فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

/  ص 97  /

 

الغلو في فضايل عثمان

ابن عفان بن أبي العاص بن امية الخليفة الاموي قبل الشروع في سرد الفضائل نوقفك على مواد تعرفك مبلغ الخليفة من العلم ، و مقداره من النفسيات الفاضلة ، وموقفه من التقوى ، ومبوأه من الايمان ، حتى يكون نظرك في فضائله عارف به وبها.

 

ـ 1 ـ

قضاؤ‌ه في امرأة ولدت لستة أشهر

أخرج الحفاظ عن بعجة بن عبدالله الجهني قال : تزوج رجل منا أمرأة من جهينة فولدت له تماما لستة اشهر ، فانطلق زوجها إلى عثمان فأمر بها أن ترجم فبلغ عليا رضي الله عنه فأتاه فقال : ماتصنع ؟ ليس ذلك عليها قال الله تبارك وتعالى : وحمله و وفصاله ثلاثون شهرا (1) .وقال : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين (2) فالرضاعة أربعة وعشرون شهرا.والحمل ستة أشهر.فقال عثمان : والله مافطنت لهذا.فأمربها عثمان أن ترد فوجدت قد رجمت ، وكان من قولها لاختها : يا اخية لاتحزني فو الله ماكشف فرجي أحد قط غيره ، قال : فشب الغلام بعد فاعترف الرجل به وكان أشبه الناس به ، وقال : فرأيت الرجل بعد يتساقط عضوا عضوا على فراشه.

أخرجه مالك ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي ، وأبوعمر ، وابن كثير ، وابن الديبع ، والعيني ، والسيوطي كمامر في الجزء السادس صفحة 94 ط 2.

قال الاميني : إن تعجب فعجب ان امام المسلمين لايفطن لما في كتاب الله العزيز مما تكثر حاجته إليه في شتى الاحوال ، ثم يكون من جراء هذا الجهل أن تودى بريئة مؤمنة ، وتتهم بالفاحشة ، ويهتك ناموسها بين الملاء الديني وعلى رؤس الاشهاد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الاحقاف آية 15.

 (2) سورة البقرة آية 233.

 

/  ص 98  /

 

وهلا كان حين عزب عنه فقه المسألة قد استشار أحدا من الصحابة يعلم ماجهله فلا يبوء باثم القتل والفضيحة ؟ وهلا تذكر لدة هذه القضية وقد وقعت غير مرة على عهد عمر ؟ حين أراد أن يرجم نساء ولدن ستة أشهر فحال دونها أمير المؤمنين وابن عباس كما مرت في الجزء السادس ص 93- 95 ط 2.

ثم هب انه ذهل عن الآيتين الكريمتين ، ونسي ماسبق في العهد العمري ، فماذا كان مدرك حكمه برجم تلك المسكينة ؟ أهو الكتاب ؟ فانى هو ؟ أو السنة ؟ فمن ذاالذي رواها ؟ أوالرأي والقياس ؟ فأين مدرك الرأي ؟ وماترتيب القياس ؟ وإن كانت فتوى مجردة ؟ فحياالله المفتي ، وزه بالفتيا ، ومرحبا بالخلافة والخليفة ، نعم : لا يربي بيت أمية أربى من هذا البشر ، ولا يجتنى من تلك الشجرة أشهى من هذاالثمر

 

ـ 2 ـ

إتمام عثمان الصلاة في السفر

أخرج الشيخان وغيرهما بالاسناد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين وأبوبكر بعده وعمر بعد أبي بكر وعثمان صدرا من خلافته رضي الله عنهم ، ثم إن عثمان صلى بعد أربعا ، فكان ابن عمر إذا صلى مع الامام صلى أربعا ، وإذا صلى وحده صلى ركعتين (1)

وفي لفظ ابن حزم في المحلى 4 : 270 : ان ابن عمر كان إذا صلى مع الامام بمنى أربع ركعات انصرف إلى منزله فصلى فيه ركعتين أعادها.

وأخرج مالك في الموطأ 1 : 282 عن عروة : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الرباعية بمنى ركعتين ، وان أبابكر صلاها بمنى ركعتين ، وان عمربن الخطاب صلاها بمنى ركعتين ، وان عثمان صلاها بمنى ركعتين شطر إمارته ثم أتمهابعد وأخرج النسائي في سننه 3 : 120 عن أنس بن مالك انه قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ومع أبي بكر وعمر ومع عثمان ركعتين صدرا من إمارته.

وباسناده عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان بمنى أربعا حتى بلغ ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري 2 : 154 ، صحيح مسلم 2 : 260 ، مسند أحمد 2 : 148 ، سنن البيهقي 3 : 126.

 

/  ص 99  /

 

عبدالله فقال : لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين.الحديث.

ورواه إمام الحنابلة أحمد في المسند 1 : 378.وأخرج حديث أنس المذكور في مسنده 1 ص 145 ولفظه : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة بمنى ركعتين وصلاها أبوبكر بمنى ركعتين ، وصلاها عمر بمنى ركعتين ، وصلاها عثمان بن عفان بمنى ركعتين أربع سنين ثم أتمها بعد.

وأخرج الشيخان وغيرهما بالاسناد عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان ابن عفان رضي الله عنه بمنى أربع ركعات فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع ثم قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين ، وصليت مع أبي بكر رضي الله عنه بمنى ركعتين ، وصليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمنى ركعتين ، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان (1)

وأخرج أبوداود وغيره عن عبدالرحمن بن يزيد قال : صلى عثمان رضي الله عنه بمنى أربعا فقال عبدالله : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ، ومع أبي بكر ركعتين ، ومع عمر ركعتين ، ومع عثمان صدرا من إمارته ثم اتمها ، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت ان لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين.قال الاعمش : فحدثني معاوية بن قرة عن أشياخه : ان عبدالله صلى أربعا فقيل له : عبت على عثمان ثم صليت أربعا ؟ قال الخلاف شر (2)

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 3 : 144 عن عبدالرحمن ابن يزيد قال : كنا مع عبدالله بن مسعود بجمع ، فلما دخل مسجد منى فقال : كم صلى أميرالمؤمنين ؟

قالوا : أربعا.فصلى أربعا.قال : فقلنا : ألم تحدثنا ان النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ،

وأبابكر صلى ركعتين ؟ فقال : بلى وأنااحد ثكموه الآن ، ولكن عثمان كان إماما فما اخالفه والخلاف شر.

وأخرج البيهقي في السنن 3 : 144 عن حميد عن عثمان بن عفان انه أتم الصلاة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخارى 2 : 154 ، صحيجح المسلم 1 : 261 ، مسند أحمد 1

 (2) سنن أبي داود 1 : 308 ، الاثار للقاضي ابى يوسف ص 30 ، كتاب الام للشافعى 1 : 159 ، ج 7 : 175.

 

/  ص 100  /

 

بمنى ، ثم خطب الناس فقال : ياأيها الناس ان السنة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة

صاحبيه ولكنه حدث العام من الناس فخفت أن يستنوا.وأخرجه ابن عساكر كمافي كنز العمال

4 : 239.

وأخرج أبوداود وغيره عن الزهري : ان عثمان بن عفان رضي الله عنه أتم الصلاة بمنى من أجل الاعراب لانهم كثروا عامئذ فصلى بالناس أربعا ليعلمهم ان الصلاة أربعا. (1)

وروى ابن حزم في المحلى 4 : 270 من طريق سفيان بن عيينه عن جعفربن محمد عن أبيه قال : اعتل عثمان وهو بمنى فأتى علي فقيل له : صلى بالناس فقال : إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يعني ركعتين قالوا : لا ، إلا صلاة أميرالمؤمنين (يعنون عثمان) أربعا فأبى.

وذكره ابن التركماني في ذيل سنن البيهقي 3 : 144.

وأخرج امام الحنابلة أحمد في مسنده 2 : 44 عن عبدالله بن عمر قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يصلي صلاة السفر (يعني ركعتين) ومع أبي بكر وعمر وعثمان ست سنين من إمرته ثم صلى أربعا.

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 3 : 153 بالاسناد عن أبي نضرة : إن رجلا سأل عمران بن حصين عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فقال : أيت مجلسنا.فقال :

إن هذا قد سألني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فاحفظوها عني : ماسافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراإلا صلى ركعتين حتى يرجع ويقول : ياأهل مكة قوموا فصلوا ركعتين فإنا سفر ، وغزا الطائف وحنين فصلى ركعتين ، وأتى الجعرانة فاعتمر منها ، وحججت مع أبي بكر رضي الله عنه واعتمرت فكان يصلي ركعتين ، ومع عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان يصلى ركعتين ومع عثمان فصلى ركعتين صدرا من إمارته ، ثم صلى عثمان بمنى اربعا.وفي لفظ الترمذي في الصحيح 1 : 71 : ومع عثمان ست سنين من خلافته

أوثمان سنين فصلى ركعتين.فقال : حسن صحيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن أبى داود 1 : 308 ، سنن البيهقي 3 : 144 ، تيسير الوصول 2 : 286 ، نيل الاوطار 2 : 260.

 

/  ص 101  /

 

وفي الكنز 4 : 240 من طريق الدارقطني عن ابن جريج قال : سأل حميد الضمري ابن عباس فقال : إني أسافر فاقصر الصلاة في السفر أم أتمها ؟ فقال ابن عباس : لست تقصرها ولكن تمامها وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا لايخاف إلاالله فصلى اثنتين حتى رجع ، ثم خرج أبوبكر لايخاف إلا الله فصلى ركعتين حتى رجع ، ثم خرج عمر آمنا لايخاف إلا الله فصلى اثنتين حتى رجع ، ثم فعل ذلك عثمان ثلثي إمارته أو شطرها ثم صلاها أربعا ، ثم أخذ بها بنوا أمية.قال ابن جريج : فبلغني انه أوفى أربعا بمنى فقط من أجل ان أعرابيا ناداه في مسجد الخيف بمنى : يا أميرالمؤمنين  مازلت أصليها ركعتين منذ رأيتك عام الاول صليتها ركعتين.فخشي عثمان أن يظن جهال الناس الصلاة ركعتين وإنما كان أوفاها بمنى.

