فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

- 47 -

تسيير الخليفة عليا أميرالمؤمنين

 لعل التبسط في البحث عما جرى بين عثمان أيام خلافته وبين علي أميرالمؤمنين يوجب خدش العواطف، وينتهي إلى ما يحمد عقباه، والتاريخ وإن لم يحفظ منه إلا النزر اليسير غير أن في ذلك القليل غنى وكفاية وبه تعرف جلية الحال، ونحن نمر به كراما، فلا نحوم حول البحث عن كلمه القوارص لعلي عليه السلام، البعيدة عن ساحة قدسه النائية عن مكانته الراقية التي لا يدرك شأوها، ويقصردون استكناهها البيان. أيسع لمن أسلم وجهه لله وهو محسن وآمن بالكتاب وبما نزل من آية في سيد العترة، وصدق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما صدع به من فضائل علي عليه السلام، وجاوره مع ذلك حقبا وأعواما بيت بيت، ووقف على نفسياته الكريم‍ وهو على ضمادة من أفعاله وتروكه وشاهد مواقفه المبرورة ومساعيه المشكورة في تدعيم الدين الحنيف، أيسع لمسلم هذا شأنه أن يخاطب أخا الرسول المطهر بلسان الله بقوله: لم لا يشتمك مروان إذا

  

 /  ص 61 /

 

 شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه ( 1 ) ومروان طريد رسول الله وابن طريده و لعينه وابن لعينه.

أم بقوله له: والله يا أباالحسن ما أدري أشتهي موتك ؟ أم أشتهى حياتك ؟ فوالله لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك لاني لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا أعدم طاغيا يتخدك سلما وعضدا، ويعدك كهفا وملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه منك ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه إن مات فجعه وإن عاش عقه. إلى آخر مامر في في ص 18

أم بقوله له. ما أنت بأفضل من عمار، وما أنت أقل إستحقاقا للنفي منه ( 2 )

أم بقوله له: أنت أحق بالنفي من عمار ( 3 )

أم بقوله الغليظ الذي لا يحب المؤرخون ذكره ونحن سكتنا عن الاعراب عنه ( 4 )

وبعد هذه كلها يزحزحه عليه السلام عن مدينة الرسول صلى الله عليه وآله ويقلقه من عقر داره و ويخرجه إلى ينبع مرة بعد أخرى قائلا لابن عباس: قل له فليخرج إلى ماله بالينبع، فلا أغتم به ولا يغتم بي.لا مسائل الرجل عما أوجب أولوية الامام الطاهر المنزه عن الخطل، المعصوم

من الزلل بالنفي ممن نفاهم من الامة الصالحة ؟ أكان بزعمه علي عليه السلام شيوعيا إشتراكيا

شيخا كذابا كأبي ذر الصادق المصدق ؟ أم كان عنده دويبة سوء كإبن مسعود أشبه الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله صلى الله عليه وآله ؟ أم كان الرجل يراه ابن متكاء، عاضا اير أبيه، طاغيا كذابا يجترأ عليه ويجرأ عليه الناس كعمار جلدة ما بين عيني النبي صلى الله عليه وآله ؟

أم كان يحسبه معالجا نيرنجا ككعب بن عبدة الصالح الناسك ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) راجع ج 8 ص 304 و 310.

( 2 ) الفتنة الكبرى ص 165.

( 3 ) راجع صفحة 19 من هذا الجزء. راجع ج 8: 298، 299، 306، 323.

 

 

 /  ص 62 /

 

أم كان يراه تاركا الجبن واللحم والجمعة والتزويج كعامر بن عبد قيس القارئ الزاهد المتعبد ؟.

أم كان الامام متكلما بألسنة الشياطين غير عاقل ولا دين كصلحاء الكوفة المنفيين ؟.

حاشا صنوالنبي الاقدس عن أن يرمى بسقطة في القول أو في العمل بعد ما طهره الجليل، واتخذه نفسا لنبيه، واختارهما من بين بريته نبيا ووصيا.

وحاشا اولئك المنفيون من الصحابة الاولين الابرار والتابعين لهم بإحسان عن تلكم الطامات والافائك والنسب المفتعلة.

نعم كان يرى الرجل كلا من أولئك الصفوة البررة الآمرين بالعمروف والناهين عن المنكر طاغيا إتخذ عليا عليه السلام سلما ويعده كهفا وملجأ يدافع عنهم بوادر غضب الخليفة، ويحول بينهم وبين ما يرومه من عقوبة تلك الفئة الصالحة الناقمة عليه لما ركبه من النهابير، فدفع هذا المانع الوحيد عن تحقق هواجس الرجل كان عنده أولى بالنفي من أولئك الرجال المنفيين، ولولاه لكان يشفي عنهم غليله، ويتسنى له ما كان يبتغيه من البغي عليهم، والله يدافع عن الذين آمنوا وانه على نصرهم لقدير. على أنه ليس من المعقول أن يكون من يأوي إلى مولانا أميرالمؤمنين وآواه هو طاغيا كما يحسبه هذا الخليفة، فإنه لا يأوي إلى مثله إلا الصالح الراشد من المظلومين وهو عليه السلام لا يحمي إلا من هو كذلك، وهو ولي المؤمنين، وأمير البررة، وقائد الغر المحجلين، وإمام المتقين، وسيد المسلمين، كل ذلك نصامن الرسول الصادق الامين وليتنى أدري مم كان يغتم عثمان من مكان أميرالمؤمنين عليه السلام بالمدينة ؟ ووجوده رحمة ولطف من الله سبحانه وتعالى على الامة جمعاء لا سيما في البيئة التي تقله،

يكسح عن أهلها الفساد، ويكبح جماح المتغلبين، ويقف أمام نعرات المتهو سين، و يسير بالناس على المنهج اللاحب سيرا سجحا.

نعم: يغتم به سماسرة النهمة والشره فيروقهم بعاده ليهملج كل منهم إلى غاياتة قلق الوضين. وما كان هتاف الناس به يومئذ إلا لان يقيم أود الجامعة، ويعدل الخطة العوجاء، ويقف بهم على المحجة الواضحة، غير أن ذلك الهتاف لايروق من لا يروقه

 

 

 /  ص 63 /

 

ذلك كله، فالاغتمام به جناية على المجتمع الديني، ووقوف أمام سير الصالح العام. ولعمر الله ان هذه القوارص هي التي فتحت باب الجرأة على أميرالمؤمنين بمصراعيه طيلة حياته، وهتكت منه حجاب حرمته وكرامته، وأطالت عليه ألسنة البذاء‌ة والوقيعة فيه، وعثمان هو الذي أزرى الامام في الملا الديني، وصغره في أعين الناس وجرأ عليه طغام الامويين وسفلة الاعراب، فباذأه أبناء أمية وهم على آسال خليفتهم إتخذوه أسوة وقدوة في شتميته وقذيعته وآذوا نبيهم في أخيه علم الهدى، إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وأعدلهم عذابا مهينا، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم، والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا

بهتانا وإثما مبينا.

 

- 48 -

آية نازلة في الخليفة

أخرج الواحدي والثعلبي من طريق ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك قالوا: نزلت قوله تعالى في سورة النجم 33، 34، 35: أفرأيت الذي تولى، و أعطى قليلا وأكدى ( 1 )، أعنده علم الغيب فهو يرى: نزلت في عثمان رضي الله عنه كان يتصدق وينفق في الخير فقال له أخوه من الرضاعة عبدالله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع ؟ يوشك أن لايبقي لك شيئا. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى وأرجو عفوه، فقال له عبدالله: أعطني ناقتك وبرحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها. فأعطاه وأشهد عليه وأمسك وعن بعض ما كان يصنع من الصدقه، فأنزل الله تعالى: أفرأيت الذي تولى. الخ. فعاد عثمان إلى أحسن ذلك وأجمله.

وذكره جمع من المفسرين وفي تفسير النيسابوري: معنى تولى: ترك المركز يوم أحد.

راجع أسباب النزول للواحدي ص 298، تفسير القرطبي 17: 111، الكشاف 3: 146، تفسير النيسابوري هامش الطبري 27: 50 تفسير الشربيني 4: 128.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) قال ابن عباس ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك: اكدى: انتقطع فلا يعطى شيئا. يقال البئر اكدت.

 

 

 /  ص 64 /

 

قال الاميني: لا غرابة من ابن أبي سرح وقد تشاكلت أحواله يوم كفره وإسلامه وردته وزلفته من عثمان على عهد خلافته إن لهج بهذه السخافة التي لا تلائم أيا من نواميس العدل: ولكن إن تعجب فعجب قبول عثمان تلكم الخرافة منه، ومنحه إياه ناقته برحلها على أن يحمل عنه ذنوبه ( ولا تزر وازرة وزر اخرى ) وإشهاده عليه وإمساكه عن الصدقات، وحسبانه ان ماقاله ذلك الساخر كائن لا محالة، كأن بيد إبن أبي سرح أزمة الحساب، وعنده مقاليد يوم القيامة، وهو الخبير ما يكون فيه، فأنبأه بأن ذنوبه محيت بتلك المبادلة، أو أن عثمان نفسه كان يعلم الغيب، فهو يرى ان ما يقوله حميمه حق، وكأنه نسي قوله تعالى: وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وماهم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون، وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ( 1 ) وقوله تعالى: من يعمل سوء‌ايجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ( 2 ) وقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( 3 ) وقوله تعالى: كل نفس بما كسبت رهينة ( 4 ) ومن يكسب إثمافإنما يكسبه على نفسه ( 5 ) أليوم تجزى كل نفس ما كسبت لا ظلم اليوم ( 6 ) ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون ( 7 ) إلى آي كثيرة من أمثالها وهي كلها تقرر حكم العقل بقبح أخذ أي أحد بجريمة غيره.

