فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

/  ص 129  /

 

ـ 5 ـ

توسيع الخليفة المسجد الحرام

 

قال الطبري في تاريخه ج 5 : 47 في حوادث سنة 26 الهجرية : وفيها زاد عثمان في المسجد الحرام ووسعه وابتاع من قوم وأبى آخرون فهدم عليهم ووضع الاثمان في بيت المال فصاحوا بعثمان فأمر بهم الحبس وقال : أتدرون ماجرأكم علي ؟ ماجرأكم علي إلا حلمي ، قد فعل هذا بكم عمر فلم تصيحوا به.ثم كلمه فيهم عبدالله بن خالد ابن اسيد فأخرجوا.وذكره هكذا اليعقوبي في تاريخه 2 : 142 ، وابن الاثير في الكامل 3 ص 36.

وأخرج البلاذري في الانساب 5 : 38 من طريق مالك عن الزهري قال : وسع عثمان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فأنفق عليه من ماله عشرة آلاف درهم فقال الناس : يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.

قال الاميني : كأن الخليفة لم يكن يرى لليد ناموسا مطردا في الاسلام ولا للملك والمالكية قيمة ولا كرامة في الشريعة المقدسة ، وكأنه لم يقرع سمعه قول نبي العظمة صلى الله عليه وآله : لايحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه (1) م وفي لفظ الجصاص في أحكام القرآن

 

1 : 175 : إلا بطيب نفسه.وفي الشفاء للقاضي عياض ، و نيل الاوطار 4 : 182 : إلابطيبة من نفسه.وفي صحيح ابن حبان : لايحل لمسلم أن يأخذ عصاأخيه بغير طيب نفس منه. (2)

وإن من العجب العجاب ان الخليفة نفسه أدرك عهد عمر وزيادته في المسجد ، وشاهد محاكمة العباس بن عبدالمطلب وإباء‌ه عن إعطاء داره ، ورواية أبي بن كعب وأبي ذرالغفاري وغيرهما حديث بناء بيت المقدس عن داود عليه السلام ، وقدخصمه العباس بذالك ، وثبتت عند عمر السنة الشريفة فخضع لها ، كما مر تفصيله في الجزء السادس ص 262- 266 ط 2 غير ان الرجل لم يكترث لذلك كله ويخالف تلك السنة الثابتة ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذكره بهذااللفظ الحافظ ابن أبى جمرة الازدي في بهجة النفوس 2 : 134 ، وج 4 : 111.

 (2) البحر الزاخر 1 : 218.

 

/  ص 130  /

 

ثم يحتج بفعل عمر وهيبة الناس لكنه حلم فلم يهابوه ، فهدم دور الناس من دون رضاهم وسجن من حاوره أو فاوضه في ذلك ، ووضع الاثمان في بيت المال حتى قال الناس :

يوسع مسجد رسول الله ويغير سنته.

 

 

ـ 6 ـ

رأي الخليفة في متعة الحج

أخرج البخاري في الصحيح بالاسناد عن مروان بن الحكم قال : سمعت عثمان وعلي رضي الله عنهما بين مكة والمدينة وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما فلما رأى ذلك علي أهل بهما جميعا قال : لبيك عمرة وحجة معا قال : فقال عثمان : تراني أنهى الناس عن شيء وتفعله أنت ؟ قال : لم أكن لادع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس.

وفي لفظ أحمد : كنا نسير مع عثمان رضي الله عنه فاذا رجل يلبي بهما جمعا قال عثمان رضي الله عنه : من هذا ؟ فقالوا : علي.فقال : ألم تعلم أني قد نهيت عن هذا ؟ قال بلى.ولكن لم أكن لادع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقولك.

وأخرج الشيخان بالاسناد عن سعيد بن المسيب قال : اجتمع علي وعثمان رضي الله عنهما بعسفان وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال له علي : ماتريد إلى أمر فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم تنهى عنه ؟ قال : دعنامنك ، قال : إني لا أستطيع أن أدعك.فلما رأى ذلك علي أهل بهما جمعا.

وأخرج مسلم من طريق عبدالله بن شقيق قال : كان عثمان رضي الله عنه ينهى عن المتعة وكان علي رضي الله عنه يأمر بها ، فقال عثمان لعلي كلمة ، ثم قال علي : لقد علمت أنا قد تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : أجل ولكنا كنا خائفين.

راجع صحيح البخاري 3 : 69 ، 71 ، صحيح مسلم 1 : 349 ، مسند أحمد 1 : 61 ، 95 سنن النسائي 5 : 148 ، 152 ، سنن البيهقي 4 : 352 ، ج 5 : 22 ، مستدرك الحاكم 1 : 472 ، تيسير الوصول 1 : 282.

قال الاميني : لقد فصلنا القول في هذه المسألة في نوادر الاثر من الجزء السادس ص 198 130 و 213 220 ط 2 تفصيلا وذكرنا هنالك أحاديث جمة ان متعة الحج

 

/  ص 131  /

 

ثابتة بالكتاب والسنة ولم تنزل آية تنسخ متعة الحج ولم ينه عنها رسول الله صلي الله وعليه وآله وسلم حتى مات ، وإنما النهي عنها رأي رآه الخليفة الثاني كماأخرجه الشيخان وجمع من أئمة الحديث من طرقهم المتكثرة ، ولقد شاهد عثمان تلكم المواقف وما وقع فيها من الحوار وماأنكره الصحابة على من نهى عنها وكان كل حجته : إني لو رخصت في المتعة لهم لعرسوا بهن في الاراك ثم راحوا بهن حجاجا.وأنت ترى أن هذه الحجة الداحضة لم تكن إلا رأيا تافها غير مدعوم ببرهنة ، بل منقوض بالكتاب والسنة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أعرف من صاحب هذاالرأي بهذه الدقيقة التي اكتشفها بنظارته المقربة ، والله سبحانه قبله يعلم كل ذالك ، فلم ينهياعن متعة الحج بل أثبتاها.

ما العلم إلا كتاب الله والاثر * وماسوى ذالك لاعين ولا أثر

إلا هوى وخصومات ملفقة * فلا يغرنك من أربابها هدر (1)

نعم : شهد عثمان كل ذلك لكنه لم يكترث لشئ منها ، وطفق يقتص أثر من قبله ، وكان حقا عليه أن يتبع كتاب الله وسنة نبيه والحق أحق أن يتبع ، ولم يقنعه كل ذلك حتى أخذ يعاتب أميرالمؤمنين عليا عليه السلام الذي هو نفس الرسول ، وباب مدينة علمه ، وأقضى أمته وأعلمها على عدم موافقته له في رأيه المجرد الشاذ عن حكم الله ، حتى وقع الحوار بينهمافي عسفان وفي الجحفة وأمير المؤمنين عليه السلام متمتع بالحج ، وكاد من جراء ذلك يقتل علي سلام الله عليه كما مر حديثه في الجزء السادس ص 205 ط 1 و 219 ط 2.

