فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

 

/  ص 361  /

 

نظرة في مقال أصدرته لجنة الفتوى بالأزهر

 

جاء في جريدة الوقت المصرية العدد الثاني لسنتها الاولى الموافقة سنة 1367 ما نصه : (لجنة الفتوى بالازهر تقول : " لا شيوعية في الاسلام " عن الاهرام الغراء) كانت وزارة الداخلية قد أحالت إلى فضيلة الاستاذ الاكبر شيخ الجامع الازهر كتابا وتنال فيه مؤلفه مذهب العالم الصحابي أبي ذر الغفاري غفر الله له ، وخلص من بحثه إلى القول بوجود (الشيوعية في الاسلام) وذلك لكي تعرف الوزارة راي الدين في ذلك ، وما اذا كان هذا الكتاب يمكن تداوله.وقد أحال فضيلة الاستاذ الاكبر هذا الموضوع إلى لجنة الفتوى في الازهر ، فاجتمعت برئاسة فضيلة الاستاذ الشيخ عبدالمجيد سليم المفتي السابق ورئيس هذه اللجنة ، وبحثت موضوع الكتاب بحثا مستفيضا ، ثم اصدرت فيه فتواها وقد تلقت وزارة الداخلية هذه الفتوى من فضيلة الاستاذ الاكبر.

وهذا نصها بعد الديباجة :

 

 

لا شيوعية في الاسلام

ان من مبادئ الدين الاسلام احترام الملكية ولن لكل إمرئ أن يتخذ من الوسائل والسبل المشروعة لاكتساب المال وتنميته ما يحبه ويستطيعه ويتملك بهذه السبل ما يشاء ، هذا وقد ذهب جمهور من الصحابة وغيرهم من الفقهاء المجتهدين إلى أنه لا يجب في مال الاغنياء إلا ما أوجبه الله من الزكاة والخراج والنفقات الواجبه بسبب الزوجية أو القرابة وما يكون لعوارض موقتة واسباب خاصة كإعانة ملهوف وإطعام جائع مضطر ، وكالكفارات وما يتخذ من العدة للدفاع عن الاوطان وحفظ النظام إذا كان ما في بيت مال المسلمين لا يكفي لهذا ، ولسائر المصالح العامة المشروعة كما هو مفصل في كتب التفسير وشروح السنة وكتب الفقه الاسلامي.هذا هو الواجب.غير ان الاسلام يدعو كل قادر من المسلمين أن يتطوع بما شاء من ماله يصرفه في وجوه البر

 

 

/  ص 362  /

 

والخير مع عدم الاسراف والتبذير في ذلك كما قال الله تعالى : " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا " وكما قال عزوجل في وصف عباده الذين أثنى عليهم : " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " و كما تدل عليه السنة في أحاديث كثيرة.وذهب ابوذر الغفاري رضي الله عنه إلى انه يجب على كل شخص ان يدفع ما فضل عن حاجته من مال مجموع عنده في سبيل الله اي في سبيل البر والخير وانه يحرم ادخاره ما زاد عن حاجته ونفقته ونفقة عياله.

هذا هو مذهب ابي ذر ولا يعلم أن أحدا من الصحابة وافقه عليه.وقد تكفل كثير من علماء المسلمين برد مذهبه وتصويب ما ذهب اليه جمهور الصحابة والتابعين بما لا مجال للشك معه في أن ابا ذر رضي الله عنه مخطئ في هذا الرأي.والحق ان هذا مذهب غريب من صحابي جليل كأبي ذر وذلك لبعده عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح ، ولذلك استنكره الناس في زمنه واستغربوه منه ، قال الالوسي في تفسيره بعد ما بين مذهبه ما نصه : (وكثر المعترضون على ابي ذر في دعواه تلك وكان الناس يقرأون له آية المواريث ويقولون : لو وجب إنفاق كل المال لم يكن للآية وجه.

وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين حيث حل مستغربين منه ذلك.اه‍.ومن هذا يتبين إن هذا الرأي خطأوصاحبه مجتهد مغفور له خطؤه بل مأجور على اجتهاده ، ولكنه لا يتابع فيما أخطأ فيه بعد تبيين انه خطأ لا يتفق هووما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله وقواعد الدين الاسلامي.

ولما كان مذهبه داعيا إلى الاخلال بالنظام والفتنة بين الناس طلب معاوية والي الشام من الخليفة عثمان رضي الله عنه أن يستدعيه إلى المدينة وكان أبوذر وقتئذ في الشام فاستدعاه الخليفة فأخذ أبوذر يقرر مذهبه ويفتي به ويذيعه بين الناس فطلب منه عثمان : ان يقيم بجهة بعيدة عن الناس فأقام (بالربذة)  (مكان بين مكة والمدينة) قال ابن كثير في تفسيره : كان من مذهب ابي ذر رضي الله عنه تحريم إدخار ما زاد على نفقة العمال.وكان يفتي بذلك ويحثهم عليه ويأمرهم به ويغلظ في خلافه فنهاه معاوية فلم ينته فخشي أن يضر بالناس في هذا فكتب يشكوه إلى عثمان وأن يأخذه اليه فاستقدمه عثمان إلى المدينة وأنزله بالربذة وحده وبها مات رضي الله عنه في خلافة عثمان.

 

 

/  ص 363  /

 

وجاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر ما خلاصته : (إن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة ولذلك أمر عثمان أابا ذر أن يقيم بالربذة مع أن في بقائه بالمدينة مصلحة كبيرة لطالبي العلم لما في بقائه بالمدينة من مفسدة تترتب على نشر مذهبه) ومما ذكرنا يتبين ان ما في هذا الكتاب (الشيوعية في الاسلام) لا يتفق هو ومبادئ الاسلام وقواعده.كما يتبين انه لا شيوعية في الاسلام بالمعنى الذي يفهمه الناس ، والذي صرح به صاحب هذا الكتاب وسماه (شيوعية الاسلام) ومن أجل هذا نرى الا يذاع مثل هذا الكتاب بين الناس لئلا يتخذها المفسدون في الارض الهدامون للنظم الصالحة ذريعة للاخلال بالنظام وإفساد عقول ضعفاء الايمان والجاهلين بمبادئ الاسلام.

قال الاميني : إن الوزارة الداخلية أو شيخ الازهر لو أحال كل منهما النظر في هذه المهمة إلى لجنة عارفة بحال أبي ذر ، واقفة على مقاله ، مطلعة على كتب الحديث والسير والتفاسير ، بصيرة على ما فيها من الغث والثمين ، خالية عن الاغراض ، بعيدة عن النعرات الطائفية ، لحكمت بما هو الحق الصراح ، وعرفت ان ما دعا اليه ابوذر لم يكن خارجا عما سردته هي في مفتتح مقالها من اعتبار المالكية لكل إنسان ، وما يجب عليه إنفاقه من المال ، وما يتطوع به الرجل من النفقات ، وقد أوقفناك قبل هذا على كل ذلك ، وأن هياجه لم يكن موجها إلا إلى اناس معلومين كانوا يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون منها في سبيل الله ، ويحرمون الامة من منافعها المفروضة لها فضلا عن المندوب اليها والمرغب فيها.وبذلك كله تعرف ان ما عزت اليه اللجنة الحاكمة من غير بصيرة من وجوب إنفاق ما فضل من المال على حاجة الانسان ونفقته ونفقة عياله زور من القول ، وفند من الرأي ، وليتها اشارت إلى مصدر ما ادعته من مذهب ابي ذر الذي حسبته مخالفا لجمهور الصحابة والتابعين ، وقد أسلفنا لك جملة مما أثر عنه في ذلك ، وليس في شيء منه اي دلالة على ما ادعته من العز والمختلق ، وليتها بينت العلماء الذين تصدوا لنقض مذهب ابي ذر ، وأشارت إلى ما جاء‌وا به في تدعيم حجتهم ، ولعلها ارادت بهم المؤرخ محمد الخضري ، وأحمد امين ، وصادق إبراهيم عرجون ، وعمر أبي نصر ، ومحمد احمد جاد المولى بك ، وعبدالحميد بك العبادي ، وأمثالهم من المحدثين

 

 

/  ص 364  /

 

المتسرعين الذين منيت بهم البلاد والعباد.

وأسلفنا لك ايضا قول عظماء الصحابة في أبي ذر وموافقتهم له على حقيقة رأيه ، وإستيائهم لما نكب به من جراء ذلك ، وإجماع صلحائهم على ان ما جاء به كان رايا صحيحا دينيا محضا مستفادا من الكتاب والسنة.

وعجيب إستغرابها مذهب ابي ذر وهي لا تعرفه ، وأعجب منه اعتذارها له ببعده عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح مع قولها باجتهاد ابي ذر ، اي اجتهاد هذا من عيلم أخذ المبادئ من مشرعها يبعد حامله عن مبادئ الاسلام وعماهو الحق الظاهر الواضح ؟ نعم : كم وكم عند القوم من المجتهدين البعداء آرائهم عن مبادئ الاسلام كابن ملجم قاتل الامام أمير المؤمنين ، وابي الغادية قاتل عمار ، وابني هند والنابغة قائدي الفئة الباغية ، وأمثالهم ؟ (1) لكن شتان بين هؤلاء وسيد غفار ؟.

أو ليس مما يضحك الثكلى ويبكي كل مسلم ؟ أن يحسب ان مذهب ابي ذر بعيد عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الظاهر الواضح ، وهو الذي لم يعبد الصنم قبل إسلامه وصلى سنين قبل المبعث الشريف موليا وجهه إلى الله وهو محسن ، وهو ربع الاسلام ورابع المسلمين ، وقد طوى جل سنيه على عهد النبوة في صحبة الرسول الاعظم ولم يفتأ متعلما منه ، مصيخا إلى كل ما يدعو اليه ويهتف به ، فتنتقش كل تلكم المثل العليا في نفسه كما تنتقش الصور في المرآة الصافية ، بل تثبت فيها كما تثبت في العدسة اللاقطة.

كان صلى الله عليه وآله يدنيه دون الصحابة اذا حضر ، ويتفقده اذا غاب ، وكان شحيحا على دينه حريصا على العلم ، وقد سال رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل شيء حتى عن مس الحصى في الصلاة ، وقد صب صلى الله عليه وآله في صدره ما صبه جبريل وميكائيل في صدره صلى الله عليه وآله ، وعرفه صلى الله عليه وآله لامته بأنه شبيه عيسى هديا وسمتا ونسكا وبرا وصدقا و خلقا وخلقا (2) .