والعدل يحكم بأن إبن أبي سرح وهو مثال المئاثم والمخازي إن حمل إثما من جراء قولته هذه فإنما هو جرأته علي الله تعالى وتصغيره عظمة نيران القسط الالهي و نهيه عن الصدقة لا ما سبق لعثمان إقترافه من السيئات، لكن هلم معي إلى ضئولة عقل من يصدق تلكم المهزأة، ويرتب عليها آثارا عملية حتى ند د به الذكر الحكيم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة العنكبوت: 12، 13.

( 2 ) سورة النساء: 123.

( 3 ) سورة الزلزلة: 7، 8.

( 4 ) سورة المدثر: 381.

( 5 ) سورة النساء: 111.

( 6 ) سورة غافر: 17.

( 7 ) سورة الجاثية: 22.

 

 

 /  ص 65 /

 

وهب أنا غاضينا الراوي على عود الرجل إلى ما كان بعد نزول الآية الكريمة، لكن ذلك لا يجديه نفعا يزيح عنه وصمة ضعف الرأي وقوة الرعونة فيه، نعم: كان يجديه لو لم يعبأ بتلكم الضلالة، أوانه عدل عنها بقوة التفكير لا بتوبيخ الوحي الالهي، وليته لم يعدل فإنه عدل إلى ما عرفت من سيرته في الصدقات، وجاء يخضم مال الله

خضمة الابل نبتة الربيع.

 

- 49 -

الخليفة لا يعر ف المخلص من النار

 

أخرج ابن عساكر في تاريخه 2: 58 من طريق أحمد بن محمد أبي علي بن مكحول البيروتي قال: مر عمر على عثمان بن عفان فسلم عليه فلم يرد عليه السلام فجاء عمر إلى أبي بكر الصديق فقال: يا خليفة رسول الله ألا اخبرك بمصيبة نزلت بنا من بعد رسول الله ؟ قال: وما هي ؟ قال: مررت على عثمان فسلمت عليه فلم يرد علي السلام.

فقال أبوبكر: أو كان ذلك ؟ قال: نعم. فأخذ بيده وجاء إلى عثمان فسلما عليه فرد عليهما السلام. فقال أبوبكر: جاء‌ك عمر فسلم عليك فلم ترد عليه ؟ فقال: والله يا خليفة رسول الله ما رأيته. قال: وفي أى شئ كانت فكرتك ؟ قال: كنت مفكرا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فارقناه ولم نسأله: كيف الخلاص والمخلص من النار ؟ فقال أبوبكر: والله لقد سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرني فقال عثمان: ففرج عنا قال أبوبكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تمسكوا بالعروة الوثقى قول لا إله إلا الله.

قال الاميني: أكان في أذن الرجل وقر على عهد النبوة عما كان يتهالك دونه رسول الله صلى الله عليه وآله ويهتف به آناء الليل وأطراف النهار منذ بدء البعثة إلى أن لقي ربه من الاشادة بكلمة التوحيد، وإن الاخلاص بها هو المنقذ الفذ، والسبب الوحيد للنجاة من الهلكة التي من ورائها النار، وان من يسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ( 1 ) فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ( 2 ) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة ( 3 ) وانه من يشرك بالله فقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة لقمان: 22.

( 2 ) سورة البقرة: 256.

( 3 ) سورة البقرة: 82.

 

 

 /  ص 66 /

 

حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ( 1 )

ألم يك يسمع نداء‌ه صلى الله عليه وآله: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ( 2 ) ؟.

وقوله: من شهد أن لا إله إلا الله، وان محمدا رسول الله، حرم الله عليه النار.

وقوله: من قال: لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة.

وقوله: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار.

وقوله: إني لاعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار: لا إله إلا الله. إلى أحاديث كثيرة جمع جملة ضافية منها الحافظ المنذري

في الترغيب والترهيب 2: 160 - 164.

أو ان الرجل كان يسمع هذه الكلمات الذهبية، لكنه لا يعيرها أذنا واعية فنسيها ؟ فإن كان لم يع هذه وهي أساس الدعوة فما الذي وعاه ؟ وما الذي تعقله من نبي جاء وذهب ولم يعرف ما هو المخلص من النار ؟ ولم يبعث إلا لانتشال أمته منها، وفي يده كتابه الكريم فيه تبيان كل شئ، وأي نبي كان يحسبه عثمان، نبي العظمة ؟ وعلى أي أساس علا صروح إسلامه ؟ وأي مسلم هذا يدرك أيام دعوة نبيه كلها ثم يدركه صلى الله عليه وآله الموت ولم يعرف المسكين بعد ما ينجيه من النار ؟ نعم: لم يأل نبي الاسلام في تنوير سبل السلام، وإنقاذ البشر من النار، فماذا عليه ؟ إن لم تصادفه نفس صاغية إلى تعاليمه فلم تحفظها.

 

- 50 -

ترك الخليفة التكبير في كل خفض ورفع

 

أخرج أحمد بالاسناد عن مطرف عن عمران بن حصين قال: صليت خلف علي صلاة ذكرني صلاة صليتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين قال: فانطلقت فصليت معه فإذا هو يكبر كلما سجد وكلما رفع رأسه من الركوع فقلت: يا أبا نجيد من أول من تركه ؟ قال: عثمان رضي الله عنه حين كبر وضعف صوته تركه ( 3 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) سورة المائدة 72.

( 2 ) تاريخ البخارى ج 4 القسم الثانى ص 14.

( 3 ) مسند احمد 4: 428، 429، 432، 440، 444.

 

 

 /  ص 67 /

 

قال الاميني: سيوافيك البحث الضافي في الجزء العاشر إنشاء الله تعالى حول التكبيرة في الصلاة عند كل رفع وخفض وانها سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله تسالمت عليها الامة، وعمل بها الصحابة، واستقر عليها إجماع أئمة المذاهب، وهذا الحديث يعطينا خبرا بأن أول من تركها هو عثمان وتبعه معاوية وبنو أمية، وما زال الناس على هذا المزن وتمرنت عليه الامة طوعا أو كرها حتى ضاعت السنة الثابتة ونسيت، وكان من جاء بها يعد أحمقا كأنه إرتكب بأمر إمر شاذ عن الشرع المقدس، والتبعة في ذلك كله على الخليفة البادي بترك سنة الله التي لا تبديل لها. قال الزرقاني في شرح الموطأ 2: 145: ولاحمد عن عمران: أول من ترك التكبير عثمان حين كبر، وللطبري عن أبي هريرة: أول من ترك معاوية، وأبي عبيد: أول من تركه زياد. ولا ينافي ما قبله لان زيادا تركه بترك معاوية، وكأنه بترك عثمان وقد حمله جماعة من العلماء على الاخفاء. ه‍.

وتبرير عمل عثمان بالحمل علي الاخفاء يأباه صريح لفظ ترك. وإنما يخبر ابن حصين عن تكبيرأميرالمؤمنين في الهوي والانتصاب لا عن جهره به، والسائل إنما يسأله عن أول من تركه لا عمن خافت به أولا، ويزيفه ما يأتي عن ابن حجر والشوكاني وغيرهما من قولهم كما سمعت عن الزرقاني: كان معاوية تركه بترك عثمان. ولم يؤثر عن معاوية غير الترك والتنقيص كمايأتي حديثه بلفظ نقص، وقد اتبع إثر عثمان في أحدوثته فإلى الملتقى.

 

نتاج البحث:

هذه نبذ قليلة نشرتها يد التاريخ الجانية بعد أن طوى كشحا عن ذكر مهمات ماجرى في ذلك العهد المشحون بالقلاقل، الطافح بالفتن، المفعم بالهنابث، وقد عرفناه جانيا بسترتلكم الحقايق، جنوحا إلى العاطفة، سايرا مع الميول، والتاريخ حريجب أن يمضي مع الواقع وأن لا يلويه مع القصد تعصب لاحد أو تحيز إلى فئة، لكن القوم لم يسيروا في سرد التاريخ كما يجب عليهم، فطفقوا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويثبتون ما يوافق هواهم، ويدعون مالا يروقهم.

قال الطبري في تاريخه 5: 108: إن الواقدي ذكر في سبب مسير المصريين إلى

 

 

 /  ص 68 /

 

عثمان ونزولهم ذأ خشب أمورا كثيرة، منها ما تقدم ذكره، ومنها ما أعرضت عن ذكره كراهة مني ذكره لبشاعته.

وقال في ج 5: 113: قد ذكرنا كثيرا من الاسباب التي ذكر قاتلوه إنهم جعلوها ذريعة إلى قتله، فأعرضنا عن ذكر كثير منها لعلل دعت إلى الاعراض منها.

وقال في ص 232: إن محمد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لما ولي فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها لما فيه مما لا يتحمل سماعها العامة.

ومر في ج 8: 305 في ذكر ما جرى بين علي عليه السلام وعثمان قول المسعودي:

فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره وأجابه علي بمثله.

وقال ابن الاثير في الكامل 3: 70: قد تركنا كثيرا من الاسباب التي جعلها الناس ذريعة إلى قتله لعلل دعت إلى ذلك.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية 7: 166: وفي هذه السنة ( يعني 33 ) سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام وإلى مصر بأسباب مسوعة لما فعله رضي الله عنه فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الاعداء في الحط والكلام فيه وهم الظالمون في ذلك، وهو البار الراشد رضي الله عنه.

