فهرس الجزء الثامن

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

 

/  ص 286  /

 

صورة متخذة من أعطيات الخليفة والكنوز العامرة ببركته

 

الدينار                  الاعلام           

500.000            مروان   

000 , 100          ابن أبي سرح

200.000            طلحة    

2.560.000        عبدالرحمن

500.000            يعلى بن أمية

100.000            زيد بن ثابت

150.000            عثمان الخليفة

200.000            عثمان الخليفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

4.310.000        الجمع   

أربعة ملايين وثلاثمائة وعشرة آلاف دينار

إقرأ ولا تنس قول مولانا أميرالمؤمنين في عثمان: قام نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع.

وقوله الآتي بعيد هذا: ألا إنّ كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال.

 

         الدرهم                     الاعلام

300.000                     الحكم

2.020.000                  آل الحكم

300.000                     الحارث

000 , 100                   سعيد

000 , 100                   الوليد

000 , 300                   عبدالله

600.000                        =   =

200.000                        أبوسفيان

100.000                        مروان

2200000                       طلحة

30000000                     =

59800000                    الزبير

250000                         ابن أبي وقاص

30500000                     عثمان الخليفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

000 ، 770 ، 126             المجموع

مائة وستة وعشرون مليوناً وسبعمائة وسبعون ألف درهماً.

 

 

/  ص 287  /

 

بقي هنا أن نسأل الخليفة عن علة قصر هذه الاثرة على المذكورين ومن جرى مجراهم من زبانيت            000 , 600             عبدالله ه ، أهل خلقت الدنيا لاجلهم ؟ أو أن الشريعة منعت عن الصلات وإعطاء الصدقات للصلحاء الابرا 000 , 200             أبوسفيان ر من امة محمد صلى الله عليه وآله كأبي ذر الغفاري ، وعمار بن ياسر ، وعبدالله بن مسعو   000 , 100             مروان د إلى نظرائهم ؟ فيجب عليهم أن يقاسوا الشدة ، ويعانوا البلاء ، و يشملهم المنع بين منفي ومضروب ومهان ، وهذا سيدهم أمير المؤمنين يقول : إن بني أمية ليفوقوننى تراث محمد صلى الله عليه وآله وسلم تفويقا (1) اي يعطونني من المال قليلا قليلا كفواق الناقة.

وهل الجود هو بذل الرجل ماله وما تملكه ذات يده ؟ أو جدحه من سويق غيره ؟ (2) كما كان يفعل الخليفة.ليتني وجدت من يحير جوابا عن مسئلتي هذه ؟ أما الخليفة فلم ادركه حتى استحفي منه الخبر ، ولعله لو كنت مستحفيا منه لسبقت الدرة الجواب.

نعم يعلم حكم تلكم الاعطيات والقطائع وقد أقطع أكثر اراضي بيت المال (3) من خطبة لمولانا أمير المؤمنين ، ذكرها الكلبي مرفوعة إلى ابن عباس قال : إن عليا عليه السلام خطب في اليوم الثاني من بيعته بالمدينة فقال : الا إن كل قطيعة أقطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله ، فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوج به النساء ، وفرق في البلدان ، لرددته إلى حاله ، فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحق فالجور عنه اضيق (4) .

قال الكلبي : ثم أمر عليه السلام بكل سلاح وجد لعثمان في داره مما تقوى به على المسلمين فقبض ، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة فقضبت ، وأمر بقبض سيفه ودرعه ، وأمر أن لا يعرض لسلاح وجد له لم يقاتل به المسلمين ، وبالكف عن جميع أمواله التي وجدت في داره وغير داره ، وأمر أن ترجع الاموال التي أجاز بها عثمان حيث اصيبت أو اصيب اصحابها ، فبلغ ذلك عمرو بن العاص وكان بأيلة من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) نهج البلاغة 1 : 126.

 (2) يقال : جدح جوين من سويق غيره.مثل يضرب لمن يجود بأموال الناس.

 (3) السيرة الحلبية 2 : 87.

 (4) نهج البلاغة 1.46 ، شرح ابن ابى الحديد 1 : 90.

 

 

/  ص 288  /

 

ارض الشام أتاها حيث وثب الناس على عثمان فنزلها ، فكتب إلى معاوية : ما كنت صانعا فاصنع إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه كما تقشر عن العصا لحاها.

وقال الوليد بن عقبة " المذكور آنفا " يذكر قبض علي عليه السلام نجائب عثمان وسيفه وسلاحه:

بني هــــاشم  ردوا سلاح ابـــن اختكم * ولا تنهبــــوه لا تحــــــــل منــــاهبــــه

بني هاشــــم  كيــــف الهـــوادة بيننا ؟ * وعنــــد علــــي درعــــه ونجــــائبــــه

بني هاشــــم  كيــــف التــــودد منكم ؟ * وبز ابــــن أروى فيــــكم وحــــرائـــبه

بنــــي هاشــــم  إلا تــــردوا فإنــــنــــا * ســــواء عليــــنا قاتــــلاه وسالبـــــــه

بنــــي هاشــــم  إنـــــا ومــا كان منكم * كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه

قتلتم أخي كيمــــا تكــــونوا مكـــانــــه * كمــــا غــــدرت يومـا بكسرى مرازبه

فأجابه عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب بأبيات طويلة من جملتها :

فــــلا تسألونـــا سيفكم إن سيفكم * اضيع وألقااه لدى الروع صاحبه

وشبهته كسرى وقد كــــان مثــله * شبيهــــا بكسرى هديه وضرائبه

قال : اي كان كافرا كما كان كسرى كافرا ، وكان المنصور رحمه الله تعالى اذا انشد

هذا البيت يقول : لعن الله الوليد هو الذي فرق بين نبي عبد مناف بهذا الشعر (1)

هذه الابيات المعزوة إلى عبدالله نسبها المسعودي في مروج الذهب 1 : 443 إلى الفضل بن العباس بن أبي لهب وذكر منها :

سلوا أهل مصر عن سلاح ابن اختنا * فهــــم سلبــــوه سيفــــه وحــــرائبــه

وكــــان ولــــي العهــــد بعــــد محـمد * علــــي وفــــي كـــل المواطن صاحبه

علــــي ولــــي الله اظــــهــــر دينــــه * وأنــــت مــــع الاشقيـــن فيما تحاربه

وأنــــت امرؤ من أهل صيفور مارح * فــــما لك فيــــنا مــــن حميـــم تعاتبه

وقــــد أنــــزل الرحمــــن إنـك فاسق * فمــــا لــــك في الاسلام سهم تطالبه

 

 

ـ 39 ـ

الخليفة والشجرة الملعونة في القرآن

كان مزيج نفس الخليفة حب بني أبيه آل امية الشجرة الملعونة في القرآن و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) شر ابن ابي الحديد 1 : 90.

 

 

/  ص 289  /

 

تفضيلهم على الناس ، وقد تنشب ذلك في قلبه وكان معروفا منه من أول يومه ، وعرفه بذلك من عرفه قال عمر بن الخطاب لابن عباس : لو وليها عثمان لحمل بني ابي معيط على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه (1) .

وفي لفظ الامام ابي حنيفة : لو وليتها عثمان لحمل آل ابي معيط على رقاب الناس ، والله لو فعلت لفعل ، ولو فعل لاوشكوا أن يسير وإليه حتى يجزوا راسه ، ذكره القاضي أبويوسف في الآثار ص 217.

ووصى إلى عثمان بقوله : إن وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحمل آل ابي معيط على رقاب الناس (2) .

وبهذه الوصية أخذه علي وطلحة والزبير لما ولى الوليد بن عقبة على الكوفة وقالوا له : ألم يوصك عمر ألا تحمل آل ابي معيط وبني امية على رقاب الناس ؟ فلم يجبهم بشئ.

 (انساب البلاذري 5 : 30) .

كان يبذل كل جهده في تأسيس حكومة أموية قاهرة في الحواضر الاسلامية كلها تقهر من عداهم ، وتنسي ذكرهم في القرون الغابرة ، غير أن القدر الحاتم راغمه على منوياته فجعل الذكر الجميل الخالد والبقية المتواصلة في الحقب والاجيال كلها لآل علي عليه وعليهم السلام ، وأما آل حرب فلا تجد من ينتمي إليهم غير متوار بانتسابه ، متخافت عند ذكر نسبه ، فكأنهم حديث أمس الدابر ، فلا ترى لهم ذكرا ، ولا تسمع لاحد منهم ركزا.

كان الخليفة يمضي وراء نيته هاتيك قدما ، وراء أمل ابي سفيان فيما قال له يوم استخلف : فادرها كالكرة واجعل أوتادها بني امية.فولى على الامر في المراكز الحساسة والبلاد العظيمة أغلمة بني امية ، وشبابهم المترف المتبختر في شرح الشبيبة وغلوائها وأمر فتيانهم الناشطين للعمل ، الذين لم تحنكهم الايام ولم يأدبهم الزمان ، وسلطهم على رقاب الناس ، ووطدلهم السبل ، وكسح عن مسيرهم العراقيل ، وفتح باب الفتن والجور بمصراعيه على الجامع الصالح في الامصار الاسلامية ، وجر الويلات بيد أولئك الطغام

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أنساب البلاذري 5 : 16.

 (2) طبقات ابن سعد 3 : 247 ، أنساب البلاذري 5 : 16 ، الرياض النضرة 2 : 76.

 

 

/  ص 290  /

 

على نفسه وعلى الامة المرحومة من يومه وهلم جرا.

قال أبوعمر : دخل شبل بن خالد على عثمان رضي الله عنه حين لم يكن عنده غير أموي فقال : ما لكم يا معشر قريش ؟ أما فيكم صغير تريدون.أن ينبل ؟ أو فقير تريدون غناه ؟ أو خامل تريدون التنويه باسمه ؟ علام أقطعتم هذا الاشعري يعني أبا موسى العراق يأكلها هضما ؟ فقال عثمان : ومن لها ؟ فأشاروا بعبدالله (1) بن عامر وهو ابن ستة عشر سنة (2) فولاه حينئذ.

وكان هؤلاء الاغلمة لا يبالي أحدهم بما يفعل ، ولا يكترث لما يقول ، والخليفة لا يصيخ إلى شكاية المشتكي ، ولا يعي عذل اي عاذل ، ومن اولئك الاغلمة والي الكوفة سعيد بن العاص ذاك الشاب المترف ، كان يقول كما مر في ص 270 على صهوة المنبر إن السواد بستان لاغلمة من قريش.