وأخرج أحمد في المسند 4 : 94 من طريق عباد بن عبدالله قال : لما قدم علينا معاوية حاجاصلى بنا الظهر ركعتين بمكة ، ثم انصرف إلى دارالندوة فدخل عليه مروان و عمروبن عثمان فقالا له : لقد عبت أمر ابن عمك لانه كان قد أتم الصلاة قال : وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعا ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة فاذا فرغ الحج وأقام بمنى أتم الصلاة.وذكره ابن حجر في فتح الباري 2 : 457 ، والشوكاني في نيل الاوطار 2 : 260.

وروى الطبري في تاريخه وغيره : حج بالناس في سنة 29 عثمان فضرب بمنى فسطاطا فكان أول فسطاط ضربه عثمان بمنى ، وأتم الصلاة بها وبعرفة ، فذكر الواقدي " بالاسناد " عن ابن عباس قال : ان أول ما تكلم الناس في عثمان ظاهرا انه صلى بالناس بمنى في ولايته ركعتين حتى إذا كانت السنة السادسة أتمها ، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتكلم في ذلك من يريد أن يكثر عليه حتى جاء علي فيمن جاء‌ه فقال : والله ماحدث أمر ولا قدم عهد ولا عهدت نبيك صلى الله عليه وسلم يصلي ركعتين ، ثم أبابكر ، ثم عمر ، وأنت صدرا من ولايتك ، فما أدري مايرجع اليه ؟ فقال : رأي رأيته.

وعن عبدالملك بن عمر وبن أبي سفيان الثقفي عن عمه قال : صلى عثمان بالناس بمنى أربعا فأتى آت عبدالرحمن بن عوف فقال : هل لك في أخيك ؟ قد صلى بالناس أربعا ، فصلى عبدالرحمن بأصحابه ركعتين ، ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له : ألم تصل

 

/  ص 102  /

 

في هذا المكان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ؟ قال : بلى.قال : ألم تصل مع أبي بكر ركعتين ؟ قال : بلى.قال : ألم تصل مع عمر ركعتين ؟ قال : بلى قال : ألم تصل صدرا من خلافتك ركعتين ؟ قال : بلى.قال : فاسمع مني ياأبامحمد إني أخبرت ان بعض من حج من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي : إن الصلاة للمقيم ركعتان هذا إمامكم عثمان يصلي ركعتين.وقد اتخذت بمكة أهلا فرأيت أن أصلي أربعا لخوف ماأخاف على الناس ، وأخرى قداتخذت بها زوجة ، ولي بالطائف مال ، فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر.فقال عبدالرحمن بن عوف : مامن هذا شيء لك فيه عذر ، أما قولك : إتخذت أهلا.فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت ، وتقدم بها إذا شئت ، إنما تسكن بسكناك.

وأما قولك : ولي مال بالطائف.فان بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف.

وأما قولك : يرجع من حج من أهل اليمن وغيرهم فيقولون : هذاإمامكم عثمان يصلي ركعتين وهو مقيم.فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي والناس يومئذ الاسلام فيهم قليل ، ثم أبوبكر مثل ذلك ، ثم عمر ، فضرب الاسلام بجرانه فصلى بهم عمر حتى مات ركعتين.فقال عثمان : هذا رأي رأيته.

قال : فخرج عبدالرحمن فلقي ابن مسعود فقال : أبا محمد غيرما يعلم ؟ قال : لا قال : فما أصنع ؟ قال : إعمل أنت بماتعلم.فقال ابن مسعود : الخلاف شر ، قد بلغني انه صلى أربعا فصليت بأصحابي أربعا.فقال عبدالرحمن بن عوف : قد بلغني انه صلى أربعا فصليت بأصحابي ركعتين ، وأماالآن فسوف يكون الذي تقول ، يعني نصلي معه أربعا.

أنساب البلاذري 5 : 39 ، تأريخ الطبري 5 : 56 ، كامل ابن الاثير 3 : 42 ، تاريخ ابن كثير 7 : 154 ، تاريخ ابن خلدون 2 : 386.

 

 

(نظرة في رأي الخليفة)

قال الاميني : أنت ترى أن ماارتكبه الرجل مجرد رأي غيرمدعوم ببرهنة ولا معتضد بكتاب أوسنة ، ولم يكن عنده غير ما تترس به من حججه الثلاث التي دحضها عبدالرحمن بن عوف بأوفى وجه حين أدلى بها ، بعد أن أربكه النقد ، وكان

 

/  ص 103  /

 

ذلك منه تشبثا كتشبث الغريق ، ومن أمعن النظر فيها لايشك أنها مما لايفوه به ذومرة في الفقاهة فضلا عن إمام المسلمين ، ولو كان مجرد ان زوجته مكية من قواطع السفر ؟ فأي مهاجر من الصحابة ليس كمثله ؟ فكان إذن من واجبهم الاتمام ، لكن الشريعة فرضت التقصير على المسافر مطلقا ، والزوجة في قبضة الرجل تتبعه في ظعنه و اقامته ، فلا تخرج زوجها عن حكم المسافر لمحض انه بمقربة من بيئتها الاصلية التي هاجر عنها وهاجرت.

قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 456 : أخرج أحمد والبيهقي من حديث عثمان وانه لما صلى بمنى أربع ركعات ، أنكر الناس عليه فقال : إني تأهلت بمكة لما قدمت وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من تأهل ببلدة فانه يصلي صلاة مقيم.قال هذا الحديث لايصح منقطع ، وفي رواته من لا يحتج به ، ويرده ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يسافر بزوجاته وقصر.

وقال ابن القيم في عد أعذار الخليفة : انه كان قد تأهل بمنى ، والمسافر اذا أقام في موضع وتزوج فيه ، أو كان له به زوجة أتم.ويروى في ذلك حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم فروى عكرمة بن ابراهيم الازدي عن أبي ذئاب عن أبيه قال : صلى عثمان بأهل منى أربعا وقال : يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تأهل الرجل ببلدة فانه يصلي بها صلاة مقيم.رواه الامام أحمد رحمه الله في مسنده  (1 : 62) ، وعبدالله بن زبير الحميدي في مسنده أيضا ، وقد أعله البيهقي بانقطاعه ، وتضعيفه عكرمة بن ابراهيم ، قال أبوالبركات ابن تيمية : ويمكن المطالبة بسبب الضعف ، فان البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه ، وعادته ذكر الجرح والمجروحين ، وقدنص أحمد وابن عباس قبله : ان المسافر إذا تزوج لزمه الاتمام ، وهذاقول أبي حنيفة رحمه الله ، ومالك وأصحابهما ، وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان.اه‍.

قال الاميني : لوكان عثمان لهج بهذه المزعمة في وقته على رؤس الاشهاد ، وكان من المسلم في الاسلام ان التزويج من قواطع السفر- وليس كذلك- لمابقيت كلمة مطوية تحت أستار الخفاء حتى يكتشفها هذا الاثري المتمحل ، أو يختلقها له رماة القول على عواهنه.

 

 

/  ص 104  /

 

ثم لاي شيء كانت والحالة هذه نقود الصحابة الموجهة إلى الرجل ؟ أولم يسمعوه لمارفع عقيرته بعذره الموجه ؟ أو سمعوه ولم يقيمواله وزنا ؟ أو أن الخطاب من ولائد أم الفرية بعد منصرم ايامه ؟

على أن النكاح لايتم عندالقوم إلا بشاهدين عدلين ، وورد عن ابن عباس : لا نكاح إلا بأربعة : ولي ، وشاهدين ، وخاطب (1) ، فأين كان أركان نكاح الخليفة يوم توجيه النقود اليه ؟ حتى يدافعون عنه تلك الجلبة واللغط.

ومتى تأهل الرجل بهذه المرأة الموهومة قاطعة السفر له ؟ وما المسوغ له ذلك وقد دخل مكة محرما ؟ وكيف يشيع المنكر ويقول : تأهلت بمكة مذ قدمت ؟

ولم يكن متمتعا بالعمرة (لانه لم يكن يبيح ذلك أخذا برأي من حرمها كما يأتي تفصيله) حتى يقال: إنه تأهل بين الاحرامين بعد قضاء نسك العمرة ، فهو لم يزل كان محرما من مسجد الشجرة حتى أحل بعد تمام النسك بمنى ، فيجب أن يكون إتمامه الصلاة إن صح الاتمام بالتأهل؟ وأنى ؟ من حيث أحل وتأهل ، وقد صلاها تامة بمنى أيام منى وبعرفات أيضا محرما مع الحاج ، فهذه مشكلة اخرى قط لاتنحل لما صح من طريق عثمان نفسه عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله : لاينكح المحرم ولاينكح ولا يخطب. (2)

وعن مولانا أميرالمؤمنين قال : لايجوز نكاح المحرم ، إن نكح نزعنا منه إمرأته. (3)

قال ابن حزم في المحلي 7 : 197 : مسألة : لايحل لرجل ولا لامرأة أن يتزوج أو تتزوج ، ولاأن يزوج الرجل غيره من وليته ، ولا أن يخطب خطبة نكاح مذ يحرمان إلى أن تطلع الشمس من يوم النحر ، ويدخل وقت رمي جمرة العقبة ، ويفسخ النكاح قبل الوقت المذكور ، كان فيه دخول وطول مدة وولادة أولم يكن ، فإذا دخل الوقت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقى 7 : 124 127 ، 142.

 (2) الموطأ لمالك 1 : 321 ، وفى ط : 254 الام للشافعى 5 : 160 ، مسند أحمد 1 : 57 ، 64 ، 65 ، 68 ، 73 ، صحيح مسلم 1 : 935 ، سنن الدارمى 2 : 38 ، سنن أبى داود 1 : 290 ، سنن ابى ماجة 1 : 606 ، سنن النسائى 5 : 192 ، سنن البيهقى 5 : 65 ، 66.

 (3) المحلى لابن حزم 7 : 199.