وقال في ص 177: جرت أمور سنورد منها ما تيسير وبالله المستعان. ثم ذكر من الامور ما راقه ويلائم ذوقه ولم يذكر إلا سلسلة أكاذيب لم يصح شئ منها.

وقال الدكتور أحمد فريد رفاعي في عصر المأمون 1: 5: أما نحن فلا يطلب منا أن نبدي رأينا في عثمان، فهو صحابي عظيم وله أثره الخالد في جمع القرآن وغير القرآن وله دينه السمح الذي لا تشوبه شائبة، وما كان الدين ليحتم على الناس جميعا أن يكون نظرهم إلى الحياة الدنيا نظر التقشف والزهد، ولا يطلب منا أن نثبت ضعف الحكومة العثمانية، وإنما يطلب منا أن نسرد الحوادث بايجاز، ولنا في تسلسل هذه الحوادث و دراستها وتقييد آثارها ما قد يسمح لنا بالتعرض له حين معالجتنا الكلام عن عصرنا فيما بعد. ه‍.

ثم ذكر ماجاء به اليعقوبي من الايعاز إلى بعض ما نقم به على عثمان فتخلص عن البحث فيه بما أتى به إبن الاثير من رواية الطبري عن السري الكذاب عن شعيب المجهول عن سيف المتروك الساقط المتهم بالزندقة أوعن أناس آخرين أمثال هؤلاء.

 

 

 /  ص 69 /

 

أضف إلى هذه كثيرا من كتب التاريخ المؤلفة قديما وحديثا فإنها ألفت بيد أثيمة على ودايع العلم والدين، ولعل في المذكور في كتابنا هذا وهو قليل من كثير مقنعا للحصول على العلم بنفسيات الخليفة من شتى نواحيه، ومبلغه من العلم، ومقداره من التقوى، ومداه من الرأي، ومآثره من ناحية ملكاته، وقد عرف كل ذلك من عاصره وعاشره، فكانت كلمتهم في حقه واحدة، ورأيهم فيه فذا، وأعمالهم معه كل يشبه الآخر، ونحن نذكر لك نماذج مما لفظ به من قول وعمل به من فعل في ذلك الدور القاتم

بالفجايع والفظايع فدونكها:

 

1 - حديث أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه

1 - من كلام له عليه السلام في معنى قتل عثمان: لو أمرت به لكنت قاتلا، أو نهيت عنه لكنت ناصرا، غير ان من نصره لا يستطيع أن يقول: خذله من أنا خير منه، و من خذله لا يستطيع أن يقول: نصره من هو خير مني، وأنا جامع لكم أمره: إستأثر فأساء الاثرة، وجزعتم فأسأتم الجزع، ولله حكم واقع في المستأثر والجازع ( 1 )

قال ابن أبي الحديد في الشرح 1: 158: قوله: غير أن من نصره. معناه ان خاذليه كانوا خيرا من ناصريه، لان الذين نصروه كان أكثرهم فساقا كمروان بن الحكم وأضرابه، وخذله المهاجرون والانصار.

2 - من كلام له عليه السلام قاله لابن عباس وقد جاء‌ه برسالة من عثمان وهو محصور يسأله فيها الخروج إلى ماله بينبع فقال عليه السلام:

يا ابن عباس ما يريد عثمان إلا أن يجعلني جملا ناضحا بالغرب ( 2 ) أقبل وأدبر بعث إلي أن أخرج ثم بعث إلي أن أقدم، ثم هو الآن يبعث إلي أن أخرج، والله لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما ( 3 )

3 - أخرج البلاذري في الانساب 5: 98 من طريق أبي حادة انه سمع عليا رضي الله عنه يقول وهو يخطب فذكر عثمان فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما قتلته، و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) نهج البلاغه 1: 76.

( 2 ) الناضح: البعير يستقى عليه. الغرب: الدلو العظيمة.

( 3 ) نهج البلاغة 1: 468.

 

 

 /  ص 70 /

 

لا ما لات على قتله، ولا ساء‌ني.

4 ـ أخرج ابن سعد من طريق عمار بن ياسرقال: رأيت عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قتل عثمان وهو يقول: ما أحببت قتله ولا كرهته، ولا أمرت به ولا نهيت عنه. الانساب للبلاذري 5: 101.

وأو عز شاعر أهل الشام كعب بن جعيل إلى قول الامام عليه السلام بأبيات له ألا وهي:

ومــا فـــــــــي علــي لمستعتـــــــب * مـقـــــــال ســـوى ضمه المـحدثينا

وإيـثاره اليوم أهــــــــل الذنــــــوب * ورفـــــــــع القصاص عـن القاتلينا

إذا سيـــــــل عنـه حذا شبهة ( 1 ) * وعمــى الــجـــواب علـى السائلينا

فليــس بــراض ولا ســـــــاخـــــــط * ولا فـي النهـــــــاة ولا الآمــرينــــا

ولا هـــــــــــو ســـــاء ولا ســــــرة * ولا بد من بعض ذا أن يكونا ( 2 )

قال ابن أبي الحديد بعد ذكر الابيات: ما قال هذا الشعر إلا بعد أن نقل إلى أهل الشام كلام كثير لامير المؤمنين في عثمان يجري هذا المجرى نحو قوله: ما سرني ولا ساء‌ني، وقيل له: أرضيت بقتله ؟ فقال: لم أرض، فقيل له: أسخطت قتله ؟ فقال: لم أسخط. وقوله تارة: ألله قتله وأنا معه. وقوله تارة أخرى: ما قتلت عثمان ولا مالات في قتله. وقوله تارة أخرى: كنت رجلا من المسلمين أوردت إذا وردوا، و أصدرت إذا صدروا. ولكل شئ من كلامه إذا صح عنه تأويل يعرفه أولو الالباب.

5 - أخرج أبومخنف من طريق عبدالرحمن بن عبيد: ان معاوية بعث إلى علي حبيب من مسلمة الفهري وشرحبيل بن سمط ومعن بن يزيد بن الاخنس فدخلوا عليه وأنا عنده ( إلى أن قال بعد كلام حبيب وشرحبيل وذكر جواب مولانا أميرالمؤمنين ): فقالا أتشهد أن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ؟ فقال لهما: لا أقول ذلك. قالا: فمن لم يشهد ان عثمان قتل مظلوما فنحن منه برء‌آء. ثم قاما فانصرفا فقال علي: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في العقد الفريد: زوى وجهه.

( 2 ) كتاب صفين لابن مزاحم ص 63، العقد الفريد 2: 267، شرح ابن أبى الحديد 1: 158

 

 

 /  ص 71 /

 

كتاب صفين لابن مزاحم ص 277 واللفظ له، تاريخ الطبري 6: 4، الكامل لابن الاثير 3: 125.

6 - ذكر البلاذري في الانساب 5: 44 في حديث قول علي عليه السلام لعثمان: يا عثمان إن الحق مرئ، وإن الباطل خفيف وبئ، وإنك متى تصدق تسخط ومتى تكذب ترض.

7 - كان علي كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان أرسل إبنه الحسن إليه فلما أكثر عليه قال له: إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل، فكف عنا، فلم يبعث علي إبنه في شئ بعد ذلك، وذكروا أن عثمان صلى العصر ثم خرج إلى علي يعوده في مرضه ومروان معه فرآه ثقيلا فقال: أماو الله لولا ما أرى منك ما كنت أتكلم بما أريد أن أتكلم به، والله ما أدري أي يوميك أحب إلي أو أبغض، أيوم حياتك ؟ أو يوم موتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا يعدك كهفا، ويتخذك عضدا، ولئن مت لافجعن بك، فحظي منك حظ الوالد المشفق من الولد العاق، إن عاش عقه، وإن مات فجعه فليتك جعلت لنا من أمرك لنا علما نقف عليه ونعرفه، إما صديق مسالم، وإماعدو معاني، ولا تجعلني كالمختنق بين السماء والارض، لا يرقى بيد ولا يهبط برجل، أما والله لئن قتلتك لا اصيب منك خلفا، ولئن قتلتني لا تصيب مني خلفا، وما أحب أن أبقى بعدك. قال مروان: إي والله، وأخرى انه لا ينال ماوراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا، وتقطع سيوفنا، فما خيرالعيش بعد هذا ؟ فضرب عثمان في صدره وقال:

ما يدخلك في كلامنا ؟ فقال علي: إني والله في شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبويوسف فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون. ( العقد الفريد 2: 274، الامامة والسياسة 1: 30 )

8 - في كتاب لمولانا أمير المؤمنين يجيب به معاوية بن أبي سفيان قال: وذكرت إبطائي عن الخلفاء وحسدي إياهم والبغي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الكراهة لهم فوالله مااعتذر للناس من ذلك، وذكرت بغيي على عثمان وقطعي رحمه فقد عمل عثمان بما قد علمت، وعمل به الناس ما قد بلغك، فقد علمت أني كنت من أمره في عزلة إلا أن تجنى فتجن ماشئت، وأما ذكرك قتلة عثمان وما سألت من دفعهم

 

 

 /  ص 72 /

 

إليك فإني نظرت في هذا الامر وضربت أنفه وعينه فلم يسعني دفعهم إليك ولا إلى غيرك، وإن لم تنزع عن غيك لنعرفنك عما قليل يطلبونك ولا يكلفونك أن تطلبهم في سهل ولاجبل ولابر ولا بحر.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 102، العقد الفريد 2: 286، نهج البلاغة 2: 10،

شرح ابن أبي الحديد 3: 409.