ونحن لا ندري مغزى جواب الرجل لمولانا علي عليه السلام لما قاله : لقد علمت أنا تمتعنا مع رسول الله.من قوله : أجل ولكنا كنا خائفين.أي خوف كان في سنة حجة التمتع مع رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ وهي الحجة الوداع والنبي الاقدس كان معه مائة ألف أو يزيدون ، وأنت تجد أعلام الامة غير عارفين بهذ العذر التافه المختلق أيضا وقال إمام الحنابلة أحمد في المسند بعد ذكر الحديث : قال شعبة لقتادة : ماكان خوفهم قال : لا أدري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) البيتان للفقيه ابي زيدعلى الزبيدى المتوفي 813 ذكرهما صاحب شذرات الذهب 7 : 203.

 

/  ص 132  /

 

أنا لا أدري ، هذا مبلغ علم الخليفة ؟ أو مدى عقليته ؟ أو كمية إصراره على تنفيذ ما أراد ؟ أو حد اتباعه كتاب الله وسنة نبيه ؟ أو مقدار أمانته على ودائع الدين ؟ وهو خليفة المسلمين.فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون.

أليس من الغلو الممقوت الفاحش عند ئذ ما جاء به البلاذري في الانساب 5 : 4 من قول ابن سيرين : كان عثمان أعلمهم بالمناسك وبعده ابن عمر.

إن كان أعلم الامة هذه سيرته وهذاحديثه ؟ فعلى الاسلام السلام.

 

 

ـ 7 ـ

تعطيل الخليفة القصاص

أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب ان عبد الرحمن بن أبي بكر قال : لما قتل عمر إني مررت بالهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة وهم نجى فلما رأوني ثاروا فسقط من بيتهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه فانظروا إلى الخنجر الذي قتل به عمر فاذا هو الذي وصفه فانطلق عبيد الله بن عمر فأخذ سيفه حتى سمع ذلك من عبدالرحمن فأتى الهرمزان فقتله وقتل جفينة بنت أبي لؤلؤة صغيرة وأراد قتل كل سبي بالمدينة فمنعوه ، فلما استخلف عثمان قال له عمرو بن العالص : إن هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان فذهب دم الهرمزان هدرا.

وأخرجه الطبري في تاريخه 5 : 42 بتغيير يسير والمحب الطبري في الرياض 2.

150 ، وذكره ابن حجر في الاصابة 3 : 619 وصححه باللفظ المذكور.

وذكر البلاذري في الانساب 5 : 24 عن المدائني عن غياث بن ابراهيم : ان عثمان صعد المنبر فقال : أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إن شاء‌الله ، وقد كان من قضاء‌الله ان عبيدالله بن عمر أصاب الهرمزان وكان الهرمزان من المسلمين (1) ولا وارث له إلاا لمسلمون عامة وأنا إمامكم وقد عفوت أفتعفون ؟ قالوا : نعم.فقال علي : أقدالفاسق فانه أتى عظيما قتل مسلما بلاذنب.وقال لعبيدالله : يا فاسق  لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك بالهرمزان.

وقال اليعقوبي في تاريخه 2 : 141 أكثر الناس في دم الهرمزان وإمساك عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أسلم على يد عمر وفرض له في الفين كما في الاصابة وغيرها.

 

/  ص 133  /

 

عبيدالله بن عمر فصعد عثمان المنبر فخطب الناس ثم قال : ألا إني ولي دم الهرمزان وقد وهبته لله ولعمر وتركته لدم عمر.فقام المقداد بن عمرو فقال : إن الهرمزان مولى لله ولرسوله وليس لك أن تهب ماكان لله ولرسوله.قال : فننظر وتنظرون ، ثم أخرج عثمان عبيدالله بن عمر من المدينة إلى الكوفة وأنزل دارا له فنسب الموضع اليه " كويفة ابن عمر " فقال بعضهم.

أبا عمــرو  عبيدالله رهن * فلا تشكك بقتل الهرمزان

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 8 : 61 باسناد عن عبيدالله بن عبيد بن عمير قال : لما طعن عمر رضي الله عنه وثب عبيدالله بن عمر على الهرمزان فقتله فقيل لعمر : إن عبيدالله بن عمر قتل الهرمزان.قال ولم قتله ؟ قال : إنه قتل أبي.قيل : وكيف ذالك ؟

قال : رأيته قبل ذلك مستخليا بأبي لؤلؤة وهو أمره بقتل أبي.وقال عمر : ماأدري ماهذا انظروا إذا أنا مت فاسألوا عبيدالله البينة على الهرمزان ، هو قتلني ؟ فان أقام البينة فدمه بدمي ، وإن لم يقم البينة فأقيدوا عبيدالله من الهرمزان.

فلما ولي عثمان رضي الله عنه قيل له : ألا تمضي وصية عمر رضي الله عنه في عبيدالله ؟ قال : ومن ولي الهرمزان ؟ قالوا : أنت ياأمير المؤمنين  فقال : قد عفوت عن عبيدالله بن عمر.

وفي طبقات ابن سعد 5 : 8 10 ط ليدن : انطلق عبيدالله فقتل ابنة أبي لؤلؤة وكانت تدعي الاسلام ، وأراد عبيد الله الا يترك سبيا بالمدينة يومئذ إلا قتله فاجتمع المهاجرون الاولون فأعظموا ماصنع عبيدالله من قبل هؤلاء واشتدوا عليه وزجروه عن السبي فقال : والله لاقتلنهم وغيرهم.يعرض ببعض المهاجرين ، فلم يزل عمرو ابن العاص يرفق به حتى دفع اليه سيفه فأتاه سعد فأخذ كل واحد منهما برأس صاحبه يتناصيان ، حتى حجز بينهما الناس ، فأقبل عثمان وذلك في الثلاثة الايام الشورى قبل أن يبايع له ، حتى أخذ برأس عبيدالله بن عمر وأخذ عبيد الله برأسه ثم حجز بينهما وأظلمت الارض يومئذ على الناس ، فعظم ذلك في صدور الناس وأشفقواأن تكون عقوبة حين قتل عبيد الله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة.

وعن أبي وجزة عن أبيه قال : رأيت عبيدالله يومئذ وانه ليناصي عثمان وان عثمان

ليقول : قاتلك الله قتلت رجلا يصلي وصبية صغيرة ، وآخر من ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

/  ص 134  /

 

ما في الحق تركك.قال : فعجبت لعثمان حين ولي كيف تركه ؟ ولكن عرفت ان عمروبن العاص كان دخل في ذلك فلفته عن رأيه.

وعن عمران بن مناح قال جعل سعدبن أبي وقاص يناصي عبيدالله بن عمر حيث قتل الهرمزان وابنة أبي لؤلؤة ، وجعل سعد يقول وهو يناصيه :

لا أســـد إلا أنـــت تنهــــت واحـــــدا * وغالت أسودالارض عنك الغوائل (1)

فقال عبيدالله :

تعلــــم أنــــي لحــــم ما لا تسيغـــــه * فكل من خشاش الارض ماكنت آكلا

فجاء عمرو بن العاص فلم يزل يكلم عبيدالله ، ويرفق به حتى أخذ سيفه منه ، وحبس في السجن حتى أطلقه عثمان حين ولي.

عن محمودبن لبيد : كنت أحسب إن عثمان إن ولي سيقتل عبيدالله لما كنت أراه صنع به ، كان هو وسعد أشد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه.

وعن المطلب بن عبدالله قال : قال علي لعبيد الله بن عمر : ماذنب بنت أبي لؤلؤة حين قتلتها ؟ قال : فكان رأي علي حين استشاره عثمان ورأي الاكابر من أصحاب رسول الله على قتله ، لكن عمروبن العاص كلم عثمان حتى تركه ، فكان علي يقول : لوقدرت على عبيدالله بن عمر ولي سلطان لاقتصصت منه.

وعن الزهري : لما استخلف عثمان دعا المهاجرين والانصار فقال : أشيروا علي في قتل هذا الذي فتق في الدين مافتق.فاجمع رأي المهاجرين والانصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله وقال : جل الناس : أبعد الله الهرمزان وجفينة يريدون يتبعون عبيدالله أباه.فكثر ذلك القول ، فقال عمرو بن العاص : ياأمير المؤمنين  إن هذا الامرقد كان قبل أن يكون لك سلطان على الناس فاعرض عنه ، فتفرق الناس عن كلام عمرو بن العاص.

وعن ابن جريج : ان عثمان استشار المسلمين فاجمعوا على ديتها ، ولا يقتل بهما عبيدالله بن عمر ، وكانا قد أسلما ، وفرض لهما عمر ، وكان علي بن أبي طالب لما بويع له أراد قتل عبيدالله بن عمر ، فهرب منه إلى معاوية بن أبي سفيان ، فلم يزل معه فقتل بصفين (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الشعر لكلاب بن علاط اخى الحجاج بن علاط.

 (2) حذفنا أسانيد هذه الاحاديث روما للاختصار وهي كلها مستندة.

 

/  ص 135  /

 

وذكر الطبري في تاريخه 5 : 41 قال : جلس عثمان في جانب المسجد لما بويع ودعا عبيد الله بن عمر ، وكان محبوسا في دار سعدبن أبي وقاص ، وهو الذي نزع السيف من يده بعد قتله جفينة والهرمزان وابنة أبي لؤلؤة ، وكان يقول : والله لاقتلن رجالا ممن شرك في دم أبي.يعرض بالمهاجرين والانصار فقام إليه سعد فنزع السيف من يده ، وجذب شعره حتى أضجعه إلى الارض وحبسه في داره حتى أخرجه عثمان إليه فقال عثمان لجماعة من المهاجرين والانصار : أشيروا علي في هذا الذي فتق في الاسلام ما فتق ، فقال علي : أرى أن تقتله.فقال بعض المهاجرين : قتل عمر أمس ويقتل ابنه اليوم ؟

فقال عمروبن العاص : ياأمير المؤمنين  إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان ، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك ، قال عثمان : أنا وليهم وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي ، قال : وكان رجل من الانصار يقال له : زيادبن لبيد البياضي إذا رأى عبيد الله بن عمر قال :

ألا يــــا عبيــــد الله  ما لـك مهرب * ولاملجأمن ابن أروى (1) ولاحفر

أصبــــت دمــــا والله فـي غير حله * حــــراما وقتــل الهرمزان له خطر

على غيـر شيء غير أن قال قائل * أتتهمون الهرمــــزان علـى عمر ؟

فقال سفيــــه والحــــوادث جمة : * نعــــم اتهمــــه قــــد أشار وقد أمر

وكان ســـلاح العبد في جوف بيته * يقلبهــــا والامــــر بالامــــر يعتـــبر

قال : فشكا عبيد الله بن عمر إلى عثمان زيادبن لبيد وشعره فدعا عثمان زيادبن لبيد فنهاه قال : فأنشأ زياد يقول في عثمان :

أبا عمــــرو عبــيدالله رهن * فلا تشكــك بقتل الهرمزان

فانك إن غفرت الجرم عنه * وأسباب الخطا فرسا رهان

أتعفو ؟ إذ عفوت بغير حق * فمــــا لـك بالذي تحكي بدان

فدعا عثمان زياد بن لبيد فنهاه وشذ به. وذكره ابن الاثير في الكامل 5 : 31.

قال الاميني : الذي يعطيه الاخذ بمجامع هذه النقول أن الخليفة لم يقد عبيد

الله قاتل الهرمزان وجفينة وإبنة أبي لؤلؤة الصغيرة ، مع إصرار غير واحد من الصحابة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أروى بنت كريز أم عثمان كمامر في 120.

 

/  ص 136  /

 

على القصاص ، ووافقه على ذلك مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام ، لكنه قدم على رأيه الموافق للكتاب والسنة ، وهو أقضى الامة بنص النبي الامين وعلى آراء الصحابة إشارة عمروابن العاصي ابن النابغة المترجم في الجزء الثاني صفحة 120 176 ط 2 بترجمة ضافية تعلمك حسبه ونسبه وعلمه ودينه حيث قال له : إن هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان.. الخ.على حين ان من كانت له السلطة عندئذ وهو الخليفة المقتول في آخر رمق من حياته حكم بأن يقتص من إبنه إن لم يقم البينة العادلة بأن هرمزان قتل أباه ، ومن الواضح انه لم يقمها ، فلم يزل عبيدالله رهن هذا الحكم حتى أطلق سراحه ، وكان عليه مع ذلك دم جفينة وإبنة أبي لؤلؤة.

وهل يشترط ناموس الاسلام للخليفة في اجرائه حدودالله وقوع الحوادث عند سلطانه ؟ حتى يصاخ إلى ماجاء‌به ابن النابغة ، وان صحت الاحلام ؟ فاستيهاب الخليفة لما ذا ؟ وهب ان خليفة الوقت له أن يهب أو يستوهب المسلمين حيث لايوجد ولي للمقتول ، ولكن هل له إلغاء الحكم النافذ من الخليفة قبله ؟ وهل للمسلمين الذين استوهبهم فوهبوا مالا يملكون رد ذلك الحكم البات ؟ وعلى تقدير أن يكون لهم ذلك فهل هبة أفراد منهم وافية لسقوط القصاص ، أو يجب أن يوافقهم عليها عامة المسلمين ؟

وأنت ترى ان في المسلمين من ينقم ذلك الاسقاط وينقد من فعله ، حتى ان عثمان لما رأى المسلمين انهم قد أبوا إلا قتل عبيد الله أمره فارتحل إلى الكوفة وأقطعه بها دارا وأرضا ، وهي التي يقال لها : كويفة ابن عمر ، فعظم ذلك عند المسلمين وأكبروه وكثر كلامهم فيه. (1)

وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو سيد الامة وأعلمها بالحدود والاحكام يكاشف عبيد الله ويهدده بالقتل على جريمته متى ظفر به ، ولما ولي الامر تطلبه ليقتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ، وقتل بصفين ، كما في " الكامل " لابن الاثير 3 : 32 ، وفي " الاستيعاب " لابن عبدالبر : انه قتل الهرمزان بعد أن أسلم وعفا عنه عثمان ، فلما ولي علي خشي على نفسه فهر ب إلى معاوية فقتل بصفين ، وفي مروج الذهب 2 : 24 : ان عليا ضربه فقطع ما عليه من الحديد حتى خالط سيفه حشوة جوفه ، وان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع مامرفى ص 133 ، ومعجم البلدان 7 : 307.

 

/  ص 137  /

 

عليا قال حين هرب فيطلبه ليقيد منه بالهرمزان : لئن فاتني في هذااليوم ، لايفوتني في غيره.

هذه كلها تنم عن ان أميرالمؤمنين عليه السلام كان مستمرا على عدم العفو عنه ، و انه لم يكن هناك حكم نافذ بالعفو يتبع ، وإلا لما طلبه ولا تحرى قتله ، وقد ذكره بذلك يوم صفين لما برز عبيدالله أمام الناس فناداه علي : ويحك ياابن عمر  علام تقاتلني ؟ والله لو كان أبوك حيا ماقاتلني.قال : اطلب بدم عثمان.قال أنت تطلب بدم عثمان ، والله يطلبك بدم الهرمزان ، وأمر على الاشتر النخعي بالخروج اليه. (1)

إلى هنا انقطع المعاذير في ابقاء عبيدالله والعفو عنه ، لكن قاضي القضاة اطلع رأسه من ممكن التمويه ، فعزى إلى شيخه أبي علي انه قال (2) : انما أراد عثمان بالعفو عنه ما يعود إلى عز الدين ، لانه خاف أن يبلغ العدو قتله فيقال : قتلوا إمامهم ، و قتلوا ولده ، ولا يعرفون الحال في ذلك فيكون فيه شماتة.اه‍.

أولاتسائل هذا الرجل ؟ عن أي شماتة تتوجه إلى المسلمين في تنفيذهم حكم شرعهم وإجرائهم قضاء الخليفة الماضي في إبنه الفاسق قاتل الابرياء ، وانهم لم تأخذهم عليه رأفة في دين الله لتعديه حدوده سبحانه ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ، ولم يكترثوا لانه في الامس اصيب بقتل أبيه واليوم يقتل هو فتشتبك المصيبتان على أهله ، هذا هو الفخر المرموق اليه في باب الاديان لانه منبعث عن صلابة في إيمان ، و نفوذ في البصيرة ، وتنمر في ذات الله ، وتحفظ على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ؟ و أخذ بمجاميع الدين الحنيف ، فأي أمة هي هكذا لا تنعقد عليها جمل الثناء ولا تفد اليها ألفاظ المدح والاطراء ؟ وإنما الشماتة في التهاون بالاحكام ، وإضاعة الحدود بالتافهات ، واتباع الهوى والشهوات ، لكن الشيخ أباعلي راقه أن يكون له حظا من الدفاع فدافع.

ثم إن ماارتكبه الخليفة خلق لمن يحتذي مثاله مشكلة ارتبكوا في التأول في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مروج الذهب 2 : 12.

 (2) راجع شرح ابن أبى الحديد 1 : 242.

 

/  ص 138  /

 

تبرير عمله الشاذ عن الكتاب والسنة.فمن زاعم انه عفى عنه ولولي الامر ذلك . و هم يقولون : إن الامام له أن يصالح على الدية إلا انه لايملك العفو ، لان القصاص حق المسلمين بدليل ان ميراثه لهم وإنما الامام نائب عنهم في الاقامة وفي العفو إسقاط حقهم أصلا ورأسا وهذا لايجوز ، ولهذا لايملكه الاب والجد وإن كانا يملكان استيفاء القصاص وله أن يصلح على الدية (1) .

وثان يحسب انه استعفى المسلمين مع ذلك وأجابوه إلى طلبته وهم أولياء المقتول إذلا ولي له.ونحن لاندري أنهم هل فحصوا عن وليه في بلاد فارس ؟ والرجل فارسي هو وأهله ، أو انهم إكتفوا بالحكم بالعدم ؟ لانهم لم يشاهدوه بالمدينة ، وهو غريب فيها ليس له أهل ولا ذووا قرابة ، أو أنهم حكموا بذلك من تلقاء أنفسهم ؟ وماكان يضر هم لو أرجعوا الامر إلى أولياء‌ه في بلاده فيؤمنوهم حتى يأتوا إلى صاحب ترتهم فيقتصوا منه أو يعفوا عنه ؟.

ثم متى أجاب المسلمون إلى طلبة عثمان ؟ وسيدهم يقول : أقدالفاسق فانه أتى عظيما.وقد حكم خليفة الوقت قبله بالقصاص منه ، ولم يكن في مجتمع الاسلام من يدافع عنه ويعفو إلا ابن النابغة ، وقد مر عن ابن سعد قول الزهري من انه أجمع رأي المهاجرين والانصار على كلمة واحدة يشجعون عثمان على قتله.

وثالث يتفلسف بما سمعته عن الشيخ أبي علي ، وهل يتفلسف بتلك الشماتة والوصمة والمسبة على بني امية في قتلهم من العترة الطاهرة والدا وماولد وذبحهم في يوم واحد منهم رضيعا ويافعا وكهلا وشيخا سيد شباب أهل الجنة ؟.

وهناك من يصوغ لهرمزان وليا يسميه " القماذبان " ويحسب انه عفى بالحاح من المسلمين أخرج الطبري في تاريخه 5 : 43 عن السري وقد كتب اليه شعيب عن سيف بن عمر عن أبي منصور قال سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال : كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض فمر فيروز بأبي ومعه خنجرله رأسان فتناوله منه و قال : ماتصنع في هذه البلاد ؟ فقال : أبس به.فرآه رجل فلما أصيب عمر قال : رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز ، فاقبل عبيدالله فقتله فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بدايع الصنايع لملك العلماء الحنفي 7 : 245.

 

/  ص 139  /

 

منه ثم قال : يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به منا فاذهب فاقتله.فخرجت به وما في الارض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه فقلت لهم : ألي أقتله ؟ قالوا : نعم.وسبوا عبيد الله ، فقلت : أفلكم أن تمنعوه ؟ قالوا : لا ، وسبوه.فتركته لله ولهم فاحتملوني ، فوالله مابلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم.

ولو كان هذا الولي المزعوم موجودا عند ذاك فما معنى قول عثمان في الصحيح المذكور على صهوة المنبر : لاوارث له إلا المسلمون عامة وأنا إمامكم ؟ وماقوله الآخر في حديث الطبري نفسه : أنا وليهم وقد جعلته دية واحتملتها في مالي ؟ ولو كان يعلم بمكان هذا الوارث فلم حول القصاصا إلى الدية قبل مراجعته ؟ ثم لما حوله فلم لم يدفع الدية إليه واحتملها في ماله ؟ ثم أين صارت الدية وما فعل بها ؟ أنا لا أدري.

ولوكان المسلمون يعترفون بوجود القماذبان وما في الارض أحد إلا معه وهو الذي عفى عن قاتل أبيه فما معنى قول الخليفة : وقد عفوت ، أفتعفون ؟ وقوله في حديث البيهقي :

قد عفوت عن عبيدالله بن عمر ؟ وما معنى استيهاب خليفة المسلمين وولي المقتول حي يرزق ؟ وما معنى مبادرة المسلمين إلى موافقته في العفو والهبة ؟ ومامعنى تشديد مولانا أميرالمؤمنين في النكير على من تماهل في القصاص ؟ وما معنى قوله عليه السلام لعبيد الله يافاسق  لئن ظفرت بك يوما لاقتلنك بالهرمزان ؟ ومامعنى تطلبه لعبيدالله ليقتله أبان خلافته ؟ وما معنى هربه من المدينة إلى الشام خوفا من اميرالمؤمنين ؟

ومامعنى قول عمرو بن العاصي لعثمان : ان هذا الامر كان وليس لك على الناس سلطان ؟

وما معنى قول سعيد بن المسيب : فذهب دم الهرمزان هدرا ؟

وما معنى قول لبيد بن زياد وهو يخاطب عثمان.أتعفو إذ عفوت بغير حق.الخ ؟.