 

 

/  ص 105  /

 

المذكور حل لهما النكاح والانكاح.ثم ذكر دليل الحكم فقال :

فإن نكح المحرم أو المحرمة فسخ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد.وكذلك إن أنكح من لانكاح لها إلا بانكاحه فهو نكاح مفسوخ لما ذكرنا ، ولفساد الانكاح الذي لايصح النكاح إلا به ، ولا صحة لما لا يصح ، إلا بما يصح ، وأما الخطبة فان خطب فهو عاص ولا يفسد النكاح لان الخطبة لا متعلق لها بالنكاح ، وقد يخطب ولا يتم النكاح إذا رد الخطاب ، وقد يتم النكاح بلاخطبة أصلا ، لكن بأن يقول لها : أنكحيني نفسك فتقول : نعم قد فعلت.ويقول هو : قد رضيت ، ويأذن الولي في ذلك.ثم بسط القول في رد من زعم جواز نكاح المحرم بأحسن بيان.فراجع.وللامام الشافعي في كتابه الام كلمة حول نكاح المحرم ضافية لدة هذه راجع ج 5 : 160.

وليتني أدري بأي كتاب أم بأية سنة قال أبوحنيفة ومالك ونص أحمد (كما زعمه ابن القيم) : على أن المسافر إذا تزوج ببلدة لزمه الاتمام بها ؟ وسنة رسول الله الثابتة عنه صلى الله عليه وآله خلافه ، وكان المهاجرون كلهم يقتصرون بمكة ، وهي قاعدة أزواجهم كما سمعت ، وليس مستند القوم إلا رواية عكرمة بن ابراهيم التي أعلها البيهقي ، وقد مر عن ابن حجر أنها لاتصح.وقال يحيى وأبوداود : عكرمة ليس بشئ.و قال النسائي : ضعيف ليس بثقة.وقال العقيلي: في حديثه اضطراب.وقال ابن حبان كان ممن يقلب الاخبار ، ويرفع المراسيل ، لايجوز الاحتجاج به ، وقال يعقوب : منكر الحديث.وقال أبوأحمد الحاكم : ليس بالقوي ، وذكره ابن الجارود وابن شاهين في الضعفاء. (1)

نعم راق أولئك الائمة التحفظ على كرامة الخليفة ولو بالافتاء بغير ما أنزل الله ، وكم له من نظير ؟ ونوقفك في الاجزاء الآتية على شطرمهم من الفتاوى الشاذة عن الكتاب والسنة عند البحث عنها ، والعجب كل العجب عدابن القيم هذا العذر المفتعل أحسن مااعتذربه عن عثمان ، وهو مكتنف بكل ماذكرناه من النقود والعلل ، هذا شأن أحسن مااعتذر به فماظنك بغيره ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) لسان الميزان 4 : 182.

 

 

/  ص 106  /

 

وأما وجود مال له بالطائف فالرجل مكي قد هاجر عنها لاطائفي ، وبينه وبين الطائف عدة مراحل ، هب أن له مالا بمكة أو بنفس منى وعرفة اللتين أتم فيهما الصلاة ، فان مجرد المال في مكان ليس يقطع السفر مالم يجمع الرجل مكثا ، وقد قصر أصحاب النبي صلى الله عليه وآله معه عام الفتح ، وفي حجة أبي بكر ولعدد منهم بمكة دار أو أكثر وقرابات.كما رواه الشافعي ، قال في كتاب الام 1 : 165 : قد قصر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه عام الفتح ، وفي حجته ، وفي حجة أبي بكر ، ولعدد منهم بمكة دار أو أكثر وقرابات : منهم أبوبكر له بمكة دار وقرابة ، وعمر له بمكة دور كثيرة ، و عثمان له بمكة دار وقرابة ، فلم أعلم منهم أحدا أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاتمام ، ولا

أتم ولاأتموا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدومهم مكة ، بل حفظ عمن حفظ عنه منهم

القصربها.وذكره البيهقي في السنن 3 : 153.

وأما الخيفة ممن حج من أهل اليمن وجفاة الناس الذين لم يتمرنوا بالاحكام أن يقولوا : إن الصلاة لمقيم ركعتان هذاإمام المسلمين يصليها كذلك.فقد كانت أولى بالرعاية على العهد النبوي والناس حديثوا عهد بالاسلام ، ولم تطرق جملة من الاحكام أسماعهم ، وكذلك على العهدين قبله ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يرعها بعد بيان حكمي الحاضر والمسافر ، وكذلك من اقتص أثره من بعده ، ولقد صلى صلى الله عليه وآله بمكة ركعتين أيام إقامته بها ثم قال : أتموا الصلاة ياأهل مكة  فانا سفر.أوقال : ياأهل البلد صلوا أربعا فاناسفر (1) .فأزال صلى الله عليه وآله ماحاذره الخليفة في تعليله المنحوت بعد الوقوع ، فهلا كان منه إقتصاص لاثر النبي صلى الله عليه وآله ؟ فيما لم يزل دائبا عليه في أسفاره ، فهلا اقتص أثره مع ذلك البيان الاوفى ؟ ولم يكن على الافواه أوكية ، ولا على الآذان صمم ، وهل الواجب تعليم الجاهل ؟ أو تغيير الحكم الثابت من جراء جهله ؟ :

على أن الخليفة إن أراد أن ينقذ الهمج من الجهل بتشريع الصلاة أربعا فقد ألقاهم في الجهل بحكم صلاة المسافر ، فكان تعليمه العملي إغراء بالجهل ، وواجب التعليم هو الاستمرار على ماثبت في الشريعة مع البيان ، كما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة كما مر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقي 3 : 136 ، 157 ، سنن أبي داود 1 : 191 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310.

 

/  ص 107  /

 

وكان عمر إذا قدم مكة صلى لهم ركعتين ثم يقول : ياأهل مكة أتموا صلاتكم فانا قوم سفر ، وروى البيهقي عن أبي بكر مثل ذلك." سنن البيهقي 3 : 126 ، 157 ، المحلى لابن حزم 5 : 18 ، موطأمالك 1 : 126 ".

هذه حجج الخليفة التي أدلى بها يوم ضايقه عبدالرحمن بن عوف لكنها عادت عنده مدحورة ، وقد أربكه عبدالرحمن بنقد ماجاء به فلم يبق عنده إلا أن يقول : هذا رأي رأيته ، كماأن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لما دخل عليه وخصمه بحجاجه فقال : والله ماحدث أمر ولا قدم عهد.الخ.وعجزالرجل عن جوابه فقال : رأي رأيته.

هذامنقطع معاذير عثمان في تبرير أحدوثته فلم يبق له ارتحاضه إلا قوله : رأي رأيته ، لكن للرجل من بعده أنصارا إصطنعوا له أعذارا اخرى هي أو هن من بيت العنكبوت ، ولم يهتد اليها نفس الخليفة حتى يغبر بها في وجه منتقديه ، ولكن كم ترك الاول للآخر ، منها :

1- إن منى كانت قد بنيت وصارت قرية ، كثر فيها المساكن في عهده ولم يكن ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله بل كانت فضاء ولهذا قيل له : يا رسول الله  ألا تبني لك بمنى بيتا يظلك من الحر ؟ فقال : لا ، منى مناخ من سبق ، فتأول عثمان ان القصر إنمافي حال السفر (1)

أنا لا أدري ماصلة كثرة المساكن وصيرورة المحل قرية بحكم القصر والاتمام ؟

وهل السفر يتحقق بالمفاوز والفلوات دون القرى والمدن حتى إذا لم ينوفيها الاقامة ؟

إن هذا الحكم عجاب ، وهذه فتوى من لايعرف مغزى الشريعة ، ولا ملاك تحقق السفر والحضر المستتبعين للقصر والاتمام ، على أن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى أيام إقامته بمكة قصرا وكذلك في خيبر ، وكانت مكة أم القرى ، وفي خيبر قلاع وحصون مشيدة و قرى ورساتيق ، وكذلك كان يفعل في أسفاره ، وكان يمر بها على قرية ويهبط اخرى على أن صيرورة المحل قرية لم تكن مفاجأة منها وإنما عادت كذلك بالتدريج ، ففي أي حد منهاكان يلزم الخليفة تغيير الحكم ؟ وعلى أي حد غير ؟ أنا لاأدري.

2- انه أقام بهاثلاثا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه بمكة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذكره ابن القيم في زادالمعاد هامش شرح المواهب للزرقاني 2 : 24 وفنده بقول موجز.

 

 

/  ص 108  /

 

ثلاثا فسماه مقيما والمقيم غير المسافر (1) وفي لفظ مسلم : يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا.وفي لفظ البخاري : للمهاجر إقامة ثلاث بعد الصدر بمكة.اه‍(2).

إن ملاك قطع السفر ليس صدق لفظ الاقامة ، فليست المسألة لغوية وإنما هي شرعية ، وقدأناطت السنة الشريفة الاتمام في السفر باقامة محدودة ليس في ما دونها إلا التقصير في الصلاة ، وليس لمكة حكم خاص يعدل به عما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله ، والمراد من الاقامة فيما تشبث به ناحت المعذرة هو المكث للمهاجر بمكة لما لهم بها من سوابق وعلائق وقرابات ، لا الا قامة الشرعية التي هي موضوع حكم الاتمام ، وقدأقام رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة عشرا كما في الصحيحين (3) أواكثر منها كما في غيرهما (4) ولم يزد على التقصير في الصلاة فقصر المكث بمكة ثلاثا على المهاجر دون غيرهما من الوافدين إلى مكة ، وعلى مكة دون غيرها كما هو صريح تلكم الالفاظ المذكورة يعرب عن إرادة المعنى المذكور ، ولا يسع لفقيه أن يرى الاقامة ثلاثا بمكة خاصة من قواطع السفر للمهاجر فحسب ، وقد اعرض عن استيطانها بالهجرة ، ولم يتم رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمكة وقد أقام بها أكثر من ثلاثة أيام بلغ عشراأو لم يبلغ أوزاد عليها.