9 - أخرج الطبري من طريق إسماعيل بن محمد: ان عثمان صعد يوم الجمعة المنبر فحمدالله وأثنى عليه فقام رجل فقال: أقم كتاب الله، فقال عثمان: اجلس فجلس حتى قام ثلاثا فأمر به عثمان فتحاثوا بالحصباء حتى ما ترى السماء وسقط عن المنبر وحمل فأدخل داره مغشيا عليه فخرج رجل من حجاب عثمان ومعه مصحف في يده وهو ينادي: إن الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله. ودخل علي بن أبي طالب على عثمان رضي الله عنهما وهو مغشي عليه وبنو أمية حوله،

فقال: مالك يا أميرالمؤمنين ؟ فأقبلت بنو أمية بمنطق واحد فقالوا: ياعلي أهلكتنا وصنعت هذا الصنيع بأميرالمؤمنين، أما والله لئن بلغت الذي تريد لتمرن عليك الدنيا. فقام علي مغضبا.

تاريخ الطبري 5: 113، الكامل لابن الاثير 3: 67.

10 - ذكر ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 ص 42 في حديث مسائلة عمرو بن العاص راكبا: فقال له عمرو: ما الخبر ؟ قال: قتل عثمان، قال: فما فعل الناس ؟ فقال: بايعوا عليا. قال: فما فعل علي في قتلة عثمان ؟ قال: دخل عليه وليد بن عقبة فسأله عن قتله فقال: ما أمرت ولانهيت، ولا سرني ولاساء‌ني. قال: فما فعل بقتلة عثمان ؟ فقال: آوى ولم يرض، وقد قال له مروان: إن لا تكن أمرت فقد توليت الامر، وإن لا تكن قتلت فقد آويت القاتلين، فقال عمرو بن العاص: خلط والله أبوالحسن.

11 - روى الاعمش عن الحكم بن عتيبة عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عليا عليه السلام على منبر الكوفة وهو يقول: ياأبناء المهاجرين ! انفروا إلى أئمة الكفر، وبقية الاحزاب وأولياء الشيطان، إنفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا، فوالله الذي

 

 

 /  ص 73 /

 

فلق الحبة وبرأ النسمة انه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقض من أوزارهم شيئا ( 1 )

قال الاميني: طعن ابن أبي الحديد في هذا الحديث بمكان قيس ( 2 ) بن أبي حازم

وقال: هو الذي روى حديث انكم لترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، وقد طعن مشايخنا المتكلمون فيه وقالوا: إنه فاسق ولا تقبل روايته لانه قال: إني سمعت عليا يخطب على منبر الكوفة ويقول: انفروا إلى بقية الاحزاب. فأبغضته ودخل بغضه في قلبي ومن يبغض عليا عليه السلام لا تقبل روايته. ثم حمله على فرض الصحة على إرادة معاوية من قوله: حمال الخطايا فقال: لانهم يحامون عن دمه، ومن حامى عن دم إنسان فقد قاتل عليه. اه‍.

ألا مسائل الرجل عن ان رواية حديث الرؤية أي منقصة وحزازة فيها وقد أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما وأحمد في مسنده ؟ فهل طعن أحد في أولئك الائمة لروايتهم إياها ؟

ثم لو كان من أبغض عليا عليه السلام فاسقا غير مقبول الرواية - كما هو الحق فما - قيمة الصحاح عندئذ في سوق الاعتبار ؟ وما أكثرفيها من الرواية عن مناوئي أميرالمؤمنين ومنهم نفس الرجل ( قيس بن أبي حازم ) فقد أخرج أئمة الصحاح أحاديث من طريقه و هو من رجالهم. على أن علماء الفن من القوم مع قولهم بأنه كان يحمل على علي نصوا على ثقة الرجل وقالوا: متقن الرواية، والحديث عنه من أصح الاسناد، وقال ابن خراش: كوفي جليل. وقال ابن معين: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: أجمعوا على الذهبي الاحتجاج به ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه. ) راجع تهذيب التهذيب 8: 386 )

وأما تأويل: ( حمال الخطايا ) بإرادة معاوية منه فمن التافة البعيد عن سياق العربية نظير تأويل معاوية الحديث الوارد في عمار من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: تقتلك الفئة الباغية.

12 - كان مولانا أميرالمؤمنين يخطب ويلوم الناس على تثبيطهم وتقاعدهم و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1: 179.

( 2 ) من رجال الصحيحين: البخارى ومسلم.

 

 

 /  ص 74 /

 

يستنفرهم إلى أهل الشام فقال له الاشعث بن قيس: هلا فعلت فعل ابن عفان ؟ فقال له:

إن فعل ابن عفان لمخزاة على من لادين له ولا وثيقة معه، إن امرأ أمكن عدوه من نفسه يهشم عظمه ويفري جلده لضعيف رأيه، مأفون عقله، أنت فكن ذاك، إن أحببت فأما أنا فدون أن اعطي ذاك ضرب بالمشرفية الفصل ( 1 )

13 - من كتاب له عليه السلام كتبه إلى أهل مصر لما ولى عليهم الاشتر:

من عبدالله علي أمير المؤمنين: إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصى في أرضه وذهب بحقه، فضرب الجور سرادقه على البر والفاجر، والمقيم والظاعن، فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر يتناهى عنه ( 2 )

قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 58: هذا الفصل يشكل علي تأويله لان أهل مصرهم الذين قتلوا عثمان، وإذا شهد أميرالمؤمنين عليه السلام انهم غضبوا لله حين عصي في الارض، فهذه شهادة قاطعة على عثمان بالعصيان وإتيان المنكر. ثم تأوله بمارآه تعسفا، والتعسف لايغني عن الحق شيئا ولاتتم به الحجة.

هب ابن أبي الحديد تعسف هاهنا وتأول فما يصنع ببقية كلمات مولانا أمير المؤمنين وكلمات ساير الصحابة لدة هذه الكلمة وهي تربو على مئات ؟ فهل يسعنا أن نكون عسوفا في كل ذلك ؟ سل عنه خبيرا.

14 - من كلام لاميرالمؤمنين قاله عثمان لما اجتمع الناس إليه وشكوا إليه مانقموه على عثمان فدخل عليه السلام عليه فقال: إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شئ فنخبرك عنه، ولا خلو نا بشئ فنبلغكه وقد رأيت كمارأينا، وسمعت كما سمعنا وصحبت رسول الله كما صحبنا، وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بعمل الحق منك، وأنت أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره مالم ينالا، فالله الله في نفسك فانك والله ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل، وإن الطرق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 1: 178.

( 2 ) تاريخ الطبرى 6: 55، نهج البلاغة، 2: 63، شرح ابن أبي الحديد 2: 29.

 

 

 /  ص 75 /

 

لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة، فاعلم أن أفضل عبادالله عندالله إمام عادل، هدي وهدى،

فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة مجهولة، وإن السنن لنيرة لها أعلام، وإن البدع لظاهرة لها أعلام، وأن شر الناس عندالله إمام جائر، ضل وضل به، فأمات سنة مأخوذة، وأحيا بدعة متروكة، واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: يؤتى يوم القيامة بالامام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى ثم يرتبط في قعرها، وإني أنشدك الله أن تكون إمام هذه الامة المقتول فإنه كان يقال: يقتل في هذه الامة إمام يفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها، ويثبت الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرجون فيها مرجا، فلا تكونن لمروان سيقة يسوقك حيث شاء بعد جلال السن و تقضي العمر، فقال له عثمان: كلم الناس في أن يؤجلوني حتى أخرج اليهم من مظالمهم فقال عليه السلام: ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك اليه ( 1 )

تاريخ الطبري 5: 96، الانساب للبلاذري 5: 60، نهج البلاغة 1: 303، الكامل

لابن الاثير 3: 63، تاريخ ابن كثير 7: 168.

15 - أخرج ابن السمان من طريق عطاء إن عثمان دعا عليا فقال: ياأبالحسن إنك لو شئت لاستقامت علي هذه الامة فلم يخالفني واحد. فقال علي: لو كانت لي أموال الدنيا وزخرفها ما استطعت أن أدفع عنك أكف الناس، ولكني سأدلك على أمر هو أفضل مما سألتني: تعمل بعمل أخويك أبي بكر وعمر، وأنا لك بالناس لا يخالفك أحد (الرياض النضرة 2: 129 )

16 - من خطبة لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام الشقشقية قوله: إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع، إلى انكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكتب به بطنته.

مرت مصادر هذه الخطبة في الجزء السابع ص 82 - 85 ط 2.

17 - قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2: 267: قال حسان بن ثابت لعلي: إنك تقول: ما قتلت عثمان ولكن خذلته، ولا آمر به ولكن لم أنه عنه، فالخاذل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سيأتى تمام الحديث في صور توبة الخليفة وحنثه اياها مرة بعد اخرى.

 

 

 /  ص  76 /

 

شريك القاتل، والساكت شريك القاتل.

18 - أخرج البلاذري في الانساب 5: 13 من طريق عبدالله بن عباس قال: إن عثمان شكا عليا إلى العباس فقال له: يا خال ؟ إن عليا قد قطع رحمي، وألب الناس إبنك، والله لئن كنتم يا بني عبدالمطلب ! أقررتم هذا الامر في أيدي بني تيم وعدي فبنو عبد مناف أحق أن لا تنازعوهم فيه ولا تحسدوهم عليه. قال عبدالله بن العباس: فأطرق أبي طويلا ثم قال: يا ابن أخت ؟ لئن كنت لا تحمد عليا فما يحمدك له، وإن حقك في القرابة والامامة للحق الذي لايدفع ولايجحد، فلو رقيت فيما تطأطأ أو تطأطأت فيما رقى تقاربتما، وكان ذلك أوصل وأجمل، قال: قد صيرت الامر في ذلك اليك فقرب الامر بيننا. قال: فلما خرجنا من عنده دخل عليه مروان فأزاله عن رأيه، فما لبثنا أن جاء أبي رسول عثمان بالرجوع إليه فلما رجع قال: يا خال أحب أن تؤخر النظر في الامر الذي ألقيت إلي حتى أرى من رأيي، فخرج أبي من عنده ثم التفت إلي فقال: يا بني ليس إلى هذا الرجل من أمره شئ، ثم قال: أللهم أسبق بي الفتن ولا تبقني إلي ما لا خير لى في البقاء اليه. فما كانت جمعة حتى هلك.