وما ظنك برجل قال فيه باب مدينة علم النبي مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ممن اسلفنا ذكرهم في الجزء السابع ص 105 ، 106 ط 2.

 (2) راجع في كل ذلك صفحة 316312 من هذا الجزء.

 

 

/  ص 365  /

 

سئل عنه : وعاء ملئ علما ثم أوكى عليه ؟ (1)

أو ليس من العجب العجاب ان من هو هكذا وهوفي عهد النبوة لم يزل في مدينة الرسول يتلقى منه صلى الله عليه وآله كل إفاضاته ، ويستقي من مستقى الوحي يكون مذهبه بعيدا عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الواضح ، ويكون راي كعب الاحبار اليهودي حديث العهد بالاسلام أومن بعده بعد لاي من عمر الدهر وقد نمى وترعرع وشب و شاب في عاصمة الفراعنة يوم غشيت الحقايق ظلمات بعضها فوق بعض قريبا منها و يكون صاحبه عارفا بهاحاكما على مثل ابي ذر بما حكم ، كأن الحقايق الاسلامية نصب عينه دون سيد غفار ، أو معلقة على شحمة اذنه يسمع رنتها دون ذلك الصحابي العظيم ؟.

هب أنا تنازلنا للجنة الحاكمة عن كل ما قلناه ، ولكن هل يسعنا التغاضي عما جاء به الحفاظ وأئمة الحديث من طرق صحيحة عن نبي الاسلام صلى الله عليه وآله في إطراء الرجل والثناء عليه وإكباره وتقرير هديه وهداه مع عدم استثناء شيء من أطواره في اولياته أو أخرياته ؟ وهو العارف بعلم النبوة بكل ما ينهض به أبوذر بعده ، فهلا بدر صلى الله عليه وآله إلى ردعه عما سينوء به ؟ بدل أمره إياه بالصبر على ما ينتابه من جراء ما قام به ودعا اليه ، بدل عده ما أصابه من المحن مما هو لله وفيه ، بدل إخباره بكل ما يجري عليه من النفي والجلاء مقصورا على ذلك من غير ردع.

ونسائل اللجنة الحاكمة عن الذين استنكروا مذهب ابي ذر واستغربوه منه من الصحابة أهم من علية الصحابة أو من أذنابها ؟ وبطبع الحال انها ستجيبنا انهم الحكم بن ابي العاص ، وأخوه الحارث بن الحكم ، ومروان بن الحكم ، والوليد بن عقبة ، ومعاوية بن ابي سفيان ، وسعيد بن العاص ، وعبدالله بن خالد ، وعبدالله بن سعد بن ابي سرح ، وإن شئت قلت حثالة من بني امية البعداء عن مبادئ الاسلام وعما هو الحق الواضح وهن حذا حذوهم في الاكباب علي حطام الدنيا واكتناز المال من غير حله ممن أقلقوا السلام ، وجروا الويلات إلى خليفة الوقت ، وحرموا ضعفاء الامة عن حقوقهم ، وولغوا في الدماء المحرمة وأثاروها حروبا دامية ، والقحوها فتنة شعواء ، فلم تزل عداء محتدما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ص 311 من هذا الجزء.

 

 

/  ص 366  /

 

تتلقاها الاجيال من بعدهم حتى انتهت إلى عصرنا الحاضر ، وهو الذي حفز اللجنة الحاكمة على رميها القول على عواهنه ، ولكن صافق ابا ذر على رأيه الصحيح الموافق لمبادئ الدين الامام أبوالسبطين وشبلاه الامامان وصلحاء الامة كلهم ومن استاء لنكبات ابي ذر ونقم بها على خليفة الوقت.

 

- حن قدح ليس منها  :

لقد جرأ تقحم هذه اللجنة الجائرة في حكمها " جبران ملكون " الصحافي النصراني صاحب جريدة الاخبار العراقية في سنتها العاشرة 1368 ه‍ في عددها المتسلسل 2503 الصادر في جمادى الاولى ، فطفق يرقص لما هنالك من مكاء وتصدية ، والمسكين لا يعرف مبادئ الاسلام ولو عرفها لا تبعها ، ولا مبالغ رجالات المسلمين ولو عرفهم لنزههم وذب عنهم ، لكنه حسب ما لفقوه حقيقة راهنة وصبها في بوتقة من القول هو أربى في إفادة ما حاولوه غير انه يطفو عليه القوارص ولو اذع قال :

لكن أبا ذر الغفاري يعتقد انه يتعين على كل فرد أن ينفق في سبيل الله كل ما يفيض عن حاجته وحاجة اسرته ، ولكن لم يعرف ان احدا من الصحابة شاطره هذا الرأي ، وإنما عارض الكثير من عقلاء المسلمين وحكمائهم في هذا المبدأ ، فلا شك إذن في أن أبا ذر كان مخطئا في رأيه ، ولا ينبغي إتباعه بعد أن ثبت أنه خطأ ، وان رأيه لا يتفق مع القرآن ولا السنة ولا المبادئ الاسلامية وتعاليمها.اه‍.

ونحن هاهنا لا نعاتبه ولا نستعتبه ، أما الاول فاان الرجل كما قلناه بعيد عن كل ما يجب أن يقرب منه في أمثال هذه المباحث حتى يتسنى له الحكم البات فيها ، وإنا أحسن ظنه باولئك المتقولين زاعما انهم هم الاقرباء من المبادئ الاسلامية العرفاء بحقيقة ما حكموا به ، ولو كان الامر كما زعم لكان الحق معهم ، وان كان لنا ان نؤاخذه بأن مرحلة حسن الظن لا يكتفى بها في باب القضاء الحاسم على عظيم من عظماء الامة ، فكان من واجبه أن يستفرغ وسعه في تحقيق تلكم المزاعم وهو في عاصمة من عواصم الاسلام " بغداد " وبمطلع الاكمة منه عاصمة الدنيا في العلم والدين " النجف الاشرف " وفيها العلماء ، والمؤلفون ، والمحققون ، والجهابذة ، وعباقرة الوقت في كل جيل ، فكان من السهل عليه أن يستحفي الخبر هنالك أو هاهنا ، ولهذا لسنا نستعتبه

 

 

/  ص 367  /

 

 لخروجه عن الطريقة المثلى في القضاء ، ونحن نعد هذه وأمثالها سيئة من سيئات اللجنة الحاكمة وهي المؤاخذة بها.وكأني بهاوهي تحسب انها تحسن صنعا ، وتبتهج بما نشرته من الحكم الساقط وقذف عظيم من عظماء الامة بما تبرأ منه ساقة المسلمين ، وتراه دفاعا عن بيضة الاسلام المقدس ، وكفاحا للشيوعية الهدامة ، وردما لثلمة أتت على الدين من ذلك المبدء التعس ، وكأنها جاء‌ت بقرني حمار لما استشهدت على ما ارتأته بأقاويل أناس زور عن مواقف الحق والصدق.

 

 

- شهود اللجنة  :

لقد استشهدت اللجنة على ما ارادت بكلام الآلوسي وابني كثير وحجر كانها لم تجد في أبي ذر كلاما لغير هؤلاء من ناصبي العداوة لاهل البيت عليهم السلام وشيعتهم وما أذهلها أو تذاهلت هي عما قدمناه من الكلمات فيه ؟ وما كان أغناه عن الركون إلى هذه التافهات المختلقة المائنة ؟ لكنا نعذرها على ذلك لانها تتحرى ما يدعم دعواها ، وما أشرنا اليه من الكلمات السابقة تنقض تلكم الدعوى وتدحرها ، ولذلك اقتصرت في النقل على بعض تلكم الكلم ، وإنما اسقطت البعض الآخر مما لفقوه للتهافت الظاهر بينها ، فكأنها شعرت بذلك فحذفته ، وهي تحسب أن البحاثة لا تراجع تلك الكتب ولا تقف على تناقضها ، أو أن الآراء لا مناقشة في حسابها وليس ورائها محاسب ولو بعد حين ، فنقول هاهنا : أما الآلوسي فإليك تمام كلامه في تفسيره 10 : 87 قال : في تفسير قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.

أخذ بظاهر الآية فأوجب إنفاق جميع المال الفاضل عن الحاجة أبوذر رضي الله عنه ، وجرى بينه لذلك وبين معاوية رضي الله عنه في الشام ما شكاه له إلى عثمان رضي عنه في المدينة ، فاستدعاه اليها فرآه مصرا على ذلك حتى أن كعب الاحبار رضي الله عنه قال له : يا أبا ذر  إن الملة الحنيفية اسهل الملل وأعدلها وحيث لم يجب إنفاق كل المال في الملة اليهودية وهي اضيق الملل واشدها كيف يجب فيها ؟ فغضب رضي الله تعالى عنه وكانت فيه حدة وهي التي دعته إلى تعيير بلال رضي الله عنه بأمه وشكايته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقوله فيه : " إنك امرو فيك جاهلية " فرفع عصاه ليضربه وقال

 

 

/  ص 368  /

 

له : يا يهودي  ما ذاك من هذه المسائل ؟ فهرب كعب فتبعه حتى استعاذ بظهر عثمان رضي الله عنه فلم يرجع حتى ضربه ، وفي رواية : ان الضربة وقعت على عثمان ، وكثر المتعرضون على أبي ذر في دعواه ذلك ، وكان الناس يقرء‌ون له آية المواريث ويقولون : لو وجب إنفاق كل المالا لم يكن للآية وجه ، وكانوا يجتمعون عليه مزدحمين حيث حل مستغربين منه ذلك ، فاختار العزلة فاستشار عثمان فيها ، واشار إليه بالذهاب إلى الربذة ، فسكن فيها حسبما يريد ، وهذا ما يعول عليه في هذه القصة ، ورواها الشيعة على وجه جعلوه من مطاعن ذي النورين وغرضهم بذلك إطفاء نوره ويأبى الله إلا أن يتم نوره.اه‍

 

-  في هذه الكلمة مواقع للنظر :

1-  قوله : اخذ بظاهر الآية.الخ.ليس للآية ظاهر غير باطنها وليس فيها إيجاب لانفاق جميع المال المؤد زكاته الفاضل عن الحاجة ، فاي ظهور فيها يعاضد ماعزوه إلى ابي ذر ؟ حتى يسعه الاخذ به والتعويل عليه ، وإنما هي زاجرة عن الاكتناز الذي بيناه في صفحة 320 ولم يؤثر قط عن ابي ذر المصارحة ولا الاشارة إلى شيء مما عزاه اليه ، بل اوقفناك على أن كل ما روي عنه أو فيه مناف لذلك.