وما معنى مارواه ملك العلماء الحنفي في بدائع الصنائع 7 : 245 وجعله مدرك الفتوى في الشريعة ؟ قال : روي انه لما قتل سيد نا عمر رضي الله عنه خرج الهرمزان والخنجر في يده فظن عبيدالله ان هذا هوالذي  قتل سيدنا عمر رضي الله عنه فقتله فرفع ذلك إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال سيدنا علي رضي الله عنه لسيدنا عثمان : اقتل عبيد الله.فامتنع سيدنا عثمان رضي الله عنه و قال : كيف أقتل رجلا قتل أبوه أمس ؟ لا أفعل ، ولكن هذارجل من أهل الارض و أنا وليه أعفو عنه وأودي ديته.

 

/  ص 140  /

 

وما معنى قول الشيخ أبي علي ؟ : انه لم يكن للهرمزان ولي يطلب بدمه والامام ولي من لا ولي له ، وللولي أن يعفو.

ولبعض ماذكر زيفه ابن الاثير في الكامل 3 : 32 فقال : الاول أصح في اطلاق عبيد الله لان عليا لما ولي الخلافة أراد قتله فهرب منه إلى معاوية بالشام ، ولوكان اطلاقه بأمرولي الدم لم يتعرض له علي.اه‍.

وقبل هذه كلها ما في اسناد الرواية من الغمز والعلة ، كتبها إلى الطبري السري ابن يحيى الذي لا يوجد بهذه النسبة له ذكر قط ، غير ان النسائي أورد عنه حديثا لسيف بن عمر فقال : لعل البلاء من السري (1) وابن حجر يراه السري بن اسماعيل الهمداني الكوفي الذي كذبه يحيى بن سعيد وضعفه غيرواحد من الحفاظ ، ونحن نراه السري بن عاصم الهمداني نزيل بغداد المتوفي 258 ، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطرا من حياته يربو على ثلاثين سنة ، كذبه ابن خراش ، ووهاه ابن عدي ، وقال : يسرق الحديث وزاد ابن حبان : ويرفع الموقوفات لايحل الاحتجاج به ، وقال النقاش في حديث : وضعه السري (2) فهو مشترك بين كذابين لايهمنا تعيين احدهما.

والتسمية بابن يحيى محمولة على النسبة إلى أحد أجداده كماذكره ابن حجر في تسميته بابن سهل (3) هذاان لم تكن تدليسا ، ولا يحسب القارئ انه السري بن يحيى الثقة لقدم زمانه وقد توفي سنة 167 (4) قبل ولادة الطبري الراوي عنه المولود سنة 224 بسبع وخمسين سنة.

وفي الاسناد شعيب بن ابراهيم الكوفي المجهول ، قال ابن عدي : ليس بالمعروف وقال الذهبي: راوية كتب سيف عنه فيه جهالة (5) وفيه سيف بن عمر التميمي راوي الموضوعات ، المتروك ، الساقط ، المتسالم على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تهذيب التهذيب 3 : 460.

 (2) تاريخ الخطيب 9 : 193 ، ميزان الاعتدال 1 : 380 ، لسان الميزان 3 : 13 ، وما مر في ج 5 : 231 ط 2.

 (3) لسان الميزان 3 : 13.

 (4) تهذيب التهذيب 3 : 461.

 (5) ميزان الاعتدال 1 : 448 ، لسان الميزان 3 : 145.

 

 

/  ص 141  /

 

ضعفه : المتهم بالزندقة ، كمامرت ترجمته في صفحة 84.وقد مر عن السيوطي انه ذكر حديثا بهذا الطريق وقال : موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف بن عمر.

وفيه أبومنصور ، مشترك بين عدة ضعفاء لا يعول عليهم ولا على روايتهم.

 

 

(عذر مفتعل)

ان المحب الطبري أعماه الحب وأصمه فجاء بعذر مفتعل غير ماذكر قال في رياض النضرة

2 : 150 : عنه جوابان : الاول ان الهرمزان شارك أبا لؤلؤة في ذلك وملاه ، وإن كان المباشر أبولؤلؤة وحده لكن المعين على قتل الامام العادل يباح قتله عند جماعة من الائمة ، وقد أوجب كثير عن الفقهاء القود على الآمر والمأمور وبهذا اعتذر عبيدالله بن عمر وقال : إن عبدالرحمن بن أبي بكر أخبره انه رأى أبا لؤلؤة و الهرمزان وجفينة يدخلون في مكان ويتشاورون وبينهم خنجر له رأسان مقبضه في وسطه فقتل عمر في صبيحة تلك فاستدعى عثمان عبدالرحمن فسأله عن ذلك فقال : انظروا إلى السكين فان كانت ذات طرفين فلا أرى القوم إلا وقد اجتمعوا على قتله.فنظروا اليها فوجدوها كما وصف عبدالرحمن ، فلذلك ترك عثمان قتل عبيدالله بن عمر لرؤيته عدم وجود القود لذلك ، أولتردده فيه فلم يرالوجوب للشك.

والجواب الثاني : ان عثمان خاف من قتله ثوران فتنة عظيمة لانه كان بنوتيم وبنو عدي مانعون من قتله ، ودافعون عنه ، وكان بنوأمية أيضا جانحون اليه ، حتى قال له عمروبن العاص : قتل أمير المؤمنين عمر بالامس ، ويقتل ابنه اليوم ؟ لا والله لا يكون هذا أبدا ، ومال في بني جمح ، فلمارأى عثمان ذلك اغتنم تسكين الفتنة وقال : أمره إلي وسأرضي أهل الهرمزان منه.

قال الاميني : إن إثبات مشاركة هرمزان أبالؤلؤة في قتل الخليفة على سبيل البت لمحض ما قاله عبدالرحمن بن أبوبكر من انه رآهما متناجيين وعند أبي لؤلؤة خنجر له رأسان دونه خرط القتاد ، فان من المحتمل انهما كانا يتشاوران في أمر آخر بينهما ، أو أن أبالؤلؤة استشاره فيما يريد أن يرتكب فنهاه عنه الهرمزان ، لكنه لم يصغ إلى قيله فوقع القتل غدا ، إلى أمثال هذين من المحتملات ، فكيف يلزم الهرمزان

 

/  ص 142  /

 

 والحدود تدرأ بالشبهات ؟ (1) .

هب ان عبدالرحمن شهد بتلك المشاركة ، وأدعى انه شاهد الوقفة بعينه ، فهل يقتل مسلم بشهادة رجل واحد في دين الله ؟ ولم تعقد البينة الشرعية مصافقة لتلك الدعوى ، ولهذا لما أنهيب القضية من اختلاء الهرمزان بأبي لؤلؤة إلى آخرها إلى عمر نفسه قال : ماأدري هذا انظروا إذا أنامت فاسألوا عبيد الله البينة على الهرمزان ، هو قتلني ؟ فان أقام البينة فدمه بدمي ، وإذا لم يقم البينة فأقيدوا عبيد الله من الهرمزان.