19 - أخرج البلاذري في الانساب 5: 14 من طريق صهيب مولى العباس: إن العباس قال لعثمان: أذكرك الله في أمر ابن عمك وابن خالك وصهرك وصاحبك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بلغني انك تريد أن تقوم به وبأصحابه، فقال: أول ما أجيبك به أني قد شفعتك، ان عليا لو شاء لم يكن أحد عندي إلا دونه ولكنه أبى إلا رأيه، ثم قال لعلي مثل قوله لعثمان، فقال علي: لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت.

20 - من كتاب لامير المؤمنين عليه السلام إلي معاوية: أما بعد: فوالله ما قتل ابن عمك غيرك، وإني لارجو أن ألحقك به على مثل ذنبه وأعظم من خطيئته.

(العقد الفريد 2: 223، وفي ط 285 )

ولا تنس في الختام قول حسان بن ثابت:

صبرا جميلا بني الاحرار لا تهوا * قـد ينفع الصبر في المكروه أحـيانا

يا ليت شعري وليت الطير تخبرني * مــــا كــــان شأن علي وابـن عفانا

 

 

 /  ص 77 /

 

لتسمعن وشـيكا فــــي دياركـم * ألله أكبريا ثارات عثمـانا ( 1 )

قال الاميني: يعطينا الاخذ بمجامع هذه الاحاديث الامام عليه السلام ما كان يرى الخليفة إمام عدل يسوء‌ه قتله، أو يهمه أمره يسخطه التجهمر عليه، بل كان يعتزل عن أمره ويخشى أن يكون آثما إن دؤب على الدفاع عنه، ولا يرى الثائرين عليه متحوبين في نهضتهم وإلا لساء‌ه ذلك فضلا عن أن يسكت عنهم، أو يطريهم كماسمعته من كتابه إلى اهل مصر، أو يرى الخاذلين له خيرا ممن نصره، ولو كان يراه إمام عدل فأقل المراتب أن يقول: إن ناصره خير من خاذله. بل الشأن هذا في أفراد المسلمين العدول من الرعية فضلا عن إمامها.

وحديث شكاية عثمان إلى عمه العباس المتوفى سنة 32 بعلمنا بأن الخلاف والتشاجر بينهما كانا قبل تجمهر الثائرين عليه في أواسط أيام خلافته قبل وفاته بأعوام وقول أميرالمؤمنين له: لو أمرني عثمان أن أخرج من داري لخرجت. فيه إيعاز إلى أن انكاره عليه السلام على الرجل لم يكن قط في الملك، وما كان يرضى بشق عصا المسلمين بالخلاف عليه في أمره، وإنما كان للامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يك يرى لنفسه بدا من ذلك.

ولو أمعنت النظر فيما سردناه من ألفاظه الدرية لا نفتح عليك أبواب من رأي الامام عليه السلام في الخليفة لم نوعز إليها، ويعرب عن رأيه فيه ما مر في ج 8 ص 287 ط 2

من خطبة له عليه السلام خطبها في اليوم الثاني من بيعته من قوله: ألا إن كل قطيعة أقطعها عثمان. وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال. فلو كان الرجل إمام عدل عند الامام عليه السلام لكان أخذه ورده وقطعه وعطاء‌ه حجة لا يتطرق إليها الرد، ولكن....

 

1 ـ حديث عائشة بنت أبي بكر أم المؤمنين

1 - قال ابن سعد: لما حصر عثمان كان مروان يقاتل دونه أشد القتال، و أرادت عائشة الحج وعثمان محصور فأتاها مروان وزيد بن ثابت وعبدالرحمن بن عتاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أنساب البلاذرى 5: 104.

 

 

 /  ص 78 /

 

فقالوا: ياأم المؤمنين لو أقمت فان أميرالمؤمنين على ما ترين محصور ومقامك مما يدفع الله به عنه. فقالت: قد حلبت ظهري، وعريت غرائري، ولست أقدر على المقام فأعادوا عليها الكلام فأعادت عليهم مثل ما قالت لهم، فقام مروان وهو يقول:

وحـــــرق قيس علي البلا * د حتى إذا استعرت أجذما

فقالت عائشة: أيها المتمثل علي بالاشعار وددت والله إنك وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وإنكما في البحر، وخرجت إلى مكة وفي لفظ البلاذري: لما اشتدالامر على عثمان أمر مروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن عتاب بن اسيد فأتيا عائشة وهي تريد الحج فقالا لها: لو أقمت فلعل الله

يدفع بك عن هذا الرجل. فقالت: قد قرنت ركابي وأوجبت على الحج نفسي، ووالله لا أفعل. فنهض مروان وصاحبه ومروان يقول:

وحرق قيس علي البلا - د حتى إذا اضطرمت أجذما

فقالت عائشة: يا مروان ! وودت والله انه في غرارة ( 1 ) من غرائري هذه وأني طوقت حمله حتى ألقيه في البحر.

2 - مر عبدالله بن عباس بعائشة وقد ولاه عثمان الموسم وهي بمنزل من منازل طريقها فقالت: يا ابن عباس ؟ إن الله قد آتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية. أخرجه البلاذري.

وفي لفظ الطبري: خرج ابن عباس فمر بعائشة في الصلصل ( 2 ) فقالت: يا ابن عباس انشدك الله فإنك قد أعطيت لسانا إزغيلا أن تخذل عن هذا الرجل وأن تشكك فيه الناس، فقد بانت لهم بصائرهم وانهجت ورفعت لهم المنار وتجلبوا من البلدان لامر قد جم، وقد رأيت طلحة بن عبدالله قد اتخذ على بيوت الاموال والخزائن مفاتيح، فإن يل يسير بسيرة ابن عمه أبي بكر رضي الله عنه. قال: قلت: يا أمه لوحدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلا إلى صاحبنا. فقالت: أيها عنك إني لست أريد مكابرتك ولا مجادلتك. وحكاه ابن أبي الحديد عن تاريخ الطبري في شرح النهج غير ان فيه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الغرارة بكسر المعجمة: الجوالق.

( 2 ) صلصل بالضم والتكرير: موضع بنواحى المدينة على سبعة أميال منها.

 

 

 /  ص 79 /

 

فقالت يا ابن عباس انشدك الله فإنك قد أعطيت فهما ولسانا عقلا أن لاتخذل الناس عن طلحة فقد بانت لهم بصائر هم في عثمان، واتهجت ورفعت لهم المنابر وتجلبوا من البلدان لامر عظيم قد حم، وان طلحة قد اتخذ رجالا على بيوت الاموال، وأخذ مفاتيح الخزائن، وأظنه يسير إنشاء الله بسيرة ابن عمه أبي بكر. الحديث.

3 - كانت عائشة وأم سلمة حجتا ذلك العام ( عام قتل عثمان ) وكانت عائشة تؤلب على عثمان فلما بلغها أمره وهي بمكة أمرت بقبتها فضربت في المسجد الحرام وقالت: إني أرى عثمان سيشأم قومه كما شأم أبوسفيان قومه يوم بدر. رواه البلاذري.

4 - أخرج عمر بن شبة من طريق عبيد بن عمرو القرشي قال: خرجت عائشة رضي الله عنها وعثمان محصور فقدم عليها مكة رجل يقال له: أخضر، فقالت: ما صنع الناس ؟

فقال: قتل عثمان المصريين. قالت: إنا لله وإناإليه راجعون، أيقتل قوما جاؤا يطلبون الحق وينكرون الظلم ؟ والله لا نرضى بهذا. ثم قدم آخر فقالت: ما صنع الناس ؟

قال: قتل المصريون عثمان، قالت. العجب لاخضر زعم ان المقتول هو القاتل فكان يضرب به المثل: أكذب من أخضر. وأخرجه الطبري.

5 - مر في الجزء الثامن صفحة 123 ط 2: أن الشهود على الوليد بن عقبة بشربه الخمر استجاروا بعائشة وأصبح عثمان فسمع من حجرتها صوتا وكلاما فيه بعض الغلظة فقال: أما تجد مراق أهل العراق وفساقهم ملجأ إلا بيت عائشة. فسمعت فرفعت نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: تركت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب هذا النعل. ألحديث فراجع.

6 - أسلفنا في هذا الجزء صفحة 16 في مواقف عمار: ان عائشة لما بلغها ما صنع عثمان بعمار فغضبت وأخرجت شعرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وثوبا من ثيابه ونعلا من نعاله ثم قالت: ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد ؟ فغضب عثمان غضبا شديد حتى ما درى مايقول. ألحديث.

وقال أبوالفدا: كانت عائشة تنكر على عثمان مع من ينكر عليه وكانت تخرج قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره وتقول: هذا قميصه وشعره لم يبل وقد بلي دينه.