وهؤلاء الاغلمة هم الذين أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله : إن فساد أمتي على يدي غلمة سفهاء من قريش. (3)

وبقوله صلى الله عليه وآله : هلاك هذه الامة على يد أغيلمة من قريش. (4)

واولئك السفهاء الامراء هم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله لكعب بن عجزة : أعاذك الله يا كعب  من إمارة السفهاء.قال : وما إمارة السفهاء يا رسول الله ؟ قال : أمراء يكونون بعدي لا يهدون بهديي ولا يستنون بسنتي.الحديث مر في صفحة 256.

وأولئك هم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله : إسمعوا هل سمعتم ؟ إنه سيكون بعدي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) كان ابن خال عثمان لان ام عثمان أروى بنت كريز.وعبدالله بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس.

 (2) أحسبه تصحيفا قال أبوعمر في ترجمة عبدالله بن عامر : عزل عثمان أبا موسى الاشعرى

عن البصرة وعثمان بن ابي العاص عن فارس وجمع ذلك كله لعبدالله.قال صالح : وهوابن اربع و عشرين سنة.وقال ابواليقظان : قدم ابن عامر البصرة واليا عليها وهو ابن اربع أو خمس و عشرين سنة.

 (3) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الفتن 10 : 146 ، والحاكم في المستدرك 4 : 470 صححه هو والذهبي وقال الحاكم : شهد حذيفة بن اليمان بصحة هذا الحديث.

 (4) مستدرك الحاكم 4 : 479 : فقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولهذا الحديث توابع وشواهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الطاهرين والائمة من التابعين لم يسعنى الا ذكرها ثم ذكر بعض ما اسلفنا في الحكام ومروان وبنى ابى العاص.

 

 

/  ص 291  /

 

أمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الاحوض ، ومن لم يدخل عليهم ولم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد علي الحوض ،

وفي لفظ : سيكون امراء يكذبون و يظلمون فمن صدقهم بكذبهم.الخ. (1)

وفي لفظ أحمد في المسند 4 : 267 : ألا انه سيكون بعدى امراء يكذبون و يظلمون ، فمن صدقهم بكذبهم ومالاهم على ظلمهم فليس مني ولا أنا منه ، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه.

وهم المعنيون بقوله صلى الله عليه وآله : سيكون امراء بعدي يقولون ما لا يفعلون ، و يفعلون ما لا يؤمرون (مسند أحمد 1 : 456) .

يستعملهم عثمان وهو أعرف بهم من اي ابن أنثى وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله قوله : من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين. (2) وفي تمهيد الباقلاني ص 190 من تقدم على قوم من المسلمين وهو يرى أن فيهم من هو افضل منه فقد خان الله ورسوله والمسلمين فعهد أولئك الاغيلمة عهد هلاك أمة محمد ودور فسادها ، منهم بدأت الفتن و عليهم عادت ، فترى الولادة يوم ذاك من طريد لعين إلى وزغ مثله ، ومن فاسق مهتوك بالذكر الحكيم إلى طليق منافق ، ومن شاب مترف إلى اغيلمة سفهاء.

وكان للخليفة وراء ذلك كله أمل بانه لو بيده مفاتيح الجنة ليعطيها بني امية حتى يدخلوها من عند آخرهم ، أخرج احمد في المسند 1 : 62 من طريق سالم بن ابي الجعد قال : دعا عثمان رضي الله عنه ناسا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم عمار بن ياسر فقال : إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني ، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يؤثر قريشا على سائر الناس ، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ فسكت القوم فقال عثمان رضي الله عنه : لو أن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند آخرهم. (إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) تاريخ الخطيب البغدادى 2 : 107 ، ج 5 : 362.

 (2) سنن البيهقي 10 : 118.مجمع الزوائده : 211.

 

 

/  ص 292  /

 

فكأن الخليفة يحسب ان الهرج الموجود في العطاء عنده سوف يتسرب معه إلى باب الاجنة يحابي قومه بالنعيم كما حاباهم في الدنيا بالاموال ، فما حظي الخليفة بما أحب لهم في الدنيا يوم طحنهم بكلكله البلا ، وأجهزت عليهم المآثم والجرائم ، وأما الآخرة فان بينهم وبين الجنة لسدا بما اقترفوه من الآثام ، فلا أرى الخليفة يحظى بامنيته هنالك ، ونحن لا نعرف نظرية الخليفة في أمر الثواب والعقاب ، ولا ما يأول به الآي الواردة فيهما في الذكر الحكيم ، ولا رأيه في الجنة والنار وأهلهما ، أيطمع كل امرء منهم أن يدخل جنة نعيم ؟ أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء ؟

كلا إن الابرار لفي نعيم وان الفجار لفي جحيم يصلونها يوم الدين.

كلا إن كتاب الفجار لفي سجين.

كلا لينبذن في الحطمة وما ادراك ما الحطمة ؟

نار الله الموقدة التي تطلع على الافئدة.أزلفت الجنة للمتقين وبرزت الجحيم للغاوين ، إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربهم اولئك اصحاب الجنة.

فهؤلاء الامويون لم يكونوا في أمل الخليفة ولا أغنوا عنه شيئا يوم ضحى نفسه وجاهه وملكه لاجلهم حتى قتل من جراء ذلك ، ولا أحسب أنهم مغنون عنه شيئا غدا عند الله يوم لا يغني عنه مال ولا بنون.

الا تعجب من خليفة لا يروقه ايثار نبيه بني هاشم على سائر قريش وتدعوه عصبيته العمياء إلى أن يعارض بمثل هذا التافه المخزي قوله صلى الله عليه وآله فيما أخرجه أحمد :

يا معشر بني هاشم والذي بعثني بالحق نبيا لو أخذت بحلقة الجنة ما بدأت إلا بكم . (1) .

 

 

ـ 20 ـ

تسيير الخليفة أبا ذر إلى الربذة

روى البلاذري : لما اعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه ، وأعطى الحارث ابن الحكم بن ابي الاعاص ثلاثمائة الف درهم ، وأعطى زيد بن ثابت الانصاري مائة الف درهم جعل أبوذر يقول : بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله عزوجل : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (2) فرفع ذلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) الصواعق ص 95.

 (2) سورة التوبة.آية 34.

 

 

/  ص 293  /

 

مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك فقال : أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله ، وعيب من ترك أمر الله ؟ فوالله لان ارضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه.فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر وكف ، وقال عثمان يوما : أيجوز للامام أن يأخذ من المال فاذا أيسر قضى ؟

فقال كعب الاحبار : لا بأس بذلك.

فقال أبوذر : يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟

فقال عثمان : ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي ؟

إلحق بمكتبك وكان مكتبه بالشام إلا أنه كان يقدم حاجا ويسال عثمان الاذن له في مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فيأذن له في ذلك ، وإنما صار مكتبه بالشام لانه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعا : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا بلغ البناء سلعا فالهرب.

فأذن لي آتي الشام فأغزو هناك.

فأذن له ، وكان أبوذر ينكر على معاوية اشياء يفعلها وبعث اليه معاوية بثلاث مائة دينار فقال : إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ قبلتها ، وإن كانت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.وبعث اليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال : أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث الي بمال ؟ وردها.

وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال : يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله ؟

فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهذا الاسراف.فسكت معاوية ، وكان أبوذر يقول : والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه ، والله إني لارى حقا يطفأ ، وباطلا يحيى ، وصادقا يكذب ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه.

فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية : إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة.فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية : أما بعد فاحمل جندبا الي على أغلظ مركب وأوعره فوجه معاوية من ساربه الليل والنهار ، فلما قدم أبوذر المدينة جعل يقول : تستعمل الصبيان ، وتجمي الحمى ، وتقرب أولاد الطلقاء.

فبعث إليه عثمان : ألحق بأي أرض شئت.

فقال : بمكة.

فقال : لا.

قال : فبيت المقدس.

قال : لا.قال : فبأحد المصرين.

قال : لا.ولكني مسيرك إلى الربذة.

فسيره اليها فلم يزل بها حتى مات.

ومن طريق محمد بن سمعان قال لعثمان : إن أبا ذر يقول : إنك أخرجته إلى

 

 

/  ص 294  /

 

الربذة. فقال : سبحان الله ما كان من هذا شيء قط ، واني لاعرف فضله ، وقديم اسلامه وما كنا نعد في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أكل شوكة منه.

ومن طريق كميل بن زياد قال : كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة.

ومن طريق عبدالرزاق عن معمر عن قتادة قال : تكلم أبوذر بشئ كرهه (1) عثمان فكذبه (2) فقال : ما ظننت ان أحدا يكذبني بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله : ما أقلت الغبراء وما أطبقت الخضراء على ذي لهجة اصدق من أبي ذر ، ثم سيره إلى الربذة فكان أبوذر يقول : ما ترك الحق لي صديقا.فلما سار إلى الربذة قال : ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.

قال : وشيع علي ابا ذر فأراد مروان منعه منه فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته ، وجرى بين علي وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان : ما أنت بأفضل عندي منه.وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا.

وقد روي أيضا : انه لما بلغ عثمان موت ابي ذر بالربذة قال : رحمه الله.

فقال عمار بن ياسر : نعم.فرحمه الله من كل أنفسنا.

فقال عثمان : يا عاض أيرأبيه أتراني ندمت على تسييره ؟ " ياتي تمام الحديث في ذكر مواقف عمار ".

ومن طريق ابن حراش الكعبي قال : وجدت ابا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال : ما زالا بي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا.

ومن طريق الاعمش عن ابراهيم التيمي عن أبيه قال : قلت لابى ذر : ما أنزلك الربذة ؟ قال : أنصح لعثمان ومعاوية.

ومن طريق بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال : كان أهلي بالشربة (3) فجلبت غنما لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الراس واللحية قلت.من هذا ؟

قالوا : أبوذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.وإذا هو في حفش (4) ومعه قطعة من غنم فقلت :

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) في رواية الواقدي والمسعودى كما يأتى : انه قال : لسمعت رسول الله يقول: اذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلا الحديث.

 (2) في لفظ الواقدى : قال عثمان : ويلك يا ابا ذر أتكذب على رسول الله ؟.

 (3) الشربة بفتح أوله وثانيه وتشديد الموحدة : موضع بين السليلة والربذة في طريق مكة.

 (4) الحفش بكسر المهملة : البيت الصغير ، أو هو من الشعر.