2- ما رتبه على ذلك من وقوع النزاع بينه وبين معاوية وقد اسلفنا في صفحة 295 عن صحيح البخاري من أن النزاع بينهما كان في نزول الآية لا في مفادها فكان معاوية يزعم انها نزلت في أهل الكتاب وأبوذر يعمهما عليهم وعلى المسلمين ، ومر ايضا مراد ابي ذر من الانفاق ومقدار المنفق من المالا وانه ليس ما فضل عن الحاجة وإنما هو ما ندب اليه الشرع واجبا أو تطوعا ، ولم يكن إنكار إلا على الاكتناز الذي هو لدة الاحتكار في الاطعمة يحر الملا عن منافع النقدين ونمائهما ، ويحرم الفقراء خاصة عن حقوقهم المجعولة فيهما من ناحية الدين ، وقد فصلنا القول في هذه كلها.

3- ما رواه من قصة كعب الاحبار.لقد أقرأناك المأثور من هذه القصة و كيفية الحال فيها واختلاف الفاظها وليس في شيء منها أكثر ما لفقه الآلوسى من قول الرجل لابي ذر : إن الملة الحنيفة.الخ.ومن إستعاذته بظهر عثمان ، وعدم إكتراث أبي ذر لذلك ووقوع الضربة على عثمان ، ووليته ذكر لما تقوله مصدرا ولو من

 

 

/  ص 369  /

 

أضعف الكتب او من مدونات القصاصين ، لكنه اراد ان ينشب على ابي ذر ثورة وهو في عالم البرزخ بوقوع الضربة على عثمان ، غير أنه أخفق ظنه وأكدى أمله بفضل التنقيب الصحيح.

ونذكر لك هنالك لفظ احمد في مسنده 1 ا : 63 من طريق مالك بن عبدالله الزيادي عن أبي ذر : انه جاء يستاذن على عثمان بن عفان رضي الله عنه فأذن له و بيده عصاه فقال عثمان رضي الله عنه : يا كعب  إن عبدالرحمن توفي وترك مالا ، فما ترى فيه ؟ فقال : إن كان يصل فيه حق الله فلا باس.فرفع أبوذر عصاه فضرب كعبا وقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما أحب لو أن لي هذا الجبل ذهبا أنفقه ويتقبل مني أذر خلفي منه ست أواق.انشدك الله ياعثمان  اسمعته ؟ ثلاث مرات.قال : نعم.

ومنه يتجلى انها قضية في واقعة ترجع إلى مال عبدالرحمن بن عوف الذي ترك ذهبا قطع بالفؤس حتى مجلت ايدي الرجال منه ، وبلغ ربع ثمنه ثمانين الفا ، وقد اعطي له ذلك بغير إستحقاق من مال الله الذي يستوي فيه المسلمون ، فكانت أثرة ممقوتة وإكتنازا منهيا عنه ، وما كانت فتوى كعب تبرر شيئا من عمله لانه لم يكن من نماء زرع أونتاج ماشية او ربحا من تجارة حتى يطهره إخراج حقوق الله منه ، وإنما كان المال كله لله ، وأفراد المسلمين فيه شرع سواء ، وإن كان لابن عوف فيه حقا فعلى زنة بقية المسلمين فحسب.

والعجب من هذا الاستفتاء ومن توجيهه إلى كعب خاصة وهو يهودي قريب العهد بالاسلام وفي المنتدى مثل ابي ذر عالم الصحابة ، والمستفتي جد عليم بحقيقة ذلك المال لانه هو الذي أدره عليه جزاء حسن اختياره للخلافة يوم الشورى ، ولم تكن ثروته الشخصية تفي لتلكم العطايا الجزيلة ، فليس لها مدر الا مال الله ، فعلى ابي ذر البصير بمواقع احكام الشرع ان ينكر تلكم المنكرات على من استباح ذلك العطاء ، وعلى من استباح اخذه وإكتنازه ، وعلى من حاول ان يبرر تلكم الاعمال.

ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون.

وإن كانت توجب نظرية ابي ذر هذه الشيوعية او الاشتراكية ؟ فقد سبقه اليها

 

 

/  ص 370  /

 

الخليفة الثاني ببيان او في وتقرير اوضح ، أخرجه الطبري في تاريخه 5 : 33 من طريق ابي وائل قال قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : لو استقبلت من أمري ما استدبرت لاخذت فضول أموال الاغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين.

وأخرجه ابن حزم في المحلى 6 : 158 فقال : هذا إسناد في غاية الصحة والجلالة وفي عصر المأمون 1 : 2 : حرم عمر بن الخطاب على المسلمين إقتناء الضياع والزراعة لان أرزاقهم وأرزاق عيالهم وما يملكون من عبيد وموال ، كل ذلك يدفعه لهم من بيت المال ، فما بهم إلى اقتناء المال من حاجة.

نعم : عزبت عن اللجنة نظرية الخليفة الثاني في ناحية المال أو أن عظمة الخلافة صدتهم عن الجرأة عليه لكن ابا ذر لم يكن خليفة ، فتمنعهم عظمته عن التقول عليه ، وقد مات في المنفى فريدا وحيدا لا يجد من يعينه أو يدافع عنه أويجهزه بعد موته فيتوثب عليه حتى الخنافس والديدان ، غير ان له يوما آخر يحشر فيه امة واحدة هنالك تبلى السرائر ويعلم ما ارتآه أبوذر وما رمي به.ذلك يوم مشهود له الناس ، والحكم هنالك لله الواحد القهار.

4- ما عزا إليه من الحدة وهو ينافي تشبيه رسول الله صلى الله عليه وآله إياه بعيسى بن مريم في هديه وخلقه ونسكه وزهده (1) فهو ممثل المسيح عليه السلام في هذه الامة ، و أنى تقع الحدة منه ؟ إلا أن يدعوه اليها الدين كما هو من خصال المؤمنين الموصوفين بالوداعة بينهم ، والخشونة في ذات الله ، وأبوذر في الرعيل الاول منهم ، فليس من المستطاع أن نخضع لصحة هذه الرواية وفيها الوقيعة من أبي ذر فيمن يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله يقربه ويدنيه ويحبه.

فلا تكاد تنهض حجة على مفادها ولو جاء‌ت بسند صحيح لان المعلوم من حال ابي ذر هو ما أخبر بن النبي الصادق الامين ، وعلى فرض صحتها قضية في واقعة لا تعدو أن تكون فلتة ليست لها لدة ، ولعلها صدرت منه قبل تحريم ذلك كما ذهب اليه شراح صحيح البخاري (2) وبمثلها لا يمكن أن تثبت لابي ذر غريزة الحدة فيحمل ما صدر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ص 312 - 314 من هذا الجزء.

 (2) راجع فتح الباري لابن حجر ، وارشاد السارى للقسطلانى ، وعمدة القارى للعينى.

 

 

/  ص 371  /

 

منه في المقام عليها.

وكأن الرجل هاهنا ذهل عما ذكره في كتابه (مسائل الجاهلية) ص 129 من قوله : إن أبا ذر رضي الله تعالى عنه قبل بلوغه المرتبة القصوى من المعرفة تساب هو وبلال الحبشي المؤذن فقال له : يا ابن السوداء.فلما شكا بلال إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال له : شتمت بلالا وعيرته بسواد أمه ؟ قال : نعم.قال : حسبت انه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية.فألقى أبوذر خده على التراب ثم قال : لا أرفع خدي حتى يطأ بلال خدي بقدمه.اه‍.

وهكذا رواه البر ماوي ، وذكره القسطلاني في إرشاد الساري 1 : 113 وقال :

زاد ابن الملقن : فوطئ خده.

هذا أبوذر وهذا أدبه وكرم أخلاقه ، وإنه لعلى خلق عظيم.

5- ما ادعاه من كثرة المتعرضين على ابي ذر.الخ.ليته سمى واحدا من اولئك المتعرضين ، أو سمى مصدرا ولو من أتفه المصادر يصافقه على هذه الدعوى ، وإنما كانت الصحابة يومئذ بين مصافق لابي ذر على هتافه ، ومسل له على نكبته ، ومستاء على ما اصابه من الاذى ، وناقم على من فعل به ذلك ، فلم يكن عندئد من يرد عليه قوله ، ويحفظ آية المواريث وابوذر ناسيها وهو وعاء ملئ علما بشهادة من أعلم الامة باب مدينة علم النبي صلى الله عليهما وآلهما.

كان من العزيز على صلحاء الصحابة المنابأة بالفادح الجلل تسيير ابي ذر إلى الربذة لكرههم ذلك ونبوء سمعهم عنه ، وكان الصحابي الصالح يسترجع مرارا لما قرع سمعه ذلك النبأ المزري ، وكان يقول : ارتقبهم واصطبر ، اللهم إن كذبوا أبا ذر فاني لا أكذبه ، اللهم وإن اتهموه فاني لا أتهمه ، اللهم وإن استغشوه فاني لا استغشه ، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن احدا ، ويسر اليه حين لا يسر إلى احد (1) ولعل الآلوسي يريد بمن ذكرهم من المتعرضين طغمة آل امية المتخذين مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا ، وكتابه دغلا ، غير انهم ما كانوا يجادلون بالقرآن وما كانوا يعرفون منه إلا ظاهرا من قوله تعالى : ولا تنس نصيبك من الدنيا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع من هذا الجزء صفحة 315.

 

 

/  ص 372  /

 

وكانت مجادلته مجالدة بالحراب والعتاد ، وكان قولهم في ذلك صخبا وجلبة ، فتبعهم الآلوسي تحت جامع النزهة.

6- حسبانه بان خروجه إلى الربذة كان مللا منه من تعرض الناس وازدحامهم عليه مستغربين منه رأيه بعد ان استشار عثمان فاشار اليه بالذهاب اليها فسكن فيها حسبما يريد.وهذه اكذوبة اخرى فقد مر فيما تقدم انه نفي إلى الربذة ، ومنع الناس عن مشايعته ، فلم يدن منه احد إلا مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وإبناه الامامان وعمار معهم ، وما جرى بينهم وبين مروان ، ثم ما جرى بين الامام وبين عثمان، وما قال له مشايعوه من كلمات التسلية ، وما قاله ابوذر نفسه لمن زاره في الربذة ، وقول عثمان لعمار : يا عاض أيرأبيه  أتحسب إني ندمت من تسييره ؟ إلى كلمات اخرى كلها صريحة في تسييره على صورة غير مرضية ، ونقمة الصحابة جمعاء على من فعل به ذلك.وقد عرفت قبل هذه كلها إخبار رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك النفي والاخراج بالرغم من أشواق ابي ذر المحتدمة على جواره مرقد النبي الاعظم ، فراجع تفاصيل هذه الجمل فيما تقدم من صحائف هذا الجزء ، لكن الآلوسي اراد أن يخفف وطأة النقد على من والاه ورد النقمة عنه فصدر للقصة صورة خيالية ، وحسب ان التنقيب لا يكشف عن عوارها ، وليت اللجنة الحاكمة لم تتغافل عن ان هذه الجملة الاخيرة تنافي ما استشهدت به من كلام ابني كثير وحجر فقد اعترفا بان خروج ابي ذر إلى الربذة كان تسييرا بلا اختيار منه غير أنهما حاولا الاعتذار عن قبل من ارتكب ذلك.

7- قوله : هذا ما يعول عليه في هذه القصة.الخ.انظر إلى هذا الرجل كيف يحاول ان يغمط الحقائق الثابتة حسب ميوله وأهواء‌ه ، وهويزعم ان الامة ستتخذ ما لفقه اصلا متسبعا ، فتمحو الكتب وتلقي الستار على صفحة التاريخ ، وتحذف الاحاديث من مدوناتها وتضرب صفحا عن غير كتابه مما ثبت فيها كل ما نفاه هو كما قدمنا لك ذلك في أبحاثنا هذه ؟ وقصارى القول إن العلماء في هذه المسالة فريقان : فقسم سرد تلكم الااحوال سردا تاريخيا أو أخرجها إخراج الحديث من غير تعرض لمالها أو عليها وقد عرفت هؤلاء ، وفريق يعترف بكل ما هنالك غير انه يعتذر عمن ارتكب هاتيك الاحوال بانها كانت لحفظ ابهة الخلافة ، وصيانة منصب الشريعة ، وإقامة حرمة الدين

 

/  ص 373  /

 

 

(1) وليس أحد من هؤلاء من الشيعة حتى يجعل الآلوسي روايتهم غير معول عليها ، وهل من الجائز أن لا يتفطن اعلام القوم وحفاظهم في كل تلكم القرون الخالية لما

جاء به الآلوسي ، وحسبوا أولئك ما روته الشيعة صحيحا وجعلوه من مطاعن عثمان المتسالم عليه عندهم ، وجاء‌وا ينحتون له الاعذار في تبريره ؟ وبعد هذه كلها فلا عذر للجنة الحاكمة في أن تعتمد على مثل هذه الكلمة التي مزيجها الكذب ، وحشوها الاغلاط ، والعوار مكتنف بها من شتى نواحيها ، هذا حال الشاهد الاول الذي استشهدت به اللجنة الحاكمة.

 

 

- الشاهد الثاني  :

اما شاهد اللجنة الثاني وهو ابن كثير ، وماادراك ما ابن كثير ، وما أراك ما كتاباه في التفسير والتاريخ ؟ مجاميع الفحش ، وموسوعات البهت ، وكراريس الدجل ، ومن تدجيله هاهنا ما ادعاه من نسبة تحريم إدخار ما زاد على نفقة العيال إلى ابي ذر و انه كان يفتي به ويحثهم عليه.الخ.على حين انه لا يوجد لابي ذر اي فتوى تصرح او تلوح بذلك التحريم او حث له على ذلك أو امر به أو تغليظ فيه ، غير ما لفقه الافاكون في الادوار المتأخرة من عزو مختلق ، نعم : وربما يتخذ مصدرا لهذه الافائك ماشوه به الطبري صحيفة تاريخه من مكاتبة السري الكذاب من طريق شعيب المجهول عن سيف الساقط المتهم بالزندقة ، الذين عرفت موقفهم من الدين والصدق والامانة وعرفت حال روايتهم خاصة في ص 328326 ، وغير خاف ذلك على مثل ابن كثير و من لف لفه ، لكنهم نبذوا الرجل نبذة ليسقطوه عن محله ، ويسقطوا آرائه عن الاعتبار فتشبثوا بالحشيش كالغريق ، لكنهم خابوا وفشلوا ، وإنما المأثور عنه تلاوة الآية الكريمة ، ونقل السنة الواردة عن نبي الاسلام في اكتناز الذهب والفضة ، وأما الآية الكريمة فقد عرفت مقدار دلالتها وان الخلاف لواقع بين أبي ذر ومعاوية إنما هو بالنسبة إلى نزولها دون المفاد ، وانه لو صحت النسبة لوجب قذفهما معا أو تبرئتهما معا.

علي أن لابي ذر في ما ادعاه من شأن الآية مصافقون فروى ابن كثير نفسه عن ابن عباس : انها عامة.وعن السدي انه قال : هي في أهل القبلة.فهو أيضا يوافقه في الجملة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع الرياض النضرة 2 : 146 ، الصواعق ص 68 ، تاريخ الخميس

 

 

/  ص 374  /

 

2 : 374 وفي تفسير الخازن 2 : 232 : قال ابن عباس والسدي : نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين ، وقال القرطبي في تفسيره 8 : 123 : قال أبوذر وغيره : المراد بها أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين ، وهو الصحيح لانه لو اراد اهل الكتاب خاصة لقال : و يكنزون بغير " والذين " فلما قال : " والذين " فقد استأنف معنى آخر يبين انه عطف جملة على جملة ، فالذين يكنزون كلام مستانف وهو رفع على الابتداء ، قال السدي : على أهل القبلة.

وقال الزمخشري في الكشاف 2 : 31 : ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين.وقال البيضاوي في تفسيره 1 : 499 : ويجوز أن يراد به المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه.وقال الشوكاني في تفسيره 2 : 339 : والاولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك.وقال الآلوسي في تفسيره 10 : 87 : والمراد من الموصول إما الكثير من الاحبار والرهبان ، وإما المسلمون وهو الانسب لقوله : ولا ينفقونها في سبيل الله.

فرأي ابي ذر أخذا بمجاميع هذه الكلمات هو الصحيح والانسب والاولى ، وما تفرد به بل ذهب اليه آخرون ، فلماذا لا يقذفون هؤلاء بما قذف به أبوذر ، وهل لابي ذر حساب آخر يسوغ الفرية عليه دون اولئك ؟ نعم.نعم.

وأما السنة فقد روى نظير ما رواه غير واحد من الصحابة ، لكن القوم لم يضمروا على احد منهم من الحقد ما اضمروه على ابي ذر لمكان رأيه في الامامة منذ الصدر الاول ، ونزعته العلوية التي لم يزل مجاهرا بها ، ومناوئته للبيت الاموي ، فحاولوا تشويه ذكره وتفنيد رأيه بكل ما تيسر لهم ، فمن أولئك الصحابة :

1- عبدالله بن مسعود قال : دخل النبي صلى الله عليه وآله على بلال وعنده صبرة من تمر فقال: ماهذا يا بلال ؟ قال : اعد ذلك لاضيافك.قال : أما تخفى ان يكون لك دخان في نار جهنم ؟ انفق بلال  ولا تخش من ذي العرش إجلالا.

رواه البزاز باسناد حسن والطبراني في الكبير وقال : اما تخشى ان يفور له بخار في نار جهنم؟.

2- ابوهريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وآله عاد بلال فأخرج له صبرا من تمر فقال : ما هذا

 

 

/  ص 375  /

 

يا بلال ؟ قال : ادخرته لك يا رسول الله  قال : أما تخشى ان يجعل لك بخار في نار جهنم ؟

انفق يا بلال  ولا تخش من ذي العرش إقلالا.

رواه ابويعلى والطبراني في الكبير والاوسط باسناد حسن.

3- اسماء بنت ابي بكر قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لا توكي فيوكا عليك.وفي رواية : انفقي ، أو انفحي ، أو انضحي ، ولا تحصي فيحصي الله عليك ، ولا توعي فيوعي الله عليك.رواه البخاري ومسلم وأبوداود.

4- بلال مرفوعا : يا بلال  مت فقيرا ولا تمت غنيا ، قلت : وكيف لي بذلك ؟

قال ما رزقت فلا تخبأ ، وما سئلت فلا تمنع.

فقلت : يا رسول الله  وكيف لي بذلك ؟

قال : هو ذاك أو النار.

رواه الطبراني في الكبير ، وابن حبان في كتاب الثواب ، والحاكم وصححه.

5- انس بن مالك قال اهديت للنبي ثلاث طوائر فأعطى خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته بها ، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله : ألم أنهك ان ترفعي شيئا لغد ، فان الله يأتي برزق غد.رواه أبويعلى والبيهقي ورجال ابي يعلى ثقات.

6- أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله لا يدخر شيئا لغد.

رواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي.

7- سمرة بن جندب مرفوعا : إني لالج هذه الغرفة ما ألجها إ خشية أن يكون فيها مال فأتوفى ولم أنفقه.رواه الطبراني في الكبير باسناد حسن.

8- أبوسعيد الخدري مرفوعا : ما أحب أن لي احدا ذهبا ابقى صبح ثالثة و عندي منه شيء إلا شيء اعده للدين.

روه البزار وهو إسناد حسن وله شواهد كثيرة.

9- أبوأمامة : ان رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يوجد له كفن فأتي النبي صلى الله عليه وآله فقال : انظروا إلى داخلة إزاره فاصيب دينار أو ديناران فقال : كيتان

10- توفي رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

كية.ثم توفي آخر فوجد في مئزرة ديناران ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : كيتان.

رواه احمد والطبراني من عدة طرق ، وابن حبان في صحيحه من طريق عبدالله

 

 

/  ص 375  /

 

ابن مسعود.

11- سلمة بن الاكوع قال : كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وآله فاتي بجنازة ثم اتي باخرى فقال : هل ترك من دين ؟

قالوا : لا. قال : فهل ترك شيئا ؟ قالوا : نعم ثلاثة دنانير. فقال باصبعه : ثلاث كيات.

أخرجه احمد باسناد جيد وابن حبان في صحيحه باللفظ المذكور والبخاري نحوه

12- أبوهريرة : إن أعرابيا غزا مع رسول الله صلى الله عليه وآله خيبر فأصابه من سهمه ديناران فأخذهما الاعرابي فجعلهما في عباء‌ة فخيط عليهما ولف عليهما ، فمات الاعرابي فوجد الديناران فذكر ذلك لرسول الله فقال : كيتان.

رواه احمد واسناد حسن لا بأس به.

هذه جملة من تلكم الاحاديث ، وقد جمعها الحافظ المنذري في الثرغيب والترهيب 1 : 253,258.

13- أخرج احمد في مسنده 1 : 300 من طريق ابن عباس قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم التفت إلى احد فقال : والذي نفس محمد بيده ما يسرني ان احدا يحول لآل محمد ذهبا انفقه في سبيل الله اموت يوم اموت ادع منه دينارين إلا دينارين اعدهما للدين إن كان.

14- أخرج ابن كثير نفسه في تفسيره 2 : 352 من طريق عبدالله بن مسعود : والذي لا إله غير لا يكون عبد يكنز فيمس دينار دينارا ولا درهم درهما ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته.

رواه سفيان عن عبدالله بن عمر بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود ، ورواه ابن مردويه عن أبي هريرة.

15- حكى ابن كثير عن ابي جعفر ابن جرير الطبري من طريق ثوبان مرفوعا : من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا اقرع له زبيبتان يتبعه ويقول : ويلك ما أنت ؟

فيقول : انا كنزك الذي تركته بعدك.ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبعها سائر جسده.قال : ورواه ابن حبان في صحيحه.

16- ونقل في ص 353 عن ابن ابي حاتم باسناده من طريق ثوبان مرفوعا : ما من رجل يموت وعنده احمر أو أبيض إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار يكوى بها من قدمه إلى ذقنه.

 

 

/  ص 377  /

 

17- وذكر عن أبي يعلى بالاسناد من طريق أبي هريرة مرفوعا : لا يوضع الدينار على الدينار ، ولا الدرهم على الدرهم ، ولكن يوسع جلده فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون.

18- أخرج أحمد من طريق عبدالله بن أبي الهذيل قال : حدثني صاحب لي : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : تبا للذهب والفضة وقال : إنه انطلق مع عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله  قولك : تبا للذهب والفضة.ماذا ندخر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله :

لسانا ذاكرا ، وقلبا شاكرا ، وزوجة تعين على الآخرة.تفسير ابن كثير 2 : 351.

19- أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة من طريق سالم بن ابي الجعد عن ثوبان قال : لما نزلت في الذهب والفضة ما نزل قالوا : فأي المال نتخذ ؟ قال عمر : فأنا أعلم لكم ذلك فأوضع على بعير فأدركه وأنا في اثره فقال : يا رسول الله  اي المال نتخذ ؟ قال : قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ، وزوجة تعين أحدكم على أمر الآخرة.

20- وقبل هذه كلها ما أخرجه إمام الحنابلة أحمد في مسنده 1 : 62 من طريق عثمان بن عفان من أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : كل شيء سوى ظل بيت ، وجلف الخبز ، وثوب يواري عورته والماء ، فما فضل عن هذا فليس لابن آدم فيهن حق.وأخرجه أبو نعم في حلية الاولياء 1 : 61.

هذه الاحاديث أخرجها أئمة الفقه وحفاظ الحديث وأعلام التفسير في تآليفهم محتجين بها لما ارتأوه من الترغيب إلى الزهد والتطوع بالانفاق ، والترهيب عن الاكتناز والادخار ، ولم يتكلم أحد منهم في راو من رواتها ، وما أتهم اي منهم بما اتهم به أبوذر ، فإن كان للتأويل والحمل على معنى صحيح فيها مجال فهي وما رواه ابوذر على شرع سواء‌ا فاي وازع عن تأويل ما جاء به أبوذر ؟ ولماذا رشقوه بين أولئك الصحابة بنبال القذف ؟ مع أن ابا ذر لم يكن هتافه ذلك للدعوة إلى تهذيب النفس بالزهادة في حطام الدنيا والفوز بمراتب الكمال ، وإنما كان نكيره على أمة اتخذت كنوزا مكدسة من الذهب والفضة على غير وجه حلها كما فصلنا القول في ذلك تفصيلا.

وإذ لم يجد ابن كثير شاهدا قويما لما ادعاه من أقوال ابي ذر تشبث بعمله فقال : وقد أحضره رضي الله عنه وهو عنده هل يوافق عمله قوله فبعث اليه بألف دينار ففرقها

 

 

/  ص 378  /

 

من يومه ثم بعث اليه الذي أتاه بها فقال : إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب فقال : ويحك إنها خرجت ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به.

وليس فيه إلا زهد أبي ذر المهلك سبده ولبده ، ولم يكن عمله هذا عن فتوى و لا ايجاب ، وإنما كان تطوعا ومبالغة في الزهادة والجود ، وقد سبقه إلى ذلك سيد البشر صلى الله عليه وآله ، عاش صلى الله عليه وآله كما عرفت ومات ولم دع دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا شاة ولا بعيرا ، وترك درعه رهنا عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (1) وحذا حذوه آله سلام الله عليهم الذين كانوا يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (2) الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة وهم راكعون (3) الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية (4) وقد خرج الامام السبط الحسن الزكي من ماله مرتين ، وقاسم الله عزوجل ماله ثلاث مرارا حتى أن كان ليعطي نعلا ويمسك نعلا ، ويعطي خفا ويمسك خفا (5) وما أكثر الزهاد أمثال ابي ذر في امة محمد صلى الله عليه وآله وقد أفنت الزهادة كل مالهم من ثمة ورمة وقد عد ذلك في الجميع فضيلة يذكرون بها ويشكرون عليها إلا في ابي ذر شبيه عيسى بن مريم في الامة المرحومة فاتخذوه مدركا لتلك الفتوى المزعومة غفرانك اللهم وإليك المصير.

 

- استشهاد اللجنة بكلمة ابن حجر :

أما الشاهد الثالث (ابن حجر) فليت اللجنة الحاكمة لم تلخص كلامه ففيما سرده في فتح الباري 3 : 213 مالا يلائم خطة اللجنة ففيه من أعلام النبوة ما قدمنا ذكره من عهد النبي صلى الله عليه وآله بذلك النفي والاخراج في سياق يؤدي أن أبا ذر سيكون مضطهدا في ذلك مظلوما ، ويؤكد هذا السياق ما اسلفناه من قوله صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر  أنت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد ط مصر رقم التسلسل 836 ، 837 ، مسند احمد 1 : 300 ، تاريخ الخطيب البغدادي 4 : 396.

 (2) راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث 107 111 ط 2.

 (3) راجع ما فصلناه في الجزء الثانى ص 47 ، 52 ، ج 3 : 163155 ط 2.

 (4) نزلت في أمير المؤمنين كما مر في هذا الجزء.ص 54.

 (5) حلية الاولياء 2 : 38 ، صفة الصفوة 1 : 330 ، الصواعق ص 82.

 

 

/  ص 379  /

 

رجل صالح وسيصيبك بلاء بعد.قال : في الله ؟ فقال صلى الله عليه وآله : في الله.قال : مرحبا بأمر الله.وما كان في الله وبعين الله ويعرف صلى الله عليه وآله صاحبه بالصلاح ، ويراه في هديه ونسكه وزهده شبيه نبي معصوم كعيسى سلام الله عليه ، ويأمره بالصبر لا يكون فاسدا ولا تترتب عليه مفسدة ، إذن فلا أدري أين يكون مقيل نظرية ابن حجر الملخصة عند اللجنة من

الصدق ؟

ومما ذكره ابن حجر في فتح الباري ما حكاه عن بعض أعلام قومه : الصحيح أن انكار أبي ذر كان على سلاطين الذين يأخذون المال لانفسهم ولا ينفقونه في وجهه.

نعم هذا هو الصحيح كما قدمناه في صفحة 335 ويعرفه كل من سبر التاريخ و الحديث.إذن فليس من المتسالم عليه ما حاوله ابن حجر في ملخص قوله وتحرته اللجنة في حكمها والاستشهاد بكلامه ، مثل هذا الاساس لا تبنى عليه برهنة ، ولا يصح به حكم لاي إنسان أو عليه لكن ابن حجر قال ، واللجنة حكمت ، والقوة نفذت ذلك الحكم ، فإنا لله وإنا اليه راجعون.

هؤلاء شهود اللجنة الحاكمة ، وقد اختبرت أنت أيها القارئ حالهم ومقالهم ، إذن فما ظنك بما ابتنوه على ذلك من شفا جرف هار ؟ نحن أعلم بما يقولون ، وما أنت عليهم بجبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد.

هاهنا اكرر مخاطبة اللجنة بأن دليلها في إثبات شيوعية أبي ذر غيرنا ناهضة لاثبات ما ترتأيه لان نظرية ابي ذر على ما ادعته هي وجوب إنفاق ما فضل عن حاجة الانسان ، ومقتضاه انه يملك التصرف في قدر الحاجة ، والشيوعي لا يقول بذلك وإنما يحاول الغاء الملكية راسا ، ثم ان الحكومة الشيوعية تدر عليه قدر الحاجة أو بمقدار العمل صونا لحياته فهو كالاجير عندها يقتات بما يعمل او كعائلتها تسد عيلتها بمقدار خلتها ، على ما قدمناه من ان راى ابي ذر لا يستوعب المال كله وإنما يريد الاخراجات الواجبة وما تدعو اليه العاطفة البشرية والمروء‌ات من الاعطيات المندوبة ، فاللجنة لم تعط النصفة حقها في إسناد ما اسندته إلى ابي ذر ، كما انها لم تؤد حق الرد على الشيوعية الممقوتة ، فهي مائنة فيما تقول خبريا اومخبريا ، وجائرة في حكمها من حيث لا تشعر.

كان حقا علينا أن ننظر في بقية الكلمات المقولة في شيوعية أبي ذر على وجه.

 

 

/  ص 380  /

 

التفصيل ككلمة الخضري في المحاضرات 2 : 36 ، 37.و عبدالحيمد بك العبادي عميد كلية الآداب في (صور من التاريخ الاسلامي) ص 13109 تحت عنوان (أبوذر الغفاري) .

و احمد امين في فجر إسلامه 1 : 136.

و محمد أحمد جاد المولى بك في " إنصاف عثمان " ص 4541.

و صادق إبراهيم عرجون في " إنصاف عثمان " ص 35.

و عبدالوهاب النجار في " الخلفاء الراشدون " ص 317.

ومن حذا حذوهم ممن إقتحم معارك التاريخ والابحاث الخطرة من دون منة علمية تنقذهم من القحمة وصرعة الاسترسال التي لا تستقال ، لكنهم لم يألوا باكثر مما فندناه غير ما ذكره بعضهم (1) من أن أبا ذر أخذ المبدأ الشيوعي من عبدالله بن سبا إستنادا إلى رواية الطبري السابقة في ص 326 عن السري عن شعيب عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي ، وقد عرفناك هنالك ما في رجالها من أفاك وضاع ، أو معتد أثيم ، أو ضعيف متفق على ضعفه ، أو مجهول لا يعرف ، وما في متنها من ملامح الكذب وآثار الافتعال.

على أن عبدالله بن سبا المعروف باليهودية والافساد وتفريق كلمة المسلمين الذي عزوا إليه ثورة المصريين ، وانه يمم الحواضر الاسلامية لالقاح الفتن وإثارة الملا على خليفة الوقت ، وبث تلكم المبادئ التعيسة ، لم ينظر اليه رامق شزرا ، ولا وقع عليه قبض من سلطات الوقت ، ولا اصابه نفي عن الاوساط الدينية ، وقد ترك يلهو ويلعب كما تشاء له الميول والشهوات ، لكن النقمات كلها توجهت على الابرار من صحابة محمد صلى الله عليه وآله والتابعين لهم بإحسان كأبي ذر ، وعبدالله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، ومالك بن الحارث الاشتر ، وزيد وصعصعة ابني صوحان ، وجندب بن زهير ، وكعب بن عبدة الناسك ، ويزيد الارحبي العظيم عند الناس ، وعامر بن قيس الزاهد الناسك ، وعمرو بن الحمق المعروف بدعاء النبي صلى الله عليه وآله له ، وعروة البارقي الصحابي الجليل ، وكميل بن زياد الثقة الامين ، والحارث الهمداني الفقيه الثقة (2) فمن منفي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كالخصرى واحمد امين.

 (2) سيوافيك حديث امرهم في الجزء التاسع باذن الله تعالى.

 

 

/  ص 381  /

 

هلك في تسييره ، إلى مضروب كسرت اضالعه ، إلى مهان توجهت اليه لسبات الالسن وقبل هؤلاء مولانا أمير المؤمنين صالح الامة ، يراه عثمان أحق بالنفي من اولئك كما يأتي حديثه ، وأخرجه إلى ينبع مرة بعد أخرى ليقل هتاف الناس باسمه للخلافة ، وقال لابن عباس : اكفني ابن عمك.وقال ابن عباس : ابن عمي ليس بالرجل يرى له ولكنه يرى لنفسه فارسلني اليه بما احببت.قال : قل له : فليخرج إلى ماله بالينبع فلا اغتم به ولا يغتم بى.فأتى عليا فاخبره فقال : ما اتخذني عثمان إلا ناضحا ثم أنشد يقول :

فكيـــــف به إني ادواي جراحه * فيدوى فلا مل الدواء ولا الداء

وقال : يا ابن عباس  ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب (1) اقبل وادبر بعث الي أن أخرج ، ثم بعث الي أن أقدم ، ثم هو الآن يبعث الي أن أخرج والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما. (2)

فهلا كان ابن سبا واصحابه بمرأى من الخليفة ومسمع وقد طغوا في البلاد و أكثروا فيها الفساد ؟ وكيف بهضة امر اولئك الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ولا يهمه قمع تلكم الجرثومة الخبيثة باجتثاث اصلها ؟ باعدام عبدالله بن سبا ، أو صلبه على جذوع النخل ، أو قطع يده ورجله من خلاف ، أو نفيه من الارض.

هلا كان واجب الخليفة أن يشاور صلحاء الصحابة في الرجل الضال المضل بدل ما شاور أبناء بيته الساقط في أبي ذر العظيم بقوله القارص : اشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أو أحبسه أو اقتله ، فانه قد فرق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الاسلام ؟ (3)

نعم : كان عبدالله بن سبا من جراثيم العيث والفساد ، وجذوم الكفر والالحاد ، ولم يفتأ يتقلب بين المسلمين بنواياه السيئة وإن لم يثبت عنه المبدا الشيوعي قط ، ولا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نضح الجمل حمله من بئر او نهر ليسقى به الزرع فهو ناضح.والغرب بالفتح فسكون : الدلو العظيمة ، والكلام تمثيل للتسخير.

 (2) نهج البلاغة 1 : 468 ، العقد الفريد 2 : 274.

 (3) راجع ما مر ص 298 ، 306 من هذا الجزء.

 

 

/  ص 382  /

 

إثارة الثائرين على عثمان الا بمكتوبة السري عن شعيب عن سيف المكذوبة الساقطة التي لا قيمة لها في سوق الاعتبار (1) فان المسلمين خصوصا الثائرين على عثمان والمتجمهرين عليه وهم جل الصحابة لو لم نقل كلهم (كما يأتي تفصيله في الجزء التاسع باذن الله) و خصوصا من لاث بمولانا أمير المؤمنين من علية الصحابة كأبي ذر وعمار ومالك الاشتر وابني صوحان وأمثالهم ما كان يقيمون وزنا لنعرات اي ابن انثى تجاه ما اتخذوه من مستقى الوحي فضلا عن مثل ابن سبا المعروف عندهم ملكاته ونزعاته في أمسه ويومه ذاك ، فانى يصيخون إلى ماله من هلجة وهم رجال الفكرة الصالحة في المجتمع الديني ولم يثبت التاريخ الصحيح اتصال احد منهم بهذا الرجل فضلا عن تأثيره في نفسياتهم وإثارة الفتن في المجتمع الديني بأيديهم ، وهلا كان خليفة الوقت أراح المسلمين من شره بتشتيت شمله وتمزيق جمعه ؟ كا فعله مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، فقطع عن اديم الارض اصول تلك النزعات الوبيلة بالقاء الدخان على حامليها كما مر في الجزء السابع ص 156 ط 2 ، وذكره ابن حزم في الفصل 4 : 186.

 

- كلمتنا الاخيرة  :

لو درست الاساتذة حقيقة الشيوعية وما يهتفون به من اصولها وحقيقة ابي ذر العالم الصحابي ونظراء‌ه وما يؤثر عنهم من قول وعمل وأحاديث جاء‌ت فيهم عرفوا البون الشاسع بين المبدأين ، وإن مثل أبي ذر لا يكون شيوعيا مهما أسف من أوج عظمته وانكفأ عن صهوة علمه ، وتنازل عن مبادئه المقدسة ، وانه لا يعتنق ذلك المذهب عالم وإن قلت بضاعته ، وضعفت منته العلمية.

أنى يهتف بالشيوعية ويعتنقها من وقف واطلع على ما جاء به الاسلام المقدس في تأمين مؤن الفقراء وسد عيلتهم ، وما وطد من مشارع تخفف عنهم ما يبهضهم من عمب‌ء حزانتهم ، وما شرع لهم من منابع الحياة المادية في أموال الاغنياء ، بقدر ما يسعهم كما أخبر به النبي الاعظم بقوله : إن الله فرض على اغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراء‌هم ، ولن يجهد الفقراء اذا جاعوا وعروا إلا بما يصنع أغنياؤهم ، الا و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   راجع ص 328326 من هذا الجزء.

 

 

/  ص 383  /

 

إن الله يحاسبهم حسابا شديدا ويعذبهم عذابا اليما (1) .فبعد ترصيف السياسة المالية على أحسن نظام وأرقى منهج وتعبية ما يسد خلة الفقراء ، سد عليهم أبواب السؤال و التكدي وشدد النكير عليهما بمثل قوله صلى الله عليه وآله : إن المسالة لا تصلح إلا لثلاث : لذي  فقر مدقع ، أو لذي غرم مفظع ، أو لذي دم موجع (2) ورغبهم إلى الاستعفاف والاستغناء عن الناس بكل ما تيسر من العمل بقوله صلى الله عليه وآله : لان يأخذ أحدكم حبلا فيأتي الجبل فيجئ بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها خير له من أن يسأل الناس اعطوه أو منعوه (3) وقرر على أهل اليسار للفقراء والمساكين حقوقا محدودة من شتى النواحي بعناوين مختلفة كرواتب سنوية أو كجراية شهرية تتعلق على الانعام والغلات والنقدين وأرباح المكاسب والركاز والمعادن والانفال وغيرها من الواجب المالي المقرر ، مضافا على ما قد يجب على الانسان حينا بعد حين لموجب هنالك كالكفارات والنذور والمظالم.

وأما التطوع بالصدقات والانفاق مما فضل وهو الذي كاد أن يعد من فروض الانسانية فحدث عنه ولا حرج ، وقد بالغ الصادع الكريم في الحث عليه ومر شطر من أحاديثه ، وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما من طريق ابي أمامة مرفوعا : يا ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك ، ولا تلام على كفاف.الترغيب والترهيب 1 : 232 ، 252.

وأخرج مسلم من طريق ابي سعيد الخدري مرفوعا : من كان معه فضل من ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن كان عنده فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له.

سنن البيهقي 4 : 182.

وفي صحيح مر في ص 354 قوله صلى الله عليه وآله وسلم : على كل نفس يوم طلعت فيه الشمس صدقة عنه على نفسه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه الطبراني في الاوسط والصغير كما في الترغيب والترهيب 1 : 213 ، وروى موقوفا على امير المؤمنين كما مر ص 256.

 (2) الترغيب والترهيب 1 : 233 نقلا عن ابي داود والبيهقي.

 (3) صحيح البخاري 3 : 34 ، صحيح مسلم 3 : 97 ، سنن البيهقي 4 : 195 ، الترغيب والترهيب 1 : 233.

 

 

/  ص 384  /

 

وللاسلام وراء هذه كلها آداب وسنن تعرب عن حرمة من قتر عليه رزقه وعن كرامته في الملا الديني تصديقا للانكار الوارد في قوله تعالى : فأما الانسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ، وأما اذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن.كلا (1) .فأمر كتابه المقدس بالانفاق من جيد المال ونفيسه بقوله : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ماكسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون.الآية (2) وقوله تعالى : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم (3) ونهى عن نهر السائل وإبطال الصدقات بالمن والاذى ورياء الناس فقال عز من قائل : وأما السائل فلا تنهر (4) وقال : يا ايها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا (5) .

وقال : الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا اذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (6) .

وقال : قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها اذى والله غني حليم (7) .

وقال النبي الاعظم صلى الله عليه وآله : لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان والمتحدث بصدقته يطلب السمعة ، والمعطي في ملا من الناس يبغي الرياء (8) .

وأخرج مسلم في صحيحه مرفوعا : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر اليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم : المنان بما أعطى.. سنن البيهقي 4 : 191.

وذكر ابن كثير مرفوعا : لا يدخل الجنة عاق ، ولا منان ، ولا مدمن خمر.

تفسير ابن كثير 1 : 318.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الفجر آية 15 ، 16.

 (2) سورة البقرة آية 267.

 (3) سورة آل عمران آية 92.

 (4) سورة الضحى آية 10.

 (5) سورة البقرة آية 264.

 (6) سورة البقرة آية 262.

 (7) سورة البقرة آية 263.

 (8) احياء العلوم 1 : 222.

 

 

/  ص 385  /

 

ولقطع اصول المن بالاعطاء وتنزيه نفوس أهل اليسار عن الاستعلاء والترفع والعجب بإعطياتهم ، ومن كان غنيا فليستعفف ، وتطهير قلوب الفقراء الشريفة عما يعتريها من ذل المسكنة ، وتطييب خواطرهم من هوان بسط يد الاخذ إلى الاغنياء ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إن الصدقة تقع بيد الله عزوجل قبل أن تقع في يد السائل (6) .

وفي صحيح أخرجه مسلم 3 : 85 من طريق ابي هريرة مرفوعا : ما تصدق أحد بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمان بيمينه وإن كانت تمرة ، فتربو في كف الرحمان حتى تكون أعظم من الجبل.الحديث.

فيرى المعطي المسلم وجهه إلى الله وهومحسن انه مسلم إلى الله جلا وعلا حقه مما خوله سبحانه بمنه إياه.والفقير يرى أنه آخذ من اله وباسط كفه إلى الله و يدالله هي مدر الانعم ، وهي اليد العليا ، وهي الوسيطة بين المعطي والآخذ ، وله المن عليهما ، والله الغني وأنتم الفقراء (2)  إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما (3) فالشيوعي لا يكون شيوعيا إلا ويغمره تيار الجهل الهائج ، وان سماسرة الشيوعية يمنعون قبل كل شيء عن تحري العلم الصحيح ويسوقون الملا إلى مستوى الجهل والبساطة ، ولعلك لا تشك في ذلك متى جست خلال الديار في المملكة "السوفيتية " ومن جنح اليها من أقطار الارض ، فانك لا تجد من يهملج إلى الغاية الشيوعية إلا الرجرجة الدهماء الذين لم يعطوا من العلم شيئا ، لكن البلاد الخصبة بالعلم والعلماء كلها من اسلامي وغيره في منتأى عن تلك الخسة ، وكذلك كل من أوتي نصيبا من العلم لا تدعه عقليته ان يسف إلى تلكم الهوة الوبيئة وكيف بأبي ذر " وعاء العلم " وأمثاله ؟.

نعم : للبلاد الاسلامية خاصتها في الابتعاد عن هاتيك السفاسف لوجود العلم الصحيح الناجع عند علمائها " لا ما جاء‌ت به اللجنة الحاكمة " والمواد الحيوية المبثوثة في دينها الاسلامي الحنيف ، فهي وهم سدان قويان لدفع ذلك السيل الاتي ، فليس لمجابهة الشيوعية ومكافحتها شيء أقوى من العلم والدين ، وتنوير فكرة الشعب الاسلامي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) اخرجه الدار قطنى والبيهقى في شعب الايمان.

 (2) سورة محمد آية 38.

 (3) سورة النساء آية 135.

 

 

/  ص 386  /

 

بهما ، فمن واجب الدول الاسلامية " وقد شعرت هي بهذا الواجب " توسيع نطاق العلم ، وبث نواميس الدين ، وإحياء ناشئة الانسان الذي خلق جهولا بروح الثقافة الدينية وتربية أبناء الوطن العزيز في صفوف المدارس الابتدائية إلى العالية بدراسة العلوم الناجعة ، والتحفظ على حقوق ضعفاء الامة ، والاخذ بناصر أخي عيلة العائل باجراء مقررات الدين المبين ، وتعظيم العلماء الصالحين ، وتقدير رجالات الوعظ والخطابة لتستمر طهارة البلاد عن تلكم الرجاسة ، فحيا الله العلماء العاملين ، وحيا الله الحكومات الاسلامية الناهضين بكلاء‌ة العباد والبلاد.

 

فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع اهوائهم ، وقل : آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لاعدل بينكم ، الله ربنا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا حجة بيننا وبينكم ، الله يجمع بيننا وإليه المصير سورة الشورى آية : 15.

الحمد لله أولا وآخرا

 

انتهى الجزء الثامن

من كتاب " الغدير " ويتلوه الجزء التاسع

يبتدأ فيه بتتمة هذه المباحث إن شاء الله فتربص حتى حين

ولا تعجل بالقران من قبل ان يقضى اليك

 

 

/  ص 387  /

 

 

التقاريظ المنضدة

 

لجمع من شعراء اليوم وللجميع الشكر المتواصل

ـ 1 ـ

 للعلامة السيد محمد الهاشمي قصيدة غديرية نشرتها مجلة البيان النجفية الغراء في عددها ال‍ 80 من سنتها الرابعة الصادر في 19 محرم سنة 1370 مطلعها :

يحتفي الخلد فيك مجدا وفخرا * فتطـــــاول على السماكين قدرا

واقتحم ساحة الحيــاة بعــــزم * يهرب الموت منه خوفا وذعرا

لك من روحك العظيمة جـيش * يهــــزم الحــــادثات كــرا وفرا

والــــذي يغمـر الليالي الطافا * سيحيـى في صفحة الافق فجرا

ومنها بعد 75 بيتا في ختامها قوله :

الغــــدير الغـديــــر ، ذلك سفــر * خالــــد فـي الحياة ، قدس سفرا

دبجتــــه يـــراعـــة الناقد الفحل * فلــــم تبــــق فيـــه للــــب قشرا

اظهرت ما اختفي وأخفت عيوبا * قدست في الورى خداعا ومكرا

إن يكـــــن يصلح الخلود وساما * (فالاميني) فيــــه أولى وأحرى

ونذكر تمام القصيدة وترجمة عاقد سمطها في شعراء القرن الرابع عشر انشاء الله تعالى.

ـ 2 ـ

للخطيب الشهير الشيخ كاظم آل علي خطيب عفك :

كانـــوا ثلاثة بالعصور الماضيه * نصــــرواعليـــــا نصرة متماديه

غير الاولى في مالهم وسيوفهم * حفظــــوا الوصي كلائة متواليه

هــــذا الفرزدق أولا فـــــي مكة * نصــــر الائمــة في بيوت ساميه

 

 

/  ص 388  /

 

والثاني الاقساس فــــي منظـــومة * أبياتــــه للحشــــر فيــــنا باقيـــــــه

وأبــــو فراس نصــــــره بقصيــــدة * ميميــــة طعــن الاسنة شافيه (1)

والرابع المعروف ما بيــن الورى * كالشمس رائعــــة النهار الضاحيه

وهو " الاميني " الاميــــن مؤلف * كتب " الغدير " فمــا لها من ثانيه

كتب تقاعست الــــورى عن مثلها * تدع العدى أعجاز نخـــــل خــــاويه

روض تــــرى فيـه مغارس للهدى * وقطوفهــــا فــــي كــــــــل آن دانيه

كانــــت مآثــــر دونـها ستر العمى * اظهــــرتها فيــــنا فعـــــادت هاديه

أنــــت الذي أنقذتنــــا وتــــركتنــــا * أحــــلاف مجــــد بالحـضارة راقيه

أنــــت الــــذي أتعبــت نفسك هاديا * بــــك أمـــة المختار اضحت ناجيه

يا صاحب السفر الكريم الا استمع * مدحــــا تهــادى نحو قدسك زاهيه

أولاك رب العالميــــن مثــــوبـــــة * عــــن عــــدها زمر الخلائق نابيه

 

ـ 3 ـ

لشاعر أهل البيت المكثر الشيخ محمد رضا الخالصي الكاظمي عافاه الله ما بلي به من المرض.

" الاميني " فقيــــه نيقـــــد * ماله في عصرنا من مشبه

زانــــه الله بأيــــراد التقــى * حـــــق أن يفتخر الشرق به

كــــم غدير ياله بين الورى * طافح تروي الملا من عذبه

له كلمات ضافية وشعر كثير في تقريظ الكتاب نذكر شطرا منها في ترجمته

ـ 4 ـ

للاستاذ الفذ السيد شمس الدين الخطيب الموسوي البغدادي :

الفــــظ ؟ أم لئــــال ؟ أم عقــود * تنظم ؟ أم هـــــو الدر النضيد ؟

ونــــور ؟ أم سطور ؟ أم علوم * يميــــط لثامهـــا العلم النجيد ؟

" غدير " والبحور تفيض منه * ببــــرهــان بــــه الجـــــحــــود

يقيــــم مــن الخصوم له جنودا * وللحــــق الخصــــوم هــــــــي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الشافية اسم قصيدة ابى فراس الحمدانى راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث ص 399 ط 2.

 

 

/  ص 389  /

 

ويقــــرع بالدليــــل هـــراء إفك * ليكشــف عنه ما أخفى الحسود

ويحــــدوه لــــذاك غــــزير عـلم * وايمــــان يفــــل بــــه الحـــــديد

وحــــق قــــد أراد الله حــــقـــــا * بأن يبقــــى فكــــان لـــه الخلود

اراد القــــوم أن يمحــــى عنادا * ويأبــــى الله إلا مــــا يــــريــــــد

وقد زعموا بأن : ما نص طاها * وان الناس تنصــــــب من يسود

ومــا زعموا بشرع العقل زور * وبالمنقــــول بهتــــان أكــــيــــــد

.....     جــــاء بــــأن طــــاهـــا * اذا مــــا همــــه سفــــر بعيـــــد

تخيــــر من صحــــابته كــــريما * يقــــوم مقــــامه حتـــــى يعودوا

ومــا مـن غزوة او جمع صحب * ولــــم يــــك فيــــهم لهــم عميد

فكيــــف لربــــه يمضــــي ولــما * يعيــــن مــــن تقام به الحدود ؟

وهــذا النص يوم " غدير خم " * جلــــي لا يغطيــــه الجــــحـــود

غــــداة رقــى على الاحداج هاد * وحيــــدر دونــــه وهــــم شهود

وقـــال لهم : ألا من كنت مولى * لــــه فعلــــي مــــــولاه الرشيد

ونــــص الــذكر أوضح في بيان * لــــذي عقــــل لـــــه راى سديد

فقد جعــــل الــــولاية بعــد طاها * لمــــن صلــــى ويركع اذ يجود

ـ 5 ـ

للشاعر المكثر المجيد الحاج الشيخ محمد الشيخ بندر ـ عفك ـ

أ"عبدالحسين" جــــمعت الغدير * بعــــزم يجــــل عــــــن الواصف

تتبعت آثــــار اهــــل الحــــديـــث * تتبــــع ذي حـــــكــــمة عــــارف

ورحــت بمنظــــارك المستنــــير * تميز الصحيــــح مــــن الـــزائف

فنلــــت بسعيــــك شـــــأو الكرام * وحزت التليــــد مــــع الطــــارف

فجاء " غديرك " فصل الخطاب * ينيــــر المحجــــة للعــــاســـــف

هتفت بــــه عـــــن لسان الهدى * فبــــوركت للحــــق مــــن هاتف

فللـــــــــه درك مــــــــــن نيقــــد * ولله درك مــــــــن قــــائــف (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) القائف : الذي يتتبع الاثار ويعرفها.

 

 

/  ص 390  /

 

فــــان يجحـد الحق بعد (الغدير) * فــــلا تعجبــــن من الحائف (1)

ولا تعجبــــن اذا أمعــــنـــــــــوا * فرقص الطروب من العازف(2)

فــــان لكــــل أنــــاس هـــــــوى * وذا ديــــدن الجــــاهـــــــد الآنف

فبشراك "عبدالحسين" الاميـن * بنــــور هــــدى سفــرك الكاشف

فأجــــرك عنــــد إمــــام الهـدى * ومثــــواك فــــي ظلــــه الوارف

وبشــــرى لشيعتــــه بالنجـــــاة * فمحــــض ولاه حــــمى الخـــائف

ـ 6 ـ

للفاضل البارع الحاج الشيخ محمد الباقر الهجري نزيل النجف الاشرف :

فكر من الحق المبيــن اضـــــاء‌ا * زانـــت بــه دنيـــــا العلوم رواء‌ا

وزهـا به جو الحقيقة والهـــــدى * مذ شع فـــــي أفق الجلال ضياء‌ا

منحته اوسمـــة الخلـــــود عقيدة * وضعتـــــه في لوح العلا طغراء‌ا

إيـــه أميــــن الحـــــق خلفك امة * تـــــرنــــو اليـك تحاول الاصغاء‌ا

هذا "غديرك" والصواب ممازج * لنميــــره يشفـــي الصدور ظماء‌ا

يا صاحـــــب القلـــم الذي بسموه * زاد البيـــــان مكـــــانة وعــــلاء‌ا

صور من الاوهام ضاق بها الفضا * زيفتهـــــا فجعـــــلتهن جـــــفاء‌ا

وكشفت عن وجه الحقائـــق أسدلا * بصحـــــائف التـاريخ كن سناء‌ا

وبعيني التنقيـــــب ثـــــم غشــــاوة * فكشــفت عنها بالحجاج غشاء‌ا

خلـــــدت فـي صحف الزمان مآثرا * تبـــــقى على مر العصور ثناء‌ا

يا صاحـــــب القلـــــم الـــذي ببيانه * قـــد أعجب البلغاء والفصحاء‌ا

أبرزتها لهبا يجـــــول فيـــــرتمـــي * حـــــرقا على قلب العتي عناء‌ا

وجلوتها دررا يـــــروق سنــــاء‌ها * ونظـــــمتها فكـــــرا يشع بهاء‌ا

ونثـــــرتها وتـــــروم أنــــت بنثرها * جمـــــع القلوب تـآخيا وصفاء‌ا

فسمــــوت عن مدح القصائد رفعة * وفـــــم الــزمان يثيبك الاطراء‌ا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) حاف حيفا فهو حائف : جار وظلم.

 (2) العازف : المغنى.

 

 

/  ص 391  /

 

7- للشاعر المبدع الشيخ محمد آل حيدر النجفي من قصيدة نشرت شطرا منها وهو 67 بيتا (هيئة فرع الشعراء الحسينيين) في كراس ذات 84 صحيفة اسمته (الغديرفي جامة النجف) مطلعها:

بشرى لقلبي في ولاك اذ اهتدى * مـــــذلاح لي قبس ذبالته الهدى

وقد تقاعس الناظم عن نشر ما يرجع إلى كتابنا من قصيدته وأرجأه إلى نشره في صفحات الغدير الا وهو :

كرمت فيك (أبا الحسيـــــن) نوابغا * هصروا العقول على ولاء‌ك سؤددا

وتلمسوا غيب السمــــاء فما رأوا * إلاك بابا للحقيقــــة موصــدا (1)

فهم وإن نســــج الـزمان ستــــارة * حازوا من التاريخ أكرمهــــا يدا

ذابوا وكــــانوا كالشمــــوع لخابط * تيها وحسبهم إذا ذابوا هــــــــدى

الحاملين إلى الحياة لواء‌ها الخفا * ق والمستقبليــــن بــــه العــــدى

والماسحيـــــن الاثم عن تاريخها * والغـــارسين على شواطئها الندا

والملصقين إلى السطور عقولهم * والمـــازجين مع الحروف الاكبدا

مـــــا الـــدهر إلا ناظران تراهما * طـــرفا يشـــع هـدى وطرفا أرمدا

ويـــدان ذي حملت لها عقلا وذي * حملـــت لهـــا مما تحاول عسجدا

* * *

ايــــه أميــــن الشـرق والدنيا فم * الهمتــــه لحــــن السمــــاء فغردا

وفتحتــــه بيــــد أبــــر مـن الحيا * فــــأتاك يحــــمد بابتســــامته اليدا

ذهــــن تلاطفـــه السماء بلطفها * وتنيلــــه مقــــل الكــــواكب موردا

وتــــود لو رفعتـــك في احضانها * روحــــا باشبــــاح الوجود تجسدا

سبحــــانك اللهــــم كـم من مبدع * ذات خــــواطره على قبس الهدى

أأخـا اليراع الحـــر حسبك رفعة * أن قـــد حملت رسالة لمن اهتدى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ان مولانا امير المؤمنين هو باب الله المفتوح الذي لا يسد وان خاله من صدته عنه العراقيل موصدا.

 

 

/  ص 392  /

 

كـــــم نابـــــغ مــلك الحياة بفكره * ومفـــــوه سحـــــر القلوب بماشدا

فلسوف تحتفل الاعاصر منك في * أقصوصـــــة للحق شاسعة المدى

ستعــرف الاجيال عن لغة السما * أن كيـــــف عــــاش النابغي مخلدا

وبكـــــل جارحــــة ستنزل رحمة * وبكـــــل إنســـــان يشـــــع تـــوقدا

وتسير حيث الدهر ســـار حداته * لا يقصدون سوى "غديرك" معبدا

أرهفت للكلم المعـــــمى مبـــردا * وحملـــــت للنظـــر المغلف مرودا

لا الطائفيـــــة انطقتــك ولا جرى * نفـــــس التعصــب فيك يوم تصعدا

كـــــلا ولا حــاولت غير صراحة * فيهـــــا عظمـــــت مؤلفــا وموحدا

فجلوتها سبعا(1) فكن لساريات * الافـــــق في محـــراب بيتك مسجدا

حتى الندا والزهــر والانسام قد * عبرت بزورقها "الغدير" مع الهدى

* * *

أيــــه أميــن الشرق  ما حادث بك * النـزعات مغرضة إلى حيث الردى

كم راح يزرع في طريقك شوكه ؟ * من رحـــــت تلبسه العلا والسؤددا

والمــارد الممسوخ كم لذعتك من * كفيـــــه اظفـــــار كأنخــــلقت مدى

قـــــدود لوسد الفضــــا وأراك من * ظلماتـــــه قطـــــعا وليـــــلا أسودا

ويداك يحتضنـــــان كـــــل فضيلـة * لحياتـــــه مـــــذ حــــــاد عنك ونددا

وغـــــرست حبتــــك التي قد أنبتت * في الارض سبع سنابل كي يحصدا

وقتلت نفسا لو جرى نفس الضحى * مــن فوقها لمشى الهوينا واهتدى

لا غرو إن الشمـــــع يقتــــل نفسه * طمعـــــا لان يحيـــــا سواه ويخلدا

 

- لفت نظر :

كل فصل وكلمة وجملة توجد في المتن أو التعليق مرموزة بم في هذا الجزء وبقية أجزاء الكتاب فهي من ملحقات الطبعة الثانية وزياداتها ، تبدأ ب‍ م وتنتهي بقويس تتلوها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) لم يكن الناظم يوم أتى بقصيدته واقفا على غير الاجزاء السبعة من الغدير.

 

انتهى الجزء الثامن