فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

/  ص 151  /

 

ـ 9 ـ

كتمان الخليفة حديث النبي صلى الله عليه وآله

أخرج أحمد في مسنده 1 : 65 عن أبي صالح قال : سمعت عثمان رضي الله عنه يقول على المنبر : ايها الناس إني كتمتكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية تفرقكم عني ، ثم بدالي أن احدثكموه ليختار امرؤ لنفسه ما بداله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول : رباط يوم في سبيل الله تعالى خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل.

وأخرج في المسند 1 : 601 ؟ ، 65 عن مصعب قال : قال عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يخطب على منبره : إنى محدثكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يمنعني أن أحدثكم إلا الضن بكم وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : حرس ليلة

في سبيل الله تعالى أفضل من ألف ليلة يقام ليلها ويصام نهارها.

وأخرج في المسند 1 : 57 عن حمران قال : توضأ عثمان رضي الله عنه على البلاط ثم قال : لاحدثنكم حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل فصلى غفر له ما بينه و بين الصلاة الاخرى حتى يصليها.

وذكرها غيرواحد من الحفاظ أخذا من مسند أحمد.

قال الاميني : ليت مخبرا يخبرني عن مبرر هذا الشح عن تعليم أمة محمد صلى الله عليه وآله بتلكم الاحاديث ، والناس في حاجة أكيدة إلى الحديثين في فضل الجهاد والمرابطة الذين بهما قام عمودالدين ، ومطط أديمه ، ودخلت هيبته القلوب ، وكانوا يومئذ يتسابقون على الجهاد لكثرة ماانتهى إليهم من فضله ، ولتعاقب الفتوح التي مرنتهم على الغزو وشوقتهم إلى توسيع دائرة المملكة ، وحيازة الغنائم ، فلو كان الخليفة يروي لهم شيئا مما لم يزل له نقر في آذانهم ، ونكت في قلوبهم لازدادوا اليه شوقا ، وازدلفوا اليه رغبة ، وكان يعلم العالم منهم من لم يعلم ، لا أنهم كانوا يتفرقون عنه كما حسبه الخليفة ، ولو كان يريد تفرقهم عنه إلى الجهاد فهو حاجة الخليفة إلى مجتمعه وحاجة المجتمع إلى الخليفة الذي يكتنفون به ، فهي مقصورة من الجانبين على التسرب إلى الجهاد والدفاع والدعوة إلى الله تعالى ، والى دينه الحق وصراطه المستقيم ، لاأن يجتمعوا حوله فيأنسونه

 

/  ص 152  /

 

 بالمعاشرة والمكاشرة ، إذن فلا وجه للضنة بهم عن نقل تلكم الروايات.

وأما ثالث الاحاديث فهو من حاجة الناس إلى أميرهم في ساعة السلم ، وأي نجعة في الامير هى خير من بعث الامة على إحسان الوضوء ، والصلاة بعده التي هي خير موضوع وهي عماد الدين ، ووسيلة إلى المغفرة ، ونجح الطلباب ، وأحد اصول الاسلام ، فلماذا يشح به الخليفة ؟ فيحرم أمته عن تلكم المثوبات والاجور.

وأما الآية التي بعثته على التنويه بالحديث ، فليته كان يدلنا عليها ويعرب عنها ، وقد كانت موجودة منذ نزولها ، وفي أبان شح الخليفة على رواية الحديث ، فما الذي جعجع به إلى هذا التاريخ ؟ وأرجأ روايته إلى الغاية المذكورة ؟ ولعله أراد ما نص عليه أبو هريرة فيما أخرجه الجصاص في آيات الاحكام 1 : 116 عن أبي هريرة انه قال : لولا آية في كتاب الله عزوجل ما حدثتكم ، ثم تلا : " إن الذين يكتمون ماأنزلنا من البينات والهدى " قال الجصاص : فأخبر ان الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من البينات والهدى الذي أنزله الله تعالى.

وهب أن الآية لم تنزل ، فهل الحكم الذي هتف به رسول الله صلى الله عليه وآله يسدل عليه ستار الاخفاء إلى أن يرتئي الخليفة أن يبوح به ؟.أنالا ادري السر في هذه كلها ، و لعل عند الخليفة مالا أعلمه.

وهل كان مبلغ جهل الصحابة الاولين بالسنة هذا الحد بحيث كان يخفي عليهم مثل الحديثين ؟ وكان علمهما يخص بالخليفة فحسب والخليفة مع هذا كان يعلم جهل جميعهم بذلك وانه لو كتمه لمابان.

على ان كاتم العلم وتعاليم النبوة بين اثين رحمة يزوى عنه ، وذموم تتوجه إليه ، وإليك في المقامين أحاديث جمة فمن الفريق الثاني ماورد :

1- عن ابن عمر مرفوعا : علم لايقال به ، ككنز لاينفق منه.أخرجه ابن عساكر.

2- عن ابن مسعود مرفوعا : علم لاينفع ، ككنز لاينفق منه.أخرجه القضاعي.

3- عن أبي هريرة مرفوعا : مثل الذي يتعلم العلم ، ثم لايحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه.أخرجه الطياسي والطبراني والمنذري.

 

/  ص 153  /

 

4- عن أبي سعيد مرفوعا : كاتم العلم يلعنه كل شيء حتى الحوت في البحر و الطير في السماء.أخرجه ابن الجوزي في العلل.

5- عن ابن مسعود مرفوعا : أيما رجل آتاه الله علما فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني.

6- عن أبي هريرة مرفوعا : ما آتى الله تعالى عالما علما إلا أخذ عليه الميثاق أن لا يكتمه.أخرجه ابن النظيف وابن الجوزي.

7- عن ابن مسعود مرفوعا : من كتم علما عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار.أخرجه ابن عدي.

8- عن أبي هريرة مرفوعا : مامن رجل يحفظ علما فيكتمه إلا أتى يوم القيامة ملجما بلجام من نار.أخرجه ابن ماجة.

9- عن أبي سعيد مرفوعا : من كتم علما مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه ابن ماجة والمنذري.

10- عن أبي هريرة مرفوعا : مثل الذي يتعلم العلم ثم لايحدث به كمثل رجل رزقه الله مالا فكنزه فلم ينفق منه.أخرجه أبوخيثمة في العلم وأبونصر في الابانة

11- عن ابن عمر مرفوعا : من بخل بعلم اوتيه أتي به يوم القيامة مغلولا ملجوما بلجام من نار.أخرجه ابن الجوزي في العلل.

12- وفي لفظ ابن النجار عن ابن عمرو : من علم علما ثم كتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.

وفي لفظ الخطيب : من كتم علما ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه ابن حبان والحاكم والمنذري.

13- عن ابن مسعود مرفوعا : من كتم علما ينتفع به ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني في الكبير وابن عدي في الكامل والسجزي والخطيب.

14- عن ابن عباس مرفوعا : من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من نار.أخرجه الطبراني في الكبير.

15- عن قتادة : ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علما فليعلمه الناس ، و

 

/  ص 154  /

 

اياكم وكتمان العلم ، فان كتمان العلم هلكة.أخرجه عبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم كما في تفسير الشوكاني 1 : 375.

16- عن الحسن قال : لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مماتسألون عنه.أخرجه ابن سعد.

وحسبك من الفريق الاول قوله صلى الله عليه وآله :

1- رحم الله امرء‌ا سمع مني حديثا فحفظ حتى يبلغه غيره.أخرجه ابن حبان.

2- رحم الله امرء‌ا سمع منا حديثا فوعاه ثم بلغه من هو أوعى منه.أخرجه ابن عساكر.

3- اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي ، يروون أحاديثي وسنتي و يعلمونها الناس.أخرجه الطياسي والرامهرمزي والخطيب بن النجار.

4- رحمة الله على خلفائي ، قيل : من خلفاؤك يارسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس.أخرجه أبونصر في الابانة وابن عساكر والمنذري في الترغيب.

5- نظر الله امرء‌ا سمع منا حديثا فبلغه غيره.أخرجه المنذري.راجع مسند أحمد مسانيد الصحابة المذكورين ، مسند الطيالسي ، الترغيب والترهيب للمنذري ، كتاب العلم لابي عمر ، إحياء العلوم للغزالي ، مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي ج 1 ، كنز العمال كتاب العلم.

نعم : لعل الخليفة إتبع في كتمانه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله رأي الشيخين قبله في نهيهما عن إكثار الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله كما فصلنا القول فيه في ج 6 ص 294 ط 2 ، و لست أدري ان قلة رواية الخليفة وقد بلغت عدتها كما ذكرها السيوطي في تاريخ الخلفاء‌ص 100 ، وابن العماد الحنبلي في الشذرات 1 : 136 مائة وستة وأربعين حديثا أهي لقلة منته في السنة ، وصفريده من العلم بها ؟ أو لشحه على بثها وضنه بالامة ؟ والله يعلم ماتكن صدورهم ومايعلنون.

 

 

ـ 10 ـ

رأي الخليفة في زكاة الخيل

أخرج البلاذري في الانساب 5 : 26 بالاسناد من طريق الزهري : إن عثمان كان

 

 

/  ص 155  /

 

يأخذ من الخيل الزكاة فانكر ذلك من فعله وقالوا : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.

وقال ابن حزم في المحلى 5 : 227 : قال ابن شهاب : كان عثمان بن عفان يصدق الخيل.

وأخرجه عبدالرزاق عن الزهري كما في تعاليق الآثار للقاضي أبي يوسف ص 87.

قال الاميني : ليت هذه الفتوى المجردة من الخليفة كانت مدعومة بشئ من كتاب أو سنة ، لكن من المأسوف عليه ان الكتاب الكريم خال عن ذكر زكاة الخيل ، والسنة الشريفة على طرف النقيض مما أفتى به ، وقد ورد فيما كتبه رسول الله صلى الله عليه وآله في الفرائض قوله : ليس في عبد مسلم ولافي فرسه شئ.

وجاء عنه صلى الله عليه وآله قوله : عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.

وفي لفظ ابن ماجة : قد تجوزت لكم عن صدقة الخيل والرقيق.

وقوله : ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه.

وفي لفظ البخاري : ليس على المسلم في فرسه وعلامه صدقة.

وفي لفظ له : ليس على المسلم صدقة في عبده وفرسه.

وفي لفظ مسلم : ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة.

وفي لفظ له : ليس على المرء المسلم في فرسه ولا مملوكه صدقة.

وفي لفظ أبي داود : ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطرفي الرقيق.

وفي لفظ الترمذي : ليس على المسلم في فرسه ولا في عبده صدقة.

وفي لفظ النسائي : كلفظ مسلم الاول.

وفي لفظ له : لا زكاة على الرجل المسلم في عبده ولا في فرسه.

وفي لفظ له : ليس على المرء في فرسه ولا في مملوكه صدقة.

وفي لفظ : ليس على المسلم صدقة في غلامه ولا في فرسه.

ولفظ ابن ماجة كلفظ مسلم الاول.

وفي لفظ أحمد : ليس في عبد الرجل ولا في فرسه صدقة.

وفي لفظ البيهقي : لا صدقة على المسلم في عبده ولا في فرسه.

 

 

/  ص 156  /

 

وفي لفظ عبدالله بن وهب في مسنده : لاصدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه.

وفي لفظ ابن أبي شيبة : ولا في وليدته.

وفي رواية للطبراني في الكبير والبيهقي في السنن 4 : 118 من طريق عبدالرحمن ابن سمرة : لاصدقة في الكسعة والجبهة والنخة (1) ومن طريق أبي هريرة : عفوت لكم عن صدقة الجبهة والكسعة والنخة.

راجع صحيح البخاري 3 : 30 ، 31 ، صحيح مسلم 1 : 361 ، صحيح الترمذي 1 : 80 ، سنن أبي داود 1 : 253 ، سنن ابن ماجة 1 : 555 ، 556 ، سنن النسائي 5 : 35 ، 36 ، 37 ، سنن البيهقي 4 ، 117 ، مسند أحمد 1 : 62 ، 121 ، 132 ، 145 ، 146 ، 148 ، ج 2 : 243 ، 249 ، 279 ، 407 ، 432 ، كتاب الام للشافعي 2 : 22 ، موطأ مالك 1 : 206 ، أحكام القرآن للجصاص 3 : 189 ، المحلى لابن حزم 5 : 229 ، عمدة القاري للعيني 4 : 383.

ولو كان في الخيل شيء من الزكاة لوجب أن يذكر في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله الذي فصل فيه الفرايض تفصيلا (2) وقد اعطاه كبرنامج يعمل به في الفرايض وعليه كان عمل الصحابة ، ومنه أخذ أبوبكر ما كتبه دستورا يعول عليه في الصدقات (3) ، وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يهتف بتلك السنة الثابتة ، وعليها كان عمله عليه السلام ، وعليها أضفقت الصجابة وجرت الفتيا من التابعين ، وبها قال عمربن عبدالعزيز ، وسعيد بن المسيب ، و عطاء ، ومكحول ، والشعبي ، والحسن ، والحكم بن عتيبة ، وابن سيرين ، والثوري ، والزهري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد ، واسحاق ، وأهل الظاهر ، وأبويوسف ، ومحمد ابن الحنفية. (4) وقال ابن حزم : وذهب جمهور الناس إلى أن لازكاة في الخيل أصلا.وقال مالك والشافعي ، وأحمد ، وأبويوسف ، ومحمد ، وجمهور العلماء : لازكاة في الخيل بحال.اه‍.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الجبهة الخيل.الكسعة : البغال والحمير.النخة.المربيات في البيوت.

 (2) راجع سنن البيهقي 4 : 85 90 ، مستدرك الحاكم 1 : 390 398.

 (3) راجع مصابيح السنة للبغوي 1 : 119.

 (4) راجع المحلى لابن حزم 5 : 229 ، عمدة القاري 4 : 383.

 

/  ص 157  /

 

نعم : للحنفية هاهنا تفصيل مجرد عن أي برهنة ضربت عنه الامة صفحا قالوا :

لازكاة في الخيل الذكور ، ولو كثرت وبلغت ألف فرس ، وإن كانت إناثا ، أو اناثا و ذكورا سائمة غير معلوفة فحينئذ تجب فيها الزكاة.وصاحب الخيل مخير إن شاء أعطى عن كل فرس منها دينارا أو عشرة دراهم ، وإن شاء قومها فأعطى من كل مائتي درهم خمسة دراهم.

كذا حكاه ابن حزم في المحلى 5 : 288 ، وأبوزرعة في طرح التثريب 4 : 14 ، وملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 34 ، والنووي في شرح مسلم.

وهذا التفصيل ماكان قط يعرفه الصحابة والتابعون لانهم لم يجدواله أثرا في كتاب أو سنة ، وكان من الحقيق إن كان للحكم مدرك يعول عليه أن يعرفوه ، وأن يثبته رسول الله صلى الله عليه وآله في كتابه ، وكذلك أبوبكر من بعده ، وهذا كاف في سقوطه ، و لذلك خالف أباحنيفة فيه أبويوسف ومحمد وقالا بعدم الزكاة في الخيل كما ذكره الجصاص في أحكام القرآن 3 : 188 ، وملك العلماء في البدايع 2 : 34 ، والعيني في العمدة 4 : 383.

وغاية جهد أصحاب أبي حنيفة في تدعيم قوله بالحجة أحاديث لم يوجد في شيء منها ماجاء به من الرأي المجرد ، ألا وهي :

1- أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من طريق أبي هريرة مرفوعا : مامن صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها.فذكر الوعيد الذي في منع حقهاوحق الابل والبقر والغنم ، وذكر في الابل : ومن حقها حلبها يوم وردها ، ثم قال : قيل : يا رسول الله  فالخيل ؟ قال : الخيل لثلاثة : هي لرجل وزر.وهى لرجل أجر.وهي لرجل ستر.فأما الذي هي له وزر : فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الاسلام فهي له وزر ، وأما الذي هي له ستر : فرجل ربطها في سبيل الله.ثم لم ينس حق الله في ظهورها ، ولا رقابها فهي له ستر.وأما الذي هى له أجر : فرجل ربطها في سبيل الله لاهل الاسلام.الحديث.وفي لفظ مسلم بدل قوله : ثم لم ينس حق الله.. الخ : و لم ينس حق الله في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها.

استدل به ابن التركماني المارديني في الجوهر النقي ط ذيل سنن البيهقي 4 :

 

/  ص 158  /

 

120 وقال : يدل عليه ظاهر قوله : ثم لم ينس حق الله.إلخ.مع قرينة قوله في أول الحديث : مامن صاحب كنز لا يؤدي زكاته ، ومامن صاحب إبل لا يؤدي زكاتها ، وما من صاحب عنم لايؤدي زكاته.ونحن لا نعرف وجه الدلالة في ظاهر قوله : ثم لم ينس.مع ضم القرينة إليه على ما أفتى به أبوحنيفة ، وغيرنا أيضا لا يرى فيه دلالة على الزكاة في الخيل كما قاله البيهقي في السنن

4 : 119.

2- أخرج البيهقي في سننه الكبرى 4 : 119 عن أبي الحسن على بن أحمد بن عبدان عن أبيه ، عن أبي عبدالله محمد بن موسى الاصطخري ، عن اسماعيل بن يحيى بن بحر الازدي ، عن الليث بن حماد الاصطخري ، عن أبي يوسف القاضي ، عن غورك بن الحصرم أبي عبدالله ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخيل السائمة في كل فرس دينار.

قال البيهقي : تفرد به غورك ، وأخبرنا أبوبكربن الحارث قال : قال عمربن علي الحافظ يعني الدارقطني : تفردبه غورك عن جعفر ، وهو ضعيف جدا ومن دونه ضعفاء.

قال الاميني : في رجال الاسناد :

1- أحمد بن عبدان مجهول.قاله مسلمة بن قاسم وفيه :

2- محمد بن موسى الاصطخري : شيخ مجهول ، روى عن شعيب خبرا موضوعا قاله ابن حجر.

3- اسماعيل بن يحيى الازدي : ضعفه الدارقطني ، وحكاه عنه ابن حجر.و

4- وليث بن حماد الاصطخري : ضعفه الدارقطني ، ونقله عنه الذهبي وابن حجر.و

5- أبويوسف القاضي : قال البخاري : تركوه ، وعن المبارك : إنه وهاه.وعن يزيد بن هارون : لاتحل الرواية عنه.وقال الفلاس : صدوق كثير الخطأ ، إلى آخر مامر من ترحمته في هذاالجزء ص 30 ، 31.

6- غورك السعدي : قال الدارقطني : ضعيف جدا ، وذكره الذهبي في الميزان. (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع ميزان الاعتدال 2 : 323 ، 360 ، لسان الميزان 1 : 192 ، 441 ، ج 4 : 421 ، 493 ، ج 5 : 401 ، ج 6 : 300.

 

/  ص 159  /

 

ومما يوهن هذه الرواية عدم إخراج ابن أبي يوسف القاضي فيما جمعه من الاحاديث عن والده وأسماه بالآثار.وذكرها الذهبي في لميزان 2 : 223 فقال : ضعف الدارقطني الليث وغيره في اسناده.

على أن الرواية خالية عن تفصيل الذي جاء به أبوحنيفة من نفي الزكاة في ذكور الخيل ولو كثرت ووجوبها إن كانت إناثا ، أو إناثا وذكورا.إلى آخر ماتقول به.

3- أخرج ابن أبي شيبة في مسنده من طريق عمر مرفوعا في حديث طويل قال :

فلا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي : يا محمد  يامحمد  فأقول :

لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت.ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرساله حمحمة ينا دي يامحمد  يامحمد  فأقول : لا أملك لك من الله شيئا.الحديث.

استدل به على وجوب الزكاة في الخيل ابن التركماني المارديني في الجوهر النقي ذيل سنن البيهقي 4 : 120.وقال : فدل على وجوب الزكاة في هذه الانواع.اه‍.

أمعن النظر في الحديث لعلك تعرف وجه الدلالة على ما ارتآه الرجل ، وما أحسبك أن تعرفه ، غير أن حب المارديني إمامه أباحنيفة أعماه وأصمه ، فحسب انه أقام البرهنة على ماخرق به الرجل اجماع الامة ، وتقول تجاه النص الاغر ، و السنة الثابتة ، وكل هذه من جراء رأي من صدق الخيل بعد عفو الله ورسوله عنها.

4- فعل عمر بن الخطاب وأخذه الزكاة من الخيل ، وليس في فعله أي حجة للحنفية ولا لغيرهم ، لانه لم يكن فيما عمله التفصيل الذي ذكره القوم ، على انه كان يأخذ ما أخذه من الخيل تطوعا لا فريضة باستدعاء من أرباب الخيل كمامر في الجزء السادس ص 155 ط 2 ، وما كان يخافه مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، ويحذربه عمر في أخذه الزكاة من الخيل من أن يعود جزية يوجبها أناس في المستقبل ، فكان كما توسم سلام الله عليه على عهد عثمان ، فالتفصيل المذكور أحدوثة في الدين خارجة عن السنة الثابتة ، وهو كما قال ابن حزم في المحلى 5 : 228 : وأتوا بقول في صفة زكاتها لانعلم أحدا قاله قبلهم.

وقولهم هذا يخالف القياس الذي هو أساس مذهبهم.قال ابن رشد في ممهدات المدونة الكبرى 1 : 263 : والقياس انه لما اجتمع أهل العلم في البغال والحمير على

 

 

/  ص 160  /

 

انه لا زكاة فيها وإن كانت سائمة ، واجتمعوا في الابل ، والبقر ، والغنم على الزكاة فيها إذاكانت سائمة : واختلفوا في الخيل سائمة وجب ردها إلى البغال والحمير لا إلى الابل والبقر والغنم ، لانها بها أشبه لانها ذات حافر كما انها ذوات حوافر ، وذوالحافر بذي الحافر أشبه منه بذي الخف أو الظلف ، ولان الله تبارك وتعالى قد جمع بينها فجعل الخيل والبغال والحمير صنفا واحدا لقوله : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة وجمع بين الانعام وهي الابل والبقر والغنم فجعلها صنفا واحدا لقوله : والانعام خلقها لكم فيها دف‌ء ومنافع تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ولقوله عزوجل : الله الذي جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون.

 

 

ـ 11 ـ

تقديم عثمان الخطبة على الصلاة

قال ابن حجر في فتح الباري 2 : 361 : روى إبن المنذرعن عثمان باسناد صحيح إلى الحسن البصري قال : أول من خطب قبل الصلاة عثمان ، صلى بالناس ثم خطبهم (1) فرأى ناسا لم يدركوا الصلاة ، ففعل ذلك ، أي صار يخطب قبل الناس ، وهذه العلة غير التي إعتل بها مروان ، لان عثمان رأى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة ، و وأما مروان فراعى مصلحتهم في إستماعهم الخطبة ، لكن قيل : إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب مالا يستحق السب ، والافراط في مدح بعض الناس ، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه ، ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحيانا بخلاف مروان فواظب عليه.وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 362.

وأخرج ابن شبه عن أبي غسان قال : أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان.وقال ابن حجر : يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان.فتح الباري 2 : 359 ، نيل الاوطار 3 : 374.

وذكره السيوطي في الاوائل ، وتاريخ الخلفاء ص 111 ، والسكتواري في محاضرة الاوائل ص 145 : إن أول من خطب في العيدين قبل الصلاة عثمان رضي الله عنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) على الباحث مناقشة الحساب حول هذه الكلمة.

 

 

/  ص 161  /

 

قال الاميني : إن الثابت في السنة الشريفة ان الخطبة في العيدين تكون بعد الصلاة ، قال الترمذي في الصحيح 1 ، 70 : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ان صلاة العيدين قبل الخطبة ويقال : إن أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم.اه‍.

وإليك جملة مما ورد فيها :

1- عن ابن عباس قال : أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم انه صلى يوم فطر أو أضحى قبل الخطبة ثم خطب.

صحيح البخاري 2 : 116 ، صحيح مسلم 1 : 325 ، سنن أبي داود 1 : 178 ، 179 ، سنن ابن ماجة 1 : 385 ، سنن النسائي 3 : 184 ، سنن البيهقي 3 : 296.

2- عن عبدالله بن عمر قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم أبوبكر ثم عمر يصلون العيدين قبل الخطبة.

وفي لفظ الشافعي : إن النبي وأبابكر وعمر كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة ،

وفي لفظ للبخاري : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الاضحى والفطر ثم يخطب بعد الصلاة.

صحيح البخاري 2 : 111 ، 112 ، صحيح مسلم 1 : 326 ، موطأمالك 1 : 146 ، مسند أحمد 2 : 38 ، كتاب الام للشافعي 1 : 208 ، سنن ابن ماجة 1 : 387 ، سنن البيهقي 3 : 296 ، سنن الترمذي 1 : 70 ، سنن النسائي 3 : 183 ، المحلى لابن حزم 5 : 85 ، بدايع الصنايع 1 : 276.

3- عن أبي سعيد الخدري قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم العيدين فيصلي بالناس ركعتين ثم يسلم فيقف على رجليه.الخ.

سنن ابن ماجة 1 : 389 ، المدونة الكبرى لمالك 1 : 155 ، سنن البيهقي 3 : 297.

4- عن عبدالله بن السائب قال : حضرت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بنا العيد ثم قال : قد قضينا الصلاة فمن احب أن يجلس للخطبة فليجلس ، ومن أحب أن يذهب فليذهب.

سنن ابن ماجة 1 : 386 ، سنن أبي داود 1 : 180 ، سنن النسائي 3 : 185 ،

 

 

/  ص 162  /

 

سنن البيهقي 3 : 301 ، المحلى 5 : 86.

5- عن جابربن عبدالله قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قام يوم الفطر فصلى فبدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم خطب الناس.

صحيح البخاري 2 : 111 ، صحيح مسلم 1 : 325 ، سنن أبي داود 1 : 178 ، سنن النسائي 3 : 186 ، سنن البيهقي 2 : 296 ، 698.

6- عن ابن عباس وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عمر وأنس بن مالك : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الخطبة.المدونة الكبرى 1 : 155.

7- عن البراء بن عازب قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر بعد الصلاة. صحيح البخاري 2 : 110 ، سنن النسائي 3 : 185.

8- عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال : شهدت العيد مع علي بن أبي طالب و عثمان محصور فجاء فصلى ثم انصرف فخطب.

موطأ مالك 1 : 147 ، كتاب الام للشافعي 1 : 171 ذكر من طريق مالك شطرامنه.

هذه الاحاديث تكشف عن استمرار رسول الله صلى الله عليه وآله على هذه السنة المرتبة و لم يعز اليه غيرها قط ، وعلى ذالك مضى الشيخان ومولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وعثمان نفسه ردحامن أيامه كما جاء في رواية ابن عمر من ان النبي وأبابكر وعمر وعثمان كانوا يصلون في العيدين قبل الخطبة (1) وظاهر هذا اللفظ وإن كان مطلقا إلا الجمع بينه وبين ماجاء من مخالفة عثمان للقوم وانه أول من قدم الخطبة انه كان أولا على وتيرتهم حتى بداله أن يغيرالتر تيب ففعل ، ويؤيده سكوت ابن عمر نفسه عن عثمان فيما مر ص 161 من قوله : كان النبي ثم أبوبكر ثم عمر يصلون العيد قبل الخطبة.فإن كان عثمان أيضا مستمرا على سيرتهم وسنتهم لذكره ولم يفصل بينهم وبهذا يتأتى الجمع ايضا بين حديثي ابن عباس من قوله : شهدت العيد مع النبي و أبي بكر وعمر فبدؤا بالصلاة قبل الخطبة.ومن قوله : صلى رسول الله ثم خطب و أبوبكر وعمر وعثمان (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كتاب الام للشافعي 1 : 08 2 ، صحيح البخاري 2 : 112.

 (2) مسند أحمد 1 : 345 ، 346 ، صحيح مسلم 1 : 324.

 

/  ص 163  /

 

وليتني أدري كيف يتقرب إلى المولى سبحانه بصلاة بدلوا فيها سنة الله التي لاتبديل لها ، قال الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 363 : قد اختلف في صحة العيدين مع تقدم الخطبة ففي مختصر المزني عن الشافعي مايدل على عدم الاعتداد بها وكذاقال النووي في شرح المهذب : إن ظاهر نص الشافعي انه لا يعتد بها.قال : وهو الصواب.

ثم تابع عثمان المسيطرون من الامويين من بعده فخالفوا السنة المتبعة بتقديم الخطبة لكن الوجه في فعل عثمان غيره في من تبعه ، أما هو فكان يرتج عليه القول فلايروق المجتمعين ما يتكلفه من تلفيقه غيرالمنسجم فيتفرقون عنه فقدمها ليصيخوا إليه وهم منتظرون بالصلاة ولا يسعهم التفرق قبلها.

قال الجاحظ : صعد عثمان بن عفان رضي الله عنه المنبر فارتج عليه فقال : إن أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب ، وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون إنشاء‌الله (1) .

قال البلاذري في الانساب 5 : 24 : إن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس إن أول مركب صعب ، وإن بعد اليوم أياما وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها ، فما كنا خطباء وسيعلمنا الله.وهذا اللفظ أخرجه ابن سعد في طبقاته 3 : 43 ط ليدن ، وفي لفظ أبي الفدا في تاريخه ج 1 : 166 : لما بويع عثمان رقى المنبر وقام خطيبا فحمد الله وتشهد ثم ارتج عليه فقال : إن أول كل أمر صعب وإن أعش فستأتيكم الخطب على وجهها ثم نزل.

وروا أبومخنف كما في أنساب البلاذري : إن عثمان لما صعد المنبر قال : أيها الناس  إن هذا مقام لم أزور له خطبة ولا أعددت له كلاما وسنعود ونقول إنشاء‌الله.

وعن غياث بن ابراهيم : إن عثمان صعد المنبر فقال : أيها الناس إنا لم نكن خطباء وإن نعش تأتكم الخطبة على وجهها إنشاء‌الله.

وروي إن عثمان خطب فقال : إن أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا وسيأتي الله به.اه‍.

وذكره اليعقوبي في تاريخه 2 : 140 فقال : صعد عثمان المنبر وجلس في الموضع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) البيان والتبيين 1 : 272 ، وج 2 : 195.

 

 

/  ص 164  /

 

الذي كان يجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يجلس أبوبكر ولاعمر فيه ، جلس أبوبكر دونه بمرقاة ، وجلس عمر دون أبي بكر بمرقاة (1) فتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم :

اليوم ولد الشر ، وكان عثمان رجلاحييا فارتج عليه فقام مليا لايتكلم ثم قال : إن أبابكر وعمر كانايعدان لهذا المقام مقالا ، وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام يشقق الخطب ، وان تعيشوا فستأتيكم الخطبة.ثم نزل.

وفي لفظ ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 262 : إن عثمان لما استخلف خطب في أول جمعة فلما قال : ألحمد لله.ارتج عليه فقال : أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال ، وان أبابكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا وستأتيكم الخطب من بعد ، واستغفر الله لي ولكم.ونزل وصلى بهم الجمعة.

ولعله لحراجة الموقف عليه كان يماطل الخطبة باستخبار الناس وسؤالهم عن أخبارهم وأسعارهم وهو على المنبر كما أخرجه أحمد في المسند 1 : 73 من طريق موسى بن طلحة.وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 187 فقال : رجاله رجال الصحيح.

ولا يبرر عمل الخليفة مااحتج به ابن حجر فيما مر عن فتح الباري ص 160 من انه رأى مصلحة الجماعة في ادراكهم الصلاة.. الخ.لان هذه المصلحة المزعومة كانت مرموقة على العهد النبوي لكنه صلى الله عليه وآله لم يرعها لما رآه من مصلحة التشريع الاقوى ، فهذا الرأي تجاه ما ثبت من السنة نظير الاجتهاد في مقابلة النص ، ولوسوغنا تغيير الاحكام ، وما قرره الشرع الاقدس بآراء الرجال ، فلا تبقى قائمة للاسلام ، فلا فرق بينه وبين ما ارتآه مروان في كونهما بدعة مستحدثة ، وإن ضم إليه شنعة أخرى من سب من لا يحل سبه.

هذا مجمل القول في أحدوثة الخليفة ، وأما من عداه من آل أمية ، فكانوا يسبون ويلعنون مولانا أميرالمؤمنين عليا صلوات الله عليه في خطبهم على صهوات المنابر ، فلا تجلس لهم الناس وينثالون عنهم ، فقدموا الخطبة ليضطر الناس إلى الاستماع له بالرغم من عدم استباحتهم ذلك القول الشائن ، لما وعوه من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله الصحيح المأثور من طريق ابن عباس وأم سلمة من قوله : من سب عليا فقد سبني ، ومن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وذكره غير واحد من مؤلفي القوم.

 

 

/  ص 165  /

 

سبني فقد سب الله تعالى(1) .

أخرج أئمة الصحاح من طريق أبي سعيد الخدري قال : أخرج مروان المنبر يوم العيد ، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة ، فقام رجل فقال : يامروان  خالفت السنة ، أخرجت المنبر يوم عيد ، ولم يكن يخرج به ، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة ، ولم يكن يبدأبها.فقال مروان : ذاك شيء قد ترك.فقال أبوسعيد : أما هذا فقد قضى ماعليه سمعت رسول الله يقول : من رأى منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ، فان لم يستطع فبلسانه ، فان لم يستطع بلسانه فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان.

وفي لفظ الشافعي في كتاب الام من طريق عياض بن عبدالله قال : إن أبا سعيد الخدري قال : أرسل إلي مروان وإلى رجل قد سماه ، فمشي بنا حتى أتى المصلى ، فذهب ليصعد فجبذته (2) إلي فقال : ياأبا سعيد ؟ ترك الذي تعلم.قال أبوسعيد : فهتفت ثلاث مرات ، فقلت : والله لا تأتون إلا شرا منه.

وفى لفظ البخاري في صحيحه : خرجت مع مروان وهوأمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت ، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي ، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة ، فقلت له : غيرتم والله فقال : أبا سعيد  قد ذهب ما تعلم.فقلت ما أعلم والله خير مما لاأعلم ، فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة (3)

وفي لفظ قال أبوسعيد : قلت : أين الابتداء بالصلاة ؟ فقال : لا ياأباسعيد  قد ترك ما تعلم ، قلت ، كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم.ثلاث مرات.

قال ابن حزم في المحلي 5 : 86 : أحدث بنو امية تقديم الخطبة قبل الصلاة واعتلوا بأن الناس كانوا إذا صلوا تركوهم ، ولم يشهدوا الخطبة ، وذلك لانهم كانوا يلعنون علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فكان المسلمون يفرون وحق لهم ، فكيف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المستدرك 3 : 121 ، وستوافيك طرقه ومصادره. (2) جبذ : جذب.

 (3) راجع صحيح البخاري 2 : 111 ، صحيح مسلم 1 : 242 ، سنن أبى داود 1 : 178 ، سنن ابن ماجة 1 : 386 ، سنن البيهقي 3 : 297 ، مسند أحمد 3 : 10 ، 20 ، 52 ، 54 ، 92 ، بدايع الصنايع 1 : 276.

 

 

/  ص 166  /

 

وليس الجلوس واجبا ؟.

وقال ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 276 : وإنما أحدث بنو امية الخطبة قبل الصلاة لانهم كانوا يتكلمون في خطبتهم بمالايحل ، وكان الناس لايجلسون بعد الصلاة لسماعها فأحدثوها قبل الصلاة ليسمعها الناس.وبمثل هذا قال السرخسي في المبسوط 2 : 37.

وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة 1 : 386 : قيل : سبب ذلك انهم كانوا يسبون في الخطبة من لا يحل سبه ، فتفرق الناس عند الخطبة إذاكانت متأخرة لئلا يسمعوا ذلك فقدم الخطبة ليسمعها.

وقال الشوكاني في نيل الاوطار 3 : 363 : قد ثبت في صحيح مسلم من رواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد قال : أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان وقيل : أول من فعل ذلك معاوية ، حكاه القاضي عياض.وأخرجه الشافعي (1) عن ابن عباس بلفظ : حتى قدم معاوية فقدم الخطبة.ورواه عبدالرزاق عن الزهري بلفظ : أول من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية.وقيل : أول من فعل ذلك زياد بالبصرة في خلافة معاوية ، حكاه القاضي أيضا.وروى ابن المنذر عن ابن سيرين : إن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة.قال : ولا مخالفة بين هذين الاثرين ، وأثر مروان ، لان كلا من مروان وزياد كان عاملا لمعاوية فيحمل على انه ابتدأ ذلك ، وتبعه عماله.اه‍.

لاشك ان كلا من هؤلاء الثلاثة جاء ببدعة وتردى بالفضيحة ، لكن كل التبعة على من جرأهم على تغيير السنة فعلوا على أساسه ، ولعبوا بسنن المصطفى حتى الصلاة.أخرج الشافعي في كتاب الام 1 : 208 من طريق وهب بن كبسان قال : رأيت ابن الزبير يبدأ بالصلاة قبل الخطبة ، ثم قال : كل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غيرت حتى الصلاة.

فإن كان ما ينقم على الخليفة من هذا الوجه أمرا واحدا فهو في بقية الامويين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه في كتاب الام 1 : 208 من طريق عبدالله بن يزيد الخطمي ، ولعل حديث ابن عباس مذكور في غير هذا الموضع.

 

 

/  ص 167  /

 

أمران : مخالفة السنة. والابتداع بسب أميرالمؤمنين.فهم مورد مثل السائر : أحشفا وسوء كيلة.أنا لا أعجب من هؤلاء الثلاثة إن جاء‌وا بالبدع ، فان بقية أعمالهم تلائم هاتيك الخطة ، فان الخلاعة والتهتك مزيج نفسياتهم ، والمعاصي المقترفة ملا أرديتهم فلاعجب منهم إن غيروا السنة كلها ، ولا أعجب من مروان إن قال لابي سعيد بكل ابتهاج : ترك الذي نعلم.أو قال : قد ذهب ماتلعم ، ولا عجب إن بدلوا الخطبة المجعولة للموعظة وتهذيب النفوس ، الخطبة التي قالوافيها : وجبت لتعليم مايجب إقامته يوم العيد والوعظ والتكبير كما في البدايع 1 : 276 بدلوها بما هو محظور شرعا أشد الحظر من الوقيعة في أمير المؤمنين ، وأول المسلمين ، وحامية الدين ، الامام المعصوم ، المطهر بنص الكتاب العزيز ، نفس النبي الاقدس بصريح القرآن ، وعدل الثقل الاكبر في حديث الثقلين ، صلوات الله عليه ، ولعلك لا تعجب من الخليفة أيضا تغييره سنة الله و سنة رسوله بعد أن درست تاريخ حياته ، وسيرته المعربة عن نفسياته ، وهو وهم من شجرة واحدة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار.

لكن العجب كله ممن يرى هولاء وأمثالهم من سماسرة الشهوات والميول عدولا بما أنهم من الصحابة ، والصحابة كلهم عدول عندهم ، وأعجب من هذا أن يحتج في غير واحد من أبواب الفقه بقول هؤلاء وعملهم.نعم : وافق شن طبقه.

 

 

ـ 12 ـ

رأي الخليفة في القصاص والدية

أخرج البيهقي في السنن الكبرى 8 : 33 من طريق الزهري : ان ابن شاس الجذامي قتل رجلا من أنباط الشام ، فرفع إلى عثمان رضي الله عنه فأمر بقتله ، فكلمه الزبير رضي الله عنه وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم ، فنهوه عن قتله ، قال : فجعل ديتة ألف دينار.وذكره الشافعي في كتاب الام 7 : 293.

وأخرج البيهقي من طريق الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر رضي الله عنه : إن رجلا مسلما قتل رجلا من أهل الذمة عمدا ، ورفع إلى عثمان رضي الله عنه فلم يقتله وغلظ عليه الدية مثل دية المسلم.

وقال أبوعاصم الضحاك في الديات ص 76 : وممن يرى قتل المسلم بالكافر عمر

 

 

/  ص 168  /

 

ابن عبدالعزيز ، وابراهيم ، وأبان بن عثمان بن عفان ، وعبدالله ، رواه الحكم عنهم ، و ممن أوجب دية الذمي مثل دية المسلم عثمان بن عفان.

قال الاميني : إن عجبي مقسم بين إرادة الخليفة قتل المسلم بالكافر ، وبين جعل عقل الكافر مثل دية المسلم ، فلا هذا مدعوم بحجة ، ولا ذلك مشفوع بسنة ، وأي خليفة هذا يزحزحه مثل الزبير المعروف سيرته والمكشوف سريرته عن رأيه في الدماء وينهاه عن فتياه ؟ غير انه يفتي بما هو لدة رأيه الاول في البعد عن السنة ، ويسكت عنه الزبير وأناس نهوا الخليفة عما ارتآه أولا واكتفوا بحقن دم المسلم وماراقهم مخالفة الخليفة مرة ثانية ، وهذه النصوص النبوية صريحة في ان المسلم لا يقتل بالكافر ، و ان عقل الكتابي الذمي نصف عقل المسلم ، وإليك لفظ تلكم النصوص في المسألتين أما الاولى منهما فقد جاء :

1- عن أبي جحيفة قال : قلت لعلي بن أبي طالب : هل عندكم شيء من العلم ليس عند الناس ؟ قال : لا والله ماعندنا إلا ماعند الناس إلا أن يرزق الله رجلا فهما من القرآن أو ما في هذه الصحيفة ، فيها الديات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن لا يقتل مسلم بكافر.

وفي لفظ الشافعي : لا يقتل مؤمن بكافر.فقال : لا يقتل مؤمن عبد ولا حر ولا امرأة بكافر في حال أبدا ، وكل من وصف الايمان من أعجمي وأبكم يعقل ويشير بالايمان ويصلي فقتل كافرا فلا قود عليه ، وعليه ديته في ماله حالة ، وسواء أكثر القتل في الكفار أو لم يكثر ، وسواء قتل كافرا على مال يأخذه منه أو على غير مال ، لا يحل والله أعلم قتل مؤمن بكافر بحال في قطع طريق ولا غيره.

راجع صحيح البخاري 10 : 78 ، سنن الدارمي 2 : 190 ، سنن ابن ماجة 2 : 145 ، سنن النسائي 8 : 23 ، سنن البيهقي 8 : 28 ، صحيح الترمذي 1 : 169 ، مسند أحمد 1 : 79 ، كتاب الام للشافعي 6 : 33 ، 92 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 165 ، الاعتبار لابن حزم ص 190 ، تفسير ابن كثير 1 : 210 فقال ذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر لما ثبت في البخاري عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يقتل مسلم بكافر.ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا ، وأما أبوحنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.

 

 

/  ص 169  /

 

قال الاميني : يعني من آية المائدة قوله تعالى : وكتبنا عليهم فيها ان النفس بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص الآية : 45.

وقد خفي على المجتهد في تجاه النصوص الصحيحة الثابته أن عموم الآية لا يأباها عن التخصيص ، وقد خصصها هو نفسه بمخصصات ، أجاب عن هذا الاستدلال الواهي كثير من الفقهاء وفي مقدمهم الامام الشافعي قال في كتاب الام 7 : 295 في مناطرة وقعت بينه وبين بعض أصحاب أبي حنيفة : قلنا : فلسنا نريد أن نحتج عليك بأكثر من قولك ان هذه الآية عامة ، فزعمت أن فيها خمسة أحكام مفردة وحكما سادسا جامعا فخالفت جميع الاربعة الاحكام التي بعد الحكم الاول و الحكم الخامس والسادس جماعتها في موضعين : في الحر يقتل العبد.والرجل يقتل المرأة.فزعمت أن عينه ليس بعينها ولاعين العبد ، ولاأنفه بأنفها ولا أنف العبد ، ولا أذنه بأذنها ولاأذن العبد ، ولاسنه بسنها ولا سن العبد ، ولا جروحه كلها بجروحها ولا جروح العبد ، وقد بدأت أولا بالذي زعمت أنك أخذت به فخالفته في بعض ووافقته في بعض ، فزعمت أن الرجل يقتل عبده فلا تقتله به ، ويقتل إبنه فلا تقتله به ، ويقتل المستأمن فلا تقتله به ، وكل هذه نفوس محرمة.

قال " يعني المدافع عن أبي حنيفة " : اتبعت في هذا أثرا.قلنا : فتخالف الاثر الكتاب ؟

 قال : لا قلنا : فالكتاب إذا على غير ماتأولت ؟ فلم فرقت بين أحكام الله عزوجل على ماتأولت ؟

قال بعض من حضره : دع هذا فهو يلزمه كله.

قال : والآية الاخرى : قال الله عزوجل : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل (1) دلالة على أن من قتل مظلوما فلوليه أن يقتل قاتله.

قيل له : فيعاد عليك ذلك الكلام بعينه في الابن يقتله أبوه ، والعبد يقتله سيده ، و المستأمن يقتله المسلم.

قال : فلي من كل هذه مخرج.قلت : فاذكر مخرجك.قال : إن الله تبارك و تعا لى لما جعل الدم إلى الولي كان الاب وليا فلم يكن له أن يقتل نفسه.قلنا : أفرأيت إن كان له إبن بالغ أتخرج الاب من الولاية وتجعل للابن أن يقتله ؟ قال : لاأفعل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة الاسراء ، آية : 33 

 

/  ص 170  /

 

قلت : فلا تخرجه بالقتل من الولاية ؟ قال : لا.قلت : فما تقول في ابن عم لرجل قتله وهو وليه ووارثه لو لم يقتله وكان له ابن عم هو أبعدمنه ؟ أفتجعل للابعد أن يقتل الاقرب ؟

قال : نعم قلنا : ومن أين وهذاوليه وهو قاتل ؟

 قال : القاتل يخرج بالقتل من الولاية.قلنا : والقاتل يخرج بالقتل من الولاية ؟

قال نعم.قلنا : فلم لم تخرج الاب من الولاية وأنت تخرجه من الميراث ؟

قال : اتبعت في الاب الاثر.قلنا : فالاثر يدلك على خلاف ماقلت ،

قال : فاتبعت فيه الاجماع.قلنا : فالاجماع يدلك على خلاف ماتأولت فيه القرآن ، فالعبد يكون له ابن حر فيقتله مولاه أيخرج القاتل من الولاية ويكون لابنه أن يقتل مولاه ؟

قال : لا ، بالاجماع.قلت : فالمستأمن يكون معه إبنه أيكون له أن يقتل المسلم الذي قتله ؟

 قال : لا ، بالاجماع.قلت : أفيكون الاجماع على خلاف الكتاب ؟

قال : لا.قلنا : فالاجماع إذا يدلك على انك قد أخطأت في تأويل كتاب الله عزوجل ، وقلناله : لم يجمع معك أحد على أن لا يقتل الرجل بعبده إلا من مذهبه أن لايقتل الحر بالعبد ولا يقتل المؤمن بالكافر ، فكيف جعلت إجماعهم حجة ، وقد زعمت أنهم أخطؤافي أصل ما ذهبو إليه.والله أعلم.

2- عن قيس بن عباد قال : إنطلقت أناوالاشتر إلى علي فقلنا : هل عهد إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة ؟

قال : لا إلا مافي كتابي هذا.فأخرج كتابا فاذا فيه: لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده.

أخرجه أبوعاصم في الديات ص 27 ، وأحمد في المسند 1 : 119 ، 122 ، و أبوداود في سننه 2 : 249 ، والنسائي في سننه 8 : 24 ، البيهقي في السنن الكبرى 8 : 29 ، 194 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 65 ، وابن حازم في الاعتبار ص 189 ، وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 152 وقال :

هو دليل على أن المسلم لايقاد بالكافر ، أما الكافر الحربي فذلك إجماع كما حكاه البحر وأما الذمي فذهب اليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه ، وذهب الشعبي والنخعي وأبوحنيفة وأصحابه إلى انه يقتل المسلم بالذمي.ثم بسط القول في أدلتهم وذيفها بأحسن بيان.فراجع.

3- عن عائشة قالت : وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابان وفي أحدهما :

 

 

/  ص 171  /

 

لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده.

أخرجه أبوعاصم في الديات ص 27 ، والبيهقي في سننه الكبرى 8 : 30.

4- عن معقل بن يسار مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذوعهد في عهده ، و المسلمون يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم.

أخرجه البيهقي في سننه الكبرى 8 : 30.

5- عن ابن عباس مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده.

أخرجه ابن ماجة في سننه 2 : 145.

6- عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمر بن العاصي مرفوعا : لا يقتل مسلم بكافر.

وفي لفظ أحمد : لايقتل مؤمن بكافر ولا ذوعهد في عهده.

أخرجه أبوعاصم الضحاك في الديات ص 51 ، وأبوداود في سننه 2 : 249 ، وأحمد في مسنده 2 ، 211 ، والترمذي في سننه 1 : 169 ، وابن ماجة في سننه 2 : 145 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 169 بلفظ أحمد ، وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 150 فقال : رجاله رجال الصحيح.وقال في 151 : هذافي غاية الصحة فلا يصح عن أحد من الصحابة شيء غيرهذا إلا مارويناه عن عمر انه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ثم ألحقه كتابا فقال : لا تقتلوه ولكن اعتقلوه (1) .

7- عن عمران بن الحصين مرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر.

قال الشافعي في كتاب الام 6 : 33 : سمعت عددا من أهل المغازي ، وبلغني عن عدد منهم أنه كان في خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح : لا يقتل مؤمن بكافر.وبلغني عن عمران بن الحصين رضي الله تعالى عنه انه روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن أبي حسين عن مجاهد وعطاء وأحسب طاووسا والحسن ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة عام الفتح : لا يقتل مؤمن بكافر.

وأخرجه البيهقي في السنن 8 : 29 فقال : قال الشافعي رحمه الله صلى الله عليه وسلم : وهذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) اسلفنا في ج 6 : 121 ، 122 مايعرب عن عدم وقوف الخليفة على حكم المسألة.

 

 

/  ص 172  /

 

عام عند أهل المغازي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تكلم به في خطبته يوم الفتح وهو يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مسندا من حديث عمربن شعيب وحديث عمران بن الحصين.

وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 153 فقال : ان السبب في خطبته صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقوله : لايقتل مسلم بكافر.ماذكره الشافعي في " الام " حيث قال : وخطبته يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به.وقال : لا يقتل مؤمن بكافر.الخ.

8- عن عبدالله بن عمرمرفوعا : لايقتل مؤمن بكافر ، ولا ذوعهده في عهده.

أخرجه الجصاص في أحكام القرآن 1 : 165.

- أما الثانية  ففيها :

عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى (1)

وفي لفظ أبي داود : كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ثمانمائة دينار ، ثمانية آلاف درهم ، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين ، قال : فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال : إن الابل قد غلت.ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار.الحديث سنن أبي داود 2 : 251.

وفي لفظ آخر لابي داود : دية المعاهد نصف دية الحر.2 : 257.

وفي لفظ أبي عاصم الضحاك في الديات ص 51 : دية الكافر على النصف من دية المسلم ، ولا يقتل مسلم بكافر.

قال الخطابي في شرح سنن ابن ماجة في ذيل الحديث 2 : 142 : ليس في دية أهل الكتاب شيء أثبت من هذا ، وإليه ذهب مالك وأحمد ،

وقال أصحاب أبي حنيفة : ديته كدية المسلم.وقال الشافعي : ثلث دية المسلم.والوجه الاخذ بالحديث ولا بأس باسناده.

وأخرج النسائي في سننه 8 : 45 من طريق عبدالله بن عمر مرفوعا : عقل الكافر نصف عقل المؤمن.وأخرجه الترمذي في سننه 1 : 169.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن ابن ماجة 2 : 142 ، سنن النسائي 8 : 45.

 

 

/  ص 173  /

 

هذه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله ، وإليها ذهب الجمهور ، وعليها جرت الفقهاء من المذاهب ، غيران لابي حنيفة شذوذا عنها في المسألتين أخذا بما يعرب عن قصوره عن فهم السنة ، وعرفان الحديث ، وفقه الكتاب ، وقدذكر غير واحد من أعلام المذاهب أدلته في المقامين وزيفها ، وبسط القول في بطلانها ، وحسبك في المقام كلمة الامام الشافعي في كتاب الام 7 : 291 فانه فصل القول فيها تفصيلا وجاء بفوائد جمة.فراجع وعمدة ما ركن إليه أبوحنيفة في المسألة الاولى تجاه تلكم الصحاح مرسلة عبدالرحمن بن البيلماني ، وقد ضعفها الدارقني وابن حازم في الاعتبار ص 189 وغيرهما ، وذكر البيهقي في سننه 8 : 30 : باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر.و ذكر لها طرقا وزيفها بأسرها.

 

 

ـ 13 ـ

رأي الخليفة في القراء‌ة

قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 1 : 111 : إن عمر رضي الله عنه ترك القراء‌ة في المغرب في إحدى الاوليين فقضا هافي الركعة الاخيرة وجهر ، وعثمان رضي الله عنه ترك القراء‌ة في الاوليين من صلاة العشاء فقضاها في الاخريين وجهر.

وقال في صفحة 172 : روي عن عمر رضي الله عنه : انه ترك القراء‌ة في ركعة من صلاة المغرب فقضاها في الركعة الثالثة وجهر.وروي عن عثمان رضي الله عنه : انه ترك السورة في الاوليين فقضاها في الاخريين وجهر.

قال الاميني : إن ما ارتكبه الخليفتان مخالف للسنة من ناحيتين ، الاولى :

الاجتزاء بركعة لاقراء‌ة فيها.والثانية : تكرير الحمد في الاخيرة أو الاخريين بقضاء الفائتة

مع صاحبة الركعة ، وكلاهما خارجان عن السنة الثابتة لا يتجزأ بالصلاة التي يكونان

فيها ، أما الناحية الاولى فاليك نبذة مماورد فيها :

1- عن عبادة بن الصامت مرفوعا : لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا.

وفي لفظ : لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إمام أوغيرإمام.

وفي لفظ الدارمي : من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له.

 

 

/  ص 174  /

 

راجع صحيح البخاري 1 : 302 ، صحيح مسلم 1 : 155 ، صحيح أبي داود 1 : 131 ، سنن الترمذي 1 : 34 ، 41 ، سنن النسائي 2 : 137 ، 138 ، سنن الدارمي 1 : 283 ، سنن ابن ماجة 1 : 276 ، سنن البيهقي 2 : 38 ، 61 ، 164 ، مسند أحمد 5 : 314 ، 321 ، كتاب الام 1 : 93 ، المحلى لابن حزم 3 : 236 ، المصابيح للبغوي 1 : 57 وصححه ، المدونة الكبرى 1 : 70.

1- عن أبي هريرة مرفوعا : لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج ، غير تمام.

وفي لفظ : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ، فهي خداج " ثلاثا " غير تمام.

وفي لفظ الشافعي : كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.الحديث.

وفي لفظ أحمد : أيما صلاة لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، ثم هي خداج ، ثم هي خداج.

راجع مسند أحمد 2 : 241 ، 285 ، كتاب الام للشافعي 1 : 93 ، موطأ مالك 1 : 81 ، المدونة الكبرى 1 : 70 ، صحيح مسلم 1 : 155 ، 156 ، سنن أبي داود 1 : 130 ، سنن ابن ماجة

1 : 277 ، سنن الترمذي 1 : 42 ، سنن النسائي 2 : 135 ، سنن البيهقي 2 : 38 ، 39 ، 40 ، 159 ، 167 ، مصابيح السنة 1 : 57.

3- عن أبي هريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يخرج فينادي : لا صلاة إلا بقراء‌ة فاتحة الكتاب فمازاد.

أخرجه أحمد في المسند 2 : 428 ، الترمذي في صحيحه 1 : 42 ، أبوداود في سننه 1 : 130 ، البيهقي في سننه 2 : 37 ، 59 ، والحاحم في المستدرك 1 : 239 وقال : صحيح لاغبار عليه.

4- عن عائشة مرفوعا : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج.

أخرجه أحمد في مسنده 6 : 146 ، 275 ، وابن ماجة في سننه 1 : 277.ويوجد في كنز العمال 4 : 95 ، 96 من طريق عائشة ، وابن عمر ، وعلي ، وأبي أمامة نقلا عن أحمد ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والخطيب ، وابن حبان ، وابن عساكر ، وابن عدي.

5- عن أبي سعيد الخدري مرفوعا : لاصلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد

 

/  ص 175  /

 

وسورة في فريضة أوغيرها.صحيح الترمذي 1 : 32 ، سنن ابن ماجة 1 : 277 ، كنز العمال 5 : 95.

6- عن أبي سعيد قال أمرنارسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وبما تيسر.

سنن البيهقي 2 : 60 ، سنن أبي داود 1 : 130 ، تيسير الوصول 2 : 223.

7- عن أبي قتادة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الاوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.

وفي لفظ مسلم وأبي داود : كان يصلي بنا فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتبن الاوليين بفاتحة الكتاب وسورتين.الحديث.

راجع صحيح البخاري 2 : 55 ، صحيح مسلم 1 : 177 ، سنن الدارمي 1 : 296 ، سنن أبي داود 1 : 128 ، سنن النسائي 2 : 165 ، 166 ، سنن ابن ماجة 1 : 275 ، سنن البيهقي 2 : 59 ، 63 ، 66 ، 193 ، مصابيح السنة 1 : 57 وصححه.

8- عن سمرة بن جندب قال : حفظت سكتتين في الصلاة.

وفي لفظ : حفظت سكتتين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : سكتة إذا كبر الامام حتى يقرأ ، وسكتة إذافرغ من فاتحة الكتاب وسورة عندالركوع.

سنن أبي داود 1 : 124 ، صحيح الترمذي 1 : 34 ، سنن الدارمي 1 : 283 ، سنن ابن ماجة 1 : 278 ، سنن البيهقي 2 : 196 ، مستدرك الحاكم 1 : 215 ، مصابيح السنة 1 : 56 ، تيسير الوصول 2 : 229.

9- عن رفاعة بن رافع قال : جاء رجل يصلي في المسجد قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أعد صلاتك فانك لم تصل . فعاد فصلى كنحو مما صلى فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعد صلاتك فانك لم تصل. فقال : علمني يا رسول الله كيف اصلي ؟ قال : إذا توجهت إلى القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وماشاء الله أن تقرأ ، فاذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك ومكن ركوعك وامداد ظهرك فاذا رفعت فأقم صلبك ، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ، فاذاسجدت فمكن سجودك فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى ، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن.وفي لفظ أحمد : فاذا أتممت صلاتك على هذا فقد أتممتها ، وما انتقصت

 

 

/  ص 176  /

 

من هذا من شيء فانما تنقصه من صلاتك.

سنن أبي داود 1 : 137 ، سنن البيهقي 2 : 345 ، مسند أحمد 4 : 340 ، كتاب الام للشافعي 1 : 88 ، مستدرك الحاكم 1 : 241 ، 242 ، المحلى لابن حزم 3 : 256.

وأخرج البخاري مثله من طريق أبي هريرة في صحيحه 1 : 314 ، وكذلك مسلم في صحيحه 1 : 117 ، وذكرره البيهقي في سننه 2 : 37 ، 62 ، 122 نقلا عن الشيخين.

10- عن وائل بن حجر قال : شهدت النبي صلى الله عليه وسلم وأتي باناء "إلى أن قال":

فدخل في المحراب فصف الناس خلفه وعن يمينه وعن يساره ثم رفع يديه حتى حاذتا شمحة اذنيه ثم وضع يمينه على يساره وعند صدره ثم افتتح القراء‌ة فجهر بالحمد ثم فرغ من سورة الحمد فقال : آمين.حتى سمع من خلفه ثم قرأسورة أخرى ثم رفع يديه بالتكبير حتى حاذتا بشمحة أذنيه ، ثم ركع فجعل يديه على ركبته " إلى أن قال " : ثم صلى أربع ركعات يفعل فيهن مافعل في هذه.مجمع الزوائد 2 : 134.

11- عن عبدالرحمن بن أبزي قال : ألا أريكم صلاة رسول الله ؟ فقلنا : بلى :

فقام فكبر ثم قرأ ثم ركع فوضع يديه على ركبتيه حتى أخذ كل عضو مأخذه ثم رفع حتى أخذ كل عضو مأخذه ، ثم سجد حتى أخذكل عضو مأخذه ، ثم رفع حتى أخذ كل وعضو مأخذه ، ثم سجد حتى أخذ كل عضو مأخذه ، ثم رفع فصنع في الركعة الثانية كما صنع في الركعة الاولى.ثم قال: هكذا صلاة رسول الله.

أخرجه أحمد في المسند 3 : 407 ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 130 فقال : رجاله ثقات.

12- عن عبدالرحمن بن غنم قال : إن أباملك الاشعري قال لقومه : قوموا حتى أصلي بكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فصففنا خلفه وكبر ثم قرأ بفاتحة الكتاب فسمع من يليه ثم كبر فركع ثم رفع رأسه فكبر ، فصنع ذلك في صلاته كلها.

 

- صورة مفصلة بلفظ أحمد :

إن أبا ملك الاشعري جمع قومه فقال : يا معشر الاشعريين اجتمعوا واجمعوا نساء‌كم وأبناء‌كم اعلمكم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم صلى لنا بالمدينة.فاجتمعوا وجمعوا نساء‌هم وأبناء‌هم فتوضأ وأراهم كيف يتوضأ فأحصى الوضوء‌إلى أماكنه حتى لما

 

/  ص 177  /

 

ان فاء الفئ وانكسر الظل قام فأذن وصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم ، وصف النساء خلف الولدان ، ثم أقام الصلاة فتقدم فرفع يديه وكبر فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة يسر بهما ثم كبر فركع فقال : سبحان الله وبحمده.ثلاث مرات

ثم قال : سمع الله لمن حمده ، واستوى قائما ، ثم كبر وخر ساجدا ، ثم كبر فرفع رأسه ، ثم كبر فسجد ، ثم كبر فانتهض قائما ، فكان تكبيره في أول ركعة ست تكبيرات وكبر حين قام إلى الركعة الثانية ، فلما قضى صلاته أقبل على قومه بوجهه فقال : احفظوا تكبيري وتعلموا ركوعي وسجودي فانها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي كان يصلي لنا كذي الساعة من النهار.

أخرجه أحمد في المسند 5 : 343 ، وعبدالرزاق والعقيلي كما في كنز العمال 4 : 221 ، وذكره الهيثمي في المجمع 2 : 130.

13- أخرج أبوحنيفة وأبومعاوية وابن فضيل وأبوسفيان عن أبي نضرة عن سعيد عن النبي عليه السلام قال : لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد لله وسورة في الفريضة وغيرها.أحكام القرآن للجصاص 1 : 23.

14- عن أنس بن مالك : كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر يستفتحون القراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.كتاب الام للشافعي 1 : 93.

15- عن علي بن أبي طالب قال : من السنة أن يقرأ الامام في الركعتين الاوليين من صلاة الظهر بأم الكتاب وسورة سرا في نفسه ، وينصت من خلفه ويقرأون في أنفسهم ويقرأ في الركعتين الاخريين بفاتحة الكتاب في كل ركعة ويستغفر الله ويذكره ويفعل في العصر مثل ذلك.

بهذااللفظ حكاه السيوطي عن البيهقي كما في كنز العمال 4 : 251 وفي السنن الكبرى للبيهقي 2 : 168 لفظه : إنه كان يأمر أو يحث أن يقرأ خلف الامام في الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفي الركعتين الاخريين بفاتحة الكتاب.وقريبا من هذا اللفظ أخرجه الحاكم في المستدرك 1 : 239.

16- عن عائشة قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.

 

 

/  ص 178  /

 

راجع صحيح مسلم 1 : 142 ، سنن أبي داود 2 : 125 ، سنن ابن ماجة 1 : 271 ، سنن البيهقي 2 : 113.

17- عن أبي هريرة قال : في كل الصلاة يقرأ ، فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعنا كم ، وما أخفى علينا أخفينا عليكم.وفي لفظ : في كل صلاة قراء‌ة.

مسند أحمد 2 : 348 ، صحيح مسلم 1 : 116 ، سنن أبي داود 1 : 127 ، سنن النسائي 2 : 163 ، سنن البيهقي 2 : 40 عن مسلم ، وفي ص 61 عن البخاري ، تيسير الوصول 2 : 228.

18- عن أبي هريرة قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح القراء‌ة بالحمد لله رب العالمين.أخرجه ابن ماجة في سننه 1 : 271.

وأخرجه الدارمي من طريق أنس بن مالك مع زيادة في سننه 1 : 83 ، والنسائي في سننه 2 : 133 ، والشافعي في كتاب الام 1 : 93.

19- عن عمروبن شعيب عن أبيه عن جده عبدالله بن عمرو بن العاصي مرفوعا : كل صلاة لايقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ، فهي خداج ، فهي خداج.وفي لفظ أحمد : فهي خداح ، ثم هي خداج ، ثم هي خداج.

أخرجه أحمد في المسند 2 : 204 ، 215 ، وابن ماجة في سننه 1 : 278.

20- أخرج أبوداود في سننه 1 : 119 من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه كان إذا قام إلى الصلاة كبر ورفع يديه حذومنكبيه ، و يصنع ذلك إذا قضى قراء‌ته وإذا أراد أن يركع.

21- كان أبوحميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو قتادة فقال أبوحميد : أنا اعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يقرأ حتى يقر كل عظم في موضعه معتدلا ثم يقرأ ثم يكبر فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يركع " ثم ذكر كيفية الركوع والسجدتين " فقال : ثم يصنع في الركعة الاخرى مثل ذلك.

سنن أبي داود 1 : 116 ، سنن الدارمي 1 : 313 ، سنن ابن ماجة 1 : 283 و ذكر شطرا منه ، سنن البيهقي 2 : 72 ، مصابيح السنة 1 : 54.

 

 

/  ص 179  /

 

22- عن جابر بن عبدالله قال : يقرأ في الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.قال : وكنا نحدث انه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما فوق ذاك.

وفي لفظ الطبراني : سنة القراء‌ة في الصلاة أن يقرأ في الاوليين بأم القراآن وسورة ، وفي الاخريين بأم القرآن.

سنن البيهقي 2 : 63 فقال : وروينا مادل على هذا عن علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود وعائشة.وأخرجه ابن أبي شيبة كما في كنز العمال 4 : 209 ، 250 ، ورواه الطبراني باللفظ المذكور كما في مجمع الزوائد 2 : 115.

23- عن جابر بن عبدالله : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بام القرآن فلم يصل إلا وراء‌إمام.

صحيح الترمذي 1 : 42 ، وصححه ، موطأ مالك 1 : 80 ، المدونة الكبرى لمالك 1 : 70 ، سنن البيهقي 2 : 160 ، تيسير الوصول 2 : 223.

24- عن عبدالله بن عمر مرفوعا : من صلى مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأم القرآن وقرآن معها ، ومن صلى صلاة لم يقرأ فيها فهي خداج.ثلاثا.

أخرجه عبدالرزاق كمافي كنز العمال 4 : 96 وحسنه.

25- عن أبي هريرة مرفوعا : لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب.

وفي لفظ الدار قطني وصححه : لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها فاتحة الكتاب.

وفي لفظ أحمد : لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب.

كنزالعمال 4 : 96 نقلا عن جمع من الحفاظ.

26- عن أبي الدرداء : إقرأ في الركعتين الاوليين من الظهر والعصر والعشاء الآخرة في كل ركعة بأم القرآن وسورة ، وفي الركعة الآخرة من المغرب بأم القرآن كنز العمال 4 : 207.

27- عن حسين بن عرفطة مرفوعا : إذا قمت في الصلاة فقل : بسم الله الرحمن الرحيم ، ألحمد لله رب العالمين.حتى تختمها ، قل هوالله أحد إلى آخرها.أخرجه الدار قطني كما في كنز العمال 4 : 96.

28- عن ابن عباس : لا تصلين صلاة حتى تقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ، ولا

 

 

/  ص 180  /

 

تدع أن تقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة.أخرجه عبدالرزاق في الكنز 4 : 208.

29- عن ابن سيرين قال : إن ابن مسعود كان يقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الاوليين بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة ، وفي الاخريين بفاتحة الكتاب.

ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 117 فقال : رجاله ثقات إلا أن ابن سيرين لم يسمع من ابن مسعود.

30- عن زيد بن ثابت قال : القراء‌ة سنة لاتخالف الناس برأيك.أخرجه الطبرانيي في الكبير كما في مجمع الزوائد 2 : 115.

هذه سنة نبي الاسلام في قراء‌ة الفاتحة في كل ركعة من الفرائض والنوافل وعلى هذه فتاوى أئمة المذاهب وإليك نصوصها :

 

- رأي الشافعي :

قال إمام الشافعية في كتاب " الام " 1 : 93 : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرأ القارئ في الصلاة بام القرآن ، ودل على انها فرض على المصلي إذا كان يحسن أن يقرؤها.فذكر عدة من الاحاديث فقال : فواجب على من صلى منفردا أو إماما أن يقرأ بأم القرآن في كل ركعة لايجزيه غيرها ، وإن ترك من أم القرآن حرفاواحدا ناسيا أو تساهيا لم يعتد بتلك الركعة ، من ترك منها حرفا لايقال له قرأ أم القرآن على الكمال وقال في صفحة 89 فيمن لايحسن القراء‌ة : فان لم يحسن سبع آيات وأحسن أقل منهن لم يجزه إلا أن يقرأ بما أحسن كله إذا كان سبع آيات أو أقل ، فإن قرأ بأقل منه أعاد الركعة التي لم يكمل فيها سبع آيات إذا أحسنهن.

قال : ومن أحسن أقل من سبع آيات فأم أو صلى منفردا ردد بعض الآي حتى يقرأ به سبع آيات أو ثمان آيات ، وإن لم أر عليه إعادة ، ولا يجزيه في كل ركعة إلا قراء‌ة ما أحسن مما بينه وبين أن يكمل سبع آيات أو ثمان آيات من أحسنهن.

وقال (1) : وأقل ما يجزئ من عمل الصلاة أن يحرم ويقرأ بأم القرآن يبتدئها ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " إن أحسنها ، ويركع حتى يطمأن راكعا ، ويرفع حتى يعتدل قائما ، ويسجد حتى يطمئن ساجدا على الجبهة ، ثم يرفع حتى يعتد جالسا ، ثم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذكره المزنى في مختصره هامش كتاب الام 1 : 90 ، 91.

 

 

/  ص 181  /

 

يسجد الاخرى كما وصفت ، ثم يقوم حتى يفعل ذلك في كل ركعة ، ويجلس في الرابعة ويتشهد ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويسلم تسليمه يقول : السلام عليكم ، فاذا فعل ذلك أجزأته صلاته وضيع حظ نفسه فيما ترك ، وإن كان يحسن أم القرآن فيحمد الله و يكبره مكان أم القرآن لا يجزئه غيره ، وإن كان يحسن غير أم القرآن قرأ بقدرها سبع آيات لايجزئه دون ذلك ، فإن ترك من أم القرآن حرفا وهو في الركعة رجع اليه وأتمها ، وإن لم يذكر حتى خرج من الصلاة وتطاول ذلك أعاد.

وقال في كتاب " الام " 1 : 217 : إن من ترك أم القرآن في ركعة من صلاة الكسوف في القيام الاول أو القيام الثاني لم يعتد بتلك الركعة ، وصلى ركعة أخرى وسجد سجدتي السهو ، كما إذا ترك أم القرآن في ركعة واحدة من صلاة المكتوبة لم يعتد بها.

 

- رأي مالك :

وقال أمام المالكية كما في المدونة الكبرى 1 : 68 : ليس العمل على قول عمر حين ترك القراء‌ة (1) فقالوا له : إنك لم تقرأ ؟ فقال : كيف كان الركوع والسجود ؟ قالوا حسن.

قال : فلابأس إذن.وأرى أن يعيد من فعل هذا وإن ذهب الوقت.

وقال في رجل ترك القراء‌ة في ركعتين من الظهر أو العصر أو العشاء الآخرة : لا تجزئه الصلاة و عليه أن يعيد ، ومن ترك القراء‌ة في جل ذلك أعاد ، وإن قرأ في بعضها وترك في بعضها أعاد أيضا ، وإذا قرأ في ركعتين وترك القراء‌ة في ركعتين ، فانه يعيد الصلاة من أي

الصلات كانت.

وقال : من نسي قراء‌ة أم القرآن حتى قرأ سورة فانه يرجع فيقرأ أم القرآن ثم يقرأ سورة أيضا بعد قراء‌ته أم القرآن.وقال : لا يقضي قراء‌ة نسيها من ركعة في ركعة أخرى.وقال فيمن ترك أم القرآن في الركعتين وقد قرأ بغير أم القرآن : يعيد صلاته ، وقال في رجل ترك القراء‌ة في ركعة في الفريضة.يلغي تلك الركعة بسجدتيها ولايعتد بها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مر حديثه في الجزء السادس صفحة 100 ط 1 و 108 ط 2.

 

 

/  ص 182  /

 

- رأي الحنابلة :

قال ابن حزم في المحلى 3 : 236 : وقراء‌ة أم القرآن فرض في كل ركعة من كل صلاة إماما كان أو مأموما أو منفردا ، والفرض والتطوع سواء ، والرجال والنساء سواء.ثم ذكر جملة من أدلة المسألة.

وذكر في ص 243 فعل عمر وما يعزى إلى علي وحاشا من ذلك فقال : لا حجة في قول أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال في ص 250 : من نسي التعوذ أو شيئا من أم القرآن حتى ركع أعاد متى ذكر فيها وسجد للسهو إن كان إماما أو فذا ، فان كان مأموما ألغى ما قد نسي إلى أن ذكر ، وإذا أتم الامام قام يقضي ما كان ألغى ثم سجد للسهو ، ولقد ذكرنا برهان ذلك في من نسي فرضافي صلاته فانه يعيد مالم يصل كما أمر ، ويعيد ما صلى كما أمر.

قال : ومن كان لايحفظ أم القرآن وقرأ ما أمكنه من القرآن إن كان يعلمه ، لاحد في ذلك وأجزأه ، وليسع في تعلم أم القرآن فإن عرف بعضها ولم يعرف البعض قرأ ما عرف منها فأجزأه ، وليسع في تعلم الباقي ، فإن لم يحفظ شيئا من القرآن صلى كما هو يقوم ويذكر الله كما يحسن بلغته ويركع ويسجد حتى يتم صلاته ويجزيه ، وليسع في تعلم أم القرآن.

وقال الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 233 : إختلف القائلون بتعيين الفاتحة في كل ركعة هل تصح صلاة من نسيها ؟ فذهبت الشافعية وأحمد بن حنبل إلى عدم الصحة وروى ابن القاسم عن مالك : انه إن نسيها في ركعة من صلى ركعتين فسدت صلاته ، وإن نسيهافي ركعة من صلى ثلاثية أو رباعية فروي عنه إنه يعيدها ولا تجزئه ، وروي عنه : انه يسجد سجدتي السهو ، وروي عنه : انه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام ، ومقتضى الشرطية التي نبهناك على صلاحية الاحاديث للدلالة عليها : ان الناسي يعيد الصلاة كمن صلى بغير وضوء ناسيا.اه‍.

وأما أبوحنيفة إمام الحنفية فان له في مسائل الصلاة آراء ساقطة تشبه أقوال المستهزأ بها وحسبك برهنة صلاة القفال (1) ، وسنفصل القول في تلكم الآراء الشاذة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ذكرهاابن خلكان في تاريخه في ترجمة السلطان محمود السبكتكين.

 

 

/  ص 183  /

 

عن الكتاب والسنة ، وقد اجتهد في المسألة تجاه تلكم النصوص قال الجصاص في " أحكام القرآن " 1 : 18 : قال أصحابنا الحنفية جميعا رحمهم الله : يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة في كل ركعة من الاوليين ، فإن ترك قراء‌ة فاتحة الكتاب وقرأ غيرها فقد أساء وتجزيه صلاته.اه‍.

قال ابن حجر في فتح الباري : ان الحنفية يقولون بوجوب قراء‌ة الفاتحة لكن بنوا على قاعدتهم انها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لان وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لاتتم الصلاة إلا به فرض والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى : فاقرأوا ماتيسر منه.فالفرض قراء‌ة ما تيسر ، وتعين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه ، وهذا تأويل على رأي فاسد ، حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة ، فكم موطن من المواطن يقول فيها الشارع : لا يجزئ كذا ، لايقبل كذا ، لايصح كذا ، و يقول المتمسكون بهذا الرأي يجزئ ، ويقبل ، ويصح ، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي.اه‍.

وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 2 : 230.

ونظرا إلى الاهمية الواردة في قراء‌ة أم الكتاب في الصلوات كلها ، وأخدا بظاهر : لاصلاة الا بفاتحة الكتاب ، ذهب من ذهب من القوم إلى وجوبها على المأموم ايضا مطلقا أو في الصلوات الجهرية ، قال الترمذي في الصحيح 1 : 42 : قداختلف أهل العلم في القراء‌ة خلف الامام ، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم و التابعين من بعدهم القراء‌ة خلف الامام ، وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق ، وروي عن عبدالله بن المبارك انه قال : أنا أقرأ خلف الامام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين ، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة ، وشدد قوم من أهل العلم في ترك قراء‌ة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الامام فقالوا : لا تجزئ صلاة إلا بقراء‌ة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلف الامام.اه‍.

وقد جاء مع ذلك عن عبادة بن الصامت مرفوعا : إني أراكم تقرأون وراء إمامكم فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فانه لاصلاة لمن لم يقرأها.

وفي لفظ أبي داود : لا تقرؤا بشئ من القرآن اذا جهرت إلا بأم القرآن.

 

 

/  ص 184  /

 

وفي لفظ النسائي وابن ماجة : لا يقرأن أحد منكم إذاجهرت بالقراء‌ة إلا بأم القرآن.

وفي لفظ الحاكم : إذا قرأالامام فلا تقرأوا إلا بأم القرآن فانه لا صلاة لمن لم يقرأ بها.

وفي لفظ الطبراني : من صلى خلف الامام فليقرأ بفاتحة الكتاب.

وعن أنس بن مالك مرفوعا : أتقرأون في صلاتكم خلف الامام بقرآن والامام يقرأ ؟ فلاتفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه.

وعن أبي قلابة مرسلا : أتقرأون خلفي وأنا أقرأ فلا تفعلوا ذلك ، ليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه سرا (1) .

قال ابن حزم في المحلى 3 : 239 : اختلف اصحابنا فقالت طائفة : فرض على المأموم أن يقرأ أم القرآن في كل ركعة أسر الامام أوجهر ، وقالت طائفة : هذا فرض عليه فيماأسر فيه الامام خاصة ولا يقرأ فيما جهر فيه الامام ، ولم يختلفوا في وجوب قراء‌ة ام القرآن فرضا في كل ركعة على الامام والمنفرد.

وأخرج البيهقي أحاديث صحاح تدل على ان القراء‌ة تسقط مع الامام جهر أو لم يجهر.وذكر قول من قال : يقرأ خلف الامام مطلقا ثم قال : هو أصح الاقوال على السنة واحوطها.راجع السنن الكبرى 2 : 159 166.

هذا تمام القول في الناحية الاولى من ناحيتي مخالفة عمل الخليفتين في الصلاة للسنة الشريفة ، ومن ذلك كله ، يعلم حكم الناحية الثانية وان الامة مطبقة على ان تدارك الفائتة من قراء‌ة ركعة في ركعة اخرى لم يرد في السنة النبوية ، وإن رأي الرجلين غير مدعوم بحجة ، لايعمل به ، ولايعول عليه ، ولايستن به قط أحد من رجال الفتوى ، والحق أحق أن يتبع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مسند أحمد 2 : 302 ، 308 ، ج 5 : 313 ، 316 ، 322 ، سنن الترمذى 1 : 42 ، المحلى لابن حزم 3 : 236 ، مستدرك الحاكم 1 : 238 ، 239 ، سنن النسائى 2 : 141 ، سنن البيهقى 2 : 164 ، 165 ، مصابيح السنة 1 : 60.

 

 

ـ 14 ـ

رأي الخليفة في صلاة المسافر

أخرج أبوعبيد في الغريب وعبدالرزاق والطحاوي وابن حزم عن بي المهلب قال : كتب عثمان : انه بلغني ان قوما يخرجون إمالتجارة أولجباية أولحشرية (1) يقصرون الصلاة وإنما يقصر الصلاة من كان شاخصا أوبحضرة عدو ومن طريق قتادة عن عياش المخزومي : كتب عثمان إلى بعض عماله : انه لايصلي الركعتين المقيم ولا البادي ولا التاجر ، إنما يصلي الركعتين من معه الزاد والمزاد.

وفي لفظ ابن حزم : إن عثمان كتب إلى عماله : لا يصلي الركعتين جاب ولا تاجر ولا تان (2) إنما يصلي الركعتين.الخ.

وفي لسان العرب : في حديث عثمان رضي الله عنه انه قال : لا يغرنكم جشركم من صلاتكم فانما يقصر الصلاة من كان شاخصا أو يحضره عدو.قال أبوعبيد : الجشر القوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى ، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت (3)

وفي هامش سنن البيهقي 3 : 137 : شاخصا : يعني رسولا في حاجة ، وفي النهاية : شاخصا : أى مسافرا ومنه حديث أبي أيوب : فلم يزل شاخصا في سبيل الله.

قال الاميني : من أين جاء عثمان بهذا القيد في السفر ؟ والاحاديث المأثورة في صلاته مطلقات كلها كما أوقفناك عليها في ص 111- 115 ، وقبلها عموم قوله تعالى : وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة (4) ولابي حنيفة وأصحابه والثوري وأبي ثور في عموم الآية نظر واسع لم يخصوه بالمباح من السفر بل قالوا بانه يعم سفر المعصية أيضا كقطع الطريق والبغي كما ذكره ابن حزم في المحلى 4 : 264 ، والجصاص في أحكام القرآن

2 : 312 ، وابن رشد في بداية المجتهد 1 : 163 ، وملك العلماء في البدايع 1 : 93 ، والخازن في تفسيره 1 : 413.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا في النسخ بالمهملة والصحيح كما يأتي ، الجشر.بالمعجمة.

 (2) التناية : هى الفلاحة والزراعة " نهاية ابن الاثير ".

 (3) سنن البيهقى 3 : 126 ، المحلى لابن حزم 5 : 1 ، نهاية ابن الاثير 2 : 325 ، لسان العرب 5 : 207 ، كنز العمال 4 : 239 ، تاج العروس : 100 وج 4 : 401.

(4) سورة النساء 101.

 

 

/  ص 186  /

 

وليس لحضور العدو أي دخل في القصر والاتمام وإنما الخوف وحضور العدو لهما شأن خاص في الصلوات ، وأحكام تخص بهما ، وناموس مقرر لا يعدوهما.

فمقتضى الادلة كماذهبت اليه الامة جمعاء : ان التاجر والجابي والتاني والجشرية وغيرهم إذا بلغوا مبلغ السفر فحكمهم القصر ، فهم وبقية المسافرين شرع سواء ، وإلا فهم جميعا في حكم الحضور يتمون صلاتهم من دون أي فرق بين الاصناف ، وليس تفصيل الخليفة إلا فتوى مجردة ورأيا يخص به ، وتقولا لايؤبه له تجاه النصوص النبوية ، وإطباق الصحابة ، واتفاق الامة ، وتساند الائمة والعلماء ، وإنما ذكرناه هنا لايقافك على مبلغ الرجل من الفقاهة ، أو تسرعه في الفتيا من غير فحص عن الدليل ، أوأنه عرف الدليل لكنه لم يكترث له وقال قولا أمام قول رسول الله صلى الله عليه وآله.

كناطـــح صخـــرة يوما ليقلعها * فلم يضرها فأوهى قرنه الوعل

على أن التاجر جاء فيه ما أخرجه ابن جرير الطبري وغيره من طريق علي كرم الله وجهه قال : سأل قوم من التجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يارسول الله  إنانضرب في الارض فكيف نصلي ؟ فأنزل الله تعالى: وإذاضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروامن الصلاة (1) .

وأخرج أبوبكر بن أبي شيبة عن وكيع عن الاعمش عن ابراهيم قال : جاء رجل فقال : يارسول الله  إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين فأمره أن يصلي بركعتين(2).

 

 

ـ 15 ـ

رأي الخليفة في صيد الحرم (3)

أخرج إمام الحنابلة أحمد وغيره باسناد صحيح عن عبدالله بن الحارث بن نوفل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تفسير ابن جرير 5 : 155 ، مقدمات المدونة الكبرى لابن رشد 1 : 136 ، تفسير ابن عطية كما في تفسير القرطبي 5 : 362 ، الدر المنثور 2 : 209 ، تفسير الشوكانى 1 : 471 تفسير الالوسى 5 : 134.

 (2) تفسير ابن كثير 1 : 544 ، الدر المنثور 2 : 210

 (3) مسند أحمد 1 : 100 ، 104 ، كتاب الام للشافعي 7 : 157 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، تفسير الطبرى 7 : 45 ، 46 المحلى لا بن حزم 8 : 254 ، كنز العمال 3 : 53 ، نقلا عن أحمد وأبى داود وابن جرير وقال : صححه ، وعن الطحاوى و أبى يعلى والبيهقى.

 

 

/  ص 187  /

 

قال : أقبل عثمان إلى مكة فاستقبلت بقديد فاصطاد أهل الماء حجلا فطبخناه بماء وملح فقدمناه إلى عثمان وأصحابه فأمسكوا فقال عثمان : صيد لم نصده ولم نأمر بصيده إصطاده قوم حل فأطعموناه فما بأس به.فبعث إلى علي فجاء فذكر له فغضب علي و قال : انشد رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي بقائمة حمار وحش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا قوم حرم فأطعموه أهل الحل ؟ فشهد إثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال علي : أنشد الله رجلا شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتي ببيض النعام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إناقوم حرم أطعموه أهل الحل ؟ فشهد دونهم من العدة من الاثنى عشر قال :

فثنى عثمان وركه من الطعام فدخل رحله وأكل الطعام أهل الماء.

وفي لفظ آخر لاحمد عن عبدالله بن الحرث : إن أباه ولي طعام عثمان قال : فكأني أنظر إلى الحجل حوالي الجفان فجاء رجل فقال :

إن عليا رضي الله عنه يكره هذا فبعث إلى علي وهو ملطخ يديه بالخبط فقال :

إنك لكثير الخلاف علينا فقال علي :

اذكر الله من شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعجز حمار وحش وهو محرم فقال :

إنا محرمون فأطعموه أهل الحل ، فقام رجال فشهدوا ثم قال :

اذكر الله رجلا شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتي بخمس بيضات بيض نعام فقال :

إنا محرمون فأطعموه أهل الحل فقام رجال فشهدوا ، فقام عثمان فدخل فسطاطه وتركوا الطعام على أهل الماء.

وفي لفظ الامام الشافعي : ان عثمان أهديت له حجل وهو محرم فأكل القوم إلا عليا فانه كره ذلك.

وفي لفظ لابن جرير : حج عثمان بن عفان فحج علي معه فاتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكله علي فقال عثمان : والله ماصدنا ولا أمرنا ولاأشرنا

فقال علي : وحرم عليكم صيدالبر مادمتم حرما." سورة المائدة : 96 ".

وفي لفظ : ان عثمان بن عفان رضي الله عنه نزل قديدا فاتي بالحجل في الجفان شائلة بأرجلها فأرسل إلى علي رضي الله عنه وهو يضفر (1) بعيرا له فجاء والخبط ينحات من يديه ، فأمسك علي وأمسك الناس فقال علي : من هاهنا من أشجع ؟ هل تعلمون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ضفر الدابة يضفر ها ضفرا : ألقى اللجام في فيها.والضفر : ما شددت به البعير من الشعر المضفور.والمضفور والضفير : الحبل المفتول.الضفائر : الدوائب المضفورة.

 

 

/  ص 188  /

 

أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء أعرابي ببيضات نعام وتتمير (1) وحش فقال : أطعمهن أهلك فانا حرم ؟

قالوا : بلى.فتورك عثمان عن سريره ونزل فقال : خبثت علينا.

وفي لفظ البيهقي : كان الحارث خليفة عثمان رضي الله عنه على الطائف ، فصنع لعثمان رضي الله عنه طعاما وصنع فيه من الحجل واليعاقيب ولحوم الوحش قال : فبعث إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فجاء الرسول وهو يخبط لاباعرله ، فجاء‌ه وهو ينفض الخبط من يده فقالوا له : كل.فقال : اطعموه قوما حلالا فانا قوم حرم ، ثم قال علي رضي الله عنه : أنشدالله من كان هاهنا من أشجع ، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكله ؟ قالوا : نعم.

وأخرج الطبري من طريق صبيح بن عبدالله العبسي قال : بعث عثمان بن عفان أبا سفيان بن الحرث على العروض فنزل قديدا فمر به رجل من أهل الشام معه باز و سقر فاستعار منه فاصطاد به من اليعاقيب فجعلهن في حظيرة فلما مر به عثمان طبخهن ثم قدمهن إليه فقال عثمان : كلوا فقال بعضهم : حتى يجئ علي بن أبي طالب.فلما جاء فرأى مابين أيديهم قال علي : إنا لانأكل منه.فقال عثمان مالك لاتأكل ؟

فقال : هو صيد لايحل أكله وأنامحرم.

فقال عثمان : بين لنا.فقال علي : " يا أيها الذين آمنوا لاتقتلوا الصيد وأنتم حرم ".

فقال عثمان : أونحن قتلناه ؟ فقرأ عليه : أحل لكم صيد البحر

وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما.

وأخرج سعيد بن منصور كما ذكره ابن حزم من طريق بسربن سعيد قال : إن عثمان بن عفان كان يصاد له الوحش على المنازل ثم يذبح فيأكله وهو محرم سنتين من خلافته ، ثم إن الزبير كلمه فقال : ماأدري ماهذا يصاد لنا ومن أجلنا ، لو تركناه فتركه.

قال الاميني : هذه القصة تشف عن تقاعس فقه الخليفة عن بلوغ مدى هذه المسألة ، أو أنه راقه إتباع الخليفة الثاني في الرأي حيث كان يأمر المحرم بأكل لحم الصيد ، ويحذر أهل الفتوى عن خلافه مهددا بالدرة إن فعل وسيوافيك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) التتمير : التقديد.والتتمير : التيبيس.والتتمير : أن يقطع اللحم صغاراو يجفف.واللحم المتمر : المقطع (لسان العرب) .

 

 

/  ص 189  /

 

تفصيله إنشاء‌الله تعالى ، غير أن عثمان أفحمه مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالكتاب والسنة

فلم يجد ندحة من الدخول في فسطاطه والاكتفاء بقوله : إنك لكثير الخلاف علينا.

وهذا القول ينم عن توفر الخلاف بين مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وبين الخليفة ، ومن الواضح الجلي ان الحق كلما شجر خلاف بين مولانا علي عليه السلام وبين غيره كائنامن كان لا يعدو كفة الامام صلوات الله عليه للنص النبوي : علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة (1) وقوله : علي مع القرآن والقرآن معه لا يفترقان حتى يردا علي الحوض (2) وانه باب مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله ، ووارث علمه ، وعيبة علمه وأقضى أمته (3) وكان سلام الله عليه منزها عن الخلاف لاتباع هوى أواحتدام بغضاء بينه وبين غيره ، فإن ذلك من الرجس الذي نفاه الله عنه عليه السلام في آية التطهير.وقد طأطأ كل عيلم لعلمه ، وكان من المتسالم عليه انه اعلم الناس بالسنة ؟ ولذلك لما نهى عمر عبدالله بن جعفر عن لبس الثياب المعصفرة في الاحرام جابهه الامام عليه السلام بقوله : ما أخال أحدا يعلمنا السنة (4) فسكت عمر إذ كان لم يجد منتدحا عن الاخبات إلى قوله ، ولو كان غيره عليه السلام لعلاه بالدرة ، ولذلك كان عمر يرجع إليه في كل أمر عصيب فإذا حله قال : لولا علي لهلك عمر (5) أو نظير هذا القول وسيوافيك عن عثمان نفسه قوله : لولا علي لهلك عثمان.

فرأي الامام الطاهر هو المتبع وهو المعتضد بالكتاب بقوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ، كما استدل به عليه السلام على عثمان ، فبعمومه كماحكاه ابن حزم في المحلى

7 : 249 عن طائفة ظاهر في أن الشئ المتصيد هو المحرم ملكه وذبحه وأكله كيف كان ، فحرموا على المحرم أكل لحم الصيد وإن صاده لنفسه حلال ، وإن ذبحه حلال ، وحرموا عليه ذبح شيء منه وإن كان قد ملكه قبل احرامه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع مامر في الجزء الثالث ص 155 158 ط 1 ، و 176 180 ط 2.

 (2) راجع مااسلفناه في الجزء الثالث ص 158 ط 1 ، و 180 ط 2.

 (3) راجع ما فصلناه في الجزء السادس ص 54 73 ط 1 ، و 61 81 ط 2.

 (4) كتاب الام للامام الشافعى 2 : 126 ، المحلى لابن حزم 7 : 260.

 (5) راجع نوادر الاثر في علم عمر في الجزء السادس من كتابنا هذا.

 

 

/  ص 190  /

 

وقال القرطبي في تفسيره 6 : 321 : التحريم ليس صفة للاعيان ، وإنما يتعلق بالافعال فمعنى قوله : وحرم عليكم صيد البر.أي فعل الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد على معنى تسمية المفعول بالفعل ، وهو الاظهر لاجماع العلماء على انه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولايجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك لعموم قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما ، ولحديث الصعب بن جثامة.وقال في ص 322 : وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر : انه لايجوز للمحرم أكل صيد على حال من الاحوال ، سواء صيد من أجله أولم يصد لعموم قوله تعالى : وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما.قال ابن عباس : هي مبهمة.وبه قال طاووس ، وجابربن زيد وأبوالشعثاء ، وروي ذلك عن الثوري ، وبه قال اسحاق ، واحتجوا بحديث ابن جثامة ويعتضد رأي الامام عليه السلام ومن تبعه بالسنة الشريفة الثابتة بما ورد في الصحاح والمسانيد وإليك جملة منه :

1- عن ابن عباس قال : يازيد بن أرقم  هل علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدي إليه عضد صيد فلم يقبله وقال : إنا حرم ؟ قال : نعم.

وفي لفظ : قدم زيدبن أرقم فقال له ابن عباس يستذكره : كيف أخبرتني عن لحم صيد أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرام ؟ قال : نعم أهدى له رجل عضوا من لحم صيد فرده

وقال : إنا لا نأكل إنا حرم.

وفي لفظ مسلم : ان زيد بن أرقم قدم فأتاه ابن عباس رضي الله عنه فاستفتاه في

لحم الصيد فقال : أتي رسول الله بلحم صيد وهو محرم فرده.

راجع صحيح مسلم 1 : 450 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن النسائي 5 : 184 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، المحلى لابن حزم 7 : 250 وقال : رويناه من طرق كلها صحاح.

2- عن الصعب بن جثامة قال : مربي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالابواء او بودان (1) وأهديت له لحم حمار وحش فرده علي فلما رأى في وجهي الكراهية قال : إنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ودان بفتح الواو قرية جامعة بين مكة والمدينة ، بينها وبين الابواء نحو من ثمانية أميال من الجحفة ، ومنها الصعب بن جثامة " معجم البلدان " .

 

 

/  ص 191  /

 

ليس بنا رد عليك ولكننا حرم.وفي لفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلحم حمار وحش فرده وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد.

راجع صحيح مسلم 1 : 449 ، مسند احمد 4 : 37 ، سنن الدارمي 2 : 39 ، سنن ابن ماجة

2 : 262 ، سنن النسائي 5 : 18 ؟ ، سنن البيهقي 5 : 192 بعدة طرق ، احكام القرآن للجصاص 2 : 586 ، تفسير الطبري 7 : 48 ، تيسير الوصول 1 : 272.

3- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم شق حمار وحش وهو محرم فرده.وفي لفظ أحمد : ان الصعب بن جثامة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم عجز حمار فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقطردما.

وفي لفظ طاووس في حديثه : عضدا من لحم صيد.

وفي لفظ مقسم : لحم حمار وحش.

وفي لفظ عطاء في حديثه : أهدي له صيد فلم يقبله وقال : إنا حرم.

وفي لفظ النسائي : أهدى الصعب بن جثامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش تقطر دما وهو محرم وهو بقديد فردها عليه.

وفي لفظ ابن حزم : انه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجل حمار وحش فرده عليه

وقال : إنا حرم لا نأكل الصيد.وفي لفظ : لولا إنا محرمون لقبلناه منك.

راجع صحيح مسلم 1 : 449 ، مسند أحمد 1 : 290 ، 338 ، 341 ، مسند الطيالسي ص 171 ، سنن النسائي 5 : 185 ، سنن البيهقي 5 : 193 ، المحلى لابن حزم ، : 249 وقال : رويناه من طرق كلها صحاح ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 586 ، تفسير القرطبي 6 : 322.

- لفت نظر : أخرج البيهقي في تجاه هذا الصحيح المتسالم عليه في السنن الكبرى 5 : 193 من طريق عمرو بن امية الضميري ان الصعب بن جثامة أهدى للنبي عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم.ثم قال : وهذا إسناد صحيح ، فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل اللحم والله أعلم.اه‍.

لا أحسب هذا مبلغ علم البيهقي وإنما أعماه حبه لتبرير الخليفة في رأيه الشاذ عن الكتاب والسنة ، فرأى الضعيف صحيحا ، وأتى في الجمع بينه وبين الصحيح المذكور بما

 

/  ص 192  /

 

يأباه صريح لفظه ، ولهذه الغاية أخرج البخاري ذلك الصحيح المتسالم عليه في صحيحه 3 : 165 وحذف منه كلمة : الشق.والعجز.والرجل.والعضد.واللحم.وتبعه في ذلك الجصاص في أحكام القرآن 2 : 586 حياالله الامانة .

وعقب ابن التركماني رأي البيهقي فيما أخرجه فقال في سنن الكبرى :

قلت : هذا في سنده يحيى بن سليمان الجعفي عن ابن وهب اخبرني يحيى بن ايوب هو الغافقي المصري ، ويحيى بن سليمان ذكره الذهبي في الميزان والكاشف عن النسائي انه ليس بثقة وقال ابن حبان : ربماأغرب.والغافقي قال النسائي ليس بذلك القوي.

وقال أبوحاتم : لايحتج به.وقال أحمد : كان سيئ الحفظ يخطئ خطئا كثيرا ، و كذبه مالك في حديثين ، فعلى هذا لا يشغل بتأويل هذا الحديث لاجل سنده ولمخالفته للحديث الصحيح ، وقول البيهقي : رد الحي وقبل اللحم يرده مافي الصحيح انه عليه السلام رده.اه‍.

4- عن عبدالله بن الحرث عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب قال : أتي النبي صلى الله عليه وسلم بلحم صيد وهو محرم فلم يأكله.

مسند أحمد 1 : 105 ، سنن ابن ماجة 2 : 263.

5- عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين إنها قالت له : ياابن اختي إنما هي عشر ليال فإن يختلج في نفسك شيء فدعه.يعني أكل لحم الصيد.

موطأ مالك 1 : 257 ، سنن البيهقي 5 : 194 ، تيسير الوصول 1 : 273.

6- عن نافع قال : أهدى إلى ابن عمر ظبيا مذبوحة بمكة فلم يقبلها ، وكان ابن عمر يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال.

رواه ابن حزم في المحلى 7 : 250 من طريق رجاله كلهم ثقات.

ولو كان عند الخليفة علم بسنة نبيه لعله لم يك يخالفها ، ولوكان عنده ما يجديه في الحجاج تجاه هذه السنة الثابتة لافاضه وماترك النوبة لاتباعه ليحتجوا له بعد لاي من عمر الدرهر بما لا يغني من الحق شيئا ، قال البيهقي في سننه 5 : 194 : أماعلي وابن عباس رضي الله عنهما فانهما ذهبا إلى تحريم أكله على المحرم مطلقا ، وقد خالفهما عمر وعثمان وطلحة والزبير وغيرهم ومعهم حديث أبي قتادة وجابر والله أعلم.اه‍.

 

 

/  ص 193  /

 

أما حديث أبي قتادة قال : انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية فأحرم أصحابي ولم أحرم فانطلق النبي صلى الله عليه وسلم وكنت مع أصحابي فجعل بعضهم يضحك إلى بعض فنظرت فإذا حمار وحش فحملت عليه فطعنته فأثبته فاستعنت بهم فأبوا أن يعينوني فأكلنا منه ، فلحقت برسول الله وقلت : يارسول الله  اني أصبت حمار وحش ومعي منه فاضلة.فقال النبي صلى الله عليه وسلم للقوم : كلوا.وهم محرمون (1) .

فهو غير واف بالمقصود لان قصته كانت عام الحديبية السادس من الهجرة كما هو صريح لفظه وكثير من أحكام الحج شرعت في عام حجة الوداع السنة العاشرة ومنها تعيين المواقيت ولذلك ماكان أبوقتادة محرما عندذا ، مع احرام رسول الله واحرام أصحابه.قال ابن حجر في فتح الباري 4 : 19 : قيل كانت : هذه القصة قبل أن يوقت النبي المواقيت.وقال السندي في شرح سنن النسائي 5 : 185 عند ذكر حديث أبي قتادة : قوله " عام الحديبية " بهذاتبين أن تركه الاحرام ومجاوزته الميقات بلا إحرام كان قبل أن تقرر المواقيت ، فان تقرير المواقيت كان سنة حج الوداع كما روي عن أحمد.

ومنها أحكام الصيد النازلة في سورة المائدة التي هي آخر مانزل من القرآن ، و روي عن النبي صلى الله عليه وآله : انه قرأها في حجة الوداع وقال : ياايها الناس ان سورة المائدة آخر مانزل فأحلوا حلالها وحرموا حرامها.وروي نحوه عن عائشة موقوفا وصححه الحاكم وأقره ابن كثير ، وأخرجه أبوعبيد من طريق ضمرة بن حبيب ، وعطية بن قيس مرفوعا (2)

فليس من البدع أن يكون غير واحد من مواضيع الحج لم يشرع لها حكم في عام الحديبية ثم شرع بعده ومنها هذه المسألة ، وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام حاضرا في عام الحديبية وقد شاهد قصة أبي قتادة كما شاهد ها غيره " على فرض صحتها " ومع ذلك أنكر على عثمان وكذلك الشهود الذين استنشدهم صلوات الله عليه فشهدوا له

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري 3 : 163 ، صحيح مسلم 1 : 450 ، سنن النسائي 5 : 185 ، سنن ابن ماجة 2 : 363 ، سنن البيهقي 5 : 188.

 (2) مستدرك الحاكم 2 : 311 ، تفسير القرطبي 6 : 31 ، تفسير الزمخشري 1 : 403 ، تفسير ابن كثير 2 : 2 ، تفسير الخازن 2 : 448 ، تفسير الشوكاني 2 : 1.

 

 

/  ص 194  /

 

لم يعزب عنهم ماوقع في ذلك العام ، لكنهم شهدوا على التشريع الاخير الثابت.

ولو كان لقصة أبي قتادة مقيل من الصحة أو وزن يقام لماترك عثمان الاحتجاج به لكنه كان يعلم أن الشأن فيها كما ذكرناه ، وإن العمل قبل التشريع لاحجية له ، وأفحمه الامام عليه السلام بحجته الداحضة ، فتوارى عن الحجاج في فسطاطه وترك الطعام على أهل الماء.

وأما حديث جابر فقد أخرجه غير واحد من أئمة الفقه والحديث ناصين على ضعفه من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن جابر بن عبدالله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صيد البر لكم حلال وأنتم حرم إلا مااصطدتم وصيد لكم (1)

قال النسائي في سننه : أبوعبدالرحمن عمروبن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك.

وقال ابن حزم في المحلى : أما خبر جابر فساقط لانه عن عمروبن أبي عمرو وهو ضعيف.

وقال ابن التركماني في شرح سنن البيهقي عند قول الشافعي : إن إبن أبي يحيى أحفظ من الدراوردي (2) : قلت : الدراوردي احتج به الشيخان وبقية الجماعة ، وقال ابن معين :

ثقة حجة ، ووثقه القطان وأبوحاتم وغيرهما ، وأما ابن أبي يحيى فلم يخرج له في شيء من الكتب الخمسة ، ونسبه إلى الكذب جماعة من الحفاظ كابن حنبل وابن معين وغيرهما ، وقال بشربن المفضل : سألت فقهاء المدينة عنه فكلهم يقولون : كذاب أو نحوهذا ، وسئل مالك : أكان ثقة ؟ فقال : لا ولافي دينه ، وقال ابن حنبل : كان قدريا معتزليا جهميا كل بلاء فيه ، وقال البيهقي في التيمم والنكاح : مختلف في عدالته.

ومع هذا كله كيف يرحج على الدراوردي ؟.

قال : ثم لو رجع عليه هو ومن معه فالحديث في نفسه معلول عمروبن أبي عمرو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كتاب الام 2 : 176 ، سنن أبي داود 1 : 291 ، سنن النسائي 5 : 187 ، سنن البيهقي 5 : 190 ، المحلى لابن حزم 7 : 253.

 (2) الرجلان وردا في طريقى الشافعي للحديث.

 

 

/  ص 195  /

 

مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه.قال ابن معين وأبوداود : ليس بالقوي زاد يحيى : وكان مالك يستضعفه.وقال السعدي : مضطرب الحديث.

قال : والمطلب قال فيه ابن سعد : ليس يحتج بحديثه لانه يرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ، وعامة أصحابه يدلسون ، ثم الحديث مرسل ، قال الترمذي : المطلب لايعرف له سماع من جابر.فظهر بهذاأن الحديث فيه أربع علل : إحداها : الكلام في المطلب.ثانيها : انه ولو كان ثقة فلا سماع له من جابر فالحديث مرسل.ثالثها : الكلام في عمرو.رابعها : انه ولو كان ثقة فقد اختلف عليه فيه كمامر.اه‍.

ثم ذكر ما استشكل به الطحاوي في الحديث من وجهة النظر من قوله : إن الشئ لا يحرم على انسان بنية غيره أن يصيد له.

هذا مجمل القول في حديث أبي قتادة وجابر ، فلا يصلحان للاعتماد ورفع اليد عن تلكم الصحاح المذكورة الثابتة ، ولا يخصص بمثلهما عموم ، ولايتم بهما تقييد مطلقات الكتاب ، والمعول عليه في المسألة هو كتاب الله العزيز والسنة الشريفة الثابتة ، وماشذ عنهما من رأي أي بشر يضرب به عرض الجدار ، فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لايعلمون.

 

 

ـ 16 ـ

خصومة يرفعها الخليفة إلى علي

أخرج أحمد والدورقي من طريق الحسن بن سعد عن أبيه ان يحيس (1) وصفية كانا من سبي الخمس فزنت صفية برجل من الخمس وولدت غلاما فادعى الزاني ويحيس فاختصما إلى عثمان فرفعهما عثمان إلى علي بن أبي طالب ، فقال علي : أقضي فيهما بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر وجلد هما خمسين خمسين (2) .

قال الاميني هل علمت أنه لماذارد الخليفة الحكم إلى أمير المؤمنين عليه السلام ؟

لقد رفعه إليه إن كنت لاتدري لانه لم يكن عنده ما يفصل به الخصومة ، ولعله كان ملا سمعه قوله تعالى : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (3) ويعلم في الجملة أن هناك فرقا في كثير من الاحكام بين الاحرار والمملوكين ، لكن عزب عنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في مسند أحمد : يحنس.

 (2) مسند أحمد 1 : 104 ، تفسير ابن كثير 1 : 478 ، كنز العمال 3 : 227.

 (3) سورة النور آية : 2.

 

 

/  ص 196  /

 

ان مسألة الحد أيضا من تلكم الفروع ، فكأنه لم يلتفت إلى قوله تعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ماملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ، فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات من العذاب.الآية (1) أو أن الآية الكريمة كانت نصب عينيه لكن لم يسعه فهم حقيقتها لان قيد ذاكرته ان حد المحصنات هو الرجم ، غير انه لم يتسن له تعرف أن الرجم لا يتبعض ، فالذي يمكن تنصيفه من العذاب هو الجلد ، فالآية الشريفة دالة بذلك على سقوط الرجم عن المحصنات من الاماء وانما عليهن نصف الجلد الثابت عليها في السنة الشريفة (2) .

وأخرج أحمد في مسنده 1 : 136 من طريق أبي جميلة عن علي عليه السلام قال :

أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمة له سوداء زنت لاجلدها الحد قال : فوجدتها في دمائها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك فقال لي : إذاتعالت من نفاسها فاجلدها خمسين.

وذكره ابن كثير في تفسيره 1 : 476 وفيه : إذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين.

وذكره الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 292 باللفظ المذكور.

وأخرجه مسلم وأبوداود والترمذي وصححه وليس في لفظهم " خمسين ".

هب أن الخليفة نسيها لبعد العهد لكنه هل نسي ما وقع بمطلع الاكمة منه على العهد العمري ؟ من جلده المحصنات من الاماء خمسين جلدة كماأخرجه الحافظ (3) أو أن الخليفة وقف على مغازي الآيات الكريمة ، ولم تذهب عليه السنة النبوية ، وكان على ذكر مما صدر على عهد عمر لكن أربكه حكم العبد لانه رأى الآية الكريمة نصافي الاماء ، وكذلك نصوص الاحاديث ، ولم يهتد إلى إتحاد الملاك بين العبيد والاماء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة النساء آية : 25.

 (2) صحيح البخاري 10 : 48 ، صحيح مسلم 2 : 37 ، سنن أبي داود 2 : 239 ، سنن ابن ماجة 2 : 119 ، سنن البيهقي 8 : 342 ، موطأ مالك 2 : 170 ، كتاب الام للشافعي 6 : 121 ، تفسير القرطبى 12 : 159.

 (3) موطأ مالك 2 : 170 ، سنن البيهقي 8 : 242 ، تفسير ابن كثير 1 : 6 47 ، كنز العمال 3 : 86.

 

 

/  ص 197  /

 

من المملوكية ، وهو الذي أصفق عليه أئمة الحديث والتفسير كما في كتاب الام للشافعي

6 : 144 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 206 ، سنن البيهقي 8 : 243 ، تفسير القرطبي

 5 : 146 ، ج 12 : 159 ، تفسير البيضاوي 1 : 270 ، تيسير الوصول 2 : 4 ، فيض الاله

المالك للبقاعي 2 : 311 ، فتح الباري 12 : 137 ، فتح القدير 1 : 416 ، تفسير الخازن

 1 : 360 ، وقال الشوكاني في نيل الاوطار 7 : 292 : لاقائل بالفرق بين الامة والعبد كماحكى ذلك صاحب البحر.

أو أن الخليفة حسب أن ولد الزانية لابد وأن يكون للزاني ، ولم يشعر بمقاربة زوجها إياها أو إمكان مقاربته منذ مدة يمكن أن ينعقد الحمل فيها ، وبذلك يتحقق الفراش الذي يلحق الولد بصاحبه ، كما حكم به مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام والاصل فيه قوله صلى الله عليه وآله : الولد للفراش وللعاهر الحجر.

لقد أنصف الخليفة في رفع حكم هذه المسألة إلى من عنده علم الكتاب والسنة فانه كان يعلم علم اليقين ان ذلك عند العترة الطاهرة لا البيت الاموي ، وليته أنصف هذا الانصاف في كل مايرد عليه من المسائل ، وليته علم ان حاجة الامة إنما هي إلى إمام لا يعدوه علم الكتاب والسنة فأنصفها ، غيرأن..

إذالم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع

 

 

ـ 17 ـ

رأي الخليفة في عدة المختلعة(1)

عن نافع أنه سمع ربيع بنت معوذ بن عفراء وهي تخبر عبدالله بن عمر انها اختلعت من زوجها على عهد عثمان فجاء معاذ بن عفراء إلى عثمان فقال : إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم أتنتقل ؟ فقال له عثمان : تنتقل ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها إلا انها لا تنكح حتى حيضة ، خشية أن يكون بها حبل.فقال عبدالله عند ذلك : عثمان خيرنا وأعلمنا.وفي لفظ آخر : قال عبدالله: أكبرناو أعلمنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقي 7 : 450 ، 451 ، سنن ابن ماجة 1 : 634 ، تفسير ابن كثير 1 : 276 نقلا عن ابن أبي شيبة ، زاد المعاد لابن القيم 2 : 403 ، كنز العمال 3 : 223 ، نيل الاوطار 7 : 35.

 

 

/  ص 198  /

 

وفي لفظ عبدالرزاق عن نافع عن الربيع إبنة معوذ انها قالت : كان لي زوج يقل الخير علي إذا حضر ويحزنني إذا غاب فكانت مني زلة يوما فقلت له : اختلعت منك بكل شيء أملكه.فقال : نعم.ففعلت فخاصم إبني معاذ بن عفراء إلى عثمان فأجاز الخلع وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه ، أو قالت : دون عقاص رأس.

وفي لفظ عن نافع : انه زوج إبنة أخيه رجلا فخلعها فرفع ذلك إلى عثمان فأجاذه فأمرها أن تعتد حيضة.وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبادة الصامت : قالت : الربيع : اختلعت من زوجي ثم جئت عثمان فسالت ماذا علي من العدة ؟

فقال : لاعدة عليك إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضين حيضة.الخ.

قال الاميني : المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثه قروء ، نصا من الله العزيز الحكيم (1) من غير فرق بين أقسام الطلاق المنتزعة من شقاق الزوج والزوجة ، فإن كان الكره من قبل الزوج فحسب فالطلاق رجعي.أو من قبل الزوجة فقط فهو خلعي.أو منهما معا فمباراة.فليس لكل من هذه الاقسام حكم خاص في العدة غير ماثبت لجميعها بعموم الآية الكريمة المنتزع من الجمع المحلى باللام المطلقات وعلى هذا تطابقت فتاوى الصحابة والتابعين والعلماء من بعدهم وفي مقدمهم أئمة المذاهب الاربعة قال ابن كثير في تفسيره 1 : 276 : مسألة وذهب مالك وأبوحنيفة والشافعي وأحمد واسحاق بن راهويه في رواية عنهما وهي المشورة إلى أن المختلعة عدتها عدة المطلقة بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض ، وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر ، وبه يقول سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وعروة ، وسالم ، وأبوسلمة ، وعمربن عبدالعزيز ، وابن شهاب ، والحسن ، والشعبي ، وابراهيم النخعي ، وأبوعياض ، وخلاس بن عمر ، و قتادة ، وسفيان الثوري ، والاوزاعي ، والليث بن سعد ، وأبوعبيد ، وقال الترمذي (2) : وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم ، ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق فتعتد كسائر المطلقات.اه‍.

هذه آراء أئمة المسلمين عندالقوم وليس فيها شيء يوافق ما ارتآه عثمان وهي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع سورة البقرة : 228.

 (2) قاله في صحيحه 1 : 142.

 

 

/  ص 199  /

 

مصافقة مع القرآن الكريم كما ذكرناه.

وقد أحتج لعثمان بما رواه الترمذي في صحيحه 1 : 142 من طريق عكرمة عن ابن عباس : ان امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنه اختلعت منه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم عدتها حيضة وهذه الرواية باطلة إذالمحفوظ عند البخاري والنسائي من طريق ابن عباس في قصة أمرأة ثابت مالفظه : قال ابن عباس : جاء‌ت أمرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله  إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الاسلام.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ (وكانت صداقها) قالت : نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إقبل الحديقة وطلقها تطليقة.

فامرأة ثابت نظرا إلى هذه اللفظة مطلقة تطليقة والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء.

على أن الاضطراب الهائل في قصة إمرأة ثابت يوهن الاخذ بما فيها ،

ففي لفظ : إنها جميلة بنت سلول.كمافي سنن ابن ماجة.

وفي لفظ أبي الزبير : انها زينب.

وفي لفظ : انها بنت عبدالله.

وفي لفظ لابن ماجة والنسائي : إنها مريم العالية.وفي موطأ مالك : انهاحبيبة بنت سهل.وذكر البصريون : انها جميلة بنت أبي (1) وجل هذه الالفاظ كلفظ البخاري والنسائي يخلو عن ذكر العدة بحيضة ، فلا يخصص حكم القرآن الكريم بمثل هذا.

على انه لو كان لها مقيل في مستوى الصدق والصحة لما أصفقت الائمة على خلافها كماسمعت من كلمة ابن كثير.

وقد يعاضد رأي الخليفة بما أخرجه الترمذي في صحيحه 1 : 142 عن الربيع بنت معوذ (صاحبة عثمان) أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة.قال الترمذي : حديث الربيع الصحيح إنها أمرت أن تعتد بحيضة.وبهذا اللفظ جاء في حديث سليمان بن يسار عن الربيع قالت : إنها اختلعت من زوجها فأمرت أن تعتد بحيضة.

وقال البيهقي بعد رواية هذا الحديث : هذا أصح وليس فيه من أمرها ولا على

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع نيل الاوطار 7 : 34 37.

 

 

/  ص 200  /

 

عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد روينا في كتاب الخلع أنها اختلعت من زوجها زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه.ثم أخرج حديث نافع المذكور في صدر العنوان فقال : هذه الرواية تصرح بأن عثمان رضي الله عنه هو الذي أمرها بذلك ، وظاهر الكتاب في عدة المطلقات يتناول المختلعة وغيرها ، فهو أولى وبالله التوفيق.ه‍ (1)

فليس للنبي صلى الله عليه وآله في قصة بنت معوذ حكم ومارفعت إليه صلى الله عليه وآله ، وإنما وقعت في عصر عثمان وهو الحاكم فيها ، وقد حرفتها عن موضعها يد الامانة على ودايع العلم والدين لتبرير ساحة عثمان عن لوث الجهل ، ولو كان لتعدد القصة وزن يقام عند الفقهاء وروايتها بمشهد منهم ومرأى لما عدلوا عنها على بكرة أبيهم إلى عموم الكتاب ولما تركوها متدهورة في هوة الاهمال.

وعلى الباحث أن ينظر نظرة عميقة إلى قول ابن عمر وقد كان في المسألة أولا مصافقا في رأيه الكتاب ومن عمل به من الصحابة وعد في عدادهم ، ثم لمحض أن بلغه رأي الخليفة المجرد عن الحجة عدل عن فتواه فقال : عثمان خيرنا وأعلمنا.أو قال : أكبرنا وأعلمنا.هكذا فليكن المجتهدون ، وهكذا فلتصدر الفتاوى.

 

 

ـ 18 ـ

رأي الخليفة في امرأة المفقود

أخرج مالك من طريق سعيد بن المسيب ان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو فانها تنتظر أربع سنين ، ثم تنتظر أربعة أشهر وعشرا ، ثم تحل.وقضى بذالك عثمان بن عفان بعد عمر.

وأخرج أبوعبيد بلفظ : ان عمر وعثمان رضي الله عنهما قالا : امرأة المفقود تربص أربع سنين ، ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ثم تنكح.

وفي لفظ الشيباني : إن عمر رضي الله عنه أجل امرأة المفقود أربع سنين.وفي لفظ شعبة من طريق عبدالرحمن بن أبي ليلي قال : قضى عمر رضي الله عنه في المفقود تربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ، ثم تربص بعد ذلك أربعة أشهر وعشرا ثم تزوج.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقي 7 : 451.

 

 

/  ص 201  /

 

ومن طريق ابن شهاب الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود قال : إن جاء زوجها وقد تزوجت خير بين امرأته وبين صداقها ، فإن اختار الصداق كان على زوجها الآخر ، وإن اختار امرأته اعتدت حتى تحل ، ثم ترجع إلى زوجها الاول وكان لها من زوجها الآخر مهرها بما استحل من فرجها.قال ابن شهاب : وقضى بذلك عثمان بعد عمر رضي الله عنهما.

وفي لفظ الشافعي : إذا تزوجت فقدم زوجها قبل أن يدخل بها زوجها الآخر كان أحق بها فإن دخل بها زوجها الآخر فالاول المفقود بالخيار بين امرأته والمهر (1)

قال الاميني : من لي بمتفقه في المسألة ؟ يخبرني عن علة تريث المفقود عنها زوجها أربع سنين ، أهو مأخوذ من كتاب الله ؟ فاين هو ؟ أم أخذ من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله فمن ذا الذي رواها ونقلها ؟ والصحاح والمسانيد للقوم خالية عنها ، نعم ربما يتشبث للتقدير بانها نهاية مدة الحمل قال البقاعي في فيض الاله المالك 2 : 263 : وسبب التقدير بأربع سنين إنها نهاية مدة الحمل وقد أخبر بوقوعه لنفسه الامام الشافعي وكذا الامام مالك وحكي عنه أيضا انه قال : جارتنا امرأة صدق وزوجها رجل صدق حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة ، تحمل كل بطن أربع سنين ، وورد هذا عن غير تلك المرأة ايضا.اه‍.

وهذا التعليل حكاه ابن رشد في مقدمات المدونة الكبرى 2 : 101 عن أبي بكر الابهري ثم عقبه بقوله : وهو تعليل ضعيف لان العلة لوكانت في ذلك هذا لوجب أن يستوي فيه الحر والعبد (2) لاستوائهما في مدة لحوق النسب.

ولوجب أن يسقط جملة في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها إذا فقد عنها زوجها فقام عنها أبوها في ذلك فقد قال : إنها لو أقامت عشرين سنة ثم رفعت أمرها لضرب لها أجل أربعة أعوام وهذا يبطل تعليله إبطالا ظاهرا.اه‍.

وليت هذا المتشبث أدلى في حجته بذكر اناس تريثوا في الارحام النزيهة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) موطأمالك2: 28،كتاب الام للشافعي7: 219،سنن البيهقي 7 : 445 ، 446

 (2) التفصيل بين الحر والعبد بان امرأة الحر يضرب لها الاجل أربعة اعوام ولامرأة العبد تربص عامين كما نص عليه ابن رشد رأى مجرد لادليل عليه.

 

 

/  ص 202  /

 

عن الخنا أربعا قبل فتيا الخليفتين وإلا فما غناء قصة وقعت بعدهما بردح طويل من الزمن ولا يدرى أصحيحة هي أم مكذوبة ؟ وعلى فرض الصحة فهل كان الخليفتان يعلمان الغيب ؟ وانه سينتج المستقبل الكشاف رجلا يكون حجة لما قدراه من مدة التربص ؟ أو كان ماقدراه فتوى مجردة ؟ فنحتت لهاالايام علة بعدالوقوع.

على أن أقصى مدة الحمل محل خلاف بين الفقهاء ، ذهب أبوحنيفة وأصحابه والثوري إلى أنه عامان ، ومذهب الشافعي أنه أربعة أعوام ، وأختار ابن القاسم أن اكثره خمسة أعوام (1) وروى أشهب عن مالك سبعة أعوام على ماروى : ان امرأة إبن عجلان ولدت ولدامرة لسبعة أعوام (2) ولعل أبناء عجلان آخرين في أرجاء العالم لايرفع أمر حلائهم إلى مالك والشافعي وقد ولدن أولادا لثمانية أوتسعة أوعشرة أعوام ، دع العقل والطبيعة والبرهنة تستحيل ذلك كله ، ماهي وما قيمتها تجاه ماجاء‌ت به امرأة عجلان وحكم به مالك ؟ أو وجاه ما أتت به ام الامام الشافعي فافتى به.

نقل ابن رشد في سبب التقدير بأربعة أعوام عللا غيرهذا وإن رد ها وفندها ، منها انها المدة التي تبلغها المكاتبة في بلد الاسلام مسيرا ورجوعا ، ومنها : انه جهل إلى أي جهة سار من الاربع جهات ، فلكل جهة تربص سنة فهي أربع سنين.هذا مبلغ علمهم بفلسفة آراء جاء بها عمر وعثمان فأين يقع هو من حكم ماصدع به النبي الاقدس ؟.

ثم يخبرني هذا المتفقه عن هذه العدة التي أثبتها الخليفتان لما ذاهي ؟ فان كانت عدة الوفاة ؟ فأنها غير جازمة بها ، ولا تثبت بمجرد مرور أربع سنين أو أكثر وفي رواية عن عمر كما سمعت انه قضى في المفقود تربص امرأته أربع سنين ثم يطلقها ولي روجها ثم تربص بعد ذلك اربعة أشهر وعشرا ثم تزوج (3) .فعلى هذا انها عدة الطلاق فيجب أن تكون ثلاثة قروء ، فما هذا أربعة أشهر وعشرا ؟ وعلى فرض ثبوت هذه العدة ولو بعد الطلاق من باب الاخذ بالحائطة فماعلاقة الزوج بها ؟ حتى انه إذاجاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في الفقه على المذاهب الاربعة 4 : 535 : انه خمس سنين على الراجح.

 (2) راجع مقدمات المدونة الكبرى للقاضى ابن رشد 2 : 102.

 (3) سنن البيهقى 7 : 445.

 

 

/  ص 203  /

 

بعد النكاح خير بين امرأته وبين صداقها ، وقد قطع الشرع أي صلة بينهما ورخص في تزويجها ، فنكحت على الوجه المشروع ، قال ابن رشد (1) : ألا ترى انها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له ميراث منها ، وإن كان لو أتى في هذه الحالة كان أحق بها ، ولو بلغ هو من الاجل مالا يجئ إلى مثله من السنين وهي حية لم تورث منه ، وإنما يكون لها الرضا بالمقام على العصمة مالم ينقض الاجل المفروض ، وأما إذا انقضى واعتدت فليس ذلك لها وكذلك إن مضت بعد العدة.

ثم ما وجه أخذ الصداق من الزوج الثاني عند اختيار الاول الصداق ولم يأت بمأثم وإنما تزوج بامرأة أباحها له الشريعة.

وأعجب من كل هذه أن هذه الروايات بمشهد من الفقهاء كلهم ولم يفت بمقتضاها أئمة المذاهب في باب الخيار ، قال مالك في الموطأ 2 : 28 : إن تزوجت بعدانقضاء عدتها فدخل بها زوجهاأو لم يدخل بها فلا سبيل لزوجها الاول إليها.

و قال : وذلك الامر عندنا ، وإن أدركها زوجها قبل أن تتزوج فهو أحق بها.

وقال الشافعي وأبوحنيفة والثوري : لا تحل إمرأة المفقود حتى يصح موته.

قاله القاضي ابن رشد في بداية المجتهد 2 : 52 فقال : وقولهم مروي عن علي وابن مسعود.

وقال الحنفية : يشترط لوجوب النفقة على الزوج شروط : أحدها أن يكون العقد صحيحا فلو عقد عليها عقدافاسدا أوباطلا وأنفق عليها ثم ظهر فسادالعقد أو بطلانه فان له الحق في الرجوع عليها بما أنفقه.

ومن ذلك ما إذاغاب عنها زوجها فتزوجت بزوج آخر ودخل بها ثم حضر زوجها الغائب فان نكاحها الثاني يكون فاسدا ، ويفرق القاضي بينهما ، وتجب عليها العدة بالوطئ الفاسد ، ولا نفقة لها على الزوج الاول ولا على الزوج الثاني (2) .

قال الشافعي في كتاب " الام " 5 : 221 : لم أعلم مخالفا في أن الرجل أوالمرأة لو غابا أو أحدهما برا أو بحرا علم مغيبهما أولم يعلم فماتا أو أحدهما فلم يسمع لهما بخبر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مقدمات المدونة الكبرى 2 : 104.

 (2) الفقه على المذاهب الاربعة 3 : 565.

 

 

/  ص 204  /

 

أو أسرهما العدو فصيروهما إلى حيث لاخبر عنهما لم نورث وحدا منهما من صاحبه إلا بيقين وفاته قبل صاحبه ، فكذلك عندي امرأة الغائب أي غيبة كانت مماوصفت أو لم أصف باسار عدو أو بخروج الزوج ثم خفي مسلكه أو بهيام من ذهاب عقل أو خروج فلم يسمع له ذكر أو بمركب في بحر فلم يأتي له خبر أوجاء خبر أن غرق كان يرون انه قد كان فيه ولا يستيقنون انه فيه ، لاتعتد إمرأته ولا تنكح أبدا حتى يأتيها بيقين وفاته ، ثم تعتد من يوم استيقنت وفاته وترثه ، ولا تعتد امرأة من وفاة ومثلها يرث إلا ورثت زوجها الذي اعتدت من وفاته ، ولو طلقها وهو خفي الغيبة بعد أي هذه الاحوال كانت ، أوآلى منها ، أوتظاهر ، أو قذفها ، لزم مايلزم الزوج الحاضر في ذلك كله ، وإذا كان هذا هكذا لم يجز أن تكون امرأة رجل يقع عليها مايقع على الزوجة تعتد لامن طلاق ولا وفاة ، كما لو ظننت أنه طلقها أو مات عنها لم تعتد من طلاق إلا بيقين ، وهكذا لو تربصت سنين كثيرة بأمر حاكم واعتدت وتزوجت فطلقها الزوج الاول المفقود لزمها الطلاق ، وكذا إن آلى منها ، أو تظاهر ، أو قذفها ، لزمه مايلزم الزوج ، وهكذا لو تربصت بأمر حاكم أربع سنين ثم اعتدت فاكملت أربعة أشهر و عشرا ونكحت ودخل بها أو نكحت ولم يدخل بها أو لم تنكح وطلقها الزوج الاول المفقود في هذه الحالات لزمها الطلاق لانه زوج ، وهكذا لو تظاهر منها أو قذفها أو آلى منها لزمه ما يلزم المولى غير انه ممنوع من فرجها بشبهة بنكاح غيره فلا يقال له فئ حتى تعتد من الآخر إذا كانت دخلت عليه ، فإذا أكملت عدتها أجل من يوم تكمل عدتها أربعة أشهر ، وذلك حين حل له فرجها وإن أصابها فقد خرج من طلاق الايلاء وكفر وإن لم يصبها قيل له : أصبها أو طلق.

قال : وينفق عليها من مال زوجها المفقود من حين يفقد حتى يعلم يقين موته ، وإن أجلها حاكم أربع سنين أنفق عليها فيها وكذلك في الاربعة الاشهر والعشر من مال زوجها ، فاذا نكحت لم ينفق عليها من مال الزوج المفقود لانها مانعة له نفسها ، وكذلك لا ينفق عليها وهي في عدة منه لوطلقها أومات عنها ولو بعد ذلك ، ولم أمنعها النفقة من قبل إنها زوجة الآخر ، ولا إن عليها منه عدة ، ولا ان بينهما ميراثا ، ولا انه يلزمها طلاقه ، ولا شيء من الاحكام بين الزوجين إلا لحوق الولد به إن أصابها وإنما

 

 

/  ص 205  /

 

منعتها النفقة من الاول لانها مخرجة نفسها من يديه ومن الوقوف عليه ، كما تقف المرأة على زوجها الغائب بشبهة ، فمنعتها نفقتها في الحال التي كانت فيها مانعة له نفسها بالنكاح والعدة ، وهي لوكانت في المصر مع زوج فمنعته نفسها منعتها نفقتها بعصيانها ، ومنعتها نفقتها بعد عدتها من زوجها الآخر بتركها حقها من الاول وإباحتها نفسها لغيره ، على معنى انها خارجة من الاول ، ولو أنفق عليها في غيبته ثم ثبتت البينة على موته في وقت ردت كل ماأخذت من النفقة من حين مات فكان لها الميراث.

ولو حكم لها حاكم بأن تزوج فتزوجت فسخ نكاحها وإن لم يدخل بها فلا مهر لها ، وإن دخل بها فأصابها فلها مهرمثلها لا ماسمي لها وفسخ النكاح وإن لم يفسخ حتى مات أو ماتت فلا ميراث لها منه ولاله منها.

قال : ومتى طلقها الاول وقع عليها طلاقه ، ولوطلقها زوجها الاول أومات عنها وهي عند الزوج الآخر كانت عند غير زوج فكانت عليها عدة الوفاة والطلاق ولها الميراث في الوفاة والسكنى في العدة في الطلاق وفيمن رآه لها بالوفاة ، ولو مات الزوج الآخر لم ترثه وكذلك لايرثها لو ماتت.الخ.

فأنت بعد هذه كلها جد عليم بأنه لوكان على ما أفتى به الخليفتان مسحة من اصول الحكم والفتيا لما عدل عنه هؤلاء الائمة ، ولما خالفهما قبلهم مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ، ولماقال عليه السلام في إمرأة المفقود إذا قدم وقد تزوجت امرأته : هي امرأته إن شاء طلق وإن شاء أمسك ولا تخير.

ولما قال عليه السلام : إذا فقدت المرأة زوجها لم تتزوج حتى تعلم أمره.

ولما قال عليه السلام : انها لا تتزوج.

ولما قال عليه السلام : ليس الذي قال عمر رضي الله عنه بشئ ، هي امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أوطلاقها ، ولها الصداق من هذا بما استحل من فرجها ونكاحه باطل ولما قال عليه السلام : هي امرأة الاول دخل بهاالآخر أو لم يدخل بها.

ولما قال عليه السلام : امرأة ابتليت فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها يقين موته. (1) قال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كتاب الام للشافعي 5 : 223 ، البيهقي 7 : 4 44 ، 446 ، مقدمات المدونة الكبرى 2 : 103.

 

 

/  ص 206  /

 

الشافعي بعد ذكر الحديث : وبهذا نقول.

وأميرالمؤمنين كما تعلم أفقه الصحابة على الاطلاق ، وأعلم الامة بأسرها ، وباب مدينة العلم النبوي ، ووارث علم النبي الاقدس على ما جاء عنه صلى الله عليه وآله ، فليتهما رجعا اليه صلوات الله عليه في حكم المسألة ولم يستبدا بالرأي المجرد كما استعلماه في كثير مما اربكهما من المشكلات ، وأنى لهما باقتحام المعضلات وهماهما ؟ وأي رأي هذا ضربت عنه الامة صفحا ؟ وكم له من نظير ؟ وكيف أوصى النبي الاعظم باتباع أناس هذه مقاييس آرائهم في دين الله ، وهذا مبلغهم من العلم ، بقوله فيهم : عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها؟ (1) خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق (سورة ص : 22).

 

- 19-

الخليفة يأخذ حكم الله من أبي

أخرج البيهقي في السنن الكبرى ، : 417 بالاسناد عن أبي عبيد قال : أرسل عثمان رضي الله عنه إلى أبي يسأل عن رجل طلق امرأته ثم راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة.قال أبي : إني أرى انه أحق بها مالم تغتسل من الحيضة الثالثة ، وتحل لها الصلاة.قال : لاأعلم عثمان رضي الله عنه إلا أخذ بذلك.

قال الاميني : صريح الرواية إن الخليفة كان جاهلا بهذا الحكم حتى تعلمه من أبي ؟ وأخذ بفتياه ، ولاشك ان الذي علمه هو خيرمنه ، فهلا ترك المقام له أولمن هوفوقه ؟ وفوق كل ذي علم عليم ، ولو ترك الامر لمن لايسأل غيره في أي من مسائل الشريعة لدخل مدينة العلم من بابها.

وحسبك في مبلغ علم الخليفة قول العيني في عمدة القاري 2 : 733 : إن عمر كان أعلم وأفقه من عثمان.وقد أوقفناك على علم عمر في الجزء السادس وذكرنا نوادر الاثرفي علمه ، فانظر ماذا ترى ؟.

 

 

ـ 20 ـ

الخليفة يأخذ السنة من امرأة

أخرج الامامان : الشافعي ومالك وغيرهما بالاسناد عن فريعة بنت مالك بن سنان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) اسلفنا الحديث في الجزء السادس ص 330 ط 2 وبينا المعنى الصحيح المراد منه.

 

 

/  ص 207  /

 

أخبرت : انها جاء‌ت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة وان زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كانوا بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسألت رسولله صلى الله عليه وسلم اني أرجع إلى أهلي فان زوجي لم يتركني في مسكن يملكه قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم.فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له قال : فكيف قلت : فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله.قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به.

قال الشافعي في (الرسالة) : وعثمان في إمامته وفضله وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والانصار.

قال في اختلاف الحديث : أخبرت الفريعة بنت مالك عثمان بن عفان ان النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تمكث بيتها وهي متوفى عنها حتى يبلغ الكتاب أجله فأتبعه وقضى به.

قال ابن القيم في زاد المعاد : حديث صحيح مشهور في الحجاز والعراق وأدخله مالك في موطأه ، واحتج به وبنى عليه مذهبه ، ثم ذكر تضعيف ابن حزم إياه وفنده وقال : ماقاله أبومحمد فغير صحيح.وذكر قول ابن عبدالبر في شهرته ، وانه معروف عند علماء الحجاز والعراق.

راجع الرسالة للشافعي ص 116 ، كتاب الام له 5 : 208 ، اختلاف الحديث له : هامش كتابه الام 7 : 22 ، موطأ مالك 2 : 36 ، سنن أبي داود 1 : 362 ، سنن البيهقي 7 : 434 ، أحكام القرآن للجصاص 1 : 496 ، زاد المعاد 2 : 404 ، الاصابة 4 : 386 ، نيل الاوطار

7 : 100 فقال : رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي و ابن ماجة إرسال عثمان.

قال الاميني : هذه كسابقتها تكشف عن قصور علم الخليفة عما توصلت إليه المرأة المذكورة ، وهاهنا نعيد ماقلناه هنالك ، فارجع البصر كرتين ، وأعجب من خليفة يأخذ معالم دينه من نساء‌امته وهو المرجع الوحيد للامة جمعا ، يومئذ في كل ماجاء‌به الاسلام المقدس كتابا وسنة ، وبه سد فراغ النبي الاعظم ، وعليه يعول في مشكلات الاحكام وعويصات المسائل فضلا عن مثل هذه المسألة البسيطة.

 

 

/  ص 208  /

 

ثم اعجب من ابن عمر أنه يرى من هذا مبلغ علمه أعلم الصحابة في يومه ، ما عشت أراك الدهر عجبا.

 

 

ـ 21 ـ

رأي الخليفة في الاحرام قبل الميقات

أخرج البيهقي في السنن الكبرى 5 : 31 بالاسناد عن داود بن أبي هند ان عبد الله (1) بن عامر بن كريز حين فتح خراسان قال : لاجعلن شكري لله أن أخرج من موضعي محرما فأحرم من نيسابور فلما قدم على عثمان لامه على ماصنع قال : ليتك تضبط من الوقت الذي يحرم منه الناس.

لفظ آخر من طريق محمد بن اسحاق قال : خرج عبدالله بن عامر من نيسابور معتمرا قد أحرم منها ، وخلف على خراسان الاحنف بن قيس ، فلما قضى عمرته أتى عثمان ابن عفان رضي الله عنه وذلك في السنة التي قتل فيها عثمان رضي الله عنه فقال له عثمان رضي الله عنه : لقد غررت بعمرتك حين أحرمت من نيسابور.

وقال ابن حزم في المحلى 7 : 7 7 : روينا من طريق عبدالرزاق نا ؟ معمرعن أيوب السختياني عن محمدبن سيرين قال : أحرم عبدالله بن عامر من حيرب (2) فقدم عثمان بن عفان فلامه فقال له : غررت وهان عليك نسكك.وفي لفظ ابن حجر : غررت بنفسك.

فقال ابن حزم : قال أبومحمد (يعني نفسه) : وعثمان لايعيب عملا صالحا عنده ولا مباحا وإنما يعيب مالا يجوز عنده لا سيما وقد بين انه هوان بالنسك والهوان بالنسك لايحل وقد أمرالله تعالى بتعظيم شعائرالحج.

وذكره ابن حجر في الاصابة 3 : 61 وقال : أحرم ابن عامر من نيسابور شكرا لله تعالى وقدم على عثمان فلامه على تغريره بالنسك.فقال : كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان ، ثم ذكر الحديث من طريق سعيد بن منصور وأبي بكر ابن أبي شيبة وفيه : أن ابن عامر أحرم من خراسان.فذكره من طريق محمد بن سيرين والبيهقي فقال : قال البيهقي : هوعن عثمان مشهور (3) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هوابن خال عثمان بن عفان.كمافي الاصابة راجع ج 3 : 61.

 (2) وفي نسخة : جيرب.ولم اجد هما في المعاجم.

 (3) توجد كلمة البيهقي هذه في سننه الكبرى 5 : 31.

 

 

/  ص 209  /

 

وذكر هذه كلها في تهذيب التهذيب 5 : 273 غير كلمة البيهقي في شهرة الحديث وفي تيسير الوصول 1 : 265 : عن عثمان رضي الله عنه : انه كره أن يحرم الرجل من خراسان وكرمان.أخرجه البخاري في ترجمته.

قال الاميني : إن الذي ثبت في الاحرام بالحج أو العمرة ان هذه المواقيت حد للاقل من مدى الاحرام بمعنى انه لا يعدوها الحاج وهو غير محرم ، وأما الاحرام قبلها من أي البلاد شيء أو من دويرة أهل المحرم ، فإن عقده باتخاذ ذلك المحل ميقاتا فلا شك انه بدعة محرمة كتأخيره عن المواقيت ، وأماإذا جئ به للاستزادة من العبادة عملا باطلاقات الخير والبر ، أو شكرا على نعمة ، أولنذر عقده المحرم فهو كالصلاة والصوم وبقية القرب للشكر أو بالنذر أو لمطلق البر ، تشمله كل من أدلة هذه العناوين ولم يرد عنه نهي من الشارع الاقدس ، وإنما المأثور عنه وعن أصحابه مايلي :

1- أخرج أئمة الحديث باسناد صحيح من طريق الاخنسي عن ام حكيم عن ام سلمة مرفوعا : من أهل من المسجد الاقصى لعمرة أو بحجة غفر الله ماتقدم من ذنبه.قال الاخنسي : فركبت ام حكيم عند ذلك الحديث إلى بيت المقدس حتى اهلت منه بعمرة.

وفي لفظ أبي داود والبيهقي والبغوي : من أهل بحجة أو عمرة من المسجد

الاقصى إلى المسجد الحرام غفر له ماتقدم من ذنبه وماتأخر.أو : وجبت له الجنة.

وفي لفظ : ووجبت له الجنة.

وفي لفظ ابن ماجة : من أهل بعمرة من بيت المقدس غفر له.

وفي لفظ له أيضا : من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت له كفارة لما قبلها

من الذنوب.قالت : فخرجت أمي من بيت المقدس بعمرة.

وقال أبوداود بعد الحديث : يرحم الله وكيعا أحرم من بيت المقدس يعني إلى مكة.

راجع مسند أحمد 6 : 299 ، سنن أبي داود 1 : 275 ، سنن إبن ماجة 2 : 235 سنن البيهقي 5 : 30 ، مصابيح السنة للبغوي 1 : 170 ، والترغيب والترهيب للمنذري 2 : 61 ذكره بالالفاظ المذكورة وصححه من طريق ابن ماجة وقال : ورواه ابن حبان في صحيحه.

 

 

/  ص 210  /

 

2- أخرج ابن عدي والبيهقي من طريق أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله

تعالى : " وأتموا الحج والعمرة لله (1) " : إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك.

سنن البيهقي 5 : 30 ، الدر المنثور 1 : 208 ، نيل الاوطار 5 : 26 قال : ثبت ذلك مرفوعا من حديث أبي هريرة.

3- أخرج الحفاظ من طريق علي أميرالمؤمنين انه قال في قوله تعالى : وأتموا الحج والعمرة لله: إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

أخرجه وكيع ، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والنحاس في ناسخه ص 34 ، وابن جرير في تفسيره 2 : 120 ، والحاكم في المستدرك 2 : 276 ، وصححه وأقره الذهبي ، والبيهقي في السنن الكبرى 6 : 30 ، والجصاص في أحكام القرآن 1 : 337 ، 354 ، تفسير ابن جزي 1 : 74 ، تفسير الرازي 2 : 162 تفسير القرطبي 2 : 343 ، تفسير ابن كثير 1 : 230 ، الدر المنثور 1 : 208 ، نيل الاوطار 5 : 26.

4- قال الجصاص في أحكام القرآن 1 : 310 : روي عن علي وعمر وسعيد بن جبير وطاوس قالوا : إتمامها أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

وقال في ص 337 : أما الاحرام بالعمرة قبل الميقات فلاخلاف بين الفقهاء فيه.

وروي عن الاسودبن يزيد قال : خرجنا عمارا ، فلما انصرفنا مررنا بأبي ذر فقال : أحلقتم الشعث وقضيتم التفث ؟ أماإن العمرة من مدركم.وإنما أراد أبوذر : أن الافضل إنشاء العمرة من أهلك ، كما روي عن علي : تمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.

وقال الرازي في تفسيره 2 : 162 : روي عن علي وابن مسعود : إن اتمامهما أن يحرم من دويرة أهله.وقال في ص 172 : أشتهر عن أكابر الصحابة إنهم قالوا : من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.

وقال القرطبي في تفسيره 2 : 343 بعد ذكره حديث علي عليه السلام : وروي ذلك عن عمر وسعدبن أبي وقاص وفعله عمران بن حصين.ثم قال : أما ماروي عن علي وما فعله عمران بن حصين في الاحرام قبل المواقيت التي وقتها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال به عبدالله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة البقرة : 195.

 

 

/  ص 211  /

 

ابن مسعود وجماعة من السلف ، وثبت أن عمر أهل من ايلياء (1) وكان الاسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبوإسحاق يحرمون من بيوتهم ، ورخص فيه الشافعي.ثم ذكر حديث أم سلمة المذكورة.

وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 230 بعد حديث علي عليه السلام : وكذا قال ابن عباس

وسعيد بن جبير وطاوس وسفيان الثوري.

5- أخرج البيهقي في السنن الكبرى 5 : 30 من طريق نافع عن ابن عمر : انه أحرم من ايلياء عام حكم الحكمين.

وأخرج مالك في الموطأ 1 : 242 : ان ابن عمر أهل بحجة من ايلياء.وذكره ابن الديبع في تيسير الوصول 1 : 264 ، وسيوافيك عن ابن المنذر في كلام أبي زرعة : انه ثابت.

قال الشافعي في كتاب " الام " 2 : 118 : أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمروبن ديناد عن طاوس قال : " ولم يسم عمرو القائل إلا انا نراه ابن عباس " الرجل يهل من أهله ومن بعد مايجاوز أين شاء ولا يجاوز الميقات إلا محرما.إلى أن قال :

قلت : إنه لا يضيق عليه أن يبتدئ الاحرام قبل الميقات كمالا يضيق عليه لو أحرم من أهله ، فلم يأت الميقات إلا وقد تقدم باحرامه لانه قد أتى بماأمربه من أن يكون محرما من الميقات.اه‍.

قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 164 : كلما قدم الاحرام على المواقيت هو أفضل وروي عن أبي حنيفة : ان ذلك أفضل إذا كان يملك نفسه أن يمنعها مايمنع منه الاحرام ، وقال الشافعي : الاحرام من الميقات أفضل بناء على أصله أن الاحرام ركن فيكون من أفعال الحج ، ولو كان كما زعم لما جاز تقديمه على الميقات لان أفعال الحج لايجوز تقديمها على أوقاتها (2) وتقديم الاحرام على الميقات جايز بالاجماع إذا كان في أشهر الحج ، والخلاف في الافضلية دون الجواز ، ولنا قوله تعالى : وأتموا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ايلياء بالمد وتقصر : اسم مدينة بيت المقدس.

 (2) لا صلة بين ركنية الاحرام وكونه من افعال الحج وبين عدم جواز تقديمه على المواقيت كما زعمه ملك العلماء ، بل هو ركن يجوز تقديمه عليها لمامر من الادلة.

 

 

/  ص 212  /

 

الحج والعمرة لله ، وروي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما انهما قالا : إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.وروي عن أم سلمة.الخ.

وقال القرطبي في تفسيره 2 : 345 : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه محرم ، وانما منع من ذلك من رأى الاحرام عند الميقات أفضل كراهية أن يضيق المرأ على نفسه ماوسع الله عليه ، وأن يتعرض بما لايؤمن أن يحدث في إحرامه ، وكلهم ألزمه الاحرام اذا فعل ذلك ، لانه زاد ولم ينقص.

وقال الحافظ ابوزرعة في طرح التثريب 5 : 5 قد بيناان معنى التوقيت بهذه المواقيت منع مجاوزتها بلا احرام إذا كان مريدا للنسك ، أماالاحرام قبل الوصول إليها فلا مانع منه عند الجمهور ، ونقل غير واحد الاجماع عليه ، بل ذهب طائفة من العلماء إلى ترجيح الاحرام من دويرة أهله على التأخير إلى الميقات وهو أحد قولي الشافعي ، ورجحه من أصحابه القاضي أبوالطيب والروياني والغزالي والرافعي وهو مذهب أبي حنيفة ، وروي عن عمر وعلي انهما قالا في قوله تعالى : واتموا الحج والعمرة لله : اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة اهلك ، وقال ابن المنذر : ثبت ان ابن عمر اهل من ايلياء يعني بيت المقدس ، وكان الاسود وعلقمة وعبدالرحمن وأبواسحاق يحرمون من بيوتهم.انتهى.لكن الاصح عند النووي من قولي الشافعي : ان الاحرام من الميقات أفضل ، ونقل تصحيحه عن الاكثرين والمحققين ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وحكى ابن المنذر فعله عن عوام أهل العلم بل زاد مالك عن ذلك فكره تقدم الاحرام على الميقات ، وقال ابن المنذر : وروينا عن عمر انه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة ، وكره الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ومالك الاحرام من المكان البعيد.انتهى.

وعن أبي حنيفة رواية أنه إن كان يملك نفسه عن الوقوع في محظور فالاحرام من دويرة أهله أفضل ، وإلا فمن الميقات ، وبه قال بعض الشافعية.

وشذ ابن حزم الظاهري فقال : إن أحرم قبل هذه المواقيت وهو يمر عليها فلا إحرام له أن ينوي إذا صار الميقات تجديد إحرام ، وحكاه عن داود وأصحابه وهو قول مردود بالاجماع قبله على خلافه قاله النووي ، وقال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات فهو محرم ، وكذا نقل الاجماع في ذلك الخطابي وغيره.اه‍.

 

 

/  ص 213  /

 

وذكر الشوكاني في نيل الاوطار 5 : 26 جواز تقديم الاحرام على الميقات مستدلا عليه بما مر في قوله تعالى : واتموا الحج والعمرة لله.ثم قال : وأما قول صاحب المنار : انه لو كان أفضل لماتركه جميع الصحابة.فكلام على غير قانون الاستدلال ، وقد حكى في التلخيص انه فسره ابن عيينة فيما حكاه عنه أحمد بأن ينشئ لهما سفرا من أهله.لكن لا يناسب لفظ الاهلال الواقع في حديث الباب ولفظ الاحرام الواقع في حديث أبي هريرة.اه‍.

والامعان في هذه المأثورات من الاحاديث والكلم يعطي حصول الاجماع على جواز تقديم الاحرام على الميقات ، وإن الخلاف في الافضل من التقديم والاحرام من الميقات ، لكن الخليفة لم يعطي النظر حقه ، ولم يوف للاجتهاد نصيبه ، أو أنه عزبت عنه السنة المأثورة ، فطفق يلوم عبدالله بن عامر ، أو انه أحب أن يكون له في المسألة رأي خاص ، وقد قال شمس الدين أبوعبدالله الذهبي :

العلـــم قال الله قــــال رسولــــه * إن صـــــح والاجماع فاجهد فيه

وحذار من نصب الخلاف جهالة * بيــــن الرســول وبين رأي فقيه

وهلم معي واعطف النظرة فيما ذكرناه عن ابن حزم من أن عثمان لايعيب عملا صالحا.الخ.فانه غير مدعوم بالحجة غير حسن الظن بعثمان ، وهذا يجري في أعمال المسلمين كافة ما لم يزع عنه وازع ، وسيرة الرجل تأبي عن الظن الحسن به ، وأما مسألتنا هذه فقد عرفنا فيها السنة الثابتة وإن نهي عثمان مخالف لها ، وليس من الهين الفت في عضد السنة لتعظيم إنسان وتبرير عمله ، فان المتبع في كافة القرب ما ثبت من الشرع ، ومن خالفه عيب عليه كائنامن كان.

وأما تشبثه بالهوان بالنسك فتافه جدا ، وأي هوان بها في التأهب لها قبل ميقاتها بقربة مطلقة إن لم يكن تعظيما لشعائر الله ، وإنما الهوان المحرم بالنسك إدخال الآراء فيها على الميول والشهوات ، ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال و هذا حرام لتفتروا على الله الكذب ، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون." النمل 116 ".