فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 ( لفت نظر ):

وضعت يد الامانة الخائنة على ودائع الاسلام المقدس هذه الرواية تجاه ماصح عن النبي الاقدس في صنوه الطاهر أميرالمؤمنين في حديث طويل عن ابن عباس من قوله صلى الله عليه واله وسلم لعلي عليه السلام: أنت وليي في الدنيا والآخرة.

أخرجه أحمد في مسنده 1: 331 باسناد صحيح رجاله كلهم ثقات كمامر الايعاز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة الزمر: 28.

( 2 ) راجع مامر في هذاالجزء ص 174.

 

 

 /  ص 301 /

 

إليه في الجزء الاول ص 50، وفي الجزء الثالث ص 195 ط 2، رجاله:

1 ـ يحيى بن حماد أبوبكر البصري، أحد رجال الصحيحين، وثقه ابن سعد و أبوحاتم وابن حبان والعجلي.

2 ـ أبوعوانة الوضاح اليشكري، من رجال الصحيحين. وثقه أبوزرعة وأبو حاتم وأحمد وابن حبان وابن سعد والعجلي وابن شاهين. وقال ابن عبدالبر: أجمعوا على انه ثقة ثبت حجة

3 ـ أبوبلج يحيى بن سليم الواسطي. وثقه ابن معين وابن سعد والنسائي و الدار قطني وابن حبان وأبوالفتح الازدي.

4 ـ عمرو بن ميمون أبوعبدالله الكوفي، أدرك الجاهلية ولم يلق النبي صلى الله عليه واله وسلم

وثقه العجلي وابن معين والنسائي وغيرهم. عن ابن عباس.

وأخرجه جمع من الحفاظ وذكره غير واحد من المؤلفين ومنهم.

1 ـ الحافظ أبوعبدالرحمن النسائي المتوفى 303 في الخصائص ص 7.

2 ـ القاسم الطبراني " 360 كما في الفرايد والمجمع وغيرهما

3 ـ يعلى النيسابوري " 374 كما في البداية والنهاية.

4 ـ عبدالله الحاكم " 405 في المستدرك 3: 132 وصححه

5 ـ بكر البيهقي " 458 كما في المناقب للخوارزمي.

6 ـ أخطب خوارزم أبوالمؤيد " 568 في المناقب ص 75.

7 ـ الحافظ أبوالقاسم ابن عساكر " 571 في الاربعين الطوال والموافقات

8 ـ بوعبدالله الكنجي " 658 في كفاية الطالب ص 115.

9 ـ المحب الطبري " 694 في الرياض النضرة 2: 203، ذخائر العقبى ص 87.

10 ـ شيخ الاسلام الحموئي " 722 في فرائد السمطين.

11 ـ الحافظ ابن كثير الدمشقي " 774 في البداية والنهاية 7: 337.

12 ـ أبوالحسن الهيثمي " 807 في مجمع الزوائد 9: 108 وصححه من طريق أحمد.

 

 

 /  ص 302 /

 

13 ـ الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى 852 في الاصابة 2: 509.

14 ـ أبوحامد محمود الصالحاني كما في ( توضيح الدلائل ) لشهاب الدين أحمد.

15 ـ السيد شهاب الدين أحمد في ( توضيح الدلائل على ترجيح الفضائل )

16 ـ الشيخ أحمد بن الفضل باكثير المتوفى 1042 في وسيلة المآل.

17 ـ ميرزا محمد البدخشاني المتوفى 1123 في نزل الابرار ص 16 ومفتاح النجا

18 ـ شاه ولي الله الهندي المتوفى 1126 في إزالة الخفا 2: 261.

19 ـ الامير محمد بن اسماعيل اليمني الصنعاني في الروضة الندية.

20 ـ المولوي ولي الله الهندي المتوفى 1270 في مرآة المؤمنين. وغيرهم

هذا ما صح عن النبي الاعظم من قوله: أنت وليي في الدنيا والآخرة.

فبدل الذين ظلموا منهم قولا غيرالذي قيل لهم.

12 ـ أخرج البزار من طريق خارجة بن مصعب عن عبدالله بن عبيد الحميري البصري عن أبيه قال: كنت عند عثمان حين حصر فقال: هاهنا طلحة ؟ فقال طلحة: نعم.

فقال: انشدتك الله أما علمت أنا كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه فأخذت بيد فلان، وأخذ فلان بيد فلان، حتى أخذ كل رجل بيد صاحبه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي وقال: هذا جليسي في الدنيا ووليي في الآخرة ؟ قال: أللهم نعم.

وذكره ابن حجر في فتح الباري 5. 315 عن ابن منده من طريق عبيد الحميري المذكور ساكتا عما في إسناده من العلة، كأنه ليس هو الذي حكى تلكم الآراء الواردة في جرح خارجة بن مصعب عن الحفاظ وأئمة الجرح والتعديل قال في تهذيب التهذيب 3: 78

قال الاثرم عن أحمد: لا يكتب حديثه. وقال عبدالله بن أحمد: نهاني أبي أن أكتب عنه شيئا من الحديث. وقال الدوري ومعاوية وعباس عن ابن نمير: ليس بثقة، ليس بشئ، كذاب، ضعيف. وقال ابن معين: ليس بشئ. وقال يحيى بن يحيى: يدلس وقال النسائي: متروك الاحاديث، ليس بثقة، ضعيف. وقال ابن سعد: إتقى الناس حديثه فتركوه. وقال ابن خراش وأبوأحمد: متروك الحديث. وقال الدار قطني: ضعيف. وقال يعقوب: ضعيف الحديث عند جميع أصحابنا. وقال ابن المديني: هو عندنا ضعيف

 

 

 /  ص 303 /

 

وقال أبوداود: ضعيف ليس بشئ. وقال ابن حبان: وقع في حديثه الموضوعات عن الاثبات لا يجوز الاحتجاج بخبره. وذكره ابن الجارود والعقيلي وابن السكن وأبوزرعة وأبوالعرب وغيرهم في الضعفاء.

وقال السيوطي في اللئالي 1: 317: قال ابن حبان: خارجة يدلس عن الكذابين ووقع في حديثه الموضوعات.

ولعلنا أو قفناك على مقياس صحيح في أمثال هذه الرواية في ذيل الروايتين اللتين تشبهانها قبيل هذا، فإنك إذن لا تجد مقيلا لها من الصحة والاعتبار نظراإلى متنها قبل أن تقف على ضعف إسنادها، فدعها ومر بها كريما، وذرالوضاعين في غلوائهم يرمون القول على عواهنه

ولو كان طلحة سمع هذه المزعمة منه صلى الله عليه وآله واعتراف بها يوم الحصار في ملا

الصحابة لما كان يأخذ بخناق الرجل ويشدد عليه، وما كان يثير عليه نقع الفتن حتى يورده مورد المنية، ولم يك يمنع عنه ايصال الماء إليه، ولم يرض بانهاء أمره إلى القتل الذريع، ولم يرضه دفنه في مقابر اليهود.

لو كان طلحة يعرف شيئا من هذه الرواية لما استسهل ركوب ذلك المركب الصعب الجمو ح وهو صحابي عادل أحد العشرة المبشرة كما يحسبون.

13 ـ أخرج ابن ماجة في سننه 1: 53 عن أبي مروان محمد بن عثمان الاموي العثماني عن أبيه عثمان بن خالد حفيد عثمان بن عفان عن عبدالرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الاعرج عن أبي هريرة: ان النبي صلى الله عليه وسلم لقي عثمان عند باب المسجد فقال:

يا عثمان ! هذا جبريل أخبرني إن الله قد زوجك ام كلثوم بمثل صداق رقية على مثل صحبتها. ورواه ابن عساكر كما في تاريخ ابن كثير 7: 211.

قال الاميني: أسلفنا فيما مر صفحة 290 ان محمد بن عثمان يخطئ ويخالف و يروي عن أبيه مناكير، وإن أباه ليس بثقة وأحاديثه غير محفوظة، وانه حدث بأحاديث موضوعة لا يجوز الاحتجاج به، ومر في صفحة 295 ان عبدالرحمن بن أبي الزناد:

ليس ممن يحتج به أصحاب الحديث وانه ضعيف مضطرب الحديث لايحتج بحديثه وعليك بمراجعة مافصلناه في الجزء الثامن ص 231 - 234 ط 2.

 

 

 /  ص 304 /

 

14 ـ أخرج ابن عدي قال: حدثنا محمد بن داود بن دينار حدثنا أحمد بن محمد ابن حباب البصري حدثنا عمرو بن فائد البصري عن موسى بن سيار البصري عن الحسن البصرى عن أنس مرفوعا: إن لله تعالى سيفا مغمودا في غمده مادام عثمان بن عفان حيا، فإذا قتل جرد ذلك السيف فلم يغمد إلى يوم القيامه. ورواه ابن عساكر بالاسناد.

قال السيوطى في اللئالي 1: 316: موضوع آفته عمرو بن فائد وشيخه كذاب أيضا.

قال الاميني: ألا تعجب من السيوطي ؟ يحكم هاهنا على الرواية بالوضع ويكذب راويه ويذكرها في تاريخ الخلفاء ص 110 في عد فضائل عثمان ويقتصر على قوله: تفرد به عمرو بن فائد وله مناكير. نعم هكذا يموهون على الحقايق ويغرون الناس بالجهل، كان على الرجل أن يلغيها عن سياق عد الفضائل - التي من طبعها أن يحتج بها - بعد ما رآها موضوعة رواها كذاب عن كذاب، غير أنه لو اقتصر على ما يحتج به في باب الفضائل، وألغى مالا يصح منها سندا أو متنا، لما يجد هو وغيره فضيلة قط لعثمان، وهذا مما لا يروقه هو ولا يحبذه قومه.

وللدار قطني، وابن المديني، والعقيلي، وابن عدي، والنسائي، والذهبي، كلمات في جرح عمرو بن فائد وبطلان حديثه. راجع لسان الميزان 4: 372.

وليحيى القطان، وأبي حاتم، وابن عدى، وابن معين، والذهبي، أقوال في تفنيد موسى ابن سيار البصري وتكذيبه وبطلان حديثه. راجع ميزان الاعتدال 3: 211،

ولسان الميزان 6: 120.

وفي الاسناد محمد بن داود الفارسي، قال الذهبي في الميزان 3: 54: من شيوخ ابن عدي ذكره فقال: كان يكذب. وذكرا بن حجر في اللسان 5: 161 حديثا في فضل علي أميرالمؤمنين فقال: هو من وضع محمد بن داود بن دينار.

هذا شأن هذه المكذوبة غيرأن اناسا من الغالين في الفضائل كالسيوطي و القرماني ( 1 ) وأحمد زيني دحلان ( 2 ) إتخذوها حجة عند ذكر هم فضائل عثمان مرسلين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في اخبار الدول هامش الكامل لابن اثير 1: 214

( 2 ) في الفتوحات الاسلامية 2: 498.

 

 

 /  ص 305 /

 

إياها إرسال المسلم شأنهم في الموضوعا ت المفتعلة في الثناء‌على رجالاتهم

15 ـ وأخرج الحاكم في المستدرك 3: 103 من طريق أحمد بن كامل القاضي عن احمد بن محمد بن عبدالحميد الجعفي عن الفضل بن جبير الوراق عن خالدبن عبدالله الطحان المزني عن عطاء بن السائب عن سعد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت قاعدا عند النبي صلى الله عليه واله وسلم إذ أقبل عثمان بن عفان رضي الله عنه فلما دنا منه قال: ياعثمان ! تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على " فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " وتبعث يوم القيامة أميرا على كل مخذول يغبطك أهل الشرق والغرب، وتشفع في عدد ربيعة ومضر.

قال الاميني: سكت الحاكم عن صحة الحديث وأنصف الذهبي فقال في تلخيصه: كذب بحت، وفي الاسناد أحمد بن محمد بن عبدالحميد الجعفي وهو المتهم به. اه‍.

وشيخ الجعفي أيضا لا يتابع على حديثه كما قاله العقيلي وحكاه عنه الذهبى في الميزان وابن حجرفي لسانه 4: 438.

إن مما يقضى منه العجب أن أحدا من الصحابة العدول لم يسمع هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم، كأن المجلس الذي ألقى صلى الله عليه واله وسلم فيه هذه الكلمة كان خلوا عنهم جميعا ومن العجيب أيضاانه لم يروه أحدمنهم لصاحبه - إن كان سمعه أحد - حتى تتداوله الالسن فعسى أن يكون رادعا عن التجمهر على عثمان والاتفاق على نبذه والجرأة على قتله، نعم: لم يسمعه أحد منه صلى الله عليه واله وسلم عدا ابن عباس الذي كان صبيا في عهد النبوة

لم يبلغ الحلم وقد توفي صلى الله عليه واله وسلم وابن عباس ابن ثلاثة عشر سنة كما قاله الواقدي و الزبير وصححه أبوعمر في " الاستيعاب " أو عشر سنين كما روي عن ابن عباس نفسه من وجوه ( 1 ) أو أكثر منها، وربما يشك في أنه هل كان يحسن التحمل عنذئذ أولا ؟

ولعله هوأيضا كان شاكا في تحمله هذا الحديث حيث جاء‌ته استغاثة عثمان ( 2 ) وهو يخطب الحاج يوم عرفة فتلاها نافع بن طريف فلما أتمها مضى ابن عباس في خطبته غير مكترث لاستغاثة الخليفة وهو بين الناب والمخلب، على حين انه كان منصوبا من قبله لامارة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع مسنداحمد 1: 253، الاستيعاب 1: 372.

( 2 ) راجع ما مضى في هذاالجزء صفحة 134، 192.

 

 

 /  ص 306 /

 

الحاج، فلم يعرض لشئ من شأنه ولا للزوم الدفاع عنه، وما ذلك إلا لاصفاقه مع المجهزين عليه في الرأي وإلا لكان من واجبه الحث على الذب عنه، وبيان وجوب إغاثته، وملا سمعه هذا الحديث الذي عزي إليه وملا فيه روايته - وحاشاه عن راويته -

وكأن الحضرة النبوية نصب عينيه يتلقى فيه الرواية، وهو الذي يقتضيه عدله وتقواه. وهناك شاهد آخر لعدم إخباته إلى مضمون هذه الرواية وهو انه لما بعثه عثمان أميرا على الحاج لقيته عائشة في بعض المنازل فقالت له: يا ابن عباس ! إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية ( 1 ) تعني عثمان، فلم يبد ابن عباس لها تجاه تلك الشدة تجهما ولا قولا لينا كمن يوافقها على النزعة، كما رد عليها في حثها على عدم التخذيل عن طلحة وجنوحها إلى توليه الامر، فلو كان ابن عباس يعرف في شأن عثمان شيئا من هذه الرواية لرواه لها واتخذه مستندا في الدفاع عنه، فجامع القول إن الحبر لم يسمع مما تقول عليه شيئا، وإنما هو من مواليد العهد الاموي بعد عهد ابن عباس.

وليس من المستسهل الكشف عن إمارة المخذولين يوم القيامة، كما أن من المستصعب جدا عرفان أعيانهم وأشخاصهم، أفيهم أولئك الصفوة الابرار من الصحابة والتابعين أمثال أبي ذر وعمار وابن مسعود ومالك الاشتر وزيد وصعصعة ابني صوحان وكعب بن عبدة وعامر بن قيس وآخرين من صلحاء المدينة والكوفة والبصرة الذين خذلهم عثمان وأبناء بيته ؟.

ولعل في المخذولين الحكم ومروان وآلهما وعبدالله بن أبي سرح وأبا سفيان وولده وأضرابهم الذين خذلهم الاسلام وآواهم عثمان وعزرهم وسلطهم على صلحاء الامة من الصحابة الاولين والتابعين لهم بإحسان.

ونحن على يقين من أن الشفاعة المزعومة التي لا تصدقها سيرة عثمان ولا تساعدها البرهنة ويضادها نداء الكتاب الكريم إن حققت تدنس ساحة الجنة المقدسة بإدخال عثمان أرجاس آل امية فيها كما يعرب عنه قوله الثابت المذكور في الجزء الثامن ص 291 ط 2: لوأن بيدي مفاتيح الجنة لاعطيتها بني امية حتى يدخلوا من عند آخرهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء صفحة 78.

 

 

 /  ص 307 /

 

16 ـ أخرج الحاكم المستدرك 3: 103 عن عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم العدل ( 1 ) عن يحيى بن أبي طالب عن بشار بن موسى الخفاف البصري عن الحاطبي عبد الرحمن ( 2 ) بن محمد عن أبيه عن جده قال: لما كان يوم الجمل خرجت أنظر في القتلى قال: فقام علي والحسن بن علي وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وزيد بن صوحان يدورون في القتلى قال: فأبصر الحسن بن علي قتيلا مكبوبا على وجهه فقلبه على قفاه ثم صرخ ثم قال: إنالله وإناإليه راجعون فرخ قريش والله. فقال أبوه: من هو يابني قال: محمد بن طلحة بن عبيدالله. فقال: إنالله وإنا إليه راجعون، أما والله لقد كان شابا صالحا ثم قعد كئيبا حزينا فقال له الحسن: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا المسير فغلبك على رأيك فلان وفلان. قال: قد كان ذاك يا بني ! ولوددت اني مت قبل هذا بعشرين سنة. قال محمد بن حاطب: فقمت فقلت: يا أمير المؤمنين ! إنا قادمون المدينة والناس سائلونا عن عثمان فاذا نقول فيه ؟ قال: فتكلم عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر فقاما وقالا فقال لهما علي: يا عمار ويا محمد ! تقولان: إن عثمان استأثرو أساء الاثرة وعاقبتم والله فأسأتم العقوبة، وستقدمون على حكم عدل يحكم بينكم ثم قال: يا محمد بن حاطب ! إذا قدمت المدينة وسئلت عن عثمان فقل: كان والله من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين وعلى الله فليتوكل المؤمنون.

قال الاميني: سكت الحاكم عما في إسناد هذه الاكذوبة من العلل ولم يصححه ولم ينبس فيه بكلمة غمز ولا تصحيح، واكتفى الذهبي فيه بقوله: بشار بن موسى واه:

ونحن نقول: عبدالله بن إسحاق بن إبراهيم. قال الدار قطني فيه لين، وذكره بذلك الخطيب البغدادي في تاريخه 9: 414.

ويحيى بن أبي طالب قال فيه موسى بن هارون: أشهد انه يكذب عني. وقال مسلمة بن قاسم: تكلم فيه الناس. " لسان الميزان 6: 262 ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا في النسخ والصحيح: المعدل.

( 2 ) كذا في النسخ والصحيح: عبدالرحمن بن عثمان بن محمد.

 

 

 /  ص 308 /

 

وبشار بن موسى البصري، قال ابن معين: ليس بثقة. وقال: انه من الدجالين.

وقال أبوحفص: ضعيف الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث وقد رأيته وكتبت عنه وتركت حديثه. وقال أبوداود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبوزرعة: ضعيف. وقال أبوأحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وذكر عند الفضل بن سهل فأساء القول فيه ( 1 )

وعبدالرحمن الحاطبي ضعفه أبوحاتم الرازي كما في ميزان الاعتدال للذهبي.

ووالده عثمان لم أقف على ثناء عليه في معاجم التراجم.

فأي عبرة بما يرويه أو يرتأيه أمثال هؤلاء الدجالين ؟ على أن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام كان على بصيرة من مسيره إلى حروبه كلها ومنقلبه عنهاوفي جميع ما ارتكبه فيها أو تركه، وكل ذلك كان بأمر من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعهد منه إليه عليه السلام، وقد عد ذلك من فضائله، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحث أصحابه على مناصرته يومئذ كما مر تفصيله في الجزء الثالث ص 188 - 195 ط 2 وكان صلى الله عليه وآله ويلم يقول: سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا على الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك بشئ ( 2 ). وكان أبوأيوب الانصاري وغيره من الصحابة يقول: عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نقاتل مع علي الناكثين ( 3 )

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحذر أم المؤمنين عايشة عن ذلك التبرج تبرج الجاهلية

الاولى ويقول لها: يا حميراء! كأني بك تنبحك كلاب الحوأب تقاتلين عليا وأنت له ظالمة ( 4 ) وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم كما مر في ج 3 ص 191 ط 2 قوله للزبير: إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له.

فكان مولانا أميرالمؤمنين صلوات الله عليه مندفعا إلى ما ناء به من أعباء تلكم الحروب بالامر النبوي، ولم يكن قط قد غلب على رأيه فلان وفلان، ولم يكن الامام المجتبى المعصوم عن كل زلة وهفوة بالذي ينهى أباه عما أمر به جده الذي لا ينطق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الخطيب 7: 119، تهذيب التهذيب 1: 144.

( 2 ) راجع الجزء الثالث ص 190 ط 2.

( 3 ) راجع الجزء الثالث ص 192، 95 1 ط 2.

( 4 ) راجع الجزء الثالث ص 189 ط 2.

 

 

 /  ص 309 /

 

عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، ولا أميرالمؤمنين عليه السلام بالذي يندم على ما نهض به

من قم جذور الفساد وقلع جذومه، ولو سوغنا عليه الندم في هذه لسوغنا عليه فيما قتله في مغازي الرسول صلى الله عليه وآله من أشياع الكفر وزبانية الشرك والالحاد، فإذ كان سلام الله عليه في المقامين جميعا منبعثا بباعث إلهي ومصلحة دينية من استئصال شأفة العيث وقطع جراثيم الالحاد، فلا يطرق ساحته المقدسة الندم في أي من الحالين.

وأي صلاح في محمد بن طلحة ؟ وقد شهر سيفه يحارب إمام المسلمين وقد أمر بنصرته والجهاد معه، فحاله حال أبيه في الزيغ والنكوص عن السنن اللاحب. هذه حقيقة الامر لكن مهملجة الخلاف الوضاعين شاء‌وا أن يختلقوا ما يبرر أعمال الواثبين مع الهودج فقالوا، ولكن أين ؟ وأين ؟...

وكيف يصح عن مولانا أميرالمؤمنين ما اختلقوا عليه من قوله لمحمد بن حاطب ؟

وقد صدر عنه من فعل وقول قبل هذا الموقف وبعده ما يعرب عن رأيه في عثمان، ولا يصدق

الخبر الخبر، راجع ما مر في هذا الجزء ص 69 - 77، وفي الجزء الثامن ص 287، 298، 300، 301 ط 2، وفي الجزء السابع ص 81 ط 2.

وهل تساعد سيرة الرجل أن يراه أميرالمؤمنين من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا. الآية. وهي التي أركبته النهابير، وسقته كأس المنية، وكانت تخالف الكتاب والسنة، والصحابة الاولون وفي مقدمهم سيدنا الامام عليه السلام كانوا مطبقين عن النكير والنقمة عليها، ولاجلها تمخضت البلاد عليه، وهى التي أقعدت الصحابة عن نصرته والذب عنه، وهي التي زحزحت الامة الصالحة عن تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه، وهي التي دفنته في مقابر اليهود بعد مابقي جثمانه في مزبلة أياما وليالي تمر به عواصف الذل والهوان والملا الديني ينظر إليه من كثب، والناس قد بايع أميرالمؤمنين عليا عليه السلام وبيده مقاليد الامور يسمع قوله ويطاع، وهو الذي يتحمس لامر ما، يراه الناس هينا وهو عنده عظيم، فيعاتب أصحابه ويقول في خطبته له: لقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والاخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها ( 1 ) ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام ثم انصرفوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) القلب: السوار. الرعاث جمع رعثة بالفتح: القرط.

 

 

 /  ص 310 /

 

وافرين، ما نال رجلا منهم كلهم، ولا اريق لهم دم، فلو أن إمرء مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما بل كان به عندي جديرا ( 1 ) هذا أميرالمؤمنين وهذا مبلغ غيرته على الاسلام وأهله ولكن:

 

وابن عفان حوله لم يجهز *  ه ولا كـــــف عنه كف أذاها

لست أدري أكان ذلك مقتا * من علـي ؟ أم عفة ونزاها ؟

فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيظلك عن سبيل الله. ولئن اتبعت أهواء‌هم بعد ما جاء‌ك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق.

17 - أخرج ابن أبي الدنيا من طريق فرج بن فضالة الدمشقي عن مروان بن أبي امية عن عبدالله بن سلام قال: أتيت عثمان لا سلم عليه وهو محصور فدخلت عليه فقال:

مرحبا بأخي، مرحبا بأخي، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة في هذه - الخوخة قال: و خوخة في البيت - فقال: يا عثمان ! حصروك ؟ قلت: نعم. قال: عطشوك ؟ قلت: نعم،

فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى اني لاجد برده بين ثديي وبين كتفي وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده، فقتل ذلك اليوم ( 2).

قال الاميني: هذه السفسطة من آفات فرج بن فضالة الدمشقي قال أحمد: يحدث عن الثقات أحاديث مناكير. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال ابن المديني: ضعيف لا احدث عنه. وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث. وقال النسائي: ضعيف

وقال أبوحاتم: لا يحتج به. وقال أبوأحمد: حديثه ليس بالقائم. وقال الدار قطني:

ضعيف الحديث. وذكر البرقاني حديثا للدار قطني من طريق فرج بن فضالة فقال:

الدار قطني: هذا باطل. فقال البرقاني: من جهة الفرج ؟ قال: نعم. وقال عبدالرحمن ابن مهدي: حدث بأحاديث منكرة مقلوبة. وقال الساجي: ضعيف الحديث. وقال الخطيب: لا يغتر أحد بالحكاية المروية في توثيقه عن ابن مهدي فانها من رواية

سليمان بن أحمد وهو الواسطي وهو كذاب، وقد قال البخاري: تركه ابن مهدي. و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) نهج البلاغة 1: 69.

( 2 ) الانساب للبلاذرى5: 82، تاريخ ابن كثير7: 182، الرياض النضرة 2: 127.

 

 

 /  ص 311 /

 

قال ابن حبان: فرج بن فضالة يقلب الاسانيد ويلزق المتون الواهية بالاسانيد الصحيحة لا يحل الاحتجاج به. وقال الحاكم: هو ممن لا يحتج به ( 1 )

هذا فرج بن فضالة وأما شيخه مروان فلست أدري أي هي بن بي هو ( 2 ) لم أقف في المعاجم على ترجمته ولم أجد له ذكرا لا في مشايخ ابن فضالة ولا فيمن يروي عن ابن سلام، ولعله لم يولد بعدوكم في سلسلة أسانيد الفضائل أمثاله من اناس لا تعرفهم ام الدنيا، وما صورهم فلم التصوير، وإنما اختلق أسمائهم الغلو في الفضائل.

ولست أدري هل أسر عثمان بهذه المكرمة إلى ابن سلام فحسب ؟ أو أخبربها هو أو ابن سلام جمهور الصحابة فوجدوها رؤيا لا تنهض للحجة، أو بلغتهم حينما مس الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبى، واتسع الخرق على الراقع، حينما فاتت الخليفة نهزة الحجاج، وتمت عليه الحجة وأصبح محجوجا، والامة مجتمعة على مقته، و قطع اصول حياته وهي لا تجتمع على خطأ. وفي الرواية موقع نظرأيضا من ناحية صوم عثمان عند من أرخ قتله بثاني أيام التشريق - كما في رواية أبي عثمان النهدي في أنساب البلاذري 5: 86، وقد رواه الواقدي أيضا، واختاره المبرد في " الكامل " 2: 241، وذكره أبوعمر في " الاستيعاب " 2: 477، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1: 117، وابن حجر الهيثمي في الصواعق ص 66، والعسقلاني في تهذيب التهذيب 7: 141، والسيوطي في تاريخ الخلفاء ص 109

والدياربكري في تاريخ الخميس 2: 258، 264، ومن مؤلفي اليوم الاستاذ علي فكري

في أحسن القصص 3: 164 وذلك ان الصوم في أيام التشريق محظور عند القوم، و

هو قول أبي حنيفة والشافعي وعند مالك لغير المتمتع ( 3 ) وقال ابن العماد الحنبلي في

الشذرات 1: 41: قوله: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: وتفطر عندنا. معناه أول شئ تستعمله على الريق يكون عندنا لا انه فطر صائم إذ لم يكن يومئذ صائما، فإن يوم قتله كان ثاني أيام التشريق ولا يجوز صومه. اه‍.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تهذيب التهذيب 8: 260 - 262.

( 2 ) يقال: هى بن بى. أو: هيان بن بيان. أى مجهول لا يعرف هو ولا ابوه.

( 3 ) المحلى لابن حزم 7: 28، نيل الاوطار 4: 353.

 

 

 /  ص 312 /

 

وهذا التأويل يخالف ما أثنى به المؤرخون على عثمان من انه كان يوم قتله صائما، وهو من المتسالم عليه عند القوم سلفا وخلفا حتى اليوم كما ذكره الاستاذ علي فكري في أحسن القصص 3: 164. ويضاد أيضا صريح ما أخرجه ابن كثير في تاريخه 7: 182 من طريق ابن عمر عن عثمان قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: يا عثمان ! افطر عندنا. فأصبح صائما وقتل من يومه.

وكذلك لا يلتئم هو وما أخرجه الهيثم بن كليب بالاسناد عن نائلة بنت الفرافصة " إمرأة عثمان " قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان فيه قتله صائما، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، وقالوا: دونك ذلك الركي - وركي في الدار الذي يلقى فيه النتن - قالت: فلم يفطر فرأيت جارا على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألت الماء العذب. فأعطوني كوزا من ماء فأتيته فقلت: هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت فقلت: ومن أين ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب ؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان ! فشربت حتى رويت ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: أما إن القوم سينكرون عليك فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا. قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه ( 1).

نعم: إن الحديثين لا يعول عليهما أيضا لما في إسنادهما من داعية إلى الارجاء يبغض أهل بيت نبيه، ومن مجهول منكر لايعرف، ومن متحامل على أميرالمؤمنين من الفئة الباغية، فالحديثان كرواية ابن أبي الدنيا باطلان، وما ذهب إليه القوم من أن الرجل كان يوم قتله صائما منقبة مفتعلة لا تصح لاستنادهم فيها إلى تلكم الاباطيل التي اختلقتها يد الغلو في الفضائل.

18 ـ أخرج الحاكم وابن عساكر وغيرهما من طريق محمد بن يونس الكديمي أبي العباس البصري، عن هارون بن إسماعيل الخزاز أبي الحسن البصري، عن قرة ابن خالد السدوسي البصري، قال: سمع الحسن البصري عن قيس بن عباد البصري قال: شهدت عليا رضي الله عنه يوم الجمل يقول كذا: أللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ ابن كثير البداية والنهاية 7: 183.

 

 

 /  ص 313 /

 

ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي وأرادوني على البيعة فقلت: والله إني لاستحيي من الله أن ابايع قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ألا أستحيي ممن

تستحيي منه الملائكة. وإني لاستحيي من الله أن ابايع وعثمان قتيل على الارض لم يدفن بعد، فانصرفوا فلما دفن رجع الناس إلي فسألوني البيعة فقلت: أللهم إني مشفق لما اقدم عليه ثم جاء‌ت عزيمة فبايعت فلقد قالوا: يا أميرالمؤمنين ! فكأنما صدع قلبي، فقلت: أللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.

وفي لفظ ابن كثير: فلما قالوا: أميرالمؤمنين. كان صدع قلبي وأمسكت ( 1 )

قال الاميني: ألا تعجب من الحاكم يذكر مثل هذه الاضحوكة ويعدها مما استدرك به على الصحيحين ويمر بما فيها من اللغو كريما، ولعل الذهبي عرف بطلانها غير انه لما وجدها في منقبة عثمان سكت عنها نهائيا ولم يلخصها ولم ينبس فيها ببنت شفة، ويدخر ما في علبة علمه أو في كنانة جهله إلى تزييف حديث " أنا مدينة العلم وعلي بابها " وأمثاله من الصحيح الوارد في فضائل مولانا أميرالمؤمنين فيجابهها بكل جلبة ولغط، ولا تقصر عن أشواطهما خطى ابن كثير في تاريخه فيستند إليها مستدلا على ما يرومه من دحض الحق وترصيف الباطل، ونحن أسلفنا في الجزء الخامس ص 266 ط 2 في سلسلة الكذابين والوضاعين نزرا من أقوال الحافظ في جرح محمد بن يونس الكديمي

وانه كان يضع الحديث على النبي صلى الله عليه وآله وقد وضع أكثر من ألف حديث وهاهنا نبسط القول فيها:

قال الآجري: سمعت أبا داود ابن الاشعث يتكلم في محمد بن سنان وفي محمد بن يونس يطلق فيهما الكذب. وقال ابن التمار: ما أظهر أبوداود السجستاني تكذيب أحد إلا في رجلين: الكديمي وغلام خليل. وقال أبوسهل القطان: كان موسى بن هارون

ينهي الناس عن السماع من الكديمي ويقول: قد تقرب إلي بأني كتبت عن أبيك في مجلس محمد بن القاسم الاسدي وما حدث أبي قط عن محمد بن القاسم الاسدي. و عن موسى بن هارون انه كان يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: أللهم إني اشهدك ان الكديمي كذاب يضع الحديث. وقال الشاذ كوني: الكديمي وأخو الكديمي وابن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) مستدرك الحاكم 3: 103، تاريخ ابن كثير 7: 193.

 

 

 /  ص 314 /

 

الكديمي بيت الكذب. وقال أبوبكر الهاشمي: كنا يوما عند القاسم المطرز وكان يقرأ علينا مسند أبي هريرة فمر في كتابه حديث عن الكديمي فامتنع عن قراء‌ته فقام إليه محمد بن عبدالجبار - وكان قد أكثر عن الكديمي - فقال: أيها الشيخ احب أن تقرأه فأبى وقال: أنا أحاسبه بين يدي الله يوم القيامة وأقول: إن هذا كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى العلماء. وقال الدار قطني: الكديمي يتهم بوضع الحديث وقال: ما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث لعله قد وضع على الثقات أكثر من ألف حديث. وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع وادعى الرواية عمن لم يرهم، ترك عامة مشايخنا الرواية عنه، ومن حدث عنه نسبه إلى جده لئلا يعرف ( 1 ) وقال ابن عدي أيضا: روى الكديمي عن أبي هريرة عن ابن عون عن نافع عن ابن عمر حديثا باطلا، وكان مع وضعه الحديث وادعائه مالم يسمع علق لنفسه شيوخا. وكان ابن صاعد وعبدالله بن محمد لا يمتنعان من الرواية عن كل ضعيف كتبا عنه إلا عن الكديمي فانهما كانا لا يرويان عنه لكثرة مناكيره، ولو ذكرت كلما

أنكر عليه وادعائه ووضعه لطال ذلك. وقال الحاكم أبوأحمد: الكديمي ذاهب الحديث تركه ابن صاعد وابن عقدة وسمع منه خزيمة ولم يحدث عنه، وقد حفظ فيه سوء القول عن غير واحد من أئمة الحديث ( 2 )

وذكر السيوطي في اللئالي المصنوعة عدة أحاديث في شتى الابحاث من طريق الكديمي فحكى فيها عن الحفاظ الحكم بوضعها وقولهم: إن آفتها الكديمي وانه كذاب وضاع. وكأنه نسي كل ما ذكر هنالك فأورد هذه الاكذوبة في تاريخ الخلفاء ص 110 محذوفة الاسناد وقال: أخرجه الحاكم وصححه. ألم تكن تلك الاقوال الجارحة في الكديمي نصب عينه عند عد فضائل عثمان ؟ أم أن فضائل الرجل لها حساب آخر يسوغ الغلوفيها كل كذب واختلاق ؟ على أن الحاكم سكت عن هذه الاكذوبة ولم يصححها فنسبة التصحيح إليه لمحض إخراجه إياها في مستدرك الصحيحين وإلا فلا صراحة فيه بالتصحيح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كما ان الحاكم يعرفه بالقرشى ولم يذكر نسبته إلى الكديم لئلا يعرف.

( 2 ) راجع تهذيب التهذيب 9: 539، والمصادر التى مرت في ج 5: 266 ط 2.

 

 

 /  ص 315 /

 

وبعد هذه كلها فان المعلوم من نظرية مولانا أميرالمؤمنين في عثمان كآراء بقية الصحابة فيه يفند نسبة هذه الاقاويل المختلقة إليه، أليس من المضحك ما ينسب إليه صلوات الله عليه من قول: ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان.. الخ ؟ ليته عليه السلام بدل هذه الكلمة كان يخطو خطوة في التحفظ على حرمة الرجل وكرامته، ويأمر ولده وذويه بتجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، وليته كان يقيم له مأتما ويأبنه ويذكره بالخير بعد ما تسنم منصة الخلافة، أو كان يحضر عند تربته ويقوم على قبره ويقرأ له الفاتحة ويأتي بسنة الله التي جاء‌ت في زيارة قبور المسلمين، وأي مسلم لم تكن له معاظم واجبة المراعاة ( 1 )

وليته كان يسكت عنه يوم قام به وقعد ( 2 ) وقال على رؤس الاشهاد: قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع، إلى أن انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بطنته.

وقال في اليوم الثاني من بيعته في خطبة له: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شئ ولو وجدته قد تزوج به النساء، وفرق في البلدان، لرددته إلى حاله. الخ.

وليته كان لم يجابهه بقوله: ما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعقلك، وإن مثلك مثل الظعينة سار حيث سار به.

وليته كان لم يكتب إلى المصريين بقوله: إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه وذهب بحقه، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر، والمقيم الظاعن، فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه.

وليته كان لم يقل: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه. أو

كان لم يقل: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرني ولا ساء‌ني.

وليته كان لم يخطب بقوله: من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه،

ومن خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) بقال له: معاظم واجبة المراعاة. أى حقوقا مستعظمة.

( 2 ) يقال: قام به وقعد: اى نشر عنه اخبار السوء.

 

 

 /  ص 316 /

 

وليته كان لم ينفر أصحابه إلى قتال طالبي دم عثمان بقوله على صهوة المنبر: يا أبناء المهاجرين انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا. الخ.

وليته لما قال له حبيب وشرحبيل: أتشهد أن عثمان قتل مظلوما. كان لم يجب بقوله: لا أقول بذلك ( 1 ) وليته وليته..

والعجب كل العجب من قول علي صلوات الله عليه " فلما قالوا: أميرالمؤمنين صدع قلبي " لماذا صدع قلبه صلوات الله عليه ولم تكن لهذه التسمية جدة ؟ وإنما سماه رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك وحكاه عن الله تعالى وعن جبرئيل عليه السلام وما صدع قلبه يوم ذاك،

فعلي من أول يومه هو أميرالمؤمنين بنص من الصادع الامين، وما أنزل الله آية فيها

يا أيها الذين آمنوا إلا وعلي رأسها وأميرها ( 2 )

19 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات 3: 47 ط ليدن عن محمد بن عمر عن عمرو بن عبدالله بن عنبسة بن عمرو بن عثمان عن محمد بن عبدالله بن عمرو بن عثمان عن ابن لبيبة

قال: إن عثمان بن عفان لما حصر أشرف عليهم من كوة في الطمار فقال: أفيكم طلحة ؟ قالوا: نعم. قال: انشدك الله هل تعلم أنه لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والانصار آخى بينه وبين نفسه ؟ فقال طلحة: أللهم نعم. فقيل لطلحة في ذلك

فقال: نشدني وأمر رأيته ألا أشهد به ؟

رجال الاسناد:

1 ـ محمد بن عمر. هو الواقدي، راجع ترجمته في ميزان الاعتدال 3: 110.

2 ـ عمرو بن عبدالله الاموي حفيد عثمان، لم أجد له ذكرا في المعاجم، ولعل فيه تدليس.

3 ـ محمد بن عبدالله الاموي حفيد عثمان، قال البخاري: عنده عجائب، وقال ابن الجارود: لايكاد يتابع على حديثه. وقال النسائي مرة: ثقة. واخرى: ليس بالقوي. راجع تهذيب التهذيب 9: 268.

4 ـ ابن لبيبة ويقال: ابن أبي لبيبة محمد بن عبدالرحمن. قال ابن معين: ليس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في ج 7: 81، وج 8: 287، وج 9: 69، 70، 72، 74، 172، 174.

( 2 ) رأجع ما اسلفناه في الجزء الثامن ص 87، 89 ط 2.

 

 

 /  ص 317 /

 

حديثه بشئ. وقال الدار قطني: ضعيف. وقال آخر ليس: بالقوي ( 1 ) على أن ابن لبيبة لم يشهد حصر عثمان ولم يرو عن صحابي فحديثه عن عثمان وعلي وسعد مرسل، يروي عن سعيد بن المسيب و عبدالله بن عمرو بن عثمان وطبقتهما، فالرواية مرسلة، وابن سعد جد عليم بأن مثل هذه المفتعلة لا يخفى بطلانه على أي أحد سواء أرسله أو أسنده.

وهلا يعلم مفتعل هذه الاضحوكة ان أئمة الحديث وحفاظه ورجال التاريخ أصفقت على أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يتخذ لنفسه أخا يوم المؤاخاة بين المهاجرين والانصار إلا ابن عمه علي بن أبي طالب ؟ وهذا الذي يقتضيه الاعتبار بعد ما نص الكتاب العزيز على أن عليا سلام الله عليه نفس النبي الاقدس. وإنهما من أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وإن ولاية علي مقرونة بولاية الله ورسوله ( 2 )

وبعد ما ثبت انه سلام الله عليه صنو النبي الاعظم في الفضائل، وشاكلته في النفسيات، ورديفه في الملكات الفاضلة، ونظيره من امته كما جاء عنه صلى الله عليه وآله سلم ( 3 ) وهو

منه صلى الله عليه وآله بمنزله رأسه من بدنه نصا منه صلى الله عليه وآله ( 4 ) وهو منه صلى الله عليه وآله بمنزلته من ربه

كما ورد عن أبي بكر مرفوعا ( 5 ) وهما من شجرة واحدة وساير الناس من شجر شتى كما روي عنه صلى الله عليه وآله ( 6 ) وهو الذي ثبت فيه قوله صلى الله عليه وآله: أنت مني وأنا منك ( 7 ) وهو

الذي أنزله صلى الله عليه وآله من نفسه بمنزلة هارون من موسى ولم يستثن له مما اختصه الله

به إلا النبوة ( 8 ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ميزان الاعتدال 3: 89، تهذيب التهذيب 9: 301.

( 2 ) راجع ما مر في ج 2: 47، وج 3: 156 167 ط 2.

( 3 ) الرياض النضرة 2: 164.

( 4 ) تاريخ الخطيب البغدادى 7: 12، الرياض النضرة 2: 162، مصباح الظلام للدمياطى

2: 56.

( 5 ) الرياض النضرة 2: 163.

( 6 ) سيوافيك حديثه انشاء‌الله تعالى بألفاظه ومصادره.

( 7 ) صحيح البخارى كتاب المناقب 5: 219، مسند أحمد 5: 204، 356، صحيح الترمذى في المناقب 2، 213، خصائص النسائي ص 20، 24، 36، تاريخ الخطيب 4: 140، وراجع ما مضى في الجزء السادس 338 - 350 ط 2.

( 8 ) حديث المنزلة أخرجه أئمة الحديث بطرق صحيحة في الصحاح والمسانيد.

 

 

 /  ص 318 /

 

لقد أدينا البحث عن حديث المؤاخاة حقه في الجزء الثالث ص 112 - 125 وذكرنا هنالك خمسين حديثا مما وقفنا عليه من أحاديث الاخاء الثابت بين النبي الاعظم و أخيه أميرالمؤمنين، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله قوله: أنت أخي في الدنيا والآخرة. من طريق عمر وأنس وابن أبي أو في وابن عباس ومحدوج بن زيد الذهلي وجابر بن عبدالله و عامر بن ربيعة وأبي ذر وغيرهم.

إنما فدحت هذه المأثرة أهل الاهواء كبقية مآثر الامام صلوات الله عليه فوضعوا تجاها اكذوبة في أبي بكر وانه هو أخو رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ( 1 ) واخرى في عثمان و إن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم آخى بينه وبين نفسه. وثالثة في علي عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عثمان ( 2 ) ورواة السوء يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله آخى بين أبي بكر و بين عمر في المؤاخاة الاولى بمكة ( 3 ) وبينه وبين خارجة بن زيد الانصاري في المؤاخاة بين المهاجرين والانصار بالمدينة ( 4 ) وآخر بين عثمان وبين عبدالرحمن بن عوف في المؤاخاة بمكة (5) وبينه وبين أوس بن ثابت يوم المؤاخاة بالمدينة(6)

فعثمان قط لا ينشد بالمكذوب، وطلحة لا يدعي رؤية ما لم يره، ولايشهد بخلاف ما شاهده وعاينه، إن كانا من عدول الصحابة صدقا، ومن المبشرين بالجنة حقا، وأنت تعرف حكم هذه الدعاوي من الصحيح الثابت عن مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام انه كان يقول: أنا عبدالله وأخو رسوله لا يقولها أحد غيري إلا كذاب. قال ابن كثير في تاريخه 7: 335: وقد جاء من غير وجه. وقال ابن حجر: رويناه من وجوه ( 7 ) و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ج 3 من كتابنا هذا ص 111، والاصابة 1: 35 وضعفه.

( 2 ) الرياض النضرة 1: 17.

( 3 ) راجع تاريخ ابن عساكر 6: 90، اسد الغابة 2: 221، عيون الاثر 1: 199،

الرياض النضرة 1: 15، 17، فتح البارى 7: 217.

( 4 ) راجع سيرة ابن هشام 2: 124، تاريخ ابن كثير 3: 226، عيون الاثر 1: 201،

الرياض النضرة 1: 16، فتح البارى 7: 216، 218.

( 5 ) راجع تاريخ ابن عساكر 6: 90، عيون الاثر 1: 199، الرياض النضرة 1: 15، 17، فتح البارى 7: 218.

( 6 ) راجع سيرة ابن هشام 2: 125، تاريخ ابن كثير 3: 227، عيون الاثر 1: 201،

الرياض النضرة 1: 61.

( 7 ) تهذيب التهذيب 7: 337، وراجع ج 3 من كتابنا هذا ص 121.

 

 

 /  ص 319 /

 

كان قول أمير المؤمنين هذا أخذا بما قال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من قوله: أنت أخي وأنا أخوك فإن ناكرك أحد - وفي لفظ فإن حاجك - أحد فقل: أنا عبدالله وأخو رسول الله لا يدعيها بعدك إلا كذاب ( 1 )

وأول من فتح باب التجري بمصراعيه على هذه الفضيلة الرابية هو عمر بن الخطاب يوم قادوا صاحب الفضيلة إلى البيعة كما يقاد الجمل المخشوش، وقال: إن أنا لم أفعل فمه ؟ قالوا: إذن والله الذي لاإله إلا هو نضرب عنقك. قال: إذن تقتلون عبدالله وأخا رسوله. قال عمر: أما عبدالله فنعم وأما أخو رسوله فلا ( 2 )

أنا لست أخدش العواطف بالاعراب عن حكم إنكار عمر الاخوة الثابتة بتلكم النصوص الصريحة الاكيدة وقد سمعها هو من الصادع الكريم في ذلك اليوم المشهود غير أني جد عليم بأن حجاج مولانا أميرالمؤمنين كان أخذا بما مر قبيل هذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله من قوله: فإن ناكرك أحد فقل: أنا عبدالله وأخو رسول الله. وهل قرع هذا سمع عمر أيضا وجابهه مع ذلك بالشدة في النكير عليه ؟ أنا لا أدري، فإن جاء‌وك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " المائدة 42 ".

20 ـ أخرج ابن عدي من طريق مصعب بن سعيد المصيصي عن عيسى بن يونس عن وائل بن داود عن البهي عن الزبير رضي الله عنه مرفوعا: لا يقتل قرشي بعد اليوم صبرا إلا قاتل عثمان فإن لم يفعلوا فابشروا بذبح مثل ذبح الشاة.

قال الاميني: ذكره الذهبي في الميزان 3: 173 مع حديثين من طريق مصعب ابن سعيد فقال: ما هذه إلا مناكير وبلايا.

وقال ابن عدي: يحدث مصعب عن الثقات بالمناكير ويصحف وهو حراني ( 3 )

نزل المعصيصة ( 4 ) وله غير ماذكر والضعف على رواياته بين. وقال ابن حبان: كان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما أسلفناه في الجزء الثالث ص 115 ط 2.

( 2 ) راجع ما مضى في الجزء السابع ص 78.

( 3 ) حران: قرية من قرى حلب.

( 4 ) مدينة على شاطئ جيحان من تغور الشام بين انطاكية وبلاد الروم.

 

 

 /  ص 320 /

 

مدلسا. وقال صالح بن جزرة: شيخ ضرير لايدري ما يقول ( 1 )

وفي الاسناد عيسي بن يونس قال الدارقطني: مجهول. والبهي هو عبدالله أبومحمد مولى مصعب بن الزبير ولا يصح روايته عن الزبير بل يروي عن عبدالله بن الزبير، وقال أبوحاتم في العلل: لا يحتج بالبهي وهو مضطرب الحديث.

21 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1: 57 من طريق حامد بن آدم المروزي عن عبدالله بن المبارك عن سفيان عن عثمان بن غياث البصري عن أبي عثمان النهدي عن أبي موسى الاشعري قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حائط من تلك الحوائط إذ جاء رجل فاستفتح الباب فقال: افتح له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا هو عثمان فأخبرته فقال: الله المستعان.

قال الاميني: هلا يعرف أبونعيم مفتعل هذه الاكذوبة حامد بن آدم ؟ أو يعرفه بعجره وبجره غير أن الغلو في الفضائل يسوغ له ولقومه رواية كل كذب مختلق في فضائل المستخلفين بالانتخاب الدستوري الذي لم تره عين الدنيا صحيحا قط.

أنى يخفى على مثل أبي نعيم ان حامد بن آدم كذ به الجوزجاني وابن عدي، وعده أحمد بن علي السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث. وقال أبوداود السبخي: قلت لابن معين: عندنا شيخ يقال له: حامد بن آدم. الخ. فقال: هذا كذاب لعنه الله ( 2 )

على أن عثمان لو كان مبشرا بالجنة ومصدقا بوعد النبي الاقدس لما كان في نفسه خيفة من أن يكون هو ذلك الملحد بمكة الذي أخبر صلى الله عليه واله وسلم بأن عليه عذاب نصف أهل الارض كما مر في صحيحة أحمد. وأعجب من هذا مهزأة جاء بها الخطيب ألا وهي:

22 ـ أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 8: 157 من طريق الحسين بن حميد ابن موسى العكي قال: حدثنا حماد بن المبارك البغدادي قال: حدثنا إسماعيل بن أمية عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: ما صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر قط إلا قال: عثمان في الجنة. قال: قال الدارقطني: كذا قال حماد بن المبارك عن عبدالله بن ميمون عن إسماعيل بن أمية عن ابن جريج، وهذا الحديث إنما يعرف من رواية إسماعيل بن

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لسان الميزان 6: 43.

( 2 ) ميزان الاعتدال 1: 208، لسان الميزان 2: 163.

 

 

 /  ص 321 /

 

يحيى بن عبيدالله التيمي عن ابن جريج والله أعلم. وقال الذهبي في الميزان 1: 281: خبر غير صحيح. راجع لسان الميزان 2: 353.

قال الاميني: لاتعجب من الخطيب يذكر مثل هذه السفسطة بهذا الاسناد الوعر ولم ينبس ببنت شفة، ولم يعرب عن حال رجاله عادته في فضائل كل من أعماه حبه وأصمه، وأنت تجد نقضه وإبرامه، وجرحه وتعديله، وتصويبه وتصعيده في مناقب آل الله صلوات الله عليهم.

أيخفى على مثل الخطيب قول مسلمة بن قاسم في الحسين العكي: إنه مجهول ؟ أم لا يهمه وجود حماد بن المبارك في الاسناد ؟ وهو المجهول الذي لايعرف ( 1 ) أم عزب عنه قول البخاري في عبدالله بن ميمون: إنه ذاهب الحديث ؟ وقول أبي زرعة: إنه واهي الحديث ؟ وقول أبي حاتم والترمذي: إنه منكر الحديث ؟ وقول ابن عدى: إن عامة مايرويه لايتابع عليه ؟ وقول النسائي: انه ضعيف ؟ وقول أبي حاتم أيضا: يروي عن الاثبات الملزقات، لايجوز الاحتجاج به إذا انفرد ؟ وقول الحاكم: إنه يروي أحاديث موضوعة ؟ وقول أبي نعيم: انه روى المناكير ؟ ( 2)

أم لايروق الخطيب الجرح في اسماعيل بن امية العبشمي الاموي وهو ابن عم عثمان وقد جاء بالرواية مختلقة في ابن عمه الخليفة ؟ أم لا ينبهه ما حكاه عن الدارقطني إلى أن اسماعيل لايروي عن ابن جريج ؟ وإنما الراوي إسماعيل بن يحيى التيمي.

أم أراد حفظ سمعة الصديق أبي بكر في حفيده اسماعيل بن يحيى التيمي ( 3 ) والستر على قول صالح بن جزرة فيه: إنه كان يضع الحديث. وقول الازدي: انه ركن من أركان الكذب لاتحل الرواية عنه. وقول أبي علي النيسابوري والدارقطني والحاكم إنه كذاب. وقول الحاكم: روى أحاديث موضوعة. وقول الدارقطني: إنه كان يكذب على مالك والثوري وغيرهما. وقول ابن حبان: انه كان يروي الموضوعات عن الثقات لاتحل الرواية عنه بحال ؟ ( 4 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ميزان الاعتدال 1: 281، لسان الميزان 2: 353.

( 2 ) تهذيب التهذيب 6: 49.

( 3 ) اسماعيل بن يحيى بن عبيدالله بن طلحة بن عبدالرحمن بن أبى بكر بن أبى قحافة.

( 4 ) ميزان الاعتدال 1: 117، لسان الميزان 1: 442.

 

 

 /  ص 322 /

 

نعم: هذه كلها بين يدي الخطيب غير أن الغلو في الفضائل أبكمه فبكم ( 1 )

وذكر الذهبي هذه الرواية في " ميزان الاعتدال " في ترجمة حماد بن المبارك، وقال:

خبر غير صحيح.

ولو كان لهذا الخيال مقيل من الصحة لاستدعى أن يكون ما اختلق فيه من كون عثمان في الجنة أهم ما صدع به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من المعارف والاحكام والحكم فإنا لم نجد ولا وجد واجد شيئا منها يهتم صلى الله عليه واله وسلم له هذا الاهتمام ويصدع به على كل منبر صعده، نعم كان يكرر بعض ما يصدع به في عدة مقامات للكشف عن أهميته غير انها مما تعده الانامل، حتى أن الصلاة التي هي عماد الدين لم يكررها هذا التكرار الممل.

وليت شعري هل كون عثمان في الجنة من أصول الدين وأسس الاسلام التي لاتتم الشريعة إلا بها فطفق صلى الله عليه واله وسلم يبالغ في تبليغه هذه المبالغة في كل حين ؟ فهل هو حكم شرعي ؟ أو حكمة بالغة ؟ أو ملكة فاضلة ؟ أو ناموس إلهي يستحق هذا التأكيد والاصرار ؟

ثم لوكان عثمان من المؤمنين لكفاه تبشير الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة الجمة لهم بالجنة، فما الحاجة إلى هذا التهالك في تخصيصه بالذكر تهالكا لم يشاهد له نظير في شئ مما بلغه صلى الله عليه واله وسلم عن ربه ؟ على أنه لو كان صلى الله عليه واله وسلم مرتكبا ذلك لوجب أن يسمعه منه جميع الصحابة حتى من حظي بالاصاخة إلى قيله ولو مرة واحدة طليلة حياته، ووجب أن يتواتر الحديث منه صلى الله عليه واله وسلم فلا يختص بعزوه المختلق جابر، ولم يك يسنده عنه أناس دجالون، وإن من أهم تلكم المنابر منبر يوم الغدير وقد حضره مائة ألف أو يزيدون، فهل سمع أحد من أحدهم من الاعالي والساقة يحدث انه صلى الله عليه واله وسلم هتف عليه بأن عثمان في الجنة ؟ و هذه خطب النبي الاعظم هل تجد في شئ منها عما تقولوه حسيسا أو تسمع منه ركزا ؟ وهل هؤلاء الصحابة البالغون مئات الالوف الذين سمعوا هذا المقال ووعوه تركوه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) بكم بكامة: سكت تعمدا.

 

 

 /  ص 323 /

 

وراء ظهورهم يوم الدار ؟ يوم قالوا له: والله أحل الله دمك ( 1 ) يوم كتبوا إليه يدعونه إلى التوبة وحاجوه وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه ( 2 ) يوم سلم عليهم فما سمع أحدا من الناس يرد عليه، وكان فيهم من عمد الصحابة من فيهم ( 3 ) يوم رفعت أمهم عقيرتها وهي تقول: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر، إلى أيام قصصنا عليك حوادثها، أو انهم كلهم نسوه فنالوا من الرجل ما نالوا ؟ وهل حصل لهم مذكر من عند أنفسهم فلم يوافقوه على السماع ؟ أولم يعيروا له أذنا مصغية ؟ هذا وهم عدول، وان ممن سمع بطبع الحال هاتيك الكلمة نفس عثمان فلماذا كان يخاف من القفول إلى مكة حذارأن يكون هو الذي سمع فيه عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم مامر من أنه يلحد بمكة رجل عليه عذاب نصف أهل الارض ؟

23 ـ ذكر ابن كثير في تاريخه عند عد مناقب عثمان عن إسماعيل بن عبدالملك عن عبدالله بن أبي مليكة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان إذا دعا له.

قال الاميني: حذف ابن كثير وغيره ممن ذكر هذه المهزأة إسنادها وأرسلوها إرسال المسلم ذاهلين عن أن في ذكر إسماعيل بن عبدالملك كفاية من عرفان بقية رجاله قال ابن عمار وأبوداود: ضعيف. وقال ابن الجارود وابن معين والنسائي وأبوحاتم: ليس بالقوي. وقال عبدالرحمن بن مهدي: أضرب على حديثه. وقال الفلاس وأبوموسى: كان عبدالرحمن ويحيى لا يحدثان عنه. وقال ابن حبان: كان يقلب ما يروي ( 4 )

وأنا لا أدري أن عائشة متى روت هذه الرواية، قبل تكفيرها الرجل وتأليب الناس عليه، ثم نسيتها ؟ وسرعان ما تنسى أم المؤمنين ما حفظته كما نسيت أقوال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لها في مناوئة أميرالمؤمنين علي عليه السلام وعن كلاب الحوأب ونباحها، أم أنها روتها حين كانت تثير العواطف على عثمان وترهج عليه نقع الحروب حتى أوردته موارد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الخميس 2: 260.

( 2 ) راجع ما مر في هذا الجزء ص 162.

( 3 ) راجع ما اسلفنا في حديث طلحه بن عبيدالله ص 96.

( 4 ) تهذيب التهذيب 1: 316.

 

 

 /  ص 324 /

 

الهلكة ؟ فاعجب إذن بالمناقضة بين روايتها وعملها دواليك وهي صحابية عادلة أم الصحابة العدول كما يزعمون. أم أنها أسندتها بعد تلكم المعامع ؟ بعد أن سول لها الناكثان النهضة للطلب بثاراته. فخرجا يجران حرمة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم كما تجر الامة عند شرائها متوجهين

بها إلى البصرة، فحبسا نساء‌هما في بيوتهما، وأبرزا حبيس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن خدرها ( 1 )فثارت لتتدارك ذلك الحوب بما هو أكبر منه، فخالفت القرآن الكريم فيما خص زوجات النبي صلى الله عليه واله وسلم بقوله: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " فكان من استقرارها في بيتها أن ركبت الجمل وقادت العساكر، وباشرت الحرب بنفسها، وعاشرت الرجال الاجانب، ونبذت الكتاب وراء ظهرها، ولم ترع لبعلها حرمة ولاكرامة وخالفت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في نواهيه المتعاقبة عن خصوص موقف الجمل كما مرت في الجزء الثالث ص 188 - 191 ط 2، وعن مطلق مناوء‌ة أميرالمؤمنين عليه السلام ومحاربته فيما روي عنه صلى الله عليه واله وسلم مستفيضا كما أسلفنا نزرا منه في ج 1: 336، 337 وج 2: 300 - 303، وج 3: 26، 182 - 188 وج 4: 322 - 325 ط 2.

نعم خالفت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في وصاياه المؤكدة بوصيه الطاهر حتى جاء في حديث معمر: عائشة كانت لا تطيب نفسا لعلي بخير. وفي حديث آخر: لكنها لاتقدر على أن تذكره بخير ( 2 )

والحديث صحيح رجاله كلهم ثقات أخرجه أحمد في مسنده 6: 228 من طريق معمر عن الزهري عن عبيدالله بن عتبة ان عائشة أخبرته قالت: أول ما اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونة فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها فأذن له قالت: فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد على رجل آخر، وهو يخط برجليه في الارض.

قال عبيدالله فحدثت به ابن عباس فقال: أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ هو علي، ولكن عائشة لاتطيب له نفسا.

وأخرجه البخاري في صحيحه في باب جد المريض أن يشهد الجماعة، غير أنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) راجع ما مضى في هذا الجزء ص 106.

( 2 ) فتح البارى 2: 123.

 

 

 /  ص 325 /

 

حذف منه قول ابن عباس: " ولكن عائشة لاتطيب له نفسا " وهذا شأن البخاري في كل ما لا يروقه. نعم عائشة لاتقدر أن تسمي عليا وتذكره بخير، غير أنها كانت تصيخ إلى من نال من على عليه السلام وتأنس بالوقيعة فيه ولا تنهى عنها كما في صحيحة رجالها كلهم ثقات أخرجها أحمد في مسنده 6: 113 من طريق عطاء بن يسار قال: جاء رجل فوقع في علي وفي عمار رضي الله تعالى عنهما عند عائشة فقالت: أما علي فلست قائلة لك فيه شيئا، وأما عمار فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يخير بين أمرين إلا اختار أرشدهما.

لم يا أماه لست قائلة شيئا في علي ؟ أما سمعت أذناك من بعلك حديثا واحدا في فضله مثل ما سمعت في عمار ؟ أما تجدين في كتاب الله مما نزل في علي ما يعادل حديثك في عمار ؟ وفضل علي عليه السلام على عمار كما قال حذيفة اليماني: فوالله لعلي أفضل من عمار أبعد مابين التراب والسحاب، وإن عمارا من الاخيار ( 1 )

لم يا أماه لاتكرهين أن يقذع عندك علي عليه السلام، وأنت التي كنت كارهة أن يسب عندك حسان بن ثابت ؟ وقد أخبر بذلك عروة قال: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:

فإن أبـــــي ووالده وعــرضي * لعرض محمد منكم وقاء ( 1 )

أما كانت عندك لمواقف علي المشكورة في مغازي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولمبيته

على فراشه ليلة هجرته من مكة وقد باهي الله به ملائكته، قيمة وكرامة مقدار بيت شعر لحسان ؟ وحسان أنت أدرى به مني. اي يا أماه ؟ شنشنة أعرفها من أخزم ومن رشحات ما كانت تحمله أم المؤمنين بين جنبيها من الضغينة على أول المسلمين وأولاهم لهم بهم من أنفسهم قولها يوم سمعت بيعة الناس له: لوددت أن السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا.

وخالفت العقيدة الراسخة من حرمة قتال خليفة الوقت، وليتني علمت ماذا يكون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) اخرجه ابن عساكر كما في كنزالعمال 7: 73.

( 2 ) راجع مسند أحمد 6: 197

 

 

 /  ص 326 /

 

جواب أم المؤمنين لو أحفيت السؤال عن خطيئتها أيهما أعظم ؟ إجهازها على عثمان أم محاربتها الامام أميرالمؤمنين عليا عليه السلام ؟ غير أنها اليوم وقد كشف عنها الغطاء تجيب بأن الخطيئة كانت واحدة مرتكزة على سنام الجمل وتحت أستار الهودج، وهل كانت روايتها هذه لتبرير عملها الاخير ؟ وقد جعلتها معذرة لها في ثورتها أو أنها اختلقت عليها فأخرجتها رواة السفاسف أو حملة الاضغان على البيت النبوي الطاهر، أو سماسرة البيت الاموي الذين حاولوا نشر الفضيلة لهم ولو بالافائك ؟ وكانت أم المؤمنين عالمة جدا بأن قتل عثمان كان هينا عندالله ورسوله في جنب خروجها من عقر دارها كما قال لها جارية بن قدامة السعدي الصحابي: يا أم المؤمنين ؟ والله لقتل عثمان بن عفان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنه قد كان لك من الله ستر وحرمة، فهتكت سترك، وأبحت حرمتك، إنه من رأى قتالك فإنه يرى قتلك، إن كنت أتيتينا طائعة ؟ فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مستكرهة ؟ فاستعيني بالناس ( 1 )

ثم هل كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يدعو لعثمان بالثبات على الحق من إتباع الكتاب والسنة ؟ فلماذا لم يستجب ذلك الدعاء فخالفهما ؟ وظهر ذلك منه حتى عرفته عامة الصحابة فأنكروه عليه حتى قتلوه. أو أنه كان يدعو له بالتوفيق للتوبة ؟ فلماذا لم يوفق ؟ قكلما تاب رجع، وكلما عهد حنث، حتى عرف ذلك الثائرون عليه فلم يجدوا بدا من إعدامه.

أو أنه كان يدعوله بالمغفرة وإن لم تكن توبته نصوحا ؟ فذلك إغراء بالجهل، وترخيص في المعصية، وهو محال على النبي صلى الله عليه واله وسلم.

أو أنه كان يدعو له بدفع عادية الناس عنه على ماهو عليه من طاعة أومعصية ؟

فهبني قلت: إنه جائز لكن الدعاء لم يستجب، وما غناء بقاء رجل هو هكذا سالما ؟

وهو لايقتص أثره في صلاح، ولا يقتفى في طاعة، ولايتبع في خير، وإنما تورث سلامته تجريا على المعاصي وولعا بالميول والشهوات أو أنه كان يدعو له باليسار والثروة ليرغد عيشه ويرغد عيش من لف لفه و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 176، الكامل لابن الاثير 3: 90.

 

 

 /  ص 327 /

 

احتف به ولو كان بالاثرة لنفسه وذويه على المسلمين عامة متعديا حدود الله المأثورة في الاموال والصدقات ؟ فهل الدعاء لمثل هذا جائز في الشريعة ؟ وهل يستسيغ العقل السليم الدعاء للحصول على المآثم ؟ أو أنه كان يدعو له بنيل الخلافة ؟ وهذا إن صح فقد استجيب غيرأن النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم كان بواسع علم النبوة بصيرا بما يؤل إليه أمر الرجل وينوء به مما لا تحمده شريعة أو عقيدة، ولا يستتبع خلافته إلا وهنا في الدين، وذهابا لابهة

الامامة وقلقا في مستوى الاسلام وعاصمة النبوة، وتعكيرا لصفو اللالفة بين أفراد المسلمين، وفتا في عضدهم، وهوانا على صلحاء الا مة في الحواضر الاسلامية، وتعطيلا للاحكام، وتعديا للحدود، ومن يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون، وكل هذه مما عرفته منه الصحابة فتألبوا عليه، فما كان حاجة النبي صلى الله عليه واله وسلم في خليفة هو هكذا ؟.

هذه محتملات الدعاء المزعوم، ولنا ها هنا مسائلة اخرى عن السبب الموجب لهذا الدعاء أولا وعن ظرفه ثانيا، أهل كان الموجب له أعماله السابقة على الدعاء ؟ أو ماارتكبه في اخريات أيامه ؟ فجر على نفسه ومن اكتنفه الويلات من جرائه، أما الاخيرة فقد عرفت انها لا تنهض موجبا لذلك، وأما سوابقه فسل عنه يوم بدر وتخلفه عنه وكان يعير بذلك طيلة حياته، ووقع فيه عبدالرحمن بن عوف لذلك في اخريات خلافته بملا من الناس فأنهى إليه ذلك الوليد بن عقبة السكير الفاسق بلسان الوحي المبين ( 1 ) هنالك نحت له عذرا من تمريض رقية بنت النبي صلى الله عليه واله وسلم ( 2 ) لكن الصحابة ماكانوا يعرفون ذلك العذر المفتعل حتى أولى الناس به أخوه بالمؤاخاة بمكة عبدالرحمن بن عو ف، ولو كان ما يقوله صحيحا لعرفوه وهو بين ظهرانيهم غير منتأى عنهم. وسل عنه يوم احد وفراره من الزحف وقد نزل فيه وفيمن فر قوله تعالى " في سورة آل عمران آية: 155 ": إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا. الآ ية ( 3 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) مر تفصيل ذلك في ج 8: 274 - 276 ط.

( 2 ) راجع مسند احمد 1: 68، 75، الرياض النضرة 2: 97، تاريخ ابن كثير 7: 206

( 3 ) راجع مسند احمد، 1، 68، تفسير القرطبى 4. 245، تقسير ابن كثير 1: 419، الرياض النضرة 2: 97، ثفسير الخازن 1: 307

 

 

 /  ص 328 /

 

وسل عنه ليلة وفاة ام كلثوم واقترافه الذنب فيها، وهتك رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حرمته في صبيحتها بملا من الصحابة بحرمانه من دفنها وهي زوجته وهو أحق الناس بدفنها، راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص 231 ط 2.

وسل عنه ايواء‌ه عبدالله بن أبي سرح وقد ارتد عن الاسلام ولحق بالمشركين فأهدر رسول الله صلى الله عليه واله وسلم دمه يوم الفتح وأمر بقتله ولو وجد تحت أستار الكعبة، لكنه فر إلى أخيه من الرضاعة " عثمان " فآواه وغيبه، وكان من واجبه قتله أينما وجده، لكنه بدلا عن ذلك أتى به إلى رسول الله فاستأ منه له فصمت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم طويلا رجاء أن يقتله أحد من الحضورلانه ما كان يروقه صلى الله عليه واله وسلم إسعافه ولا يرى لحياة ابن أبي سرح قيمة. راجع ما أسلفناه في الجزء الثامن ص 280 ط 2.

وسل عنه ايواء‌ه ابن عمه المشرك معاوية بن المغيرة بن أبي العاص يوم حمراء الاسد لما ظفر به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في خروجه منها فأمر بضرب عنقه صبرا فلجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث و توارى فبعث صلى الله عليه واله وسلم عمار بن ياسر وزيدبن حارثة وقال: إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه ( 1 )

وما أشبه فعلته هذه بايوائه الحكم وابنه مروان في خلافته وهما طريدا رسول الله ولعيناه ( 2 ) فأمره سواسية في المبدأ والمنتهى.

هذا كل ما علمناه من سوابق الرجل ولوا حقه، وشئ منها لا يصلح أن يكون باعثا للحب والدعاء كما أن شيئا منها لا يترك للدعاء المزعوم ظرفا يستساغ له الدعاء فيه، فزبدة المخض أنه من مختلق الدور الاموي الذي لم يأل العبشميون فيه جهدا في وضع الفضائل أو الرذائل.

نعم ذكروا له صلى الله عليه واله وسلم دعوات عديدة لعثمان عند تجهيزه جيش العسرة، ولعل

المتهالك في حب عثمان ينحته موجبا لتلكم الدعوات، والباحث جد خبير بأنه لا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سيرة ابن هشام 3:، تاريخ ابن كثير 4: 51، عيون الاثر لابن سيد الناس 2: 37، 38، شرح الاشخر على بهجة المحافل 1: 213.

( 2 ) راجع ترجمة الحكم وابنه مروان في الجزء الثامن من كتابنا هذا.

 

 

 /  ص 329 /

 

يعدو شيئا منها وهن في الاسناد لضعف في رجاله أو إرسال فيه، على اضطراب الروايات في

كيفية التجهيز وكمية ما أنفقته يده فيه، اضطرابا لا يعدوه الحكم بالبطلان في جميعها:

قال ابن هشام في السيرة 4: 172: أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. حدثني من أثق به أن عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار. إلى آخر ما يأتي من حديثه.

وأخذ الطبري الجملة الاولى من قول ابن هشام وترك حديثه.

وعند الكلبي مرسلا كما في أسباب النزول للواحدي 61 جهز بألف بعير بأقتابها وأحلاسها.

وعند قتادة مرسلا: حمل على ألف بعير وسبعين فرسا.

وعند البلاذري باسناد ضعيف مرسل: جهزهم بسبعين ألفا.

وعند الطبراني باسناد ضعيف: مائتا بعير بأقتابها وأحلاسها ومائتا أوقية من الذهب.

وعند أبي يعلي بسند ضعيف: جاء بسبعمائة أو قية ذهب.

وعند أبي ابن عدي بسند واه ضعيف جدا: جاء بعشرة آلاف دينار.

وعند أبى نعيم باسنادين باطلين: جاء بألف دينار.

وعند أحمد وأبي نعيم باسناد معلول: ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها.

وعند ابن عساكر مرسلا: جهز ثلث ذلك الجيش مؤنتهم.

وعند ابن الاثير ما ذكره الطبري وزاد عليه: قيل كانت ثلثمائة بعير وألف دينار.

وعند عماد الدين العامري دعوى مجردة: أنفق ألف دينار، وحمل على تسعمائة وخمسين بعيرا وخمسين فرسا.

وعند الحلبي صاحب السيرة قولا بلا دليل: جهز عشرة آلاف دينار غير الابل والخيل وهي تسعمائة بعير ومائة فرس والزاد وما يتعلق بذلك حتى ما تربط به الاسقية.

وعند بعض كما في السيرة الحلبية: أعطى ثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها و خمسين فرسا.

وفي رواية عند الحلبي: جاء بعشرة آلاف دينار إلى رسول الله فصبت بين يديه.

فقال: لعل هذه العشرة آلاف غير الذي جهز بها العشرة آلاف إنسان.