7 - وفي كتاب لاميرالمؤمنين عليه السلام كتبه لما قارب البصرة إلى طلحة والزبير و عائشة: وأنت يا عائشة فإنك خرجت من بيتك عاصية لله ولرسوله تطلبين أمرا كان

 

 

 /  ص 80 /

 

 عنك موضوعا، ثم تزعمين انك تريدين الاصلاح بين المسلمين، فخبريني ما للنساء وقود الجيوش والبروز للرجال، والوقوع بين أهل القبلة وسفك الدماء المحرمة ؟ ثم أنك طلبت على زعمك دم عثمان وما أنت وذاك ؟ عثمان رجل من بني أمية وأنت من تيم، ثم بالامس تقولين في ملا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر، ثم تطلبين اليوم بدمه ؟ فاتقي الله وارجعي إلى بيتك، واسبلى عليك سترك، والسلام.

8 - أخرج الطبري وابن قتيبة: ان غلاما من جهينة أقبل على محمد بن طلحة( يوم الجمل ) وكان محمد رجلا عابدا فقال: أخبرني عن قتلة عثمان فقال: نعم دم عثمان ثلاثة أثلاث: ثلت على صاحبة الهودج يعني عائشة، وثلث على صاحب الجمل الاحمر يعني طلحة، وثلث على علي بن أبي طالب. وضحك الغلام وقال: ألا أراني على ضلال ولحق بعلي وقال: في ذلك شعرا.

سألت ابــن طلحة عن هالك * بجـــوف المدينـة لــــم يقبر ؟

فقال: ثلاثـة رهـــط هــــــــم * أماتـــوا ابن عفان واستعبر

فثلث على تلــــك في خدرها * وثلــث علــــى راكب الاحمر

وثلث على بن أبـــــي طالب * ونــــحـــــن بــــدوية قــرقـــر

فقلت: صدقت علـى الاولين * وأخــــطأت في الثالث الازهر

9 - أخرج الطبري من طريقين: ان عائشة رضي الله عنها لما انتهت إلى سرف ( 1 )

راجعه في طريقها إلى مكة لقيها عبد بن أم كلاب وهو عبد بن أبي سلمة ينسب إلى أمه فقالت له: مهيم ؟ قال: قتلوا عثمان رضي الله عنه فمكثوا ثمانيا. قالت: ثم صنعوا ماذا ؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الامور إلى خير مجاز، اجتمعوا على علي بن أبي طالب. فقالت: والله ليت إن هذه انطبقت على هذه إن تم الامر لصاحبك ردوني ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لاطلبن بدمه. فقال لها ابن أم كلاب: ولم ؟ فوالله ان أول من أمال حرفه لانت ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر ( 2 ). قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سرف بالفتح ثم الكسر: موضع على ستة أميال من مكة.

( 2 ) في لفظ ابن قتيبة: فجر.

 

 

 /  ص 81 /

 

قلت وقالوا وقولي الاخير خير من قولي الاول. فقال لها ابن أم كلاب ( 1 )

 مـنك البداء ومنك الغيــــــر * ومـنـــك الرياح ومنك المطر

وأنت أمرت بقتــــــل الامــام * وقلـــــت لــــنا: إنــــه قد كفر

 فهبنا أطعناك فـــي قتلــــــه * وقــــاتلـــــه عنــدنا مـــن أمر

ولم يسقط السقف من فوقنا * ولــم يـنكسف شمسنا والقمر

وقد بايــــــع الناس ذا تــدرإ * يزيــــــل الشبـــا ويقيم الصعر

ويـلبس للــــحرب أثـــوابـها * وما من وفى مثل من قد غدر

فانصرفت إلي مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجر فسترت واجتمع اليها الناس فقالت: يا أيها الناس ! إن عثمان رضي الله عنه قتل مظلوما ووالله لاطلبن بدمه

10 - قال أبوعمر صاحب الاستيعاب: إن الاحنف بن قيس كان عاقلا حليما ذا دين وذكاء وفصاحة ودهاء، لما قدمت عائشة البصرة أرسلت إلى الاحنف بن قيس فأبى أن يأتيها ثم أرسلت اليه فأتاها فقالت: ويحك يا أحنف ! بم تعتذر إلى الله من ترك جهاد قتله أميرالمؤمنين عثمان رضي الله عنه ؟ أمن قلة عدد ؟ أو أنك لاتطاع في العشيرة ؟

قال: يا أم المؤمنين ما كبرت السن ولا طال العهد وإن عهدي بك عام أول تقولين فيه وتنالين فيه. قالت: ويحك يا أحنف ! إنهم ماصوه موص الاناء ثم قتلوه. قال: يا أم المؤمنين إني آخذ بأمرك وأنت راضية، وأدعه وأنت ساخطة.

11 - أخرج ابن عساكر من طريق أبي مسلم انه قال لاهل الشام وهم ينالون من عائشة في شأن عثمان، يا أهل الشام أضرب لكم مثلكم ومثل امكم هذه: مثلها و مثلكم كمثل العين في الرأس توذي صاحبها ولا يستطيع أن يعاقبها إلا بالذي هو خير لها.

12 - قال ابن أبي الحديد: قال كل من صنف في السير والاخبار: إن عائشة كانت من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله صلى الله عليه وآله فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين اليها: هذا ثوب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبل و عثمان قد أبلى سنته. قالوا: أول من سمى عثمان نعثلا عائشة، وكانت تقول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في لفظ ابن قتيبة: عذر والله ضعيف، يا ام المؤمنين. ثم ذكر الابيات.

 

 

 /  ص 82 /

 

13 - روى المدائني في كتاب الجمل قال: لما قتل عثمان كانت عائشة بمكة وبلغ قتله إليها وهي بشراف فلم تشك في أن طلحة هوصاحب الامر وقالت: بعدا لنعثل وسحقا، ايه ذا الاصبع ايه أبا شبل ايه يا ابن عم لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع له، حثوا الابل ودعدعوها. قال: قد كان طلحة حين قتل عثمان أخذ مفاتيح بيت المال وأخذ نجائب كانت لعثمان في داره ثم فسد أمره فدفعها إلى علي بن أبي طالب.

14 - قال أبومخنف لوط بن يحيى الازدي في كتابه: إن عائشة لما بلغها قتل عثمان وهي بمكة أقبلت مسرعة وهي تقول: ايه ذاالاصبع لله أبوك، أما انهم وجدوا طلحة لها كفوا، فلما انتهت إلى شراف ( 1 ) استقبلها عبيد بن أبي سلمة الليثي فقالت له:

ما عندك ؟ قال: قتل عثمان. قالت: ثم ماذا ؟ قال: ثم حارت بهم الامور إلى خير محار، بايعوا عليا. فقالت: لوددت أن السماء انطبقت على الارض إن تم هذا، ويحك انظر ماذا تقول. قال: هو ما قلت لك يا أم المؤمنين ! فولوت. فقال لها: ما شأنك يا أم المؤمنين ؟ والله ما أعرف بين لابتيها أحدا أولى بها منه ولاأحق، ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته، فلماذا تكرهين ولايته ؟ قال: فما ردت عليه جوابا.

وقد روي من طرق مختلفة: ان عائشة لها بلغها قتل عثمان وهي بمكة قالت: أبعده الله، ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد.

15 - قال: وقد روى قيس بن أبي حازم: انه حج في العام الذي قتل فيه عثمان وكان مع عائشة لما بلغها قتله فتحمل إلى المدينة قال: فسمعها تقول في بعض الطريق ايه ذا الاصبع. وإذا ذكرت عثمان قالت: أبعده الله. حتى أتاها خبر بيعة علي فقالت: لوددت أن هذه وقعت على هذه. ثم أمرت برد ركائبها إلى مكة فرددت معها ورأيتها في سيرها إلى مكة تخاطب نفسها كأنها تخاطب أحدا: قتلوا ابن عفان مظلوما. فقلت لها: يا أم المؤمنين ألم أسمعك آنفا تقولين أبعده الله ؟ وقد رأيتك قبل أشد الناس عليه وأقبحهم فيه قولا، فقالت: لقد كان ذلك ولكني نظرت في أمره فرأيتهم استتابوه حتى إذا تركوه كالفضة البيضاء أتوه صائما محرما في شهر حرام فقتلوه.

16 - قال: وروي من طرق أخرى: أنها قالت لما بلغها قتله: أبعده الله قتله ذنبه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) راجع صفحة 236 من الجزء الثامن، وص 80 من هذا الجزء.

 

 

 /  ص 83 /

 

وأقاده الله بعمله، يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه، إن احق الناس بهذا الامر ذو الاصبع. فلما جاء‌ت الاخبار ببيعة علي عليه السلام قالت: تعسوا لا يردون الامر في تيم أبدا. كتب طلحة والزبير إلى عائشة وهي بمكة كتبا أن خذلي الناس عن بيعة علي، وأظهري الطلب بدم عثمان. وحملا الكتب مع ابن اختها عبدالله بن الزبير، فلماقرأت الكتب كاشفت وأظهرت الطلب بدم عثمان، وكانت أم سلمة رضي الله عنها بمكة في ذلك العام فلما رأت صنع عائشة قابلتها بنقيض ذلك وأظهرت موالاة علي عليه السلام ونصرته على مقتضى العداوة المركوزة في طباع الضرتين.

17 - قال أبومحنف: جاء‌ت عائشة إلى أم سلمة تخادعها على الخروج للطلب بدم عثمان فقالت لها: يا بنت أبي أمية أنت أول مهاجرة من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم لنا من بيتك، وكان جبريل أكثر ما يكون في منزلك. فقالت أم سلمة: لامر ما قلت هذه المقالة ؟ فقالت عائشة:

إن عبدالله أخبرني أن القوم استتابوا عثمان فلما تاب قتلوه صائما في شهر حرام، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ومعي الزبير وطلحه فاخرجي معنا لعل الله أن يصلح هذا الامر على أيدينا وبنا. قالت: أنا أم سلمة، إنك كنت بالامس تحرضين على عثمان وتقولين فيه أخبث القول، وما كان إسمه عندك إلا نعثلا، وإنك لتعرفين منزلة علي بن أبي طالب عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ألحديث ( 1 )

18 - روى ابن عبد ربه عن العتبي قال: قال رجل من بني ليث: لقيت الزبير قادما فقلت: يا أبا عبدالله ما بالك ؟ قال: مطلوب مغلوب يغلبني إبني ويطلبني ذنبي، قال: فقدمت المدينة فلقيت سعد بن أبي وقاص فقلت: أبا إسحاق ! من قتل عثمان ؟ قال: قتله سيف سلته عائشة، وشحذه طلحة، وسمه علي. قلت: فما حال الزبير ؟ قال: أشار بيده وصمت بلسانه.

وفي الامامة والسياسة: كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره، فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان، وإني أخبرك إنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) فيه فوائد جمة لا تفوت الباحث وعليه به.

 

 

 /  ص 84 /

 

سكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعنا عنه، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا ؟ فنستغفر الله، وأخبرك أن الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه، وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب الامارة لشقه.

19 - وقال ابن عبد ربه: دخل المغيرة بن شعبة على عائشة فقالت: يا أباعبدالله ! لو رأيتني يوم الجمل قد انفذت النصل هودجي حتى وصل بعضها إلى جلدي. قال لها المغيرة: وددت والله إن بعضها كان قتلك. قالت: يرحمك الله ولم تقول هذا ؟ قال لعلها تكون كفارة في سعيك على عثمان. قالت: أما والله لئن قلت ذلك لما علم الله إني أردت قتله، ولكن علم الله إني أردت أن يقاتل فقوتلت، وأردت أن يرمى فرميت، وأردت أن يعصى فعصيت، ولو علم مني أني أردت قتله لقتلت.

20 - وروى ابن عبدربه عن أبي سعيد الخدري قال: إن ناسا كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة فمربنا عثمان فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري فكان فيهم رجل من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفة أجرأ منه على غيره فقال: يا كوفي أتشتمني ؟ فلما قدم المدينة كان يتهدده قال: فقيل له: عليك بطلحة، قال: فانطلق معه حتى دخل على عثمان فقال عثمان: والله لاجلدنه مائة سوط. قال طلحة: والله لا تجلده مائة إلا أن يكون زانيا. قال: والله لاحرمنه عطاء‌ه. قال: الله يرزقه.

21 - قال ابن الاثير والفيروزآبادي وابن منظور والزبيدي: النعثل الشيخ الاحمق ونعثل يهودي كان بالمدينة. قيل شبه به عثمان رضي الله عنه كما في التبصير، ونعثل رجل من أهل مصر كان طويل اللحية، قال أبوعبيد: كان يشبه عثمان، وشاتموا عثمان يسمونه نعثلا، وفي حديث عثمان انه كان يخطب ذات يوم فقام رجل فنال منه فوذأه ابن سلام فاتذأ فقال له رجل: لا يمنعنك مكان ابن سلام أن تسب نعثلا فإنه من شيعته، وكان أعداه عثمان يسمونه نعثلا، وفي حديث عائشة: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا. تعني عثمان، وكان هذا منها لما غاضبته وذهبت إلى مكة، وفي حياة الحيوان: النعثل كجعفر: الذكر من الضباع وكان أعداء عثمان يسمونه نعثلا.

22 - روى البلاذري في الانساب قال: خرجت عائشة رضي الله تعالى عنه باكية

 

 

 /  ص 85 /

 

تقول: قتل عثمان رحمه الله. فقال لها عمار بن ياسر: أنت بالامس تحرضين عليه ثم أنت اليوم تبكينه.

راجع طبقات ابن سعد 5: 25 ط ليدن، انساب البلاذري 5: 70، 75، 91،

الامامة والسياسة 1: 43، 46، 57، تاريخ الطبري 5: 140، 166، 172، 176،

العقد الفريد 2: 267، 272، تاريخ ابن عساكر 7: 319، الاستيعاب ترجمة الاحنف

صخر بن قيس، تاريخ ابي الفداج 1: 172، شرح ابن أبي الحديد 2: 77، 506،

تذكرة السبط ص 38، 40، نهاية ابن الاثير 4: 166، اسد الغابة 3: 15: الكامل لابن الاثير 3: 87، القاموس 4: 59، حياة الحيوان 2: 359، السيرة الحلبية 3: 314، لسان العرب 14: 193، تاج العروس 8: 141.

قال الاميني: هذه الروايات تعطينا درسا ضافيا بنظرية عائشة في عثمان وإنها لم تكن ترى له جدارة تسنم ذلك العرش، وبالغت في ذلك حتى ودت إزالته عن مستوى الوجود. فأحبت له أن يلقي في البحر وبرجله رحى تجره إلى أعماقه، أو أنه يجعل في غرارة من غرائرها وتشد عليه الحبال فيقذف في عباب اليم فيرسب فيه من غير خروج ،أو أن يودي به حراب المتجمهرين عليه فتكسح عن الملا معرة أحدوثاته، ولذلك كانت تثير الناس عليه بإخراج شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثوبه ونعله، ولم تبرح تؤلب الملا الديني عليه وتحثهم على مقته وتخذلهم عن نصرته في حضرها سفرها، وإنها لم تعدل عن تلكم النظرية حتى بعد ما أجهز على عثمان إلا لماعلمت من إنفلات الامر عن طلحة الذي كانت عائشة تتهالك دون تأميره وتضمر تقديمه منذ كانت ترهج النقع على عثمان، وتهيج الامة على قتله، فكانت تروم أن تعيد الامرة تيمية مرة أخرى، و لعلها حجت لبث هاتيك الدعاية في طريقها وعندمجتمع الحجيج بمكة، فكان يسمع منها قولها في طلحة: ايه ذاالاصبع ! ايه أباشبل ! ايه ياابن عم لكأني أنظر إلى اصبعه وهو يبايع له، وقولها: ايه ذاالاصبع ! لله أبوك، أماانهم وجدوا طلحة لها كفوا.

وقولها في عثمان: اقتلوا نعثلا قتله الله فقد كفر وقولها لابن عباس: إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية، وقولها بمكة: بعدا لنعثل وسحقا، وقولها لما بلغها قتله: أبعده الله، ذلك ما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد.

 

 

 /  ص 86 /

 

لكنها لما علمت أن خلافة الله الكبرى عادت علوية واستقرت في مقرها الجدير بها - ولم يكن لها مع أميرالمؤمنين عليه السلام هوى - قلبت عليها ظهر المجن، فطفقت تقول:

لوددت ان السماء إنطبقت على الارض إن تم هذا، وأظهرت الاسف على قتل عثمان ورجعت إلى مكة بعد ما خرجت منها، ونهضت ثائرة تطلب بدم عثمان لعلها تجلب الامرة إلى طلحة من هذا الطريق، وإلا فما هي من أولياء ذلك الدم، وقد وضع عنها قود العساكر ومباشرة الحروب، لانها امرأة خلقها الله لخدرها، وقد نهيت كبقية نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة عن التبرج، وقد أنذرها رسول الله صلى الله عليه وآله وحذرها عن خصوص واقعة الجمل، غير أنها اعرضت عن ذلك كله لما ترجح في نظرها من لزوم تأييد أمر طلحة، وتصاممت عن نبح كلاب الحوأب، وقد ذكره لها الصادق الامين عند الانذار والتحذير، ولم تزل يقودها الامل حتى قتل طلحة فألمت بها الخيبة، وغلب أمر الله وهي كارهة.

 

3 - حديث عبدالرحمن بن عوف

(أحد العشرة المبشرة)، شيخ الشورى، بدري.

1 - أخرج البلاذري عن سعد قال: لما توفي أبوذر بالزبدة تذاكر علي و عبدالرحمن بن عوف فعل عثمان فقال علي: هذا عملك. فقال عبدالرحمن: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انه قد خالف ما أعطاني.

2 - قال أبوالفدا: لما أحدث عثمان رضي الله عنه ما أحدث من توليته الامصار للاحداث من أقاربه روي انه قيل لعبدالرحمن بن عوف: هذا كله فعلك. فقال: ما كنت أظن هذابه، لكن لله علي أن لا أكلمه ابدا، ومات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان رضي الله عنهما، ودخل عليه عثمان عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمه.

3 - روى البلاذري من طريق عثمان بن الشريد قال: ذكرعثمان عند عبدالرحمن ابن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال عبدالرحمن: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى منها نعم عبدالرحمن بن عوف فمنعه إياها فقال عبدالرحمن: اللهم اجعل ماء‌ها غورا. فما وجدت فيها قطرة.

4 - عن عبدالله بن ثعلبة قال: إن عبدالرحمن بن عوف كان حلف ألا يكلم عثمان أبدا.

 

 

 /  ص 87 /

 

5 - عن سعد قال: إن عبدالرحمن أوصى أن لا يصلي عليه عثمان، فصلى عليه الزبير أو سعد بن أبي وقاص، وتوفي سناثنتين وثلاثين.

6 - قال ابن عبد ربه: لما أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الاحداث من أهل بيته على الجلة من أصحاب محمد قيل لعبد الرحمن: هذا عملك. قال: ما ظننت هذا. ثم مضى ودخل عليه وعاتبه وقال: إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأو طأتهم رقاب المسلمين. فقال: إن عمر كان يقطع قرابته في الله و أنا أصل قرابتي في الله. قال عبدالرحمن: لله علي أن لا أكلمك أبدا. فلم يكلمه أبدا حتى مات وهو مهاجر لعثمان، ودخل له عثمان عائدا له في مرضه فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه. راجع انساب البلاذري 5: 57، العقد الفريد 2: 258، 261، 272، تاريخ ابي الفداج 1: 166

7 - أخرج الطبري من طريق المسور بن المخرمة قال: قدمت إبل من إبل الصدقة على عثمان فوهبها لبعض بني الحكم فبلغ ذلك عبدالرحمن بن عوف فأرسل إلى المسور بن المخرمة وإلى عبدالرحمن بن الاسود بن عبد يغوث فأخذاها فقسمها عبدالرحمن في الناس وعثمان في الدار.

تاريخ الطبري 5: 113، الكامل لابن الاثير 3: 70، شرح ابن أبي الحديد 1: 165.

8 - قال أبوهلال العسكري في كتاب الاوائل: أستجيبت دعوة علي عليه السلام في عثمان وعبدالرحمن فما ماتا إلا متهاجرين متعاديين، أرسل عبدالرحمن إلى عثمان يعاتبه ( إلى أن قال: لما بنى عثمان قصره طمار الزوراء وصنع طعاما كثيرا ودعا الناس اليه كان فيهم عبدالرحمن فلما نظر إلى البناء والطعام قال: يا ابن عفان ! لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك، وإني أستعيذ بالله من بيعتك، فغضب عثمان وقال: أخرجه عني يا غلام فأخرجوه وأمرالناس أن لا يجالسوه، فلم يكن يأتيه أحد إلا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض، ومرض عبدالرحمن فعاده عثمان وكلمه فلم يكلمه حتى ماتشرح ابن أبي الحديد 1: 65، 66.

 

 

 /  ص 88 /

 

0قول العسكري: أستجيبت دعوة علي. إشارة إلى ما ورد من قوله عليه اليوم الشورى لعبدالرحمن بن عوف: والله ما فعلتها إلا لانك رجوت منه مارجا صاحبكما من صاحبه دق الله بينكما عطر منشم ( 1 ) ومنشم امرأة عطارة من حمير، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيبوا من طيبها، وكانوا إذا فعلوا ذلك كثر القتلى فيما بينهم، فكان يقال: أشأم من عطر منشم فصار مثلا. وقول عبدالرحمن: لقد صدقنا عليك ما كنا نكذب فيك. ايعاز إلى قول مولانا أميرالمؤمنين يوم الشورى ايضا: أما إني أعلم أنهم سيولون عثمان، وليحدثن البدع و الاحداث، ولئن بقي لاذكرنك، وإن قتل أو مات ليتداولونها بنو أمية بينهم، وإن كنت حيا لتجدني حيث تكرهون (2)

قال الشيخ محمد عبده في شرح نهج البلاغة 1: 35: لما حدث في عهد عثمان ما حدث من قيام الاحداث من أقاربه على ولاية الامصار، ووجد عليه كبار الصحابة روي إنه قيل لعبدالرحمن: هذا عمل يديك. فقال: ما كنت أظن هذا به ولكن لله علي أن لا أكلمه أبدا، ثم مات عبدالرحمن وهو مهاجر لعثمان، حتى قيل: أن عثمان دخل عليه في مرضه يعوده فتحول إلى الحائط لا يكلمه، والله أعلم والحكم لله يفعل ما يشاء.

وقال ابن قتيبة في المعارف ص 239: كان عثمان بن عفان مهاجرا لعبد الرحمن ابن عوف حتى ماتا.

قال الاميني، لابد أن يسائل هؤلاء عن أشياء فيقال لهم: إن سيرة الشيخين التي بويع عثمان عليها هل كانت تطابق سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أوتخالفها ؟ وعلى الاول فشرطها مستدرك، ولا شرط للخلافة إلا مطابقة كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ولانقمة على تاركها إلا بترك السنة لاالسيرة، فذكرها إلى جانب السنة الشريفة كضم اللاحجة إلى الحجة، أو كوضع الحجرإلى جنب الانسان، وعلى الثاني فإن من

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 1: 63.

( 2 ) شرح ابن ابى الحديد 1: 64.

 

 

 /  ص 89 /

 

الواجب على كل مسلم مخالفتها بعد فرض إيمانه بالله وبكتابه ورسوله واليوم الآخر، فكان من حق المقام أن ينكروا على عثمان مخالفة السنة فحسب. ولهذا لم يقبل مولانا أميرالمؤمنين لما ألقى إليه عبدالرحمن أمر البيعة على الشرط المذكور إلا مطابقة أمره للسنة والاجتهاد فيها ( 1).

وليت شعري إنه لما شرط ابن عوف على عثمان ذلك هل كان يعلم بما قلناه من الموافقة أو المخالفة أولا ؟ وعلى فرض علمه يتوجه عليه ما سطرناه على كل من الفرضين، وعلى تقدير عدم علمه وهو أبعد شئ، يفرض فكيف شرط عليه ما لا يعلم حقيقته، وكيف يناط أمر الدين وزعامته الكبرى بحقيقة مجهولة ؟ وما الفائدة في إشتراطه ؟.

وللباقلاني في التمهيد ص 210 في بيان هذا الشرط وجه نجل عنه ساحة كل متعلم فاهم فضلا عن عالم مثله.

ثم نأتي إلى عثمان فنحاسبه على قبوله لاول وهلة، هل كل يعلم شيئا مما قدمناه من النسبة بين السنة والسيرة أولا ؟ فهلا شرط الامر على تقدير الموافقة ؟ ورفضه على فرض المخافة ؟ وإن كان لا يعلم فكيف قبل شرطا لا يدري ما هو ؟ ثم هل كان يعلم يومئذ أنه يطيق على ذلك أولا ؟ أو كان يعلم أنه لا يطيقه ؟ وعلى الاخير فكيف قبل مالا يطيقه ؟ وعلى الثاني كيف أقدم على الخطر فيما لا يعلم انه يتسنى له أن ينوء به ؟ وعلى الاول فلما ذا خالف ما أشترط عليه وقبله ووجدت البيعة عليه ؟ وحصل القبول والرضا من الامة به ؟ ثم جاء يعتذر لما أخذه ابن عوف بمخالفته إياها بأنه لا يطيق ذلك فقال فيما أخرجه أحمد في مسنده 1: 68 من طريق شقيق: وأما قوله: ولم أترك سنة عمر ؟ فإني لا أطيقها ولا هو. وذكره ابن كثير في تاريخه 7: 206

وكيفما أجيب عن هذه المسائل فعبرتنا الآن بنظرية عبدالرحمن بن عوف الاخيرة في الخليفة، وهي من أوضح الحقايق لمن استشف ما ذكرناه من قوله له: إني أستعيذ بالله من بيعتك. وقوله لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) مسند احمد 1: 75، تاريخ الطبرى 5: 40، تمهيد الباقلانى ص 209، تاريخ ابن كثير 7: 146.

 

 

 /  ص 90 /

 

سيفى. إلخ. مستحلا قتاله، وقوله: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه. وقد بالغ في الانكار عليه ورأيه في سقوطه انه لم يره أهلا للصلاة عليه وأوصى بذلك عند وفاته فصلى عليه الزبير، وهجره وحلف أن لا يكلمه أبدا حتى انه حول وجهه إلى الحائط لما جاء عائدا، وإنه كان لا يرى لتصرفاته نفوذا ولذلك لما بلغه إعطاه عثمان إبل الصدقة لبعض بني الحكم أرسل إليها المسور بن المخرمة وعبدالرحمن بن الاسود فأخذها فقسمها عبدالرحمن في الناس وعثمان في الدار، ولهذه كلها كان يراه عثمان منافقا و يقذفه بالنفاق كما ذكره ابن حجر في الصواعق ص 68 وأجاب عنه متسالما عليه بأنه كان متوحشا منه لانه كان يجيئه كثيرا. إقرأ واضحك. وذكره الحلبي في السيرة 2: 87 فقال: أجاب عنه ابن حجر ولم يذكر الجواب لعلمه بأنه أضحوكة. ونسائل القوم بصورة أخرى مع قطع النظر عن جميع ما قلناه: إن ما أشترط على عثمان وعقد عليه أمره هل كان واجب الوفاء ؟ أو كان لعثمان منتدح عنه بتركه ؟ وعلى الاول فما وجه مخالفة الخليفة له ؟ ولماذا لم يقبله مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وهو عيبة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعارف بأحكامه وسننه وبصلاح الامة منذ بدء أمرها إلى

منصرمه، وهل يخلع الخليفة في صورة المخالفة ؟ فلما ذا كان عثمان لا يروقه التنازل عن أمره لما أرادت الصحابة خلعه للمخالفة ؟ أوأنه لايخلع ؟ فلما ذا تجمهروا عليه فخلعوه وقتلوه ؟ وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العدول كلهم في نظرالقوم، وإن كان لايجب الوفاء به ؟ فلماذا لم يبايعو أميرالمؤمنين عليه السلام لما جاء بعدم الالتزام بما لا يجب الوفاء‌به ؟ وما معنى إعتذار عبدالرحمن بن عوف في تقديمه عثمان على أميرالمؤمنين عليه السلام بأنه قبل متابعة سيرة الشيخين ولم يقبلها علي عليه السلام ؟ ولماذا ألزموا عثمان به ؟ ولماذا التزم به عثمان ؟ ولماذا تمت البيعة عليه ؟ ولماذا تجمهروا عليه لما شاهدوا منه المخالفة ؟.

وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون فيومئذ

لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون