فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  ص 330 /

 

فترى كل واحد يكل ويزن ما أنفقه الرجل في جيش العسرة بكيلة مروء‌ته و ميزان كرامته، وما تستدعيه سعة صدره، ورحب ذات يده.

على أن هناك أناسا آخرين شاركوا من جهز الجيش وأربوا، فلا أدري ما الموجب لاختصاص عثمان بتلكم الادعية دونهم ؟ فمن أولئك المجهزين العباس بن عبدالمطلب فإنه حمل مالا يقال إنه تسعون ألفا ( 1 ) وقال صلى الله عليه واله وسلم: العباس عم نبيكم أجود قريش كفا وأحناه عليها. وفي حديث: أوصلهالها " مستدرك الحاكم 3: 328 "

وأول من حمل ماله كله هو أبوبكر على زعم القوم فإنه جاء بماله كله فقال له رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: هل أبقيت شيئا ؟ قال: الله ورسوله ( 2 ) وهب أن ما حمله أبوبكر كان نزرا يسيرا لكنه أنفق بكل ماله إن صدق الحديث وكمال الجود بذل الموجود. فما الذي أرجأه من الحظوة بالدعاء له ورسول الله صلى الله عليه واله وسلم: يراه أمن الناس عليه بماله ؟ وقد جاء عنه صلى الله عليه واله وسلم فيما رواه أحمد في مسنده 1: 270

قوله: ليس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة.

على أن طبع الحال يستدعي أن يكون هناك منفقون آخرون لان عدد الجيش كان ثلاثين ألفا وعشرة آلاف فرس وإثنا عشر ألف بعير عند كثير من المؤرخين، وعند أبي زرعة كانوا سبعين ألفا، وفي رواية أربعين ألفا ( 3 ) وما ذكروه من النفقات لعثمان وغيره لاتفي بتجهيز هذا الجيش اللجب، فلماذا حرم اولئك كلهم من الدعاء وحظى به عثمان فحسب ؟ أنا أنبئك لماذا، وجد عثمان بعد ما خذل وقتل أنصارا ينحتون له الفضائل، وتصرمت أيام اولئك من غير نصير مفتعل.

وإليك جملة مما روي في الباب وافية للنهوض بإثبات بطلان ما يهتف به من المبالغة في أمر التجهيز المذكور، منها:

24 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1: 59 من طريق حبيب بن أبي حبيب أبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) امتاع المقريزى ص 446.

( 2 ) تاريخ ابن عساكر 1: 110، شرح المواهب للزرقانى 3: 64، السيرة الحلبية: 145

( 3 ) طبقات ابن سعد رقم التسلسل 683، تاريخ ابن عساكر 1: 111، امتاع المقريزى ص 650، فتح البارى 8: 93، المواهب اللدنبة 1: 173، ارشاد السارى 6: 438، شرح بهجة المحافل 2: 30.

 

 

 /  ص 331 /

 

محمد البصري - كاتب مالك - عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: لما جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة جاء عثمان بألف دينار فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أللهم لا تنس لعثمان، ما على عثمان ما عمل بعد هذا.

قال الاميني: أتخفى على مثل الحافظ أبي نعيم أقوال أئمة الفن من قومه في حبيب كاتب مالك ؟ قال عبدالله بن أحمد - إمام الحنابلة - عن أبيه انه قال: حبيب ليس بثقة قدم علينا رجل أحسبه قال من خراسان كتب عنه كتابا. إلى أن قال: قال أبي: كان يكذب، ولم يكن أبي يوثقه ولا يرضاه وأثنى عليه شرا وسوء.

وقال أبوداود: كان من أكذب الناس كان يضع الحديث. وقال أبوحاتم: متروك الحديث روى عن ابن أخي الزهري أحاديث موضوعة. وقال النسائي والازدي، متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان يدخل على الشيوخ الثقات ما ليس من حديثهم. و

قال: أحاديثه كلها موضوعة وذكر له عدة أحاديث عن هشام بن سعد وغيره وقال: كلها موضوعة، وعامة حديثه موضوع المتن، مقلوب الاسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بين في الكذب. وقال أبوأحمد الحاكم: ذاهب الحديث . وقال سهل بن عسكر: كتبنا عنه عشرين حديثا وعرضناها على ابن المديني فقال:

هذا كله كذب، وقال النسائي: متروك أحاديثه كلها موضوعة عن مالك وغيره ( 1)

وأخرجه أحمد من طريق ضمرة بن ربيعة الدمشقي الرملي، قال الساجي: صدوق يهم عنده مناكير، وجاء ضمرة عن الثوري عن ابن دينار عن ابن عمر بحديث فأنكره أحمد ورده ردا شديدا، وقال: لو قال رجل إن هذا كذب لما كان مخطئا.

وأخرجه الترمذي وقال: لا يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث راجع تهذيب التهذيب 4: 461. ( ومنها )

25 ـ أخرج أحمد في مسنده 1: 74 من طريق محمد بن أبي بكر المقدمى البصري عن محمد بن عبدالله الانصاري البصري عن هلال بن حق البصري عن سعيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ميزان الاعتدال 1: 210، تذكرة الموضوعات للمقدسى ص 90، مجمع الزوائد للهيثمى 9: 74، تهذيب التهذيب 2: 181، اللئالى المصنوعة 1: 8، 230، خلاصة الكمال ص 60، أسنى المطالب ص 216.

 

 

 /  ص 332 /

 

الجريري ( 1 ) البصري عن ثمامة القشيري قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان رضي الله

عنه فطلع عليهم إطلاعة فقال: ادعولي صاحبيكم اللذين ( 2 ) ألباكم علي فدعيا له فقال: نشدتكما الله أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله فقال:

من يشتري هذه البقعة من خالص ماله ؟ فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة. فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين ؟ وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين.

ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر

يستعذب منه إلا رومة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلى المسلمين ؟ وله خير منها في الجنة. فاشتريتها من خالص مالي ؟ فأنتم تمنعوني

أن أشرب منها. ثم قال هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة ؟ قالوا: أللهم نعم.

وذكره البلاذري في الانساب 5: 5، 6 من طريق يحيى بن أبي الحجاج البصري

عن سعيد الجريري وزاد: فانشدكما الله هل تعلمان أني جهزت جيش العسرة من مالي ؟

قالا: أللهم نعم. قال: انشدكما الله هل تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بثبير، أو قال: بحراء. فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته إلى الحضيض فركضه برجله فقال: اسكن

فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ؟ قالا: أللهم نعم.

وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى 6: 168 من طريق يحيى بن أبي الحجاج عن الجريري عن ثمامة.

 

(رجال الاسناد):

1 ـ محمد بن عبدالله الانصاري: قال العقيلي: منكر الحديث. وقال أبوأحمد الحاكم: روى يحيى بن خذام عنه عن مالك بن دينار أحاديث منكرة والله أعلم الحمل فيه عليه أو على يحيى. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدا يروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، لايجوز الاحتجاج به وقال: ابن طاهر: كذاب. وقال الحاكم النيسابوري:

يروي أحاديث موضوعة. وقال أبوالفضل الهروي: ضعيف. وقال الازدي: منكر الحديث

جدا روى عن مالك بن دينار أحاديث معاضيل: تهذيب التهذيب 9: 256.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الجريرى بضم الجيم وفتح الراء نسبة إلى جرير بن عباد.

( 2 ) يعنى طلحة والزبير، ووقعت التسمية في غير واحد من أحاديث المناشدة وكلها أكاذيب.

 

 

 /  ص 333 /

 

لايحسب الباحث أن محمد بن عبدالله الانصاري هذا هو عبدالله البصري محمد ابن عبدالله بن المثنى فإنه يروي عن سعيد الجريري بلا واسطة كما في تهذيب التهذيب 4: 6 وج 9: 274 والذى يروي عنه بالواسطة هو هذا الانصاري المترجم له.

1 ـ سعيد أبومسعود الجريري وهو وإن كان ثقة في نفسه لكنه لاتصح روايته لاختلاطه ثلاث سنين من عمره، قال أبوحاتم: تغير حفظه قبل موته فمن كتب عنه قديما فهو صالح. وقال يزيد بن هارون ربما ابتلانا الجريري وكان قد أنكر. وقال ابن معين عن ابن عدي: لا نكذب الله سمعنا من الجريري وهو مختلط. وقال ابن حبان: اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين. وقال يحيى بن سعيد لعيسى بن يونس: أسمعت من الجريري ؟ قال: نعم. قال: لاترو عنه، يعني لانه سمع منه بعد اختلاطه. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء‌الله إلا انه اختلط آخر عمره " تهذيب التهذيب 4: 6 ".

3 ـ يحيى بن أبي الحجاج البصري في طريق البلاذري. قال النسائي وابن معين:

ابن أبي الحجاج ليس بشئ. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي.

ونحن لو غاضينا العثمانيين على صحة هذه الرواية وأمثالها فانها تعود وبالا على عثمان أكثر منها منقبة فإن في صريحها أن الرجلين وهما من العشرة المبشرة ومن الستة أصحاب الشوري وفي الجبهة والسنام من الصحابة العدول " عند القوم " إعترفا له بما استنشدهما لكنهما لم يأبها بما حاوله عثمان من مفاد الرواية فاستمرا على التأليب عليه والضغط والتشديد، فهل هو مجابهة منهما لما ثبت عن الرسول صلى الله عليه واله وسلم ؟ " ويرده عدلهما وكونهما من العشرة " أو أنهما علما أن الشئ حدث بعده شئ أزاح موضوعه ؟ وإنما كان قول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في مرحلة الاقتضاء من آثار تلكم الاعمال الطبيعية إذا استمر صاحبها على ما هو عليه في هاتيك الاحوال، ولم يحدث موانع فانهما كانا يرتئيان حدوث موانع هنالك سالبة لاثر الاقتضاء. وبهذا الاعتقاد مضيا مصرين على ما ارتكباه من أمر الخليفة، وهما يريانه حائدا عن الصراط السوي.

ولعل عثمان نفسه ما كان جازما ببقاء تلكم الآثار التي كان نوه بها النبي الاعظم صلى الله عليه واله وسلم نظرا منه لما أحدث بعد ذلك من الحوادث، ولذلك كان يحاذر أن يكون هو الرجل الذي أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم من أنه يلحد بمكة رجل عليه

 

 

 /  ص 334 /

 

نصف عذاب أهل الارض كمامر حديثه الصحيح في ص 152 من هذا الجزء.

ويشبه طلحة والزبير بل وعثمان نفسه بقية الصحابة المجهزين عليه فيما بيناه من الاعتقاد في حق الرجل. فراجع ما قدمناه من أقوالهم وأعمالهم المذكورة في الجزء الثامن وفي هذا الجزء ص 69 - 163، ولا تنس قولهم له في مناشدته المذكورة في ص 204: وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله فانك قد كنت ذا قدم وسلف وكنت أهلا للولاية، ولكن: بدلت بعد ذلك وأحدثت ما قدعلمت.

وقولهم له: وأما قولك: إنه لايحل إلا قتل ثلاثة فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الارض فسادا، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيت، ومنعت الحق، وحلت دونه، وكابرت عليه. الخ.

ونظير هذه الاقوال الكثير المعرب عن آراء الصحابة فيه وفي أحداثه، وكلها تكذب القول بأن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله يسمي الرجل شهيدا. نعوذ بالله من الاختلاق بلاتدبر

(ومنها ):

26 - أخرج سيف بن عمر في الفتوح من طريق صعصعة بن معاوية التيمي قال:

أرسل عثمان وهو محصور إلى علي وطلحة والزبير وغيرهم. فقال: احضروا غدا فأشرف

عليهم وقال: أنشدكم الله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر رومة فله الجنة. فحفرتها ؟ ألستم تعلمون انه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة. فجهزته ؟ قال: فصدقوه بما قال.

ذكره ابن حجر في فتح الباري 5: 314 وقال: وللنسائي من طريق الاحنف بن قيس إن الذين صدقوه بذلك هم: علي بن أبي طالب وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص.

ترى ابن حجر هاهنا ساكتا عن الغمز في هذه الرواية وهو الذي جمع أقوال الحفاظ في سيف بن عمر من انه ضعيف، متروك، ساقط، وضاع، عامة حديثه منكر، يروي الموضوعات عن الاثبات، كان يضع الحديث، واتهم بالزندقة " راجع ج 8: ص 84، 333 من كتابنا هذا وكأنه أراد من عد من صدق عثمان في دعواه إثبات فضيلة له ذاهلا عن أن كثرة

 

 

 /  ص 335 /

 

 المصدقين في المقامين على تقدير صحة الخبر - وأنى هي ؟ - تزيد عارا وشنارا على الرجل، وتعود وبالا عليه أكثر منها منقبة كمامر بيانه، وإني لا أشك في أن الباحث بعد هذا البيان الضافي لايقيم لهذه المناشدة وزنا وإن خرجه البخاري في صحيحه في كتاب الوصايا باب إذا وقف أرضا أو بئرا ج 4 ص 236 ( 1 ) وما أكثر بين دفتي هذا الصحيح من سقيم يجب أن يضرب به عرض الحائط كما هو الظاهر لدى من يراجع كتاب " أبوهريرة " لسيدنا الآية شرف الدين وغيره من تآليفه، وسنوقفك على جلية الحال في الاجزاء الآتية إن شاء الله تعالى. ومنها:

27 ـ أخرج أسد بن موسى في فضائل الصحابة عن قتادة البصري قال ؟ حمل عثمان على ألف بعير وسبعين فرسا في العسرة.

ذكره ابن حجر في فتح الباري 5: 315 وقال: مرسل. ولم يسم ابن حجر رجال الاسناد بين أسد بن موسى وبين قتادة وكذلك من قتادة إلى منتهى السند، فالرواية مرسلة من الطرفين، ولعل في مرحلتي السند أناس من الوضاعين المفضوحين ستر عليهم أسد بني مروان بذيل أمانته، وراقه الابقاء على كرامة الحديث بإسقاطهم، وأسد ابن موسى هو حفيد الوليد بن عبدالملك بن مروان الاموي قال النسائي مع توثيقه: لو لم يصنف كان خيرا له. وقال ابن يونس: حدث بأحاديث منكرة وأحسب الآفة من غيره. وقال ابن حزم: منكر الحديث ضعيف. وقال عبدالحق: لايحتج به عندهم ( 2)

(ومنها ):

28 ـ أخرج أبويعلى من وجه آخر فيه قال: فجاء عثمان بسبعمائة أوقية ذهب.

ذكره ابن حجر في الفتح 5: 315 وقال: ضعيف. وليته كان يذكره بإسناده حتى كنا نوقف الباحث على ترجمة رجاله الكذابين. ( ومنها ):

29 ـ أخرج ابن عدي من طريق عمار بن هارون ( 3 ) ابي ياسر المستملي عن إسحاق ابن ابراهيم المستملي عن أبي وائل عن حذيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) اخرجه من طريق ابى اسحاق السبيعى الشيعى المدلس وقد مرت ترجمته في ج 7: 276 وانه ضعيف جدا لايحتج بحديثه، عن ابى عبدالرحمن العثمانى.

( 2 ) ميزان الاعتدال 1: 97، تهذيب التهذيب 1: 260.

( 3 ) في تاريخ ابن كثير: عمار بن ياسر المستملى. والصحيح ما ذكرناه.

 

 

 /  ص 336 /

 

يستعينه في غزاة غزاها فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار فوضعها بين يديه فجعل يقلبها بين يديه ويدعو له: غفر الله لك يا عثمان ! ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها.

ذكره ابن كثير في تاريخه 7: 212 ساكتا عما في إسناده من العلل عاداته في فضائل من غمره حبه، وأورده ابن حجر في فتح البارى 5: 315 فقال: سند ضعيف

جدا. وقال في ج 7 ص 43: سنده واه. وذكره القسطلاني في المواهب اللدنية 1:172 ساكتا عن علله وعقبه الزرقاني بقول إبن حجر راجع شرح المواهب 3: 65، و

ستوافيك ترجمة بعض رجال الاسناد الضعفاء في هذا الجزء.

وذكر ابن كثير في تاريخه 7: 212 وقال: روى الحسن بن عرفة عن محمد بن القاسم الاسدي الشامي عن الاوزاعي الشامي عن حسان بن عطية الدمشقي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا انه قال لعثمان: غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة.

قال الاميني: لولم يكن في إسناد هذه الاكذوبة المرسلة إلا محمد بن القاسم الذي كان عثمانيا كما قاله العجلي لكفاه وهنا، أيخفى على ابن كثير المحتج بها قول النسائي في محمد بن القاسم: انه ليس بثقة كذبه أحمد ؟ أم قول الترمذي: تكلم فيه أحمد وضعفه ؟ أم قول أبي حاتم: ليس بقوي لايعجبني حديثه ؟ أم قول أبي داود: انه غير ثقة ولا مأمون أحاديثه موضوعة ؟ أم قول ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه ؟ أم قول البراء: حدث بأحاديث لم يتابع عليها ؟ أم قول الدارقطني: كذاب ؟ أم قول ابن القاسم: أحاديثه موضوعة ليس بشئ ؟ أم قول البخاري عن أحمد: رمينا حديثه ؟ أم قوله في موضع آخر: كذبه أحمد ؟ أم قول ابن حبان: يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم لايجوز الاحتجاج به ؟ أم قول العقيلي: يعرف وينكر، تركه أحمد و قال: أحاديثه أحاديث سوء ؟ أم قول أبي أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم ؟ أم قول البغوي: ضعيف الحديث ؟ أم قول الازدي: متروك ( 1 )

وهذا كاف في وهن السند وبطلانه، وإن غضضنا الطرف عن بقية ما فيه من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ميزان الاعتدال 3: 122، تهذيب التهذيب 9: 407.

 

 

 /  ص 337 /

 

الشاميين أعداء الحق وأضداد العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، وما فيه من الارسال الموهن للرواية، ودع عنك ما في متنه مما يضاد الاصول المسلمة من الترخيص في المعصية مما هو كائن إلى يوم القيامة، فهو يوجب التجري على المعاصي فيما يستقبل الرجل من الايام، وأي إنسان غير معصوم يقال له: ان كل ما سوف ترتكبه من المآتم مغفور لك. فلا تحدوه شهواته إلى توهين اقترافها، واستسهال ركوبها ؟ والشهوة غريزة في الانسان تقوده إلى مهاوي الهلكة كل حين، والمعصوم من عصمه الله تعالى.

نعم حقا يقال: إن سيرة عثمان تصدق هذه الرواية فانها لاتشبه إلا سيرة من رخص بالمآثم، وأذن لاقتحام الطامات والموبقات، وبشر بغفران هناته وعثراته، فكان غير مكترث لمغبة فعاله، ولا مبال بمعرة مقاله. وهب إن الحسنات يذهبن السيئات من غير حقوق الناس والكبائر المخرجة عن الدين التي سلفت من الانسان، ولكن أي عمل بار في الشريعة " ولا أقول من أعمال عثمان فحسب ". يبيح للمكلف السيئات فيما يأتي من عمره إلى يوم القيامة ويبشره بالمغفرة فيها جمعاء ؟ وليس في ميزان الاعمال ما هو أرجح من الايمان ومع ذلك فهو غير ممتاز عما سواه بمغفرة ما يأتي به صاحبه في المستقبل، وإنما يجب ما قبله، والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ( 1 )، وإلا لبطلت المواعيد والعقوبات المتوجه خطابها إلى المؤمنين أجمع.

وإنا لم نجد في أعمال عثمان عملا بار ايستدعي هذه المغالاة الخارجة عن اصول الاسلام، غير ما أنفقه على جيش العسرة إن صح من ذلك شئ، وما خسره على بئر رومة، وقد علمت أن جيش العسرة أنفق عليه غيره ما هو أكثر مما أنفقه هو، وما أكثر من حفر الآبار وكرى الانهار وسبل مياهها للمسلمين، فلو كان عمل عثمان هذا يستدعى المغفرة إلى يوم القيامة لوجب أن يغفر لاولئك الاقوام والامم ذنوبهم إلى ما بعد القيامة بفئام، لكن الحظوظ ساعدت عثمان ولم تساعدهم. فتبصر واعجب.

وهل علمت الصحابة بهذا الغفران ثم نقموا عليه ما كان ينجم منه من هنات بعد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة محمد: آية 2.

 

 

 /  ص 338 /

 

هنات فلم يغفروها له مخالفين لله ولرسوله صلى الله عليه واله وسلم وهم عدول ؟ أو انهم سمعوا هذه الافيكة ثم أودعوها في محفظة الاباطيل ؟ غير أن ظني بها أن ميلادها بعد واقعة الدار وانها كانت في أصلاب الوضاعين عند الحصارين، وفي حش كوكب، وفي مقبرة اليهود

ولم تلدها بعد أمها العاقر، حتى فسح المجال لاستيلادها على أيدي قوابل عهد معاوية فما بعد.

30 ـ أخرج أحمد في مسنده 1: 70 عن بهز أبي الاسود البصري عن أبي عوانة الوضاح البصري عن حصين عن عمرو بن جاوان البصري عن الاحنف بن قيس البصري

قال: انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة فبينما نحن في منزلنا إذ جاء‌نا آت فقال: الناس من فزع في المسجد. فانطلقت أنا وصاحبي فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي فقال: أهاهنا على ؟ قالوا: نعم. قال أهناهنا طلحة ؟ قالوا: نعم. قال: أهاهنا سعد ؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعته. فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك ؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يبتاع بئر رومة. فابتعتها بكذا وكذا فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني قد ابتعتها يعني بئر رومة فقال: اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك ؟ قالوا: نعم. قال: أنشدكم

بالله الذي لاإله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟

قالوا: أللهم نعم. قال اللهم اشهد. أللهم اشهد. أللهم اشهد. ثم انصرف. وأخرجه

البيهقي في السنن الكبرى 6: 167 بالاسناد المذكور.

قال الاميني: زعم البصريون جند المرأة انهم يسعهم تدارك تجمهر صلحاء البصرة على عثمان بتسطير أمثال هذه الافائك المفتعلة، وحسبوا انهم يبررون ساحة الرجل من تلكم الهنات الموبقة التي سجلها له التاريخ، ذاهلين عن أن صحة هذه الاساطير تزيد عليه وبالا، فبعد ما سمع أعاظم الصحابة حجاجه هذه، وقرعت سمعهم تلكم

 

 

 /  ص 339 /

 

المناشدات وما أصاخوا إليها، وما زحزحوا عما كانوا عليه من خذلانه إلى التأليب عليه إلى الوقيعة فيه بكل ما يوهنه ويزريه إلى قتله إلى كسر أضالعه إلى رمي جنازته إلى دفنه في مقابر اليهود، وبعد ما أصرت الامة على مقته مجمعة على النقمة عليه وهي لا تجتمع على الخطأ كما يحسبون، لم يبق للرجل أي قيمة في سوق الاعتبار وإن اخلتقت يد الافتعال له ألف أسطورة.

وتحصل مما قدمناه ان الاجور المذكورة على تقدير الصحة كانت مرتبة على الاعمال ولم تكن حقوقا ثابتة للرجال فهي تدور مع الاعمال إن لم يبطلها ماهو أقوى منها كما هو الحال في المقتضيات المقارنة بالموانع، وكان معتقد القوم فيما استنشدهم عثمان انها مقرونة بها، فلذلك لم يقيموا لكل ما استنشدهم فيه وزنا إن كانت للمزاعم حقيقة.

(ومنها ):

31 ـ أخرج البيهقي في السنن الكبرى 6: 167 من طريق أبي اسحاق السبيعي عن أبي عبدالرحمن السلمي قال: لما حصر عثمان بن عفان رضي الله عنه وأحيط بداره أشرف على الناس فقال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فقال: اسكن حراء فما عليك إلا نبي او صديق أو شهيد ؟ قالوا: أللهم نعم. قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في غزوة العسرة: من ينفق نفقة متقبلة. والناس يومئذ معسرون مجهودون فجهزت ذلك الجيش من مالي ؟ قالوا: أللهم نعم. ثم قال: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلا بثمن فابتعتها بمالي فجعلها للغني والفقير وابن السبيل ؟ قالوا: أللهم نعم. في أشياء عددها.

في الاسناد أبواسحاق السبيعي وقد مر في الجزء السابع ص 276: انه مدلس أفسد حديث أهل الكوفة، ضعيف جدا لا يحتج بحديثه. وأما أبوعبدالرحمن فهو عثماني لايعول عليه ولايركن إلى حديثه.

32 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5: 10 عن المدائني عن عباد بن راشد البصري عن الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يجهز هذا الجيش بشفاعة

 

 

 /  ص 340 /

 

 متقبلة ؟ فقال عثمان: يا رسول الله بشفاعة متقبلة ؟ قال: نعم على الله ورسوله. قال: أنا أجهزهم بسبعين ألفا.

قال الاميني: هذا الجيش جهزه الحسن البصري بعد سنين من وفاة النبي الاقدس وقد ولد الرجل بسنتين بقيتا من خلافة عمر، ولعله نظر إلى ذلك الموقف واسترق السمع من وراء ستر رقيق في صلب أبيه، أو أوعز بارسال الرواية إلى بطلانها، وغير بعيد أن يكون عباد بن راشد هو الذي تقول بها على الحسن وهو برئ منها. قال الدوري عن ابن معين: حديث عباد ليس بالقوي ولكن يكتب ( يعني للاعتبار )

وقال الدورقي عن ابن معين: ضعيف: وقال البخاري والازدي: تركه يحيى القطان وقال أبوداود: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن المديني: لا أعرف حاله. وقال ابن البرقي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان كان ممن يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب انه كان المعتمد فبطل الاحتجاج به، روى عن الحسن حديثا طويلا أكثره موضوع ( 1 ). ( ومنها ):

33 ـ أخرج أبونعيم في حلية الاولياء 1. 58 من طريق إبراهيم بن سعدان عن بكر بن بكار البصري عن عيسى بن المسيب عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال: اشترى عثمان بن عفان من رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة مرتين بيع الخلق: حين حفر بئر رومة،

وحين جهز جيش العسرة.

(رجال الاسناد)

1 - بكربن بكار أبوعمرو البصري قال ابن أبي حاتم: ضعيف الحديث سيئ الحفظ له تخليط. وقال ابن معين: ليس بشئ. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أيضا: ليس بثقة. وقال أبوحاتم: ليس بالقوي. وذكره العقيلي وابن الجارود والساجي في الضعفاء ( 2 )

2 ـ عيسى بن المسيب. قال يحيى والنسائي والدارقطني: ضعيف - وقال أبوحاتم وأبوزرعة: ليس بالقوي. وتكلم فيه ابن حبان وغيره. وقال أبوداود: ضعيف. وقال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تهذيب التهذيب 5: 92.

( 2 ) ميزان الاعتدال 1: 160. تهذيب التهذيب 1: 48، لسان الميزان 2: 48.

 

 

 /  ص 341 /

 

يحيى بن معين أيضا: ليس بشئ. وقال ابن حبان: يقلب الاخبار ولا يفهم ويخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به. (لسان الميزان 4: 405 )

والباحث جد عليم بأن الصحابة لم تكن على يقين من هذا البيع المزعوم وإلا لما تجمهروا على مقت الرجل وخذلانه، ولم يكن عثمان نفسه على ثقة بذلك أيضا و إلا لما كان حذيرا من أن يكون هو الملحد بمكة الذي عليه نصف عذاب أهل الارض كمامر حديثه في هذا الجزء ص 153. ( ومنها ):

34 ـ أخرج أحمد في المسند 4: 75، وأبونعيم في الحلية 1: 58 من طريقين أحدهما عن عبدالله بن جعفر عن يونس بن حبيب عن أبي داود. والاخر: عن فاروق ابن الخطابي عن أبي مسلم الكجي عن حجاج بن نصر ( 1 ) " أبي محمد البصري " قالاثنا سكن بن المغيرة الاموي ( البصري مولى آل عثمان ) عن الوليد بن أبي هشام البصري عن فرقد بن أبي طلحة عن عبدالرحمن بن أبي خباب ( 2 ) السلمي البصري قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة فقال عثمان: علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها.

قال: ثم حث فقال عثمان: علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها قال: ثم حث فقال عثمان: علي مائة اخرى بأحلاسها وأقتابها. فرأيت النبي صلى الله وعليه وسلم يقول بيده يحركها ما على عثمان ما عمل بعد هذا.

قال الاميني: هلا مخبر يخبرني عن هذا الصحابي البصري الذي لا يعرف إلا بحديثه هذا ؟ ولا يعلم من تاريخ حياته شئ غير اختلاقه هذه الرواية، ولا يروي عن النبي الاعظم إلا هذه الخطبة المزعومة كما صرح به ابن عبدالبر في " الاستيعاب " و ابن حجر في " الاصابة "، ولم يسمعها صحابي قط غيره منه صلى الله عليه واله وسلم ثم يخبرني ذلك المخبر عمن انتهى إليه الاسناد أن فرقد بن طلحة، من هو ؟ ومتى ولد ؟ وأين وأنى كان ؟ وما المعروف من ترجمته ؟ فكأني به وهو يجيبني بما قاله علي بن المديني: لا أعرفه ( 3 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا في النسخ والصحيح: نصير بضم النون مصغرا.

( 2 ) كذا في النسخ والصحيح: عبدالرحمن بن خباب.

( 3 ) تهذيب التهذيب 7: 264.

 

 

 /  ص 342 /

 

وهل تخفى على إمام أو حافظ في الحديث آراء رجال الجرح والتعديل في حجاج ابن نصير ؟ وقد ورد فيه قول ابن معين: ضعيف. وقول علي بن المديني: ذهب حديثه كان الناس لا يحدثون عنه، وقول النسائي: ضعيف. وقوله ايضا: ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقول ابن حبان: يخطئ ويهم. وقول العجلي: كان معروفا بالحديث ولكنه أفسده أهل الحديث بالتلقين كان يلقن وأدخل في حديثه ما ليس منه فترك. وقول ابن سعد كان ضعيفا. وقول الدار قطني والازدي: ضعيف: وقول أبي أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقول الآجري عن أبي داود: تركوا حديثه. وقول ابن قانع: ضعيف لين الحديث ( 2 )

وإني أحسب أن الآفة من سكن بن المغيرة وأنه أدى حقوق آل عثمان - وهو مولاهم - باختلاق هذه المنقبة لعثمان، ولا ينافي ذلك كونه صالحا إمام جمعة وجماعة، وكم وكم صلحاء وضاعين، ومن أئمة كذابين ؟ راجع الجزء الخامس من كتابنا هذاسلسلة الكذابين والوضاعين. ( ومنها ):

35 ـ أخرج أبونعيم في الحلية 1: 59 من طريق عمر بن هارون البلخي عن عبدالله بن شوذب البصري ثم المقدسي عن عبدالله بن القاسم عن كثير بن أبي كثير البصري مولى سمرة ( 2 ) عن عبدالله بن سمرة عامل معاوية بن أبي سفيان على البصرة قال: كنت مع رسول الله صلى الله وعليه وسلم في جيش العسرة فجاء عثمان بألف دينار فنثرها بين يدي رسول الله صلى الله وعليه وسلم ثم ولى قال: فسمعت رسول الله صلى الله وعليه وسلم وهو يقلب الدنانير وهو يقول: ما يضر عثمان ما فعل بعد هذااليوم.

وفي لفظ أحمد في المسند 5: 63: ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم. يرددها مرارا.

وذكره ابن الجوزي في التبصرة كما في تلخيصها قرة العيون المبصرة 1: 179

قال الاميني: ألا تعجب من حفاظ يروون عن كذاب خبيث مرسلين روايته إرسال المسلم يمرون بها كراما ؟ أي قيمة في سوق الاعتبار لرواية جاء بها عمر بن هارون ؟ وقد جاء فيه قول ابن سعيد: كتب الناس عنه كتابا كبيرا وتركوا حديثه وقول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تهذيب التهذيب 2: 209.

( 2 ) وفي مسند احمد: مولى عبدالرحمن بن سمرة عن عبدالرحمن بن سمرة.

 

 

 /  ص 343 /

 

البخاري: تكلم فيه يحيى بن معين و قال: عمر بن هارون كذاب قدم مكة وقد مات جعفر بن محمد فحدث عنه. وقول ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: تكلم فيه ابن المبارك فدهب حديثه، قلت لابي: إن الاشج حدثنا عنه فقال: هو ضعيف الحديث نخسه ابن المبارك نخسة. و قول قتيبة: قلت لجرير: إن عمربن هارون حدثنا عن القاسم بن مبرور قال: نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كاتبك هذاأمين ( يعني معاوية ) فقال جرير اذهب إليه فقل له: كذبت. رواها العقيلي. وعن أحمد إنه قال: لا أروي عنه شيئا وقد أكثرت عنه. وقول ابن مهدي: لم يكن له عندي قيمة حدثني بأحاديث فلما قدم مرة اخرى حدث بها عن ابن عباس عن اولئك فتركت حديثه.

و قول أبي زكريا: عمربن هارون: كذاب خبيث ليس حديثه بشئ، قد كتبت عنه و بت على بابه وذهبنا معه إلى النهروان، ثم تبين لنا أمره فحرقت حديثه ما عندي عنه كلمة. وقول ابن محرز عن ابن معين: ليس هو بثقة وبنحوه قال الغلابي عنه. وقال عنه مرة: ضعيف. وقول أبي داود عنه: غير ثقة. وقول ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن معين: ليس بشئ: وقول جعفر الطيالسي عن ابن معين: يكذب. وقول عبدالله بن علي بن المديني: سألت أبي عنه فضعفه جدا. وقول ابراهيم بن موسى: الناس تركوا حديثه. وقول الجوزجاني: لم يقنع الناس بحديثه. وقول النسائي وصالح بن محمد وأبي علي الحافظ: متروك الحديث. وقول الساجي فيه ضعف وقول الدار قطني: ضعيف. وقول أبي نعيم: حدث بالمناكير لاشئ ( 1 ) و قول العجلي: ضعيف. وقول ابن حبان: يروي عن الثقات المعضلات ويدعي شيوخا

لم يرهم ( 2 )

وفي الاسناد: كثير بن أبي كثير ذكر العقيلي في الضعفاء، وقال ابن حزم وعبدالحق : انه مجهول، ولو كان لتوثيق العجلي الرجل وزن لما جهله الحافظان ولم يضعفه العقيلي، وأي قيمة لثقة العجلي وهو يوثق عمربن سعد قاتل الامام السبط الشهيد و نظرائه من المهتوكين المفضوحين ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ليت أبى نعيم كان على ذكر من رأيه هذا في الرجل حين اخرج من طريقه هذه المنقبة المزيفة.

( 2 ) تهذيب التهذيب 7: 502 – 505

 

 

 /  ص 344 /

 

وفي طريق أحمد مضافا إلى كثير ضمرة بن ربيعة وقد مر فيه قول الساجي: صدوق يهم، عنده مناكير. وروى ضمرة عن الثوري عن عبدالله بن دينار عن ابن عمر حديثا أنكره أحمد ورده ردا شديد. وقال: لو قال رجل: إن هذا كذب لما كان مخطئا وأخرجه الترمذي وقال: لا يتابع ضمرة عليه وهو خطأ عند أهل الحديث.

فهذه مكانة الرجل من الرواية وإن كان ثقة مأمونا، وأكبرالظن أن الآفة في هذه الرواية من ابن سمرة وانه اختلقها تقربا إلى اعطيات معاوية وهباته التي كانت تصل من دون وزن وكيل إلى وضاعي الاحاديث ورجال الاختلاق الذين لاخلاق لهم.

(ومنها):

36 ـ عن مسعر عن عطية عن أبي سعيد قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله من أول

الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه لعثمان يقول: أللهم عثمان رضيت عنه فارض عنه.

ذكره ابن الجوزي في كتابه ( التبصرة ) كما في تلخيصه ( 1 ) 1: 179 مرسلا إياه إرسال المسلم، وهو أول حديث ذكره في فضائل عثمان، وذكره الواحدى في أسباب النزول مرسلا ص 61 فزاد: فأنزل الله تعالى فيه: الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ( 2 )

وذكره ابن كثير في تاريخه 7: 212 ولم يذكر من رجال إسناده إلا الثلاثة المذكورة ولعل هو ومن رواه مرسلا وجدوا في سلسلة السند اناسا ساقطين لا يعبأ بهم ولا يحتج بحديثهم، وما راقهم إبطال هذه المنقبة بابداء علله بذكر اولئك الرجال.

ومن العجب العجاب هذا الدؤب منه صلى الله عليه وآله من أول الليل إلى منتهى الفجر على

الدعاء لعثمان الذي فوت عليه مرغباته وفرائضه، فإن صلاة الليل والوتر كانت فريضة عليه صلى الله عليه واله وسلم دون الامة ( 3 ) ولا أدري هل نزل عليه صلى الله عليه وسلم وحي جديد يأمره باستبدال نوافله وفرائضه في تلك الليلة بدعاء عثمان ؟ أو ماذا كان فيها ؟ نعم: الذي يظهر من السيوطي في الخصائص الكبرى 2: 164 - 170، إن ذلك الوحي لم ينزل، وإن الدعاء لعثمان لم يكن فضلا عن استيعابه الليل كله فإنه ذكر فيها كل من دعى له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الموسوم بقرة العيون المبصرة تأليف الشيخ ابى بكرابن الشيخ محمد الملا الحنفى.

( 2 ) سورة البقرة: 262.

( 3 ) راجع الخصائص الكبرى 2: 229.

 

 

 /  ص 345 /

 

وسماهم حتى يهوديا سمت لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولم يعد منهم عثمان.

ولو كان إنفاق عثمان في جيش العسرة موجبا للدعاء المستوعب ليله صلى الله عليه واله وسلم كما يظهر من رواية الواحدي، فانفاق أبي بكر الذي أنفق كل ما كان يملكه ذات يده -

كما يحسبه القوم - وكان يراه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أمن الناس عليه بماله ( 1 ) يستوجب دعاء مستغرقا ليله ونهاره، فأين ؟ وأني ؟ ولو كان كل إنفاق في مهمة يستدعي دعاء الليل فكان عليه صلى الله عليه واله وسلم أن يقضى حياته ليلا ونهارا بالدعاء للمنفقين، وما أكثرهم ؟ ولو كان صلى الله عليه وآله رافعا يديه لعثمان فعليه صلى الله عليه وآله وسلم أن يديم رفعهما في الدعاء لابي بكر ولرجال الانصار المكثرين من الانفاق في السلم الحرب ولغيرهم من أهل اليسار الذين بذلوا كنوزا عامرة من الدرهم والدينار في مهام الاسلام المقدس والدعوة اليه والذب عنه. وأما زيادة الواحدي من نزول الآية الكريمة في عثمان فقد فصلنا القول فيه ومانه لا يصح في الجزء الثامن ص 57

 

 ( بقية مناقب عثمان )

 

38 ـ قال ابن كثير في تاريخه 7: 212: قال ليث بن أبي سليم ( ابن زنيم القرشي مولاهم ): أول من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل والنقى ثم بعث به إلى رسول الله صلى الله وعليه وسلم إلى منزل أم سلمة فلم يصادفه فلما جاء وضعوه بين يديه فقال: من بعث هذا ؟

قالوا: عثمان. قالت: فرفع يديه إلى السماء فقال: أللهم إن عثمان نترضاك فارض عنه.

وذكره السيوطي في مسامرة الاوائل ص 87 نقلا عن البيهقي وابن عساكر من طريق ليث.

قال الاميني: خبص ابن زنيم هذا الخبيص لعثمان بعد لاي من وفاة رسول الله صلى ا لله وعليه واله وسلم وقد مات الرجل بعد المائة والاربعين من الهجرة، ولم يدرك النبي صلى الله وعليه واله وسلم، ولم نعرف الذي أخذ الرواية منه ممن شهد قصعة الخبيص وحضر مشهد الدعاء كما لا يعرف أحد من بقية رجال الاسناد، فالرواية مرسلة من الطرفين.

وأما ابن زنيم فقد جاء فيه عن عبدالله بن أحمد قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ رأيا منه في ليث وابن إسحاق وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم. وقال ابن أبي شيبة وأبوحاتم والجوزجاني: كان ضعيف الحديث. وضعفه ابن سعد وابن معين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مضى في ج 7: 307 وج 8: 33، 58 ط 2.

 

 

 /  ص 346 /

 

وابن عيينه. وقال أحمد وأبوحاتم أيضا وأبوزرعة: مضطرب الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث. وقال يحيى: عامة شيوخه لا يعرفون. وقال ابن حبان: اختلط في آخر عمره فكان يقلب الاسانيد ويرفع المراسل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم، تركه القطان وابن مهدي ابن معين وأحمد. وقال أبوأحمد الحاكم ليس بالقوي عندهم. وقال أبوعبدالله الحاكم: مجمع على سوء حفظه ( 1 ) ألا تعجب من حافظ كابن كثير يذكر رواية هذا شأنها وهذه عللها وذلك متنها المعلول ويرسلها إرسال المسلم في مقام الحجاج ويعدها من فضائل عثمان، ويأتي إلى حديث المؤاخاة الصحيح الثبت المتواتر الوارد من طرق مسندة معنعنة في الصحاح ويتخلص منه بقوله ( 2 ): أسانيدها كلها ضعيفة لا يقوم بشئ منها حجة. والله أعلم ( 3 ) ويروي في تاريخه 7: 357 نزول آية الولاية في علي عليه السلام فقال: هذا لا يصح بوجه من الوجوه لضعف أسانيده، ولم ينزل في علي شئ من القرآن بخصوصيته ( 4 ) حيا الله الامانة، وقاتل الله الحب المعمي والمصم.

ولو كان صلى الله عليه وآله يرفع يديه لكل هدية ولو كانت لقمة خبيص ؟ للزمه أن لا ينزلهما

في أغلب أوقاته لكثرة الهدايا إليه وكثرة مهديها، ولم تكن لعثمان ولخبيصه خاصة توجب أداء حقها دون المؤمنين عامة وهداياهم.

38 ـ أخرج الخطيب البغدادي في تاريخه 6: 321 من طريق عبدالله بن الحسن بن أحمد عن يزيد بن مروان الخلال عن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لكل نبي خليلا من امته وإن خليلي عثمان بن عفان.

قال الاميني: حسبك من عرفان رجال الاسناد كذابان: الخلال والملطي، أما الخلال فقال يحيى بن معين: الخلال كذاب. وقال الدارمي: وقد أدركته وهو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تهذيب التهذيب 8: 468.

( 2 ) راجع تاريخ ابن كثير البداية والنهاية 7: 335.

( 3 ) مر حديث المؤاخاة بطرقها المفصلة في ج 3: 112 - 125 ط 2 ومر الايعاز اليه في هذا الجزء صفحة 317.

( 4 ) اسلفنا في ج 3: 156، 167 ط 2 تفصيل القول في نزول الآية في على عليه السلام،

وصحة روايته، واطباق الفقهاء والمتكلمين والمحدثين والمفسرين على ذلك.

 

 

 /  ص 347 /

 

ضعيف قريب مما قال يحيى: وقال أبوداود. ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف جدا ( 1 )

هذا مجمل القول في الخلال وأما الملطي فقال أحمد: إسحاق من أكذب الناس

وقال ابن معين: كذاب عدو الله رجل سوء خبيث. وقال ابن أبي شيبة عنه: كان ببغداد

قوم يضعون الحديث منهم إسحاق بن نجيح. وقال إبن أبي مريم: إنه من المعروفين بالكذب ووضع الحديث. وقال عمرو بن علي: كذاب كان يضع الحديث وقال الجوزجاني: غير ثقة ولا من أوعية الامانة. وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعات وضعها هو وعامة ما أتى عن ابن جريح بكل منكر ووضعه عليه، وهو بين الامر في الضعفاء وهو ممن يضع الحديث. وقال النسائي: كذاب. وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة يضع الحديث صراحا. وقال البرقاني: نسب إلى الكذب. وقال الجوزقاني كذاب وضاع لايجوز قبول خبره ولا الاحتجاج بحديثه ويجب بيان أمره. وقال أبو سعيد: مشهور بوضع الحديث. وقال ابن طاهر. دجال كذاب. وقال ابن الجوزي: أجمعوا على أنه كان يضع الحديث ( 2 )

ومن العجب سكوت الخطيب عن هذه الرواية وعما في إسنادها من العلل وقد ذكر هو كثير من آراء الحفاظ المذكورة في ترجمة إسحاق ولعله اكتفى بذكرها عن تفنيد الرواية صريحا، وكان مفتعلها لم يقف على المفتعلة الاخرى المرفوعة: لكل نبي خليل وخليلي سعد بن معاذ ( 3 ) ويضاد كلاهما ما جاء به البخاري في صحيحه 5: 243 من القول المعزو إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: لو كنت متخذا خليلا لا تخذت أبا بكر. وقد قدمنا الكلام حول ذلك في الاجزاء الماضية وانه موضوع مختلق أيضا.

39 ـ روى ابن أبى الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبدالملك قالت إنتبه عمر " ابن عبد العزيز " ذات ليلة وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة. فقلت: أخبرني بها فقال: حتى نصبح. فلما صلى بالمسلمين دخل فسألته فقال: رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ميزان الاغتدال 3: 318، لسان الميزان 6، 293.

( 2 ) تاريخ الخطيب 6: 321 - 324، تهذيب التهذيب 1: 252

( 3 ) كنزالعمال 6: 183، منتخب الكنز هامش مسند احمد 5: 231.

 

 

 /  ص 348 /

 

فنادى: أين محمد بن عبدالله ؟ أين رسول الله ؟ إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين أبوبكر الصديق ؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى: أين عمربن الخطاب ؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى: أين عثمان بن عفان ؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى: أين على بن أبي طالب ؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى: أين عمر بن عبدالعزيز ؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبي ( 1 ) عمربن الخطاب وهو عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر عن يمينه وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقلت لابي: من هذا ؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني وبينه نور لا أراه، وهو يقول: يا عمربن عبدالعزيز ! تمسك بما أنت عليه وأثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه اذن لي في الخروج فخرجت فالتفت فإذا عثمان ابن عفان وهو خارج من القصر وهو يقول: الحمدلله الذي نصرني ربي. وإذا على في أثره وهو يقول: الحمدلله الذي غفرلي ربي. وذكره ابن كثير في تاريخه 9: 206.

قال الاميني: أنا لا أزال ارحب بقوم يحاولون إثبات الحقايق بالاطياف، و يجابهون ماثبت في الخارج بالخيال، فتصور لهم ريشة الاوهام عثمان منزها عن كل وصمة عرفتها فيه الصحابة العدول من امة محمد الناظرين إليه من كثب والمشاهدين أعماله الناقمين عليه بها، وقد أهدروا دمه من جرائها، وهم الذين يقتدى بهم وبأقوالهم وأفعالهم عند القوم ويحتذى مثالهم، وبأمثال هذه السفاسف يجرؤن البسطاء على التورط في المآثم بالنظر إلى هذا الانسان المغمور فيها في نظارة مكبرة تريه منزها عن دنس كل حوب، منصورا من الله بعد أن خذلته الصحابة جمعاء.

ولهم هناك نظارة اخرى تصغر المنظور إليه من إمام المسلمين وسيد الخلفاء خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم أميرالمومنين عليه السلام إلى حد اثبتوا له ذنبا مغفورا له.

ألا من مسائل إياهم عن أنه متى صدر هذا الذنب عن إمام المسلمين ؟ أحين عده النبي صلى الله عليه واله وسلم نفسه كما في الذكر الحكيم ؟ أم حين طهره الجليل بقوله تعالى: " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " أم حين قرن ولايته بولايته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) عمربن الخطاب جد عمر عبدالعزيز من امه ام عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب

 

 

 /  ص 349 /

 

وولاية نبيه صلى الله عليه واله وسلم بقوله سبحانه: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين

يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ( 1 ) ؟ أم حين أكمل بولايته الدين وأتم نعمته على المسلمين بقوله عز من قائل: أليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دنيا ( 2 ) ؟. أم حين جعله صلى الله عليه واله وسلم اولى بالناس من أنفسهم كما هو أولى بهم من أنفسهم فرشحه للخلافة الكبرى في حديث الغدير المتواتر المقطوع بصدوره ؟ أم حين جعله عدل القرآن في حديث الثقلين الثابت المتواتر ؟ أم حين أنزله من نفسه بمنزلة هارون من موسى، وفصل بينه وبين نفسه بالنبوة فحسب فقال: إلا أنه لا نبي بعدي ؟ ( 3 )

أم أم إلى ألف أم.

على أنه سلام الله عليه كان حلس بيته والناس متجمهرون على عثمان لا يشاركهم في شئ من أمره، ولعل في الفئة المهملجة من يعد ما كان ينوء به الامام عليه السلام من نهي عثمان عما نقم عليه به من هنات وعثرات وأمره إياه بالمعروف والعمل بالكتاب والسنة فلا يجد منه اذنا مصيخة حتى قال: ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك وغلبت على أمرك ( 4) - ذنبا مغفورا له، ويعده تقوية لجانب الثائرين على الرجل، وما هو من ذلك بشئ، وإنما أراد عليه السلام كشف المثلات عنه باقلاعه عما كان يرتكبه من الموبقات ولكن على حد قول الشاعر:

أمــــرتكم أمري بمنعرج اللوا * فلم تستبين النصح إلاضحى الغد

أو على حد قوله:

وكم سقت في آثاركم من نصيحة * وقــــد يسـتفيد الظــــنة المتنصــــح

فزه زه بهذه المعرفة وحيا الله العلم الناجع الذي يرى صاحبه الواجب ذنبا و المذنب منصورا.

وأحسب ان الذي إفتعل هذه الا كذوبة الخيالية رجل من بسطاء الاكراد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما اسلفناه في الجزء الثالث ص 156 - 167 ط 2.

( 2 ) راجع ما اسلفناه في الجزء الاول ص 231 - 239 ط 2.

( 3 ) راجع مامرفى الجزء الثالث ص 199 - 202 ط 2.

( 4 ) راجع مامره في هذا الجزء ص 172 - 175.

 

 

 /  ص 350 /

 

أو الاعجام البعداء عن العربية وإلا فالعربي الصميم لا يقول: الحمد لله الذي نصرني ربي، والحمد لله الذي غفر لي ربي. ولعمر بن عبدالعزيز منام أشنع من هذه المهزأة يحوي فصل الخصومات الواقعة بين الامام أميرالمؤمنين ومعاوية بن هند، أخرجه أبوبكر بن أبي الدنيا ايضا بالاسناد عن عمر بن عبدالعزيز قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبوبكر وعمر جالسان عنده فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذا اتي بعلي ومعاوية، فادخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة ثم ماكان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة ( 1 )

ويظهر من الجمع بين المنامين أن موقف أميرالمؤمنين علي من عثمان كان كموقف معاوية من علي صلوات الله عليه، موقف الخروج على إمام الوقت، موقف البغي والجور، لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون، والله هو الحكم العدل يوم لا ينفع طيف ولا خيال.

40 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5: 3 من طريق سعيد بن خالد عن صالح بن كيسان " أموي النزعة مؤدب ولد عمر بن عبدالعزيز " عن سعيد بن المسيب قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان فقال: هذا التقي المؤمن الشهيد شبيه ابراهيم.

قال الاميني: كأن سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان الاموي أو سعيد ابن خالد الخزاعي المدني المجمع على ضعفه لم يجد في صحابة النبي الاقدس من يتحمل عب‌ء هذا السرف من القول والغلو في الفضيلة فتركه مرسلا مقطوعة العرى بين سعيد بن المسيب المولود بعد سنتين مضتا من خلافة عمربن الخطاب وبين رسول الله صلى الله عليه وآله.

لعل الباحث بعد قراء‌ة ماسردناه من سيرة الممدوح وآراء الصحابة فيه وإصفاق الامة على النقمة عليه بافعاله وتروكه الشاذة عن التقوى لا يخفى عليه ان تشبيه الرجل بابراهيم النبي عليه السلام جناية على المعصومين وسفه من القول وتره، نعوذ بالله من التقول بلا تعقل.

ولو كان التشبيه بمن كان من الانبياء مقتولا لامكن أن يتصور له وجه شبه ولو مع ألف فارق. غير أن نوبة الظلم عند وضع هذا الحديث كانت قد انتهت إلى خليل الله سلام الله عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ ابن كثير 8: 130.

 

 

 /  ص 351 /

 

وإني أحسب أن مصحصح هذه المهزأة قرع سمعه حديث التشبيه الوارد في مولانا أميرالمؤمنين المذكور في الجزء الثالث ص 355 - 360 ط وراقه من ذلك تشبيهه بخليل الرحمن فحابى الرجل بذلك وقد أعماه الحب عن عدم وجود وجه شبه ولو من جهة واحدة مع التمحل بين نبي معصوم خص بفضيلة الخلة من المولى سبحانه وبين من قتل دون هناته وسقطاته

أنا لا أدري ان هتاف النبي صلى الله وعليه واله وسلم هذا الذي سمعه سعيد بن المسيب المولود

بعده هل سمعته عائشة ومع ذلك كانت تهتف بقولها: اقتلوا نعثلا قتله الله فإنه قد كفر.

وبقولها لابن عباس: يا ابن عباس ! إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فاياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية. وبقولها: وددت والله إنه في غرارة من غرائري هذه وإني طوقت حمله حتى القيه في البحر، وبقولها لمروان: وددت والله إنك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر. وبقولها للداخلين إليها: هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل عثمان قد أبلى سنته. وبقولها لما بلغها نعيه: أبعده الله ذلك بما قدمت يداه وما هو بظلام للعبيد. وبقولها: أبعده الله قتله ذنبه. وأقاده الله بعمله. يا معشر قريش ! لايسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه ( 1 )

وهل سمع حديث التشبيه في عثمان اولئك الصحابة الذين سمعت أقوالهم و أفعالهم حول الرجل ؟ أو أن الحديث كان باطلا فلم يسمعه أحد منهم ؟ الحكم في ذلك أنت أيها القارئ الكريم.

وأخرج رواة السوء من طريق عائشة في التشبيه ماهو أعظم من هذا وأهتك لناموس الاسلام ونبيه الاقدس وإليك نصه:

عن المسيب بن واضح السلمي الحمصي، عن خالد بن عمرو بن أبي الاخيل السلفي الحمصي، عن عمرو بن الازهر العتكي البصري قاضي جرجان، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه واله وسلم أم كلثوم قال لام أيمن خذي بنتي وزفيها إلى عثمان واخفقي بالدف. ففعلت فجاء‌ها النبى صلى الله عليه واله وسلم بعد ثالثة فقال: كيف وجدت بعلك ؟ قالت: خير رجل. قال: أما انه أشبه الناس بجدك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مضى في هذا الجزء من حديث عائشة ص 77 - 86.

 

 

 /  ص 352 /

 

إبرإهيم وأبيك محمد ( 1 )

ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة عمرو بن الازهر فقال: هذا موضوع.

ونحن نقول: رجال الاسناد:

1 ـ المسيب بن واضح، قال أبوحاتم: صدوق يخطئ كثيرا فإذا قيل له لم يقبل وقال الدارقطني: ضعيف. وقال الساجي: تكلموا فيه في أحاديث كثيرة. وقال عبدان

هو وعبدالوهاب بن الضحاك كلاهما سواء ( 2 ) وعبدالوهاب كما مر في الجزء الخامس

ص 242 ط 2: كذاب يضع الحديث متروك كثير الخطأ والوهم وكان معروفا بالكذب

في الرواية.

2 ـ خالد بن عمرو، كذبه الفريابى، ووهاه ابن عدي وغيره، وقال الدار قطني: ضعيف. وقال ابن عدي: له أحاديث مناكير. وذكر الذهبي حديثا من طريقه فقال: باطل ومن بلايا الاخيل حديث كذب في مشيخة ابن شاذان ( 3 )

3 ـ عمرو بن الازهر العتكي، قال أبوسعيد الحداد: كان يكذب مجاوبة، وعن ابن معين انه ليس بثقة ضعيف، وقال البخاري: يرمى بالكذب. وقال النسائي وغيره متروك، وقال أحمد: كان يضع الحديث. وقال عباس الدوري عن يحيى: كان كذابا ضعيفا. وقال الدولابي: متروك الحديث. وقال الجوزجاني: غير ثقة. ميزان الاعتدال 2: 281، لسان الميزان 4: 353.

وأعطف إلى هذه المكذوبة ما أخرجه ابن عدي من طريق زيد بن الحريش عن عمرو بن صالح قاضي رامهرمز عن العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعا:

إنا نشبه عثمان بأبينا إبراهيم.

قال الذهبي: منكر جدا، وقال ابن عدي في ذكر عمرو بن صالح بعد هذا الحديث وله غير هذا مما لا يتابع عليه.

41 ـ أخرج البلاذري في الانساب 5: 7 عن الحسين بن علي بن الاسود عن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ميزان الاعتدال 2: 281، لسان الميزان 4: 353.

( 2 ) ميزان الاعتدال 3: 171 لسان الميزان 6: 41.

( 3 ) ميزان الاعتدال 1: 299، تهذيب التهذيب 3: 110.

 

 

 /  ص 353 /

 

عبدالرحمن قال: قمت في الحجر فقلت: لا يغلبني عليه أحد الليلة فجاء رجل من خلفي فغمزني فأبيت أن التفت، ثم غمزني فأبيت أن ألتفت، ثم غمزني الثالثة فالتفت فإذا عثمان فتأخرت عن الحجر فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف.

وأخرجه أبونعيم بالاسناد في حلية الاولياء 1: 56، 57 ولفظه: قال عبدالرحمن:

لاغلبن الليلة على المقام، فلما صليت العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه قال:

فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي فإذا هو عثمان بن عفان. قال: فبدأ بام القرآن فقرأ حتى ختم القرآن فركع وسجد، ثم أخذ نعليه فلا أدري أصلى قبل ذلك شيئا أم لا ؟.

قال الاميني: سل عن راوي هذه الفضيلة الحافظ ابن عدي انه قال: الحسين بن علي كان يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها. وسل عنه الازدي فانه قال: إنه ضعيف جدا يتكلمون في حديثه. وسل عنه أحمد إمام الحنابلة فإنك تسمع منه ما سعمه أبوبكر المروزي لما سأله عنه من قوله: لا أعرفه ( 1 )

ثم هلم معي نسائل عبدالرحمن انتيمي هلا كان من واجبه أن يخبر ابن عمه طلحة بن عبيدالله التيمي بهذه السيرة الصالحة يوم ضيق على صاحبها الخناق، وضاقت عليه الارض بما رحبت، يوم هتك حرمته، وأباح دمه، وأورده المنية، ومنع جنازته عن أن تدفن في مقابر المسلمين ولنا أن نسائل الممدوح " عثمان " ألم يكن في الحجر مكانا يسعه إلا موقف عبدالرحمن ؟ وهل كان له أن يغمز الرجل مرة بعدأخرى وهو في محراب الطاعة ؟ أو أن يزيحه عن مكانه والوقف لمن سبق ؟ وقد جاء في السنة الشريفة من طريق جابر مرفوعا: لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم ليخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول: افسحوا " صحيح مسلم 7: 10 ".

ومن طريق ابن عمر مرفوعا: لا يقيم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا. وزاد في حديث ابن جريج قلت: في يوم الجمعة ؟ قال: في الجمعة وغيرها. صحيح مسلم 7: 10، مسند أحمد 2: 22، صحيح البخاري 2: 94.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع تهذيب التهذيب 2: 243.