على أن الشافعي ومالكا وأصحابهما وآخرين إحتجوا بالالفاظ المذكورة على استثناء مكث المهاجر بمكة ثلاثا من الاقامة المكروهة لهم بها ، قالوا : كره رسول الله للمهاجرين الاقامة بمكة التي كانت أوطانهم فأخرجوا عنها ، ثم أباح لهم المقام بها ثلاثا بعد تمام النسك.وقال ابن حزم : ان المسافر مباح له أن يقيم ثلاثا وأكثر من ثلاث لاكراهة في شيء من ذلك ، وأما المهاجر فمكروه له أن يقيم بمكة بعد انقضاء نسكه أكثر من ثلاث (5) فأين هذاالحكم الخاص بمكة للمهاجر فحسب من الاقامة القاطعة للسفر ؟.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذا الوجه ذكره ابن القيم في زاد المعاد هامش شرح المواهب 2 : 24 ونقده بكلام وجيز.

 (2) الفاظ هذا الحديث مذكورة في تاريخ الخطيب 6 ، 267- 270.

 (3) صحيح البخاري 2 : 153 ، صحيح مسلم 1 : 260.

 (4) المحلى لابن حزم 5 : 27.

 (5) المحلى لابن حزم 5 : 24.

 

 

/  ص 109  /

 

ثم كان هذا عذر الرجل لكان عليه أن يتم بمكة لا بمنى وعرفة وقد أتم بهما.

3- انه كان قد عزم على الاقامة والاستيطان بمنى وإتخاذها دار الخلافة فلهذا أتم ثم بدا له أن يرجع إلى المدينة.اه‍.

كأن هذا المتأول استشف عالم الغيب من وراء ستر رقيق ولا يعلم الغيب إلا الله ، إن مثل هذه العزيمة وفسخهامما لايعلم إلا من قبل صاحبها ، أو من يخبره بها هو ، وقد علمت ان الخليفة لما ضويق بالنقد لم يعد ذلك من معاذيره ، وإلا لكانت له فيه منتدح ، وكان خيرا له من تحشيد التافهات ، لكن كشف ذلك لصاحب المزعمة بعد لاي من عمرالدهر فحياالله الكشف والشهود.

وكان من المستصعب جدا والبعيد غايته تغيير العاصمة الاسلامية والتعريجة على التعرب بعد الهجرة من دون استشارة أخذ من أكابر الصحابة ، وإلغاء مقدمات تستوعب برهة طويلة من الزمن كأبسط أمر ينعقد بمحض النية ويفسخ بمثلها.

وقال ابن حجر في الفتح 2 : 457 ، والشوكاني في نيل الاوطار 3 : 260 : روى عبدالرزاق عن عمر عن الزهري عن عثمان : انما أتم الصلاة لانه نوى الاقامة بعد الحج وأجيب بأنه مرسل ، وفيه أيضا نظر لان الاقامة بمكة على المهاجرين حرام وقد صح عن عثمان انه كان لايودع البيت إلا على ظهر راحلته ، ويسرع الخروج خشية أن يرجع في هجرته ، وثبت أنه قال له المغيرة لما حاصروه : اركب رواحلك إلى مكة فقال : لن أفارق دارهجرتي.اه‍.

ولابن القيم في زادالمعاد 2 : 25 وجه آخر في دحض هذه الشبهة.فراجع.

4- انه كان اماما للناس والامام حيث نزل فهو عمله ومحل ولايته ، فكأنه وطنه قال الاميني : ان ملاك حكم الشريعة هو المقرر من قبل الدين لا الاعتبا رات المنحوتة ، والامام والسوقة شرع سواء في شمول الاحكام ، بل هو أولى بالاتباع لنواميس الدين حتى يكون قدوة للناس وتكون به أسوتهم ، وهو وإن سرت ولايته وعمله مع مسير نفوذه في البلاد أو في العالم كله الا ان التكليف الشرعي غير منوط بهذا السير ، بل هومرتبط بتحقق الموازين الشرعية ، فان أقام في محل جاء‌ه حكم الاقامة ، وإن لم ينوالاقامة فهو على حكم السفر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إمام الخلائق

 

/  ص 110  /

 

 على الاطلاق ، ومع ذلك كان يقصر صلاته في أسفاره ، ولا يعزى اليه انه ربع بمكة أو في منى أوبعرفة أو بغيرها ، وانما اتبع مااستنه للامة جمعاء وبهذا رده ابن القيم في زاد المعاد ، وابن حجر في فتح الباري 2 : 456.

أضف اليه هتاف النبي الاعظم وأبي بكر وعمر بن الخطاب بمامر ص 107 من قولهم : أتموا صلاتكم ياأهل مكة فإنا قوم سفر.فانه يعرب عن ان حكم القصر والاتمام يعم الصادع الكريم ومن أشغل منصة الخلافة بعده.

على انه لوكان تربيع الرجل من هذه الناحية لوجب عليه أن يهتف بين الناس بأن ذلك لمقام الامامة فحسب ، وأما من ليس له ذلك المقام فحكمه التقصير ، وإلا لكان إغراء بالجهل بعمله ، وإبطالا لصلاتهم بترك البيان ، فاذلم يهتف بذلك ولم يعلل عمله به جوابا لمنقديه علمناانه لم يرد ذلك ، وان من تابعه من الصحابة لم يعللوا عمله بهذا التعليل ، وإنما تابعوه دفعا لشر الخلاف كما مر في صفحة 99 ، 102 وهذا ينبئ عن عدم صحة عمله عندهم.

ويشبه هذا التشبث في السقوط مانحتوه لام المؤمنين عائشة في تربيعها الصلاة في السفر بأنها كانت أم المؤمنين فحيث نزلت فكان وطنها كما ذكره ابن القيم في زاد معاده 2 : 26 ، فان كان لام المؤمنين هذا الحكم الخاص ؟ وجب أن تكون امومتها منتزعة من أبوة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإن ثبوت الحكم في الاصل أولى من الفرع ، لكن رسول الله كان يصلي في أسفاره عامة ركعتين ، وليس من الهين تغييرحكم الله بأمثال هذه السفاسف ، ولا من السهل نحت العذر لكل من يخالف حكما من أحكام الدين لرأى ارتآه ، أو غلط وقع فيه ، أو لسياسة وقتية حدته إليه ، ولا ينقضي عجبي من العلماء الذين راقتهم أمثال هذه التافهات فدونوها في الكتب ، وتركوها أساطير من بعد هم يهزأبها.

5- إن التقصير للمسافر رخصة لا عزيمة ، ذكره جمع ، وقال المحب الطبري في الرياض

 2 : 151 : عذره في ذلك ظاهر ، فانه ممن لم يوجب القصر في السفر.وتبعه في ذلك شراح صحيح البخاري ، وهذا مخالف لنصوص الشريعة ، والمأثورات النبوية ، والسنة الشريفة الثابتة عن النبي الاقدس ، وكلمات الصحابة ، وإليك نماذج منها :

1- عن عمر : صلاة السفر ركعتان ، والجمعة ركعتان ، والعيد ركعتان تمام غير

 

/  ص 111  /

 

 قصر على لسان محمد.وفي لفظ : على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.

مسند أحمد 1 : 37 ، سنن ابن ماجة 1 : 329 ، سنن النسائي 3 : 118 ، سنن البيهقي

3 : 199 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 308 ، 309 ، المحلى لابن حزم 4 : 265 ، زاد المعاد هامش شرح المواهب 2 : ص 21 فقال : ثابت عن عمر.

2- عن يعلى بن أمية قال : سألت عمربن الخطاب قلت : ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة الآية.وقد أمن الناس ؟ فقال : عجبت مما عجبت منه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.

صحيح مسلم 1 : 191 ، 192 ، سنن أبي داود 1 : 187 ، سنن ابن ماجة 1 : 329 ، سنن النسائي 3 : 116 ، سنن البيهقي 3 : 134 ، 141 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 308 ، المحلى لابن حزم 4 : 267.

3- عن عبدالله بن عمر قال : كان رسو ل الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من هذه المدينة لم يزد على ركعتين حتى يرجع اليها.وفي لفظ : صحبت رسول الله فكان لا يزيد في السفر على الركعتين.الحديث.

مسند أحمد 2 : 45 ، سنن ابن ماجة 1 : 330 ، سنن النسائي 3 : 123 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، زادالمعاد هامش شرح المواهب للزرقاني 2 : 29 وصححه.

4- عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا و في السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة.

وفي لفظ مسلم : إن الله عزوجل فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعا.

صحيح مسلم 1 : 258 ، مسند أحمد 1 : 355 ، سنن ابن ماجة 1 : 330 ، سنن النسائي

3 : 119 ، سنن البيهقي 3 ، 135 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 307 ، 310 ، المحلى لابن حزم 4 : 271 فقال : ورويناه أيضا من طريق حذيفة ، وجابر ، وزيد بن ثابت ، وأبي هريرة ، وابن عمر كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسانيد في غاية الصحة.تفسير القرطبي 5 : 352 ، تفسير ابن جزي 1 : 155 ، زاد المعاد لابن القيم هامش شرح الزرقاني 2 : 221 ، مجمع الزوائد 2 : 154 من طريق أبي هريرة.

 

/  ص 112  /

 

5- عن عائشة قالت : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرت صلاة السفر ، وزيدفي صلاة الحضر.

وفي لفظ ابن حزم من طريق البخاري : فرضت الصلاة ركعتين ، ثم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ففرضت أربعا ، وتركت صلاة السفر على الاولى.

وفي لفظ أحمد : كان أول ماافترض على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة ركعتان ركعتان إلا المغرب فانها كانت ثلاثة ثم أتم الله الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا في الحضر

وأقر الصلاة على فرضها الاول في السفر.

راجع صحيح البخاري 1 : 159 ، ج 2 : 105 ، ج 5 : 172 ، صحيح مسلم 1 : 257 ، موطأمالك 1 : 124 ، سنن أبي داود 1 : 187 ، كتاب الام للشافعي 1 : 159 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، سنن البيهقي 3 : 135 ، المحلى 4 : 265 ، زاد المعاد 2 : 21 ، تفسير القرطبي 5 : 352 ، 358.

6- عن موسى بن مسلمة قال قلت لابن عباس : كيف أصلي بمكة إذا لم أصل في جماعة ؟ قال : ركعتين سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم.مسند أحمد 1 : 290 ، 337 ، صحيح مسلم 1 : 258 ، سنن النسائي 3 : 119.

7- عن أبي حنظلة قال : سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر فقال : ركعتان سنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي لفظ البيهقي : قصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول اله صلى الله عليه وسلم. مسند أحمد 2 : 57 ، سنن البيهقي 3 : 136.

8- عن عبدالله ابن عمر قال : الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر.

سنن البيهقي 3 : 140 ، المحلي لابن حزم 4 : 270 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ، المعجم الكبير للطبراني كما في مجمع الزوائد 2 : 155 وقال : رجاله رجال الصحيح.

9- عن ابن عباس قال : من صلى في السفر أربعا كمن صلى في الحضر ركعتين.

مسند أحمد 1 : 349 ، المحلي 4 : 270.

10- عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسافرا صلى ركعتين حتى يرجع.وفي لفظ : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج لم يزد على ركعتين حتى يرجع.

 

/  ص 113  /

 

مسند أحمد 1 : 285 ، 356 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 309.

11- عن عمران بن حصين قال : ما سافرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سفرا قط إلا

صلى ركعتين حتى يرجع ، وحججت مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يصلي ركعتين حتى

يرجع إلى المدينة ، وأقام بمكة ثماني عشرة لايصلي إلا ركعتين وقال لاهل مكة : صلواأربعا فانا قوم سفر.

راجع سنن البيهقي 3 : 135 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 310.

وعن عمران في لفظ آخر : ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صلى ركعتين إلا المغرب.أخرجه أبوداود وأحمد كما في مجمع الزوائد 2 : 155.

12- عن عمر بن خطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صلاة المسافر ركعتان حتى يؤب إلى أهله أو يموت." أحكام القرآن للجصاص 2 : 310 ".

13- عن ابراهيم : ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى الظهر بمكة ركعتين

فلما انصرف قال : ياأهل مكة  إنا قوم سفر ، فمن كان منكم من أهل البلد فليكمل.

فأكمل أهل البلد.

الآثار للقاضي أبي يوسف ص 30 ، 75 ، وراجع مامر صفحة 107 من هذا الجزء.

14- عن أنس بن مالك قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة.

صحيح البخاري 2 : 153 ، صحيح مسلم 1 : 260 ، مسند أحمد 3 : 190 ، سنن البيهقي 3 : 136 ، 145.

15- عن عبدالله بن عمر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا ونحن في ضلال فعلمنا ، فكان فيما علمنا : أن الله عزوجل أمرنا أن نصلي ركعتين في السفر.

أخرجه النسائي كمامر في تفسير الخازن 1 : 412 ، ونيل الاوطار 3 : 250.

16- عن أبي الكنود عبدالله الازدي قال : سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال : ركعتان نزلتا من السماء ، فان شئتم فردوهما.

أخرجه الطبراني في الصغير كما في مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي 2 : 145 فقال : رجاله موثقون.

 

/  ص 114  /

 

17- عن السائب بن يزيد الكندي قال : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، ثم زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر.

قال الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 155 : رواه الطبري في الكبير ورجاله رجال الصحيح.

18- عن ابن مسعود قال : من صلى في السفر أربعا أعاد الصلاة.

أخرجه الطبراني كما في مجمع الزوائد 2 : 155.

19- عن حفص بن عمر قال : انطلق بنا أنس بن مالك إلى الشام إلى عبدالملك و نحن أربعون رجلا من الانصار ليفرض لنا فلما رجع وكنا بفج الناقة صلى بنا الظهر ركعتين ثم دخل فسطاطه ، وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم ركعتين أخريين فقال : قبح الله الوجوه ، فوالله ماأصابت السنة ولا قبلت الرخصة فاشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول : إن قوما بتعمقون في الدين يمرقون كما يمرق السهم من الرمية.

أخرجه أحمد في المسند 3 : 159 ، وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 155.

20- عن سلمان قال : فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فصلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم

بمكة حتى قدم المدينة وصلاها بالمدينة ماشاء الله ، وزيد في صلاة الحضر ركعتين و تركت الصلاة في السفر على حالها.

رواه الطبراني في الاوسط كما في مجمع الزوائد 2 : 156.

21- عن ثمامة بن شراحيل قال : خرجت إلى ابن عمر فقلت : ماصلاة المسافر ؟

قال : ركعتين ركعتين إلا صلاة المغرب ثلاثا.قلت : أرأيت إن كنا بذي المجاز ؟ قال : ما

ذوالمجاز ؟ قلت : مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة.

فقال : يا أيها الرجل كنت بآذربيجان لاأدري قال : أربعة أشهر أوشهرين ، فرأيتهم يصلونها ركعتين ركعتين ، ورأيت نبي الله صلى الله عليه وسلم بصر عينى يصليها ركعتين ، ثم نزع إلي بهذه الآية : لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة.

أخرجه أحمد في المسند 2 : 154.

22- أخرج أحمد في المسند 2 : 400 من طريق أبي هريرة قال : أيها الناس إن الله عزوجل فرض لكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.

 

/  ص 115  /

 

23- عن عمربن عبدالعزيز قال : الصلاة في السفر ركعتان حتمان لا يصح غير هما.ذكره ابن حزم في المحلى 4 : 271.

وذهب عمر وابنه ، وابن عباس ، وجابر ، وجبير بن مطعم ، والحسن ، والقاضي اسماعيل ، وحماد بن أبي سليمان ، وعمربن عبدالعزيز ، وقتادة والكوفيون إلى أن القصر واجب في السفر كما في تفسير القرطبي 5 : 351 ، وتفسير الخازن 1 : 413.

أترى مع هذه الاحاديث مجالا للقول بأن القصر في السفر رخصة لا عزيمة ؟ و لو كان يسوغ الاتمام في السفر لكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرب عنه بقول أو بفعل ولو باتيانه في العمر مرة لبيان جوازه كماكان يفعل في غير هذا المورد.أخرج مسلم في صحيحه (1) من حديث بريدة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى صلوات بوضوء واحد فقال له عمر : إنك صنعت شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال : عمدا صنعته يا عمر .قال الشوكاني في نيل الاوطار 1 : 258 بعد ذكر الحديث : أي لبيان الجواز وأخرج أحمد وأبويعلى عن عائشة قالت : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال فقام عمر خلفه بكوز فقال : ماهذا ياعمر ؟ فقال : ماء تتوضأبه يارسول الله .قال : ماأمرت كلما بلت أن أتوضأ ولو فعلت كانت سنة " مجمع الزوائد 1 : 241 " وكم للحديثين من نظير في أبواب الفقه ؟.

ولوكان هناك ترخيص لما خفي على أكابر الصحابة حتى نقدوا عثمان نقدا مرا وفندوا معاذيره وفيهم مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام الذي هو باب مدينة علم النبي ، ومستقى أحكام الدين من بعده ، يعرف رخصها من عزائمها قبل كل الصحابة ، فهل يعزب عنه حكم الصلاة وهو أول من صلى من ذكر مع رسول الله صلى الله عليه وآله.

حتى ان الخليفة نفسه لم يفه بهذا العذر البارد ، ولوكان يعرف شيئا مماقالوه لماأرجأ بيانه إلى هؤلاء المدافعين عنه ، ولما كان في منصرم معاذيره بعد أن أعوزته : انه رأي رآه ، ولما كان تابعه على ذلك من تابعه محتجا بدفع شر الخلاف فحسب من دون أي تنويه بمسألة الرخصة.

وأنت تعرف بعد هذه الاحاديث قيمة قول المحب الطبري في رياضه النضرة 2 : ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الجزء الاول صفحة 122.

 

/  ص 116  /

 

151 : انها مسألة اجتهادية ولذلك اختلف فيها العلماء فقوله (يعني عثمان) فيها لا يوجب تفكيرا ولا تفسيقا.اه‍.

خفي على المغفل ان الاجتهاد في تجاه النص لامساغ له ، وان المسألة لم يكن فيها خلاف إلى يوم احدوثة عثمان بل كانت السنة الثابتة عند جميع الصحابة بقول واحد وجوب القصر للمسافر ، وماكان عمل الخليفة إلا مجرد رأي رآه خلاف سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله ويعرب عن جلية الحال صحيح أحمد الآتي في ترجمة مروان وفيه :

ان معاوية لما قدم مكة صلى الظهر قصرا فنهض اليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا له : ما عاب أحد ابن عمك ماعبته به فقال لهما : وماذاك ؟ فقالا له : ألم تعلم انه أتم الصلاة بمكة ؟ قال لهما : ويحكما وهل كان غير ماصنعت ؟ قد صليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر.قالا : فان ابن عمك قد أتمها وإن خلافك إياه له عيب ، فخرج معاوية إلى العصر فصلاها أربعا.واختلاف العلماء بعد قط لا قيمة له ويضرب به على عرض الجدار بعد ثبوت السنة ، وليس إلا لتبرير ساحة الرجل ، وأنى ؟ بل عمله يدنس ذيل كل مبرر ، وأما عدم ايجاب القول بالاتمام للمسافر الكفر أوالفسق وايجابه ذلك فالمرجع فيه حديث الثامن المذكور ص 112 من صحيحة عبدالله بن عمر قال : الصلاة في السفر ركعتان من خالف فقد كفر.

 

 

(الدين عند السلف سياسة وقتية)

تعطينا هذه الروايات الواردة في صلاة الخليفة درسا ضافيا صافقه الاستقراء لكثير من الموارد ان كثيرين من الصحابة ماكان يحجزهم الدين عن مخالفة التعاليم المقررة وكانوا يقدمون عليها سياسة الوقت ، وإلا فلا وجه لتربيعهم الصلاة وهم يرون أن المشروع خلافه لمحض ان الخلاف شر ، وهم أومن ناضل عنهم وحكم بعدالتهم أجمع لا يرون جواز التقية ، فعبدالله بن عمر يتبع الخليفة في أحدوثته ، وكان يتم اذا صلي مع الامام ، وإذا صلى وحده صلى ركعتين ، وفي لسانه قوله : الصلاة في السفر ركعتان من خالف السنة فقد كفر (1) وبمسمع منه قوله صلى الله عليه وآله : إن الله لا يقبل عمل امرء حتى يتقنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع صفحة 112 من هذاالجزء.

 

/  ص 117  /

 

قيل : وما اتقانه ؟ قال : يخلصه من الرياء والبدعة (1) .وقوله صلى الله عليه وآله : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (2) وهذا عبدالله بن مسعود يرى السنة في السفر ركعتين ، ويحدث بها ثم يتم معتذرا بأن عثمان كان إماما فما أخالفه والخلاف شر كمامرفي ص 99.

وهذا عبدالرحمن بن عوف كان لم ير للخليفة عذرا فيما أتى به من اتمام الصلاة في السفر ، ويقول له مجيباعن أعذاره : ماهذا شيء لك فيه عذر.ويسمع منه قوله :

انه رأي رأيته.خلافا للسنة الثابتة ، ومع ذلك كله يصلي اربعابعد ماسمع من ابن مسعود بأن الخلاف شر (3) لماذا كانت مخالفة عثمان شرا ، ولم تكن مخالفته ومخالفتهم على ناموس الشريعة ونبيها شرا ؟ دعني واسأل الصحابة الاولين.

وهذا علي أمير المؤمنين المقتص الوحيد أثر النبي الاعظم يؤتى به للصلاة

 (كما مر في ص 100)

 فيقول : إن شئتم صليت لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم " ركعتين "

فيقال له : لا إلا صلاة أمير المؤمنين عثمان أربعا.فيأبى ولايبالون.

نعم : لم تكن الاحكام عند أولئك الخلفاء الذين أدخلود آراء‌هم الشاذة في دين الله والذين اتبعوهم إلا سياسة وقتية يدور بها الامر والنهي ، ويتغير بتغيرها الآراء حينا بعدحين ، فترى الاول منهم يقول على رؤوس الاشهاد : لئن أخذتموني بسنة نبيكم لا أطيقها.وقد جاء النبي الاعظم بسنة سهلة سمحة.ويقول : إني أقول برأيي إن يك صوابا فمن الله ، وإن يك خطأفمني ومن الشيطان " راجع الجزء السابع 104 ، 118 ، 119 ، ط 2 ".

ويأتي بعده من يفتي بترك الصلاة للجنب الفاقد للماء ولا يبالي ، وقد علمه النبي الاعظم التيمم فضلا عمافي الكتاب والسنة.راجع ج 6 : 83 ط 2.

وكان لم يقرأ بفاتحة الكتاب في الركعة الاولى ، ويكررها في الثانية تارة ، و أخرى لم يقرأها في ركعاتها ، ويقتصر على حسن الركوع والسجود ، وطورا يتركها و لم يقرأ شيئا ثم يعيد.راجع ج 6 : 108 ط 2.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بهجة النفوس للحافظ ابن ابى جمرة الازدى الاندلسى 4 : 160.

 (2) المحلى 7 : 197.

 (3) راجع من هذا الجزء ص 99.

 

/  ص 118  /

 

وكان ينهى عن التطوع بالصلاة بعد العصر ، ويضرب بالدرة من تنفل بها ، والناس يخبره بأنه سنة محمد صلى الله عليه وآله ، وهو لا يصيخ إلى ذلك ، كمامر في الجزء ال‍ 6 : 184 ط 2.

وتراه يحكم في الجد بمائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا ، كما مر حديثه في الجزء ال‍ 6 ص 116 ط 2.

وثبت عنه قوله : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أنهى عنهما ، وأعاقب عليهما.كما فصلناه في ج 6 : 210 ط 2.

وجاء عنه قوله : أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهن و أحرمهن وأعاقب عليهن : متعة النساء.ومتعة الحج.وحي على خيرالعمل.راجع الجزء ال‍ 6 : 213  ط 2.

إلى قضايا أخرى لدة هذه أسلفناها في الجزء السادس في " نوادرالاثر في علم عمر " وهذا عثمان يخالف السنة الثابتة في مثل الصلاة عمادالدين ويعتذر بقوله : انه رأي رأيته.

ويحدث أذانا بعد الاذان والاقامة ، ويتخذه الملا الاسلامي سنة في الحواضر الاسلامية.

وينهى عليا أميرالمؤمنين عن متعة الحج ، وهو يسمع منه قوله : لم أكن لادع سنة رسول الله لقول أحد من الناس.

ويأخذ الزكاة من الخيل ، وقد عفى الله عنها بلسان نبيه الاقدس.

ويقدم الخطبة على الصلاة في العيدين خلاف السنة المسلمة.

ويترك القراء‌ة في الاوليين ، ويقضيها في الاخريين.

ويرى في عدة المختلعة ما يخالف السنة المتسالم عليها ، واتخذ في الاموال والصدقات سيرة دون ما قرره الكتاب والسنة ، إلى كثيرمن الآراء الشاذة عن مقررات الاسلام المقدس ، وسيوافيك تفصيلها.

وهذا معاوية ، وماأدراك ما معاوية ، ؟  يتبع أثرالنبي الاعظم في صلاة ظهره فيأتيه مروان وابن عثمان فيزحزحانه عن هديه فيخالف السنة الثابتة- باعتراف منه

 

/  ص 119  /

 

 في صلاة عصره ، إتباعا لسياسة الوقت ، وإحياء لبدعة ابن عمه ، وإماتة لشرعة المصطفى ، تزلفهاإلى مثل مروان وابن عثمان.

وتراه يحكم بجواز الجمع بين الاختين المملوكتين ، ويعترض عليه الناس فلا يبالي (1)

ويحلل الربا ، وفي كتاب الله العزيز : " أحل الله البيع وحرم الربا " فأخبره أبوالدرداء ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع باعه ، فقال معاوية : ماأرى بهذا بأسا ، فقال أبوالدرداء : من يعذرني من معاوية ، أخبره عن رسول الله ، ويخبرني عن رأيه.لااساكنك بأرض ، فخرج من ولاية معاوية.اختلاف الحديث للشافعى هامش كتابه الام 7 : 23 وأخذ ألف دينار دية الذمي ، وجعل خمسمائة في بيت المال ، وخمسمائة لاهل القتيل.بدعة مسلمة خلاف سنة الله. (2) وأمر بالاذان في العيدين،ولا أذان فيهما ولاأذان إلا في المكتوبة.ذكره الشافعي في كتاب الام1: 208.

واخذ من الاعطية زكاة ، وهو أول من أحدثها كما في كتاب الام 2 : 14.

وهو أول من نقص التكبير كما أخرجه ابن أبي شيبة.

وأتي إليه بلصوص ، فقطع بعضهم ، وعفى عن أحدهم لسماعه منه ومن رامه كلاما يروقه ، كماذكره الماوردي في الاحكام السلطانية ص 219 ، وابن كثير في تاريخه 8 : 136.

وقدم الخطبة على الصلاة في العيدين كما يأتي تفصيله والمسنون خلافه وسن لعن أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، وأمر به الخطباء وأئمة الجمعة والجماعة في جميع الحواضر الاسلامية.فكن على بصيرة من أمرك ولاتتبع أهواء الذين لايعلمون ، واحذرهم أن يفتنوك ، سواء محياهم ومماتهم ساء مايحكمون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الدر المنثور 2 : 137.

 (2) كتاب الديات لابى عاصم الضحاك ص 50.

 

 

ـ 3 ـ

إبطال الخليفة الحدود

أخرج البلاذري في الانساب 5 : 33 من طريق محمد بن سعد ، بالاسناد عن أبي اسحاق الهمداني : ان الوليد بن عقبة شرب فسكر فصلى بالناس الغداة ركعتين (1) ثم التفت فقال : أزيدكم ؟ فقالوا : لاقد قضينا صلاتنا ، ثم دخل عليه بعد ذلك أبوزينب وجندب بن زهير الازدي وهو سكران فانتزعا خاتمه من يده وهو لايشعر سكرا.

قال أبواسحاق : وأخبرني مسروق انه حين صلى لم يرم حتى قاء ، فخرج في أمره إلى عثمان أربعة نفر : أبوزينب.وجندب بن زهير.وأبوحبيبة الغفاري.والصعب بن جثامة.فاخبروا عثمان خبره فقال عبدالرحمن بن عوف ، ماله ؟ أجن ؟ قالوا : لا ، ولكنه سكر.قال : فأوعدهم عثمان وتهددهم ، وقال لجندب : أنت رأيت أخي يشرب الخمر ؟ قال : معاذالله ، ولكني أشهد إني رأيته سكران يقسلهامن جوفه ، واني أخذت خاتمه من يده وهو سكران لايعقل.

قال أبواسحاق : فأتى الشهود عائشة فأخبروها بما جرى بينهم وبين عثمان ، وان عثمان زبرهم ، فنادت عائشة : إن عثمان أبطل الحدود وتوعد الشهود.

وقال الواقدي : وقد يقال : إن عثمان ضرب بعض الشهود أسواطا ، فأتوا عليا فشكوا ذلك إليه.فأتى عثمان فقال : عطلت الحدود وضربت قوماشهدوا على أخيك فقلبت الحكم ، وقد قال عمر : لاتحمل بني امية وآل أبي معيط خاصة على رقاب الناس قال : فماترى ؟ قال : أرى أن تعزله ولا توليه شيئا من امور المسلمين ، وأن تسأل عن الشهود فإن لم يكونوا أهل ظنة ولا عداوة أقمت على صاحبك الحد.

قال : ويقال : إن عائشة أغلظت لعثمان وأغلظ لها وقال : وماأنت وهذا ؟ إنما أمرت أن تقري في بيتك.فقال قوم مثل قوله : وقال آخرون : ومن أولى بذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هكذا في الانساب وصحيح مسلم وأمابقية المصادر فكلها مطبقة على أربع ركعات و ستوافيك انشاء‌الله تعالى.

 (2) كان الوليد أخاه لامه امهما أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبدشمس.

 

 

/  ص 121  /

 

منها ، فاضطربوا بالنعال ، وكان ذلك أول قتال بين المسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم.

وأخرج من عدة طرق : ان طلحة والزبير أتيا عثمان فقالا له : قد نهيناك عن تولية الوليد شيئا من امور المسلمين فأبيت وقد شهد عليه بشرب الخمر والسكر فاعزله وقال له علي : اعزله وحده إذا شهد الشهود عليه في وجهه.فولى عثمان سعيد بن العاص الكوفة وأمره باشخاص الوليد ، فلماقدم سعيد الكوفة غسل المنبر ودار الامامة وأشخص الوليد ، فلما شهد عليه في وجهه وأراد عثمان أن يحده ألبسه جبة حبر و أدخله بيتا فجعل إذا بعث اليه رجلا من قريش ليضربه قال له الوليد : أنشدك الله أن تقطع رحمي وتغضب أميرالمؤمنين عليك.فيكف.فلما رأى ذلك علي بن أبي طالب أخذالسوط ودخل عليه ومعه إبنه الحسن فقال له الوليد مثل تلك المقالة فقال

له الحسن : صدق ياأبت ، فقال علي : ماأنا إذا بمؤمن.وجلده بسوط له شعبتان ، وفي لفظ : فقال علي للحسن ابنه : قم يابني فاجلده ، فقال عثمان : يكفيك ذلك بعض من ترى فأخذ علي السوط ومشى اليه فجعل يضربه والوليد يسبه ، وفي لفظ الاغاني : فقال له الوليد : نشدتك بالله وبالقرابة ، فقال له علي : اسكت أباوهب  فانما هلكت بنو اسرائيل بتعطيلهم الحدود فضربه وقال : لتدعوني قريش بعد هذا جلادها.

قالوا : وسئل عثمان أن يحلق ، وقيل له : إن عمر حلق مثله ، فقال : قدكان فعل ذلك ثم تركه.

وقال أبومخنف وغيره : خرج الوليد بن عقبة لصلاة الصبح وهو يميل فصلى ركعتين ثم التفت إلى الناس فقال : أزيدكم ؟ فقال له عتاب بن علاق أحد بني عوافة ابن سعد وكان شريفا : لازادك الله مزيدالخير ، ثم تناول حفنة من حصى فضرب بها وجه الوليد وحصبه الناس وقالوا: والله ماالعجب إلا ممن ولاك ، وكان عمر بن الخطاب فرض لعتاب هذا مع الاشراف في ألفين وخمسمائة.وذكر بعضهم : ان القي غلب على الوليد في مكانه ، وقال يزيد بن قيس الارحبي ومعقل بن قيس الرياحي : لقد أراد عثمان كرامة أخيه بهوان امة محمد صلى الله عليه وسلم.وفي الوليد يقول الحطيئة جرول بن أوس بن مالك العبسي :

شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * ان الوليــــــــد أحق بالعذر

 

/  ص 122  /

 

نادى وقد نفدت (1) صلاتهم * أأزيـدكـــــم ؟ ثملا ومايدري

ليزيدهــــم خيــــراولو قبلوا * منــــه لــــزادهم على عشر

فأبوا أباوهــــب  ولــوفعلوا * لقــــرنت بين الشفع والوتر

حبسوا عنانك إذجريت ولو * خلوا عنانك لم تزل تجري(2)

وذكر أبوالفرج في " الاغاني " 4 : 178 ، وأبوعمر في " الاستيعاب " بعد هذه

الابيات لحطيئة أيضاقوله :

تكلــــم فـــي الصلاة وزاد فيها * علانيــــة وجاهــــر بالنفــــاق

ومج الخمر في سنن المصلي * ونــــادى والجميع إلى افتراق

أزيدكم ؟ على أن تحمدونــــي * فما لكم وما لــــي مــــن خلاق

ثم قال أبوعمر : وخبر صلاته بهم وهو سكران وقوله : أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من نقل أهل الحديث وأهل الاخبار.

وهكذا جاء في مسند أحمد 1 : 144 ، سنن البيهقي 8 : 318 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 142 وقال : تهوع في المحراب ، كامل ابن الاثير 3 : 42 ، أسدالغابة 5 : 91 ، 92 و قال : قوله لهم : أزيدكم ؟ بعد أن صلى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات من أهل الحديث ، ثم ذكر حديث الطبري (3) في تعصب القوم على الوليد وقول عثمان له : يا أخي أصبر فإن الله يأجرك ويبوء القوم باثمك.فقال : قال أبوعمر : والصحيح عند أهل الحديث أنه شرب الخمر وتقيأها وصلى الصبح أربعا.

تاريخ أبي الفداج 176 ، الاصابة 3 : 638 وقال : قصة صلاته بالناس الصبح أربعا وهو سكران مشهورة مخرجة : تاريخ الخلفاء لليسوطي ص 104 ، السيرة الحلبية 2 : 314 وقال : صلى بأهل الكوفة أربع ركعات وصار يقول في ركوعه وسجوده :

إشرب واسقني.ثم قاء في المحراب ثم سلم وقال : هل أزيدكم ؟ فقال له ابن مسعود

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في الاغانى 4 : 178 ، 179 : تمت.بدل نفدت.

 (2) وفى الاغانى 4 : 179 حول هذه الابيات رواية لاتخلو عن فائدة.

 (3) أخرجه في تاريخه 5 : 60 ، 61 من طريق مجمع على بطلانه عن كذاب عن مجهول عن وضاع متهم بالزندقة وهم : السري عن شعيب عن سيف بن عمر وسيوافيك تفصيل القول في هذا الطريق الوعر وانه شوه تاريخ الطبري.

 

/  ص 123  /

 

رضي الله عنه : لا زادك الله خيرا ولا من بعثك الينا وأخذ فردة خفه وضرب به وجه الوليد وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو مترنح.الخ.

وحكى أبوالفرج في الاغاني 4 : 178 عن عبيد والكلبي والاصمعي : ان وليد بن عقبة كان زانيا شريب الخمر فشرب الخمر بالكوفة وقام ليصلي بهم الصبح في المسجد الجامع فصلى بهم أربع ركعات ثم التفت إليهم وقال لهم : أزيدكم ؟ وتقيأ في المحراب وقرأبهم في الصلاة وهو رافع صوته :

علق القلب الربابا * بعد ماشابت وشابا

وذكره في ص 179 نقلاعن عمر بن شبة ، وروى من طريق المدائني في صفحة 180 عن الزهري انه قال : خرج رهط من أهل الكوفة إلى عثمان في أمر الوليد فقال : أكلما غضب رجل منكم على أميره رماه بالباطل ؟ لئن أصبحت لكم لانكلن بكم ، فاستجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال : أما يجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة.فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت : تركت سنة رسول الله صاحب هذاالنعل.فتسامع الناس فجاء‌وا حتى ملاوا المسجد فمن قائل : أحسنت ، ومن قائل : ماللنساء ولهذا ؟ حتى تحاصبواو تضاربوا بالنعال ، ودخل رهط من أصحاب رسول الله على عثمان فقالواله : إتق الله لا تعطل الحد واعزل أخاك عنهم فعزله عنهم.

وأخرج من طريق مطرالوراق قال : قدم رجل المدينة فقال لعثمان رضي الله عنه : إني صليت الغداة خلف الوليد بن عقبة فالتفت إلينا فقال : أزيدكم ؟ إني أجد اليوم نشاطا ، وأنا أشم منه رائحة الخمر.فضرب عثمان الرجل ، فقال الناس : عطلت الحدود ، وضربت الشهود.

وروى ابن عبد ربه قصة الصلاة في العقد الفريد 2 : 273 وفيه : صلى بهم الصبح ثلاث ركعات وهو سكران.الخ.

وجاء في صحيح البخاري في مناقب عثمان في حديث.قد أكثر الناس فيه. قال ابن حجر في فتح الباري 7 : 44 في شرح الجملة المذكورة : ووقع في رواية معمر : وكان أكثر الناس فيمافعل به ، أي من تركه إقامة الحد عليه "على مروان"

 

/  ص 124  /

 

وإنكارهم عليه عزل سعد بن أبي وقاص.

قال الاميني : الوليد هو هذا الذي تسمع حديثه وسنوقفك في هذا الجزء و الاجزاء الآتية انشاء‌الله على حقيقته حتى كأنك مطل عليه من أمم ، تراه يشرب الخمر ، ويقئ في محرابه ، ويزيد في الصلاة من سورة السكر ، وينتزع خاتمه من يده فلايشعر به من شدة الثمل ، وقد عرفه الله تعالى قبل يومه هذابقوله عز من قائل : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون " سورة السجدة 18 " (1) .

وبقوله : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا (2) .

وقال ابن عبدالبر في الاستيعاب 2 : 620 : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عزوجل : إن جاء‌كم فاسق بنبأ.نزلت في الوليد.

وحكاها عنه ابن الاثير في أسدالغابة 5 : 90.

فهل من الممكن أن يجوز مثله حنكة الولاية عن إمام المسلمين ؟ فيحتنك النفوس ويستحوذ على الاموال ، ويستولي على النواميس والاعراض ، وتؤخذ منه الاحكام وتلقى إليه أزمة البسط والقبض في حاضرة المسلمين ، ويأمهم على الجمعة والجماعة ؟

هل هذا شيء يكون في الشريعة ؟ أعزب عني واسأل الخليفة الذي ولاه وزبر الشهود عليه وتوعدهم أوضربهم بسوطه.

وهب ان الولاية سبقت منه لكن الحد الذي ثبت موجبه وليم على تعطيله ما وجه إرجاء‌ه إلى حين إدخال الرجل في البيت مجللا بجبة حبر وقاية له عن ألم السياط ؟ ثم من دخل عليه ليحده دافعه المحدود بغضب الخليفة وقطع رحمه ، فهل كان الخليفة يعلم بنسبة الغضب اليه على إقامة حدالله وإيثار رحمه على حكم الشريعة ؟

فيغض الطرف عنه رضا منه بمايقول ، أو لا يبلغه ؟ وهو خلاف سياق الحديث الذي ينم عن إطلاعه بكل ماهنالك ، وكان يتعلل عن اقامة الحد بكل تلكم الاحوال ، حتى انه منع السبط المجتبى الحسن عليه السلام لما علم انه لايجنح إلى الباطل بالرقة عليه وأحب أن يجلده زبانيته الذين يتحرون مرضاته ، لكن غلب أمرالله ونفذ حكمه بمولانا أميرالمؤمنين الذي باشر الحد بنفسه والظالم يسبه وهو سلام الله عليه لاتأخذه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع الجزء الثاني صفحة 42 ط 1 و 46 ط 2.

 (2) سورة الحجرات آية 6.

 

/  ص 125  /

 

في الله لومة لائم ، أوأمر سلام الله عليه عبدالله بن جعفر فجلده وهو عليه السلام يعد كمافي الصحيح لمسلم (1) والاغاني وغيرهما.

وهل الحد يعطل بعد ثبوت مايوجبه ، حتى يقع عليه الحجاج ، ويحتدم الحوار فيعود الجدال جلادا ، وتتحول المكالمة ملاكمة ، وتعلو النعال والاحذية ، ويشكل أول قتال بين المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعقيرة أم المؤمنين مرتفعة : أن عثمان عطل الحدود وتوعد الشهود.ويوبخه على ذلك سيد العترة صلوات الله عليه بقوله : عطلت الحدود وضربت قوما شهدوا على أخيك ؟ وهل بعد هذه كلها يستأهل مثل هذاالفاسق المهتوك بلسان الكتاب العزيز أن يبعث على الاموال ؟ كما فعله عثمان و بعث الرجل بعد إقامة الحد عليه على صدقات كلب وبلقين (2) ، وهل آصرة الاخاء تستبيح ذلك كله ؟.

ليست ذمتي رهينة بالجواب عن هذه الاسؤلة وانما علي سرد القصة مشفوعة بالتعليل والتحليل ، وأما الجواب فعلى عهدة أنصار الخليفة ، أو أن المحكم فيه هو القارئ الكريم.

 

 

ـ 4 ـ

النداء الثالث بأمر الخليفة

أخرج البخاري وغيره بالاسناد عن السائب بن يزيد : ان النداء يوم الجمعة كان أوله في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمان أبي بكر وفي زمان عمر إذا خرج الامام،وإذاقامت الصلاة حتى كان زمان عثمان فكثر الناس فزاد النداء الثالث على الزوراء فثبتت حتى الساعة (3)

وفي لفظ البخاري وأبي داود : الاذان كان أوله حين يجلس الامام على المنبر يوم الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، فلما كان خلافة عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع الجزء الثاني من صحيح مسلم صفحة 52.

 (2) تاريخ اليعقوبي 2 : 142.

 (3) صحيح البخاري 2 : 95 ، 96 ، صحيح الترمذي 1 : 68 ، سنن أبى داود 1 : 171 ، سنن ابن ماجة 1 : 348 ، سنن النسائي 3 : 100 ، كتاب الام للشافعي 1 : 173 ، سنن البيهقي 1 : 429 ، ج 3 : 192 ، 205 ، تاريخ الطبري 5 : 68 ، كامل ابن الاثير 3 : 48 ، فيض الاله المالك للبقاعى 1 : 193.

 

/  ص 126  /

 

وكثر الناس ، أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث ، فأذن به على الزوراء فثبت الامر على ذلك.

وفي لفظ النسائي : أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث فأذن به على الزوراء.

وفي لفظ له أيضا : كان بلال يؤذن إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم الجمعة فإذا نزل أقام ، ثم كان كذلك في زمن أبي بكر وعمر.

وفي لفظ الترمذي : كان الاذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمرإذا خرج الامام أقيمت الصلاة ، فلما كان عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء.

وفي لفظ البلاذري في الانساب 5 : 39 عن السائب بن يزيد : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج للصلاة أذن المؤذن ثم يقيم ، وكذلك كان الامر على عهد أبي بكر وعمر ، وفي صدر من أيام عثمان ، ثم إن عثمان نادى النداء الثالث في السنة السابعة (1) فعاب الناس ذلك وقالوا : بدعة.

وقال ابن حجر في فتح الباري 2 : 315 : والذي يظهر ان الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الامر ، ولكن ذكر الفاكهاني : إن أول من أحدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد ، وبلغني أن أهل الغرب الادنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة ، وروى إبن أبي شيبة من طريق إبن عمر قال : الاذان الاول يوم الجمعة بدعة.فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الانكار ، و يحتمل أن يريد انه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وكل مالم يكن في زمنه يسمى بدعة.

وحكا مافي الفتح الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 332 ، وذكر العيني في عمدة القاري حديث ابن عمر من ان : الاذان الاول يوم الجمعة بدعة ، وروى عن الزهري قوله : إن أول من أحدث الاذان الاول عثمان يؤذن لاهل الاسواق.وقال :

وفي لفظ : فأحدث عثمان التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس إلى أن قال : وقيل : إن

أول من أحدث الاذان الاول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد.

قال الاميني : إن أول ما يستفهم من رواة هذه الاحاديث ان المراد من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يعني السنة السابعة من خلافة عثمان توافق الثلاثين من الهجرة كما في تاريخ الطبري وغيره.

 

/  ص 127  /

 

كثرة الناس الموجبة لتكرر الاذان هل هو كثرتهم في مركز الخلافة المدينة المنورة أو كثرتهم في العالم ؟ أما الثاني فلم يكن يجديهم فيه ألف أذان ، فان صوت مؤذن المدينة لايبلغ المدن والامصار ، ولا أن اولئك مكلفون بالاصغاء إلى أذان المدينة ولا الصلاة معه.

وأما كثرة الناس في المدينة نفسها لوتم كونها مصححا للزيادة في النداء فانما يصحح تكثير المؤذنين في أنحاء البلد في وقت واحد لاالاذان بعد الاقامة الفاصل بينهما وبين الصلاة ، وقد ثبت في السنة خلافه في الترتيب ، وأحدوثة الخليفة إنما هي الزيادة في النداء بعد الاقامة لا إكثار المؤذنين كما نبه اليه التركماني في شرح السنن الكبرى للبيهقي 1 : 429 ، ولذلك عابه عليه الصحابة ، وحسبوه بدعة ، ولا يخص تعدد المؤذنين بأيام عثمان فحسب ، وقد كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذن بلال وابن ام مكتوم ، واتخذ عثمان أربعة للحاجة اليها حين كثر الناس كما في شرح الآبي على صحيح مسلم 2 : 136 ، ولا أجد خلافا في جواز تعدد المؤذنين ، بل رتبوا عليه أحكاما مثل قولهم هل الحكاية المستحبة أو الواجبة كما قيل تتعدد بتعدد المؤذنين أم لا ؟ وقولهم : إذا أذن المؤذن الاول ، هل للامام أن يبطئ بالصلاة ليفرغ من بعده ؟ أو له أن يخرج ويقطع من بعده أذانه ؟ وقولهم : إذا تعدد المؤذنون لهم أن يؤذن واحد بعد واحد ، أو يؤذن كلهم في أول الوقت ؟ وقال الشافعي في كتاب الام 1 : 72 : إن كان مسجدا كبيرا له مؤذنون عدد فلا بأس أن يؤذن في كل منارة له مؤذن فيسمع من يليه في وقت واحد.

وظاهر ما مر في الصحيح من انه زاد النداء الثالث هوإحداث الاذان بعد الاذان والاقامة لا الاذان قبلهما كما يأتي عن الطبراني ، ويومي اليه قول بعض شراح الحديث من أن النداء الثالث ثالث باعتبار الشرعية لكونه مزيدا على الاذان بين يدي الامام وعلى الاقامة للصلاة (1) ، نعم : قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 315 : تواردت الشراح على ان معنى قوله " الاذان الثالث " ان الاولين الاذان والاقامة ، فتسمية ما أمر به عثمان ثالثا يستدعي سبق اثنين قبله.وقال العيني في عمدته 2 : 290 : إنما اطلق الاذان على الاقامة لانها إعلام كالاذان ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : بين كل أذانين صلاة لمن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح التر مذي في هامشه 2 : 68.

 

/  ص 128  /

 

شاء (1) ، ويعني به بين الاذان والاقامة.

وعلى تقدير ايجاب كثرة الناس الزيادة في النداء يلزم كماقلنا أن يكون الاذان الزايد في أطراف البلد وأقاصيه عن المسجد ليبلغ من لا يبلغه أذان المسجد الذي كان يؤذن به على باب المسجد على العهد النبوي ودور الشيخين ، كما ورد في سنن أبي داود 1 : 171 ، لافي الزوراء التي هي دار بقرب المسجد كما في القاموس ، وتاج العروس ، سواء كانت هي دار عثمان بن عفان التي ذكرها الحموي في المعجم 4 : 412 ، وقال الطبراني : فأمر عثمان بالنداء الاول على دار له يقال لها : الزوراء فكان يؤذن له عليها (2) أو موضع عند سوق المدينة بقرب المسجد كما ذكره الحموي أيضا ، أوحجر كبير عند باب المسجد على ماجزم به ابن بطال كما في فتح الباري 2 : 315 ، وعمدة القاري 3 : 291فالنداء في الزوراء على كل حال كالنداء في باب المسجد في مدى الصوت ومبلغ الخبر ، فأي جدوى في هذه الزيادة المخالفة للسنة ؟

ثم ان كثرة الناس على فرضها في المدينة هل حصلت فجائية في السابعة من خلافة عثمان ؟ أو أن الجمعية كانت إلى التكثر منذ عادت عاصمة الخلافة الاسلامية ؟ فما ذلك الحد الذي أوجب مخالفة السنة ؟ أو إبتداع نداء ثالث ؟ وهل هذه السنة المبتدعة يجري ملاكها في العواصم والاوساط الكبيرة التي تحتوي أضعاف ماكان بالمدينة من الناس فيكرر فيها الاذان عشرات أومئات ؟ سل الخليفة وأنصاره المبررين لعمله.

على أن كثرة الناس في المدينة إن كانت هي الموجبة للنداء الثالث فلماذا أخذ فعل الخليفة أهل البلاد جمعاء وعمل به ؟ ولم يكن فيها التكثر ، وكان على الخليفة أن ينهاهم عنه وينوه بأن الزيادة على الاذان المشروع تخص بالمدينة فحسب ، أو يؤخذ بحكمها في كل بلدة كثر الناس بها.

نعم : فتح الخليفة باب الجرأة على الله فجاء بعده معاوية ومروان وزياد والحجاج ولعبوا بدين الله على حسب ميولهم وشهواتهم والبادي أظلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 8.

 (2) فتح الباري لابن حجر 2 : 315 ، عمدة القارى 3 : 291.