 

 

/  ص 295  /

 

والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار فقال أخرجت كارها.

فقال بشر بن حوشب : فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبوذر إليها راغبا في سكناها (1) .

وأخرج البخاري في صحيحه من حديث زيد بن وهب قال : مررت بالربذة فقلت لابي ذر : ما أنزلك هذا ؟ قال : كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية : الذين يكنزون الذهب والفضة.فقال : نزلت في أهل الكتاب.فقلت : فينا وفيهم.فكتب يشكوني إلى عثمان فكتب عثمان : إقدم المدينة.فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال : إن شئت تنحيت فكنت قريبا.فذلك الذي أنزلني هذا المنزل.

قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث : وفي رواية الطبري انهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام.وقال بعد قوله : إن شئت تنحيت.في رواية الطبري : تنح قريبا.

قال : والله لن ادع ماكنت اقوله.

ولابن مردويه : لا ادع ما قلت.

وذكر المسعودي أمر أبي ذر بلفظ هذا نصه : إنه حضر مجلس عثمان ذات يوم فقال عثمان : أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره ؟ فقال كعب : لا يا أمير المؤمنين فدفع أبوذر في صدر كعب وقال له : كذبت يا ابن اليهودي ثم تلا : ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المالا على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم اذا عاهدوا.الآية (2) .

فقال عثمان : أترون باسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فنفقه فيما ينوبنا من امورنا ونعطيكموه ؟ فقال كعب : لا باس بذلك.فرفع ابو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال : يا ابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا ؟ فقال له عثمان : ما أكثر أذاك لي غيب وجهك عني فقد آذيتني.فخرج أبوذر إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان : أن أبا ذر تجتمع اليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك ، فإن كان في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) انظر إلى ابن المسيب يكذب أبا ذر لتبرير عثمان من تسييره ولا يكترث لاستلزامه تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله،وسيوافيك البحث عنه.

(2) سورة البقرة: 177.

 

 

/  ص 296  /

 

القوم حاجة فاحمله اليك.فكتب اليه عثمان يحمله فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف ، فقيل له : إنك تموت من ذلك.

فقال : هيهات لن أموت حتى أنفى ، وذكر جوامع ما نزل به بعد ومن يتولى دفنه ، فأحسن اليه في داره أياما ثم دخل اليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء وذكر الخبر في ولد أبي العاص : اذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا.ومر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير وكان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبدالرحمن بن عوف الزهري من المال فنضت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم فقال عثمان : إني لارجو لعبد الرحمن خيرا لانه كان يتصدق ويقري

الضيف وترك ما ترون.

فقال كعب الاحبار : صدقت يا أمير المؤمنين  فشال أبوذر العصا فضرب بها راس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الالم وقال : يا ابن اليهودي  تقول لرجل مات و ترك هذا المال ان الله اعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله بذلك وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا.فقال له عثمان : وارعني وجهك.

فقال : أسير إلى مكة.قال : لا والله.قال : فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت ؟

قال : اي والله.قال : فإلى الشام.قال : لا والله.قال : البصرة.قال : لا والله فاختر غير هذه البلدان.

قال : لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان ، فسيرني حيث شئت من البلاد.

قال : فاني مسيرك إلى الربذة.

قال : الله اكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق.

قال عثمان : وما قال لك ؟

قال : أخبرني بأني امنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز وبعث أبوذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته و قيل ابنته ، وأمر عثمان أن لا يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة ، فلما طلع عن المدينة ومروان يسيره عنها إذ طلع عليه علي بن أبيطالب رضي الله عنه ومعه ابناه وعقيل أخوه وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر فاعترض مروان فقال : يا علي ان امير المؤمنين قد نهى الناس ان يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك.

فحمل عليه علي بن ابي طالب بالسوط بين اذني راحلته وقال : تنح نحاك الله إلى النار :

ومضي مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف ، فلما أرادا الانصراف بكى أبوذر وقال :

 

 

/  ص 297  /

 

رحمكم الله أهل البيت اذا رأيتك يا أبا الحسن  وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب فقال عثمان : يا معشر المسلمين  من يعذرني من علي ، رد رسولي عمار وجهته له وفعل كذا والله لنعطينه حقه.فلما رجع علي استقبله الناس (1) فقالوا : إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر.

فقال علي : غضب الخيل على اللجم.ثم جاء فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان فقال له : ما حملك

على ما صنعت بمروان واجترأت علي ورددت رسولي وأمر ؟ قال : أما مروان فانه استقبلني يردني فرددته عن ردي ؟ وأما أمرك فلم أرده ، قال عثمان : أولم يبلغك اني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه ؟ فقال علي : أو كل ما أمرتنا به من شيء يرى طاعة لله والحق في خلافه اتبعنا فيه امرك ؟ بالله لا نفعل.

قال عثمان : أقد مروان.

قال : وما أقيده ؟

قال : ضربت بين أذني راحلته (2) قال علي : أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل ، وأما أنا فوالله لئن شتمني لاشتمنك أنت مثلها بمالا أكذب فيه ولا أقول إلا حقا.

قال عثمان : ولم لا يشتمك اذا شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه.فغضب علي بن ابي طالب وقال : إلي تقول هذا القول ؟ وبمروان تعدلني ؟ فأنا والله أفضل منك ، وأبي افضل من أبيك ، وأمي افضل من أمك ، وهذه نبلي قد نثلتها وهلم فاقبل بنبلك.فغضب عثمان واحمر وجهه فقام ودخل داره وانصرف علي فاجتمع اليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والانصار ، فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا اليهم عليا وقال : إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني يريد بذل أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما فدخل الناس بينهما وقال له علي : والله ما اردت تشييع أبي ذر إلا لله.

وفي رواية الواقدي من طريق صهبان مولى الاسلميين قال : رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له : أنت الذي فعلت ما فعلت ؟ فقال له أبوذر : نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني.

فقال عثمان : كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد أنغلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) هذه الجملة تعرب عن غيبة الامام عليه السلام عن المدينة المشرفة في تشييع ابى ذر أياما وتقرب ما قاله الاستاذ عبدالحميد جودت السحار المصرى في كتابه (الاشتراكى الزاهد) ص 192 ومضى على ورفائه مع أبى ذر حتى بلغوا الربذة فنزلوا عن رواحلهم وجلسوا يتحدثون.

 (2) في العبارة سقط يظهر من الجواب وسيأتى صحيحها بعيد هذا ان شاء الله.

 

 

/  ص 298  /

 

الشام علينا فقال له أبوذر : إتبع سنة صاحبك لا يكن لاحد عليك كلام.

قال عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك قال أبوذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فغضب عثمان وقال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أو احبسه أو أقتله فانه قد فرق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الاسلام.

فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا وقال : اشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون : فإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.

قال : فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره وأجابه علي بمثله.

قال : ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه فمكث كذلك اياما ثم أمر أن يؤتى به فاتي به فلما وقف بين يديه قال : ويحك يا عثمان  أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك لتبطش بي بطش الجبار فقال : أخرج عنا من بلادنا.

فقال أبوذر : ما أبغض إلي جوارك فإلى أين أخرج ؟ قال : حيث شئت.

قال : فاخرج إلى الشام ارض الجهاد.

قال : إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها ، افأردك اليها ؟ قال : فأخرج إلى العراق.

قال : لا.

قال : ولم ؟ قال : تقدم على قوم أهل شبه وطعن في الامة ؟ قال : فأخرج إلى مصر.

قال : لا.

قال : فإلى أين أخرج ؟

قال : حيث شئت.

قال أبوذر.

فهو إذن التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد فقال عثمان : الشرف الابعد أقصى فالاقصى إمض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة فسر اليها فخرج اليها.

وقال اليعقوبي : وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ويجتمع اليه الناس فيحدث بما فيه الطعن عليه وأنه وقف بباب المسجد فقال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبوذر الغفاري ، أنا جندب بن جنادة الربذي ، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

محمد الصفوة من نوح فالاول من إبراهيم والسلالة من إسماعيل و العترة الهادية من محمد ، إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة ، وكالكعبة المستورة ، أو كالقبلة المنصوبة ، أو كالشمس الضاحية ، أو كالقمر الساري ، أو كالنجوم الهادية ، أو كالشجر الزيتونية اضاء زيتها وبورك زيدها (1) ومحمد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ولعل الصحيح زندها.كما في بعض المصادر.

 

 

/  ص 299  /

 

وارث علم آدم وما فضلت به النبيون إلى أن قال :

وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسنن أبي بكر وعمر فسيره إلى الشام إلى معاوية ، وكان يجلس في المجلس فيقول كما كان يقول ويجتمع اليه الناس حتى كثر من يجتمع اليه ويسمع منه ، وكان يقف على باب دمشق اذا صلى صلاة الصبح فيقول : جاء‌ت القطار تحمل النار ، لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له ، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.

فقال : وكتب معاوية إلى عثمان انك قد افسدت الشام على نفسك بابى ذر فكتب اليه ان احمله على قتب بغير وطاء فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه ، فلما دخل اليه وعنده جماعة قال: بلغنى أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا كملت بنو امية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دغلا ؟

فقال : نعم سمعت رسول الله يقول ذلك.

فقال لهم : أسمعتم رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبيطالب فأتاه فقال : يا أبا الحسن  أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبوذر ؟ وقص عليه الخبر فقال علي : نعم.

قال : فكيف تشهد ؟

قال لقول رسول الله : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل اليه عثمان : والله لتخرجن عنها ،

قال : أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال : نعم وأنفك راغم ،

قال : فإلى مكة ؟

قال : لا.

قال : فإلى البصرة ؟

قال : لا.

قال : فإلى الكوفة ؟

قال : لا.

ولكن إلي الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها.

يا مروان  أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج.فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج علي والحسن والحسين وعبدالله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون فلما رأى أبوذر عليا قام اليه

فقبل يده ثم بكى وقال : إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم اصبر حتى أبكي.فذهب علي يكلمه ، فقال مروان : إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد.فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال : تنح نحاك الله إلى النار.ثم شيعه وكلمه بكلام يطول شرحه ، وتكلم كل رجل من القوم وانصرفوا والنصرف مروان إلى عثمان ، فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلاما.

وأخرج ابن سعد من طريق الاحنف بن قيس قال : أتيت المدينة ثم أتيت الشام

 

 

/  ص 300  /

 

فجمعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خر أهلها يصلى ويخف صلاته.

