فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 

- 43 -

تسيير الخليفة صلحاء الكوفة إلى الشام

 

روي البلاذري عن عباس بن هشام بن أبيه عن أبي مخنف في إسناده قال: لما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في الجزء الاول ص 334 ط 2.

 

 

 /  ص 31 /

 

عزل عثمان رضي الله عنه الوليد بن عقبة عن الكوفة ولاها سعيد بن العاص وأمره بمداراة

أهلها، فكان يجالس قراء‌ها ووجوه أهلها ويسامرهم فيجتمع عنده منهم: مالك بن الحارث الاشتر النخعي، وزيد وصعصعة إبنا صوحان العبديان، وحرقوص بن زهير السعدي، وجندب بن زهير الازدي، وشريح بن أوفى بن يزيد بن زاهر العبسي، وكعب ابن عبدة النهدي، وكان يقال لعبدة بن سعدبن ذوالحبكة -، وكان كعب ناسكا وهو الذي قتله بسر بن أرطاة بتثليث - وعدي بن حاتم الجواد الطائي ويكنى أباطريف، وكدام بن حضري بن عامر، ومالك بن حبيب بن خراش، وقيس بن عطارد بن حاجب، وزياد بن خصفة بن ثقف، ويزيد بن قيس الارحبي، وغيرهم فانهم لعنده وقد صلوا العصر إذ تذاكروا السواد والجبل ففضلوا السواد وقالوا: هو ينبت ما ينبت الجبل وله هذا النخل، وكان حسان بن محدوج الذهلي الذي إبتدأ الكلام في ذلك فقال عبدالرحمن بن خنيس الاسدي صاحب شرطة: لوددت أنه للامير وان لكم أفضل منه. فقال له الاشتر: تمن للامير أفضل منه ولا تمن له أموالنا. فقال عبدالرحمن: ما يضرك من تمني حتى تزوي ما بين عينيك فوالله لو شاء كان له. فقال الاشتر: والله لو رام ذلك ما قدر عليه. فغضب سعيد وقال: إنما السواد بستان لقريش. فقال الاشتر: أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستانا لك ولقومك ؟ والله لو رامه أحد لقرع قرعا يتصأصأ منه. ووثب بابن خنيس فأخذته الايدي.

فكتب سعيد بن العاص بذلك إلى عثمان وقال: إني لا أملك من الكوفة مع الاشتر وأصحابه الذين يدعون القراء وهم السفهاء شيئا. فكتب إليه أن سيرهم إلى الشام.

وكتب إلى الاشتر: إني لاراك تضمر شيئا لو أظهرته لحل دمك وما أظنك منتهيا حتى يصيبك قارعة لابقيا بعدها، فإذا أتاك كتابي هذا فسر إلى الشام لافسادك من قبلك وإنك لا تألوهم خبالا. فسير سعيد الاشتر ومن كان وثب مع الاشتر وهم: زيد و صعصعة إبنا صوحان، وعائذ من حملة الطهوي من بني تميم، وكميل بن زياد النخعي، وجندب بن زهير الازدي، والحارث بن عبدالله الاعور الهمداني، ويزيد بن المكفف النخعي، وثابت بن قيس بن المنقع النخعي، وأصعر ( 1 ) بن قيس بن الحارث الحارثى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا في انساب الاشراف بالعين المهملة وفي الاصابة بالمعجمة.

 

 

 /  ص32 /

 

فخرج المسيرون من قراء أهل الكوفة فاجتمعوا بدمشق نزلوا مع عمرو بن زرارة فبرهم معاوية وأكرمهم، ثم انه جرى بينه وبين الاشتر قول حتى تغالظا فحبسه معاوية فقام عمرو بن زرارة فقال: لئن حبسته لتجدن من يمنعه. فأمر بحبس عمرو فتكلم سائر القوم فقالوا: أحسن جوارنا يا معاوية ثم سكتوا فقال معاوية: مالكم لا تكلمون فقال زيد بن صوحان: وما نصنع بالكلام ؟ لئن كنا ظالمين فنحن نتوب إلى الله، وإن كنا مظلومين فانا نسأل الله العافية. فقال معاوية: يا أبا عائشة أنت رجل صدق. وأذن له في اللحاق بالكوفة، وكتب إلى سعد بن العاص: أما بعد: فاني قد أذنت لزيد بن صوحان في المسير إلى منزله بالكوفة لما رأيت من فضله وقصده وحسن هديه فأحسن جواره وكف الاذى عنه وأقبل اليه بوجهك وودك، فانه قد أعطاني موثقا أن لا ترى منه مكروها. فشكر زيد معاوية وسأله عند وداعه إخراج من حبس ففعل. وبلغ معاوية أن قوما من أهل دمشق يجالسون الاشتر وأصحابه فكتب إلى عثمان: إنك بعثت إلي قوما أفسدوا مصرهم وأنغلوه، ولا آمن أن يفسدوا طاعة من قبلي و يعلموهم مالا يحسنونه حتى تعود سلامتهم غائلة، واستقامتهم إعوجاجا. فكتب إلى معاوية يأمره أن يسيرهم إلى حمص، ففعل وكان واليها عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة، ويقال: إن عثمان كتب في ردهم إلى الكوفة فضج منهم سعيد ثانية فكتب في تسييرهم إلى حمص فنزلوا الساحل.

الانساب 5: 39 - 43.

 

صورة مفصلة:

إن عثمان أحدث أحداثا مشهورة نقمها الصحابة من تأمير بني أمية ولاسيما الفساق منهم وأرباب السفه وقلة الدين، وإخراج مال الفئ اليهم وما جرى في أمرعمار وأبي ذر وعبدالله بن مسعود وغير ذلك من الامور التي جرت في أواخر خلافته، ثم اتفق ان الوليد بن عقبة لما كان عاملا على الكوفة وشهد عليه بشرب الخمر صرفه، وولى سعيد بن العاص مكانه فقدم سعيد الكوفة واستخلص من أهلها قوما يسمرون عنده فقال سعيد يوما: إن السواد بستان لقريش وبني أمية، فقال الاشتر النخغي: وتزعم ان السواد الذي أفاء‌ه الله على المسلمين بأسيافنا بستان لك ولقومك ؟ فقال صاحب شرطته: أترد على الامير مقالته ؟ وأغلظ له، فقال الاشتر لمن حوله من النخع وغيرهم

 

 

 /  ص 33 /

 

من أشراف الكوفة: ألا تسمعون ؟ فوثبوا عليه بحضرة سعيد فوطؤه وطأ عنيفا وجروا

برجله، فغلظ ذلك على سعيد وأبعد سماره، فلم يأذن بعد لهم فجعلوا يشتمون سعيدا في مجالسهم ثم تعدوا ذلك إلى شتم عثمان، واجتمع إليهم ناس كثيرا حتى غلظ أمرهم فكتب سعيد إلى عثمان في أمرهم فكتب إليه أن يسيرهم إلى الشام لئلا يفسدوا أهل الكوفة وكتب إلى معاوية وهو والي الشام: إن نفرا من أهل الكوفة قد هموا بإثارة الفتنة وقد سيرتهم، إليك، فانههم فإن آنست منهم رشد افأحسن إليهم وارددهم إلى بلادهم. فلما قدموا على معاوية، وكانوا: الاشتر، ومالك بن كعب الارحبي، والاسود بن يزيد النخعي، وعلقمة بن قيس النخعي، وصعصعة بن صوحان العبدي، وغيرهم جمعهم يوما وقال لهم: إنكم قوم من العرب ذووا أسنان وألسنة وقد أدركتم بالاسلام شرفا وغلبتم الامم وحويتم مواريثهم، وقد بلغني انكم ذممتم قريشا، ونقمتم على الولاة منها، ولولا قريش لكنتم أذلة إن أئمتكم لكم جنة فلا تفرقوا عن جنتكم، إن أئمتكم ليصبرون على الجور ويحتملون فيكم العتاب، والله لتنتهين أوليبتلينكم الله بمن يسومكم الخسف ولا يحمدكم على الصبر ثم تكون شركاؤهم فيما جررتم عليه الرعية في حياتكم وبعد وفاتكم.

فقال له صعصعة بن صوحان: أما قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية، وإن غيرها من العرب لاكثر منها وأمنع.

فقال معاوية: إنك لخطيب القوم ولا أرى لك عقلا وقد عرفتكم الآن، وعلمت أن الذي أغراكم قلة العقول، أعظم عليكم أمر الاسلام فتذكروني الجاهلية، أخزى الله قوما عظموا أمركم، افقهوا عني ولا أظنكم تفقهون: إن قريشا لم تعز في جاهلية ولا في الاسلام إلا بالله وحده، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدها ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأكملهم مروء‌ة، ولم يمتنعوا في الجاهلية والناس تأكل بعضهم بعضا إلابالله، فبوأهم حرما آمنا يتخطف الناس من حولهم، هل تعرفون عربا أو عجما أوسودا أو حمرا ؟ إلاوقد أصابهم الدهر في بلدهم وحرمهم إلا ما كان من قريش، فانه لم يردهم أحد من الناس بكيد إلا جعل الله خده الاسفل حتى أراد الله تعالى أن يستنقذ .

 

 

 /  ص 34 /

 

من اكرمه باتباع دينه من هوان الدنيا وسوء مرد الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابا، وكان خيارهم قريشا، ثم بنى هذا الملك عليهم وجعل هذه الخلافة فيهم فلا يصح الامر إلا بهم، وقد كان الله يحوطهم في الجاهلية وهم على كفرهم، أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه أف لك ولاصحابك، أما أنت يا صعصعة فان قريتك شر القرى، أنتنها نبتا، وأعمقها واديا، وألامها جيرانا، وأعرفها بالشر، لم يسكنها شريف قط، ولا وضيع إلا شب بها نزاع الامم وعبيد فارس، وأنت شر قومك أحين أبرزك الاسلام وخلطك بالناس أقبلت تبغي دين الله عوجا، وتنزع إلى الغواية إنه لن يضر ذلك قريشا ولايضعهم ولا يمنعهم من تأدية ما عليهم، إن الشيطان عنكم لغير غافل، قد عرفكم بالشر فأغراكم بالناس، وهو صارعكم وإنكم لا تدركون بالشر أمرا إلا فتح عليكم شر منه وأخزى، قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم، لا ينفع الله بكم أحدا ابدا ولا يضره، ولستم برجال منفعة ولا مضرة، فإن أردتم النجاة فالزموا جماعتكم ولا نبطرنكم النعمة، فإن البطر لا يجر خيرا، اذهبوا حيث شئتم، فسأكتب إلى أمير المؤمنين فيكم. وكتب إلى عثمان: إنه قدم علي قوم ليست لهم عقول ولا أديان، اضجرهم العدل لا يريدون الله بشئ، ولا يتكلمون بحجة، إنما هممهم الفتنة والله مبتليهم وفاضحهم وليسوا بالذين نخاف نكايتهم، وليسوا الاكثر ممن له شعب ونكير. ثم أخرجهم من الشام.

وروى الحسن المدائني: انه كان لهم مع معاوية بالشام مجالس طالت فيها المحاورات والمخاطبات بينهم، وإن معاوية قال لهم في جملة ما قاله: إن قريشا قد عرفت ان أباسفيان أكرمها وابن أكرمها إلا ما جعل الله لنبيه صلى الله عليه وآله فانه إنتجبه وأكرمه، ولوان أباسفيان ولد الناس كلهم لكانوا حلماء.

فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد ولدهم خير من أبي سفيان، من خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر والفاجر والكيس والاحمق.

قال: ومن المجالس التي دارت بينهم: إن معاوية قال لهم: أيهاالقوم ردو اخيرا

 

 

 /  ص 35 /

 

 واسكنوا وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم والمسلمين فاطلبوه وأطيعوني.

فقال له صعصعة: لست بأهل لذلك ولاكرامة لك أن تطاع في معصية الله.

فقال: إن أول كلام ابتدأت به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعة رسوله وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.

فقال صعصعة: بل أمرت بالفرقة وخلاف ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله.

فقال: إن كنت فعلت فإني الآن أتوب وآمركم بتقوى الله وطاعته ولزوم الجماعة وأن توقروا أئمتكم وتطيعوهم. فقال صعصعة: إذا كنت تبت فإنا نأمرك أن تعتزل أمرك فإن في المسلمين من هو أحق به منك ممن كان أبوه أحسن أثرا في الاسلام من أبيك، وهو أحسن قدما في الاسلام منك.

فقال معاوية: إن لي في الاسلام لقدما وإن كان غيري أحسن قدما مني لكنه ليس في زماني أحد أقوى على ما أنا فيه مني، ولقد رأى ذلك عمربن الخطاب، فلو كان غيري أقوى مني لم يكن عند عمر هوادة لي ولغيري، ولا حدث ماينبغي له أن أعتزل عملي، ولو رأى ذلك أميرالمؤمنين لكتب إلي فاعتزلت عمله، ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوت أن لا يعزم له على ذلك إلا وهو خير، فمهلا فإن في دون ما أنتم فيه، ما يأمر في الشيطان وينهى، ولعمري لو كانت الامور تقضي على رأيكم وأهوائكم ما استقامت الامور لاهل الاسلام يوما وليلة، فعودوا الخير وقولوه. فقالوا: لست لذلك أهلا. فقال: أما والله إن لله لسطوات ونقمات وإني لخائف عليكم أن تتبايعوا إلى مطاوعة الشيطان ومعصية الرحمن فيحلكم ذلك دار الهوان في العاجل والآجل. فوثبوا عليه فأخذوا برأسه ولحيته فقال: مه، إن هذه ليست بأرض الكوفة والله لو رأى اهل الشام ما صنعتم بي وأنا إمامهم ما ملكت أن أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم فلعمري إن صنيعكم ليشبه بعضه بعضا، ثم قام من عندهم فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلا ما بقيت وكتب إلى عثمان:

بسم الله الرحمن الرحيم، لعبدالله عثمان أميرالمؤمنين من معاوية بن أبي سفيان

أمابعد: يا أميرالمؤمنين فانك بعثت إلي أقواما يتكلمون بألسنة الشياطين وما يملون

 

 

 /  ص 36 /

 

عليهم ويأتونوا الناس زعموا من قبل القرآن فيشبهون على الناس، وليس كل الناس يعلم ما يريدون، وإنما يريدون فرقة، ويقربون فتنة، قد أثقلهم الاسلام وأضجرهم، و تمكنت رقى الشيطان من قلوبهم، فقد أفسدوا كثيرا من الناس ممن كانوا بين ظهرانيهم من أهل الكوفة، ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشام أن يغروهم بسحرهم و فجورهم فارددهم إلى مصرهم، فلتكن دارهم في مصرهم الذي نجم فيه نفاقهم. والسلام.

فكتب إليه عثمان يأمره أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة فرد هم إليه فلم يكونوا إلا أطلق ألسنة منهم حين رجعوا، وكتب سعيد إلى عثمان بضج منهم، فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى عبدالرحمن بن خالد بن الوليد وكان أميرا على حمص وهم: الاشتر، وثابت بن قيس الهمداني ( 1 ) وكميل بن زياد النخعي، وزيد بن صوحان وأخوه صعصعة، وجندب بن زهير الغامدي، وحبيب بن كعب الازدي، وعروة ابن الجعد ( 2 ) وعمرو بن الحمق الخزاعي.

وكتب عثمان إلى الاشتر وأصحابه: أما بعد: فاني قد سيرتكم إلى حمص فإذا أتاكم كتابي هذا فاخرجوا إليها فإنكم لستم تألون الاسلام وأهله شرا. والسلام. فلماقرأ الاشتر الكتاب قال: أللهم أسوأنا نظرا للرعية، وأعملنا فيهم بالمعصية فعجل له النقمة. فكتب بذلك سعيد إلى عثمان، وسار الاشتر وأصحابه إلى حمص فأنزلهم عبدالرحمن بن خالد الساحل وأجرى عليهم رزقا.

وروى الواقدي: إن عبدالرحمن بن خالد جمعهم بعد أن أنزلهم أياما وفرض لهم طعاما ثم قال لهم: يا بني الشيطان لا مرحبا بكم ولا أهلا، قد رجع الشيطان محسورا وأنتم بعد في بساط ضلالكم وغيكم، جزى الله عبدالرحمن إن لم يؤذكم، يا معشر من لا أدري أعرب هم أم عجم، أتراكم تقولون لي ما قلتم لمعاوية ؟ أنا ابن خالد بن الوليد، أنا ابن من عجمته العاجمات، أنا ابن فاقئ عين الردة، والله يا ابن صوحان لاطيرن بك طيرة بعيدة المهوى إن بلغني أن أحدا ممن معي دق أنفك فاقتنعت رأسك، قال:

فأقاموا عنده شهرا كلما ركب أمشاهم معه ويقول لصعصعة: يا ابن الخطية ! إن من لم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في تاريخ الطبرى: النخعى. بدل: الهمدانى.

( 2 ) في اسد الغابة 3: 403: كان ممن سيره عثمان رضي الله عنه إلى الشام من أهل الكوفة.

 

 

 /  ص 37 /

 

يصلحه الخير أصلحه الشر، مالك لاتقول كما كنت تقول لسعيد ومعاوية ؟ فيقولون:

نتوب إلى الله، أقلنا أقالك الله، فما زال ذاك دأبه ودأبهم حتى قال: تاب الله عليكم. فكتب إلى عثمان يسترضيه عنهم ويسأله فيهم فرد هم إلى الكوفة.

تاريخ الطبري 5: 88 - 90، الكامل لابن الاثير 3: 57 - 60، شرح ابن أبي الحديد 1: 158 - 160 ورأى هذه الصورة أصح ما ذكر في القضية، تاريخ ابن خلدون 2: 387 - 389، تاريخ أبي الفداج 1: 168 في حوادث سنة 33.

قال الاميني: كان في عظمة أكثر هؤلاء القوم وصلاحهم المتسالم عليه وتقواهم المعترف بها مرتدع من أذاهم وإجفالهم عن مستوى عزهم وموطن إقامتهم وتسييرهم من منفي إلى منفى، والاصاخة إلى سعاية ذلك الشاب المستهتر والله سبحانه يقول: إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ( 1 ( وكان على الخليفة أن يبعث اليه باللا ئمة بل يعاقبه على ما فرط في جنب أولياء الله بتسميته إياهم السفهاء وهم قراء المصر، وزعماء الملا، ونساك القطر، وفقهاء القارة، وهم القدوة في التقوى والنسك، وبهم الاسوة في الفقه والاخلاق، ولم يكن عليهم إلا عدم التنازل لميول ذلك الغلام الزائف، وعدم مماشاتهم إياه على شهواته ومزاعمه، وهلا أستشف الخليفة حقيقة ما شجر بينه وبين القوم حتى يحكم فيه بالحق، لكنه بدل أن يتخذ تلكم الطريقة المثلى في القضية استهواه ذلك الشاب المترف فمال اليه بكله، ونال من القوم ما نال، وأوقع بهم ما حبذه له الحب والمعمي والمصم، لكن الدين وملاه أنكرا ذلك عليه وحفظه التاريخ مما نقم به على عثمان. كانت لائمة معاوية للقوم مزيجها الملاينة لاعن حلم، وخشونة لا يستمر عليها، كل ذلك لم يكن لنصرة حق أو ابتغاء إصلاح، وإنما كان يكاشفهم جلبا لمرضاة الخليفة، ويوادعهم لما كان يدور في خلده من هوى الخلافة غدا، وكان يعرف القوم بالشدة والمتبوعية، فما كان يروقه قطع خط الرجعة بينه وبينهم متى تسنى له الحصول على غايته المتوخاة، وكانت هذه الخواطر لا تبارحه، ولا يزال هو يعد الدقائق والثواني للتوصل إليها، وكان أحب الاشياء إليه إكتساح العراقيل دونها، ولذلك أطلق سراح

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة الحجرات: 6.

