجلين ، وإن كانت إبلا فبعيرين ، وإن كانت بقرا فبقرتين.

وفي لفظ : من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله ابتدرته حجبة الجنة (1)

ففيه إثبات المال لكل إنسان بالرغم من المبدأ الاشتراكي ، والترغيب بالتطوع بالانفاق في سبيل الله من كل نوع زوجين.

2- في الابل صدقتها ، وفي الغنم صدقتها ، وفي البقر صدقتها ، وفي البر صدقته.

3- ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلا أو بقرا لم يؤد زكاته إلا جاء‌ت يوم القيامة أعظم ما تكون واسمن حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها.

وفي لفظ :ما من صاحب إبل ولا بقر ولاغنم لا يؤدي زكاتها إلا جاء‌ت يوم القيامة الحديث(2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه احمد في مسنده 5 : 151 ، 153 ، 159 ، 164.

 (2) مسند احمد 5 : 152 ، 158 ، 169 ، 179 ، الاموال لابى عبيد ص 355 ، سنن

ابن ماجة 1 : 544.

فهي تثبت المالية وانه لا فريضة على الانسان في ماله غير الزكاة ، وهي من بعضها وإن الباقي لصاحبه ، رضي الاشتراكي أو غضب.

وأما ما وقع له مع كعب الاحبار في مشهد عثمان وهو من عمدة ما تشبث به المتحاملون على أبي ذر وقاذفوه مما أخرجه الطبري باسناده الواهي عن السري الكذاب الوضاع ، عن شعيب المجهول الذي لا بعرف ، عن سيف بن عمر الوضاع المتهم بالزندقة الذين عرفت حالهم  من طريق ابن عباس قال : كان أبوذر يختلف من الربذة إلى المدينة مخافة الاعرابية وكان يحب الوحدة والخلوة فدخل على عثمان وعنده كعب الاحبار فقال لعثمان : لا ترضوا من الناس بكف الاذى حتى يبذلوا المعروف ، وقد ينبغي لمؤدي الزكاة أن لا يقتصر عليها حتى يحسن إلى الجيران والاخوان ويصل القرابات فقال كعب : من ادى الفريضة فقد قضى ما عليه.فرفع ابوذر محجنه فضربه فشجه فاستوهبه عثمان فوهبه له وقال : يا أبا ذر  إتق الله واكفف يدك ولسانك.

وقد كان قال له : يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا ؟ والله لتسمعن مني أو لادخل عليك (1) .

ومر ص 295 في لفظ المسعودي : إن أبا ذر حضر مجلس عثمان ذات يوم فقال عثمان : أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره ؟ فقال كعب : لا يا أمير المؤمنين  فدفع أبوذر في صدر كعب وقال له : كذبت يا ابن اليهودي ثم تلا : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا.الآية (2)

فقال عثمان : أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فنفقه فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه ؟ فقال كعب : لا باس بذل.فرفع أبوذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال : يا ابن اليهودي  ما أجرأك على القول في ديننا ؟ فقال له عثمان : ما اكثر اذاك لي ؟ غيب وجهك عني فقد آذيتني فخرج أبوذر إلى الشام (3)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبري 5 : 67.

 (2) سورة البقرة : 177.

 (3) هذه القضية كما ترى وقعت قبل اخراج ابي ذر إلى الشام وهي السبب الوحيد في نفيه اليها فهذا اللفظ يكذب ما في رواية الطبرى من ان ابا ذر كان يختلف من الربذة إلى المدينة.الخ. ولم يختلف اثنان في ان ابا ذر في مدة نفيه إلى الربذة لم يأت قط إلى المدينة كما مر في ص 333.

 

 

/  ص 352  /

 

فإنما دعا أبوذر في هذه الواقعة إلى العطاء المندوب المدلول عليه بقوله : " ينبغي " الوارد في رواية الطبري ، وبالآية الكريمة الواردة في حديث المسعودي ، وهو من واجبات البشرية وفروض الانسانية التي ضيعتها الشيوعية الممقوتة ، و الاحاديث المرغبة لكل مما ذكر أبوذر أكثر من أن تحصى.

جاء من طريق فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال : إن في المال حقا سوى الزكاة ثم قرأ : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر.الآية المذكورة.وروى بيان وإسماعيل هذا الحديث عن الشعبي.

أخرجه ابن ابي حاتم والترمذي وابن ماجة وابن عدي وابن مردويه والدار قطني وابن جرير وابن المنذر.راجع سنن البيهقي 4 : 84 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 153 ، تفسير القرطبي 2 : 223 ، تفسير اين كثير 1 : 208 ، شرح سنن ابن ماجة 1 : 546 تفسير الشوكاني

1 : 151 ، تفسير الآلوسي 472.

وأخرج البخاري في الصحيح في كتاب الزكاة 3 : 29 من طريق أنس قال : كان ابو طلحة اكثر الانصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحب أمواله اليه بيرحاء (1) وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس : فلما انزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام ابوطلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله  إن الله تبارك وتعالى يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.وإن أحب أموالي الي بيرحاء وانها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله  حيث أراك الله قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت واني أرى أن تجعلها في الاقربين ، فقال ابوطلحة :

افعل يا رسول الله  فقسمها ابوطلحة في اقاربه وبني عمه.

وأخرجه مسلم والترمذي وأبوداود والنسائي مختصرا.

وأخرج أبوعبيد في الاموال ص 358 من طريق ابن جريج قال : سال المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وآله : ماذا ينفقون ؟ فنزلت : يسألونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بيرحاء.بفتح الموحدة والراء المهملة : موضع بقرب المسجد بالمدينة يعرف بقصر بنى جديلة.

 

 

/  ص 353  /

 

والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل.قال : فتلك التطوع والزكاة سوى ذلك.

وقال أبوعبيد في الاموال ص 358 : إن هذا مذهب ابن عمر وأبي هريرة ، واصحاب رسول الله أعلم بتأويل القرآن واولى بالاتباع ، ومذهب طاوس والشعبي ان في المال حقوقا سوى الزكاة مثل بر الوالدين ، وصلة الرحم ، وقرى الضيف ، مع ما جاء في المواشي من الحقوق.

وفي الاموال ص 358 من طريق ابي حمزة قال : قلت للشعبي : اذا اديت زكاة مالي ؟ قال : فقرأ علي هذه الآية : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر.إلى آخر الآية المذكورة.

فنداء ابي ذر في موقفه هذا نداء القرآن الكريم ونداء المشرع الاعظم ونداء تابعيهما من الصحابة والتابعين ، ولا يرد ذلك إلا مثل كعب الاحبار الذي هو حديث عهد باليهودية ، وقد اعتنق الاسلام أمس ، على حين انه لم يسلم طيلة عهد النبوة وإنما سالم على عهد عمر ، ولا ادري هل حدته إلى ذلك الحقيقة ؟ أو الفرق من بطش المسلمين وشوكتهم ؟ أو الطمع في العطاء الجاري ؟ ولا ادري أيضا انه في مدة اسلامه القصيرة هل احاط خبرا بنواميس الاسلام وفروضه وسننه أولا ؟ ولا أحسب.كما اوعز اليه أبوذر الناظر اليه من كثب حيث قال له : يا ابن اليهودية ما أنت وما هاهنا ؟ وكان من حقه أن يؤدب بالمحجن كما فعله سيد غفار ساء الخليفة أم سره لانه لم يكن اهلا للفتيا فأفتى تجاه عالم من علماء الصحابة الذي ملا إهابه العلم بالكتاب والسنة ، و حشو ردائه الفروض والسنن ، ولا يفرغ إلا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وما اظلت الخضراء وما اقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق وأوفى من ابي ذر.

الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون بينهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم." التوبة " 79.

وإثبات العطاء مندوبا ومفترضا فرع إثبات المالية للاشخاص ، ولا تتفق معه الشيوعية بحال ، وأين يقع أبوذر منها ؟.

4- ثلاثة يبغضهم الله : الشيخ الزاني ، والفقير المختال ، والغني الظلوم.

وفي لفظ : إن الله يبغض الشيخ الزاني ، والفقير المختال ، والمكثر البخيل.

 

 

/  ص 354  /

 

وفي لفظ : إن الله لا يحب كل مختال فخور ، والبخيل المنان ، والتاجر الحلاف (1) .

في هذه الروايات ذكر لختلاف طبقات الناس وحدودهم بما يملكون ، فقير وغني ومكثر وتاجر الذي تقوم تجارته برأس ماله ، والاشتراكي يرى ان الناس شرع سواء بالنسبة إلى الاموال.

5- قلت : يا رسول الله  ذهب الاغنياء بالار يصلون ويصومون ويحجون قال :

وأنتم تصلون وتصومون وتحجون.

قلت : يتصدقون ولا نتصدق.

قال : وأنت فيك صدقة : رفعك العظم عن الطريق صدقة ، وهدايتك الطريق صدقه ، وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة ، وبيانك عن الارتم صدقة ، ومباضعتك امرأتك صدقة.

قال : قلت : يا رسول الله  نأتي شهوتنا ونؤجر ؟

قال : أرأيت لو جعلته في حرام أكان تأثم ؟

قال : قلت : نعم.

قال : فتحتسبون بالشر ، ولا تحتسبون بالخير ؟

وفي لفظ : قالوا : يا رسول الله  ذهب أهل الدثور بالاجور يضلون كما نصلي و يصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال : فقال رسول الله : أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ؟ إن بكل تسبيحة صدقة وبكل تحميدة صدقة.الحديث.

وفي لفظ : قيل للنبي صلى الله عليه وآله : ذهب أهل الاموال بالاجر.

فقال النبي صلى الله عليه وآله : إن فيك صدقة كثيرة فذكر فضل سمعك فضل بصرك.الحديث.

وفي لفظ : على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة عنه على نفسه.

قلت : يا رسول الله : من أين تصدق وليس لنا أموال ؟

قال : لان من أبواب الصدقة : التكبير ، وسبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، واستغفر الله ، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظم والحجر ، وتهدي الاعمى وتسمع الاصم والابكم حتى يفقه ، وتدل المستدل على حاجة له وقد علمت مكانها ، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث ، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف.كل ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند احمد 5 : 153 ، 176 ، واخرجه ابوداود وابن خزيمة في صحيحه والنسائى والترمذى في باب كلام الحور العين وصححه ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم وصححه ، راجع الترغيب والترهيب للمنذرى 1 : 247 ، وج 2 ، 230 ، 238.

 

 

/  ص 355  /

 

من أبواب الصدقة منك على نفسك (1)

وفي هذه الاحاديث تقرير الاغنياء وأهل الدثور والاموال على أحوالهم المنوطة بالوفر المخصوص بهم واليسار الممنوح لهم وانه ليس منهم ، وذكر الصدقة من فضول أموال المثرين ، والتأسف على ما يفوت الفقراء من صدقاتهم بالاموال فرضا وتطوعا ، وأين يثبت الاشتراكي مالا لاحد فيثبت له فضولا ؟ ومتى يرى في العالم غنيا غير غاصب ؟ وأنى يبقى موضوعا للصلات والصدقات وفروض الانسانية ؟ لكن روايات أبي ذر تثبت كل ذلك.

6- أمرني خليلي صلى الله عليه وآله بسبع أمرني بحب المساكين والدنو منهم ، وأمرني أن انظر إلى من هو دوني ولا انظر إلى من هو فوقي.

وفي لفظ : أوصاني حبي بخمس : ارحم المساكين وأجالسهم وأنظر إلى من هو تحتي ولا أنظر إلى من هو فوقي (2) .

ومما لا غبار عليه ان المراد من الدون والتحت في الحديثين : من هو دونه في المال ليشكر الله سبحانه على تفضيله عليهم ، ولا ينظر إلى من فوقه لئلا يشغله الاستياء او الحسد على تفضيل غيره عليه عن الذكر والشكر والنشاط في العبادة ، وأما الاعمال والطاعات والملكات الفاضلة ، فينبغي للانسان أن ينظر إلى من هو فوقه فيها ليتنشط على مثل عمله فيتحرى شأوه ، ولا ينظر إلى من هو دونه فيفتر عن العمل ويقعد عن اكتساب الفضائل والفواضل ، وربما داخله العجب.

ففي الحديثين إثبات المالية والتفاضل فيها بالرغم من المبدأ الشيوعي.

7- ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول : اللهم خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وماله إليه.أو : أحب أهله وماله إليه (3) .

نحن لا نحتج هنا بدعوة الفرس ورأيه لكن بما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله من إلهام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند احمد 5 : 154 ، 167 ، 178 ، صحيح مسلم 3 : 82 ، سنن البيهقي 4 : 188.

 (2) مسند احمد 5 : 159 ، 173 ، حلية ابى نعيم 1 : 160.

 (3) مسند احمد 5 : 170.

 

 

/  ص 356  /

 

الله سبحانه اياه أنه يدعو بتلك الدعوة وفيها إثبات التخويل والمالية وإن ازور عنهما الشيوعي.

هذه جملة من روايات ابي ذر الصدوق المصدق تضاد بنصها ما اتهم به من المبدأ الممقوت ، وإن هي إلا نداء القرآن الكريم وما صدع به الرسول الامين.

الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الالباب ، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله سورة الزمر 18 ، سورة التوبة 89

 

 

/  ص 357  /

 

 

نظرة في الكلمات

الواردة في إطراء أبي ذر هل تلائم ما اتهم به؟

 

أما ثناء الصحابة عليه بعد نفيه ودؤبه على ما هتف به فحسبك من ذلك قول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : إنك غضبت لله فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك.إلى آخر ما مر في صفحة 300.

صدرت هذه الكلمة الذهبيه من الامام عليه السلام في منصرم ما صعد به أبوذر وصوب فليس له بعد هذا إلا طفائف سمعها منه من زاره بالمنفى الربذة فلم يكن لها شأن كبير ، وفي الكلمة صراحة بأن غضب ابي ذر كان لله فعليه أن يرجو من عضب له ، وهو فرع رضا الله سبحانه على ما ناء به ودعا اليه ، وان ما لهج به مما أغضب القوم كانت كلمة دينية محضة تجاه الدنيوية المحضة التي خافها أبوذر على دينه وخافها القوم على دنياهم ، فامتحنوه بالقلى ونفوه إلى الفلا ، وان هو الرابح غدا ، وانما القوم حاسدوه ، واي من هذه تلتئم مع الشيوعية التي هي مادية محضة ليس بينهما وبين مرضاة الله تعالى اي صلة ؟.

أتحسب ان مولانا امير المؤمنين عليه السلام اطرى ابا ذر بهذا الاطراء البالغ ويقول في كلمته الاخرى لعثمان : اتق الله سيرت رجلا صالحا من المسلمين فهلك في تسييرك فيراه صالحا ويرى هلاكه في ذلك التسيير حوبا لا يصدر من المتقي ، انه أطراه وهو غير مستشف لنظريته ؟ ولا عارف بنفسيته ؟ وهوكروحه التي بين جنبيه ، أو أنه يوافقه على المذهب الشيوعي ؟ أو أنه يراغم أعداء‌ه مع حيطته بباطله ؟ وقد قال لعثمان " وهو الصادق الامين " : والله ما اردت مساء‌ت ولا الخلاف عليك ولكن أردت به قضاء حقه.

واي حق للشيوعي متحري الفساد في الجامعة وباخش حقوق الامة ؟ وإنما الحق للمؤمن الكامل في نفسه ، المحق في دعاء‌ه ، الصالح في رأيه.

وهناك ما هو أصرح من ذلك في كون ابي ذر محقا وان نظرية من خالفه من الباطل المحض وهو قول الامام في ذيل كلمته في توديع ابي ذر  يا ابا ذر  لا يؤنسنك إلا

 

 

/  ص 358  /

 

الحق ، ولا يوحشنك إلا الباطل ، واي إشتراكي.يكون هكذا ؟ نعوذ بالله من السفاسف أضف إلى كلمة الامام قول ولده الامام الزكي السبط المجتبى أبي محمد الحسن لابي ذر : قد أتى من القوم اليك ما ترى فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها ، واصبر حتى تلقى نبيك وهوعنك راض.راجع ص 301.

فترى الامام المعصوم يتذمر مما اصاب ابا ذر من القوم ويأمره بالصبر المقابل بالاجر الجزيل ، وأنه سيلقى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو عنه راض ، وهل تجد توفيقا بين الرسول ومعتقد الامام المجتبى وبين الشيوعية ؟ ذلك المعول الهدام لاساس دين المصطفى وسنة الله التي لن تجد لها تحويلا.

واشفع الكلمتين بقول الامام السبط الشهيد ابي عبدالله لابي ذر : قد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فاسأل الله الصبر والنصر.

وهذه الكلمة لدة كلمات ابيه وأخيه صلوات الله عليهم في المصارحة بأن دعوة أبي ذر كانت دينية ولم يكن فيها اي شذوذ ، ودعوة مناوئيه دنيوية ، والمرجع في الافراج عنه إزاء ما انتابه من المحن هو الله ، لرضاه سبحانه بدعوة المنكوب وسخطه على من نال منه ، ولا يحسب عاقل ان شيئا من ذلك يلتأم مع الاشتراكية الممقوتة وبعد تلكم الكلمات الذهبية خطاب عمار بن ياسر أبا ذر بقوله : لا آنس الله من أوحشك ولا آمن من أخافك ، والله لو أردت دنياهم لآمنوك ، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك.

ايجوز لمسلم عادي فضلا عن مثل عمار الذي لا يفارق الحق ولا يفارقه نصا من النبي الكريم أن يدعو على أناس نكبوا بعائث في المجتمع الديني المقلق فيهم السلام بذلك الدعاء المجهد ؟ ويحكم عليهم بأنهم أهل دنيا غرتهم الاماني ، وان أعمالهم غير مرضية ، وانهم خسروا الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ؟.

يدعو عليهم بذلك في مشهد امام معصوم خشن في ذات الله كمولانا امير المؤمنين وشبليه السبطين الحسنين ثم لا ينكر ذلك عليه احد منهم.إن هذا لا يكون.

وإن مشايعة القوم لابي ذر قبل هذه الكلمات كلها مع العلم بنهي الخليفة عنها إشادة بأمره ، وتصديق لمقاله ، والامام يرى ان النهي عن مشايعته معصية أو أنه خلاف

 

 

/  ص 359  /

 

الحق لا يتبع كما قاله لعثمان (1) ولا يجتمع شيء من ذلك مع ما قذفوه به من الطامة الكبرى.

كانت الصحابة كلهم المهاجرون منهم والانصار ينقمون مانيل به أبوذر من النفي والتعذيب ، وكان قيل النقمة بين شفافهم ، وفي طيات قلوبهم ، وأسطر خطاباتهم ، يوم التجمهر ويوم الدار ، وكانت إحدى العلل المعدة لما جرى هنالك من مغبات الاعمال ، فلم تكن الغضبة عمن ذكرنا اسماء‌هم بدعا من جمهرة الاصحاب غير ان منهم من صبها في بوتقة الاطراء لابي ذر ، ومنهم من أفرغها في قالب العيب على من نال منه ، ولهم هنالك لهجات مختلفة في الصورة متحدة في المآل ، ولذلك عد المؤرخون مما أنكر الصحابة من سيرة عثمان تسييره أبا ذر.وقال البلاذري : قد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لابي ذر (2) وهذه النقمة العامة المنبعثة عن مودة القوم لابي ذر مودة خالصة دينية وإخاء في الايمان وولاء في الطريقة المثلى كل ذلك أخذا بما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله في أبي ذر وهديه وسمته ونسكه وتقواه وإيمانه وصدقه.لا تلتأم مع شيء مما قذفوا به أبا ذر من الشيوعية ، أو تقول : أن الصحابة كلهم شيوعيون.أعوذ بالله من الفرية الشاينة ولو كان أبوذر شيوعيا ؟ كان في الحق نفيه عن أديم الارض لا عن المدينة فحسب ، و كان من واجب الصحابة أن يرضوا بذلك الحكم البات.قال الله تعالى : إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (3) واي فساد في الارض أعظم من هذا المبدا التعيس المضاد للكتاب والسنة ؟

وفي الكتاب الكريم قوله سبحانه : أهم يقسمون رحمة ربك ، نحن قسمنا بينهم معيشتهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع صفحة 297 و 303.

 (2) انساب البلاذري 5 : 26 ، تاريخ اليعقوبى 2 : 150 ، مروج الذهب 1 : 438 ، 441

، الرياض النضرة 2 : 124 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 385 ، الصواعق ص 68 ، تاريخ الخميس 2 : 261.

 (3) سورة المائدة : 33.

 

 

/  ص 360  /

 

في الحياة الدنيا ، ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون (1) وأما السنة الشريفة فحدث عنها في باب الاموال والاختصاص فيها وتقرير خير مما يجمعون (1) وأما السنة الشريفة فحدث عنها في باب الاموال والاختصاص

فيها وتقرير ميسرة الاغنياء ولا حرج.وبذلك كله تقوم دعائم المدنية ، وتشاد علالي الحضارة الراقية.

 

 

ثناء النبي صلى الله عليه وآله عليه وعهد اليه

أماما أثر عن نبي الاسلام من ذلك فقد قدمنا شطرا منه ولا منتدح من أن نقول : إن نبي العظمة كان جد عليم بواسع علم النبوة بما سوف ينوء به أبوذر في خواتيم أيامه بأقوال وأعمال تبهظ مناوئيه ، وكان يعلم أيضا ان امته سيتخذون كل ما لهج به اصولا متبعة ، فلو كان يعلم في أبي ذر شذوذا.لما أغرى الامة بموافقته بتلكم الكلم الدرية ، على أنه صلى الله عليه وآله عهد اليه وأخبره ان ما يصيبه من الكوارث من جراء ما يدعو اليه في الله وبعينه ، فلا يعقل ان يكون في رايه شذوذ عن طريقة الدين ، بل كان من واجبه صلى الله عليه وآله أن ينبهه على خطأه في الراي وغلطه في الدعوة ، فإذ لم يفعل واشفع ذلك بثنائه البالغ عليه وعهده اليه علمنا أن أبا ذر هو ذلك البر التقي ، ورجل الاصلاح ، ومثال العطف والحنو على ضعفاء الامة ، وطالب الخير

والسعادة لاقوياء‌ها ، ولقد تحمل الشدائد لينقذ المكبين على الدنيا من مغبة العمل السئ ، وليسعد آخرين برغد العيش وبلهنية الحياة ، موصولة حلقات حياتهم الدنيا بدرجات الآخرة العليا ، لكن جهلوه وجهلوا أمره وجهلوا حقه ، واضاعوه واي فتى أضاعوا ؟ واضاعوا فيه وصية نبيه صلى الله عليه وآله وناوء‌ه قوم ليسوا له بأكفاء.

ولــــو أنــــي بليـت بهاشمي * خــــؤولته بنـــو عبد المدان

لهـــــان علي ما القى ولكن * تعالوا وانظروا بمن ابتلاني

فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فاصبحوا ظاهرين " الصف آية 14 "