قال : فجلست إليه فقلت له : يا عبدالله من أنت ؟ قال : أنا ابوذر.فقال لي : فأنت من أنت ؟

قال : قلت أنا الاحنف بن قيس.

قال : قم عني لا أعدك بشر.

فقلت له : كيف تعدني بشر ؟

قال : إن هذا يعني معاوية نادى مناديه ألا يجالسني أحد.

وأخرج أبويعلى من طريق ابن عباس قال : استأذن أبوذر عثمان فقال : إنه يؤذينا فلما دخل قال له عثمان : أنت الذي تزعم انك خير من أبي بكر وعمر ؟

قال : لا ، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده (1) قال : فأمره أن يلحق بالشام وكان يحدثهم ويقول : لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم.

فكتب معاوية إلى عثمان : إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر.فكتب اليه عثمان :

أن اقدم علي فقدم.

راجع الانساب 5 : 5452 ، صحيح البخاري في كتابي الزكاة والتفسير ، طبقات ابن سعد

4 : 168 ، مروج الذهب 1 : 438 ، تاريخ اليعقوبي 2 : 148 ، شرح ابن أبي الحديد

1 : 242240 فتح الباري 3 : 213 ، عمدة القاري 4 : 291.

 

 

كلمة أمير المؤمنين لما أخرج أبوذر إلى الربذة

 

يا ابا ذر إنك غضبت لله فارج من غضبت له ، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب منهم بما خفتهم عليه ، فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عما منعوك ، وستعلم من الرابح غدا ، والاكثر حسدا ، ولو ان السماوات والارضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا ، لا يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوشنك إلا الباطل ، فلو قبلت دنياهم لاحبوك ، ولو قرضت منها لامنوك (2) .

ذكر ابن أبي الحديد في الشرح 2 : 387375 تفصيل قصة أبي ابي ذر ورآه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) حديث العهد أخرجه أحمد في مسنده.

 (2) نهج البلاغة 1 : 247.

 

 

/  ص 301  /

 

مشهورا متضافرا وإليك نصه قال :

واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة أحد الاحداث التي نقمت على عثمان وقد روى هذا الكلام أبوبكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبدالرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما أخرج ابوذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس : أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه ، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه الناس إلا علي بن ابي طالب عليه السلام وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا عليهما السلام وعمارا فانهم خرجوا معه يشييعونه فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر فقال له مروان : أيها يا حسن  الا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فان كنت لا تعلم فاعلم ذل.فحمل علي عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال : تنح نحاك الله إلى النار.فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره الخبر فتلظى على علي عليه السلام ووقف أبوذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هاني بنت ابي طالب قال ذكوان : فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي عليه السلام :

يا أبا ذر  إنك غضبت لله أن القوم خافوك على دنياهم ، وخفتهم على دينك ، فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى القلا ، والله لوكانت السموات والارض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجا ، يا أبا ذر  لا يؤنسنك إلا الحق ، ولا يوحشن إلا الباطل.

ثم قال لاصحابه : ودعوا عمكم.وقال لعقيل : ودع أخاك فتكلم عقيل فقال :

ما عسى ما نقول يا أبا ذر ؟  وأنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا ، فاتق الله فإن التقوى نجاة ، واصبر فان الصبر كرم ، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع ، واستبطاء‌ك العافية من اليأس ، فدع الياس والجزع.

ثم تكلم الحسن فقال : يا عماه لولا انه لا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع ان ينصرف لقصر الكلام وإن طال الاسف ، وقد أتى من القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها ، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض.

ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال : يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى ، الله كل يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما أغناك عما منعوك ، وأحوجهم

 

 

/  ص 302  /

 

إلى ما منعتهم ؟ فاسأل الله الصبر والنصر ، واستعذبه من الجشع والجزع ، فإن الصبر من الدين والكرم ، وإن الجشع لا يقدم رزقا ، والجزع لا يؤخر أجلا.

ثم تكلم عمار مغضبا فقال : لا آنس الله من أوحشك ، ولا آمن من أخافك ، أما و الله لو أردت دنياهم لامنوك ، ولو رضيت أعمالهم لاحبوك ، وما منع الناس ان يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه ، والملك لمن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم ، فخسروا الدنيا والآخرة ، الا ذل هو الخسران المبين.

فبكى أبوذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا وقال : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة  إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله ، مالي بالمدينة سكن ولاشجن ، غيركم ، إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكره أن اجاور اخاه وابن خاله بالمصرين (1) فافسد الناس عليهما فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله ، والله ما اريد إلا الله صاحبا ، وما أخشى مع الله وحشة.

ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي عليه السلام إلى عثمان فقال له : ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي عليه السلام : اما رسولك فأراد ان يرد وجهي فرددته ، و أما أمرك فلم اصغره ،

قال : أما بلغت نهيي عن كلام ابي ذر ؟

قال : أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟

قال عثمان : أقد مروان من نفسك.

قال : م ذا ؟

قال : من شتمه و جذب راحلته.

قال : أما راحلته فراحلتي بها ، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها لا أكذب عليك.

فغضب عثمان وقال : لم لا يشتمك ؟ كأنك خير منه ؟

قال علي : اي والله ومنك.ثم قام فخرج فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والانصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا عليه السلام فقال القوم : أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل.

قال : وددت ذاك.فأتوا عليا عليه السلام فقالوا : لو اعتذرت إلى مروان وأتيته.

فقال : كلا أما مروان فلا آتيه ولا اعتذر منه ، ولكن إن أحب عثمان أتيته.فرجعوا إلى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه فأتاه ومعه بنو هاشم فتكلم علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) يعنى مصر والبصرة ، كان والى مصر عبدالله بن سعيد بن ابي سرح أخا عثمان من الرضاعة وكان على البصرة عبدالله بن عامر ابن خاله كمامر ص 290.

 

 

/  ص 303  /

 

ثم قال : أما ما وجدت علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مساء‌تك ولا الخلاف عليك ولكن أردت به قضاء حقه ، وأما مروان فانه اعترض يريد ردي عن قضاء حق الله عزوجل فرددته ، رد مثلي مثله ، وأما ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فأخرج الغضب مني ما لم أرده.

فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك ، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفى الله عنك ، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق ، فادن يدك.فأخذ يده فضمها إلى صدره ، فلما نهض قالت قريش وبنو امية لمروان :

أأنت رجل جبهك علي وضرب راحلتك ؟ وقد تفانت وائل في ضرع ناقة ، وذبيان و عبس في لطمة فرس ، والاوس والخزرج في نسعة (1) افتحمل لعلي عليه السلام ما أتاه اليك ؟

فقال مروان : والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.

فقال ابن ابي الحديد : واعلم أن الذي عليه أكثر ارباب السيرة وعلماء الاخبار والنقل : ان عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية ، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام ، اصل هذه الواقعة : ان عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الاموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل ابوذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع : بشر الكانزين (2) بعذاب أليم ، ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم.

فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت ثم انه أرسل اليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك فقال أبوذر : أينهاني عثمان عن قراء‌ة كتاب الله تعالى ، وعيب من ترك أمر الله تعالى ؟ فوالله لان ارضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان ، فأغضب عثمان ذلك واحفظ فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله : أيجوز للامام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا ايسر قضى ؟

فقال كعب الاحبار : لا بأس بذلك.

فقال أبوذر : يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟

فقال عثمان : قد كثر اذاك لي وتولعك بأصحابي ، الحق بالشام.

فأخرجه إليها فكان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) النسعة بكسر النون : حبل عريض طويل تشد به الرحال.

 (2) في النسخة : الكافرين.والصحيح ما ذكرناه كما مر عن البلاذري.

 

 

/  ص 304  /

 

أبوذر ينكر على معاوية اشياء يفعلها فبعث اليه معاوية يوما ثلثمائة دينار فقال أبوذر لرسوله :

إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ اقبلها ، وإن كاتنت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.

وردها عليه ، ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبوذر : يا معاوية  إن كانت هذه من مال الله؟ فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك ؟ فهي الاسراف ، وكان أبوذر يقول بالشام ، والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله ، والله إني لارى حقا يطفأ ، وباطلا يحيا ، وصادقا مكذبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه.فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية : إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة.

وروى شيخنا أبوعثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندل الغفاري قال : كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان فجئت اليه يوما اساله عن حال عملي إذ سمعت صارخا على باب داره يقول : أتتكم القطار بحمل النار ، اللهم العن الآمرين بالمعروف والتاركين له ، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.

فازبأر (1) معاوية وتغير لونه وقال : يا جلام  أتعرف الصارخ ؟

فقلت : الله لا.

قال : من عذيري من جندب بن جناده يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم

قال : ادخلوه علي فجئ بأبي ذر قوم يقودونه حتى وقف بين يديه فقال له معاوية :

يا عدو الله وعدو رسوله  تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع ، أما إني لو كنت قاتل رجل من اصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ولكنك استاذن فيك.

قال جلام : وكنت أحب ان ارى أبا ذر لانه رجل من قومي فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب (2) من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء فأقبل على معاوية وقال : ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله ، اظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر ، ولقد لعنك رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عليك مرات أن لا تشبع ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا ولي الامة الاعين (3) الواسع البلعوم الذي يأكل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) ازبأر الرجل ازبئرارا : تهيأ للشر.

 (2) الضرب : الرجل الماضى الندب.

 (3) في لفظ الحديث سقط كما لا يخفى.

 

 

/  ص 305  /

 

ولا يشبع فلتأخذ الامة حذرها منه (1) .فقال معاوية : ما أنا ذاك الرجل.

قال أبوذر : بل أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول وقد مررت به : اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب.وسمعته صلى الله عليه وآله يقو : ل إست معاوية في النار.فضحك معاوية وأمر بحبسه وكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية : أن احمل جندبا الي على أغلظ مركب وأوعره. فوجه به مع من ساربه الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث اليه عثمان : الحق بأي أرض شئت قال : بمكة.

قال : لا.

قال : بيت المقدس.

قال : لا.

قال : بأحد المصرين.

قال : لا ، ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره اليها فلم يزل بها حتى مات.

وفي رواية الواقدي : أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له :

لا أنعم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا

تحية السخط إذا التقينا

فقال أبوذر : ما عرفت إسمي قينا فط. وفي رواية أخرى : لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب. فقال أبوذر : أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبدالله فاخترت اسم رسول لله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على اسمي ، فقال له عثمان : أنت الذي تزعم إنا نقول : يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن اغنياء ؟ فقال أبوذر : لو كنتم لا تقولون هذا ؟ لانفقهم مال الله على عباده ، ولكني اشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : إذا بلغ بنو ابي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، ودينه دخلا.فقال عثمان لمن حضر :

اسمعتوها من رسول الله ؟ قالوا : لا.

قال عثمان : ويلك أبا ذر  أتكذب على رسول الله ؟

فقال أبوذر لمن حضر : أما تدرون اني صدقت ؟

قالوا : لا والله ما ندري.

فقال عثمان : ادعوا لي عليا.

فلما جاء قال عثمان لابي ذر : اقصص عليه حديثك في بني ابي العاص.

فأعاده فقال عثمان لعلي عليه السلام : أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال : لا وقد صدق أبوذر فقال : كيف عرفت صدقه ؟ قال : لاني سمعت رسول الله صلى الله عليه ونله وسلم يقول : ما اظلت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) وفي حديث على عليه السلام : لا يذهب أمر هذه الامة الاعلى رجل واسع السرم ، ضخم البلعوم. ذكره ابن الاثير في النهاية 1 : 112 ، لسان العرب 14 : 322 ، تاج العروس 8 : 206.

 

 

/  ص 306  /

 

الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر.

فقال من حضر : أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله.فقال ابوذر : أحدثكم اني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فتتهموني ؟ ما كنت اظن اني اعيش حتى اسمع هذا من اصحاب محمد صلى الله عليه وآله.

وروى الواقدي في خبر آخر باسناده عن صهبان مولى الاسلميين قال : رأيت ابا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت ؟

فقال أبوذر : نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني قال عثمان : كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد انغلت الشام علينا قال له ابوذر : إتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام فقال عثمان : مالك وذل ؟ لا أم لك.

قال أبوذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر.فغضب عثمان وقال : أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أوأحبسه أو أقتله فانه قد فرق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من ارض الاسلام.

فتكلم علي عليه السلام وكان حاضر فقال : اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون فإن يك كاذبا ؟

فعليه كذبه ، وإن يك صادقا ، يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله يهدي من هو مسرف كذاب.

فأجابه عثمان بجواب غليظ وأجابه علي عليه السلام بمثله ولم نذكر الجوابين تذمما منهما.

قال الواقدي : ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا ابا ذر ويكلموه فمكث كذلك أياما ثم أتي به فوقف بين يديه فقال أبوذر : ويحك يا عثمان  أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل هديك كهديهم ؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار. فقال عثمان : اخرج عنا من بلادنا. فقال ابوذر : ما أبغض إلي جوارك فإلى إين أخرج ؟ قال : حيث شئت. قال : اخرج إلى الشام ارض الجهاد. قال : إنما جلبتك من الشام لما قد افسدتها ، أفاردك اليها ؟ قال : أفأخرج إلى العراق ؟ قال : لا إنك إن تخرج اليها تقدم على قوم أولي شقة وطعن على الائمة والولاة. قال : افاخرج إلى مصر ؟ قال : لا ، قال : فإلى أين أخرج ؟ قال : إلى البادية. قال أبوذر : أصير بعد الهجرة أعرابيا ؟ قال : نعم. قال أبوذر : فأخرج إلى بادية نجد. قال عثمان : بل إلى الشرق الابعد أقصى فأقصى امض على وجهك هذا فلا تعدون الربذة فخرج اليها.

وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة : إن ابا الاسود

 

 

/  ص 307  /

 

الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لاساله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له : ألا تخبرني أخرجت منا المدينة طائعا ؟ أم أخرجت كرها ؟

فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى المدينة فقلت : دار هجرتي وأصحابي ، فاخرجت من المدينة إلى ما ترى ، ثم قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ مر بي عليه السلام فضربني برجله وقال : لا أراك نائما في المسجد.

فقلت : بابي أنت وامي غلبتني عيني فنمت فيه.قال : فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت : إذا الحق بالشام فانهاارض مقدسة وارض الجهاد. قال : فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ قلت : ارجع.إلى المسجد. قال : فكيف تصنع إذا اخرجوك منه ؟ قلت : آخذ سيفي فأضربهم به فقال : الا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.فسمعت وأطعت و أنا أسمع وأطيع ، والله ليلقين الله عثمان وهوآثم في جنبي.

ثم ذكر ابن ابي الحديد الخلاف في أمر أبي ذر وحكى عن ابي علي حديث البخاري الذي اسلفناه ص 295 فقال : ونحن نقول : هذه الاخبار وإن كانت قد رويت لكنها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الاخبار ، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان و حسن الظن بفعله : انه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين فغلب على ظنه ان اخراج ابي ذر إلى الربذة أحسم للشغب وأقطع لاطماع من يشرئب إلى شق العصا ، فأخرجه مراعاة للمصلحة ومثل ذلك يجوز للامام ، هكذا يقول اصحابنا المعتزلة وهو الاليق بمكارم الاخلاق فقد قال الشاعر :

إذا ما أتت من صاحب لك زلة * فكــــن أنت محتالا لزلته عذرا

وإنما يتأول أصحابنا لمن يحتمل حاله التأويل كعثمان ، فاما من لم يحتمل حاله التأويل وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه فانهم لا يتأولون لهم ، إذا كانت أفعالهم وأحوالهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج والاصلاح.انتهي.

من المستصعب جدا التفكيك بين الخليفتين وبين أعمالهما ، فانهما من شجرة واحدة ، وهما في العمل صنوان ، لا يشذ أحدهما عن الآخر ، فتربص حتى حين ، وسنوقفك على جلية الحال.

 

 

/  ص 307  /

 

هلم معى إلى نظارة التنقيب

قال الاميني : هل تعرف موقف ابي ذر الغفاري من الايمان ، وثباته على المبدأ ، ومحله من الفضل ، ومبلغه من العلم ، ومقامه من الصدق ، ومبوأه من الزهد ، ومرتقاه من العظمة ، وخشونته في ذات الله ، ومكانته عند صاحب الرسالة الخاتمة ؟ فإن كنت لا تعرف ؟ فإلى الملتقى.

 

تعبده قبل البعثة. سبقه في الاسلام. ثباته على المبدأ

1- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 ، 161 من طريق عبدالله بن الصامت قال :

قال أبوذر.

صليت قبل الاسلام قبل أن القى رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين.

فقلت : لمن ؟ قال.لله.

فقلت : أين توجه ؟

قال : أتوجه حيث يوجهني الله.

وأخرج من طريق ابي معشر نجيح قال : كان أبوذر يتأله في الجاهلية ويقول :

لا إله إلا الله ، ولا يعبد الاصنام ، فمر عليه رجل من أهل مكة بعد ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا أبا ذر  إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول : لا إله إلا الله.ويزعم انه نبي.وذكر حديث اسلامه ص 164.

وفي صحيح مسلم في المناقب 7 : 153 ، بلفظ ابن سعد الاول ، وفي ص 155 بلفظ : صليت سنتين قبل مبعث النبي ، قال : قلت : فأين كنت توجه ؟

قال : حيث و وجهني الله.

وفي لفظ ابي نعيم في الحلية 1 : 157 : يا ابن أخي صليت قبل الاسلام باربع سنين وذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة 1 : 238.

وفي حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7 : 218 : أخذ أبوبكر بيد ابي ذر وقال : يا أبا ذر  هل كنت تتأله في جاهليتك ؟

قال : نعم لقد رأيتني أقوم عند الشمس فما أزال مصليا حتى يؤذيني حرها فأخر كأني خفاء ، فقال : فأين كنت تتوجه ؟

قال : لا ادري إلا حيث وجهني الله.

2- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 : 161 من طريق ابي ذر قال : كنت في الاسلام خامسا. وفي لفظ أبي عمر وابن الاثير : أسلم بعد أربعة. وفي لفظ آخر.يقال : اسلم بعد ثلاثة. ويقال : بعد اربعة. وفي لفظ الحاكم : كنت ربع الاسلام ، اسلم قبلى ثلاثة نفر

 

 

/  ص 309  /

 

وأنا الرابع. وفي لفظ ابي نعيم : كنت رابع الاسلام ، اسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع.

وفي لفظ المناوي : أنا رابع الاسلام.وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن ابي وضاح البصري : كان اسلام ابي ذر رابعا أو خامسا.

راجع حلية الاولياء 1 : 157 ، مستدرك الحاكم 3 : 342 ، الاستيعاب 1 : 83 ، ج 2 : 664 ، اسد الغابة 5 : 186 ، شرح الجامع الصغير للمناوي 5 : 423 ، الاصابة 4 : 63.

3- أخرج ابن سعد في الطبقات 4 : 161 من طريق ابي ذر قال : كنت أول من حياه صلى الله عليه وآله وسلم بتحية الاسلام فقلت : السلام عليك يا رسول الله  فقال : وعليك ورحمة الله.

وفي لفظ ابي نعيم : انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله حين قضى صلاته فقلت : السلام عليك فقال : وعليك السلام.

وأخرجه مسلم في " المناقب " من الصحيح 7 : 154 ، 155 ، وأبونعيم في " الحلية "

 1 : 159 ، وأبوعمر في " الاستيعاب " 2 : 664.

4- أخرج ابن سعد والشيخان في الصحيحين من طريق ابن عباس واللفظ للاول قال : لما بلغه أن رجلا خرج بمكة يزعم انه نبي ارسل اخاه فقال : إذهب فائتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه.فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إلى ابي ذر فاخبره انه : يامر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الاخلاق فقال أبوذر : ما شفيتني.فخرج أبوذر ومعه شنة فيها ماء‌ه وزاده حتى أتى مكة ففرق أن يسال أحدا عن شيء ولما يلق رسول الله صلى الله عليه وآله فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد فلما اعتم مر به علي فقال : ممن الرجل ؟

قال : رجل من بني غفار.

قال : قم إلى منزلك

قال : فانطلق به إلى منزله ولم يسال واحد منهما صاحبه عن شيء وغدا أبوذر يطلب فلم يلقه وكره أن يسال احدا عنه ، فعاد فنام حتى أمسى فمر به علي فقال : أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء فاصبح اليوم الثالث فأخذ على علي لئن افشى اليه الذي يريد ليكتمن عليه وليسترنه ، ففعل فأخبره انه بلغه خروج هذا الرجل يزعم انه نبي فأرسلت أخي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتيني بما يشفيني من حديثه فجئت بنفسي لالقاه ، فقال له على إني غاد فاتبع أثري

 

 

/  ص 310  /

 

فإني إن رأيت ما أخاف عليك إعتللت بالقيام كأني اهريق الماء فآتيك ، وإن لم أر أحدا فاتبع أثري حتى تدخل حيث ادخل.ففعل حتى دخل على أثر علي على النبي صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلم من ساعته ثم قال : يا نبي الله ما تأمرني ؟

قال : ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري.قال : فقال له : والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد.

قال : فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته : اشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله.

قال : فقال المشركون : صبأ الرجل ، صبأ الرجل ، فضربوه حتى صرع فأتاه العباس فأكب عليه وقال : قتلتم الرجل يا معشر قريش  أنتم تجار وطريقكم على غفار فتريدون أن يقطع الطريق فامسكوا عنه.ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل ذلك ثم ضربوه حتى صرع فأكب عليه العباس وقال لهم مثل ما قال في أول مرة فأمسكوا عنه.

وذكر ابن سعد في حديث اسلامه : ضربه لاسلامه فتية من قريش فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله  أما قريش فلا أدعهم حتى أثأرمنهم ، ضربوني ، فخرج حتى أقام بعسفان وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفر لهم على ثنية غزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط فقال لقومه : لا يمس أحد حبة حتى تقولوا : لا إله إلا الله.فيقولون :

لا إله إلا الله ، ويأخذون الغرائر.

راجع طبقات ابن سعد 4 : 165 ، 166 ، صحيح البخاري كتاب المناقب باب اسلام ابي ذر

6 : 24 ، صحيح مسلم كتاب المناقب 7 : 156 ، دلائل النبوة لابي نعيم 2 : 86 ، حلية الاولياء له 1 : 159 ، مستدرك الحاكم 3 : 338 ، الاستيعاب 2 : 664

وأخرج أبونعيم في الحلية 1 : 158 من طريق ابن عباس عن ابي ذر قال : أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة فعلمني الاسلام وقرأت من القرآن شيئا ، فقلت : يا رسول الله  إني اريد أن أظهر ديني.فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إني أخاف عليك أن تقتل.

قلت : لا بد منه وإن قتلت.

قال : فسكت عني فجئت وقريش حلق يتحدثون في المسجد فقلت أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله.فانتقضت الحلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب أحمر ، وكانوا يرون انهم قد قتلوني فأفقت فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ما بى من الحال فقال لي : ألم أنهك.فقلت : يا رسول الله  كانت حاجة في

 

 

/  ص 311  /

 

نفسي فقضيتها ، فأقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ألحق بقومك فاذا بلغك ظهور فأتني

وأخرج من طريق عبدالله بن الصامت قال : قال لي أبوذر رضي الله عنه : قدمت مكة فقلت : أين الصابئ ؟ فقالوا : الصابئ.فأقبلوا يرمونني بكل عظم وحجر

حتى تركوني مثل النصب الاحمر.

وأخرجه أحمد في " المسند " 5 : 174 بصورة مفصلة ، ومسلم في " المناقب " ، و الطبراني كما في مجمع الزوائد 9 : 329.

 

 

- حديث علمه :

1- أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 5 : 170 طليدن من طريق زاذان سئل علي عن أبي ذر فقال : وعى علما عجز فيه ، وكان شحيحا حريصا على دينه ، حريصا على العلم ، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع ، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلا.

وقال أبوعمر : روى عنه جماعة من الصحابة وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق ، سئل علي عن ابي ذر فقال : ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثم أوكأ فيه فلم يخرج شيئا منه " الاستيعاب 1 : 83 ، ج 2 : 664 ".

وحديث علي عليه السلام ذكره ابن الاثير في أسد الغابة 5 : 186 ، والمناوي في شرح الجامع الصغير 5 : 423 ولفظه : وعاء ملئ علما ثم أوكأ عليه ، وابن حجر في الاصابة 4 : 64 وقال: أخرجه أبوداود بسند جيد.

2- أخرج المحاملي في أماليه والطبراني من طريق ابي ذر قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا مما صبه جبرئيل وميكائيل في صدره إلا وقد صبه في صدري.الحديث.

مجمع الزوائد 9 : 331 ، الاصابة 3 : 484.

قال أبونعيم في الحلية 1 : 156 : العابد الزهيد ، القانت الوحيد ، رابع الاسلام ورافض الازلام قبل نزل الشرع والاحكام ، تعبد قبل الدعوة بالشهور والاعوام ، وأول من حيا الرسول بتحية الاسلام ، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام ، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام ، أول من تكلم في علم البقاء والفناء ، وثبت على المشقة والعناء ، وحفظ العهود والوصايا ، وصبر على المحن والرزايا ، واعتزل مخالطة البرايا ، إلى أن حل بساحة المنايا. أبوذر الغفاري رضي الله عنه.خدم الرسول ، وتعلم الاصول ، ونبذ الفضول.

 

 

/  ص 312  /

 

وفي ص 169 : قال الشيخ رحمه الله تعالى : كان أبوذر رضي الله تعالى عنه للرسول صلى الله عليه وآله ملازما وجليسا ، وعلى مسائلته والاقتباس منه حريصا ، وللقيام على ما استفاد منه أنيسا ، ساله عن الاصول والفروع ، وسأله عن الايمان والاحسان ، وسأله عن رؤية ربه تعالى ، وسأله عن أحب الكلام إلى الله تعالى ، وساله عن ليلة القدر أترفع مع الانبياء أم تبقى ؟ وسأله عن كل شيء حتى مس الحصى في الصلاة.

ثم أخرج من طريق عبدالرحمن بن ابي ليلى عن ابي ذر قال : سالت رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل شيئ حتى سألته عن مس الحصى.

فقال : مسه مرة أودع.

وأخرج أحمد في " مسند " 5 : 163 عن أبي ذر قال : سألت النبي صلى الله عليه وآله عن كل شيء حتى سألته عن مسح الحصي فقال : واحدة أودع.

وقال ابن حجر في الاصابة 4 : 64 : كان يوازي ابن مسعود في العلم.

 

- حديث صدقه وزهده  :

1- أخرج ابن سعد والترمذي من طريق عبدالله بن عمرو بن العاص ، وعبدالله بن عمر ، وابي الدرداء مرفوعا : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء اصدق من أبي ذر.

وأخرج الترمذي بلفظ : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة اصدق ولا أوفى من أبي ذر ، شبه عيسى بن مريم.فقال عمر بن الخطاب كالحاسد : يا رسول الله  افتعرف ذلك له ؟ قال : نعم فاعرفوه.

وفي لفظ الحاكم.ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أو في من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم.فقام عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله  فنعرف ذلك له ؟ قال : نعم فاعرفوه له.

وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبدالله بن عمرو : ما اظلت الخضراء ، ولا أقلت الغبراء بعد النبيين اصدق من ابي ذر.

وفي لفظ أبي نعيم من ريق ابي ذر : ما تظل الخضراء ولا تقل الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر شبيه إبن مريم.

وفي لفظ ابن سعد من طريق ابي هريرة : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من ابي ذر ، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.

 

 

/  ص 313  /

 

وفي لفظ لابي نعيم : أشبه الناس بعيسى نسكا وزهدا وبرا.

وفي لفظ من طريق الهجنع بن قيس : ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من ابي ذر ثم رجل بعدي ، من سره أن ينظر إلى عيسى بن مريم زهدا وسمتا فلينظر إلى ابي ذر.

وفي لفظ من طريق علي عليه السلام : ما اظلت الخضراء ولا اقلت الغبراء من ذي لهجة

أصدق من أبي ذر ، يطلب شيئا من الزهد عجز عنه الناس.

وفي لفظ من طريق ابي هريرة : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر ، فإذا أردتم أن تنظروا إلى اشبه الناس بعيسى بن مريم هديا وبرا ونسكا فعليكم به.

وفي لفظ من طريق أبي الدرداء : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من ابي ذر.

وفي لفظ ابن سعد من طريق مالك بن دينار : ما اظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة اصدق من ابي ذر ، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.

أخرجه على اختلاف الفاظه.ابن سعد ، الترمذي ، ابن ماجة ، احمد ، ابن أبي شيبة ، ابن جرير ، ابوعمر ، ابونعيم ، البغوي ، الحاكم ، ابن عساكر ، الطبراني ، ابن الجوزي.

راجع طبقات ابن سعد 4 : 167 ، 168 ط ليدن ، صحيح الترمذي 2 : 221 ، سنن ابن ماجة 1 : 68 ، مسند احمد 2 : 163 ، 175 ، 223 ، ج 5 : 197 ، ج 6 : 442 ، مستدرك الحاكم 3 : 342 صححه واقره الذهبي ، وج 4 : 480 صححه ايضا واقره الذهبي ، مصابيح السنة

2 : 228 ، صفة الصفوة 1 240 ، الاستيعاب 1 : 84 ، تمييز الطيب لابن الديبع ص 137 ، مجمع الزوائد 9 : 329 ، الاصابة لابن حجر 3 : 622 ، وج 4 : 64 ، الجامع الصغير للسيوطي من عدة طرق ، شرح الجامع الصغير للمناوي 5 : 423 فقال : قال الذهبي : سنده جيد وقال الهيثمي : رجال احمد وثقوا وفي بعضهم خلاف ، كنز العمال 6 : 169 ، وج 8 : وج 8 : 1715.

2- اخرج الترمذي في صحيحه 2 : 221 مرفوعا : أبوذر يمشي في الارض بزهد عيسى بن مريم.

 

 

/  ص 314  /

 

وفي لفظ أبي عمر في " الاستيعاب " 2 : 664 : أبوذر في امتي على زهد عيسى بن مريم وفي ص 84 من ج 1 : أبوذر في امتي شبيه عيسى بن مريم في زهده.وبلفظ : من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى ابي ذر.

وذكره ابن الاثير في اسد الغابة 5 : 186 بلفظ ابي عمر الاول.

3- اخرج الطبراني مرفوعا : من أحب أن ينظر إلى المسيح عيسى بن مريم إلى برده وصدقه وجده فلينظر إلى ابي ذر.

كنز العمال 6 : 169.مجمع الزوائد 9 : 330.

4- أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا : من سره أن ينظر إلى شبه عيسى خلقا وخلقا فلينظر إلى ابي ذر.

مجمع الزوائد 9 : 330 ، كنز العمال 6 : 169.

5- أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا : إن أبا ذر ليباري عيسى بن مريم في عبادته.كنز العمال 6 : 169.

 

- حديث فضله :

1- عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله : إن الله عزوجل امرني بحب أربعة وأخبرني انه يحبهم : علي وأبوذر والمقداد وسلمان.

اخرجه الترمذي في صحيحه 2 : 213 ، وابن ماجة في سننه 1 : 66 ، والحاكم في المستدرك 3 : 130 وصححه ، وأبونعيم في الحلية 1 : 172 ، وأبوعمر في الاستيعاب 2 : 557 ، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه وأقر تصحيحه المناوي في شرح الجامع 2 : 215 ، وابن حجر في الاصابة 3 : 455 ، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة : الظاهر انه أمر ايجاب ويحتمل الندب ، وعلى الوجهين فما امر به النبي صلى الله عليه وآله فقد أمر به امته ، فينبغي للناس أن يحبوا هؤلاء الاربعة خصوصا.

2- أخرج ابن هشام في السيرة 4 : 179 مرفوعا : رحم الله ابا ذر يمشي وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده.

وأخرج ابن هشام في السيرة ، وابن سعدفي الطبقات الكبرى 4 : 170 في حديث دفنه قال : فاستهل عبدالله بن مسعود يبكي ويقول : صدق رسول الله : تمشي وحدك ،

 

 

/  ص 315  /

 

وتموت وحدك ، وتبعث وحدك.

وذكره أبوعمر في " الاستيعاب " 1 : 83 ، وابن الاثير في " اسد الغابة " 5 : 188 ، وابن حجر في " الاصابة " 4 : 164.

3- أخرج البزار من طريق انس بن مالك مرفوعا : الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وابي ذر.

ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 330 فقال : إسناده حسن.

4- أخرج ابويعلى من طريق الحسين بن علي قال : أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد  إن الله يحب من إصحابك ثلاثة فأحبهم : علي بن أبي طالب ، وأبوذر ، والمقداد

بن الاسود.مجمع الزوائد 9 : 330.

5- أخرج الطبري من طريق أبي الدرداء انه ذكر أبا ذر فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد.كنز العمال 8 : 15.

وأخرج احمد في المسند 5 : 197 من طريق عبدالرحمن بن غنم قال : إنه زار أبا الدرداء بحمص فمكث عنده ليالي وأمر بحماره فأوكف فقال أبوالدرداء : ما أراني إلا متبعك فأمر بحماره فاسرج فسارا جميعا على حماريهما فلقيا رجلا شهد الجمعة بالامس عند معاوية بالجابية فعرفهما الرجل ولم يعرفاه فأخبرهما خبر الناس ، ثم إن الرجل قال : وخبر آخر كرهت أن أخبر كما أراكما تكرهانه.فقال أبوالدرداء : فلعل أباذر نفي ؟ قال : نعم والله ، فاسترجع أبوالدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات ثم قال : أبو الدرداء : إرتقبهم واصطبر.كما قيل لاصحاب الناقة ، اللهم إن كذبوا أبا ذر فاني لا أكذبه ، أللهم وإن اتهموه فاني لا أتهمه ، اللهم وإن استغشوه فاني لا استغشه ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا ، ويسر إليه حين لا يسر إلى احد ، أما و الذي نفس ابي الدرداء بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما ابغضه بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : ما اظلت الخضراء.الحديث.

وأخرجه الحاكم ملخصا في المستدرك 3 344 وصححه وقال الذهبي : سند جيد.

 

 

/  ص 316  /

 

6- من طريق ابن الحارث عن أبي الدرداء انه قال وذكرت له أبا ذر : والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليدنيه دوننا إذا حضر ، ويتفقده إذا غاب ، ولقد علمت انه قال : ما تحمل الغبراء ولا تظل الخضراء للبشر بقول أصدق لهجة من أبي ذر.

كنز العمال 8 : 15 ، مجمع الزوائد 9 : 330 ، الاصابة 4 : 63 ، نقلا عن الطبراني لفظه : كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبتدئ أبا ذر إذا حضر ويتفقده إذا غاب.

7- أخرج أحمد في مسنده 5 : 181 من طريق ابي الاسود الدؤلي انه قال : رأيت اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فما رأيت لابي ذر شبيها.

وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 331.

8- روى شهاب الدين الابشيهي في المستطرف 1 : 166 قال : مر أبوذر على النبي صلى الله عليه وآله ومعه جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي فلم يسلم فقال جبريل : هذا أبوذر لو سلم لرددنا عليه.

فقال : أتعرفه يا جبريل ؟

قال : والذي بعثك بالحق نبيا لهو في ملكوت السماوات السبع اشهر منه في الارض قال : بم نال هذه المنزلة ؟

قال : بزهده في هذه الحطام الفانية.

وذكره الزمخشري في ربيع الابرار باب 23.

عهد النبي الاعظم إلى ابي ذر

1- أخرج الحاكم في " المستدرك " 3 : 343 من طريق صححه عن ابي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر  كيف أنت إذا كنت في حثالة ؟ وشبك بين اصابعه ، قلت : يا رسول الله  فما تأمرني ؟

قال : اصبر اصبر اصبر ، خالقوا الناس بأخلاقهم ، وخالفوهم في أعمالهم.

2- أخرج ابونعيم في الحلية 1.162 من طريق سلمة بن الاكوع عن أبي ذر رضي الله عنه قال: بينا أنا واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي : يا أبا ذر  أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي. قلت : في الله ؟ قال : في الله. قلت : مرحبا بأمر الله.

3- اخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 4 ص 166 ط ليدن من طريق ابي ذر قال : قال البني صلى الله عليه وآله : يا أبا ذر  كيف أنت إذا كانت عليك امراء يستأثرون بالفئ ؟ قال : قلت : إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى الحق به.فقال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ اصبر حتى تلقاني.

 

 

/  ص 317  /

 

وفي لفظ احمد وابي داود : كيف أنت وائمة من بعدي تستأثرون بهذا الفئ ؟

قال : قلت : إذا والذي بعثك بالحق اضع سيفى على عاتقي ثم اضرب به حتى ألقاك ؟ أو : الحق بك.

قال : أولا ادلك على ما هو خير من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني

وفي لفظ : كيف انت عند ولاة يستأثرون بهذا الفئ ؟.

مسند احمد 5 : 180 ، سنن ابي داود 2 : 282 ، لاحمد طريقان كلاهما صحيحان رجالهما كلهم ثقات ، وهم :

1- يحيى بن آدم ، مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.

2- زهير بن معاوية الكوفي ، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

3- يحيى بن أبي بكير الكوفي مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.

4- مطرف بن طريف ، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

5- ابوالجهم سليمان بن الجهم الحارثي تابعي لا خلاف في ثقته.

6- خالد بن وهبان ، تابعى ثقة.

4- أخرج أحمد في المسند 5 : 178 من طريق ابي السليل في حديث عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : يا أبا ذر  كيف تصنع إن اخرجت من المدينة ؟

قال : قلت : إلى السعة والدعة انطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة.

قال : كيف تصنع إن اخرجت من مكة ؟

قال : قلت : إلى السعة والدعة إلى الشام والارض المقدسة.

قال : وكيف تصنع إن أخرجت من الشام ؟

قال : إذا والذي بعثك بالحق اضع سيفي على عاتقي

قال : أو خير من ذلك ؟

قال : قلت : أو خير من ذلك ؟

قال : تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا.

رجال الاسناد كلهم ثقات وهم :

1- يزيد بن هارون بن وادي.مجمع على ثقته من رجال الصحيحين.

2- كهمس بن الحسن البصري.ثقة من رجال الصحيحين.

3- ابوالسليل ضريب بن نقير البصري.ثقة من رجال مسلم والصحاح الاربعة غير البخاري.

وفي لفظ : كيف تصنع إذا خرجت منه ؟ اي المسجد النبوي.قال : آتي الشام.

 

 

/  ص 318  /

 

قال : كيف تصنع اذا خرجت منها ؟

قال : أعود اليه اي المسجد.قال : كيف تصنع إذا خرجت منه ؟

قال : اضرب بسيفي.قال : ادلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا ؟

قال : تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك.

فتح الباري 3 : 213 ، عمدة القاري 4 : 291.

5- اخرج الواقدي من طريق ابي الاسود الدؤلي قال : كنت احب لقاء ابي ذر لاساله عن سبب خروجه فنزلت الربذة فقلت له : الا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا ، أم خرجت مكرها ؟ فقال : كنت في ثغر من ثغور المسلمين اغنى عنهم فاخرجت إلى مدينة الرسول عليه السلام فقلت : اصحابي ودار هجرتي فأخرجت منها إلى ما ترى ثم

قال : بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله فضربني برجله وقال : لا اراك نائما في المسجد فقلت : بأبي أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه فقال : كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ فقلت : إذن الحق بالشام فانها ارض مقدسة وارض بقية الاسلام وارض الجهاد

فقال : فكيف تصنع اذا اخرجت منها ؟ فقلت : ارجع إلى المسجد قال : فكيف تصنع اذا اخرجوك منه ؟ قلت : إذن آخذ سيفي فأضرب به فقال صلى الله عليه وآله : الا أدلك على خير

من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.فسمعت واطع وأنا اسمع وأطيع والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي.شرح ابن ابي الحديد 1 : 241.

وبهذا الطريق واللفظ اخرجه احمد في المسند 5 : 156 والاسناد صحيح رجاله كلهم ثقات وهم :

1- علي بن عبدالله المديني ، وثقه جماعة وقال النسائي : ثقة مأمون احد الائمة في الحديث.

2-  معمر بن سليمان أبومحمد البصري ، متفق على ثقته من رجال الصحاح است

3- داود بن ابي الهند أبومحمد البصري ، مجمع على ثقته من رجال الصحاح غير البخاري وهو يروي عنه في التاريخ من دون غمز فيه.

4- أبوالحرب بن الاسود الدؤلي ، ثقة من رجال مسلم.

5- أبو الاسود الدؤلي ، تابعي متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

6- مر في ص 296 في حديث تسيير أبي ذر : قال " عثمان " : فاني مسيرك

 

 

/  ص 319  /

 

إلى الربذة. قال " أبوذر " الله اكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق قال عثمان : وما قال لك ؟ قال : أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة. الحديث :

 

 

هذا أبوذر

وفضايله وفواضله وعلمه وتقواه وإسلامه وإيمانه ومكارمه وكرائمه ونفسياته وملكاته الفاضلة وسابقته ولاحقته وبدء أمره ومنتهاه ، فأيا منها كان ينقمه الخليفة عليها فطفق يعاقبه ويطارده من معتقل إلى منفي ، ويستجلبه على قتب بغير وطاء ، يطير مركبه خمسة من الصقالبة الاشداء حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن افخاذه وكاد أن يتلف ، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتى سالت نفسه في منفاه الاخير " الربذة " على غير ماء ولا كلاء يلفحه حر الهجير ، وليس له من ولي حميم يمرضه ، ولا أحد من قومه يواري جثمانه الطاهر ، مات رحمه الله وحده ، وسيحشر وحده كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوله بتلكم الفضائل ، والله سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم ، فانظر لمن الفلج يومئذ.

لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامته ومن إزدلف اليه ممن يجري مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأوابي ذر في السوابق والفضائل ، ولا يشق له غبارا في أكرومة ، فماذا الذي أخر أبا ذر عنهم حتى قطعوا عنه عطائه الجاري ؟ ومنعوه الحظوة بشئ من الدعة ، واجفلوه عن عقر داره وجوار النبي الاعظم ، وضاقت عليه الارض بما رحبت ، ولماذا نودي عليه في الشام ان لا يجالسه احد (1) ؟ ولماذا يفر الناس منه في المدينة ؟ ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلموه ؟ ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلمه ؟ فلم يحل ذلك الصحابي العظيم إلا محلا وعرا ، ولم يرتحل الا إلى متبوأ الارهاب كأنما خلق أبوذر للعقوبة فحسب ، وهو من عرفته الاحاديث التي ذكرناها ، وقصته لعمر الله وصمة على الاسلام وعلى خليفته لا تنسى مع الابد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168.

 

 

/  ص 320  /

 

نعم إن أبا ذر ينقم ما كان مطردا عند ذاك من السرف في العطاء من دون اي كفائة في المعطى (بالفتح) ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك وفي كلما يخالف السنة الشريفة وإضطهاد اهل السوابق من الامة بيد امراء البيت الاموي رجال العيث والعبث ، وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقر على تلكم الاعمال ، فرأوا أن في الاصاخة إلى قيل ابي ذر وشاكلته من صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقره ، أو أن مهملجة الجشع الذين حصلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم إن وعى واع إلى هتافه ، فتألبوا عليه واغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوعة حتى وقع ما وقع ، والخليفة أسير هوى قومه ، ومسير بشهواتهم ، مدفوع بحب بني ابيه وإن كانوا من الشجرة المنعوتة في القرآن.

وما كان ابوذر يمنعهم عن جلب الثروة من حقها ، ولا يبغي سلب السلطة عمن ملك شيئا ملكا مشروعا ، لكنه كان ينقم اهل الاثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين ، وخضمهم مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ، وما كان يتحرى إلا ما أراد الله سبحانه بقوله عز من قائل : والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم ، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله في الجهات المالية.

أخرج أحمد في مسنده 5 : 164 ، 176 من طريق الاحنف بن قيس قال : كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه قال : قلت : من أنت ؟ قال : أنا أبوذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قال : قلت : ما يفر الناس منك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله.

وفي لفظ مسلم في صحيحه 3 : 77 قال الاحنف بن قيس : كنت في نفر من قريش فمر ابوذر رضي الله عنه وهو يقول : بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم ، وبكي من أقفيتهم بخرج من جباههم قال : ثم تنحى فقعد إلى سارية فقلت : من هذا ؟

قالوا : هذا أبوذر فقمت اليه فقلت : ما شيء سمعتك تقول قبيل ؟ قال : ما قلت إ شيئا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وآله قال : قلت : ما تقول في هذا العطاء ؟ قال : خذه فان فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه." سنن البيهقي 6 : 359 ".

وأخرج أبونعيم في الحلية 1 : 162 من طريق سفيان بن عيينة باسناده عن أبي ذر

 

 

/  ص 321  /

 

قال : إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل ، ولبطن الارض أحب إلي من ظهرها ،

وللفقر أحب إلي من الغنى ، فقال له رجل : يا ابا ذر  مالك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز.

وفي فتح الباري 3 : 213 نقلا عن غيره : الصحيح ان انكار ابي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لانفسهم ولا ينفقونه في وجهه.وتعقبه النووي بالابطال لان السلاطين حينئذ كانوا مثل ابي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا.ا ه‍.

وفي هذا التعقيب تدجيل ظاهر فان يوم هتاف ابي ذر بمناويه لم يكن العهد لابي بكر وعمر ، وإنما كان ذلك يوم عثمان المخالف لهما في السيرة مخالفة واضحة ، والمبائن للسيرة النبوية في كل ما ذكرناه ، ولذلك كله كان سلام الله عليه ساكتا عن هتافه في العهدين وكان يقول لعثمان : ويحك يا عثمان  أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟

ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك تبطش بي بطش الجبار.ويقول : إتبع سنة صاحبيك لا يكن لاحد عليك كلام.راجع ص 298 و 306.

ولم يكن لابي ذر منتدح من نداء‌ه والدعوة إلى المعروف الضايع ، والنهي عن المنكر الشايع وهو يتلو آناء الليل واطراف النهار قوله تعالى : ولتكن منكم امة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون (1) .

قال ابن خراش : وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال : ما زال بي الامر بالمعروف والنهي

عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا (2) .

وكان ينكر مع ذلك على معاوية المتخذ شناشن الاكاسرة والقياصرة بالترفه والتوسع والاستيثار بالاموال وكان في العهد النبوي صعلوكا لا مال له ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وآله (3)

وفي لفظ : ان معاوية ترب خفيف الحال (4)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سورة آل عمران 104.

 (2) الانساب 5 : 55 ، ومر مثله من طريق آخر ص 301.

 (3) صحيح مسلم كتاب النكاح والطلاق4: 195،سنن النسائي 6 : 75 ، سنن البيهقي 7 : 135.

 (4) صحيح مسلم 4 : 199.

 

 

/  ص 322  /

 

فما واجب أبي ذر عندئذ ؟ وقد أمره النبي الاعظم في حديث (1) السبعة التي أوصاه بها ، بأن يقول الحق وإن كان مرا ، وأمره بأن لا يخاف في الله لومة لائم.وما الذي يجديه قول عثمان : مالك وذلك ؟ لا أم لك ؟ ولابي ذر أن يقول له كما قال : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولم تكن لما رفع به أبوذر عقيرته جدة ليس لها سلف من العهد النبوي ، فلم يهتف إلا بما تعلمه من الكتاب والسنة ، وقد أخذه من الصادع الكريم من فلق فيه ، ولم يكن صلى الله عليه وآله يسلب ثروة احد من أصحابه وكان فيهم تجار وملاك ذوويسار ، ولم يأخذ منهم زيادة على ما عليهم من الحقوق الالهية ، وعلى حذوه حذا أبوذر في الدعوة والتبليغ.

كان صلى الله عليه وآله أخبره بما يجري عليه من البلاء والعناء وما يصنع به من طرده من الحواضر الاسلامية : مكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة.ووصفه عند ذلك بالصلاح وأمره بالصبر وأن ما يصيبه في الله ، فقال أبوذر : مرحبا بأمر الله.فصلاح ابي ذر يمنعه عن الامر بخلاف السنة بما يخل نظام المجتمع ، وكون بلاء‌ه في الله يابي ان يكون ماجر اليه ذلك البلاء غير مشروع.

وإن كان ذلك خلاف الصالح العام ولم تكن فيه مرضاة الله ورسوله لوجب عليه صلى الله عليه وآله ان ينهاه عما سينوء به من الانكار وهو يعلم أن تلك الدعوة تجر عليه الاذى والبلاء الفادح ، وتشوه سمعة خليفة المسلمين ، وتسود صحيفة تاريخه ، وتبقى وصمة عليه مع الابد.

وما كانت الشريعة السمحاء تأتي بذلك الحكم الشاق الذي اتهم به ابو ذر ، ولم يكن قط يقصده وهو شبيه عيسى في امة محمد صلى الله عليه وآله زهدا ونسكا وبرا وهديا وصدقا وجدا وخلقا.

هكذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله غير ان عثمان قال لما غضب عليه : اشيروا علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) اخرجه ابن سعد في الطبقات 164 من طريق عبادة بن الصامت عن ابي ذر قال : اوصانى خليلى بسبع : بحب المساكين والدنو منهم.وأمرني ان انظر إلى من هو دونى ولا انظر إلى من هو فوقى.وامرنى ان لا اسال احدا شيئا.وامرنى ان اصل الرحم وان ادبرت.وامرنى ان اقول الحق وان كان مرا.وامرنى ان لا اخاف لومة لائم.وامرنى ان اكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله.فانهن من كنز تحت العرش.

 

 

/  ص 323  /

 

في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أوأحبسه أو اقتله.وكذبه حين رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث بني العاص ، عجبا هذا جزاء من نصح لله ورسوله وبلغ عنهما صادقا ؟ لاها الله هذا ادب يخص بالخليفة.واعجب من هذا جواب عثمان لمولانا أمير المؤمنين لما دافع عن ابي ذر بقوله : اشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون.اجابه بجواب غليظ أخفاه الواقدي وما أحب أن يذكره ونحن ولن وقفنا عليه من طريق آخر لكن ننزه الكتاب عن ذكره.

وقد تجهم عثمان مرة اخرى امام المؤمنين عليه السلام بكلام فظ لما شيع هو و ولداه السبطان ابا ذر في سبيله إلى المنفى ومروان يراقبه وقد مر تفصيله ص 294 ، 297 وفيه قوله لعلي عليه السلام : ما أنت بأفضل عندي من مروان.

إن من هوان الدنيا على الله ان يقع التفاضل بين علي ومروان الوزغ ابن الوزغ اللعين ابن اللعين ، انا لا أدري هل كان الخليفة في معزل عن النصوص النبوية في مروان ؟ أو لم يكن مروان ونزعاته الفاسدة بمرأى منه ومسمع ؟ أو القرابة والرحم بعثته إلى الاغضاء عنها فرأى ابن الحكم عدلا لمن طهره الجليل ورآه نفس النبي الاعظم في الذكر الحكيم.كبرت كلمة تخرج من أفواهم..

افحكم

الجاهلية يبغون ؟

ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