 

 

 /  ص 38 /

 

القوم وتثبط عن النهضة لنصرة عثمان لما استنصره ( كما سيأتي تفصيله ) حتى قتل و معاوية في الخاذلين له. وأما إبن خالد فقد مجرى أبيه في الفظاظة والغلظة، فلم يعاملهم إلا بالرعونة

لم يجاملهم إلا بالقسوة، وكل إناء بالذي فيه ينضح. وهاهنا نوقفك على نبذ من أحوال من يهمك الوقوف على حياته الثمينة من أولئك الرجال المنفيين الابرار، حتى تعلم أن ما تقولوه فيهم وفعلوه بهم في منتأى عنهم، وإنما كان ذلك ظلما وعدوانا، وتعلم أن ابن حجر مائن فيما يصف به الاشتر من المروق ( 1 ) غير مصيب في قذفه، متجانف للاثم في الدفاع عن عثمان بقوله: إن المجتهد لا يعترض عليه في أموره الاجتهادية، لكن أولئك الملاعين المعترضون لافهم لهم بل ولاعقل ( 2 )الاشتر

1 - مالك بن الحارث الاشتر، أدرك النبي الاعظم وقد أثنى عليه كل من ذكره، ولم أجد أحدا يغمز فيه، وثقة العجلي وذكره ابن حبان في الثقات، ولايحمل عدم رواية أي إمام عنه على تضعيفه، قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 10: 12: قال مهنا: سألت أحمد عن الاشتر يروي عنه الحديث ؟ قال: لا. قال: ولم يرد أحمد بذلك تضعيفه، وإنما نفى أن تكون له رواية. وكفاه فضلا ومنعة كلمات مولانا أميرالمؤمنين في الثناء عليه في حياته وبعد المنون، وإليك بعض ما جاء في ذلك البطل العظيم:

1 - من كتاب لمولانا أميرالمؤمنين كتبه إلى أهل مصر لما ولى عليهم لاشتر:

أما بعد: فقد بعثت إليكم عبدا من عبادالله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء ساعات الروع، أشد على الفجار من حريق النار. وهو: مالك بن الحارث أخو مذحج فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحق، فإنه سيف من سيوف الله، لا كليل الظبة ( 1 ) ولانابي الضريبة، فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم، ولا يؤخر ولا يقدم إلا عن أمري، وقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع الصواعق ص 68.

( 2 ) راجع الصواعق ص 68.

 

 

 /  ص 39 /

 

آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدة شكيمته على عدوكم. إلخ.

تاريخ الطبري 9: 55، نهج البلاغة 2: 61، شرح إبن أبي الحديد 2: 30.

صورة أخرى

رواها الشعبي من طريق صعصعة بن صوحان.

أما بعد: فإني قد بعثت إليكم عبدا من عبادالله لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر، لا ناكل من قدم، ولا واه في عزم، من أشد عبادالله بأسا، وأكرمهم حسبا، أضر على الفجار من حريق النار، وأبعد الناس من دنس أو عار، وهو: مالك بن الحرث الاشتر، حسام صارم، لانابي الضريبة، ولا كليل الحد، حكيم في السلم، رزين في الحرب، ذو رأي أصيل، وصبر جميل، فاسمعوا له وأطيعوا أمره، فإن أمركم بالنفر فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري، وقد آثرتكم به نفسي نصيحة لكم، وشدة شكيمته على عدوكم. إلخ ( 2 )

2 - من كتاب للمولى أميرالمؤمنين كتبه إلى أميرين من أمراء جيشه.

وقد أمرت عليكما وعلى من في حيز كما مالك بن الحارث الاشتر، فاسمعا له وأطيعا واجعلاه درعا ومجنا، فإنه ممن لا يخاف وهنه ولا سقطته، ولا بطؤه عما الاسراع إليه أحزم، ولا إسراعه إلى ما البطء عنه أمثل.

قال إبن أبي الحديد في شرحه 3: 417: فأما ثناء أميرالمؤمنين عليه السلام عليه في هذا الفصل فقد بلغ مع اختصاره مالا يبلغ بالكلام الطويل، ولعمري كان الاشتر أهلا لذلك، كان شديد البأس جوادا رئيسا حليما فصيحا شاعرا، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة، ويرفق في موضع الرفق، ومن كلام عمر: إن هذا الامر لا يصلح إلا لقوي في غير عنف، ولين في غير ضعف. اه‍.

3 - من كتاب كتبه مولانا أميرالمؤمنين إلى محمد بن أبي بكر يذكر فيه الاشتر فيقول:

إن الرجل الذي كنت وليته مصر كان لنا نصيحا، وعلى عدونا شديدا، وقد

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) الظبة بتخفيف الموحدة: حد السيف.

( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبى الحديد 2: 29، جمهرة الرسائل: 1: 549.

 

 

 /  ص 40 /

 

استكمل أيامه,  ولاقى حمامه، ونحن عنه راضون، فرضي الله عنه، وضاعف له الثواب، وأحسن له المآب

تاريخ الطبري 6: 55، نهج البلاغة 2: 59، الكامل لابن الاثير 3: 153، شرح ابن أبي الحديد 2: 30.

4 - لما بلغ عليا ( أميرالمؤمنين ) موت الاشتر قال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين،. ألهم إني أحتسبه عندك فإن موته من مصائب الدهر. ثم قال: رحم الله مالكافقد كان وفى بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، مع أناقد وطنا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلى الله عليه وآله فإنها من أعظم المصائب، قال المغيرة الضبي: لم يزل أمرعلي شديدا حتى مات الاشتر ( 1 )

5 - عن جماعة من أشياخ النخع قالوا: دخلناعلى علي أميرالمؤمنين حين بلغه موت الاشتر فوجدناه يتلهف ويتأسف عليه ثم قال: لله در مالك، وما مالك ؟ لو كان من جبل لكان فندا ( 2 )، ولو كان من حجر لكان صلدا، أما والله ليهدن موتك عالما، وليفرحن عالما، على مثل مالك فليبك البواكي، وهل موجود كما لك

وقال علقمة بن قيس النخعي: فما زال على يتلهف ويتأسف حتى ظننا انه المصاب دوننا، وعرف ذلك في وجهه أياما.

وفي لفظ الشريف الرضي والزبيدي: لو كان جبلا لكان فندا، لا يرتقيه حافر , ولا يوفى عليه الطائر.

نهج البلاغة 2: 239، شرح إبن أبي الحديد 2: 30، لسان العرب 4: 336،

الكامل لابن الاثير 3: 153، تاج العروس 2: 454.

6 - قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 416: كان فارسا شجاعا رئيسا من أكابر الشيعة وعظمائها، شديد التحقق بولاء أميرالمؤمنين عليه السلام ونصره وقال فيه بعد موته: رحم الله مالكا فلقد كان لي كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

7 - دس معاوية بن أبي سفيان للاشتر مولى عمر فسقاه شربة سويق فيها سم فمات

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) شرح ابن أبى الحديد 2: 29.

( 2 ) الفند بالكسر: القطعة العظيمة من الجبل.

 

 

 /  ص 41 /

 

فلما بلغ معاوية موته قام خطيبا في الناس فحمدالله وأثنى عليه وقال: أما بعد: فإنه كانت لعلي بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين وهو عمار بن ياسر، و قطعت الاخرى اليوم وهو مالك الاشتر. تاريخ الطبري 6: 255، الكامل لابن الاثير 3: 153، شرح ابن أبي الحديد 2: 29.

قال الاميني: ما أجرأ الطليق ابن الطليق الطاغية على السرور والتبهج بموت الاخيار الابرار بعد ما يقتلهم، ويقطع عن أديم الارض اصول بركاتهم، ويبشر بذلك أمته الفئة الباغية، ويأمرهم بالدعاء عليهم، أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الاخسرون، وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ؟.

8 - وقبل هذه كلها ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله في دفن أبي ذر سيد غفار من قوله في لفظ الحاكم وأبي نعيم وأبي عمر: ليموتن أحدكم بفلاة من الارض يشهده عصابة من المؤمنين. وفي لفظ البلاذري: يلي دفنه رهط صالحون. وقد دفنه مالك الاشتر وأصحابه الكوفيون كمافي أنساب البلاذري 5: 55، وحلية الاولياء لابي نعيم 1: 17، المستدرك للحاكم 3: 337، الاستيعاب لابي عمر 1: 83، وشرح ابن أبي الحديد، 3: 416 فقال: هذا الحديث يدل فضيلة عظيمة للاشتر رحمه الله وهي شهادة قاطعة من النبي صلى الله عليه وآله بأنه مؤمن.

قال الاميني: ما أبعد المسافة بين هذه الشهادة وبين وصف إبن حجر إياه في الصواعق ص 68 بالمروق وعدم الفهم والعقل، ولعنه إياه وأصحابه الصلحاء، وقد عزب عنه انه لا يلفظ من قول إلا ولديه رقيب عتيد.

نحن لسنا الآن في صدد التبسط في فضائل مالك وتحليل نفسياته الكريمة ومآثرة الجمة وإلا لاريناك منه كتابا ضخما، ولقد ناء بشطر مهم منها الفاضلان الشريفان

السيد محمد الرضا آل السيد جعفر الحكيم النجفي، وابن عمه السيد محمد التقي بن السيد السعيد الحكيم النجفي في كتابيهما المطبوعين المخصوصين بمالك، وقد سبقهما إلى ذلك بعض علمائنا السابقين، يوجد كتابه المخطوط في مكتبة مولانا الامام الرضا عليه السلام بخراسان المشرفة، حيا الله حملة العلم سلفا وخلفا.

2 - زيد بن صوحان العبدي الشهير بزيد الخير، أدرك النبي الاعظم صلى الله عليه وآله وترجمه

 

 

 /  ص 42 /

 

أبوعمروابن الاثير وابن حجر في معاجم الصحابة، قال أبوعمر: كان فاضلا دينا سيدا في قومه.

أخرج أبويعلى وابن مندة والخطيب وابن عساكر من طريق على عليه السلام مرفوعا:

من سره أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة فلينظر إلى زيد بن صوحان.

وفي حديث آخر: الاقطع الحبر زيد، زيد رجل من أمتي تدخل الجنة يده قبل بدنه - قطعت يده يوم القادسية -.

وفي حديث أخرجه ابن مندة وأبوعمر وابن عساكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد وما زيد ؟ يسبقه بعض جسده إلى الجنة ثم يتبعه سائر جسده إلى الجنة.

وأخرج ابن عساكر من طريق الحكم بن عيينه قال: لما أراد زيد أن يركب دابته أمسك عمر بركابه ثم قال لمن حضره: هكذافاصنعوا بزيد وإخوته وأصحابه.

تاريخ ابن عساكر 6: 11 - 13، تاريخ الخطيب 8: 440، الاستيعاب 1: 197،

اسد الغابة 3: 234، بهجة المحافل 2: 237، الاصابة 1: 582.

وفي الفائق للزمخشري 1: 35: قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: زيد الخير الاجذم من الخيار الابرار.

وفي معارف ابن قتيبة ص 176: كان من خيار الناس، وروي في الحديث ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: زيد الخير الاجذم، وجندب ما جندب ؟ فقيل: يارسول الله أتذكر رجلين ؟

فقال: أما أحدهما فسبقته يده إلى الجنة بثلاثين عاما، وأما الآخر فيضرب ضربة يفصل بها بين الحق والباطل، فكان أحد الرجلين زيد بن صوحان شهد يوم جلولاء فقطعت يده وشهد مع على يوم الجمل فقال: يا أميرالمؤمنين ما أراني إلا مقتولا. قال: وما علمك بهذا يا أبا سليمان قال: رأيت يدي نزلت من السماء وهي تستشيلني. فقتله عمرو ابن يثربي وقتل أخاه سليمان يوم الجمل.

وفي تاريخ الخطيب 8: 439: كان زيد يقوم الليل ويصوم النهار واذا كانت ليلة الجمعة أحياها، وقال: قتل يوم الجمل وقال: ادفنوني في ثيابي فاني مخاصم. وفي رواية:

لا تغسلوا عني دما ولا تنزعوا عني ثوبا إلا الخفين، وارمسوني الارض رمسا فإني رجل محاج. زاد أبونعيم: أحاج يوم القيامة.

 

 

 /  ص 43 /

 

وفي مرآة الجنان لليافعي 1: 99: كان زيد بن سادة التابعين صواما قواماو

في شذرات الذهب 1: 44: من خواص علي من الصلحاء الاتقياء.

وقال عقيل بن أبي طالب لمعاوية في حديث مروج الذهب 2: 75: أما زيد و عبدالله ( أخوه ) فانهما نهران جاريان يصب فيهما الخلجان، ويغاث بهما اللهفان، رجلا جد لا لعب معه.

ووصفه أخوه صعصعة لابن عباس لما قال له: أين أخواك منك زيد وعبدالله ؟ صفهما فقال: كان " زيد " والله يا ابن عباس عظيم المروة، شريف الاخوة، جليل الخطر، بعيد الاثر، كميش العروة، أليف البدوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الدهر، ذاكر الله طرفي النهار وزلفا من الليل، الجوع والشبع عنده سيان، لا ينافس في الدنيا، وأقل في أصحابه من ينافس فيها، يطيل السكوت، ويحفظ الكلام، وإن ينطق نطق بمقام يهرب منه الدعار الاشرار، ويألفه الاحرار الاخيار. فقال ابن عباس: ما ظنك برجل من أهل الجنة، رحم الله زيدا.

3 - صعصعة بن صوحان العبدي أخو زيد الخير المذكور، ذكر في معاجم الصحابة قال أبوعمر: كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلقه ولم يره. كان سيدا فصيحا خطيبا دينا. قال الشعبي: كنت أتعلم منه الخطب، وقال عقيل بن علي بن أبي طالب

لمعاوية في حديث: أما صعصعة فعظيم الشأن، عضب اللسان، قائد فرسان، قاتل أقران،

يرتق مافتق، ويفتق مارتق، قليل النظير، وقال ابن الاثير: كان سيدا من سادات قومه عبدالقيس، وكان فصيحا خطيبا لسنا دينا فاضلا يعد في أصحاب علي رضي الله عنه.

له مع عثمان محاورة سيوافيك شئ منها، ومواقفه مع معاوية ذكرت جملة منها في مروج الذهب 2: 76 - 83، وتاريخ ابن عساكر 6: 424 - 427، وثقه ابن سعد

والنسائي وابن حبان وابن عساكر وابن الاثير وابن حجر.

أخرج ابن شبة أن عمر بن الخطاب قسم المال الذي بعث اليه أبوموسى وكان

ألف ألف درهم وفضلت منه فضلة فاختلفوا عليه حيث يضعها فقام خطيبا فحمدالله وأثنى عليه وقال: أيهاالناس قدبقيت لكم فضلة بعد حقوق الناس فما تقولون فيها ؟ فقام صعصعة بن صوحان وهو غلام شاب فقال: يا أميرالمؤمنين إنما تشاور الناس لم ينزل الله

 

 

 /  ص 44 /

 

فيه قرآنا، أما ما أنزل الله به القرآن ووضعه مواضعه فضعه في مواضعه التي وضعه الله تعالى فيها فقال: صدقت أنت مني وأنا منك. فقسمه بين المسلمين.

راجع طبقات ابن سعد، مروج الذهب، تاريخ ابن عساكر، الاستيعاب، أسد الغابة، الاصابة، تهذيب التهذيب، خلاصة الجزري.

4 - جندب بن زهير الازدي، صحابي مترجم له في الاستيعاب، وأسد الغابة، والاصابة وله في يومي الجمل وصفين مواقف محمودة مع أميرالمؤمنين عليه السلام.

5 - كعب بن عبدة، سمعت فيما مر عن البلاذري انه كان ناسكا.

6 - عدي بن حاتم الطائي، صحابي عظيم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله سنة 7 لم يختلف اثنان في ثقته أخرج حديثه أئمة الصحاح الست، وقد أثنى عليه عمر بن الخطاب لما

قال له: يا أميرالمؤمنين أتعرفني ؟ فقال: نعم والله إني لاعرفك، اكرمك الله بأحسن المعرفة، أعرفك والله آمنت إذ كفروا، وعرفت إذ أنكروا، ووفيت إذ غدروا، وأقبلت إذ أدبروا، وإن أول صدقة بيضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه أصحابه صدقة طئ جئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ يعتذر.

أخرجه أحمد في المسند 1: 45، وابن سعد في الطبقات، ومسلم في صحيحه،

وأبوعمر في الاستيعاب، والخطيب في تاريخه، وابن الاثير في أسد الغابة وفيه: انه كان منحرفا عن عثمان، وابن حجر في تهذيب التهذيب 7: 166.

وأعجب ما أجده من التحريف في تاريخ الخطيب ما أخرجه في ج 1: 191 بالاسناد عن المغيرة قال: خرج عدي بن حاتم، وجرير بن عبدالله البجلي، وحنظلة الكاتب من الكوفة فنزلوا قرقيساء وقالوا: لا نقيم ببلد يشتم فيه عثمان. والصواب: يشتم فيه علي. فبدلت يد التحريف عليا بعثمان وذكره على علاته

ابن حجر في تهذيب التهذيب 7: 167. توجد ترجمة عدي في الاستيعاب، تاريخ بغداد ج 1، أسد الغابة، الاصابة، تهذيب التهذيب.

7 - مالك بن حبيب. له إدراك عد من الصحابة.

8 - يزيد بن قيس الارحبي. له إدراك وكان رئيسا كبيرا عظيما عند الناس ولما

 

 

 

 /  ص 45 /

 

 ثار أهل الكوفة على عثمان اجتمع قراء الكوفة وأمروه، وكان مع علي في حروبه و ولاه شرطته ثم ولاه اصبهان والري وهمذان وهو المعني في قول ثمامة:

معاوي إن لا تسرع السير نحونا * فبايع عليـــــا أو يزيـــــد اليمــانيا

وله يوم صفين مواقف وخطابات تعرب عن نفسياته الكريمة وملكاته الفاضلة، تذكر وتشكر، ذكر جملة منها ابن مزاحم في كتاب صفين، والطبري في تاريخه، وابن الاثير في الكامل، ومما ذكروه قوله:

إن المسلم السليم من سلم دينه ورأيه، إن هؤلاء القوم ما إن يقاتلونا على إقامة دين رأونا ضيعناه، ولا إحياء عدل رأونا أمتناه، ولا يقاتلونا إلا على إقامة الدنيا، ليكونوا جبابرة فيها ملوكا، فلو ظهروا - عليكم لا أراهم الله ظهورا ولا سرورا - إذا ألزموكم مثل سعيد والوليد وعبيدالله بن عامر السفيه، يحدث أحدهم في مجلسه بذيت وذيت، ويأخذ مال الله ويقول: هذا لي ولا إثم علي فيه، كأنما أعطي تراثه من أبيه، وإنما هو مال الله أفاء‌ه علينا بأسيافنا ورماحنا، قاتلوا، عبادالله ! القوم الظالمين الحاكمين بغيرما أنزل الله، ولا تأخذكم في جهادهم لومة لائم، إنهم إن ظهروا عليكم يفسدوا دينكم ودنياكم، وهم من قد عرفتهم وجربتم، والله ما أرادو إلى هذا إلا شرا، واستغفر الله العظيم لي ولكم ( 1 )

9 - عمرو بن الحمق ( 2 ) بن حبيب الخزاعي الكعبي. صحب النبي الاعظم وحفظ عنه أحاديث، وحظى بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم له لما سقاه لبنا وبقوله: أللهم أمتعه بشبابه فاستكمل الثمانين من عمره ولم يرشعرة بيضاء ( 3 )

أخرج حديثه البخاري في التعاليق، وابن ماجة والنسائي وغيرهم، وكان من أعوان حجر بن عدي سلام الله عليه وعليهم، ترجمه أبوعمر في الاستيعاب، وابن الاثير في أسد الغابة، وابن حجر في الاصابة، ولم أجد كلمة غمز لاي أحدفيه مع قولهم: كان ممن سار إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو أحد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كتاب صفين ص 279، تاريخ الطبرى 6: 10، شرح ابن ابى الحديد 1: 485، الاصابه 3: 675.

( 2 ) بفتح المهملة وكسر الميم.

( 3 ) اسدالغابة 4: 100، الاصابة 2: 533.

 

 

 /  ص 46 /

 

الاربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصاربعد ذلك من شيعة علي. وقولهم:

إنه كان ممن قام على عثمان. وقولهم: كان أحد من ألب على عثمان.

وله يوم صفين مواقف مشكورة وكلم قيمة خالدة مع الابد تعرب عن ايمانه الخالص، وروحه النزحة الطاهرة، راجع كتاب صفين لابن مزاحم ص 115، 433، 454، 551.

قال ابن الاثير في اسد الغابة 4: 101: قبره مشهوربظاهر الموصل يزار، وعليه مشهد كبير ابتدأ بعمارته أبوعبدالله سعيد بن حمدان - وهو ابن عم سيف الدولة وناصر الدولة ابني حمدان - في شعبان من سنة ست وثلاثين و ثلاثمائة، وجرى بين السنة والشيعة فتنة بسبب عمارته.

10 - عروة بن الجعد، ويقال: أبي الجعد البارقي الازدي، صحابي مرضي مترجم له في معاجم الصحابة: الاستيعاب، أسد الغابة، الاصابة. روى حديث: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الاجر والمغنم. قال شيب بن غرفدة: رأيت في دار عروة سبعين فرسا رغبة في رباط الخيل ( 1 ) أخرج حديثه أئمة الصحاح الست فيها.

11 - أصعر بن قيس بن الحارث الحارثي: له إدراك ذكره ابن حجر في الاصابة 1: 109.

12 - كميل بن زياد النخعي، كان شريفا في قومه قتله الحجاج سنة 42، وثقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وابن عمار، وذكره ابن حبان في الثقات ( 2 )

13 - الحارث بن عبدالله الاعور الهمداني، من وراة الصحاح الاربعة من الستة قال ابن معين: ثقة. وقال ابن أبي داود: كان أفقه الناس، وأحسب الناس، وأفرض الناس، تعلم الفرائض من علي قال ابن أبي خيثمة: قيل ليحيى: يحتج بالحارث ؟

فقال: ما زال المحدثون يقلبون حديثه. وقال أحمد بن صالح المصري: ثقة ماأحفظه وما أحسن ما روى عن علي وأثنى عليه. ووثقه ابن سعد.

وهناك من كذبه والعمدة في ذلك الشعبي. قال ابن عبدالبر في كتاب العلم:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) صحيح البخارى في المناقب باب قول الله تعالى: يعرفونه كمايعرفون ابنائهم

( 2 ) تهذيب التهذيب 8: 447.

 

 

 /  ص47 /

 

أظن الشعبي عوقب بقوله في الحارث: كذاب، ولم يبن من الحارث كذبه، وإنما نقم عليه إفراطه في حب علي.

وقال أحمد بن صالح: لم يكن الحارث يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه

وقال الذهبي: والنسائي مع تعنته في الرجال قد احتج به والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الابواب.( تهذيب التهذيب 2: 145، 147 )

فمحصل القول في الهمداني: انه لا مغمز فيه غير نزعته العلوية الممدوحة عندالله وعند رسوله

 

 

- 44 -

تسيير الخليفة كعب بن عبدة وضربه

 

كتب جماعة من القراء إلى عثمان منهم معقل بن قيس الرياحي، وعبدالله بن الطفيل العامري، ومالك بن حبيب التميمي، ويزيد بن قيس الارحبي، وحجر بن عدي الكندي، وعمروبن الحمق الخزاعي، وسليمان بن صرد الخزاعي ويكنى أبامطرف، والمسيب بن نجبة الفزاري، وزيد بن حصن الطائي، وكعب بن عبدة النهدي، وزياد ابن النضر بن بشربن مالك بن الديان الحارثي، ومسلمة بن عبدالقاري من القارة من بني الهون بن خزيمة بن مدركة. إن سعيدا كثر على قوم من أهل الورع والفضل والعفاف فحملك في أمرهم على مالا يحل في دين ولا يحسن في سماع، وإنا نذكرك الله في أمة محمد، فقد خفنا أن يكون فساد أمرهم على يديك، لانك قد حملت بني أبيك على رقابهم، واعلم أن لك ناصرا ظالما، وناقما عليك مظلوما، فمتى نصرك الظالم ونقم عليك الناقم تباين الفريقان واختلفت الكلمة، ونحن نشهد عليك الله وكفى به شهيدا، فانك أميرنا ما أطعت الله و استقمت، ولن تجد دون الله ملتحدا ولا عنه منتقذا.

ولم يسم أحد منهم نفسه في الكتاب وبعثوا به مع رجل من عنزة يكنى أبا ربيعة وكتب كعب بن عبدة كتابا من نفسه تسمى فيه ودفعه إلى أبي ربيعة، فلما قدم أبوربيعة على عثمان سأله عن أسماء الذين كتبوا الكتاب فلم يخبره فأراد ضربه و حبسه فمنعه علي من ذلك وقال: إنما هو رسول أدى ما حمل، وكتب عثمان إلى

 

 

 /  ص 48 /

 

سعيد أن يضرب كعب بن عبدة عشرين سوطا، ويحول ديوانه إلى الري. ففعل ثم إن عثمان تحوب وندم فكتب في إشخاصه اليه ففعل فلما ورد عليه قال له: إنه كانت مني طيرة ثم نزع ثيابه وألقى اليه سوطا وقال: إقتص، فقال: قد عفوت يا أميرالمؤمنين ويقال: إن عثمان لما قرأ كتاب كعب كتب إلى سعيد في إشخاصه اليه فأشخصه اليه مع رجل أعرابي من أعراب بني أسد فلما رأي الاعرابي صلاته وعرف نسكه وفضله قال:

ليت حظي من مسيري بكعب * عفـــــوه عني وغفــــران ذنبي

فلما قدم به على عثمان قال عثمان: لان تسمع بالمعيدي خير من أن تراه وكان شابا حديث السن نحيفا ثم أقبل عليه فقال: أأنت تعلمني الحق وقد قرأت كتاب الله وأنت في صلب رجل مشرك فقال له كعب: إن إمارة المؤمنين إنما كانت لك بما أوجبته الشورى حين عاهدت الله على نفسك في ( أن ) تسيرن بسيرة نبيه، لاتقصرعنها وإن يشاورونا فيك ثانية نقلناها عنك، ياعثمان إن كتاب الله لمن بلغه وقرأه وقد شركناك في قرائته، ومتى لم يعمل القارئ بما فيه كان حجة عليه. فقال عثمان: والله ما أظنك تدري أين ربك ؟ فقال: هو بالمرصاد. فقال مروان: حلمك أغرى مثل هذا بك وجرأء عليك. فأمر عثمان بكعب فجرد وضرب عشرين سوطا، وسيره إلى دباوند ( 1) ويقال: إلى جبل الدخان، ، فلما ورد على سعيد حمله مع بكير بن حمران الاحمري فقال: الدهقان الذي ورد عليه: لم فعل بهذا الرجل ما أرى ؟ قال بكير: لانه شرير فقال: إن قوما هذا من شرارهم لخيار.

ثم إن طلحة والزبير وبخا عثمان في أمر كعب وغيره وقال طلحة: عندغب الصدر يحمد عاقبة الورد. فكتب في رد كعب رضي الله عنه وحمله إليه فلما قدم عليه نزع ثوبه وقال: يا كعب إقتص. فعفا رضي الله عنهم اجمعين ( 2 )

وعد الحلبي في السيرة 2: 87 من جملة ما انتقم به على عثمان: انه ضرب كعب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) بفتح المهملة وتضم ويقال: دنباوند، ودماوند بالميم بدل الموحدة: كورة من كورة الرى

( 2 ) انساب البلاذرى 5: 41 - 43، تاريخ الطبرى 5: 137، الرياض النضرة 2: 140 149، شرح ابن ابى الحديد 1: 168، الصواعق ص 68، واللفظ للبلاذرى.

 

 

 

 /  ص 49 /

 

ابن عبدة عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال.

قال الاميني: ألا تعجب في أمر هذا الخليفة ان مناوئيه كلهم في عاصمة الخلافة وبقية الاوساط الاسلامية خيار البلاد وصلحاء الامة ؟ كما أن من اكتنف به وأغراه بالابرارهم المتهتكون في الدين، المفضوحون بالسمعة الشائنة، رواد الشره، وسماسرة المطامع، من طغمة الامويين ومن يقتص أثرهم، فلا ترى له سوط عذاب يرفع إلا وكان مصبه أولئك الصالحون، كما أنك لا تجد جميلا له يسدى ولا يدا موفورة إلا لاولئك الساقطين، فهل بعث الخليفة ( وهو رحمة للعالمين ) نقمة على المؤمنين ؟ أم ماذا كانت حقيقة الامر ؟ أنا لا أدري لماذاأسخط الخليفة كتاب القوم فأراد بحامله السوء من حبس وضرب بعد يأسه عن معرفة كاتبيه لولا أن عليا أميرالمؤمنين حال بينه وبين ما يشتهيه، وهل كان الرجل إلا وسيطا كلف بالرسالة فأداها ؟ ولعله لم يكن يعلم ما فيها، وليس في الكتاب إلا التذكير بالله، والتحذير عما يوجب تفريق الكلمة، وإقلاق السلام، وإظهار الطاعة بشرط طاعة الله والاستقامة الذي هو مأخوذ في الخليفة قبل كل شئ ( وعليه جرى انتخاب يوم الشورى ) وإيقافه على مكان سيعد الشاب الغر من السعاية التي خافوا أن تكون، وبالا عليه، وبالاخير وقع ماخافوا منه وحذروا الخليفة عنه، والشهادة لاولئك المنفيين بالبراء‌ة مما نبزوا به وانهم من أهل الورع والفضل والعفاف، وإن تسييرهم لا يحل في دين الله، ويشوه سمعة الخليفة. ولماذا أغضبه كتاب كعب ؟ وهو بطبع الحال لدة ما كتبه القوم من النصح الجميل. ولماذا أمر بإشخاصه إلى المدينة وضربه وجازاه على نصحه بجزاء سنمار ؟ فهلا انبعث الخليفة إلى التفاهم مع القوم فيما أظهروا انهم يتحرون ما فيه صلاحه وصلاح الامة ؟ فإما أن يقنعهم بما عنده، أو يقتنع بمايبدونه، فيرتفع ذلك الحوار، وتدفع عنه المثلات، لكنه أبى إلا أن يستمر على ما ارتآه وحبذه له المحتفون به الذين إتخذوه قنطرة إلى شهواتهم، ولذلك لم يتفاهم مع كعب إلا بالغلظة فقال له: أأنت تعلمني. الخ. أنا لا أدري موقع هذا الكلام التافه، هل الكون في صلب رجل مشرك يحط من كرامة الانسان وقد آمن بالله ورسوله ؟ إذن لتسرب النقص إلى الصحابة الذين نقلوا من أصلاب المشركين وارتكضوا في أرحام المشركات، وكثير منهم أشركوا

 

 

 

 /  ص 50 /

 

بالله قبل إسلامهم، لكن الاسلام يجب ما قبله، وهل الاصلاب والارحام إلا أوعية ثم السبق إلى قراء الكتاب العزيز هل هو بمجرده يرفع من قدر الرجل حتى إذا لم يعمل به كما أجاب به وفصله كعب ؟ ولا أدري ما يريد الخليفة بقوله: والله ما أظنك تدري أين ربك. هل هو يريد المكان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وأي مسلم لا يعرف ان ربه لا يقله حيز، فإنه حري بالسقوط، وما أحسن جواب كعب من قوله: هو بالمرصاد، فإن كان يريد مثل ما قاله كعب فلماذا احتمل ان مثل كعب الموصوف بالفضيلة والتقوى لا يعرف ذلك وهل يريد عندئذ إلا إهانة الرجل وهتكه ثم ماذا كان في هذه المحاورة حتى عند مروان سكوت الخليفة عنه من الحلم وكلام كعب من الجرأة وثور الخليفة على الرجل وهنالك إنفجر بركان غضبه فأمر به فجرد وضرب وسير، وعوقب لنصحه وصلاحه، ولا حول ولا قوه إلا بالله العلي العظيم.

لقد أراد القوم أن يزحزحوا التبعة عن عثمان فاختلق كل شيئا من غير تواطؤ بينهم حتى يفتعلوا أمرا واحدا، ففي ذيل هذه الرواية ان الخليفة ندم على ما فعل وتاب بعد توبيخ طلحة والزبير إياه واستعفى الرجل فعفى عنه، ولم يعلم المتقول أن خليفة لا يملك طيشه حيث لا موجب له لا يأتمن على دين ولادنيا، فان من الممكن عندئذ أن يقتحهم المهالك حيث لا موبخ فيستمر عليها وفيهلك ويهلك، وإن مما قاله الخليفة نفسه يوم الدار عن الثائرين عليه: إنهم يخيروني إحدى ثلاث: إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شئ، فقلت لهم: أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم. الخ. وهذه الكلمة تعطينا انه ما كان يتنازل للاقادة حتى في أحرج ساعاته المشارفة لقتله، فكيف بآونة السعة وساعة المقدرة ؟ فما يزعمه هذا الناحت لذيل الرواية من أنه تنازل لكعب لان يقيده بنفسه لا يكاد يلائم مع هذه النفسية، ولو كان فعل شيئا من ذلك لتشبث به في ذلك المأزق الحرج.

وهناك رواية أخرى جاء، بها الطبري من طريق السري الكذاب المتروك عن شعيب المجهول عن سيف الوضاع المرمي بالزندقة المتفق على ضعفه ( 1 ) عن محمد وطلحة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في ج 8: 84، 140، 141، 326 333 من كلمات الحفاظ حول رجال الاسناد.

 

 

 /  ص 51 /

 

ان كعبا كان يعالج نيرنجا ( 1 ) فبلغ ذلك عثمان فأرسل إلى الوليد بن عقبة ليسأله عن ذلك فإن أقربه فأوجعه، فدعابه فسأله فقال: إنما هو رفق وأمر يعجب منه فأمر به فعزر وأخبر الناس خبره وقرأ عليهم كتاب عثمان: إنه قد جد بكم فعليكم بالجد وإياكم والهزال فكان الناس عليه وتعجبوا من وقوف عثمان على مثل خبره فغضب فنفر في الذين نفروا فضرب معهم فكتب إلى عثمان فيه، فلما سير إلى الشام من سير سير كعب بن ذي الحبكة ومالك بن عبدالله وكان دينه كدينه إلى دنباوند لانها أرض سحرة فقال في ذلك كعب بن ذي الحبكة للوليد.

لعمري لئن طردتني ما إلـــــى التـــــي * طمــــعــت بهـــــا مـــــــن سقطـتي لسبيل

رجوت رجوعي يا ابن أروى ورجعتي * إلــــى الــــحق دهـــــر اغال ذلك غــــول

وإن اغترابـــــي فـــي البــلاد وجفوتي * وشتمــــي فــــي ذات الآلـــــه قـــــليـــــل

وإن دعائــــي كـــــل يـــــوم وليلـــــــة * عـــليـــــك بدنباونــــدكـــــم لطــــــويـــــــل

فلما ولى سعيد أقفله وأحسن إليه واستصلحه فكفره فلم يزدد إلا فسادا ( 2 )

شوه الطبري صحيفة تاريخه بمكاتبات السري وقد أسلفنا في الجزء الثامن انها موضوعة كلها، اختلق الرجل في كل ما ينتقد به عثمان رواية تظهر فيها لوائح الكذب، يريد بها رفاء لما هنالك من فتق، وهو الذي قذف أباذر ونظرائه من الصالحين، غير مكترث لمغبة الكذب والافتراء، ومن ملامح الكذب في هذه الرواية أن تسيير من سير إلى الشام من قراء الكوفة ونساكها وضرب كعب إنما هو على عهد سعيد بن العاص لا الوليد بن عقبة كما زعمه مختلق الرواية.

وإن كتاب عثمان إلى الوليد لا يصلح ولم يؤثر في أي من مدونات التاريخ والسير ولو كان تفرد به أناس يوثق بهم لكان مجالا للقبول، لكن الرواية كما قيل:

صحاحهم عن سجاح عن مسيلمة * عـــــن ابن حيــــان والدوسي يمليه

وكلــــهم ينتهي إسنــــــاد باطلــــه * إلى عزازيــــل منشيه ومنهيه ( 3 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) النيرج والنيرج: اخذ كالسحر وليس به.

( 2 ) تاريخ الطبرى 5: 137.

( 3 ) البيتان من قصيدة للشريف ابن فلاح الكاظمى.

 

 

 /  ص 52 /

 

على أنه يقول فيها: إن وليدا قرأه على رؤس الاشهاد، كأنه يحاول معذرة عما أرتكب من كعب، وإنه كان برضى من المسلمين، ولو صحت المزعمة لكانت مستفيضة إذ الدواعي كانت متوفرة على نقلها، لكنهم لم يسمعوها فلم يرووها، مضافا إلى أن المعروف من كعب بن عبدة انه كان من نساك الكوفة وقرائها كما سمعته من كلام البلاذري وغيره لا ممن يتلهى بالنيرنجات وأشباهها. وإن تعجب فعجب ان صاحب النيرنج - لو صدقت الاحلام - يعزز ويعاقب، ومعاقر الخمور وليد الفجور لا يحدلشربه الخمر إلا بعد نقمة الصحابة على خليفة الوقت من جراء ذلك، ثم يكون مقيم الحد عليه غيره وهو مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام ولم يكن في أولئك المسيرين من يسمى مالك بن عبدالله وإنما كان فيهم مالك بن الحارث الاشتر، ومالك بن حبيب الصحابيان كما تقدم ذكرهما. وأبيات كعب تناسب أن يخاطب بها عثمان لا الوليد فإنه هو ابن أروى بنت كريز وفيها صراحة بسبب إغتراب كعب وجفوته وشتمه، وانها كانت في ذات الله، يقول ذلك بملا فمه ولا يرد عليه راد بأنها ليست في ذات الله وإنما هي لانه كان يعالج نيرنجا. هكذا لعبت بالتاريخ يد الاهواء والشهوات تزلفا إلى أناس وانحيازا عن آخرين، فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون.

 

 

- 45 -

تسيير الخليفة عامر بن عبد قيس التميمي البصري الزاهد الناسك إلى الشام

 

أخرج الطبري من طريق العلاء بن عبدالله بن زيد العنبري إنه قال: إجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان وما صنع، فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلا يكلمه ويخبره بأحداثه، فأرسلوا إليه عامر بن عبدالله التميمي ثم العنبرى وهو الذي يدعى عامر بن عبد قيس فأتاه فدخل عليه فقال له: إن ناسا من المسلمين إجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله عزوجل وتب إليه وانزع عنها.

قال له عثمان: انظر إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ثم هو يجئ فيكلمني في المحقرات فوالله ما يدري أين الله. قال عامر: أنالا أدري أين الله ؟ قال نعم، والله ما تدري أين الله. قال عامر: بلى والله إني لادري إن الله بالمرصاد لك. فأرسل عثمان إلى

 

 

 /  ص 53 /

 

معاوية بن أبي سفيان، وإلى عبدالله بن سعد بن أبي سرح، وإلى سعيد ابن العاص، وإلى عمرو بن العاص، وإلى عبدالله بن عامر فجمعهم ليشاورهم في أمره وما طلب إليه وما بلغ عنهم فلما اجتموا عنده قال لهم: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء وانكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم، وطلبوا إلى أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدو رأيكم وأشيروا علي.

فقال له عبدالله بن عامر: رأيي لك يا أميرالمؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمرهم في المغازي حتى يذلوا لك، فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه. ثم أقبل عثمان على سعيد بن العاص فقال له: ما رأيك ؟ قال: يا أميرالمؤمنين إن كنت تريد رأينا فاحسم عنك الداء واقطع عنك الذي تخاف، واعمل برأيي تصب. قال: وما هو ؟ قال: إن لكل قوم قادة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان: إن هذا الرأي لولا ما فيه. ثم أقبل على معاوية فقال: ما رأيك ؟ قال: أرى لك يا أمير المؤمين أن ترد عمالك على الكفاية لما قبلهم وأنا ضامن لك قبلي. ثم أقبل على عبدالله بن سعد فقال: ما رأيك ؟ قال: أرى يا أميرالمؤمنين إن الناس أهل طمع فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم. ثم أقبل على عمرو بن عاص فقال له: ما رأيك ؟ قال: أرى إنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعتدل، فإن أبيت فاعتزم إن تعتزل، فإن أبيت فاعتزم عزما وامض قدما.

فقال عثمان: مالك قمل فروك ؟ أهذا الجد منك ؟ فأسكت عنه دهرا حتى إذا تفرق القوم قال عمرو: لا والله يا أميرالمؤمنين ! لانت أعز علي من ذلك، ولكن: قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوابي فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا.

فرد عثمان عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وأمرهم بتجمير

 

 

 /  ص 54 /

 

 الناس في البعوث، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاج إليه ( 1 )

وقال البلاذري في الانساب 5: 57: قال أبومخنف لوط بن يحيى وغيره: كان عامر ابن قيس التميمي ينكر على عثمان أمره وسيرته فكتب حمران بن أبان مولى عثمان إلى عثمان بخبره فكتب عثمان إلى عبدالله بن عامربن كريز في فحمله فلما قدم عليه فرآه وقد أعظم الناس إشخاصه وإزعاجه عن بلده لعبادته وزهده، ألطفه وأكرمه ورده إلى البصرة.

وروى ابن المبارك في الزهد من طريق بلال بن سعد أن عامر بن عبد قيس وشي به إلى عثمان، فأمر أن ينفى إلى الشام على قتب، فأنزله معاوية الخضراء وبعث اليه بجارية وأمرها أن تعلمه ما حاله، فكان يقوم الليل كله ويخرج من السحر فلا يعود إلا بعد العتمة، ولا يتناول من طعام معاوية شيئا، كان يجئ معه بكسر فيجعلها في ماء فيأكلها ويشرب من ذلك الماء، فكتب معاوية إلى عثمان بحاله فأمره أن يصله ويدنيه فقال: لا ارب لي في ذلك. (الاصابة لابن حجر 3: 85 )

وذكر ابن قتيبة في المعارف ص 84 و 194، وابن عبدربه في العقد الفريد 2: 261، والراغب في المحاضرات 2: 212 جملة ممانقم به على عثمان وعد وامنه: انه سير عامربن عبد قيس من البصرة إلى الشام، وقال ابن قتيبة: كان خيرا فاضلا.

قال الاميني: منظر غريب لعمرك في ذلك اليوم، أليس من المستغرب ان صلحاء البلاد مضطهدون فيه على بكرة أبيهم ؟ فمن راسف تحت نير الاضطهاد، ومن معتقل في غيابة الجب، ومن مغترب يجفل به من منفى إلى منفى، ومن منقطع عن العطاء، ومن ممقوت ينظر اليه شزرا، ومن مضروب تدق به أضالعه، إلى المشتوم يهتك به الملا الديني لماذا ذلك كله ؟ لانهم غضبوا للحق، وانكروا المنكر، فهلا كان في وسع من يفعل بهم ذلك إقناعهم بالاقلاع عما ينكرونه وفيه رضا الله قبل كل شئ، ومرضاة رسوله من بعده، ومرضاة الامة جمعاء، وبه كانت تدحر عنه المثلاث وتخمد الفتن، وكانت فيه مجلبة للمودة، ومكتسح للقلاقل، وهو أدعى لجمام النفس، وسيادة الامن، وإزاحة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أنساب البلاذرى 5: 43، تاريخ الطبرى 5: 94، الكامل لابن الاثير 3: 62، تاريخ ابن خلدون 2: 390.

 

 

 

 /  ص 55 /

 

الهرج، وكان خيرا له من ارتكاب العظائم بالنفي والضرب والشتم والازعاج والجفوة،

ولو كان الخليفة يرى خطأهم في إنكارهم عليه فإنه كان في وسعه أن يعقد لهم محتفلا للتفاهم، فإما أن يتنازلوا عن بعض ما أرادوا، أو يتنازل هو عن بعض ما يبتغيه، أو يتكافئا في التنازل فتقع خيرة الكل على أمر واحد، وكان عقد هذا المنتدى خيرا له مما عقده للنظر في شأن عامر بن عبد قيس، وجمع خلقا من أصول الجور، وجذوم الفتن، وجراثيم العيث والفساد، فروع الشجرة الملعونة، وهم الذين جروا اليه الويلات بجورهم وفجورهم واستعبادهم الامة وابتغائهم الغوائل، وهملجتهم وراء المطامع، فلم يسمع منهم في ذلك المجتمع ولا في غيره إلا رأي مستغش، ونظرية خائن، أو أفيكة مائن، أو دسيسة لعين بلسان النبي الاقدس مرة بعد أخرى، وهو مع ذلك يراهم وزراء‌ه ونصحاء‌ه وأهل ثقته أولا تعجب من خلافة يكون هؤلاء وزرائها ونصحائها وأهل ثقة صاحبها ؟ ثم انظر كيف كان التفاهم بين الرجلين: الخليفة وسفير المسلمين اليه، هذا يذكره بالتقوى وبالتوبة إلى الله وينهاه عن ارتكاب العظائم التي استعظمها المسلمون العلماء منهم والقراء والنساك وذووا الرأي والمسكة، والخليفة يعد ما استعظمته الامة من المحقرات، ثم يهزأ به ويقذفه بقلة المعرفة مشفوعا ذلك باليمين كما قذف به كعبا و صعصعة بن صوحان وسمع منهما ما سمعه من عامر لانهم حملة العلم، والعلم حرف واحد كثره الجاهلون. والاعجب كيف يعيرالخليفة إلى سعاية حمران بن أبان أذنا واعية وقد رآه على الفاحشة هو بنفسه وذلك انه تزوج امرأة في العدة فضربه ونفاه إلى البصرة ( 1 ) و أسر اليه سرا فأخبر به عبدالرحمن بن عوف، ، فغضب عليه عثمان ونفاه ( 2 ) وقال البلاذري

في الانساب 5: 75: كان عثمان وجه حمران إلى الكوفة حين شكا الناس الوليد بن عقبة ليأتيه بحقيقة خبره فرشاه الوليد فلما قدم على عثمان كذب عن الوليد وقرظه ثم إنه لقي مروان فسأله عن الوليد فقال له: الامر جليل فأخبر مروان عثمان بذلك فغضب على حمران وغربه إلى البصرة لكذبه إياه وأقطعه دارا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 91، الكامل لابن الاثير 3: 60.

( 2 ) تهذيب التهذيب 3: 24.

 

 

 /  ص 56 /

 

كيف وثق خليفة المسلمين بخبر إنسان هذا شأنه من الفسق والتهور والله جل اسمه يقول: إن جاء‌كم فاسق بنبأ فتبينوا، أن تصيبوا قوما بجهالة. الآية

ثم اعجب أن حمران نفاه الخليفة على فسقه وأقطعه دارا لجمع شمله، والعبد الصالح أبوذر الغفاري الصادق المصدوق أجفل إلى الربدة، وترك في البر الاقفر لا يأوي إلى مضرب، ولا يظله خباء، هذا من هوان الدنيا على الله. وهل الخليفة عرف عامرا ومكانته في الامة ومنزلته من الزهد والتقوى ومحله من التعبد والنزاهة، فأصاخ فيه إلى قول الوشاة وأشخصه إلى المدينة مرة وسيره إلى الشام على القتب أخرى، وأزرى به وأهانه حين مثل بين يديه ؟ أو انه لم يعرفه ولا شيئا من فضله، فوثق بما قالوه ؟ وكان عليه أن يعرفه لما علم بسفارته من قبل وجهاء البصرة وأهل الحريجة والتقوى، ذوي الحلوم الراجحة، والآراء الناضجة، فإنهم لا يرسلون طبعا إلا من يرضونه في مكانته وعلمه وعقله وتقواه. وهل كان فيما يقوله مغضبة أوانه ماكان يتحرى صالح الامة وصلاح من يسوسها ؟ إن من العصيب أن نعترف بأنه ما كان يعرف عامرا وصلاحه، فقد كان يسير بذكره الركبان، وهبت بأريج فضله النسائم في الاجواء، والارجاء، وفي طيات المعاجم والسير اليوم نماذج من تلكم الشهرة الطائلة عن عامر بين العباد وفي البلاد يوم ألزم نفسه أن يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة ( 1 ) فكانوا يعدونه من أولياء الله المقربين، وأول الزهاد الثمانية، وذكروا له كرامات ومكرمات. أفمن الممكن إذن أن لا يعرفه الخليفة ؟ ولم يكن فيما ينكره إلا ما أصفقت على إنكاره أهل الحل والعقد يومئذ من الصالح العام في الحواضر الاسلامية كلها، غير انهم لم يجدوا كما أن عامرا لم يجد أذنا مصغية لهتافهم، فتكافئ دؤب الخليفة على التصامم ودؤب القوم على الانكار حتى استفحل الخطب ودارت الدوائر. وهلم معي ننظر إلى رواية الضعفاء رواية كذاب متروك عن مجهول منكر عن وضاع متهم بالزندقة متفق على ضعفه: السري عن شعيب عن سيف بن عمر بن محمد و

طلحة: إن عثمان سير حمران بن أبان أن تزوج امرأة في عدتها وفرق بينهما وضربه و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ ابن عساكر 7: 169، الاصابة 3: 85.

 

 

 /  ص 57 /

 

سيره إلى البصرة، فلما أتى عليه ما شاء الله وأتاه عنه الذي يحب، أذن له فقدم عليه المدينة ومعه قوم سعوا بعامر انه لا يرى التزويج، ولا يأكل اللحم، ولا يشهد الجمعة فألحقه عثمان بمعاوية فلما قدم عليه رأى عنده ثريدا فأكل أكلا عربيا، فعرف أن الرجل مكذوب عليه فعرفه معاوية سبب إخراجه فقال: أما الجمعة فاني أشهدها في مؤخر المسجد ثم ارجع في أوائل الناس، وأما التزويج فاني خرجت وأنا يخطب علي، وأما اللحم فقد رأيت ( 1 )

أولا تعجب من الذين اتخذوا هذه الرواية مصدرا في تعذير عثمان عن نفي عامر وإشخاصه وهم يبطلون الرواية في غير هذا المورد بوجود واحد من رجال هذا السند الثلاثة، لكنهم يحتجون بروايتهم جميعا هاهنا، وفي كل ما نقم به على عثمان ؟ ثم لننظر فيما وشى به على الرجل بعد الفراغ من النظرة في حال الواشي وهو حمران المتقدم ذكره، هل يوجب شئ منها ذما أو تعزيرا تأديبا أو تغريبا ؟ وهل هي من المعاصي المسقطة لمحل الانسان ؟ أما ترك التزويج فلم يثبت حرمته إن لم يكن من باب التشريع وأخذه دينا، وإنما النكاح من المرغب فيه، على أنه كان لم يزل يخطب لنفسه لكنه لا يجد من يلائمه في خفة المؤنة، أخرج أبونعيم في الحلية 2: 90: ان عامر بن عبد قيس بعث اليه أمير البصرة فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أسألك مالك لا تزوج النساء ؟ قال: ما تركتهن وإني لدائب في الخطبة، قال: ومالك لا تأكل الجبن ؟ قال: أنا بأرض فيها مجوس فما شهد شاهدان من المسلمين أن ليس فيه ميتة أكلته. قال:وما يمنعك أن تأتي الامراء ؟ قال: إن لدى أبوابكم طلاب الحاجات فادعوهم واقضوا حوائجهم، ودعوا من لا حاجة له اليكم.

وأخرج من طريق أحمد بن حنبل باسناده عن الحسن قال: بعث معاوية إلى عبدالله بن عامر أن انظر عامر بن عبدقيس فأحسن إذنه وأكرمه ومره أن يخطب إلى من شاء وامهر عنه من بيت المال، فأرسل اليه ان أميرالمؤمين قد كتب إلي وأمرني أن آمرك أن تخطب إلى من شئت وأمهر عنك من بيت المال. قال: أنا في الخطبة دائب. قال: إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 91، تاريخ ابن عساكر 7: 167، الكامل لابن الاثير 3: 60، اسد الغابة، تاريخ ابن خلدون 2: 389.

 

 

 /  ص 58 /

 

من ؟ قال: إلى من يقبل مني الفلقة والتمرة.

 وهذان الحديثان يكذبان ما جاء به السري، ولو صح ذلك فما وجه هذه المسألة في أيام معاوية عن تزويج عامر ؟

وأما ترك اللحوم فليس بن المحرم ايضا وقد جاء‌ت السنة بتحليلها كلها من غير ايجاب، نعم تركها النهائي مكروه إن لم يكن من باب التدين، وقد تستدعي المبالغة في الزهادة الذهول عن شؤن الدنيا بأسرها فلا يلتفت صاحبها إلى الملاذ كلها، وكان مع ذلك لعامر عذر، قال ابن قتيبة في المعارف ص 194: وكان سبب تسييره أن حمران بن أبان كتب فيه: انه لا يأكل اللحم، ولا يغشى النساء، ولا يقبل الاعمال، فعرض بأنه خارجي، فكتب عثمان إلى ابن عامر: أن ادع عامرا فإن كنت فيه الخصال فسيره فسأله فقال: أما اللحم فإني مررت بقصاب يذبخ ولا يذكر اسم الله، فإذا اشتهيت اللحم اشتريت شاة فذبحتها، وأما النساء فإن لي عنهن شغلا، وأما الاعمال فما أكثر من تجدونه سواي. فقال له حمران: لا أكثرالله فينا أمثالك، فقال له عامر: بل أكثر الله فينا من أمثالك كساحين حجامين.

وأما عدم الحضور للجمعة: فقدبين عامر نفسه حقيقته لمعاوية وهو الصادق الامين على انه كان له أن لا يحضر الجمعة والجماعة إن لم ير لمقيمها أهلية للايتمام به، وليس من المنكر ذلك في حق الولاة الامويين يومئذ. وعلى فرض صحة الرواية وكون كل مما نبزبه حوبا كبيرا فكان من الميسور تحقيق حال الرجل من قبل والي البصرة كما وقع ذلك فيما مر من رواية أبي نعيم بالنسبة إلى التزويج وأكل الجبن وإتيان الامراء. ولا أدري هل من الفرائض في الشريعة

السمحاء أكل الجبن بحيث يوجب تركه التجسس والتفتيش ؟ وعلى كل فما الموجب لاجفال الرجل العظيم من مستقر أمنه على قتب إلى الشام منفى الثائرين على الخليفة ؟

وأي عقل يقبل تسييره وتعذيبه لتلك الامور التافهة ؟ نعم: الغريق يتشبث بكل حشيش.

 

 

- 46 -

تسيير الخليفة عبدالرحمن الجمحي

 

عد ممن سيره الخليفة عبدالرحمن بن حنبل الجمحي. قال اليعقوبي: سير

 

 

 /  ص 59 /

 عبدالرحمن صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله إلى القموس ( 1 ) من خيبر، وكان سبب تسييره إياه أنه بلغه كرهه مساوي ابنه وخاله وانه هجاه.

وقال العلائي عن مصعب وأبوعمر في الاستيعاب انه لما أعطى عثمان مروان خمس مائة ألف من خمس أفريقية قال عبدالرحمن:

وأحــلف بـالله جـهـــــد اليميـــــن * مـــــا تــــرك الله أمــــرا ســــدى

ولكـــــن جــــعــلت لــــنا فتـــــنة * لكــي نبتلـــــي بـــــــــك أو تبتــلى

دعوت الطـــريـــــد فـــأدنيــــتـــه * خـــــلافا لما سنــــه المصطفــــى

ووليـــــت قــرباك أمــر العبــــاد * خـــلافا لسنة مــــن قـــــد مضـــى

وأعطيت مـروان خمس الغنيمة * آثــــرتــــه وحمــــيــت الحـمـــــى

ومــــالا أتاك بــــه الاشعــــــري * مــــن الفــــئ أعطيتــــه من دنـــا

فـــإن الامينيـــــن قــد بـــينـــــــا * منـــــار الطـــريق عليـه الهـــــدى

فمـــــا أخـــــذا درهمــا غيـلــــة * ولا قـــــسما درهما فـي هوى (2)

فأمر به فحبس بخيبر، وأنشد له المرزباني في معجم الشعراء انه قال وهو في السجن:

إلى الله أشكو لا إلى الناس ما عدا * بــا حــــسن غـلا شــــديدا أكــــابده

بخيبر فـي قـعر الغموص كأنهـــــــا * جــــوانب قبرأعمق اللحد لا حــــده

أإن قلــــت حـقا أو نشدت أمـانـــــة * قتلت ؟ فمن للحق إن مات ناشده ؟

وكتب إلى علي وعمار من الحبس:

أبلغ عليـــــا وعمــــارا فــــــأنهـما * بمنـــــزل الرشــد إن الرشد مبتدر

لا تتـــــركــــا جـــــاهلا حتى يوقره * ديـــــن الالــه وإن هاجت بـه مرر

لم يبـق لي منه إلاالسيف إذ علقت * حبائل المـــوت فينـا الصادق البرر

يعلــــم بأنـي مظلــــوم إذاذكـــــرت * وســـــط النـدي حجاج القوم والعذر

فلم يزل علي يكلم عثمان حتى خلى سبيله على أنه لايساكنه بالمدينة فسيره

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) كذا في لفظ اليعقوبى. وفي الاصابة: الغموص كما في الابيات. والصحيح: القموص بالقاف المفتوحة وآخره صاد مهملة.

( 2 ) قد تنسب هذه الابيات إلى أسلم راجع 8: 254.

 

 

 /  ص 60 /

 

إلى خيبر فأنزله قلعة بها تسمى " القموص " فلم يزل بها حتى ناهض المسلمون عثمان و ساروا اليه من كل بلد فقال عبدالرحمن:

لــولا علـــي فــإن الله أنقــذني * على يديه من الاغـلال والصفــد

لمــا رجـوت لـدى شد بجامعة * يمنى يـدي غياث الفوت من أحد

نفسي فداء علــــى إذ يخلـصني * من كافر بعد ما أغضى علي صمد

كان عبدالرحمن مع علي في صفين قال الطبري من طريق عوانة: إنه جعل ابن حنبل يقول يومئذ:

إن تقتلوني فأنـا ابـن حنبل * أنـا الـذي قـد قلت فيكم نعثل

راجع تاريخ الطبري 6: 25، تاريخ اليعقوبي 2: 150، الاستيعاب 2: 410، شرح ابن ابي الحديد 1: 66، الاصابة 2: 395.

قال الاميني: هذا أحد المعذبين الذين أقلتهم غيابة الجب مصفدا بالحديد و لم يجهز عليه إلا إنكاره المنكر، وجنوحه إلى الحق المعروف، والكلام فيه لدة ما كررناه في غير واحد من زملائه الصالحين، وأحسن ماينم عن سريرته شعره الطافح بالايمان.