وهب أن البينة قامت عند عبيد الله على المشاركة ، فهل له أن يستقل بالقصاص ؟

أو انه يجب عليه أن يرفع أمره إلى أولياء الدم ؟ لاحتمال العفو في بقية الورثة مضافا إلى القول بأنه من وظائف السلطان أو نائبه ، وعلى هذا الاخير الفتوى المطردة بين العلماء. (2)

على انه لو كانت لعبيدالله أو لمن عطل القصاص منه معذرة كهذه لابدياها أمام الملا المنتقد ، ولما قال مولانا أمير المؤمنين اقتل هذا الفاسق ، ولما تهدده بالقتل متى ظفربه ، ولما طلبه ليقتله أبان خلافته ، ولما هرب عنه عبيد الله إلى معاوية ، ولما اقتصر عثمان بالعذر بأنه ولي الدم ، وان المسلمين كلهم أولياء المقتول ، ولما وهبه واستوهب المسلمين ، ولما كان يقع الحوار بين الصحابة الحضور في نفس المسألة ، ولما قام اليه سعد بن أبي وقاص وانتزع السيف من يده وجزه من شعره حتى أضجعه وحبسه في داره.

وهب إنه تمت لعبيد الله هذه المعذرة فبما ذاكان اعتذاره في قتل بنت أبي لؤلؤة المسكينة الصغيرة ، وتهديده الموالي كلهم بالقتل ؟

أنا لاأدري من أين جاء المحب بهذا التاريخ الغريب من نهضة تيم وعدي ومنعهم من قتل عبيد الله ، وجنوح الامويين اليهم بصورة عامة ؟ حتى يخافهم الخليفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن ابن ماجة 2 : 112 ، سنن البيهقي 8 : 238 ، سنن الترمذي 2 : 171 ، أحكام القرآن للجصاص 3 : 330 ، تيسير الوصول 2 : 20.

 (2) كتاب الام للشافعي 6 : 11 ، المدونة الكبرى 4 : 502 ، فيض الاله المالك للبقاعي  2 : 286.

 

/  ص 143  /

 

الجديد.وأي خليفة هذا يستولي عليه الفرق من أول يومه ؟ فاذا تبينت عليه هذه الضؤلة في مفتتح خلافته ، فبأي هيبة يسوس المجتمع بعده ؟ ويقتص القاتل ، ويقيم الحدود ، ولكل مقتص منه أو محدود قبيلة تغضب له ، ولها أحلاف يكونون عند مرضاتها.

ليس في كتب التاريخ والحديث أي أثر مما ادعاه المحب المعتذر ، وإلا لكان سعدبن أبي وقاص أولى بالخشية يوم قام إلى عبيد الله وجز شعره ، وحبسه في داره ، ولم ير أي تيمي طرق باب سعيد ، ولا عدوي أنكر عليه ، ولا أموي أظهر مقته على ذلك ، لكن المحب يريد أن يستفزهم وهم رمم بالية.

ثم لو كان عند من ذكرهم جنوح إلى تعطيل هذاالحكم الالهي حتى أوجب ذلك حذار الخليفة من بوادرهم ؟ فانه معصية تنافي عدالة الصحابة ، وقد أطبق القوم على عدالتهم.ولو كان الخليفة يروعه إنكار المنكرين على مايريد أن يرتكب ؟ فلما ذا لم يرعه إنكار الصحابة على الاحداث في أخرياته ؟ حتى أودت به ، أكان هيابا ثم تشجع ؟ سل عنه المحب الطبري.

 

 

ـ 8 ـ

رأي الخليفة في الجنابة

أخرج مسلم في الصحيح بالاسناد عن عطاء بن يسار : ان زيدبن خالد الجهني أخبره أنه سأل عثمان بن عفان قال : قلت أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن ؟ قال عثمان : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره. قال عثمان : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. (1)

وأخرجه البخاري في صحيحه ، وزاد عليه ولفظه : سئل عثمان بن عفان عن الرجل يجامع فلا ينزل فقال : ليس عليه غسل ، ثم قال : سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فسألت بعد ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن عوام وطلحة بن عبيد الله وأبي ابن كعب فقالوا : مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرجه بطريق آخر وفيه : فأمروه بذلك بدل قوله : " فقالوامثل ذلك عن النبي ". (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح مسلم 1 : 142.

 (2) صحيح البخاري 1 : 109.

 

/  ص 144  /

 

وأخرجه أحمد في مسنده 1 : 63 ، 64 وفيه : فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، والزبير العوام وطلحة بن عبيدالله ، وابي بن كعب فأمروه بذلك ، فليس في لفظه " عن رسول الله " وبالالفاظ الثلاثة ذكره البيهقي في السنن الكبرى 1 : 164 ، 165.

قال الاميني : هذا مبلغ فقه الخليفة أبان خلافته وبين يديه قوله تعالى : " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ، ولا جنبا إلا عابري السبيل حتى تغتسلوا " " النساء 43 "

قال الشافعي في كتاب الام 1 : 31 : فأوجب الله عزوجل الغسل من الجنابة فكان معروفا في لسان العرب ان الجنابة الجماع وإن لم يكن مع الجماع ماء دافق ، وكذلك ذلك في حد الزنا وايجاب المهر وغيره ، وكل من خوطب بأن فلانا أجنب من فلانة عقل انه أصابها وإن لم يكن مقترفا ، قال الربيع يريد انه لم ينزل ودلت السنة على أن الجنابة أن يفضي الرجل من المرأة حتى يغيب فرجه في فرجها إلى أن يواري حشفته ، أو أن يرى الماء الدافق ، وإن لم يكن جماع.اه‍.

وقال في اختلاف الحديث في هامش كتاب الام 1 : 34 : فكان الذي يعرفه من خوطب بالجنابة من العرب انها الجماع دون الانزال ، ولم تختلف العامة ان الزنا الذي يجب به الحد : الجماع دون الانزال ، وأن من غابت حشفته في فرج امرأة وجب عليه الحد ، وكان الذي يشبه ان الحد لا يجب إلا على من أجنب من حرام.اه‍.

وفي تفسير القرطبي 5 : 204 : الجنابة : مخالطة الرجل المرأة.والجمهور من الامة على ان الجنب هوغير الطاهر من إنزال أو مجاوزة ختان.اه‍.

ثم كيف عزب عن الخليفة حكم المسألة ، وقد مرنته الاسؤلة ، وعلمته الجوابات النبوية ، وبمسمع منه مذاكرات الصحابة لما وعوه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وإليك جملة منها :

1- عن أبي هريرة مرفوعا : إذا قعد بين شعبها الاربع والزق الختان بالختان قفد وجب الغسل.

وفي لفظ : إذا قعد بين شعبها الاربع ، ثم أجهد نفسه ، فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.

 

/  ص 145  /

 

وفي لفظ ثالث : إذاالتقى الختان بالختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل.

وفي لفظ أحمد : إذا جلس بين شعبها الاربع ، ثم جهد ، فقد وجب الغسل.

صحيح البخاري 1 : 108 ، صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن الدارمي 1 : 194 ، سنن البيهقي 1 : 163 ، مسند أحمد 2 : 234 ، 347 ، 393 ، المحلى لابن حزم 2 : 3 ، مصابيح السنة 1 : 30 ، الاعتبار لابن حازم ص 30 ، تفسير القرطبي 5 : 200 ، تفسير الخازن 1 : 375.

2- عن أبي موسى انهم كانوا جلوسا فذكروا مايوجب الغسل ، فقال من  حضره من المهاجرين : إذا مس الختان الختان وجب الغسل.وقال من حضره من الانصار : لا حتى يدفق.فقال أبوموسى : أنا آتي بالخبر ، فقام إلى عائشة فسلم ثم قال : إني أريد أن اسألك عن شيء وأنا أستحييك ، فقالت : لا تستحي أن تسألني عن شيء كنت سائلا عنه امك التي ولدتك إنما أنا أمك قال قلت : مايوجب الغسل ؟

قالت : على الخبير سقطت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا جلس بين شعبها الاربع ومس الختان بالختان وجب الغسل.

صحيح مسلم 1 : 143 ، مسند احمد 6 : 116 ، الموطأ لمالك 1 : 51 ، كتاب الام للشافعي 1 : 31 ، 33 ، سنن البيهقي 1 : 164 ، المحلى لابن حزم 2 : 2 ، المصابيح للبغوي 1 : 32 ، سنن النسائي ، وصححه ابن حبان ، وابن القطان ، الاعتبار لابن حازم ص 30.

3- عن أم كلثوم عن عائشة : ان رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : عن الرجل يجامع أهله يكسل هل عليه من غسل ؟ وعائشة جالسة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لافعل ذلك أنا وهذه نغتسل.صحيح مسلم 1 : 143 ، سنن البيهقي 1 : 164 ، المدونة الكبرى 1 : 34.

4- عن الزهري : ان رجالا من الانصار فيهم أبوأيوب وأبوسعيد الخدري كانوا يفتون : الماء من الماء ، وانه ليس على من أتى امرأته فلم ينزل غسل ، فلما ذكر ذلك لعمر ، وابن عمر ، وعائشة أنكروا ذلك ، وقالوا : إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل.

 

 

/  ص 146  /

 

صحيح الترمذي 1 : 16 ، وصححه فقال : وهو قول أكثرأهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سنن البيهقي 1 : 165.

5- عن عائشة قالت : إذاالتقى الختانان فقد وجب الغسل ، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا.

وفي لفظ : إذا قعد بين الشعب الاربع ، ثم ألزق الختان بالختان فقد وجب الغسل.سنن ابن ماجة 1 : 211 ، مسند أحمد 6 : 47 ، 112 ، 161.

6- عن عمرو بن شعيب بن عبدالله بن عمروبن العاصي عن أبيه مرفوعا عن جده إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب الغسل.وزاد في المدونة : أنزل أولم ينزل.

سنن ابن ماجة 1 : 212 ، المدونة الكبرى 1 : 34 ، مسند أحمد 2 : 178 ، وأخرجه ابن أبي شيبة كما في نيل الاوطار 1 : 278.

وكأن الخليفة كان بمنتأى عن هذه الاحاديث فلم يسمعها ولم يعها ، أو أنه سمعها لكنه ارتأى فيها رأيا تجاه السنة المحققة ، أو انه أدرك من أوليات الاسلام ظرفا لم يشرع فيه حكم الغسل وهو المراد مما زعم انه سمعه من رسول الله فحسب انه مستصحب إلى آخر الابد حيث لم يتحر التعلم ، ولم يصخ إلى المحاورات الفقهية حتى يقف على تشريع الحكم إلى أن تقلد الخلافة على من يعلم الحكم وعلى من لايعلمه ، فألهته عن الاخذ والتعلم ، ثم إذا لم يجد منتدحا عن الفتيا في مقام السؤال فأجاب بما ارتآه أو بما علق على خاطره منذ دهرطويل قبل تشريع الحكم.

أو انه كان سمع حكما منسوخا وعزب عنه ناسخه بزعم من يرى ان قوله صلى الله عليه وآله الماء من الماء (1) وما يشابهه في المعنى من قوله : إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك وعليك الوضوء (2) قد نسخ بتشريع الغسل إن كان الاجتزاء بالوضوء فحسب حكما لموضوع المسألة ، وكان قوله صلى الله عليه وآله : الماء من الماء واردا في الجماع.وأما على ما ذهب إليه ابن عباس من انه ليس منسوخا بل المراد به نفي وجوب الغسل بالرؤية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح مسلم 1 : 141 ، 142 ، سنن ابن ماجة 1 : 211 ، سنن البيهقي 1 : 167.

 (2) صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن ابن ماجة 1 : 211.

 

 

/  ص 147  /

 

في النوم إذالم يوجد احتلام (1) كما هو صريح قوله صلى الله عليه وآله : إن رأى أحتلاما ولم ير بللا فلا غسل عليه (2) فمورد سقوط الغسل أجنبي عن المسألة هذه فلا ناسخ ولا منسوخ.

قال القسطلاني في ارشاد السارى 1 : 331 ، والنووي في شرح مسلم هامش الارشاد

2 : 426: الجمهور من الصحابة ومن بعدهم قالوا : انه منسوخ ويعنون بالنسخ ان الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا ثم صار واجبا ، وذهب ابن عباس وغيره إلى انه ليس منسوخا بل المراد نفي وجوب الغسل بالرؤية في النوم إذالم ينزل ، وهذا الحكم باق بلاشك.اه‍.

وأما مامر في روايات أول العنوان من موافقة مولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وأبي بن كعب وآخرين لعثمان في الفتيا ، فمكذوب عليهم سترا على عوارجهل الخليفة بالحكم في مسألة سمحة سهلة كهذه ، أما الامام عليه السلام فقد مر في الجزء السادس 244 (3) رده على الخليفة الثاني في نفس المسألة وقوله : إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.فأرسل عمر إلى عائشة فقالت : مثل قول علي عليه السلام فأخبت إليه الخليفة فقال : لا يبلغني أن أحدا فعله ولا يغسل إلا أنهتكه عقوبة.

وقد علم يوم ذاك حكم المسألة كل جاهل به ورفع الخلاف فيها قال القرطبي في تفسيره

5 : 205 : على هذا جماعة العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الامصار وان الغسل يجب بنفس التقاء الختانين وقد كان فيه خلاف بين الصحابة ثم رجعوا فيه إلى رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم.أترى عليا عليه السلام وافق عثمان وحكم خلاف ماأنزل الله تعالى بعد إفتائه به ، وسوق الناس اليه ، وإقامة الحجة عليه بشهادة من سمعه عن النبي الاعظم ؟ إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الانفس.

وأما أبي بن كعب فقد جاء عنه من طرق صحيحة قوله : إن الفتيا التي كانت الماء من الماء رخصة أرخصها رسول الله في أول الاسلام ثم أمر بالغسل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مصابيح البغوي 1 : 31 ، تفسير القرطبي 5 : 205 ، الاعتبار لابن حازم ص 31 ، فتح الباري 1 : 316.

 (2) سنن الدارمى 1 : 196 ، سنن البيهقي 1 : 167 ، 168 ، مصابيح البغوي 1 : 31.

 (3) ط 1 و 261 ط 2.

 

/  ص 148  /

 

وفي لفظ : انما كانت الفتيا في الماء من الماء في أول الاسلام ثم نهي عنها.

وفي لفظ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جعل ذلك رخصة للناس في أول الاسلام لقلة

الثياب ، ثم أمر بالغسل.وفي لفظ : ثم أمر بالاغتسال بعد. (1) فليس من الممكن ان أبيا يروي هذه كلها ، ثم يوافق عثمان على سقوط الغسل بعد ماتبين حكم المسألة وشاع وذاع في أيام الخليفة الثاني.

وأما غيرهما ففي فتح الباري 1 : 315 عن أحمد انه قال : ثبت عن هؤلاء الخمسة الفتوى بخلاف ما في هذا الحديث.

فنسبة القول بعدم وجوب الغسل في إلتقاء الختانين إلى الجمع المذكور بهت و قول زور ، وقد ثبت منهم خلافه ، تقول القوم عليهم لتخفيف الوطأة على الخليفة ، و افتعلوا للغاية نفسها أحاديث منها ما في المدونة الكبرى 1 : 34 من طريق ابن المسيب

قال : إن عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وعائشة كانوا يقولون : إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل.

حسب المغفل ان باختلاق هذه الرواية يمحو ماخطته يد التاريخ والحديث في صحائفهما من جهل الرجلين بالحكم ، ورأيهما الشاذ عن الكتاب والسنة.

وأعجب من هذا : عد ابن حزم في المحلى 2 : 4 عليا وابن عباس وأبيا وعثمان وعدة اخرى وجمهور الانصار ممن رأى أن لاغسل من الايلاج إن لم يكن أنزل ثم قال : وروي الغسل في ذلك عن عائشة وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس الخ.كل هذه آراء متضاربة ونسب مفتعلة لفقها أمثال ابن حزم لتزحزح فتوى الخليفتين عن الشذوذ.

وأخرج أحمد في مسنده 4 : 143 من طريق رشدين بن سعد عن موسى بن أيوب الغافقي عن بعض ولد رافع بن خديج عن رافع بن خديج قال : ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت وخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبرته إنك دعوتني وأنا على بطن امرأتي ، فقمت ولم أنزل ، فاغتسلت فقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن الدارمي 1 : 194 ، سنن ابن ماجة 1 : 212 ، سنن البيهقي 1 : 165 ، الاعتبار لابن حازم ص 33.

 

/  ص 149  /

 

رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا عليك ، الماء من الماء.قال رافع : ثم أمرنا رسول الله بعد ذلك بالغسل.

هذه الرواية إفتعلها واضعها لابطال تأويل ابن عباس واثبات النسخ ذاهلا عن أن هذا لا يبرر ساحة عثمان من لوث الجهل أيام خلافته بالحكم الناسخ.

وهل في وسع ذي مرة تعقل حكاية ابن خديج قصته لرسول الله صلى الله عليه وآله ؟ و إنه كان على بطن امرأته لما دعاه ، وانه قام ولم ينزل ؟ هل العادة قاضية لنقل مثل هذه لمثل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ثم إن كان الرجل قام من فوره لدعوة نبيه ، ولم يقض من حليلته وطره فلماذا أرجأإجابة تلك الدعوة بالاغتسال ؟ ولم يكن واجبا ، فممن أخذ ؟ ولماذا اغتسل ؟ ولماأمروا به بعد.

والنظرة في اسناد الرواية تغنيك عن البحث عما في متنها لمكان رشدين بن سعد أبي الحجاج المصري ، ضعفه أحمد ، وقال ابن معين : لا يكتب حديثه ، ليس بشئ ، وقال أبوزرعة : ضعيف الحديث.وقال أبوحاتم : منكر الحديث فيه غفلة ويحدث بالمناكر عن الثقات ، ضعيف الحديث.وقال الجوزقاني : عنده معاضيل ومناكير كثيرة وقال النسائي : متروك الحديث ضعيف لايكتب حديثه.وقال ابن عدي : أحاديثه ماأقل من يتابعه عليها.وقال ابن سعد : كان ضعيفا.وقال ابن قانع ، والدارقطني ، وأبوداود : ضعيف الحديث.وقال يعقوب بن سفيان : رشدين أضعف وأضعف.عن : موسى بن أيوب الغافقي وهو وإن حكيت ثقته عن ابن معين ، عير انه نقل عنه أيضا قوله فيه : منكر الحديث ، وكذاقال الساجي ، وذكره العقيلي في الضعفاء (1) .عن : بعض ولد رافع ، مجهول لايعرف ، فالرواية مرسلة باسناد لا يعول عليه ، قال الشوكاني في نيل الاوطار 1 : 280 : حسنه الحازمي ، وفي تحسينه نظر ، لان في اسناده رشدين ، وليس من رجال الحسن ، وفيه أيضا مجهول لانه قال عن بعض ولد رافع بن خديج ، فالظاهر ضعف الحديث لا حسنه.اه‍.

وأما تبرير عثمان بتوهم كون السؤال عنه والجواب قبل تشريع الحكم ، أو قبل نسخه السابق في أول الاسلام على العهد النبوي ، كمايعرب عنه كلام القسطلاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تهذيب التهذيب 3 : 277.ج 10 : 336.

 

/  ص 150  /

 

في ارشاد الساري 1 : 332 ، فمن المستبعد جدا ، فإن المسؤول يومئذ عن الاحكام وعن كل مشكلة هو رسول الله لا غيره ، فماكان عثمان يسأل عن حكم إذا جهله رجع السائل إلى أفراد آخرين ، فتصل النوبة إلى طلحة والزبير دون رسول الله ، وأين كان الشيخان يوم ذاك ؟ وقد رووا عن ابن عمر انه لم يك يفتي على عهد رسول الله أحد إلا أبوبكر وعمر كما مرفي

ج 7 : 182 ط 2 ، فلايسع لاي أحد الدفاع عن الخليفة بهذا التوهم.

وإن تعجب فعجب قول البخاري : الغسل أحوط ، وذاك الاخير إنما بيناه لاختلافهم.قاله بعد إخراج رواية أبي هريرة الموجبة للغسل المذكورة ص 144 ط 2 ، وفتوى عثمان المذكورة وحديث أبي الموافق معه ، فجنح إلى رأى عثمان ، وضرب عما جاء به نبي الاسلام ، وأجمعت عليه الصحابة والتابعون والعلماء ، كما سمعت عن القرطبي ، وقال النووي في شرح مسلم هامش إرشاد الساري 2 : 425 : إن الامة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع ، وإن لم يكن معه إنزال ، وعلى وجوبه بالانزال.اه‍.

وهذا الاجماع من عهد الصحابة وهلم جرا ، وقال القاضي عياض : لانعلم أحدا قال به بعد خلاف الصحابة إلا ماحكي عن الاعمش ، ثم بعده داود الاصبهاني.

وقال القسطلاني في الارشاد 1 : 333 : قال البدر الدماميني كالسفاقسي فيه جنوح لمذهب داود ، وتعقب هذا القول البرماوي بأنه إنما يكون ميلا لمذهب داود والجمهور على ايجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصواب.

وقال ابن حجر في فتح الباري 1 : 316 : قال ابن العربي : ايجاب الغسل أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم ، وما خالف فيه إلا داود ، ولا عبرة بخلافه ، وإنما الامر الصعب مخالفة البخاري وحكمه بأن الغسل مستحب ، وهو أحد أئمة الدين وأجلة علماء المسلمين.اه‍.

فلا تعجب عن بخاري يقدم في الفتوى رأي مثل عثمان على ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله بعد اجماع الامة عليه تقديمه نظراء عمران بن حطان الخارجي على الامام الصادق جعفر بن محمد في الرواية." ولئن اتبعت أهواء هم من بعد ماجاء‌ك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ".