فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

/  ص 214  /

 

 

ـ 22 ـ

لولا علي لهلك عثمان

أخرج الحافظ العاصمي في كتابه " زين الفتى في شرح سورة هل أتى " من طريق شيخه أبي بكر محمد بن إسحاق بن محمشاد يرفعه : أن رجلا أتى عثمان بن عفان وهو أميرالمؤمنين وبيده جمجمة إنسان ميت فقال : إنكم تزعمون النار يعرض على هذا و انه يعذب في القبر وأنا قد وضعت عليها يدي فلا أحس منها حرارة النار.فسكت عنه عثمان وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره ، فلما أتاه وهو في ملا من أصحابه قال للرجل : أعد المسألة.فأعادها ، ثم قال عثمان بن عفان : أجب الرجل عنها ياأبا الحسن  فقال علي : ايتوني بزند وحجر.والرجل السائل والناس ينظرون إليه فأتي بهما فأخذ هما وقدح منهما النار ، ثم قال للرجل : ضع يدك على الحجر.فوضعها عليه ثم قال : ضع يدك على الزند.فوضعها عليه فقال : هل أحسست منهما حرارة النار فبهت الرجل فقال عثمان : لولاعلي لهلك عثمان.

قال الاميني : نحن لا نرقب من عثمان وليد بيت أمية الحيطة بأمثال هذه العلوم التي هي من أسرار الكون ، وقد تقاعست عنها معرفة من هو أرقى منه في العلم ، فكيف به ؟ وإنما تقلها عيبة العلوم الالهية المتلقاة من المبدأ الاعلى منشئ الكون وملقي أسراره فيه ، وهو الذي أفحم السائل هاهنا وفي كل معضلة أعوز القوم عرفانها.

وإنماكان المترقب من عثمان بعد ماتسنم عرش الخلافة الحيطة بما كان يسمعه ويراه ويفهم ويعقل من السنة المفاضة على أفراد الصحابة ، لئلا يرتبك في موارد السؤال ، فيرتكب العظائم ويفتي بخلاف الوارد ، أو يرتأي رأيا عدت عنه المراشد لكن وياللاسف..

 

 

ـ 23 ـ

رأي الخليفة في الجمع بين الاختين بالملك

أخرج مالك في الموطأ 2 : 10 عن ابن شهاب عن قبيصة بن ذؤيب أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الاختين من ملك اليمين هل يجمع بينهما ؟ فقال عثمان : أحلتهما

 

 

/  ص 215  /

 

آية وحرمتهما آية ، فأما أنا فلا أحب أن أصنع ذلك.قال : فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن ذلك فقال : لوكان لي من الامر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.قال ابن شهاب : أراه علي بن أبي طالب.

- لفظ آخر للبيهقي : عن ابن شهاب قال أخبرني قبيصة بن ذؤيب : ان نيارا الاسلمي سأل رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختين فيما ملكت اليمين فقال له : أحلتهما آية وحرمتهما آية ، ولم أكن لافعل ذلك.قال : فخرج نيار من عند ذلك الرجل فلقيه رجل آخر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ماأفتاك به صاحبك الذي استفيته فأخبره فقال : إني أنهاك عنهما ولو جمعت بينهما ولي عليك سلطان عاقبتك عقوبة منكلة.

قال ملك العلماء في البدايع : وروي عن عثمان رضي الله عنه انه قال : كل شيء حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله تعالى من الاماء إلا الجمع في الوطئ بملك اليمين وقال الجصاص في أحكام القرآن : وروي عن عثمان وابن عباس انهما أباحا ذلك وقالا : أحلتهما آية وحرمتهما آية.وقال : روي عن عثمان الاباحة ، وروي عنه أنه ذكر التحريم والتحليل وقال : لا آمربه ولا أنهى عنه.وهذا القول منه يدل على أنه كان ناظرا فيه غير قاطع بالتحليل والتحريم فيه فجائز أن يكون قال فيه بالاباحة ثم وقف فيه ، وقطع علي فيه بالتحريم.

وقال الزمخشري : أما الجمع بينهمافي ملك اليمين فعن عثمان وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا: أحلتهما آية وحرمتهما آية.فرحج علي التحريم وعثمان التحليل.

قال الرازي : عن عثمان انه قال : أحلتهما آية وحرمتهما آية والتحليل أولى قال ابن عبدالبر في كتاب الاستذكار (1) : إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب لصحبته عبدالملك بن مروان ، وكانوا يستثقلون ذكر علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

راجع السنن الكبرى للبيهقي 7 : 164 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 158 ، المحلى لابن حزم 9 : 522 ، تفسير الزمخشري 1 : 359 ، تفسير القرطبي 5 : 117 ، بدايع الصنايع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في بيان حديث الموطأ المذكور في أول العنوان في قول قبيصة : فلقي رجلا.

 

 

/  ص 216  /

 

للملك العلماء 2 : 264 ، تفسير الخازن 1 : 356 ، الدر المنثور 2 : 136 نقلا عن مالك والشافعي وعبدبن حميد وعبدالرزاق وابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي ، تفسير الشوكاني 1 : 418 نقلا عن الحفاظ المذكورين.

قال الاميني : يقع البحث عن هذه المسألة في موردين الاول : في حكم الجمع بين الاختين بملك اليمين ووطأ هما جميعا فهو محرم على المشهور بين الفقهاء كما قاله الرازي في تفسيره 3 : 193.

وهو المشهور عن الجمهور والائمة الاربعة وغيرهم وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك كماقاله ابن كثير في تفسيره 1 : 472.

ولا يجوز الجمع عند عامة الصحابة كما في بدايع 2 : 264.

كان فيه خلاف بين السلف ثم زال وحصل الاجماع على تحريم الجمع بينهما بملك اليمين.واتفق فقهاء الامصار عليه كما قاله الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 وذهب كافة العلماء إلى عدم جوازه ولم يلتفت أحد من أئمة الفتوى إلى خلافه (قول عثمان) لانهم فهموا من تأويل كتاب الله خلافه ولا يجوز عليهم تحريف التأويل وممن قال ذلك من الصحابة عمر وعلي وابن عباس وعمار وابن عمر وعائشة وابن الزبير وهؤلاء أهل العلم بكتاب الله فمن خالفهم فهو متعسف في التأويل.كذاقاله القرطبي في تفسيره 5 : 116 ، 117.

وقال أبوعمر في الاستذكار : روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس ولكن اختلف عليهم ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الامصار والحجاز والعراق ولا ما وراء هما من المشرق ولا بالشام والمغرب إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس ، وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرا مااجتمعنا عليه ، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الاختين بملك اليمين في الوطئ كما لا يحل ذلك في النكاح. (1)

وحكيت الحرمة المتسالم عليها بين الامة جمعاء عن علي وعمر والزبير وابن عباس وابن مسعود وعائشة وعمار وزيدبن ثابت وابن عمر وابن الزبير وابن منبة واسحاق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تفسير ابن كثير 1 : 473 ، تفسير الشوكاني 1 : 411.

 

 

/  ص 217  /

 

ابن راهويه وابراهيم النخعي والحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان والشعبي والحسن البصري وأشهب والاوزاعي والشافعي وأحمد واسحاق وأبي حنيفة ومالك. (1)

ومع المجمعين الكتاب والسنة فمن الكتاب إطلاق الذكر الحكيم في عد المحرمات في قوله تعالى: وأن تجمعوا بين الاختين (سورة النساء 23) فقد حرمت الجمع بينهما بأي صورة من نكاح أو ملك يمين قال ابن كثير في تفسيره 1 : 473 : وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله : حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم.إلى آخر الآية (2) : أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء وكذلك يجب أن يكون نظرا و قياسا الجمع بين الاختين وامهات النساء والربائب ، وكذلك هو عند جمهور هم وهم الحجة المحجوج بها " على " من خالفها وشذ عنها.ه‍.

وقد تمسك بهذا الاطلاق الصحابة والتابعون والعلماء وأئمة الفتوى والمفسرون وكان مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يشدد النكير على من يفعل ذلك ويقول : لوكان لي من الامر شيء ثم وجدت أحدا فعل ذلك لجعلته نكالا.أو يقول للسائل : إني أنهاك عنهما ولو جمعت بينهما ولي عليك سلطان عاقبتك عقوبة منكلة.

وروي عن أياس بن عامر انه قال : سألت علي بن أبي طالب فقلت : إن لي اختين مماملكت يميني إتخذت إحداهما سرية وولدت لي أولادا ثم رغبت في الاخرى فما أصنع ؟ قال : تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الاخرى ثم قال : انه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر إلا العدد.أو قال : إلا الاربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب. (3)

ولو لم يكن في هذا المورد غير كلام الامام عليه السلام لنهض حجة للفتوى فانه أعرف الامة بمغازي الكتاب وموارد السنة ، وهو باب علم النبي صلى الله عليهما وآلهما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع احكام القرآن للجصاص 2 : 158 ، المحلى لابن حزم 9 : 522 ، 523 ، تفسير القرطبى 5 : 117 ، 118 ، تفسير أبى حيان 3 : 213 ، تفسير الرازى 3 : 193 ، الدر المنثور 2 ، 137.

 (2) هى آية : وان تجمعوا بين الاختين.

 (3) أخرجه الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 ، وأبوعمرفى الاستذكار ، وذكره ابن كثير في تفسيره 1 : 472 ، والسيوطى في الدر المنثور 2 : 137.

 

 

/  ص 218  /

 

وهو الذي خلفه صلى الله عليه وآله عدلا للكتاب ليتمسكوا بهما فلا يضلوا.

وقد أصفق على ذلك أئمة أهل البيت عليهم السلام من ولده وهم عترته صلى الله عليه وآله أعدال الكتاب وأبوهم سيدهم وقولهم حجة في كل باب.

وبهذه تعرف مقدار ما قد يعزى إلى امير المؤمنين عليه السلام من موافقته لعثمان في رأيه الشاذ عن الكتاب والسنة وقوله : أحلتمها آية وحرمتهما آية.وحاشاه عليه السلام من أن يختلف رأيه في حكم من أحكام الله ، غير ان رماة القول على عواهنه راقهم أن يهون على الامة خطب عثمان فكذبوا عليه صلوات الله عليه واختلقوا عليه ، قال الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 : قد روى اياس بن عامر انه قال لعلي : إنهم يقولون : إنك  تقول : أحلتهما آية وحرمتهما آية.فقال : كذبوا.

ومن السنة للمجمعين ما استدل به على الحرمة ابن نجيم في البحر الرائق 3 : 95 ، وملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 264 وغيرهما من قوله صلى الله عليه وآله : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجمعن ماء‌ه في رحم أختين.

- المورد الثا ني : وهل هناك ما يخصص الحرمة المستفادة من القرآن بالسنة إلى ملك اليمين ؟ يدعي عثمان ذلك فقال : أحلتهما آية وحرمتهما آية.ولم يعين الآية المحللة كما يعينها غيره من السلف ، نعم : أخرج عبدالرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن حاتم والطبراني من طريق ابن مسعود انه سئل عن الرجل يجمع بين الاختين الامتين فكرهه ، فقيل : يقول الله تعالى : إلاما ملكت ايمانكم.فقال وبعيرك أيضا مما ملكت يمينك.

وفي لفظ ابن حزم : إن حملك مما ملكت يمينك (1)

وقال الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 : يعنون بالمحلل قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت ايمانكم.والقول بهذا بعيد عن نطاق فهم القرآن وعرفان أسباب نزول الآيات ، ولا تساعده الاحاديث الواردة في الآية الكريمة ، وأنى للقائل من ثبوت التعارض بين الآيتين بعد ورودهما في موضوعين مختلفين ؟ ولاعلام القوم في المقام بيانات ضافية قيمة نقتصر منها بكلام الجصاص قال في " أحكام القرآن " 2 : 199 : إن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المحلى لابن حزم 9 : 524 ، تفسير ابن كثير 1 : 472 ، الدر المنثور 2 : 137 نقلا عن الحفاظ المذكورين.

 

 

/  ص 219  /

 

الآيتين غير متساويتين في إيجاب التحريم والتحليل وغير جائز الاعتراض بأحدهما على الاخرى إذ كل واحدة منهما ورود ها في سبب غير سبب الاخرى وذلك : لان قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.وارد في حكم التحريم كقوله تعالى : وحلائل أبنائكم.وأمهات نسائكم.وسائر من ذكر في الآية تحريمها.وقوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ماملك أيمانكم.في إباحة المسبية التي لها زوج في دار الحرب ، وأفاد وقوع الفرقة وقطع العصمة فيما بينهما ، فهو مستعمل فيهما ورد فيه من ايقاع الفرقة بين المسبية وبين زوجها وإباحتها لمالكها ، فلا يجوز الاعتراض به على تحريم الجمع بين الاختين ، إذكل واحدة من الآيتين واردة في سبب غير سبب الاخرى ، فيستعمل حكم كل واحدة منهما في السبب الذي وردت فيه.قال :

ويدل على ذلك انه لاخلاف بين المسلمين في أنها لم تعترض على حلائل الابناء وأمهات النساء وسائر من ذكر تحريمهن في الآية ، وانه لا يجوز وطئ حليلة الابن ولا أم المرأة بملك اليمين ولم يكن قوله تعالى : " إلاما ملكت ايمانكم " موجبا لتخصيصهن لوروده في سبب غير سبب الآية الاخرى ، كذلك ينبغي أن يكون حكمه في اعتراضه على تحريم الجمع وامتناع علي رضي الله عنه ومن تابعه في ذلك من الصحابة من الاعتراض بقوله تعالى : " إلا ما ملكت أيمانكم ".على تحريم الجمع بين الاختين يدل على أن حكم الآيتين إذا وردتا في سببين إحداهما في التحليل و الاخرى في التحريم ان كل واحدة منهما تجري على حكمهما في ذلك السبب ولا يعترض بها على الاخرى ، وكذلك ينبغي أن يكون حكم الخبرين إذا وردا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مثل ذلك.الخ.

ونحن نردف كلام الجصاص بماورد في سبب نزول قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.وإنه كما سمعت من الجصاص غير السبب الوارد فيه قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.أخرج مسلم في صحيحه وغيره بالاسناد عن أبي سعيد الخدري قال : أصبنا نساء

من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.فاستحللنا بها فروجهن

 

 

/  ص 220  /

 

وفي لفظ أحمد : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا من

من غشيانهن قال : فنزلت هذه الآية في ذلك : " والمحصنات من النساء إلا ماملكت أيمانكم ".

وفي لفظ النسائي : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشا إلى أوطاس فلقوا عدوا فقاتلوهم وظهروا عليهم فأصابوا لهم سبايا لهن أزواج في المشركين فكان المسلمون تحرجوا من غشيانهن فأنزل الله عزوجل : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم.

راجع صحيح مسلم 1 : 416 ، 417 ، صحيح الترمذي 1 : 135 ، سنن أبي داود 1 : 336 ، سنن النسائي 6 : 110 ، مسند أحمد 3 : 72 ، 84 ، أحكام القرآن للجصاص 2 : 165 ، سنن البيهقي 7 : 167 ، المحلى لابن حزم 9 : 447 ، مصابيح السنة 2 : 29 ، تفسير القرطبي

5 : 121 ، تفسير البيضاوي 1 : 269 ، تفسير ابن كثير 1 : 372 ، تفسير الخازن 1 : 375 ، تفسير الشوكاني 1 : 418.

وعلى ذلك تأوله علي وابن عباس وعمر وعبدالرحمن بن عوف وابن عمر وابن مسعود وسعيدبن المسيب وسعيد بن جبير وقالوا : إن الآية وردت في ذوات الازواج من السبايا ابيح وطؤهن بملك اليمين ووجب بحدوث السبي عليها دون زوجها وقوع الفرقة بينهما (1) .

وقال القرطبي في تفسيره 5 : 121 : قد اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقال ابن عباس وأبوقلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبوسعيد الخدري : المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الازواج خاصة ، أي هن محرمات إلا ما مملكت اليمين بالسبي من أرض الحرب ، فإن تلك حلال للذي تقع في سهمه وإن كان لها زوج.وهو قول الشافعي في أن السباء يقطع العصمة ، وقاله ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك ، و وقال به أشهب ، يدل عليه مارواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري " وذكر الحديث فقال " : وهذا نص صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن وطئ المسبيات ذوات الازواج ، فأنزل الله تعالى في جوابهم : إلا ما ملكت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) احكام القرآن للجصاص 2 : 165 ، سنن البيهقي 7 : 167 ، تفسير الشوكاني 1 : 418.

 

 

/  ص 221  /

 

ايمانكم وبه قال مالك وأبوحنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبوثور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.اه‍.

- قول آخر في الآية المحللة :

قال ملك العلماء في بدايع الصنايع 2 : 264 ، والزمخشري في تفسيره 1 : 359 : عني عثمان بآية التحليل قوله عزوجل : إلاعلى أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (1) .وهذا إنما يتم بالتمسك بعموم ملك اليمين لكن الممعن في لحن القول يجد انه لايجوز الاخذ بهذا العموم لانه في مقام بيان ناموس العفة للمؤمنين بأن صاحبها يكون حافظا لفرجه إلا فيما أباح له الشارع في الجملة من زوجة أو ملك يمين فقال : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين ولا ينافي هذا وجود شروط في كل منهما ، فإن العموم لا يبطل تلكم الشروط الثابتة من الشريعة ، وإنما هي التي تضيق دائرة العموم وهي الناظرة عليه ، مثلا لا يقتضي هو إباحة وطي الزوجة في حال الحيض والنفاس وفي أيام شهر رمضان وفي الاحرام والايلاء والظهار والمعتدة من وطئ بشبهة ، ولا إباحة وطي الاختين ولا وطئ الامة ذات الزوج فإن هذه شرايط جاء بها الاسلام لا يخصصها أي شيء ، ولا يعارض أدلتها عموم إلاعلى أزواجهم أو ماملكت ايمانهم.

ولو وسعنا عموم الآية لوجب أن نبيح كل هذه أو نراها تعارض أدلتها ، ولنا عندئذ أن نقول في نكاح الاختين وفي بقية ماورد في الكتاب مما ذكر : احلته آية وحرمته آية.فقد استثنيا " الزوجة وملك اليمين " بنسق واحد وهذا مما لا يفوه به أي متفقه.

وكذالك لوأخذ بعمومها في الرجال والنساء كما جوزه الجصاص لوجب أن نبيح للمرأة المالكة أن يطأها من تملكه ، وهذا لايحل إجماعا من أئمة المذاهب.

وقال ابن حزم في المحلى 9 : 524 : لاخلاف بين أحد من الامة كلها قطعا متيقنا في أنه ليس على عمومه ، بل كلهم مجمع قطعا على أنه مخصوص ، لانه لا خلاف ولاشك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة المؤمنين آية 6.

 

 

/  ص 222  /

 

في أن الغلام من ملك اليمين وهوحرام لايحل ، وان الام من الرضاعة من ملك اليمين والاخت من الرضاعة من ملك اليمين ، وكلتاهما متفق على تحريمهما ، أو الامة يملكها الرجل قد تزوجها أبوه ووطأها وولد منها حرام على الابن.

وقال : ثم نظرنا في قوله تعالى : وأن تجمعوا بين الاختين.وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن.ولا تنكح المشركات حتى يؤمن.ولم يأت نص ولا إجماع على أنه مخصوص حاش زواج الكتابيات فقط ، فلا يحل تخصيص نص لا برهان على تخصيصه ، وإذ لابد من تخصيص ماهذه صفتها أو تخصيص نص آخر لا خلاف في أنه مخصص ، فتخصيص المخصوص هو الذي لايجوز غيره.اه‍.

وأما ماقيل (1) من أن الآية المحللة قوله تعالى : وأحل لكم ماوراء ذلكم.

في ذيل آية عد المحرمات فباطل أيضا فانه بمنزلة الاستثناء مماقبله من المحرمات ومنها الجمع بين الاختين ، وقد عرفت ان الامة صحابيها وتابعيها وفقهائها مجمعة على عدم الفرق في حرمة الجمع بين الاختين في الوطئ نكاحا وملك يمين ، ولم يفرقوا بينهما قط ، وهو الحجة ، على أن ملاك التحريم في النكاح وهو الوطي موجود في ملك اليمين فالحكم فيهما شرع سواء في المراد مما وراء ذلك هوما وراء المذكورات كلهامن الامهات والبنات إلى آخرمافيها ، ومنها الجمع بين الاختين بقسميه.

وعلى فرض الاغضاء عن كل هذه وعن أسباب نزول الآيات وتسليم إمكان المعارضة بين الآيتين فان دليل الحظر مقدم على دليل الاباحة في صورة التعارض ووحدة سبب الدليلين كمابينه علماء علم الاصول ونص عليه في هذه المسألة الجصاص في أحكام القرآن 2 : 158 ، والرازي في تفسيره 3 : 193.

لكن عثمان كان لايعرف كل هذا ، ولاأحاط بشئ من أسباب نزول الآيات فطفق يغلب دليل الاباحة في مزعمته على دليل التحريم المتسالم عليه عند الكل ، وقد عزب عنه حكم العقل المستدعي لتقديم أدلة الحرمة دفعا للضرر المحتمل ، وقد شذ بذلك عن جميع الامة كما عرفت تفصيله ولم يوافقه على هذا الحسبان أي أحد إلا مايعزى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تفسير القرطبي 5 : 117 ، تفسير ابن كثير 1 : 474.

 

 

/  ص 223  /

 

إلى ابن عباس بنقل مختلف فيه كمامر عن أبي عمر في الاستذكار.

وفي كلا م الخليفة شذوذ آخر وهو قوله : كل شيء حرمه الله تعالى من الحرائر حرمه الله تعالى من الاماء إلا الجمع باالوطئ بملك اليمين.فهو باطل في الاستثناء والمستثنى منه ، أما الاستثناء فقد عرفت إطباق الكل على حرمة الجمع بين الاختين بالوطئ بملك اليمين معتضدا بالكتاب والسنة ، وأما المستثنى منه فقد أبقى فيه ما هو خارج منه بالاتفاق من الامة جمعاء وهو العدد المأخوذ في الحرائر دون الاماء.

لقد فتحت أمثال هذه المزاعم الباطلة الشاذة عن الكتاب وفقه الاسلام باب الشجار على الامة بمصراعيه ، فانها في الاغلب لا تفقد متابعا أو مجادلا قد ضلوا وأضلوا وهم لا يشعرون ، وهناك شرذمة سبقها الاجماع ولحقها من أهل الظاهر لايأبه بهم لم يزالوا مصرين على رأي الخليفة في هذه المسألة ، لكنهم شذاذ عن الطريقة المثلى ، قال القرطبي في تفسيره 5 : 117 : شذ أهل الظاهر فقالوا : يجوز الجمع بين الاختين بملك اليمين في الوطئ كما يجوز الجمع بينهما في الملك ، واحتجوا بما روي عن عثمان في الاختين من ملك اليمين : حرمتهما آية وأحلتهما آية.

ولئن اتبعت أهواء‌هم من بعد ماجاء‌ك من العلم إنك إذا لمن الظالمين." البقرة 145 "

 

 

ـ 24 ـ

رأي الخليفة في رد الاخوين الام عن الثلث

أخرج الطبري في تفسيره 4 : 188 من طريق شعبة عن ابن عباس : انه دخل على عثمان رضي الله عنه فقال : لم صارالاخوان يردان الام إلى السدس وإنما قال الله : فإن كان له إخوة.والاخوان في لسان قومك وكلام قومك ليسا بإخوة ؟ فقال عثمان رضي الله عنه : هل أستطيع نقض أمر كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الامصار وفي لفظ الحاكم والبيهقي : لا أستطيع أن أرد ماكان قبلي ومضى في الامصار وتوارث به الناس.

أخرجه الحاكم في المستدرك 4 : 335 وصححه ، والبيهقي في سنن الكبرى 6 : 227 ، ابن حزم في المحلى 9 : 258 ، وذكره الرازي في تفسيره 3 : 163 ، وابن

 

/  ص 224  /

 

كثير في تفسيره 1 : 459 ، والسيوطي في الدر المنثور 2 : 126 ، والآلوسي في روح المعاني 4 : 225.

قال الاميني : ماأجاب به الخليفة ابن عباس ينم عن عدم تضلعه في العربية مع انها لسان قومه ، ولو كان له قسط منها لاجاب ابن عباس بصحة إطلاق الجمع على الاثنين وانه المطرد في كلام العرب ، لا بالعجز عن تغيير ما غلط فيه الناس كلهم العياذ بالله وما هو ببدع في ذلك عمن تقدماه يوم لم يعرفا معنى " الاب " وهو من صميم لغة الضاد ومشروح بما بعده في الذكر الحكيم ، فان إطلاق الاخوة على الاخوين قد لهج به جمهور العرب ولذلك لا تجد أي خلاف في حجب الاخوين الام عن الثلث إلى السدس بين الصحابة العرب الاقحاح ، والتابعين الذين نزلوا منزلتهم من العربية الفصحاء ، والفقهاء من مذاهب الاسلام ، ولا استناد لهم في الحكم إلا الآية الكريمة ، وما ذلك إلا لتجويزهم إطلاق الجمع على الاثنين سواء كان ذلك أقله أو توسعا مطردا في الاطلاق.

قال الطبري في تفسيره 4 : 187 : قال جماعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم باحسان ومن بعدهم من علماء أهل الاسلام في كل زمان : عنى الله جل ثناؤه بقوله: فإن كان له إخوة فلامه السدس.إثنين كان الاخوة أو أكثر منهما ، أنثيين كانتا أو كن اناثا ، أو ذكرين كانا أو ذكورا ، أو كان أحدهما ذكرا والآخر انثى ، واعتل كثير ممن قال ذلك بان ذلك قالته الامة عن بيان الله جل ثناؤه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقلته أمة نبيه نقلا مستفيضا قطع العذر مجيئه ، ودفع الشك فيه عن قلوب الخلق وروده (ثم نقل حديث ابن عباس المذكور فقال) : والصواب من القول في ذلك عندي أن المعني بقوله : فان كان له إخوة.إثنان من أخوة الميت فصاعدا على ماقاله أصحاب رسول الله دون ماقاله ابن عباس رضي الله عنه (1) لنقل الامة وراثة صحة ما قالوه من ذلك عن الحجة وإنكارهم ماقاله ابن عباس في ذلك.

قال: فإن قال قائل : وكيف قيل في الاخوين اخوة ؟ وقد علمت أن الاخوين في منطق العرب مثالا لايشبه مثال الاخوة في منطقها ؟ قيل : إن ذلك كان كذلك فان من شأنها التأليف بين الكلامين بتقارب معنييهما وإن اختلفا في بعض وجوههما فلما كان ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سيوافيك فساد عزو الخلاف إلى ابن عباس.

 

 

/  ص 225  /

 

كذلك وكان مستفيضا في منطقها ، منتشرا مستعملا في كلامها : ضربت من عبدالله وعمرو رؤسهما ، وأوجعت منهما ظهورهما ، وكان ذلك أشد إستفاضة في منطقها من أن يقال : أوجعت منهماظهر هما ، وإن كان مقولا أوجعت ظهرهما كماقال الفرزدق :

بما في فؤادينا من الشوق والهوى * فيــــبرأ منهــــاض الفؤاد المشغف

غير أن ذلك وإن كان مقولا فأفصح منه بمافي أفئدتنا كما قال جل ثناؤه : إن تتوباإلى الله فقد صغت قلوبكما.فلما كان ماوصفت من إخراج كل ماكان في الانسان واحدا إذا ضم إلى الواحد منه آخر من انسان آخر فصارا اثنين من اثنين فلفظ الجمع أفصح في منطقها وأشهر في كلامها ، وكان الاخوان شخصين كل واحد منهما غير صاحبه من نفسين مختلفين أشبه معناها معنى ماكان في الانسان من اعضائه واحدا لاثاني له ، فاخرج انثييهما بلفظ انثي العضوين اللذين وصفت ، فقيل : إخوة.في معنى الاخوين ، كما قيل : ظهور.في معنى الظهرين ، وأفواه في معنى فموين ، وقلوب في معنى قلبين.وقد قال بعض النحويين إنما قيل : إخوة ، لان اقل الجمع اثنان.الخ.اه‍

وأخرج الحاكم باسناد صححه في المستدرك 4 : 335 ، والبيهقي في السنن 6 : 227 عن زيد بن ثابت انه كان يحجب الام بالاخوين فقال : إن العرب تسمي الاخوين إخوة.وذكره الجصاص في أحكام القران 2 : 99.

وأخرج ابن جرير في تفسيره 4 : 189 وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى : فإن كان له إخوة فلامه السدس.قال : أضروا بالام ، ولا يرثون ولا يحجبهاالاخ الواحد من الثلث ويحجبها مافوق ذلك. (الدر المنثور 2 : 126) وذكر الجصاص في احكام القرآن 2 : 98 قول الصحابة بحجب الاخوين الام عن الثلث كاالاخوة فقال : والحجة : ان اسم الاخوة قد يقع على الاثنين كما قال تعالى : إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما.وهما قلبان.وقال تعالى : هل أتاك نبأ

الخصم إذتسوروا المحراب.ثم قال تعالى : خصمان بغى بعضنا على بعض.

فأطلق لفظ الجمع على إثنين.وقال تعالى : وإن كانوا إخوة رجالا ونساء‌ا فللذكر مثل حظ الانثيين.فلو كان أخا وأختا كان حكم الآية جاريا فيهما.الخ. (1)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بقية كلامه لا تخلوعن فوائد.فراجع الجصاص أحد أئمة الحنفية.

 

 

/  ص 226  /

 

قال مالك في الموطأ 1 : 331 : فان كان له إخوة فلامه السدس فمضت السنة أن الاخوة إثنان فصاعدا.

وفي عمدة السالك وشرحه فيض المالك 2 : 122 : فإن كان معها أي الام ولد أوكان معها ولد ابن ذكر أوانثى أو كان معها عدد اثنان فأكثر من الاخوة ومن الاخوات فلها السدس لقوله تعالى : فإن كان له إخوة فلامه السدس.والمراد بهم إثنان فاكثر اجماعا. (1)

وقال الشافعي كمافي مختصر المزني هامش كتاب الام 3 : 140 : وللام الثلث فان كان للميت ولد أو ولد ولد أو اثنان من الاخوء أو الاخوات فصاعدا فلها السدس.

وقال ابن كثير في تفسيره 1 : 459 : حكم الاخوين كحكم الاخوة عند الجمهور ثم ذكر حديث زيد بن ثابت من ان أخوين تسمي إخوة.

وقال الشوكاني في تفسيره 1 : 398 : قد أجمع أهل العلم على أن الاثنين من الاخوة يقومون مقام الثلاثة فصاعدا في حجب الام إلى السدس.

هذا رأي الامة في الاخوة فقد عزب عن الخليفة صحة الاطلاق في الآية الكريمة في لسان قومه ، وان السلف لم يعرف من الاخوة معنى إلا ما يعم الاخوين وزعم أن من كان قبله شذوا عن لسان قومه ، وذهبوا إلى حجب الام بالاخوين خلاف كتاب الله ، وجاء يأسف على أنه لم يستطع تغيير ماوقع ونقض ماكان من الناس ، هذا مبلغ علم الرجل بالكتاب وأدلة الاحكام والفروض المسلمة بين الامة.

وأما ابن عباس فانه لم يشذ عن لغة قومه وهو من جبهة العرب وعلى سنام قريش ومن بيت هم أفصح من نطق بالضاد ، وإنما أراد باستفهامه من الخليفة أن يعرف الملا مقداره من أبسط شيء يجب أن يكون في مثله فضلا عن معضلات المسائل وهو الحيطة باللغة وعرفان موارد الاستعمال حتى يتسنى له أخذالحكم من الكتاب والسنة اللذين جاء‌ا بهذه اللغة الكريمة ، ولذلك أتى في قوله بصورة الاستفهام عن مدرك الحكم لاعن أصله ، فإن الحكم كان مسلما عنده لا أن ماقاله للخليفة كان رأيا له في الخلاف في حجب الاخوين ، وإلا لتبعه أصحابه المقتصين أثره ، لكنهم كلهم موافقون للامة وعلمائها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذامذهب الحنابلة والكتاب لاحد أئمتهم.

 

 

/  ص 227  /

 

في حجب الاخوين كما ذكره ابن كثير في تفسيره 1 : 459 فعد ابن عباس مخالفا في المسألة بهذه الرواية كما فعله الطبري في تفسيره 4 : 188 ، وابن رشد في البداية 2 : 327 وغيرواحد من الفقهاء وأئمة الحديث ورجال التفسير أغلوطة نشأت من عدم فهم مغزى كلامه.

 

 

ـ 35 ـ

رأي الخليفة في المعترفة بالزنا

عن يحيى بن حاطب قال : توفي حاطب فأعتق من صلى من رقيقه وصام وكانت له أمة نوبية قدصلت وصامت وهي أعجمية لم تفقه فلم ترعه إلا بحبلها وكانت ثيبا فذهب إلى عمر رضي الله عنه فحدثه فقال : لانت الرجل لاتأتي بخير ، فأفزعه ذلك فأرسل إليها عمر رضي الله عنه فقال : أحبلت ؟ فقالت : نعم من مرعوش بدرهمين.فاذا هي تستهل بذالك لاتكتمه قال : وصادف عليا وعثمان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم فقال : أشيروا علي وكان عثمان رضي الله عنه جالسا فاضطجع فقال علي وعبدالرحمن : قد وقع عليها الحد.

فقال : أشر علي ياعثمان  فقال : قد أشارعليك أخواك ، قال : أشر علي أنت.قال : أراها تستهل به كأنها لا تعلمه وليس الحد إلا على من علمه فقال : صدقت صدقت والذي نفسي بيده ، ماالحد إلا على من علمه.فجلد ها عمر مائة وغربها عاما.

قال الاميني : أسلفنا هذا الحديث في الجزء السادس (1) وتكلمنا هنالك حول رأي الخليفة الثاني وما أمر به من الجلد والاغتراب وانه خارج عن نطاق الشرع ، وهاهنا ننظر إلى رأي عثمان وفتياه بعدم الحد.

ولو كان ما يقوله الخليفة حقا لبطلت الاقارير والاعترافات في أمثال المورد فيقال في كلها انه لا يعلم الحد ولو علمه لاخفاه خيفة إجرائه عليه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحد بالاقرار ولو بعد استبراء الخبر والتريث في الحكم رجاء أن تكون هناك شبهة يدرأ بها الحد فكان صلى الله عليه وآله يقول للمعترف بالزنا : أبك جنون ؟ (2) أو يقول : لعلك قبلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صفحة 161 ط 1 ، و 174 ط 2.

 (2) كما في صحيح أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي في السنن 8 : 225.

 

 

/  ص 228  /

 

أو غمزت أو نظرت ؟ (1) وكذلك مولا نا أميرالمؤمنين علي وقبله الخليفة الثاني كانا يدافعان

المعترف رجاء أن ينتج الاخذ والرد لشبهة في الاقرار ، لكنهما بعد ثبات المعترف على ماقال كانا يجريان عليه الحد ، ألا ترى قول عمر للزانية : مايبكيك ؟ إن المرأة ربما استكرهت على نفسها.فاخبرت إن رجلا ركبها وهي نائمة فخلى سبيلها ، وإن عليا عليه السلام قال لشراحة حين أقرت بالزنا : لعلك عصيت نفسك ؟ قالت : أتيت طائعة غير مكرهة فرجمها (2)

ولعل من جراء أمثال هذه القضايا طرق سمع الخليفة ان الحدود تدرأ بالشبهات ، والحدود تدفع ما وجد لها مدفع ، غير أنه لم يدر ان للاقرار ناموسا في الشريعة لا يعدوه ولا سيما في مورد الزنا فانه يؤاخذ به المعترف في أول مرة كما تعطيه قصة العسيف الواردة في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، أو بعد أربع أقارير إما في مجلس واحد كما ورد في قصة الماعز في لفظ الشيخين في الصحيحين ، أوفي عدة مجالس كما يظهر من حديث زاني بني ليث الوارد في سنن البيهقي 8 : 228 ، فتقوم تلكم الاقارير مقام أربع شهادات ، كما وقع في سارق جاء إلى علي فقال : إني سرقت ، فرده فقال : إني سرقت.فقال : شهدت على نفسك مرتين فقطعه (3) .وقد عزب عن الخليفة فقه المسألة كمابيناه ، وهي على ماجاء‌ت في الاحاديث المذكورة يختلف حكمها عند أئمة المذاهب قال القاضي ابن رشد في بداية المجتهد 2 : 429 : أما عدد الاقرار الذي يجب به الحد فان مالكا (4) والشافعي (5) يقولان يكفي في وجوب الحد عليه إعترافه به مرة واحدة وبه قال داود وأبوثور الطبري وجماعة ، وقال أبوحنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى : لا يجب الحد إلا بأقارير أربعة مرة بعد مرة ، وبه قال أحمد واسحاق ، وزاد أبوحنيفة وأصحابه في مجالس متفرقة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كما في حديث ماعز وقد أخرجه غيرواحد من اصحاب الصحاح وفي مقدمهم البخارى في صحيحه 10 : 39.

 (2) أخرجهما الجصاص في أحكام القرآن 3 : 325.

 (3) كنز العمال 3 : 117 نقلا عن عبدالرزاق وابن المنذر والبيهقي.

 (4) ذكر تفصيل ماذهب اليه في الموطأ والمدونة الكبرى.

 (5) يوجد تفصيل قوله في كتابه الام 7 : 169.

 

 

/  ص 229  /

 

ثم ما ذايعني الخليفة بقوله : أراها تستهل به كأنها لا تعلمه ، وليس الحد إلا على من علمه ؟ هل يريد جهلها بالحد أو بحرمة الزنا ؟ أما العلم بثبوت الحد فليس له أي صلة بإجراء حكم الله فانه يتبع تحقق الزنا في الخارج علم الزاني أو الزانية بترتب الحد عليهما أم لم يعلما.

على انه ليس من الممكن في عاصمة النبوة أن يجهل ذلك أي أحد وهو يشاهد في الفينة بعد الفينة مجلودا تنال منه السياط ، ومرجوما تتقاذفه الاحجار.

وأماحرمة الزنا فلا يقبل من المتعذر بالجهل بها إلا حيث يمكن صدقه كمن عاش في أقاصي البراري والفلوات والبقاع النائية عن المراكز الاسلامية ، فيمكن أن يكون الحكم لم يبلغه بعد ، وأما المدني يومئذ الكائن بين لوائح النبوة ومجاري الاحكام والحدود وتحت سيطرة الخلفاء ، وهو يعي كل حين التشديد في الزنا وحرمته ، ويشاهد العقوبات الجارية على الزناة من جراء حرمة السفاح ، فعقيرة ترتفع من ألم السياط ، وجنازة تشال بعد الرجم ، فليس من الممكن في حقه عادة أن يجهل حرمة الزنا فلا تقبل منه دعواه الجهل ، ولعل هذامما اتفقت عليه أئمة المذاهب ، قال مالك في المدونة الكبرى 4 : 382 في الرجل يطأ مكاتبته يغتصبها أو تطاوعه : لا حد عليه وينكل إذا كان ممن لا يعذر بالجهالة.

وقال فيمن يطلق امرأته تطليقة قبل البناء بها فيطؤها بعد التطليقة ويقول : ظننت أن الواحدة لا تبينها مني وانه لا يبرأها مني إلا الثلاث : قال ابن القاسم : ليس عليه الحد إن عذر بالجهالة ، فأرى في مسألتك إن كان ممن يعذر بالجهالة أن يدرأ عنه الحد لان مالكا قال في الرجل يتزوج الخامسة : إن كان ممن يعذر بالجهالة وممن يظن انه لم يعرف أن ما بعد الاربع ليس مما حرم الله ، أو يتزوج أخته من الرضاع على هذاالوجه ، فان مالكا درأ عنه الحد وعن هؤلاء.

وفي ص 401 : من وطئ جارية هي عنده رهن انه يقام عليه الحد ،

قال ابن القاسم : ولا يعذر في هذاأحد ادعى الجهالة.قال مالك : حديث التي قالت زينب بمرعوش بدرهمين (1) انه لا يؤخذبه.وقال مالك : أرى أن يقام الحد ولا يعذرالعجم بالجهالة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يعني الحديث المذكور في عنوان المسألة الذي نبحث عما فيه.

 

 

/  ص 230  /

 

وقال الشافعي في كتاب الام 7 : 169 في زناء الرجل بجارية امرأته : إن زناه بجارية امرأته كزناه بغيرها إلا أن يكون ممن يعذر بالجهالة ويقول : كنت أرى أنها لي حلال.

قال شهاب الدين أبوالعباس ابن النقيب المصري في عمدة السالك : ومن زنى و قال :

لاأعلم تحريم الزنا وكان قريب العهد بالاسلام أو نشأ ببادية بعيدة لا يحد ، وإن لم يكن كذلك حد (1) .اه‍.

ولو قبل من كل متعذر بالجهالة لعطلت حدودالله ، وتترس به كل زان و زانية ، وشاع الفساد ، وساد الهرج ، وارتفع الامن على الفروج والنواميس ، ولو راجعت ما جاء في مدافعة النبي صلى الله عليه وآله والخلفاء عن المعترف بالزنا لالقاء الشبهة لدرء الحد تراهم يذكرون الجنون والغمز والتقبيل وما شابه ذلك ، ولا تجد ذكر الجهل بالحرمة في شيء من الروايات ، فلو كان لمطلق الجهل تأثير في درء الحد لذكروه لامحالة من غير شك.

على أن الجهل حيث يسمع يجب أن يكون بادعاء من الرجل لا بالتوسم من وجناته وأسارير جبهته واستهلاله في إقراره كما زعمه الخليفة وهو ظاهر كلمات الفقهاء المذكورة.

ولما قلناه كله لم يعبأ الحضور بذلك الاستهلال ، فأخذها مولانا أمير المؤمنين وعبدالرحمن فقالا: قد وقع عليها الحد.وأما عمر فالذي يظهر من قوله لعثمان ؟ صدقت.إلخ.

وفعله من إجراء الجلد والاغتراب انه هزأ بهذا القول ، ولو كان مصدقا لما جلدها لكنه جلدها وهي تستحق الرجم كمامر في الجزء السادس.

 

 

ـ 26 ـ

شراء الخليفة صدقة رسول الله

أخرج الطبراني في الاوسط من طريق سعيد بن المسيب قال : كان لعثمان آذن فكان يخرج بين يديه إلى الصلاة قال : فخرج يوما فصلى والآذن بين يديه ثم جاء فجلس الآذن ناحية ولف ردائه فوضعه تحت رأسه واضطجع ووضع الدرة بين يديه ، فأقبل علي في ازار ورداء وبيده عصا ، فلما رآه الآذن من بعيد قال : هذا علي قد أقبل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع فيض الاله المالك في شرح عمدة السالك 2 ، 312.

 

 

/  ص 231  /

 

فجلس عثمان فأخذ عليه رداء‌ه فجاء حتى قام على رأسه فقال : اشتريت ضيعة آل فلان و لوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مائها حق ، أما إني قد علمت انه لا يشتريها غيرك.فقام عثمان وجرى بينهما كلام حتى ألقى الله عزوجل وجاء العباس فدخل بينهما ، ورفع عثمان على علي الدرة ورفع علي على عثمان العصا ، فجعل العباس يسكنهما ويقول لعلي : أمير المؤمنين.

ويقول لعثمان : ابن عمك.فلم يزل حتى سكتا.فلما أن كان من الغد رأيتهما وكل منهما آخذ بيد صاحبه وهما يتحدثان.مجمع الزوائد 7 : 227.

قال الاميني : يعلمنا الحديث ان الخليفة إبتاع الضيعة ومائها وفيه حق لوقف رسول الله لا يجوز إبتياعه ، فان كان يعلم بذلك ؟ وهو المستفاد من سياق الحديث حيث انه لم يعتذر بعدم العلم ، وهو الذي يلمح إليه قول الامام عليه السلام : وقد علمت أنه لايشتريها غيرك.فأي مبرر إستساغ ذلك الشراء ؟ وإن كان لا يعلم ؟ فقد أعلمه الامام عليه السلام فما هذه المماراة والتلاحي ورفع الدرة ؟ الذي إضطر الامام إلى رفع العصا ، حتى فصل بينهما العباس ، أوفي الحق مغضبة ؟ وهل يكون تنبيه الغافل أو إرشاد الجاهل مجلبة لغضب الانسان ، الديني ؟ فضلا عمن يقله أكبر منصة في الاسلام.

وأحسب ان ذيل الرواية ملصق بها لاصلاح مافيها ، وعلى فرض صحته فانه لا يجديهم نفعا ، فإن الامام عليه السلام لم يأل جهدا في النهي عن المنكر سواء ارتدع فاعله أو انه عليه السلام يأس من خضوعه للحق ، وعلى كل فانه عليه السلام كان يماشيهم على ولاء الاسلام ولا يثيره إلا الحق إذا لم يعمل به ، فيجري في كل ساعة على حكمها من مكاشفة أو ملاينة ، وهكذا فليكن المصلح المنزه عن الاغراض الشخصية الذي يغضب لله وحده ويدعو إلى الحق للحق.

 

 

ـ 27 ـ

الخليفة في ليلة وفاة ام كلثوم

أخرج البخاري في صحيحه في الجنائز باب يعذب الميت ببكاء أهله.وباب من يدخل قبر المرأة ج 2 : 225 ، 244 بالاسناد من طريق فليح بن سليما عن أنس بن مالك قال : شهدنا بنت (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على القبر فرأيت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الصحيح عند شراح الحديث انها أم كلثوم زوجة عثمان بن عفان ، وجاء في لفظ أحمد وغيره انها رقية.وعقبه السهيلى وقال : هو وهم بلاشك.راجع الروض الانف 2 : 107 ، فتح البارى 3 : 122 ، عمدة القارى 4 : 85.

 

 

/  ص 232  /

 

عينيه تدمعان فقال : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟

فقال أبوطلحة " زيد بن سهل الانصاري" : أنا ، قال : فأنزل في قبرها.قال : فنزل في قبرها فقبرها.قال ابن مبارك :

قال فليح : أراه يعني الذنب.قال أبوعبدالله " يعني البخاري نفسه " : ليقترفوا ليكتسبوا (1) وفي مسند أحمد : قال سريج : يعني ذنبا.

وأخرجه ابن سعد في الطبقات 8 : 31 ط ليدن ، وأحمد في مسنده 3 : 126 ، 228 ، 229 ، 270 ، والحاكم في المستدرك 4 : 47 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4 : 53 من طريقين ، وذكره السهيلي في الروض الانف 2 : 107 نقلا عن تاريخ البخاري وصحيحه وعن الطبري فقال : قال ابن بطال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحرم عثمان النزول في قبرها وقد كان أحق الناس بذلك لانه كان بعلها وفقد منها علقا لا عوض منه لانه حين قال عليه السلام : أيكم لم يقارف الليلة أهله.سكت عثمان ولم يقل أنا لانه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه ولم يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي صلى الله عليه وسلم عن المقارفة فحرم بذلك ماكان حقاله وكان أولى من أبي طلحة وغيره ، وهذا بين في معنى الحديث ولعل النبي صلى الله عليه وسلم قد كان علم ذلك بالوحي فلم يقل له شيئا لانه فعل فعلا حلالا غير ان المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله حتى حرم ماحرم من ذلك بتعريض غير تصريح والله أعلم.

ويوجد الحديث في نهاية ابن الاثير 3 : 276 ، لسان العرب 11 : 189 ، الاصابة 4 : 489 ، تاج العروس 6 : 220.

قال الاميني : إضطربت كلمات العلماء حول هذا الحديث غير ان فليحا المتوفي سنة 163 ، الذي فسر المقارفة بالذنب ، وأيد البخاري كلامه بقوله : ليقترفوا ليكتسبوا وسريجا المتوفى سنة 217 هم أقدم من تكلم فيه ، وقال الخطابي (2) : معناه لم يذنب

 (3) وجاء ابن بطال (4) وخصه بمقارفة النساء ، وجمع بينهما العيني (5) ، وأيا ماكان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ايعاز إلى قوله تعالى : وليقترفوا ما هم مقترفون.كما في فتح البارى 3 : 163 ، وفى قوله تعالى : إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بماكانوا يقترفون.

 (2) أبوسليمان حمد بن محمد البستى صاحب التآليف القيمة المتوفى 388.

 (3) ذكره العيني في عمدة القارى 4 : 85.

 (4) ذكركلامه السهيلى في الروض الانف 2 : 107 كما مر بلفظه.

 (5) عمدة القاري 4 : 85 

 

 

/  ص 233  /

 

فلاشك في انه أمر استحق من جرائه عثمان الحرمان من النزول في قبر زوجته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أولى الناس بها ، والمسلمون كلهم كانوا يعلمون ذلك ، لكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الداعي إلى الستر على المؤمنين والاغضاء عن العيوب ، الناهي عن إشاعة الفحشاء في كتابه الكريم ، والمانع عن التجسس عما يقع في الخلوات ، ألمبعوث لاعزاز أهل الدين ، شاء وماينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى أن يستثني موردا واحدا تلوح بأمر عظيم حرم لاجله عثمان من الحظوة بالنزول في قبر حليلته أو معقد شرفه بصهر رسول الله صلى الله عليه وآله وواسطة مفخره بهاتيك الصلة ، فعرف المسلمون ذلك المقتضي بالطبع الاول وهذا المانع من المقارفة المختلف في تفسيرها ، فان كان ذنبا أثر في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حط من رتبته بماقلناه ؟ ولو كانت صغيرة وهي غير ظاهرة تسترها ، لكنها بلغت من الكبر حدا لم ير صلى الله عليه وآله سترها ، ولا رعى حرمة ولا كرامة لمقترفها ، فإن كانت سيئة هذا شأنها ؟ فلا خير فيمن يجترح السيئآت.

وإن اريدت مقارفة النساء على الوجه المحلل فهي من منافيات المروء‌ة ومن لوازم الفظاطة ولغلظة فأي إنسان تحبذله نفسه التمتع بالجواري في أعظم ليلة عليه هي ليلة تصرم مجده ، وانقطاع فخره ، وانفصام عرى شرفه ، فكيف هان ذلك على الخليفة ؟

فلم يراع حرمة رسول الله صلى الله عليه وآله واستهانت تلك المصيبة العظيمة فتلذذ بالرفث إلى جارية (1) والمطلوب من الخلفاء معرفة فوق هذه من أول يومهم ، ورأفة أربى مماوقع ، ورقة تنيف على ماصدرمنه ، وحياء يفضل على ماناء به.

ومن العسير جدا الخضوع للاعتقاد بان رسول الله صلى الله عليه وآله ارتكب ذالك الهتك والاهانة على أمر مباح مع رأفته الموصوفة على أفراد الامة وإغراقه نزعا في الستر عليهم ، وكيف في حق رجل يعلم صلى الله عليه وآله انه سيشغل منصة الخلافة.

هذا ما عندنا وأما أنت فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.

أيحكم ضميرك الحر عند ئذ في رجل هذا شأنه وهذه سيرته مع كريمة رسول الله صلى الله عليه وآله بصحة ماأخرجه ابن سعد في طبقاته 3 : 38 من القول المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم قارف الرجل ، يوم سمع من النبي الاعظم تلك القارصة : لوكان عندي ثالثة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كما في عمدة قارى 4 : 85.

 

 

/  ص 234  /

 

زوجتهما عثمان ، قاله لما ماتت أم كلثوم.كذا قال ابن سعد.

أوقوله : لوكن (يعني بناته) عشرا لزوجتهن عثمان (1)

أو قوله فيما أخرجه ابن عساكر : لو ان لي أربعين بنتا لزوجتك واحدة بعد

واحدة حتى لا تبقى منهن واحدة (2)

أو قوله فيما جاء به ابن عساكر (3) من طريق أبي هريرة قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي عثمان بن عفان على باب المسجد فقال : ياعثمان  هذا جبريل يخبرني ان الله قد زوجك ام كلثوم بمثل صداق رقية على مثل مصاحبتها.

أكانت مصاحبة عثمان هذه ام كلثوم لدة مصاحبتها رقية وكانت مرضية للمولى سبحانه ؟

أو ترى عثمان متخلفا عن شرط الله في ام كلثوم ؟ أنا لا أدري.

على أن اسناد هذا الحديث معلول من جهات ، وكفاه علة عبدالرحمن بن أبي الزناد القرشي وقد ضعفه ابن معين وابن المديني وابن أبي شيبة وعمرو بن علي والساجي وابن سعد ، وقال ابن معين والنسائي : لا يحتج بحديثه (4)

 

 

ـ 28 ـ

إتخاذ الخليفة الحمى له ولذويه

لقد جعل الاسلام منابت العشب من مساقط الغيث والمروج كلها شرعا سواء بين المسلمين إذا لم يكن لها مالك مخصوص كما هو الاصل في المباحات الاصلية من أجواز الفلوات واطراف البراري ، فترتع فيها مواشيهم وترعى ابلهم وخيلهم من دون أي مزاحمة بينهم ، وليس لاي أحد أن يحمى لنفسه حمى فيمنع الناس عنه ، فقال صلى الله عليه وآله :

المسلمون شركاء في ثلاث : في الكلا والماء والنار.

وقال : ثلاث لايمنعن : الماء والكلا والنار.

وقال : لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلا.وفي لفظ : لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به

فضل الكلا.وفي لفظ : من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا منعه الله فضله يوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد ط ليدن 8 : 25.

 (2) تاريخ ابن كثير 7 : 212 وقال : اسناد ضعيف ، أخبار الدول للقرمانى ص 98.

 (3) راجع تاريخ ابن كثير 7 : 211.

 (4) تهذيب التهذيب 6 : 171.

 

 

/  ص 235  /

 

القيامة (1) نعم كان في الجاهلية يحمي الشريف منهم مايروقه من قطع الارض لمواشيه وإبله خاصة فلا يشاركه فيه أحد وإن شاركهم هو في مراتعهم ، وكان هذا من مظاهر التجبر السائد عند ئذ ، فاكتسح رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فيما اكتسحه من عادات الطواغيت و تقاليد الجبابرة فقال صلى الله عليه وآله : لا حمى إلا لله ولرسوله (2)

وقال الشافعي في تفسير الحديث : كان الشريف من العرب في الجاهلية إذا نزل بلدا في عشيرته استعوى كلبا فحمى لخاصته مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره فلم يرعه معه أحد ، وكان شريك القوم في سائر المراتع حوله.قال : فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمى على الناس حمى كماكانوا في الجاهلية يفعلون.قال :

وقوله : إلا لله ولرسوله.يقول : إلا ما يحمى لخيل المسلمين وركابهم التي ترصد للجهاد ويحمل عليها في سبيل الله وإبل الزكاة كما حمى عمر النقيع (3) لنعم الصدقة و الخيل المعدة في سبيل الله (4) واستعمل عمر على الحمى مولى له يقال له هنى فقال له : ياهنى ضم جناحك للناس ، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة ، وادخل رب الصريمة ورب الغنيمة ، وإياي ونعم ابن عفان (5) ونعم ابن عوف فانهما إن تهلك يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الغنيمة والصريمة يأتي بعياله فيقول : ياأمير المؤمنين  أفتاركهم أنا ؟ لا أبالك.الخ (6)

كان هذا الناموس متسالما عليه بين المسلمين حتى تقلد عثمان الخلافة فحمى لنفسه دون إبل الصدقة كما في أنساب البلاذري 5 : 37 ، والسيرة الحلبية 2 : 87 ، أو له و لحكم ابن أبي العاص كما في رواية الواقدي ، أو لهما ولبني أمية كلهم كما في شرح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) توجد هذه الاحاديث في صحيح البخاري 3 : 110 ، الاموال لابى عبيد ص 296 ، سنن أبي داود 2 : 101 ، سنن ابن ماجة 2 : 94.

 (2) صحيح البخاري 3 : 113 ، الاموال لابى عبيد ص 294 ، كتاب الام للشافعي 3 : 207 ، وفى الاخيرين تفصيل ضاف حول المسألة.

 (3) على عشرين فرسخا أو نحو ذلك من المدينة " معجم البلدان ".

 (4) راجع كتاب الام 3 : 208 ، معجم البلدان 3 : 347 ، نهاية ابن الا ثير 1 : 297 ، لسان العرب 18 : 217 ، تاج العروس 10 : 99.

 (5) في لفظ أبي عبيد : ودعنى من نعم ابن عفان.بدل (واياى ونعم ابن عفان) .

 (6) صحيح البخاري 4 : 71 ، الاموال لابى عبيد ص 298 ، كتاب الام 3 : 271.

 

 

/  ص 236  /

 

إبن أبي الحديد 1 : 67 قال : حمى (عثمان) المرعى حول المدينة كلها من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية.وحكى في ص 235 عن الواقدي انه قال : كان عثمان يحمي الربذة والشرف والنقيع ، فكان لايدخل الحمى بعير له ولا فرس ولا لبني امية حتى كان آخر الزمان ، فكان يحمي الشرف (1) لابله : وكانت الف بعير ولابل الحكم بن أبي العاص ، ويحمى الربذة (2) لابل الصدقة ، ويحمي النقيع لخيل المسلمين وخيله و خيل بني أمية.اه‍.

نقم ذلك المسلمون على الخليفة فيما نقموه عليه وعدته عائشة مما أنكروه عليه فقالت : وإنا عتبنا عليه كذا وموضع الغمامة المحماة (3) وضربه بالسوط والعصا ، فعمدوا إليه حتى إذا ماصوه كما يماص الثوب (4) .قال ابن منظور في ذيل الحديث :

الناس شركاء فيما سقته السماء من الكلا إذالم يكن مملوكا فلذلك عتبواعليه.

كانت في إتخاذ الخليفة الحمى جدة وإعادة لعادات الجاهلية الاولى التي أزاحها نبي الاسلام صلى الله عليه وآله وجعل المسلمين في الكلا مشتركين ، وقال : ثلاثة يبغضهم الله.وعد فيهم  من استن في الاسلام سنة الجاهلية (5) وكان حقا على الرجل أن يحمي حمى الاسلام قبل حمى الكلا ، ويتخذ ماجاء به الرسول صلى الله عليه وآله سنة متبعة ولا يحيى سنة الجاهلية ، ولن تجد لسنة الله تحويلا ، ولن تجد لسنة الله تبديلا.ولكنه..

 

 

ـ 29 ـ

قطع الخليفة فدك لمروان

عد ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 ممانقم الناس على عثمان قطعه فدك لمروان وهي صدقة رسول الله ، فقال أبوالفدا : وأقطع مروان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كذا نجد.عند البخارى بالسين المهملة.وفى موطا ابن وهب : الشرف.بالشين المعجمة وفتح الراء وهذا الصواب (معجم البلدان)

 (2) الربذة في الشرف " المذكورة " هى الحمى الايمن.

 (3) يسمى العشب بالغمامة كما يسمى بالسماء.المحماة من أحميت المكان فهومحمى.أى جعلته حمى. (الفائق للزمخشرى).

 (4) راجع الفائق للزمخشري 2 : 117 ، نهاية ابن الاثير 1 : 298 ، ج 4 : 121 ، لسان العرب 8 : 363 : ج 18 : 217 ، تاج العروس 10 : 99.

 (5) بهجة النفوس للحافظ الازدى ابن أبى جمرة 4 : 7 19.

 

 

/  ص 237  /

 

ابن الحكم فدك وهي صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي طلبتها فاطمة ميراثا فروى أبوبكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن معاشر الانبياء لا نورث ماتركناه صدقه ، ولم تزل فدك في يد مروان وبنية إلى أن تولى عمر بن عبد العزيز فانتزعها من أهله وردها صدقة وأخرج البيهقي في السنن الكبرى 6 : 301 من طريق المغيرة حديثا في فدك وفيه : انها أقطعها مروان لما مضى عمرلسبيله.فقال : قال الشيخ : إنما أقطع مروان فدكا في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه وكأنه تأول في ذلك ماروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطعم الله نبيا طعمة فهي للذي يقوم من بعده ، وكان مستغنيا عنها بماله فجعلها لاقربائه ووصل بها رحمهم ، وذهب آخرون إلى أن المراد بذلك التولية وقطع جريان الارث فيه ، ثم تصرف في مصالح المسلمين كما كان أبوبكر وعمر رضي الله عنهما يفعلان.

وفي العقد الفريد 2 : 261 في عد مانقم الناس على عثمان : انه أقطع فدك مروان وهي صدقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وافتتح افريقية وأخذ خمسه فوهبه لمروان.

وقال ابن الحديد في شرحه 1 : 67 : وأقطع عثمان مروان فدك ، وقد كانت فاطمة عليها السلام طلبتها بعد وفاة أبيها صلوات الله عليه تارة بالميراث وتارة بالنحلة فدفعت عنها.

قال الاميني : أنالا أعرف كنه هذا الاقطاع وحقيقة هذا العمل فان فدك إن كان فئ للمسلمين ؟ كما ادعاه أبوبكر ، فما وجه تخصيصه بمروان ؟ وإن كان ميراثا لآل رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ كمااحتجت له الصديقة الطاهرة في خطبتها ، واحتج له أئمة الهدى من العترة الطاهرة وفي مقدمهم سيدهم أميرالمؤمنين عليه وعليهم السلام ، فليس مروان منهم ، ولا كان للخليفة فيه رفع ووضع.وإن كان نحلة من رسول الله صلى الله عليه وآله لبضعته الطاهرة فاطمة المعصومة صلوات الله عليها ؟ كماادعته وشهدلها أمير المؤمنين وإبناها الامامان السبطان وام أيمن المشهود لها بالجنة فردت شهادتهم بمالا يرضي الله ولا رسوله ، وإذاردت شهادة أهل آية التطهير فبأي شيء يعتمد ؟ وعلى أي حجة يعول ؟.

إن دام هذا ولم يحدث به غير * لم يبك ميت ولم يفرح بمولود

 

 

/  ص 238  /

 

فإن كان فدك نحلة ؟ فأي مساس بها مروان ؟ وأي سلطة عليها لعثمان ؟ حتى يقطعها لاحد.ولقد تضاربت أعمال الخلفاء الثلاثة في أمر فدك فانتزعها أبوبكر من أهل البيت عليهم السلام ، وردها عمر إليهم ، وأقطعها عثمان لمروان ، ثم كان فيها ما كان في أدوار المستحوذين على الامر منذ عهد معاوية وهلم جرا فكانت تؤخذ وتعطى ، ويفعلون بها مايفعلون بقضاء من الشهوات كما فصلناه في الجزء السابع ص 195 719 ط 3 ولم يعمل برواية أبي بكر في عصر من العصور ، فان صانعه الملا الحضور على سماع ما رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وحابوه وجاملوه ؟ فقد أبطله من جاء بعده بأعمالهم وتقلباتهم فيها بأنحاء مختلفة.

بل إن أبابكر نفسه أراد أن يبطل روايته باعطاء الصك للزهراء فاطمة غير أن ابن الخطاب منعه وخرق الكتاب كما مر في الجزء السابع عن السيرة الحلبية ، وبذالك كله تعرف قيمة تلك الرواية ومقدار العمل عليها وقيمة هذا الاقطاع ، وسيوافيك قول مولانا أميرالمؤمنين في قطائع عثمان.

 

 

ـ 30 ـ

رأي الخليفة في الاموال والصدقات

لم تكن فدك ببدع من ساير الاموال من الفئ والغنائم والصدقات عند الخليفة بل كان له رأي حر فيها وفي مستحقيها ، كان يرى المال مال الله ، ويحسب نفسه ولي المسلمين ، فيضعه حيث يشاء ويفعل فيه مايريد ، فقام كما قال مولاناأمير المؤمنين نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه ، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع (1) .

كان يصل رحمه بمال يستوي فيه المسلمون كلهم ، ولكل فرد من الملا الديني منه حق معلوم للسائل والمحروم ، لا يسوغ في شرعة الحق وناموس الاسلام المقدس حرمان أحد من نصيبه وإعطاء حقه لغيره من دون مرضاته.

جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الغنائم : لله خمسه وأربعة أخماس للجيش ، وما أحد أولى به من أحد ، ولا السهم تستخرجه من جنبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم (2) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نهج البلااغة 1 : 35.

 (2) سنن البيهقي 6 : 324 ، 336.

 

 

/  ص 239  /

 

وكان صلى الله عليه وآله إذا جاء‌ه فئ قسمه من يومه فأعطى ذاالاهل حظين ، وأعطى العزب حظا (1) والسنة الثابتة في الصدقات ان أهل كل بيئة أحق بصدقتهم مادام فيهم ذو حاجة ، وليست الولاية على الصدقات للجباية وهملها إلى عاصمة الخلافة وإنما هي للاخذ من الاغنياء والصرف في فقراء محالها ، وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وآله معاذا حين بعثه إلى اليمن يدعوهم إلى الاسلام والصلاة انه قال : فإذا أقروا لك بذلك فقل لهم : إن الله قد فرض عليكم صدقة أموالكم تؤخذ من أغنيائكم فترد في فقرائكم (2)

قال عمروبن شعيب : إن معاذ بن جبل لم يزل بالجند إذ بعثه رسول الله إلى اليمن حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم وأبوبكر ثم قدم على عمر فرده على ماكان عليه فبعث إليه معاذ بثلث صدقة الناس فأنكر ذلك عمر وقال : لم أبعثك جابيا ولا آخذجزية ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فترد هاعلى فقرائهم.فقال معاذ : ما بعثت إليك بشئ وأنا أجد أحدا يأخذه مني.الحديث (3)

ومن كتاب لمولانا أميرالمؤمنين إلى قثم بن العباس يوم كان عامله على مكة :

" وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع الفاقة والخلات ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا "

نهج البلاغة 2 : 128.

وقال عليه السلام لعبد الله بن زمعة لما قدم عليه في خلافته يطلب منه مالا : " إن هذا المال ليس لي ولالك ، وإنماهو فئ للمسلمين وجلب أسيافهم ، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظهم ، وإلا فجناة أيديهم لاتكون لغيرأفواههم." نهج البلاغة 1 : 461.

ومن كلام له عليه السلام : " إن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وآله والاموال أربعة :

أموال المسلمين فقسمها بين الورثة في الفي الفرائض ، والفئ فقسمه على مستحقيه ، و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن أبى داود 2 : 25 ، مسند أحمد 6 : 29 ، سنن البيهقي 6 : 346.

 (2) صحيح بخاري3: 215 ، الاموال لابى عبيد ص 580 ، 595 ، 612 ، المحلى 6 : 146.

 (3) الاموال ص 596.

 

 

/  ص 240  /

 

والخمس فوضعه الله حيث وضعه ، والصدقات فجعلها الله حيث جعلها." راجع ماأسلفناه في ج 6 : 77 ط 2.

وأتى عليا أمير المؤمنين مال من اصبهان فقسمه بسبعة أسباع ففضل رغيف فكسره بسبع فوضع على كل جزء كسرة ثم أقرع بين الناس أيهم يأخذ أول (1)

وأتته عليه السلام إمرأتان تسألانه عربية ومولاة لها فأمر لكل واحد منها بكر من طعام وأربعين درهما أربعين درهما ، فأخذت المولاة الذي أعطيت وذهبت ، وقالت العربية ياأمير المؤمنين  تعطني مثل الذي أعطيت هذه وأناعربية وهي مولاة ؟ قال لها علي رضي الله عنه : إني نظرت في كتاب الله عزوجل فلم أر فيه فضلا لولد إسماعيل على ولد إسحاق (2)

ولذلك كله كانت الصحابة لا ترتضي من الخليفة الثاني تقديمه بعضا من الناس على بعض في الاموال بمزية معتبرة كان يعتبرها فيمن فضله على غيره كتقديم زوجات النبي صلى الله عليه وآله امهات المؤمنين على غيرهن ، والبدري على من سواه ، والمهاجرين على الانصار ، والمجاهدين على القاعدين ، من دون حرمان أي أحد منهم (3) ، وكان يقول على صهوات المنبر : من أراد المال فليأتني فإن الله جعلني له خازنا (4)

ويقول بعد قراء‌ة آيات الاموال : والله مامن أحد من المسلمين إلا وله حق في هذا المال أعطي منه أو منع حتى راع بعدن. (5)

ويقول أبدأ برسول الله صلى الله عليه وآله ثم الاقرب فالاقرب إليه.فوضع الديوان على ذلك.

وفي لفظ أبي عبيد : إن رسول الله إمامنا فبرهطه نبدأ ، ثم بالاقرب فالاقرب (6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقي 6 : 348.

 (2) سنن البيهقي 6 : 349.

 (3) الاموال لابى عبيد ص 224 227 ، فتوح البلدان للبلاذرى ص 453 416 ، سنن البهقي 6 : 349 ، 350 ، تاريخ عمربن الخطاب لابن الجوزى 79 83.

 (4) راجع ج 6 من كتابنا هذا 92 ط 2.

 (5) الاموال ص 213 ، سنن البيهقي 6 : 351.

 (6) الاموال 224 ، سنن البيهقى 6 : 364.

 

 

/  ص 241  /

 

وقبل هذه كلها سنة الله في الذكر الحكيم حول الاموال مثل قوله تعالى :

1- واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. (الانفال 41)

2- إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (التوبة 60)

3- ماأفاء الله على رسوله منهم فماأوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير.ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. (الحشر 6 ، 7) هذه سنة الله وسنة نبيه غير أن الخليفة عثمان نسي مافي الكتاب العزيز ، وشذ عما جاء به النبي الاقدس في الاموال ، وخالف سيرة من سبقه ، وتزحزح عن العدل و النصفة ، وقدم أبناء بيته الساقط ، أثمار الشجرة الملعونة في كتاب الله ، رجال العيث والعبث ، والخمور والفجور ، من فاسق إلى لعين ، إلى حلاف مهين هماز مشاء بنميم ، وفضلهم على أعضاء الصحابة وعظماء الامة الصالحين ، وكان يهب من مال المسلمين لاحد من قرابته قناطير مقنطرة من الذهب والفضة من دون أي كيل ووزن ، ويؤثرهم على من سواهم كائنا من كان من ذي قربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم.ولم يكن يجرأ أحد عليه بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر لما كان يرى سيرته الخشنة مع اولئك القائمين بذلك الواجب ، ويشاهد فيهم من الهتك والتغريب والضرب بدرة كانت أشد من الدرة العمرية (1) مشفوعة بالسوط والعصا (2) وإليك نبذة من سيرة الخليفة في الاموال :

 

 

ـ 31 ـ

أيادي الخليفة عند الحكم بن أبي العاص

أعطى صدقات قضاعة الحكم بن أبي العاص عمه طريد النبي بعد ماقربه وأدناه وألبسه يوم قدم المدينة وعليه فزر (3) خلق وهو يسوق تيسا والناس ينظرون إلى سوء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) راجع محاضرة الاوائل للسكتوارى ص 169.

 (2) يأتى حديثه بعيد هذا.

 (3) من فزر الثوب : انشق وتقطع وبلى.

 

 

/  ص 242  /

 

حاله وحال من معه حتى دخل دار الخليفة ثم خرج وعليه جبة خز وطيلسان (تاريخ اليعقوبي

2 : 41) .

وقال البلاذري في الانساب 5 : 28 رواية عن ابن عباس انه قال : كان مما أنكروا على عثمان انه ولى الحكم ابن أبي العاص صدقات قضاعة (1) فبلغت ثلاث مائة ألف درهم فوهبها له حين أتاه بها.

قال ابن قتيبة وابن عبد ربه والذهبي : ومما نقم الناس على عثمان انه آوى طريد النبي صلى الله عليه وسلم الحكم ولم يؤوه أبوبكر وعمر وأعطاه مائة ألف (2)

وعن عبدالرحمن بن يسار قال : رأيت عامل صدقات المسلمين على سوق المدينة إذا أمسى أتاها عثمان فقال له : إدفعها إلى الحكم بن أبي العاص ، وكان عثمان إذا أجاز أحدا من أهل بيته جائزة جعلها فرضا من بيت المال فجعل يدافعه ويقول له : يكون فنعطيك إنشاء الله.فألح عليه فقال : إنما أنت خازن لنا فإذا أعطيناك فخذ ، وإذا سكتناعنك فاسكت.فقال : كذبت والله ماأنا لك بخازن ولا لاهل بيتك إنماأنا خازن المسلمين ، وجاء بالمفاتيح يوم الجمعة وعثمان يخطب فقال: أيها الناس زعم عثمان اني خازن له ولاهل بيته وإنما كنت خازنا للمسلمين وهذه مفاتيح بيت مالكم.

ورمى بها فأخذها ودفعها إلى زيدبن ثابت. (تاريخ اليعقوبي 2 : 145) .

قال الاميني : يروى نظير هذه القضية كما يأتي لزيدبن أرقم وعبدالله بن مسعود ولعل هذه وقعت لغير هم من الولاة على الصدقات أيضا.والله العالم.

الحكم وماأدراك ما الحكم ؟

كان خصاء يخصي الغنم (3) أحد جيران رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة من اولئك الاشداء عليه صلى الله عليه وآله المبالغين في إيذاء‌ه شاكلة أبي لهب كما قاله ابن هشام في سيرته 2 : 25 ، وأخرج الطبراني من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر قال : كان الحكم يجلس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أبوحى باليمن.

 (2) المعارف لابن قتيبة ص 84 ، العقد الفريد 2 : 261 ، محاضرات الراغب 2 : 212 ، مرآة الجنان لليافعى 1 : 85 نقلا عن الذهبى.

 (3) حياة الحيوان للدميرى 1 : 194.

 

 

/  ص 243  /

 

عند النبي صلى الله عليه وآله فاذا تكلم إختلج فبصربه النبي صلى الله عليه وآله فقال : كن كذلك.فمازال يختلج حتى مات.

وفي لفظ مالك بن دينار : مر النبي صلى الله عليه وآله بالحكم فجعل الحكم يغمز النبي صلى الله عليه وآله وسلم باصبعه فالتفت فرآه فقال : اللهم اجعل به وزغا (1) فرجف مكانه وارتعش.وزاد الحلبي بعد أن مكث شهرا مغشيا عليه. (2)

أسلفناه من طريق الحفاظ الطبراني والحاكم والبيهقي ومرت صحته في الجزء الاول صفحة 237.

روى البلاذري في الانساب 5 : 27 : ان الحكم بن العاص كان جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية وكان أشد جيرانه أذى له في الاسلام ، وكان قدومه المدينة بعد فتح مكة وكان مغموصا عليه في دينه ، فكان يمر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغمز به و يحكيه ويخلج بأنفه وفمه ، وإذا صلى قام خلفه فأشار باصبعه ، فبقي على تخليجه وأصابته خبلة ، واطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في بعض حجر نسائه فعرفه وخرج إليه بعنزة وقال : من عذيري من هذا الوزغة اللعين ؟ ثم قال :

لا يساكنني ولا ولده فغر بهم جميعا إلى الطائف فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم عثمان أبابكر فيهم وسأله ردهم فأبى ذلك وقال :

ماكنت لآوي طرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لما إستخلف عمر كلمه فيهم فقال مثل قول أبي بكر ، فلما استخلف عثمان أدخلهم المدينة وقال :

قد كنت كلمت رسول الله فيهم وسألته ردهم فوعدني أن يأذن لهم فقبض قبل ذلك.

فأنكر المسلمون عليه إدخاله إياهم المدينة.

وقال الواقدي : ومات الحكم بن أبي العاص بالمدينة في خلافة عثمان فصلى عليه و ضرب على قبره فسطاطا.

وعن سعيد بن المسيب قال : خطب عثمان فأمر بذبح الحمام وقال : إن الحمام قد كثر في بيوتكم حتى كثر الرمي ونالنا بعضه فقال الناس : يأمر بذبح الحمام وقد آوى طرداء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الوزغ : الارتعاش والرعدة.

 (2) الاصابة 1 : 345 ، 346 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، الفائق للزمخشرى 2 : 305 ، تاج العروس 6 : 35.

 

 

/  ص 244  /

 

وذكره بلفظ أخصر من هذافي صفحة 125 وذكر بيتين لحسان بن ثابت في عبد الرحمن بن الحكم الآتيين في لفظ أبي عمر فقال : كان يفشي أحاديث رسول الله فلعنه وسيره إلى طائف ومعه عثمان الازرق والحارث وغيرهما من بنيه وقال :

لا يساكنني فلم يزالوا طرداء حتى ردهم عثمان فكان ذلك مما نقم عليه.

وفي سيرة الحلبية 1 : 337 : إطلع الحكم على رسول الله من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعنزة وقيل بمدرى في يده وقال :

من عذيري من هذه الوزغة لو أدركته لفقأت عينه ، ولعنه وماولد ، وذكره ابن الاثير مختصرا في اسد الغابة 2 : 34.

وقال أبوعمر في " الاستيعاب " : أخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم من المدينة وطرده عنها فنزل الطائف وخرج معه ابنه مروان ، واختلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه فقيل : كان يتحيل ويستخفي ويتسمع مايسره رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كبار أصحابه في مشركي قريش وسائر الكفار والمنافقين ، فكان يفشي ذلك عنه حتى ظهر ذلك عليه ، وكان يحكيه في مشيته وبعض حركاته ، إلى امور غيرها كرهت ذكرها ، ذكروا : ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا مشى يتكفأ وكان الحكم يحكيه فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم

يوما فرآه يفعل ذلك فقال صلى الله عليه وسلم فكذلك فلتكن.فكان الحكم مختلجا يرتعش من يومئذ ، فعيره عبدالرحمن بن حسان بن ثابت فقال في عبدالرحمن بن الحكم يهجوه :

إن اللعيــــن أبــــوك فــــارم عظــامه * إن تــــرم تــــرم مخلجــــا مجنــــونا

يمسي خميص البطن من عمل التقي * ويظــــل من عمــل الخبيث بطينا (1)

وأخرج أبوعمرمن طريق عبدالله بن عمرو بن العاصي قال :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدخل عليكم رجل لعين.وكنت قد تركت عمرا يلبس ثيابه ليقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أزل مشفقا أن يكون أول من يدخل فدخل الحكم ابن أبي العاص. (2)

وقال ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 144 : وبسند رجاله رجال الصحيح عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه انه صلى الله عليه وسلم قال : ليدخلن الساعة عليكم رجل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاستيعاب 1 : 118 ، اسد الغابة 2 : 34.

 (2) الاستيعاب 1 : 119 

 

 

/  ص 245  /

 

لعين. فوالله مازلت أتشوق داخلا وخارجا حتى دخل فلان يعني الحكم كما صرحت به رواية أحمد.

وروى البلا ذري في " الانساب " 5 : 126 ، والحاكم في " المستدرك " 4 : 481 وصححه والواقدي كما في السيرة الحلبية 1 : 337 بالاسناد عن عمرو بن مرة قال :

إستأذن الحكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال : ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ماهم ، ذوو مكرو خديعة يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق. (3)

وفي لفظ ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 147 : أئذنوا له فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومايخرج من صلبه يشرفون في الدنيا ، ويترذلون في الآخرة ، ذوومكر وخديعة إلا الصالحين منهم وقليل ماهم .

وأخرج الحاكم في المستدرك 4 : 481 وصححه من طريق عبدالله بن الزبير قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الحكم وولده.

وأخرج الطبراني وابن عساكر والدارقنطي في الافراد من طريق عبدالله بن عمر قال :

هجرت الرواح رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أبوالحسن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادن : فلم يزل يدنيه حتى التقم اذنيه فبينما النبي صلى الله عليه وسلم يساره إذ رفع رأسه كالفزع قال :

فدع بسيفه الباب فقال لعلي : إذهب فقده كما تقاد الشاة إلى حالبها.فإذا علي يدخل الحكم بن أبي العاص آخذا باذنه ولها زنمة حتى أوقفه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلعنه نبي الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ثم قال : أحله ناحية حتي راح إليه قوم من المهاجرين والانصار ثم دعا به فلعنه ثم قال : إن هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه ، وسيخرج من صلبه فتن يبلغ دخانها السماء. فقال ناس من القوم : هو أقل وأذل من أن يكون هذا منه قال : بلى وبعضكم يومئذ شيعته (كنز العمال 6 : 39 ، 90) وأخرج إبن عساكر من طريق عبدالله بن زالبيرقال وهو على المنبر : وربّ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وذكره الدميرى في حياة الحيوان 2 : 299 ، وابن حجر في الصواعق ص 108 ، والسيوطى في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 90 نقلا عن أبى يعلى والطبرانى والحاكم والبيهقى وابن عساكر.

 

 

/  ص 246  /

 

هذا البيت الحرام والبلد الحرام ان الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي لفظ : إنه قال وهو يطوف بالكعبة : ورب هذه البنية للعن رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحكم وماولد.كنز العمال 6 : 90.

وأخرج ابن عساكر من طريق محمد بن كعب القرظي انه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم وماولد إلا الصالحين وهم قليل.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وعبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه عن عبدالله قال : إني لفي المسجد حين خطب مروان فقال : إن الله تعالى قد أرى لامير المؤمنين يعني معاوية في يزيد رأيا حسنا أن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر.فقال عبدالرحمن بن أبي بكر : أهر قلية ان أبابكر رضي الله تعالى عنه والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته ولا جعلها معاوية إلا رحمة وكرامة لولده.فقال مروان : ألست الذي قال لوالديه أف لكما ؟ فقال عبدالرحمن : ألست ابن اللعين الذي لعن رسول الله أباك ؟ فسمعت عائشة فقالت : مروان  أنت القائل لعبد الرحمن كذاو كذا ، كذبت والله مافيه نزلت ، نزلت في فلان بن فلان.

وفي لفظ آخر عن محمد بن زياد : لما بايع معاوية لابنه قال مروان : سنة أبي بكر وعمر.فقال عبدالرحمن : سنة هرقل وقيصر.فقال مروان : هذا الذي قال الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما.الآية.فبلغ ذلك عائشة فقالت : كذب مروان ، كذب مروان والله ماهو به ولو شئت أن اسمي الذي نزلت فيه لسميته ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبامروان ومروان في صلبه فمروان فضض من لعنة الله.

وفي لفظ : ولكن رسول الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله.وفي لفظ الفائق: فأنت فظاظة (1) لعنة الله و ولعنة رسوله.

راجع مستدرك الحاكم 4 : 481 ، تفسير القرطبي 16 : 197 ، تفسير الزمخشري 3 : 99 ، الفائق له 2 : 325 ، تفسير ابن كثير 4 : 159 ، تفسير الرازي 7 : 491 : ، أسد الغابة لابن الاثير 2 : 34 ، نهاية ابن الاثير 3 : 23 ، شرح ابن أبي الحديد 2 : 55 ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) قال الزمخشري : افتظظت الكرش اذا اعتصرت ماء‌ها ، كأنه عصارة قذرة من اللعنة.

 

 

/  ص 247  /

 

تفسير النيسابوري هامش الطبري 26 : 13 ، الاجابة للزركشي ص 141 ، تفسير النسفي هامش الخازن 4 : 132 ، الصواعق لابن حجر ص 108 ، إرشاد الساري للقسطلاني

 7 : 325 ، لسان العرب 9 : 73 ، الدر المنثور 6 : 41 ، حياة الحيوان للدميري 2 : 399 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، تاج العروس 5 : 69 ، تفسير الشوكاني 5 : 20 ، تفسير الآلوسي 26 : 20 ، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1 : 245.

- لفت نظر :  يوجد هذا الحديث في المصادر جلها لولا كلها باللفظ المذكور غير أن البخاري أخرجه في تفسير صحيحه في سورة الاحقاف وحذف منه لعن مروان وأبيه وماراقه ذكرما قاله عبدالرحمن ، وهذا دأبه في جل مايرويه ، وإليك لفظه :

كان مروان على الحجاز إستعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه فقال له عبدالرحمن بن أبي بكر شيئا فقال : خذوه.فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني.فقالت عائشة من وراء الحجاب : ماأنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري.

وهذا الحديث يكذب ماعزاه القوم إلى أمير المؤمنين وابن عباس من قولهما بنزول آية : وأصلح لي في ذريتي.في أبي بكر كما مرفي الجزء السابع ص 6 32 ط 2.

وكان الحكم مع ذلك كله يدعو الناس إلى الضلال ويمنعهم عن الاسلام ، إجتمع حويطب بمروان يوما فسأله مروان عن عمره فأخبره فقال له : تأخر إسلامك ايها الشيخ حتى سبقك الاحداث.فقال حويطب : الله المستعان والله لقد هممت بالاسلام غير مرة كل ذالك يعوقني أبوك يقول : تضع شرفك ، وتدع دين آبائك لدين محدث ؟ وتصير تابعا ؟ فسكت مروان وندم على ماكان قال له ، " تاريخ ابن كثير 8 : 70 "

 

 

(الحكم في القرآن)

أخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال : قال مروان لما بايع الناس ليزيد : سنة أبي بكر وعمر " إلى آخر الحديث المذكور " فسمعت ذلك عائشة فقالت : إنها لم تنزل في عبدالرحمن ولكن نزل في أبيك : ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم الآية " سورة القلم 10 ".

 

 

/  ص 248  /

 

راجع الدر المنثور 6 : 41 ، 251 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، تفسير الشوكاني 5 : 263 ، تفسير الآلوسي 29 : 28 ، سيرة زيني دحلان هامش الحلبية 1 : 245 وأخرج ابن مردويه عن عائشة انها قالت لمروان : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لابيك وجدك " أبي العاص بن أمية " إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.

ويقول لابيك وجدك " أبي العاص بن أمية " : إنكم الشجرة الملعونة في القرآن.

ذكره السيوطي في الدر المنثور 4 : 191 ، والحلبي في السيرة 1 : 337 ، و الشوكاني في تفسيره 3 : 231 ، والآلوسي في تفسيره 15 : 107.

وفي لفظ القرطبي في تفسيره 10 : 286.

قالت عائشة لمروان : لعن الله أباك وأنت في صلبه ، فأنت بعض من لعنة الله ثم قالت : والشجرة الملعونة في القرآن.

و أخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت بني أمية على منابر الارض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء ، واهتم رسول الله لذلك ، فأنزل الله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن و نخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا." الاسراء 60 "

وأخرج ابن مردويه عن الحسين بن علي : ان رسول الله صلى الله عليه وآله أصبح وهو مهموم

فقيل ما لك يارسول الله ؟ فقال : إني أريت في المنام كأن بني امية يتعاورون منبري هذا فقيل : يارسول الله  لاتهتم فانها دنيا تنالهم فأنزل الله : وما جعلنا الرؤيا التي.الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والبيهقي ، وابن عساكر ، عن سعيد بن المسيب قال : رأى رسول الله صل الله عليه وسلم بني امية على المنابر فساء‌ه ذلك فأوحى الله تعالى اليه : إنما هي دنيا أعطوها.فقرت عينه وذلك قوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.الآية.

وأخرج الطبري والقرطبي وغيرهما من طريق سهل بن سعد قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساء‌ه ذلك فما استجمع ضاحكا حتى مات وأنزل الله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك.الآية.

وروى القرطبي والنيسابوري عن ابن عباس : ان الشجرة الملعونة هو بنوأمية

 

 

/  ص 249  /

 

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو (1) ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنهم القردة فأنزل الله : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة.يعني الحكم وولده.

وفي لفظ : إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام ان ولد الحكم بن امية يتداولون منبره كما يتداولون الصبيان الكرة فساء‌ه ذلك.

وفي لفظ للحاكم والبيهقي في الدلائل وابن عساكر وأبي يعلى من طريق أبي هريرة : اني أريت في منامي كأن بني الحكم بن العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة.

فما رؤي النبي مستجمعا ضاحكاحتى توفي.

- مصادر مارويناه : تفسير الطبري 15 : 77 ، تاريخ الطبري 11 : 6 35 ، مستدرك الحاكم 4 : 48 ، تاريخ الخطيب 8 : 28 وج 9 : 44 ، تفسير النيسابوري هامش الطبراني 15 : 55 ، تفسير القرطبي 10 : 283 ، 286 ، النزاع والتخاصم للمقريزي ص 52 ، أسد الغابة 3 : 14 من طريق الترمذي ، م تطهير الجنان لابن حجر هامش الصواعق ص 148 فقال : رجاله رجال الصحيح إلا واحدا فثقة الخصايص الكبرى 2 : 118 ، الدر المنثور 4 : 191 ، كنز العمال 6 : 90 ، تفسير الخازن 3 : 177 ، تفسير الشوكاني 3 : 230 ، 231 ، تفسير الآلوسي 15 : 107 فقال الآلوسي :

ومعنى جعل ذلك فتنة للناس جعله بلاء لهم ومختبرا ، وبذلك فسره ابن المسيب و كان هذا بالنسبة إلى خلفائهم الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحق وماعدلوا ومابعده بالنسبة إلى ما عدا خلفاء‌هم منهم ممن كان عندهم عاملا وللخبائث عاملا ، أو ممن كان أعوانهم كيف ماكان ، ويحتمل أن يكون المراد : ما جعلنا خلافتهم وما جعلنا أنفسهم إلا فتنة ، وفيه من المبالغة في ذمهم مافيه ، وجعل ضمير " نخوفهم " على هذا لما كان له أولادا أوشجرة باعتبار أن المراد بها بنوامية ، ولعنهم لما صدر منهم من استباحة الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الاموال من غير حلها ، ومنع الحقوق عن أهلها ، وتبديل الاحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام ، إلى غير ذلك من القبايح العظام والمخازي الجسام التي لاتكاد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وفي بعض المصادر : ابن عمر.

 

 

/  ص 250  /

 

تنسى مادامت الليالي والايام ، وجاء لعنهم في القرآن إما على الخصوص كمازعمته الشيعة ، أو على العموم كما نقول فقد قال سبحانه وتعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة.وقال عزوجل : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الارض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم.إلى آيات أخر ، ودخولهم في عموم ذلك يكاد يكون دخولا أوليا.إلى آخر كلامه.راجع.

 

 نظرة في كلمتين

1- قال الطبري بعد روايته حديث الرؤيا : لا يدخل في هذا الرؤيا عثمان ولا عمربن عبدالعزيز ولا معاوية.

لايهمنا بسط القول حول هذا التخصيص ، ولا ننبس ببنت شفة في تعميم العموم الوارد في الاحاديث المذكورة وأمثالها الواردة في بني امية عامة وفي بني أبي العاص جد عثمان خاصة ، من قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح من طريق أبي سعيد الخدري : ان أهل بيتي سيلقون من بعدي من امتي قتلا وتشريدا ، وان أشد قومنا لنا بغضا بنو امية و بنو المغيرة وبنو مخزوم (1) .

وقوله صلى الله عليه وآله من طريق أبي ذر : إذا بلغت بنوامية أربعين اتخذوا عباد الله خولا ، ومال الله نحلا ، وكتاب الله دغلا (2) .

وقوله صلى الله عليه وآله من طريق حمران بن جابر اليمامي : ويل لبني امية.ثلاث.أخرجه ابن مندة كمافي الاصابة 1 : 353 ، وحكاه عن ابن مندة وأبي نعيم السيوطي في الجامع الكبير كما في ترتيبه 6 : 39 ، 91.

وقوله صلى الله عليه وآله من طريق أبي ذر : إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا.قال حلام بن جفال : فأنكر على أبي ذر فشهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه : إني سمعت رسول الله يقول : ماأظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ، واشهد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله.

أخرجه الحاكم من عدة طرق وصححه هو والذهبي كما في المستدرك 4 : 480

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مستدرك الحاكم 4 : 487 وصححه.

 (2) مستدرك الحاكم 4 : 479 ، وأخرجه ابن عساكر كما في كنز العمال 6 : 39.

 

 

/  ص 251  /

 

وأخرجه أحمد وابن عساكر وأبويعلى والطبراني والدار قطني من طريق أبي سعيد و أبي ذر وابن عباس ومعاوية وأبي هريرة كمافي كنز العمال 6 : 39 ، 90.

وذكر ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق 147 بسند حسنه : ان مروان دخل على معاوية في حاجة وقال : إن مؤنتى عظيمة أصبحت أبا عشرة ، وأخاعشرة ، و عم عشرة ثم ذهب فقال معاوية لابن عباس وكان جالسا معه على سريره : انشدك بالله يابن عباس أماتعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا بلغ بنو أبي الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا آيات الله بينهم دولا ، وعبادالله خولا ، وكتابه دخلا ، فاذا بلغوا سبعة واربعمائة كان هلاكهم أسرع من كذا ؟ قال : أللهم نعم.

وقوله صلى الله عليه وآله باسناد حسنه ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق 143 : شر العرب بنوامية.وبنو حنيفة.وثقيف.وقال : صح قال الحاكم : على شرط الشيخين عن أبي برزة رضي الله عنه قال : كان أبغض الاحياء أوالناس إلى رسول الله ينوامية وقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : لكل أمة آفة وآفة هذه الامة بنوأمية.كنز العمال 6 : 91 ".

فالحكم في هذه العمومات ولا سيما بعد ملاحظة ماأثبتته السير ومدونات التاريخ وغيرها ، وبعد الاحاطة بأحوال الرجال وما ارتكبوه وما ارتكبوا فيه ، أنت و وجدانك أيها القارئ الكريم .

2- قال ابن حجر في الصواعق ص 108 : قال ابن ظفر : وكان الحكم هذا يرمى بالداء العضال وكذلك أبوجهل كذا ذكره الدميري في حياة الحيوان.

ولعنته صلى الله عليه وسلم للحكم وإبنه لا تضرهما لانه صلى الله عيله وسلم تدارك ذلك بقوله مما بينه في الحديث الآخر : انه بشر يغضب كما يغضب البشر ، وانه سأل ربه ان من سبه أو لعنه أو دعاعليه أن يكون رحمة وزكاة وكفارة وطهارة.وما نقله " الدميري " عن ابن ظفر في أبي جهل لا تأويل عليه فيه بخلافه في الحكم فانه صحابي وقبيح أي قبيح أن يرمى صحابي بذلك فليحمل على أنه إن صح ذلك كان يرمى به قبل الاسلام.اه‍.

أنا لا أدري أيعلم ابن حجر مادايلوك بين أشداقه ؟ أهو مجد فيما يقول أم هازى ، ؟

أما مااعتذربه عن ان لعنته صلى الله عليه وآله لا تضر الحكم وابنه.الخ.فقد أخذه مما أخرجه

 

 

/  ص 252  /

 

السيخان في الصحيحين (1) من طريق أبي هريرة غير انه حرف منه كلما وزاد فيه اخرى واليك لفظه قال : اللهم إنمامحمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لم تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها اليك.

هذا حط من مقام الرسالة لاجل أموي ساقط ، وحسبان ان صاحبها كانسان عادي يثيره ما يثير غيره فيغضب لما لا ينبغي أن يغضب له ، ومخالف للكتاب العزيز من قوله سبحانه : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.نعم : هو صلى الله عليه وآله بشر غيرانه كما قال في الذكر الحكيم : قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.فإن كان في الوحي أن يلعن الطريد وما ولد فماذا ينجيه من اللعن ؟ إلا أن يحسب ابن حجر ان الوحي ايضا يتبع الشهوات ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم.

وكيف يكون اللعن رحمة وزكاة وطهارة وكفارة وقد أصاب موضعه بأمر من الله سبحانه ؟

ومايصنع ابن حجر بالصحيح المتضافر من ان سباب المسلم فسوق (2) ؟

وكيف يسوغ له ايمانه أن يكون رسول الله سبابا أو لعانا أو مؤذيا لاحد أو جالدا لمسلم على غير حق ؟ وكل ذلك من منافيات العصمة والله سبحانه يقول : الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير مااكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا.وجاء في الصحيح : انه صلى الله عليه وآله لم يكن سبابا ولا فحاشا ولا لعانا ، وقد أبى رسول الله صلى الله عليه وآله عن الدعاء على المشركين ، وقال صلى الله عليه وآله إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة (3) فهو صلى الله عليه وآله كان يأمل في اولئك المشركين الهداية فلم يلعنهم ولا دعاعليهم ، ولما كان لم يرج في الحكم وولده أي خير لعنهم لعنا يبقى عليهم خزي الابد.

نعم رواية الصحيحين المنافي لعصمة الرسول صلى الله عليه وآله اختلقتها يدالهوى على عهد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخاري 4 : 71 كتاب الدعوة.صحيح مسلم 2 : 391 كتاب البر والصلة (2) أخرجه أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من طريق ابن مسعود.

وابن ماجة من طريق جابر وسعد.والطبرانى عن عبدالله بن المغفل وعمرو بن النعمان.وصححه غير واحد من الحفاظ كالهيثمي والسيوطى والمناوى.

 (3) أخرجه البخاري 9 : 22 ، ومسلم في صحيحه 2 : 393.

 

 

/  ص 253  /

 

معاوية تزلفا اليه ، وطمعا في رضيخته ، وتحببا إلى آل أبي العاص المقربين عنده.ومن أراد الوقوف على أبسط مما ذكرناه في المقام فليراجع كتاب " ابوهريرة " لسيدنا الآية السيد عبدالحسين شرف الدين العاملي ص 118 129.

هبنا " العياذ بالله " ماشينا ابن حجر في أساطيره في نبي العصمة والقداسة فما حيلة المغفل فيما نزل من الذكر الحكيم في الحكم وبنيه ؟ هل فيه ضير ؟ أم يراه أيضا رحمة وزكاة وكفارة وطهارة.

وشتان بين رأي ابن حجر في الحكم وبين مايأتي من قول أبي بكر لعثمان فيه : عمك إلى النار وقول عمر لعثمان : ويحك يا عثمان  تتكلم في لعين رسول الله و طريده وعدو الله وعدو رسوله؟.

وأما ماعالج به داء الحكم فهو يعلم أنه موصوم بما هو أفظع من ذلك من لعن رسول الله وطرده إياه ، وكان الخبيث يهزأ برسول الله صلى الله عليه وآله في مشيته حتى أخذته دعوته صلى الله عليه وآله ، وهل تجديه الصحبة وحاله هذه ؟ وهل تشمل الصحبة التي هي من أربى الفضائل اللص الذي ساكن الصحابة لاستراق أموالهم والقاح الفتن فيهم ؟ وهل تشمل المنافقين الذين كانوا في المدينة يومئذ ؟ " ومن أهل المدينة مردوا على النفاق " فان طهرت الصحبة أمثال الحكم فهي مطهرة اولئك بطريق أولى لانه لم يكشف عنهم الغطاء كماكشف عن الحكم على العهد النبوي وفي دور الشيخين حتى أراد ابن أخيه ينقذه من الفضيحة فزيد ضغث على أبالة ، ونبشت الدفائن ، وذكر ما كاد أن ينسى.

ثم هب أن الصحبة مزيحة لعلل النفس والامراض القلبية فهل هي مزيلة للادواء الجسمانية ؟ لم نجد في كتب الطب من وصفها بذلك ، ولاتعدادها في الصف الادوية المفيدة لداء من الادواء ، ولا لذلك الداء العضال الذي زعم ابن حجرانه منفي عن الحكم لمحض الاسلام والصحبة ، وجوز أن يكون قبل اتصاله بالمسلمين ، حيا الله هذا الطب الجديد.

إن من الممكن جدا أن يكون هذا الداء العضال من علل طرد الرجل من المدينة فلم يرد صلى الله عليه وآله أن يكون بين صحابة ه في عاصمة نبوء‌ته مخزي مثله.

إذا أنهاك البحث إلى هاهنا وعرفت الحكم ومقداره في أدوار حياته جاهلية

 

 

/  ص 254  /

 

واسلاما فاقرأ ماجاء به سالم بن وابصة تزلفا إلى معاوية بن مروان بن الحكم من قوله :

اذا افتخــــرت يومــــا امية أطـرقــــت * قريش وقالوا : معدن الفضل والكرم

فــــإن قيـل : هاتوا خيركم أطبقوامعا * علـــى ان خيــــــر الناس كلهم الحكم

ألستــــم بنــــي مــروان غيــث بلادنا * إذ السنة الشهباء سدت على الكظم ؟

سبحانك اللهم ماقيمة بشر خيره الحكم ؟ وماشأن جدوب غيثها بنومروان ؟ إن هي إلا أساطير الاولين نسجتها يد الغلو في الفضائل.

 

- المسائلة :

هلم معي نسائل الخليفة في إيواء لعين رسول الله وطريده (الحكم) وبمسمع منه ومرأى نزول القرآن فيه واللعن المتواصل من مصدر النبوة عليه وعلى من تناصل منه عدا المؤمنين ، وقليل ماهم ، ما هو المبرر لعمله هذا ورده إلى مدينة الرسول ؟

وقد طرده صلى الله عليه وآله وأبناء‌ه منها تنزيها لها من تلكم الارجاس والادناس الاموية وقد سأل أبابكر وبعده عمر أن يرداه فقال كل منهما : لاأحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وآله (1)

وقال الحلبي في السيرة 2 : 85 : كان يقال له : طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعينه وقد كان صلى الله عليه وسلم طرده إلى الطائف ومكث به مدة رسول الله ومدة أبي بكر بعد أن سأله عثمان في إدخاله المدينة فأبى فقال له عثمان : عمي ، فقال : عمك إلى النار ، هيهات هيهات أن أغير شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله لا رددته أبدا ، فلما توفي أبوبكر وولي عمر كلمه عثمان في ذلك فقال له : ويحك ياعثمان  تتكلم في لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده وعدو الله وعدورسوله ؟ فلما ولي عثمان رده إلى المدينة فاشتد ذلك على المهاجرين والانصار فانكر ذلك عليه أعيان الصحابة ، فكان ذلك من أكبر الاسباب على القيام عليه.ه‍

ألم تكن للخليفة أسوة في رسول الله ؟ والله يقول : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكرالله كثيرا. (2) أو كان قومه وحامته أحب إليه من الله ورسوله؟ وبين يديه الذكر الحكيم : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الانساب للبلاذري 5 : 27 ، الرياض النضرة 2 : 143 ، أسدالغابة 2 : 35 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، الاصابة 1 : 345 ،

 (2) سورة الاحزاب : 21.

 

 

/  ص 255  /

 

وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لايهدي القوم الفاسقين.التوبة.24.

ثم ما هو المبرر لتخصيص الرجل بتلك المنحة الجزيلة من حقوق المسلمين و إعطياتهم ؟ بعد تأمينه على أخذ الصدقات المشترط فيه الثقة والامانة واللعين لايكون ثقة ولا أمينا.

ثم نسائل الحكم والخليفة على تقريره لما ارتكبه من حمل صدقات قضاعة إلى دار الخلافة وقد ثبت في السند كما مر ص 245 انها تقسط على فقراء المحل و عليها أتت الاقوال قال أبوعبيد في الامول ص 596 : والعلماء اليوم مجمعون على هذه الآثار كلها : أن أهل كل بلد من البلدان ، أو ماء من المياه أحق بصدقتهم مادام فيهم من ذوي الحاجة واحد فمافوق ذلك وإن أتى ذلك على جميع صدقتها حتى يرجع الساعي ولا شيء معه منها ، بذلك جاء‌ت الاحاديث مفسرة.ثم ذكر أحاديثا فقال ص 597 :

قال أبوعبيد : فكل هذه الاحاديث تثبت ان كل قوم أولى بصدقتهم حتى يستغنوا عنها ، ونرى إستحقاقهم ذلك دون غيرهم إنما جاء‌ت به السنة لحرمة الجوار وقرب دراهم من دار الاغنياء.اه‍.

ألم يكن في قضاعة ذو حاجة فيعطى ؟ أو لم يكن في المدينة الطيبة من فقراء المسلمين أحد فيقسم ذلك المال الطائل بينهم بالسوية ؟ إنما الصدقات للفقراء و المساكين والعاملين عليها.الآية.فتخصيصها للحكم لماذا ؟.

وهلم معي إلى المسكين صاحب المال تؤخذ منه الصدقات شاء أو أبى وهو يعلم مصب تلكم الاموال ومدرها من أيدي أولئك الجبابرة أو الجباة الجباه السود (نظراء الحكم ومروان والوليد وسعيد) وما يرتكبونه من فجور ومجون ، وبعد لم ينقطع من اذنه صدى ما ارتكبه خالدبن وليد سيف.. مع مالك بن نويرة وحليلته وذويه وما يملكه ، وكان يسمع من وحي الكتاب قوله تعالى : خذ من أموالهم صدقة تطهر هم بها وتزكيهم (سورة التوبة 140) فهل يرى المسكين أن هذا الاخذ يطهره ويزكيه ؟ لا حكم إلا لله.

 

 

/  ص 256  /

 

نعم يقول المغيرة بن شعبة زاني ثقيف : إن النبي صلى الله عليه وآله أمرنا أن ندفعها إليهم و عليهم حسابهم (1) ويقول ابن عمر : إدفعواها إليهم وإن شربوا بها الخمر.ويقول : إدفعها إلى الامراء وان تمزعوا بها لحوم الكلاب على موائدهم. (2)

نحن لا نقيم لامثال هذه الآراء وزنا ، ولا أحسب ان الباحث يقدر لها قيمة فانها ولائد ظنون مجردة.وقد جاء في اولئك الامراء باسناد صححه الحا كم والذهبي من طريق جابر بن عبدالله قال قال صلى الله عليه وآله لكعب بن عجرة : أعاذك الله ياكعب  من إمارة السفهاء.قال : وما إمارة السفهاء يارسول الله ؟ قال : امراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ، ولا يستنون بسنتي ، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم فاولئك ليسوا مني و لست منهم ، ولا يردون علي حوضي (3) فإعطاء الصدقات لاولئك الامراء من أظهر مصاديق الاعانة على الاثم والعدوان والله تعالى يقول : تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " سورة المائدة2".

ثم إن الصدقات كضرائب مالية في اموال الاغنياء لاعاشة الضعفاء من الامة قال مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام : إن الله عزوجل فرض على الاغنياء في أموالهم ما يكفي الفقراء فان جاعوا أو عروا أو جهدوا فبمنع الاغنياء ، وحق على الله تبارك وتعالى أن يحاسبهم ويعذبهم. (الاموال لابي عبيد ص 595 ، المحلى لابن حزم 6 : 158 ، و أخرجه الخطيب في تاريخه 5 : 208 من طريق علي مرفوعا)

وفي لفظ : إن الله سبحانه فرض في أموال الاغنياء أقوات الفقراء ، فما جاع فقير إلا بما متع به غني ، والله سائلهم عن ذلك (نهج البلاغة 2 : 214)

هذا هو مجرى الصدقات في الشريعة المطهرة ، وهو الذي يطهر صاحب المال و يزكيه ، ويكتسح عن المجتمع معرة الآراء الفاسدة من الفقراء ، المقلقة للسلام و المعكرة لصفو الحياة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن البيهقي 4 : 115.

 (2) سنن البيهقي 4 : 115 ، الاموال لابي عبيد ص.57.

 (3) مستدرك الحاكم 4 : 422.

 

 

/  ص 257  /

 

ثم : الخليفة يدعي (1) ان رسول الله صلى الله عليه وآله وعده رد الحكم بعد أن فاوضه في ذلك ، إن كان هذا الوعد صحيحا فلم لم يعلم به أحد غيره ؟ ولا عرفه الشيخان قبله.

وهلا رواه لهما حين كلمهما في رده فجبهاه بما عرفت ؟ أو أنهما لم يثقا بتلك الرواية ؟

فهذه مشكلة أخرى.أو انهما صدقاه ؟ غيرانهما رأيا أن صلى الله عليه وآله وعده أن يرده هو صلى الله عليه وآله ولم يرده ، ولعل المصلحة الواقعية أو الظروف لم تساعده على إنجاز الوعد

حتى قضى نحبه ، فمن أين عرف الترخيص له في رده ؟ ولو كانت هناك شبهة رخصة ؟

لعمل بها الشيخان حين فاوضهما هو في ذلك ، لكنهما ماعرفا الشبهة ولا علما تلميحا للرخصة بل رأياه عقدة لرسول الله صلى الله عليه وآله لاتنحل ، وفي الملل والنحل للشهرستاني 1 : 25 : فما أجابا إلى ذلك ونفاه عمر من مقامه باليمن أربعين فرسخا.ه‍.

ومن هنا رأى ابن عبد ربه في العقد ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 : أن الحكم طريد رسول الله وطريد أبي بكر وعمر أيضا ، وكذلك الصحابة كلهم ماعرفوا مساغا لرد الرجل وأبناؤه وإلا لما نقموا به عليه ولعذروه على ما ارتكبه وفيهم من لا تخفى عليه مواعيد النبي صلى الله عليه وآله.

وللخليفة معذرة أخرى قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 : 272 : لما رد عثمان الحكم طريد النبي صلى الله عليه وسلم وطريد أبي بكر وعمر إلى المدينة تكلم الناس في ذلك فقال عثمان : ماينقم الناس مني ؟ أني وصلت رحما وقريت عينا.اه‍ ونحن لا نخدش العواطف بتحليل كلمة الخليفة هذه ، ولا نفصل القول في مغزاها وانما نمر به كراما ، وأنت إذا عرفت الحكم وما ولد فعلمت أن ردهم إلى المدينة المشرفة وتوليهم على الامور ، وتسليطهم على ناموس الاسلام ، وإتخاذ الحمى لهم كمامر ص 242 جناية كبيرة على الامة لا تغتفر ، ولا تقر بها قط عين.

 

 

ـ 32 ـ

أيادي الخليفة عند مروان

أعطى مروان بن الحكم بن أبي العاص ابن عمه وصهره من ابنته أم أبان خمس غنائم أفريقية وهو خمسمائة ألف ديناد ، وفي ذلك يقول عبدالرحمن بن حنبل الجمحي الكندي مخاطبا الخليفة :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الانساب للبلاذري 5 : 27 ، الرياض النضرة 2 : 143 ، مرآة الجنان لليافعي 1 : 85 الصواعق ص 68 ، السيرة الحلبية 2 : 86.

 

 

/  ص 258  /

 

سأحلــــف بالله جهــــد اليميــ * ــن ما تــــرك الله أمــرا سدى

ولكـن خلفــــت لنــــا فتـنــــة * لكــــي نبتلــــى لــك أو تبتـــلي

فإن الامينيــــن قــــد بــــيـــنا * منار الطــــريق عليـــه الهدى

فما أخــــذا درهمــــا غيلــــة * وما جعلا درهمــــا في الهوى

دعــــوت اللعيــــن فأدنيتــــه * خلافا لسنة من قــــد مضـــــى

وأعطيت مروان خمس العبا * د ظلما لهـــم وحميت الحـــمى

هكذا رواه ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وأبوالفدا في تاريخه 1 : 168 ، و ذكر البلاذري الابيات في الانساب 5 : 38 ونسبها إلى اسلم بن أوس بن بجرة الساعدي الخزرجي الذي منع أن يدفن عثمان بالبقيع واليك لفظها :

أقســــم بالله رب العــــبــا * د ما تــرك الله خلقا سدى

دعــــوت اللعيـــن فأدنيته * خلافا لسنة من قد مضى

قال : يعني الحكم والد مروان.

وأعطيت مروان خمس العبا * د ظلمـــا لهم وحميت الحمى

ومــــال أتــــاك به الاشعري * مــــن الفــئ أنهيته من ترى

فـــأما الامينــــان إذ بيــنــــا * منــــار الطريق عليه الصوى

فلــــم يأخــــذا درهمــا غيلة * ولـــم يصرفا درهما في هوى

وذكرها ابن عبدربه في العقد الفريد 2 : 261 ونسبها إلى عبدالرحمن ، وروى البلاذري من طريق عبدالله بن الزبير أنه قال : أغزانا عثمان سنة سبع وعشرين أفريقية فأصاب عبدالله بن سعدبن أبي سرح غنائم جليلة فاعطى عثمان مروان بن الحكم خمس الغنائم.وفي رواية أبي مخنف:فابتاع الخمس بمائتي ألف دينار فكلم عثمان فوهبها له فأنكر الناس ذلك على عثمان (1)

وفي رواية الواقدي كما ذكره ابن كثير : صالحه بطريقها على ألفي ألف دينار وعشرين ألف دينار فاطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم ويقال : لآل مروان (2)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الانساب 5 : 27 ، 28.

 (2) تاريخ ابن كثير 7 : 152.لايخفى على القارى تحريف ابن كثير رواية الواقدى والصحيح ما ذكره الطبرى عنه.

 

 

/  ص 259  /

 

وفي رواية الطبري عن الواقدي عن اسامة بن زيد عن كعب قال : لما وجه عثمان عبدالله بن سعد إلى أفريقية كان الذي صالحهم عليه بطريق أفريقية (جرجير)

الفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار ، فبعث ملك الروم رسولا وأمره أن يأخذمنهم ثلاثمائة قنطار كما أخذ منهم عبدالله بن سعد.إلى أن قال : كان الذي صالحهم عليه عبدالله بن سعد ثلثمائة قنطار ذهب ، فأمربها عثمان لآل الحكم.قلت : أو لمروان ؟

قال لاأدري. (تاريخ الطبري 5 : 50) .

وقال ابن الاثير في الكامل 3 : 38 : وحمل خمس أفريقية إلى المدينة فاشتراه مروان بن الحكم بخمسمائة ألف دينار فوضعها عنه عثمان ، وكان هذا مما أخذ عليه ، وهذا أحسن ما قيل في خمس أفريقية ، فان بعض الناس يقول : أعطى عثمان خمس أفريقية عبدالله بن سعد.وبعضهم يقول : أعطاه مروان الحكم ، وظهر بهذا انه أعطى عبدالله خمس الغزوة الاولى ، وأعطى مروان خمس الغزوة الثانية التي افتتحت فيها جميع أفريقية.والله أعلم.

وروى البلاذري وابن سعد : إن عثمان كتب لمروان بخمس مصر وأعطى أقرباء‌ه المال ، وتأول في ذلك الصلة التي أمر الله بها ، واتخذ الاموال واستسلف من بيت المال وقال : إن أبابكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما ، وإني أخذته فقسمته في أقربائي.فأنكر الناس عليه ذلك. (1)

وأخرج البلاذري في الانساب 5 : 28 من طريق الواقدي عن ام بكر بنت المسور قالت : لما بني مروان داره بالمدينة دعا الناس إلى طعامه وكان المسور فيمن دعا ، فقال مروان وهو يحدثهم : والله ما أنفقت في داري هذه من مال المسلمين درهما فمافوقه.

فقال المسور : لو أكلت طعامك وسكت لكان خيرا لك ، لقد غزوت معنا افريقية وإنك لاقلنا مالاو رقيقا وأعوانا وأخفنا ثقلا ، فأعطاك ابن عفان خمس افريقية وعملت على الصدقات فأخذت أموال المسلمين.فشكاه مروان إلى عروة وقال : يغلظ لي وأنا له مكرم متق.

قال ابن أبي الحديد في الشرح 1 : 67 : أمر (عثمان) لمروان بمائة ألف من بيت المال وقد زوجه ابنته ام أبان فجاء زيد بن أرقم صاحب بيت المال بالمفاتيح فوضعها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد 3 : 44 ط ليدن ، الانساب للبلاذري 5 : 25.

 

 

/  ص 260  /

 

بين يدي عثمان وبكى فقال عثمان : أتبكي إن وصلت رحمي ؟ قال : لا.ولكن أبكي لاني أظنك إنك أخذت هذا المال عوضاعما كنت أنفقت في سبيل الله في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ، ولو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا.فقال : ألق المفاتيح يا ابن أرقم  فانا سنجد غيرك ، وأتاه أبوموسى بأموال من العراق جليلة فقسمها كلها في بني أمية.

وقال الحلبي في السيرة 2 : 87 : وكان من جملة ما انتقم به على عثمان رضي الله تعالى عنه أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف وخمسين أوقية.

 

 

مروان وما مروان ؟

مر في صفحة 246 ماصح من لعن رسول الله صلى الله عليه وآله على أبيه وعلى من يخرج من صلبه.وأسلفنا ماصح من قول عائشة لمروان : لعن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم أباك فأنت فضض من لعنة الله.

وأخرج الحاكم في المستدرك 4 : 479 من طريق عبدالرحمن بن عوف وصححه انه قال : كان لايولد لاحد بالمدينة ولد إلا أتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فادخل عليه مروان بن الحكم فقال : هو الوزغ ابن الوزغ ، الملعون ابن الملعون.

وذكر الدميري في حيوة الحيوان 2 : 399 ، وابن حجر في الصواعق ص 108 ، والحلبي في السيرة 1 6 337 ولعل معاوية أشار إليه بقوله لمروان : يا ابن الوزغ لست هناك.فيما ذكره ابن أبي الحديد 2 : 56.

وأخرج ابن النجيب من طريق جبير بن مطعم قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله فمر الحكم بن أبي العاص فقال النبي صلى الله عليه وآله : ويل لامتي مما في صلب هذا (1) .

وفي شرح ابن أبي الحديد 2 : 55 نقلا عن الاستيعاب : نظر علي عليه السلام يوما إلى مروان فقال له : ويل لك وويل لامة محمد منك ومن بيتك إذا شاب صدغاك.

وفي لفظ ابن الاثير : ويلك وويل أمة محمد منك ومن بنيك." أسد الغابة 4 : 348 "

ورواه ابن عساكر بلفظ آخر كما في كنز العمال 6 : 91.

وقال مولانا أميرالمؤ منين يوم قال له الحسنان السبطان : يبايعك مروان ياأمير

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أسد الغابة 2 : 34 ، الاصابة 1 : 346 ، السيرة الحلبية 1 : 337 ، كنز العمال 6 : 40.

 

 

/  ص 261  /

 

المؤمنين : أو لم يبايعني قبل قتل عثمان ؟ لا حاجة لي في بيعته ، إنها كف يهودية لو بايعني بيده لغدر بسبته ، أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبوالاكبش الاربعة (1) وستلقى الامة منه ومن ولده يوماأحمر " نهج البلاغة ".

قال ابن أبي الحديد في الشرح 2 : 53 : قد روي هذا الخبر من طريق كثيرة ورويت فيه زيادة لم يذكرها صاحب " نهج البلاغة " وهي قوله عليه السلام في مروان : يحمل راية ضلالة بعد ما يشيب صدغاه وإن له إمرة.الخ.

هذه الزيادة أخذها ابن أبي الحديد من ابن سعد ذكرها في طبقاته 5 : 30 ط ليدن قال : قال علي بن أبي طالب يوما ونظر إليه : ليحملن راية ضلالة بعد مايشيب صدغاه ، وله إمرة كلحسة الكلب أنفه.اه‍.وهذا الحديث كما ترى غير ما في " نهج البلاغة "

وليس كما حسبه ابن أبي الحديد زيادة فيه ، ولا توجد تلك الزيادة في رواية السبط أيضا في تذكرته ص 45.والله العالم.

قال البلاذري في الانساب 5 : 126 : كان مروان يلقب خيط باطل لدقته وطوله شبه الخيط الابيض الذي يرى في الشمس ، فقال الشاعر ويقال : إنه عبدالرحمن بن الحكم أخوه :

لعمــــرك مـــا أدري وإنــــي لسائــــل * حليلـة مضروب القفا كيف يصنع (2)

لحــــى الله قوما أمـــــــروا خيط باطل * على الناس يعطي مايشاء ويمنع (3)

وذكر البلاذري في الانساب 5 : 144 في مقتل عمرو بن سعيد الاشدق الذي قتله عبدالملك بن مروان ليحيى بن سعيد أخي الاشدق قوله غدرتم بعمرو يابني خيط باطل * ومثلكم يبني البيوت على الغدر وذكر ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 55 لعبد الرحمن بن الحكم في أخيه قوله :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هم بنو عبدالملك : الوليد.سليمان.يزيد.هشام.كذا فسره الناس وعند ابن ابى الحديد هم اولاد مروان : عبدالملك.بشر.محمد.عبدالعزيز.

 (2) أشار بقوله : مضروب القفا إلى ماوقع يوم الدار ، فان مروان ضرب يوم ذاك على قفاه كما يأتى حديثه في الجزء التاسع ان شاء‌الله تعالى.

 (3) ورواهما وماقبلهما ابن الاثير في أسد الغابة 4 : 348.

 

 

/  ص 262  /

 

وهبت نصيبي منك يامرو كله * لعمرو ومروان الطويل وخالد

ورب ابن ام زائد غيـر ناقص * وأنــت ابن ام ناقص غير زائد

ومن شعر مالك الريب " المترجم في الشعر والشعراء لابن قتيبة " يهجو مروان قوله :

لعمرك ما مروان يقضي امورنا * ولكن ماتقضي لنا بنت جعفر (1)

فيا ليتها كــــانت عليــــــنا أميرة * وليتــــك يا مـروان أمسيت ذاحر

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد 10 : 72 من طريق أبي يحيى قال : كنت بين الحسن والحسين ومروان يتسابان فجعل الحسن يسكت الحسين فقال مروان : أهل بيت ملعونون.فغضب الحسن وقال : قلت أهل بيت ملعونون.فوالله لقد لعنك الله وأنت في صلب أبيك.أخرجه الطبراني وذكره السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6 : 90 نقلا عن ابن سعد وأبي يعلى وابن عساكر.

إن الذي يستشفه المنقب من سيرة مروان وأعماله انه ماكان يقيم لنواميس الدين الحنيف وزنا ، وإنما كان يلحظها كسياسات زمنية فلا يبالي بابطال شيء منها أو تبديله إلى آخر حسب ما تقتضيه ظروفه وتستدعيه أحواله ، وإليك من شواهد ذلك عظائم وعليها فقس مالم نذكره :

1- أخرج إمام الحنابلة أحمد في مسنده 4 : 94 من طريق عباد بن عبدالله بن الزبير قال : لما قدم عينا معاوية حاجا ، قدمنا معه مكة قال : فصلى بنا الظهر ركعتين ثم انصرف إلى دار الندوة قال : وكان عثمان حين أتم الصلاة فإذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعا أربعا ، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة ، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة حتى يخرج من مكة ، فلما صلى بناالظهر ركعتين نهض اليه مروان بن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له : ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ماعبته به.

فقال لهما : وماذاك ؟ قال : فقال له : ألم تعلم أنه أتم الصلاة بمكة ؟

قال : فقال لهما : ويحكما وهل كان غير ماصنعت ؟ قدصليتهما مع رسول الله صلى الله عليه وآله ومع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.قالا : فان ابن عمك قد أتمها وإن خلافك إياه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بنت جعفر هى الهاشمية الشهيرة بام أبيها بنت عبدالله بن جعفر بن أبي طالب زوجة عبد الملك بن مروان.ثم طلقها فتزوجها على بن عبدالله بن عباس.

 

 

/  ص 263  /

 

له عيب.قال : فخرج معاوية إلى العصر فصلاها بنا أربعا.

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 156 نقلا عن أحمد والطبراني فقال :

رجال أحمد موثقون.

فاذاكان لعب مروان وخليفة وقته معاوية بالصلاة التي هي عماد الدين إلى درجة يقدم فيها التحفظ على عثمان في عمله الشاذ عن الكتاب والسنة على العمل بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أخضع معاوية لما ارتآه من الرأي الشائن في صلاة العصر ، فما ذا يكون عبثهما بالدين فيما هو دون الصلاة من الاحكام ؟.

وإن تعجب فعجب انه يعد مخالفة عثمان في رأيه الخاص له عيبا عليه يغير لاجله الحكم الديني الثابت ، ولا يعد مخالفة رسول الله وما جاء به محظورة تترك لاجلها الاباطيل والاحداث.

ومن العجب أيضا أن ينهى معاوية عن مخالفة عثمان ، ولا ينهى من خالف رسول الله صلى الله عليه وآله عن مخالفته.أهؤلاء من خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ؟ وأعجب من كل ذلك حسبان أولئك العابثين بدين الله عدولا وهذه سيرتهم ومبلغهم من الدين الحنيف.

2- أخرج البخاري من طريق أبي سعيد الخدري قال : خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر ، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثيربن الصلت فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت ثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة  فقلت : غيرتم والله.فقال : أباسعيد  قد ذهب ما تعلم.فقلت : ما أعلم والله خير مما لا أعلم.

فقال : إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.

وفي لفظ الشافعي : ياأباسعيد ترك الذي تعلم.

أترى مروان كيف يغير السنة ؟ وكيف يفوه ملا فمه بمالايسوغ لمسلم أن يتكلم به ؟ كأن ذلك مفوض إليه ، وكأن تركها المنبعث عن التجري على الله ورسوله يكون مبيحا لادامة الترك ، لماذا ذهب ماكان يعلمه أبو سعيد من السنة ؟ ولماذا ترك ؟

نعم : كان لمروان في المقام ملحوظتان : الاولى اقتصاصه أثر ابن عمه عثمان ، والآخر انه كان يقع في الخطبة في مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ويسبه ويلعنه فتتفرق عنه

 

 

/  ص 264  /

 

الناس لذلك فقدمها على الصلاة لئلا يجفلوا فيسمعوا العظائم ويصيخوا إلى ما يلفظ به من كبائر وموبقات.راجع تفصيلا أسلفناه صفحة 164 171 من هذا الجزء.

ويستظهر مما سبق ص 166 من كلام عبدالله بن الزبير : كل سنن رسول الله صلى الله عليه وآله قدغيرت حتى الصلاة.ان تسرب التغيير ولعب الاهواء بالسنن لم يكن مقصورا على الخطبة قبل الصلاة فحسب ، وإنما تطرق ذلك إلى كثير من الاحكام كما يجده الباحث السابر أغوار السير والحديث.

3- سبه لمولانا أميرالمؤمنين علي عليه السلام وكان الرجل كما قال أسامة بن زيد :

فاحشا متفحشا (1) .

الحجر الاساسي في ذلك هو عثمان جرأ الوزغ اللعين على أمير المؤمنين يوم قال له : أقد مروان من نفسك.قال عليه السلام مم ذا ؟ قال : من شتمه وجذب راحلته.

وقال له : لم لايشتمك ؟ كأنك خير منه ؟ (2) وعلاه معاوية بكل ماعنده من حول وطول ، لكن مروان تبعه شر متابعة ، ولم يأل جهدا في تثبيت ذلك كلما أقلته صهوة المنبر ، أو وقف على منصة خطابة ، ولم يزل مجدا في ذلك وحاضا عليه حتى عاد مطردا بعد كل جمعة وجماعة في أي حاضرة يتولى أمرها ، وبين عماله يوم تولى خلافة هي كلعقة الكلب أنه " تسعة أشهر " كما وصفها مولانا أميرالمؤمنين ، ولم تكن هذه السيرة السيئة إلا لسياسة وقتية ، وقد أعرب عما في سريرته بقوله فيما أخرجه الدارقطني من طريقه عنه قال : ماكان أحد أدفع عن عثمان من علي.فقيل له : مالكم تسبونه على المنبر ؟ قال : إنه لا يستقيم لنا الامر إلا بذلك (1)

قال ابن حجر في تطهير الجنان هامش الصواعق ص 142 : وبسند رجاله ثقات : ان مروان لما ولي المدينة كان يسب عليا على المنبر كل جمعة ، ثم ولي بعده سعيد بن العاص فكان لايسب ، ثم أعيد مروان فعاد للسب ، وكان الحسن يعلم ذلك فيسكت ولا يدخل المسجد إلا عند الاقامة ، فلم يرض بذلك مروان حتى أرسل للحسن في بيته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاستيعاب في ترجمة اسامة.

 (2) يأتى حديثه تفصيلا في قصة أبى ذر في هذا الجزء ان شاء الله تعالى.

 (3) الصواعق لابن حجر ص 33.

 

 

/  ص 265  /

 

بالسب البليغ لابيه وله ، ومنه : ما وجدت مثلك إلا مثل البغلة يقال لها : من أبوك ؟

فتقول : أبي الفرس.فقال للرسول : ارجع إليه فقل له : والله لاأمحو عنك شيئا مما قلت بأني اسبك ، ولكن موعدي وموعدك الله ، فإن كنت كاذبا فالله أشد نقمة ، قد أكرم جدي أن يكون مثلي مثل البغلة.إلخ.

ولم يختلف من المسلمين إثنان في ان سب الامام ولعنه من الموبقات ، وإذا صح ماقاله ابن معين كما حكاه عنه ابن حجر في تهذيب التهذيب 1 : 509 من ان كل من شتم عثمان أوطلحة أو أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله دجال لايكتب عنه وعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.اه‍.

فما قيمة مروان عندئذ ؟ ونحن مهما تنازلنا فانا لانتنازل عن أن مولانا امير المؤمنين كأحد الصحابة الذين يشملهم حكم كل من سبهم ولعنهم ، فكيف ونحن نرى انه عليه السلام سيد الصحابة على الاطلاق ، وسيد الاوصياء ، وسيد من مضى ومن غبر عدا ابن عمه صلى الله عليه وآله وهو نفس النبي الاقدس بنص الذكر الحكيم ، فلعنه وسبه لعنه وسبه وقد قال : صلى الله عليه وآله : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله (1)

وكان مروان يتربص الدوائر على آل بيت العصمة والقداسة ، ويغتنم الفرص في ايذائهم قال ابن عساكر في تاريخه 4 : 227 : أبى مروان أن يدفن الحسن في حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ماكنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ، قد دفن عثمان بالبقيع.ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية بذلك ، فلم يزل عدوا لبني هاشم حتى مات.اه‍.

أي خليفة هذا يجلب رضاه بايذاء عترة رسول الله ؟ ومن ومن أولى بالدفن في الحجرة الشريفة من السبط الحسن الزكي ؟ وبأي كتاب وبأية سنة وبأي حق ثابت كان لعثمان أن يدفن فيها ؟ ومن جراء ذلك الضغن الدفين على بني هاشم كان ابن الحكم يحث ابن عمر على الخلافة والقتال دونها.أخرج أبوعمر من طريق الماجشون وغيره : ان مروان دخل في نفر على عبدالله بن عمر بعد ما قتل عثمان رضي الله عنه فعرضوا عليه أن يبايعواله قال : وكيف لي بالناس ؟ قال : تقاتلهم ونقاتلهم معك.فقال :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) مستدرك الحاكم 3 : 121 ، مسند أحمد 6 : 323.وسيوافيك تفصيل طريقه.

 

 

/  ص 266  /

 

والله لواجتمع علي أهل الارض إلا فدك ما قاتلتهم ، قال : فخرجوا من عنده ومروان يقول :

والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا (1) لماذا ترك الوزغ سنة الانتخاب الدستوري في الخلافة بعد إنتهاء الدور إلى سيد العترة ؟ وما الذي سوغ له ذلك الخلاف ؟ وحض ابن عمر على الامر ، وتثبيطه على القتال دونه ، بعد إجماع الامة وبيعتهم مولانا أميرالمؤمنين ؟ نعم : لم يكن من يوم الاول هناك قط انتخاب صحيح ، ورأى حر لاهل الحل والعقد ، أنى كان ثم أنى ؟

والملك بعد أبي الزهراء لمن غلبا هذا مروان فهلم معي إلى الخليفة نستحفيه الخبر عن هذا الوزغ اللعين في صلب أبيه وبعد مولده بماذا استباح ايواء‌ه وتأمينة على الصدقات والطمأنينة به في المشورة في الصالح العام ؟ ولم استكتبه وضمه إليه فستولي عليه ؟ (2) ونصب عينيه مالهج به النبي الاعظم صلى الله عليه وآله ، وما ناء‌به هو من المخاريق والمخزيات ، ومن واجب الخليفة تقديم الصلحاء من المؤمنين وإكبارهم شكرا لاعمالهم لا الاحتفال باهل المجانة والخلاعة كمروان الذي يجب الانكار والتقطيب تجاه عمله الشائن ، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من رأى  منكرا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسا نه ، فإن لم يستطع بلسانه فبقلبه ، وذلك أضعف الايمان (3) وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أدنى الانكار أن تلقى أهل المعاصي بوجوه مكفهرة.

وهب أن الخليفة تأول وأخطأ لكنه ماهذا التبسط إليه بكله ؟ وتقريبه وهو ممن يجب إقصاء‌ه ، وايواء‌ه وهو ممن يستحق الطرد ، وتأمينه وهو أهل بأن يتهم ، ومنحه بأجزل المنح من مال المسلمين ومن الواجب منعه ، وتسليطه على أعطيات المسلمين ومن المحتم قطع يده عنها ؟.

أنا لاأعرف شيئا من معاذير الخليفة في هذه المسائل لعل لها عذرا وأنت تلومها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الاستيعاب ترجمة عبدالله بن عمر.

 (2) كماذكره أبوعمرفى الاستيعاب ، وابن الاثير في أسد الغابة 4 : 348

 (3) مر الحديث في ص 169.

 

 

/  ص 267  /

 

لكن المسلمين في يومه ما عذروه وهم الواقفون على الامر من كثب ، والمستشفون للحقايق الممعنون فيها ، وكيف يعذره المسلمون ونصب أعينهم قوله عزمن قائل : واعلموا أنما غنمتم من شيء فان لله خمسه ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كمتم آمنتم بالله ؟ أليس إعطاء الخمس لمروان اللعين خروجا عن حكم القرآن ؟ أليس عثمان هو الذي فاوض بنفسه ومعه جبيربن مطعم رسول الله صلى الله عليه وآله أن يجعل لقومه نصيبا من الخمس فلم يجعل ونص على أن بني عبد شمس وبني نوفل لا نصيب لهم منه ؟.

قال جبير بن مطعم : لما قسم رسول الله سهم ذي القربى بين بني هاشم وبني المطلب (1)

أتيته أنا وعثمان فقلت : يارسول الله  هؤلاء بنوهاشم لا ينكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله به منهم ، أرأيت بني المطلب اعطيتهم ومنعتنا ؟ وانما نحن وهم منك بمنزلة واحدة.

فقال : إنهم لم يفارقوني أو : لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام وإنما هم بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه ، ولم يقسم رسول الله لبني عبد الشمس ولا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا كما قسم لبني هاشم وبني المطلب (2)

ومن العزيز على الله ورسوله أن يعطى سهم ذوي قربى الرسول صلى الله عليه وآله لطريده ولعينه ، وقد منعه النبي صلى الله عليه وآله وقومه من الخمس ، فما عذر الخليفة في تزحزحه عن حكم الكتاب والسنة ، وتفضيل رحمه أبناء الشجرة الملعونة في القرآن على قربى رسول الله صلى الله عيه وآله وسلم الذين أوجب الله مودتهم في الذكر الحكيم ؟ أنا لا أدري.والله من ورائهم حسيب.

 

 

ـ 33 ـ

إقطاع الخليفة وعطيته الحارث

أعطى الحارث بن الحكم بن العاص أخامروان وصهر الخليفة من ابنته عائشة ثلاثمائة ألف درهم كمافي أنساب البلاذري 5 : 52 ، وقال في ص 28 : قدمت إبل الصدقة على عثمان فوهبها للحارث بن الحكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) المطلب أخوهاشم لاب وأم وامهما عاتكة بنت مرة.

 (2) صحيح البخاري 5 : 28 ، الاموال ص 331 ، سنن البيهقي 6 : 340 ، 342 ، سنن أبى داود 2 : 31 ، مسند أحمد 4 : 81 ، المحلى 7 : 328.

 

 

/  ص 268  /

 

وقال ابن قتيبة في المعارف ص 84 ، وابن عبدربه في العقد الفريد 2 : 261 ، و ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 67 ، والراغب في المحاضرات 2 : 212 : تصدق رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع سوق بالمدينة يعرف بمهزون (1) على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم.

وقال الحلبي في السيرة 2 : 87 : أعطى الحارث عشر مايباع في السوق ، أي سوق المدينة.

قال الاميني : لقد إصطنع الخليفة لهذا الرجل ثلاثا لا أظنه يخرج من عهدة النقد عليها :

1- إعطاء‌ه ثلاثمائة ألف ولم يكن من حر ماله.

2- هبته إبل الصدقة إياه وحده.

3- اقطاعه إياه ماتصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله على عامة المسلمين.

أنا لاأدري بماذا استحق الرجل هذه الاعطيات الجزيلة ؟ وكيف خص به ما تصدق به رسول الله صلى الله عليه وآله على كافة أهل الاسلام ، وحرمه الباقون ؟ ولو كان الخليفة موفرا عليه بهذه الكمية من مال أبيه لاستكثر ذلك نظرا إلى حاجة المسلمين وجيوشهم ومرابطيهم ، فكيف به ؟ وقد وهبه مايملك من مال المسلمين ومن الاوقاف والصدقات ، وماكان الرجل يعرف بشئ من الاعمال البارة والمساعي المشكورة في سبيل الدعوة الالهية وخدمة المجتمع الديني حتى يحتمل فيه استحقاق زيادة في عطاء‌ه ، وهب أنا نجزنا ذلك الاستحقاق لكنه لايعدو أن يكون مخرج الزيادة مما يسوغ للخليفة التصرف فيه لامما لايجوز تبديله من إقطاع ما تصدق به النبي صلى الله عليه وآله وجعله وقفا عاما على المسلمين لايخص به واحد دون آخر ، ومن بدله بعد ماسمعه فإنما إثمه على الذين يبد لونه.

فلم يبق مبرر لتلكم الصنايع أو الفجايع إلا الصهر بينه وبين الخليفة والنسب لانه ابن عمه.ولك حق النظر في صنيع كل من الخليفتين :

1- عثمان وقد علمت ما ارتكبه هاهنا وفي غيره

2- مولانا علي عليه السلام يوم جاء‌ه عقيل يستميحه صاعا من البر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في المعارف : مهزوز.وفى شرح ابن أبى الحديد : تهروز.وفى محاضرات الراغب : مهزور.

 

 

/  ص 269  /

 

للتوسيع له ولعياله مما قدر له في العطاء ، فأدى عليه السلام ماهو حق الاخوة والتربية ، ولاسيما في مثل عقيل من الاشراف والاعاظم الذي يجب فيهم التهذيب أكثر من غيرهم فأدى إليه الحديدة المحماة فتأوه فقال عليه السلام : تجزع من هذه وتعرضني لنار جهنم ؟. (1) وفي رواية ابن الاثير في أسد الغابة 3 : 423 من طريق سعد : ان عقيل بن أبي طالب لزمه دين فقدم على علي بن أبي طالب الكوفة فأنزله وأمر ابنه الحسن فكساه فلما أمسى دعا بعشائه فاذا خبز وملح وبقل فقال عقيل : ما هو إلا ماأرى.قال : لا.

قال : فتقضي ديني ؟ قال وكم دينك ؟ قال : أربعون ألفا.

قال : ماهي عندي ولكن اصبر حتى يخرج عطائي فانه أربعة الآف فادفعه إليك.

فقال له عقيل : بيوت المال بيدك و أنت تسوفني بعطائك ؟.

فقال : أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين وقد ائتمنوني عليها ؟.إقرأ ، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى.

 

 

ـ 34 ـ

حظوة سعيد من عطية الخليفة

أعطى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية مائة الف درهم قال أبومخنف والواقدي : أنكر الناس على عثمان إعطاء‌ه سعيد بن العاص مائة الف درهم فكلمه علي والزبير وطلحة وسعد وعبدالرحمن بن عوف في ذلك فقال : إن له قرابة ورحما.قالوا : أفما كان لابي بكر وعمر قرابة وذورحم ؟ فقال : إن أبابكر وعمر كانا يحتسبان في منع قرابتهما وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي ، قالوا : فهديهما والله أحب إلينا من هديك.

فقال : لاحول ولا قوة إلا بالله (2) قال الاميني : كان العاص أبوسعيد من جيران رسول الله صلى الله عليه وآله الذين كانوا يؤذونه ، وقتله مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام يوم بدر مشركا(3). وأما خلفه (بالسكون) سعيد فهو ذلك الشاب المترف كما في رواية ابن سعد (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الصواعق لابن حجر ص 79.

 (2) انساب البلاذري 5 : 28.

 (3) طبقات ابن سعد 1 : 185 ط مصر ، اسد الغابة 2 : 310.

 (4) الطبقات 5 : 21 ط ليدن.وننقل عنه كلما يأتى في سعيد بن العاص ، وذكره ابن عساكر في تاريخه 6 : 135.

 

 

/  ص 270  /

 

ورد الكوفة من غير سابقة واليا من قبل عثمان بعد عزله الوليد ولم يحمل أي حنكة فطفق يلهج من أول يومه بما يثير العواطف ويجيش الافؤدة ، فنسبهم إلى الشقاق والخلاف وقال : إن هذا السواد بستان لاغيلمة من قريش.

ولقد أزرى هذا الغلام بهاشم بن عتبة المرقال الصحابي العظيم صاحب راية مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام بصفين العبد الصالح الذي فقئت إحدى عينيه في سبيل الله يوم اليرموك ومات شهيدا في الجيش العلوي.

قال ابن سعد : قال سعيد مرة بالكوفة : من رأى الهلال منكم ؟ وذلك في فطر رمضان فقالوا له : مارأيناه.

فقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص : أنا رأيته.

فقال له سعيد : بعينك هذه العوراء رأيته من بين القوم ؟ فقال هاشم : تعيرني بعيني وانما فقئت في سبيل الله ؟ وكانت عينه اصيبت يوم اليرموك ، ثم أصبح هاشم في داره مفطرا وغدى الناس

عنده ، فبلغ ذلك سعيدا فأرسل إليه فضربه وحرق داره.

ماأجرأ ابن العاص على هذاالعظيم من عظماء الصحابة فيضربه ويحرق داره لعمله بالسنة الثابتة في الاهلة بقوله صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم الهلال فصوموا ، وإذا رأيتموه فافطروا.وفي لفظ : صوموا لرؤيته ، وافطروا لرؤ يته (1) ؟

لم يكن يعلم هاشم المرقال بأن آراء الولاة وأهوائهم لها صولة وجولة في رؤية الهلال أيضا ، وان الشهادة بها قد تكون من الجرائم التي لا تغفر ، وإن السياسة الوقتية لها دخل في شهادات الرجال ، وان حملة النزعة العلوية لا تقبل شهاداتهم.

قد شكاه إلى الخليفة الكوفيون مرة فلم يعبأ بها فقال : كلما رأى أحدكم من أميره جفوة أرادنا أن نعزله ، فانكفئ سعيد إلى الكوفة ، وأضر بأهلها إضرارا شديدا (2) ونفى في سنة 33 بأمر من خليفته جمعا من صلحاء الكوفة وقرائها إلى الشام كما يأتي تفصيله.

ولم يفتأ على سيرته السيئة إلى أن رحل من الكوفة إلى عثمان مرة ثانية 34 والتقى هنالك بالفئة الشاكية إلى عثمان وهم : الاشتربن الحارث.يزيد بن مكفف.ثابت بن قيس.كميل بن زياد.زيد بن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) صحيح البخارى ، صحيح مسلم ، سنن أبى داود ، سنن الدارمى ، سنن النسائى 7 سنن ابن ماجة ، سنن البيهقي.

 (2) انساب البلاذري 5.

 

 

/  ص 271  /

 

صوحان. صعصعة بن صوحان.الحارث الاعور.جندب بن زهير.أبوزينب الازدي أصغر بن قيس الحارثي.

وهم يسألون الخليفة عزل سعيد ، فأبى وأمره أن يرجع إلى عمله ، وقفل القوم قبله إلى الكوفة واحتلوها ودخلها من ورائهم ، وركب الاشتر مالك بن الحارث في جيش يمنعه من الدخول فمنعوه حتى ردوه إلى عثمان ، فجرى هناك ما جرى ، ويأتي نبأه بعد حين إنشاء الله تعالى.

لقد أراد الخليفة أن يصل رحمه من هذا الشباب المجرم باعطاء تلك الكمية الزائدة على حده وحقه من بيت المال ، إن كان له ثمة نصيب ، ولوكان هذا العطاء حقا لمانقده عليه أعاظم الصحابة وفي طليعتهم مولانا أميرالمؤمنين سلام الله عليه.

وأما ماتترس به من المعذرة من الاحتساب بصلة الرحم كما احتسب من قبله بمنع رحمهم عن الزيادة في إعطياتهم من بيت المال فتافه ، لان الصلة إنما تستحسن من الانسان إن كان الانفاق من خالص ماله لاالمال المشترك بين آحاد المسلمين ، ومن وهب مالا يملكه لايعد أمينا على أرباب المال ، فهو إلى الوزر أقرب منه إلى الاجر.

 

 

ـ 35  ـ

هبة الخليفة للوليد من مال المسلمين

أعطى الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية أخا الخليفة من امه مااستقرض عبدالله بن مسعود من بيت مال المسلمين ووهبه له.قال البلاذري في الانساب 5 : 30 : لما قدم الوليد الكوفة ألفى ابن مسعود على بيت المال فاستقرضه مالا وقد كانت الولاة تفعل ذلك ثم ترد ما تأخذ ، فأقرضه عبدالله ماسأله ، ثم إنه إقتضاه إياه فكتب الوليد في ذلك إلى عثمان فكتب عثمان إلى عبدالله بن مسعود : إنما أنت خازن لنا فلاتعرض للوليد فيما أخذ من المال.

فطرح ابن مسعود المفاتيح وقال :

كنت أظن أني خازن للمسلمين فأما إذكنت خاذنا لكم فلاحاجة لي في ذلك ، وأقام بالكوفة بعد إلقائه مفاتيح بيت المال.

وعن عبدالله بن سنان قال : خرج علينا ابن مسعود ونحن في المسجد وكان على بيت مال الكوفة وفي الكوفة الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال : يا أهل الكوفة  فقدت

 

/  ص 272  /

 

من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب لي بها برائة.

قال فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك فنزعه عن بيت المال.العقد الفريد 2 : 272.

 

 

الوليد ومن ولده

أما أبوه عقبة بن أبي معيط.

فكان أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله في ايذائه من جيرانه ، أخرج ابن سعد بالاسناد من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : كنت بين شر جارين بين أبي لهب وعقبة بن معيط ، إن كانا ليأتيان ؟ فيطرحانها على بابي ، حتى أنهم ليأتون ببعض مايطرحون من الاذى فيطرحونه على بابي (1) .

وقال ابن سعد في طبقات 1 : 185 : كان أهل العداوة والمناواة لرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين يطلبون الخصومة والجدل أبوجهل ، أبولهب " إلى أن عد " عقبة بن أبي معيط ، والحكم بن أبي العاص فقال : وذلك انهم كانو جيرانه ، والذي كان تنتهي عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله إليهم : أبوجهل ، أبولهب ، وعقبة بن أبي معيط.

وقال ابن هشام في سيرته 2 : 25 : كان النفر الذي يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته : أبولهب ، والحكم بن أبي العاص بن امية ، وعقبة بن أبي معيط.

وقال في ج 1 : 358 : كان أبي بن خلف وعقبة بن أبي معيط متصافيين حسنا ما بينهما ، فكان عقبة قد جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه فبلغ ذلك أبيا فأتى عقبة فقال له : ألم يبلغني انك جالست محمدا وسمعت منه ؟ ثم قال : وجهي من وجهك حرام أن أكلمك ، واستغلظ له من اليمين إن أنت جلست اليه أو سمعت منه أو لم تأته فتتفل في وجهه.ففعل ذلك عدوالله عقبة بن أبي معيط لعنه الله ، فأنزل الله تعالى فيهما : ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا.ياويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاء‌ني ، وكان الشيطان للانسان خذولا (2) .

وأخرج ابن مردويه وأبونعيم في الدلائل باسناد صححه السيوطي من طريق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) طبقات ابن سعد 1 : 186 ط مصر.

 (2) سورة الفرقان 28 29.

 

 

/  ص 273  /

 

سعيدبن جبير عن ابن عباس : ان عقبة (1) بن أبي معيط كان يجلس مع النبي بمكة لا يؤذيه وكان له خليل (2) غائب عنه بالشام فقالت قريش : صبا عقبة.وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته : ما فعل محمد مما كان عليه ؟ فقالت : أشد ماكان أمرا.

فقال : ما فعل خليلي عقبة ؟ فقالت : صبا.فبات بليلة سوء فلما أصبح أتاه عقبة فحياه فلم يرد عليه التحية فقال : مالك لاترد علي تحيتي ؟ فقال : كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت ، قال : أو قد فعلتها قريش ؟ قال : نعم ، قال : فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلته ؟ قال : تأتيه في مجلسه فتبزق في وجهه وتشتمه بأخبث ما تعلم من الشتم ، ففعل ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن مسح وجهه من البزاق ثم التفت إليه فقال : إن وجدتك خارجا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا.فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه : أخرج معنا قال : وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرا ، فقالوا : لك جمل أحمر لا يدرك فلو كانت الهزيمة طرت عليه.فخرج معهم فلما هزم الله المشركين وحمل به جمله في جدود من الارض فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا في سبعين من قريش وقدم اليه عقبة فقال : أتقتلني من بين هؤلاء ؟ قال : نعم ، بما بزقت في وجهي.وفي لفظ الطبري : بكفرك وفجورك وعتوك على الله ورسوله.

فأمر عليا فضرب عنقه فأنزل الله فيه : ويوم يعض الظالم على يديه.إلى قوله تعالى : وكان الشيطان للانسان خذولا.

وقال الضحاك : لما بزق عقبة رسول الله صلى الله عليه وآله رجع بزاقه على وجهه لعنه الله تعالى ولم يصل حيث اراد فأحرق خديه وبقي أثر ذلك فيهما حتى ذهب إلى النار.

وفي لفظ : كان عقبة يكثر مجالسة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واتخذ ضيافة فدعا اليها رسول الله صلى الله عليه وآله فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ، وكان أبي من خلف صديقه فعاتبه وقال : صبأت يا عقبة ؟ قال : لا ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له والشهادة ليست في نفسي فقال : وجهي من وجهك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وقع في الدر المنثور الاشتباه في اسم الرجل فجعله أبا معيط وتبعه على علاته من حكاه عنه كالشوكانى وغيره.

 (2) هوابى بن خلف كما سمعت وفي غير واحد من المصادر : أمية بن خلف.

 

 

/  ص 274  /

 

حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق وجهه وتلطم عينه.

فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله : لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف الحديث.

وقال الطبري في تفسيره : قال بعضهم عني بالظالم عقبة بن ابي معيط لانه ارتد بعد اسلامه طلبا منه لرضا ابي بن خلف وقالوا : فلان هو أبي.

وروي عن ابن عباس انه قال : كان ابي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وآله فزجره عقبة بن ابن معيط فنزل : ويوم يعض الظالم على يديه.الخ.قال : الظالم : عقبة وفلان : أبي.

وروي مثله عن الشعبي وقتادة وعثمان ومجاهد.

أخرج نزول الآيات الكريمة يوم يعض الظالم إلى قوله : خذولا.في عقبه و إن الظالم هو.ابن مردويه ، وأبونعيم في الدلائل ، وابن المنذر ، وعبدالرزاق في المصنف وابن ابي شيبة ، وابن ابي حاتم ، والفريابي ، وعبد بن حميد ، وسعيد بن منصور ، وابن جرير.راجع تفسير الطبري 19 : 6 ، تفسير البيضاوي 2 : 161 ، تفسير القرطبي 13 : 25 ، تفسر الزمخشري 2 : 326 ، تفسير ابن كثير 3 : 317 ، تفسير النسابوري هامش الطبري 19 ، 10 ، تفسير الرازي 6 : 369 ، تفسير ابن جزي الكلبي 3 : 77 ، إمتاع المقريزي ص 61 ، 90 ، الدر المنثور للسيوطي 5 : 68 ، تفسير الخازن 3 : 365 ، تفسير النسفي هامش الخازن 3 : 365 ، تفسير الشوكاني 4 : 72 ، تفسير الآلوسي 19 : 11.

هذا الوالد ، وما أدراك ما ولد ؟

أما الوليد الفاسق بلسان الوحي المبين ، الزاني ، الفاجر ، السكير ، المدمن للخمر المتهتك في أحكام الدين وتعاليمه ، المهتوك بالجلد على رؤس الاشهاد ، فسل عنه قوله تعالى : إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا (1) فان من المجمع عليه بين أهل العلم بتأويل القرآن نزوله فيه كما مر في ص 124.

وسل عنه قوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون.وهذه الآية كسابقتها تومي بالفاسق اليه كما أسلفناه في الجزء الثاني 42 ، 43 ط 1 ، و 46 ، 47 ط 2.

وسل عنه محراب جامع الكوفة يوم قاء فيه من السكر وصلى الصبح اربعا وأنشد فيها رافعا صوته :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الحجرات 6.

 

 

/  ص 275  /

 

علـــق القلب الربابا * بعد ما شابت وشابا

وقال : هل أزيدكم ؟ فضربه ابن مسعود بفردة خفه ، وأخذه الحصباء من المصلين ففر عنهم حتى دخل داره والحصباء من وراء‌ه ، كما فصلناه في هذا الجزء ص 124120

وسل عنه سوط عبدالله بن جعفر لما جلده حد الشارب بأمر مولانا أمير المؤمنين وهو يسبه بمشهد عثمان بعد ضوضاء من المسلمين على تأخير الحد كما مر ص 124.

وسل عنه إبن عمه سعيد بن العاص لما غسل منبر جامع الكوفة ومحرابه تطهيرا من أقذار الفاسق حين ولاه عثمان على الكوفة بعد الوليد.

وسل عنه الامام السبط الحسن المجتبى يوم تكلم عليه في مجلس معاوية فقال عليه السلام : وأما أنت يا وليد  فوالله ما ألومك على بغض علي وقد جلدك ثمانين في الخمر وقتل أباك بين يدي رسول الله صبرا ، وأنت الذي سماه الله الفاسق ، وسمى عليا المؤمن حيث تفاخرتما فقلت له : اسكت يا علي  فأنا أشجع منك جنانا ، واطول منك لسانا ،

فقال لك علي : اسكت يا وليد  فأنا مؤمن ، وأنت فاسق.فانزل الله تعالى في موافقته

قوله : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون.ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا :

إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا.ويحك يا وليد  مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر (1) فيك وفيه:

أنــــزل الله والكتـــاب عزيز * فـي علي وفي الوليد قرانا

فتبــــوا الولـيد إذ ذاك فسقا * وعلــــي مبــــوء ايمــــــانا

ليس من كان مؤمنا عمرك * الله كمـن كان فاسقا خوانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل * وعلــي إلى الحساب عيانا

فعلــــي يجــــزى بذاك جنانا * ووليــــد يجزى بذاك هوانا

رب جــد لعقبـة بن أبان(2) * لابس فــــي بــــلادنا تبــانا

وما أنت وقريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية ، وأقسم بالله لانت اكبر في الميلاد واسن ممن تدعى اليه." شرح ابن ابي الحديد 2 : 103 ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هو حسان بن ثابت.راجع الجزء الثاني ص 42 ط 1 ، و 46 ط 2.

 (2) أبان اسم ابى معيط جد الوليد.

 

 

/  ص 276  /

 

وإن شئت فسل الخليفة عثمان عن تأهيله إياه للولاية على صدقات بني تغلب ثم للامارة على الكوفة ، وإئتمانه على أحكام الدين وأعراض المسلمين ، وتهذيب الناس ودعوتهم إلى الدين الحنيف ، وإسقاط ماعليه من الدين لبيت مال المسلمين وإبراء ذمته عما عليه من مال الفقراء ، هل في الشريعة الطاهرة تسليط مثل الرجل على ذلك كله ؟

أنا لا أعرف لذلك جوابا ، ولعلك تجد عند الخليفة ما يبرر عمله ، أو تجد عند ابن حجر بعد اعترافه بصحة ما قلناه وانه جاء من طريق الثقات جوابا منحوتا لا نعرف المحصل منه قال في تهذيب التهذيب 11 : 144 : قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت.أ ه‍.

أما نحن فلا نرى السكوت صوابا بعد أن لم يسكت عنه الذكر الحكيم وسماه فاسقا في موضعين ، أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ، ومهما سكتنا عن أمر بينه وبين الله سبحانه فليس من السائغ أن نسكت عن ترتيب آثار العدالة عليه والرواية عنه وهو فاسق في القرآن ، متهتك بالجرائم على رؤس الاشهاد ، متعد حدود الله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.

 

 

ـ 36 ـ

هبة الخليفة لعبد الله من مال المسلمين

أعطى لعبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ثلاثمائة ألف درهم و لكل رجل من قومه ألف درهم.وفي العقد الفريد 2 : 261 ، والمعارف لابن قتيبة ص 84 ، وفي شرح ابن أبي الحديد 1 : 66 : انه أعطى عبدالله أربعمائة الف درهم.

قال أبومخنف : كان على بيت مال عثمان عبدالله بن الارقم فاستسلف عثمان من بيت المال مائة الف درهم وكتب عليه بها عبدالله بن الارقم ذكر حق للمسلمين واشهد عليه علياا وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبدالله بن عمر ، فلما حل الاجل رده عثمان ثم قدم عليه عبدالله بن خالد بن اسيد من مكة وناس معه غزاة فأمر لعبدالله  بثلاثمائة الف درهم ولكل رجل من القوم بمائة الف درهم ، وصك بذلك إلى ابن أرقم فاستكثره ورد الصك له. ويقال : إنه سال عثمان أن يكتب عليه به ذكر حق فأبى ذلك فامتنع ابن الارقم من ان يدفع المال إلى الاقوم ، فقال له عثمان : إنما أنت خازن لنا فما

 

 

/  ص 277  /

 

حملك على ما فعلت ؟ فقال ابن الارقم : كنت اراني خازنا للمسلمين وإنما خازنك غلامك والله لا ألي لك بيت المال أبدا.وجاء بالمفاتيح فعلقها على المنبر ، ويقال : بل ألقاها إلى عثمان فدفعها عثمان إلى ناتل مولاه ، ثم ولى زيد بن ثابت الانصاري بيت المال واعطاء المفاتيح.

ويقال : انه ولي ببيت المال معيقيب بن ابي فاطمة ، وبعث إلى عبدالله بن الارقم ثلاثمائة الف درهم فلم يقبلها " أنساب البلاذري 5 : 58 ".

وذكر أبوعمر في " الاستيعاب " وابن حجر في " الاصابة " حديث عبدالله بن أرقم في ترجمته ورده ما بعث إليه عثمان من ثلاثمائة الف.وفي رواية الواقدي : قال عبدالله : مالي إليه حاجة وماعملت لان يثيبني عثمان والله لئن كان هذا من مال المسلمين ما بلغ قدر عملي ان اعطى ثلاثمائة ألف درهم ، ولئن كان من مال عثمان ما أحب أن آخذ من ماله شيئا.

وقال اليعقوبي في تاريخه 2 : 145 : زوج عثمان ابنته من عبدالله بن خالد بن أسيد و أمر له بستمائة الف درهم ، وكتب إلى عبدالله بن عامر أن يدفعها اليه من بيت مال البضرة.

قال الاميني : أنا لا أدري هل قررت الشريعة لبيت مال المسلمين حسابا وعددا ؟ أو أنها أمرت أن يكال ويوزن لاي أحد بغير حساب ؟ إذن فمن ذا الذي أمرته بالقسمة على السوية ، والعدل في الرعية ؟ لقد بلغ الفوضى في الاموال على عهد هذا الخليفة حدا لم يسطع معه أمناء‌ه على بيت المال أن تستمروا على عملهم ، فكانوا يلقون مفاتيحه إليه لما كانوا يجدونه من عدم تمكنهم من الجري على النواميس المطردة في الاموال الثابتة في السنة الشريفة ، ولا على ما مضى الاولان عليه من الحصول على مرضاة العامة في تقسيمها ، فرأوا التنصل من هذه الوظيفة أهون عليهم من تحمل تبعاتها الوبيلة وقد ناقشوا الحساب فلم يجدوا لعبدالله بن خالد اي جدارة للتخصص بهذه الكميات فهو لو عد في عداد غيرهم لم يحظ بغير عطاء‌ه زنة أعطيات المسلمين ، لكن صهر الخلافة والاتصال بالنسب الاموي لعلهما يبرران ما هو فوق الناموس المالي المطرد في الشريعة.

 

 

ـ 37 ـ

عطية الخليفة أبا سفيان

أعطى أبا سفيان بن حرب مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة الف من بيت المال  قاله إبن ابي الحديد في الشرح 1 : 67 ،

 

 

/  ص 278  /

 

قال الاميني : لا أرى لابي سفيان المستحق للمنع عن كل خير أي موجب لذلك العطاء الجزل من بيت مال المسلمين وهو كما في " الاستيعاب " لابي عمر عن طائفة : كان كهفا للمنافقين منذ أسلم وكان في الجاهلية ينسب إلى الزندقة.قال الزبير يوم اليرموك لما حدثه ابنه أن أبا سفيان كان يقول : ايه بني الاصفر : قاتله الله يأبى إلا نفاقا أو لسنا خيرا له من بني الاصفر ؟.وقال له علي عليه السلام : ما زلت عدوا للاسلام وأهله.

ومن طريق ابن المبارك عن الحسن : ان أبا سفيان دخل على عثمان حين صارت الخلافة اليه فقال : صارت اليك بعد تيم وعدي فادرها كالكرة ، واجعل اوتادها بني امية فانما هو الملك ولا ادري ما جنة ولا نار.فصاح به عثمان : قم عني فعل الله بك وفعل " الاستيعاب " 2 : 690.

وفي تاريخ الطبري 11 ص 357 : يا بني عبد مناف  تلقفوها تلقف الكرة ، فما هناك جنة ولا نار.

وفي لفظ المسعودي : يا بني أمية  تلقفوها تلقف الكرة ، فوالذي يحلف به أبوسفيان ما زلت ارجوها لكم ولتصيرن إلى صبيانكم وراثة. (مروج الذهب 1 : 440) .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه 6 : 407 عن أنس : ان أبا سفيان دخل على عثمان بعدما عمي فقال : هل هنا أحد ؟ فقالوا : لا.فقال : أللهم اجعل الامر أمر جاهلية ، والملك ملك غاصبية ، واجعل أوتاد الارض لبني امية.

وقال ابن حجر : كان رأس المشركين يوم احد ويوم الاحزاب ، وقال ابن سعد في اسلامه : لما رأى الناس يطؤن عقب رسول الله حسده فقال في نفسه : لو عاودت الجمع لهذا الرجل.

فضرب رسول الله في صدره ثم قال : إذا يخزيك الله : وفي رواية : قال في نفسه : ما أدري لم يغلبنا محمد ؟ فضرب في ظهره وقال : بالله يغلبك.الاصابة 2 : 179.

وإن سألت مولانا أمير المؤمنين عن الرجل فعلى الخبير سقطت قال في حديث له : معاوية طليق ابن طليق ، حزب من هذه الاحزاب ، لم يزل لله عزوجل ولرسوله صلى الله عليه وآله وللمسلمين عدوا هو وأبوه حتى دخلا في الاسلام كارهين (1) .

وحسبك ما في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان من قوله : يا ابن صخر يا ابن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الطبري 6 : 4.

 

 

 

/  ص 279  /

 

اللعين (1) ولعله عليه السلام يوعز بقوله هذا إلى ما رويناه من ان رسول الله صلى الله عليه وآله لعنه وابنيه معاوية ويزيد لما رآه راكبا وأحد الولدين يقود والآخر يسوق فقال : أللهم اللعن

الراكب والقائد والسائق (2) .

وذكر ابن ابي الحديد في الشرح 4 : 220 من كتاب للامام عليه السلام كتبه إلى معاوية قوله : فلقد سلكت طرائق ابي سفيان ابيك وعتبة جدك وأمثالهما من أهلك ذوي الكفر والشقاق والاباطيل.

ويعرفك أبا سفيان قول ابي ذر لمعاوية لما قال له (يا عدو الله وعدو رسوله) :

ما أنا بعدو لله ولا لرسوله بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله ، اظهرتما الاسلام و أبطنتما الكفر.إلي آخر ما يأتي في البحث عن مواقف أبي ذر مع عثمان.

هذا حال الرجل يوم كفره وإسلامه ولم يغير ما هو عليه حتى لفظ نفسه الاخير فهل له في أموال المسلمين قطمير أونقير فضلا عن الآلاف ؟ لولا أن النسب الاموي برر الخليفة أن يخصه بمنائحه الجمة من مال الناس ، وافق السنة أم خالفها.

 

 

ـ 38 ـ

عطاء الخليفة من غنائم افريقية

أعطى عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخاه من الرضاعة الخمس من غنائم افريقية في غزوها الاول كمامر في صفحة 259 وقال ابن كثير : أعطاه خمس الخمس وكان مائة ألف دينار على ما ذكره أبوالفدا من تقدير ذلك الخمس بخمسائة الف دينار وكان حظ الفارس من تلك الغنيمة العظيمة ثلاثة آلاف ، ونصيب الراجل ألف كما ذكره إبن الاثير في اسد الغابة 3 : 173 ، وابن كثير في تاريخه 7 ، 152.

وقال ابن ابي الحديد في شرحه 1 : 67 : أعطى عبدالله بن أبي سرح جميع ما أفاء الله عليه من فتح افريقية بالمغرب ، وهي من طرابلس الغرب إلى طنجة ، من غير أن يشركه فيه أحد من المسلمين.

وقال البلاذري في الانساب 5 ، 26 : كان (عثمان) كثيرا ما يولي من بني امية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شرح ابن ابى الحديد 3 : 411 ، وج 4 : 51.

 (2) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث صفحة 222 ط 1 ، و 252 ط 2.

 

 

/  ص 280  /

 

من لم يكن له مع النبي صلى الله عليه وآله صحبة فكان يجئ من امرأته ما ينكره أصحاب محمد

صلى الله عليه وآله وكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم ، فلما كان في الست الاواخر استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبدالله بن أبي سرح مصر ، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه و يتظلمون منه (إلى ان قال :) فلما جاء أهل مصر يشكون إبن ابي سرح كتب اليه كتابا يتهدده فيه فأبى ان ينزع عما نهاه عثمان عنه ، وضرب بعض من كان شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله ، فخرج من أهل مصر سبع مائة إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم إبن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى اصحاب محمد ، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد ، وأرسلت اليه عائشة رضي الله عنها تساله أن ينصفهم من عامله ، ودخل عليه علي بن أبيطالب وكان متكلم القوم فقال له : إنما يسئلك القوم رجلا مكان رجل وقدادعوا قبله دما فاعزله عنهم واقض بينهم ، فإن وجب عليه حق فانصفهم منه.فقال لهم : اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه.فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكر الصديق فقالوا : استعمل علينا محمد بن أبي بكر فكتب عهده على مصر ووجه معهم عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح.وسيأتي تمام الخبر وكتاب عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره بالتنكيل بالقوم.

قال الاميني : ابن ابي سرح هذا هو الذي أسلم قبل الفتح وهاجر ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش بمكة فقال لهم : إني أضرب محمدا حيث اريد.فلما كان يوم الفتح أمر صلى الله عليه وآله بقتله وأباح دمه ولو وجد تحت أستار الكعبة ، ففر إلى عثمان فغيبه حتى أتى به رسول الله بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له فصمت رسول الله صلى الله عليه وآله طويلا ثم قال : نعم فلما انصرف عثمان قال صلى الله عليه وآله لمن حوله : ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه وقال رجل من الانصار : فهلا أومأت الي يا رسول الله ؟ فقال : إن النبي لا ينبغي أن يكون له خائنة الاعين (1) .

ونزل القرآن بكفره في قوله تعالى : ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنن أبى داود 2 : 220 ، أنساب البلاذري 5.49 ، مستدرك الحاكم

3 : 100 ، الاستيعاب 1 : 381 ، تفسير القرطبى 7 : 40 ، أسد الغابة 3 : 173 ، الاصابة 2 : 317 ، تفسير الشوكاني 2 : 134.

 

 

/  ص 281  /

 

أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ماأنزل الله.الآية (الانعام 93) أطبق المفسرون على ان المراد بقوله : سأنزل مثل ما أنزل الله هو عبدالله بن أبي سرح وسبب ذلك فيما ذكروه : أنه لما نزلت الآية التي في المؤمنين : ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين.دعاه النبي صلى الله عليه وآله فأملاها عليه فلما انتهى إلى قوله : ثم أنشأناه خلقا آخر.عجب عبدالله في تفصيل خلق الانسان فقال : تبارك الله أحسن الخالقين.فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هكذا أنزلت علي ، فشك عبدالله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلي كما أوحي اليه ، وان كان كاذبا لقد قلت كما قال.

فارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فذلك قوله : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله.

راجع الانساب للبلاذري 5 : 49 ، تفسير القرطبي 7 : 40 ، تفسير البيضاوي 1 : 391 ، كشاف الزمخشري 1 : 461 ، تفسير الرازي 4 : 96 ، تفسير الخازن 2 : 37 ، تفسير النسفي هامش الخازن 2 ؟ 37 ، تفسير الشوكاني 2 : 133 ، 135 نقلا عن ابن أبي حاتم ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن جريج ، وابن جرير ، وأبي الشيخ.

كان الرجل أموي النزعة والنشأة ارضعته وعثمان ثدي الاشعرية فقربته الاخوة من الرضاعة إلى الخليفة ، وآثرته نزعاته الاموية على المسلمين ، وأوصلته إلى الحظوة والثروة من حظام الدنيا ، وحللت له تلك المنحة الطائلة وان لم تساعد الخليفة على ذلك النواميس الدينية ، إذ لم يكن امر الغنائم مفوضا اليه وإنما خمسها لله ولرسوله ولذي القربى ، ادى الرجل شكر تلكم الايادي بامتناعه عن بيعة علي امير المؤمنين بعد قتل أخيه الخليفة ، والله يعلم منقلبهم ومثواهم.

هذه يسيرة عثمان وسنته في الاموال وفي لسانه قوله على صهوة الخطابة : هذا مال الله اعطيه من شئت وامنعه من شئت ، فارغم الله أنف من رغم.ولا يصيخ إلى قول عمار يوم ذاك : اشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.

وبين شفتيه قوله : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف اقوام.

ولا يعبأ بقول مولانا أمير المؤمنين في ذلك الموقف : إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه (1) .

نعم : هذا عثمان وهذا قيله ، والمشرع الاعظم صلى الله عليه وآله يقول فيما أخرجه البخاري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سيوافيك تفصيل الحديثين في الجزء التاسع ان شاء الله تعالى.

 

 

/  ص 282  /

 

في صحيحه 5 : 15 : إنما انا قاسم وخان والله يعطي.ويقول : ما اعطيكم ولا أمنعكم إنما أنا قاسم حيث امرت.

وفي لفظ : والله ما اوتيكم من شيء ولا أمنعكموه ، إن أنا إلا خازن أضع حيث امرت (1) .وقد حذر صلى الله عليه وآله امته من التصرف في مال الله بغير حق بقوله : إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة (2) .

تلك حدود الله فلا تقربوها ، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.

 

 

ـ 38 ـ

الكنوز المكتنزة ببركة الخليفة

إقتنى جماعة من رجال سياسة الوقت ، وأصحاب الفتن والثورات من جراء الفوضى في الاموال ضياعا عامرة ، ودورا فخمة ، وقصورا شاهقة ، وثروة طائلة ، ببركة تلك السيرة الاموية في الاموال الشاذة عن الكتاب والسنة الشريفة وسيرة السلف ، فجمعوا من مال المسلمين مالا جما ، وأكلوه أكلا لما.

- منهم : الزبير بن العوامخلف كما في صحيح البخاري في كتاب الجهاد باب بركة الغازي في ماله ج 5 : 21 : لحدى عشرة دارا بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، ودارا بالكوفة ، ودارا بمصر ، وكان له اربع نسوة فأصاب كل إمراة بعد رفع الثلث الف الف ومائتا الف.

قال البخاري : فجميع ماله خمسون الف الف ومائتا الف.

وقال ابن الهائم : بل الصواب أن جميع ماله حسبما فرض : تسعة وخمسون الف الف وثمانمائة

ألف (3) وصرح ابن بطال والقاضي عياض وغيرهما : بأن الصواب ما قاله ابن الهائم ، و

إن البخاري غلط في الحساب.

كذا نجدها في صحيح البخاري وغيره من المصادر غير مقيدة بالدرهم أو الدينار غير أن في تاريخ ابن كثير 7 : 249 قيدها بالدرهم.

وقال ابن سعد في الطبقات 3 : 77 طليدن : كان للزبير بمصر خطط ، وبالاسكندرية خطط ، وبالكوفة خطط ، وبالبصرة دور ، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري 5 : 17 ، سنن ابى داود 2 : 25 ، طرح التثريب 7 : 160.

(2) صحيح البخاري 5 : 17.

(3) ذكره شراح البخاري ، راجع فتح البارى ، ارشاد السارى ، عمدة القارى ، شذرات الذهب 1 : 43.

 

 

/  ص 283  /

 

وقال المسعودي في المروج 1 : 434 ، خلف ألف فرس وألف عبد وألف أمة وخططا.

- ومنهم : طلحة بن عبيدالله التيمي : ابتنى دارا بالكوفة تعرف بالكناس بدار الطلحتين ، وكانت غلته من العراق كل يوم الف دينار ، وقيل اكثر من ذلك وله بناحية سراة (1) أكثر مما ذكر ، وشيد دارا بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.

وعن محمد بن ابراهيم قال : كان طلحة يغل بالعراق ما بين اربعمائة الف إلى خمسمائة الف ، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أكثر أو أقل.

وقال سفيان بن عيينة : كان غلته كل يوم الف وافيا.والوافي وزنه وزن الدينار ، وعن موسى بن طلحة : انه ترك الفي الف درهم ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار ، وكان ماله قد اغتيل.

وعن ابراهيم بن محمد بن طلحة قال : كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والاموال وما ترك من الناض (2) ثلثين الف الف درهم ، ترك من العين الفي الف ومائتي الف درهم ومائتي الف دينار والباقي عروض.

وعن سعدى ام يحيي بن طلحة : قتل طلحة وفي يد خازنه الفا الف درهم ومائتا الف درهم ، وقومت اصوله وعقاره ثلاثة الف الف درهم.

وعن عمرو بن العاص : أن طلحة ترك مائة بهار في كل بهار ثلاث قناطر ذهب وسمعت ان البهار جلد ثور.وفي لفظ ابن عبد ربه من حديث الخشني : وجدوا في تركته ثلاثمائة بهار من ذهب وفضة.

وقال ابن الجوزي : خلف طلحة ثلثمائة جمل ذهبا.

وأخرج البلاذري من طريق موسى بن طلحة قال : أعطى عثمان طلحة في خلافته مائتي الف دينار.

راجع طبقات ابن سعد 3 : 158 ط ليدن ، الانساب للبلاذري 5 : 7 ، مروج الذهب 1 : 434 ، العقد الفريد 2 : 279 ، الرياض النضرة 2 : 258 ، دول الاسلام للذهبي 1 : 18.الخلاصة للخزرجي ص 152.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بين تهامة ونجد ادناها الطائف وأقصاها قرب صنعاء.

 (2) الناض : الدرهم والدينار.

 

 

/  ص 284  /

 

وسيأتي عن عثمان قوله : ويلي على ابن الحضرمية (يعني طلحة) أعطيته كذا وكذا بهارا ذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي.

- ومنهم : عبدالرحمن بن عوف الزهري.قال ابن سعد : ترك عبدالرحمن ألف بعير ، وثلاثة آلاف شاة ، ومائة فرس ترعى بالبقيع ، وكان يزرع بالجرف على عشرين ناضحا.

وقال : وكان فيماخلفه ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه ، وترك أربع نسوة فاصاب كل إمرأة ثمانون الفا.وعن صالح بن ابراهيم بن عبدالرحمن قال : صالحنا إمرأة عبدالرحمن التي طلقها في مرضه من ربع الثمن بثلاثة وثمانين ألفا.

وقال اليعقوبي : ورثها عثمان فصولحت عن ربع الثمن على مائة ألف دينار.

وقيل : ثمانين الف.وقال المسعودي : إبتنى داره ووسعها وكان على مربطه مائة فرس ، وله ألف بعير ، وعشرة آلاف من الغنم ، وبلغ بعد وفاته ثمن ماله اربعة وثمانين ألفا.

راجع طبقات ابن سعد 3 : 96 ليدن ، مروج الذهب 1 : 434 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 146 ، صفة الصفوة لابن الجوزي 1 ، 138 ، الرياض النضرة لمحب الطبري 2 : 291

- ومنهم : سعد بن ابي وقاص ، قال ابن سعد : ترك سعد يوم مات مائتي ألف وخمسين الف درهم ، ومات في قصره بالعقيق.وقال المسعودي : بني داره بالعقيق فرفع سمكها ووسع فضاء‌ها وجعل أعلاها شرفات.طبقات ابن سعد 3 : 105 ، مروج الذهب 1 : 434.

- ومنهم : يعلى بن أمية.خلف خمسمائة ألف دينار.وديونا على الناس و عقارات وغير ذلك من التركة ما قيمته مائة ألف دينار.كذا ذكره المسعودي في مروج الذهب 1 : 434.

- ومنهم : زيد بن ثابت المدافع الوحيد عن عثمان ، قال المسعودي : خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ماخلف من الاموال والضياع بقيمة مائة ألف دينار." مروج الذهب 1 : 434 ".

هذه نبذ مما وقع فيه التفريط المالي على عهد عثمان ، ومن المعلوم ان التاريخ لم يحص كلما كان هنا من عظائم شأنه في أكثر الحوادث والفتن ولا سيما المتدرجة منها في الحصول.

 

 

/  ص 285  /

 

وأما ما اقتناه الخليفة لنفسه فحدث عنه ولا حرج ، كان ينضد اسنانه بالذهب ويتلبس بأثواب الملوك قال محمد بن ربيعة : رأيت على عثمان مطرف خز ثمن مائة دينار فقال : هذا لنائلة (1) كسوتها إياه ، فأنا ألبسه أاسرها به.وقال أبوعامر سليم : رأيت على عثمان بردا ثمنه مائة دينار (2) .

قال البلاذري : كان في بيت المال بالمدينة سفط فيه حلي وجوهر فأخذ منه عثمان ما حلى به بعض أهله ، فاظهر الناس الطعن عليه في ذلك وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه فقال : هذا مال الله أعطيه من شئت وأمنعه من شئت فأرغم الله أنف من رغم

وفي لفظ : لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ ولن رغمت انوف أقوام.

فقال له علي : إذا تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه.

إلي آخر الحديث الآتي في مواقف الخليفة مع عمار وجاء اليه أبوموسى كيلة ذهب وفضة فقسمها بين نسائه وبناته ، وأنفق أكثر بيت المال في عمارة ضياعه ودوره (3) .

وقال ابن سعد في الطبقات 3 : 53 ط ليدن : كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف الف درهم وخمسمائة درهم ، وخمسون ومائة ألف دينار فانتبهت وذهبت وترك ألف بعير بالربذة وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي الف دينار.

وقال المسعودي في المروج 1 : 433 : بنى في المدينة وشيدها بالحجر والكلس وجعل أبوابها من الساج والعرعر ، وأقتنى أموالا وجنانا وعيونا بالمدينة ، وذكر عبدالله بن عتبة : ان عثمان يوم قتل كان عند خازنه من المال خمسون ومائة الف دينار والف الف درهم ، وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار ، وخلف خيلا كثيرا وابلا.

وقال الذهبي في دول الاسلام 1 : 12 كان قد صار له أموال عظيمة رضي الله عنه وله ألف مملوك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هى حليلة عثمان بنت الفرافصة.

 (2) طبقات ابن سعد 3 : 40 ط ليدن ، أنساب البلاذرى : 3 : 4 ، الاستيعاب في ترجمة عثمان 2 : 476.

 (3) الصواعق المحرقة ص 68 ، السيرة الحلبية 2 : 87.