فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  ص 91 /

 

4 - حديث طلحة بن عبيدالله

أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى

1 - من كلام لمولانا أميرالمؤمنين في طلحة: والله ما استعجل متجردا للطلب بدم عثمان إلا خوفا من أن يطالب بدمه لانه مظنته، ولم يكن في القوم أحرص عليه منه، فأراد أن يغالط بما أجلب فيه ليلبس الامر ويقع الشك، ووالله ما صنع في أمر عثمان واحدة من ثلاث: لئن كان ابن عفان ظالما - كما كان يزعم - لقد كان ينبغي له أن يوازر قاتليه أو ينابذ ناصريه. ولئن كان مظلوما لقد كان ينبغي له أن يكون من المنهنهين عنه والمعذرين فيه. ولئن كان في شك من الخصلتين لقد كان ينبغي له أن يعتزله ويركد جانبا ويدع الناس معه، فما فعل واحدة من الثلاث، وجاء بأمر لم يعرف بابه، ولم تسلم معاذيره. ( 1 )

قال إبن أبي الحديد في الشرح 2: 506: فإن قلت: يمكن أن يكون طلحة إعتقد إباحة دم عثمان أولا ثم تبدل ذلك الاعتقاد بعد قتله فاعتقد أن قتله حرام وأنه يجب أن يقتص من قاتليه. قلت: لو اعترف بذلك لم يقسم علي عليه السلام هذا التقسيم و إنما قسمه لبقائه على إعتقاد واحد، وهذا التقسيم مع فرض بقائه على إعتقاد واحد صحيح لامطعن فيه، وكذا كان حال طلحة فإنه لم ينقل عنه إنه قال: ندمت على ما فعلت بعثمان. فإن قلت: كيف قال أميرالمؤمنين: فما فعل واحدة من الثلاث ؟ وقد فعل واحدة منها لانه وازر قاتليه حيث كان محصورا. قلت: مراده: إنه إن كان عثمان ظالما وجب أن يوازر قاتليه بعد قتله يحامي عنهم ويمنعهم ممن يروم دماء‌هم، ومعلوم أنه لم يفعل ذلك. وإنما وازرهم وعثمان حي وذلك غير داخل في التقسيم. اه‍.

2 - أخرج الطبري من طريق حكيم بن جابر قال: قال علي لطلحة - وعثمان محصور -: أنشدك الله إلا رددت الناس عن عثمان قال: لاوالله حتى تعطي بنو أمية الحق من أنفسها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) نهج البلاغة 1: 323.

 

 

 /  ص 92 /

 

تاريخ الطبري 5: 139، شرح ابن أبي الحديد 1: 168 فقال: فكان علي عليه السلام

يقول: لحاالله ابن الصعبة أعطاه عثمان ما أعطاه وفعل به مافعل.

3 - أخرج الطبري من طريق بشر بن سعيد قال: حدثني عبدالله بن عباس بن أبي ربيعة قال: دخلت على عثمان رضي الله عنه فتحدثت عنه ساعة فقال: يا ابن عباس تعال فأخذ بيدي فأسمعني كلام من على باب عثمان فسمعنا كلاما، منهم من يقول: ما تنتظرون به ؟ ومنهم من يقول: انظروا عسى أن يراجع، فبينا أنا وهو واقفان إذ مر طلحة بن عبيدالله فوقف فقال: أين ابن عديس ؟ فقيل: هاهوذا. قال: فجاء ابن عديس فناجاه بشئ ثم رجع ابن عديس فقال لاصحابه: لا تتركوا أحدا يدخل على هذا الرجل ولا يخرج من عنده قال: فقال لي عثمان: هذا ما أمر به طلحة بن عبيدالله ثم قال عثمان: أللهم اكفني طلحة بن عبيدالله فإنه حمل علي هؤلاء وألبهم، والله إني لارجو أن يكون منها صفرا وأن يسفك دمه، انه انتهك مني ما لا يحل له، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه فيقتل، أو رجل زنى بعد إحصانه فيرجم، أو رجل قتل نفسا بغير نفس. ففيم أقتل ؟ قال: ثم رجع عثمان. قال ابن عباس: فأردت أن أخرج فمنعوني حتى مر بي محمد بن أبي بكر فقال: خلوه. فخلوني. تاريخ الطبري 5: 122، الكامل ابن الاثير 3: 73

4 - أخرج الطبري من طريق الحسن البصري: إن طلحة بن عبيد الله باع أرضا له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه فقال طلحة: إن رجلا تتسق هذه عنه ( 1 ) وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله عزوجل لغرير بالله سبحانه، فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينه يقسمها حتى أصبح فأصبح وما عنده منها درهم. قال الحسن: وجاء هاهنا يطلب الدينار والدرهم. أوقال: الصفراء والبيضاء. تاريخ الطبري 5: 139، تاريخ ابن عساكر 7: 81.

5 - حكى ابن أبي الحديد عن الطبري: ان عثمان كان له على طلحة خمسون الفا فخرج عثمان يوما إلى المسجد فقال له طلحة: قد تهيأ مالك فاقبضه فقال: هو لك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في شرح ابن ابى الحديد: عنده.

 

 

 /  ص 93 /

 

يا أبامحمد معونة لك على مروء‌تك. قال: فكان عثمان يقول وهو محصور جزاء سنمار ( 1).

وقال ابن أبي الحديد: كان طلحة من أشد الناس تحريضا عليه، وكان الزبير دونه في ذلك. روي ان عثمان قال: ويلي علي ابن الحضرمية - يعني طلحة - أعطيته كذا وكذابهار أذهبا وهو يروم دمي يحرض على نفسي، أللهم لا تمتعه به ولقه عواقب بغيه.

قال: وروى الناس الذين صنفوا في واقعة الدار: ان طلحة كان يوم قتل عثمان مقنعا بثوب قد استتربه عن أعين الناس يرمي الدار بالسهام، ورووا أيضا: انه لما أمتنع على الذين حصروه الدخول من باب الدار حملهم طلحة إلى دار لبعض الانصار فأصعدهم إلى سطحها وتسوروا منها على عثمان داره فقتلوه. شرح ابن أبي الحديد 2: 404.

6 - روى المدائني في كتاب مقتل عثمان: إن طلحة منع من دفنه ثلاثة أيام، وإن عليا لم يبايع الناس إلا بعد قتل عثمان بخمسة أيام، وأن حكيم بن حزام أحد بني أسد ابن عبدالعزى وجبير بن مطعم بن الحرث بن نوفل استنجدا بعلى على دفنه فأقعد طلحة لهم في الطريق ناسا بالحجارة فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحش كوكب كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما صارهناك رجم سريره وهموابطرحه، فأرسل علي إلى الناس يعزم عليهم ليكفواعنه، فكفوا فانطلقوا به حتى دفنوه في حش كوكب.

وأخرج المدائني في الكتاب قال: دفن عثمان بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلامروان بن الحكم وابنة عثمان وثلاثة من مواليه فرفعت ابنته صوتها تندبه وقد جعل طلحة ناسا هناك أكمنهم كمينا فأخذتهم الحجارة وصاحوا: نعثل نعثل، فقالوا: الحائط الحائط. فدفن في حائط هناك.

7 - أخرج الواقدي قال: لما قتل عثمان تكلموا في دفنه فقال طلحة: يدفن بديرسلع. يعني مقابر اليهود. ورواه طبري في تاريخه 5: 143 غير أن فيه مكان طلحة: رجل.

8 - أخرج الطبري بالاسناد قال: حصر عثمان وعلي بخيبر فلما قدم أرسل اليه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) هذا الحديث اخرجه الطبرى في تاريخه 5: 139 وليس فيه ما حكاه عنه ابن أبي الحديد ( فكان عثمان يقول وهو محصور: جزاء سنمار ).

 

 

 /  ص 94 /

 

عثمان يدعوه فانطلق فقلت: لانطلقن معه ولاسمعن مقالتهما، فلما دخل عليه كلمه عثمان فحمدالله وأثني عليه ثم قال: أما بعد فإن لي عليك حقوقاحق الاسلام وحق الاخاء،

وقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين آخى بين الصحابة آخى وبيني وبينك، وبين حق القرابة والصهر وما جعلت لي في عنقك من العهد والميثاق، فوالله لو لم يكن من هذا شئ ثم كنا إنما نحن في جاهلية لكان مبطا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو بني تيم ملكهم. فتكلم علي فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فكل ما ذكرت من حقك علي على ما ذكرت، أما قولك: لو كنا في جاهلية لكان مبطا على بني عبد مناف أن يبتزهم أخو بني تيم ملكهم، فصدقت وسيأتيك الخبر. ثم خرج فدخل المسجد فرأى أسامة جالسا فدعاه فاعتمد على يده فخرج يمشي إلى طلحة وتبعته فدخلنا دار طلحة بن عبيدالله وهي رجاس من الناس فقام إليه فقال: يا طلحة ما هذا الامر الذي وقعت فيه ؟ فقال: يا أبا حسن ! بعد ما مس الحزام الطبيين ( 1 ) فانصرف علي ولم يحر إليه شيئا حتى أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب. فلم يقدر على المفاتيح فقال: اكسروه فكسر باب بيت المال فقال: أخرجوا المال. فجعل يعطي الناس فبلغ الذين في دار طلحة الذي صنع علي فجعلوا يتسللون إليه حتى ترك طلحة وحده، وبلغ الخبر عثمان فسر بذلك، ثم أقبل طلحه يمشي عائدا إلى دار عثمان فقلت: والله لانظرن ما يقول هذا فتتبعته فاستأذن على عثمان فلما دخل عليه قال: يا أميرالمؤمنين ! أستغفر الله وأتوب إليه أردت أمرا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائبا ولكنك جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحة. تاريخ الطبري 6: 154، كامل ابن الاثير 3: 70، شرح ابن أبي الحديد 1: 165 !. تاريخ ابن خلدون 2: 397.

قال الاميني: هذا لفظ تاريخ الطبري المطبوع وقد لعبت به أيدي الهوى بالتحريف وزادت فيه حديث الاخاء بين عثمان وعلي المتسالم على بطلانه بين فرق المسلمين، كأن القوم آلوا على أنفسهم بأن لايدعو حديثا إلا شوهوه بالاختلاق، وقد حكي ابن أبي الحديد هذا الحديث عن تاريخ الطبري في شرحه 2: 506 ولا توجد فيه مسألة الاخاء وإليك لفظه:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أى: اشتد الامر وتفاقم. كتب عثمان إلى على عليه السلام: قد بلغ السيل الزبا وجاوز الحزام الطبيين. تاج العروس 1: 222.

 

 

 /  ص 95 /

 

روى الطبري في التاريخ: أن عثمان لما حصر كان علي عليه السلام بخيبر في أمواله فلما قدم أرسل إليه يدعوه فلما دخل عليه قال له إن لي عليك حقوقا: حق الاسلام، وحق النسب، وحق مالي عليك من العهد والميثاق، ووالله إن لو لم يكن من هذا كله شئ وكنا في جاهلية لكان عارا علي بني عبدمناف أن يبتزهم أخويتم ملكهم يعني طلحة، فقال له عليه السلام: سيأتيك الخبر. إلى آخر الحديث باللفظ المذكور.

وقد أسلفنا في الجزء الثالث ص 104 - 116 حديث المواخاة بأوسع ما يسطر وفيه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي واخى أميرالمؤمنين عليه السلام لا غيره.

9 - ذكر البلاذري في حديث: إن طلحة قال لعثمان: إنك أحدثت أحداثا لم يكن الناس يعهدونها، فقال عثمان: ما أحدثت أحداثا ولكنكم أظناء تفسدون علي الناس وتؤلبوهم. الانساب 5: 44

10 - حكى البلاذري عن أبي مخنف وغيره: حرس القوم عثمان ومنعوا من أن يدخل عليه، وأشار عليه سعيد بن العاص بأن يحرم ويلبي ويخرج فيأتي مكة فلا يقدم عليه. فبلغهم قوله فقالوا: والله لئن خرج لافارقناه حتى يحكم الله بيننا وبينه، واشتد عليه طلحة بن عبيدالله في الحصار، ومنع من أن يدخل إليه الماء حتى غضب علي ابن أبي طالب من ذلك، فأدخلت عليه روايا الماء. الانساب 5: 71.

11 - في رواية للبلاذري ص 90: كان الزبير وطلحة قد استوليا على الامر، و منع طلحة عثمان من أن يدخل عليه الماء العذب فأرسل علي إلى طلحة وهو في أرض له على ميل من المدينة: أن دع هذا الرجل فليشرب من مائة ومن بئره يعني بئر رومة، و لا تقتلوه من العطش. فأبى فقال علي: لولا أني قد آليت يوم ذي خشب انه إن لم يعطني لا أرد عنه أحدا لادخلت عليه الماء.

وفي الامامة والسياسية 1: 34: أقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا و نهارا وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان، ثم إن طلحة قال لهم: إن عثمان لايبالي ما حضرتموه وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه.

12 - قال البلاذري: قالوا: مر مجمع بن جارية الانصاري بطلحة بن عبيد الله فقال: يا مجمع ما فعل صاحبك ؟ قال: أظنكم والله قاتليه. فقال طلحة: فإن قتلا فلا

 

 

 /  ص 96 /

 

ملك مقرب ولا نبي مرسل. الانساب 5: 74.

13 - وروى البلاذري في حديث: وسلم عثمان على جماعة فيهم طلحة فلم يردوا عليه فقال: يا طلحة من كنت أرى إنه أعيش إلى أن اسلم عليك فلا ترد علي السلام الانساب 5: 76.

كأن هذه القضية غير ما وقع في أيام الحصار الثاني مما ذكره الديار بكري في تاريخ الخميس 2: 260 قال: أشرف عثمان عليهم ذات يوم وقال: السلام عليكم. فما سمع أحدا من الناس يرد عليه إلا أن يرد في نفسه. وسيوافيك حديث جبلة بن عمرو الانصاري ونهيه الناس عن رد السلام على عثمان إذا سلمهم.

14 - أخرج البلاذري من طريق يحيى بن سعيد قال: كان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار، فبعث عثمان عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب إلى علي بهذا البيت:

وإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي * وإلا فــأدركني ولما أمزق ( 1 )

وقال أبومخنف: صلى علي بالناس يوم النحر وعثمان محصور فبعث إليه عثمان ببيت الممزق، وكان رسوله به عبدالله بن الحارث ففرق علي الناس عن طلحة، فلما رأى ذلك طلحة دخل على عثمان فاعتذر فقال له عثمان: يا ابن الحضرمية ! ألبت علي الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذرا، لاقبل الله ممن قبل عذرك. الانساب 5: 77.

15 - روى البلاذري باسناده من طريق ابن سيرين انه قال: لم يكن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد على عثمان من طلحة. الانساب 5: 81، وذكره ابن عبد ربه في

العقد الفريد 2: 269.

16 - أخرج ابن سعد وابن عساكر قال: كان طلحة يقول يوم الجمل: إنا داهنا في أمر عثمان فلا نجد شيئا أمثل من أن نبذل دماء‌نا فيه، أللهم خذ لعثمان مني اليوم حتى ترضى. طبقات ابن سعد، تاريخ ابن عساكر 7: 84، تذكرة السبط ص 44.

17 - أخرج ابن عساكر قال: كان مروان بن الحكم في الجيش يوم الجمل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) هذا البيت للممزق العبدى شاش بن لها بن الاسود. وبه سمى الممزق.

 

 

 /  ص 97 /

 

فقال: لا أطلب بثاري بعداليوم، فهو الذي رمى طلحة فقتله، ثم قال لابان بن عثمان: قد كفيتك بعض قتلة أبيك، وكان السهم قد وقع في عين ركبته، فكانوا إذا أمسكوها انتفخت وإذا أرسلوها انبعثت فقال: دعوها فانها سهم أرسله الله. تاريخ ابن عساكر 7: 84.

قال أبوعمر في الاستيعاب: لا يختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة يومئذ وكان في حزبه، روى عبدالرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد قال:

قال طلحة يوم الجمل:

نــــدمـت ندامــــة الكسـعي لمــــا * شريت رضا بني جرم برغمي ( 1 )

أللهم خذ مني لعثمان حتى يرضى.

" بيان " الكسع: حي من قيس عيلان، وقيل: هم حي من اليمن رماة، و منهم الكسعي الذي يضرب به المثل في الندامة وهو رجل رام رمى بعد ما أسدف الليل عيرا فأصابه وظن انه أخطأه فكسر قوسه وقيل: وقطع إصبعه ثم ندم من الغد حين نظرإلى العير مقتولا وسهمه فيه، فصار مثلا لكل نادم على فعل يفعله. وإياه عنى الفرزدق بقوله:

ندمت ندامـة الكسعي لما * غــــدت مــــني مطلقة نوار

وقال آخر:

ندمت ندامة الكسعي لما * رأت عيناه مــــا فعلت يـداه

وقيل: كان اسم الكسعي محارب بن قيس.

وأخرج أبوعمر بن طريق ابن أبي سبرة قال: نظر مروان إلى طلحة يوم الجمل

فقال: لا أطلب بثاري بعد اليوم. فرماه بسهم فقتله.

وأخرج من طريق يحيى بن سعيد عن عمه انه قال: رمى مروان طلحة بسهم ثم التفت إلى أبان بن عثمان قال: قد كفينا بعض قتلة أبيك.

وأخرج من طريق قيس نقلا عن ابن أبي شيبة ان مروان قتل طلحة، ومن طريق وكيع واحمد بن زهير باسنادهما عن قيس بن أبي حازم حديث: لا أطلب بثاري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) هذا البيت معه ثلاثة ابيات اخر ذكرها ابن الاثير في اسد الغابة 3: 104، وسبط ابن الجوزى في التذكرة ص 44.

 

 

 /  ص 98 /

 

بعد اليوم. وزاد في " اسد الغابة " مامرمن قول مروان لابان.

وقال ابن حجر في الاصابة 2: 230: روى ابن عساكر من طرق ( 1 ) متعددة:

أن مروان بن الحكم هو الذي رماه فقتله، منها: وأخرجه أبوالقاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة قال: لما كان يوم الجمل نظر مروان إلى طلحة فقال:

لا أطلب ثاري بعد اليوم فنزع له بسهم فقتله.

وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم أن مروان بن الحكم

رأى طلحة في الخيل فقال: هذا أعان على عثمان فرماه بسهم في ركبته، فما زال الدم يسيح حتى مات. وأخرجه الحاكم في المستدرك 3: و 370.

أخرجه عبدالحميد بن صالح عن قيس، وأخرجه الطبراني من طريق يحيى بن سليمان الجعفي عن وكيع بهذا السند قال: رأيت مروان بن الحكم حين رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته، فما زال الدم يسيح إلى أن مات.

وأخرج الحاكم في المستدرك 3: 370 من طريق عكراش قال: كنا نقاتل عليا

مع طلحة ومعنا مروان قال: فانهزمنا فقال مروان: لا أدرك بثاري بعد اليوم من طلحة فرماه بسهم فقتله.

وقال محب الدين الطبري في الرياض 2: 259: المشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله رماه بسهم وقال: لا أطلب بثاري بعد اليوم. وذلك أن طلحة زعموا انه كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه.

وأخرج البلاذري في " الانساب " ص 135 في حديث عن روح بن زنباع: إنه قال: رمى مروان طلحة فاستقاد منه لعثمان.

يوجد حديث قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيدالله أخذا بثار عثمان في مروج الذهب 2: 11، القعد الفريد 2: 279، مستدرك الحاكم 3: 370، الكامل لابن الاثير 3، 104، صفة الصفوة لابن الجوزي 1: 132، أسدالغابة 3: 61، دول الاسلام للذهبي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) حذفتها يدالطبع الامينة على ودايع العلم حيا الله الامانة. لقد لعبت يدالشيخ عبدالقادر بن بدران بتاريخ ابن عساكر لما هذبه ورتبه على زعمه فأخرجه عما هو عليه، وجعله مسيخا مشوما بادخال آرائه الساقطة فيه، وأسقط منه أحاديث كثيرة متنا واسنادا مما لا يروقه.

 

 

 /  ص 99 /

 

1، 18، تاريخ ابن كثير 7: 247، تذكرة السبط ص 44، مرآة الجنان لليافعي 1: 97، تهذيب التهذيب 5: 21، تاريخ ابن شحنة هامش الكامل 7: 189.

18 - أخرج ابن سعد بالاسناد عن شيخ من كلب قال: سمعت عبدالملك بن مروان يقول: لولا أن أميرالمؤمنين مروان أخبرني انه قتل طلحة ما تركت أحدا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان.

19 - أخرج الحميدي في النوادر من طريق سفيان بن عيينة عن عبدالملك بن مروان قال: دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد: ما دخلت علي قط إلا هممت بقتلك لولا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة. تهذيب التهذيب 5: 22.

20 - أخرج الطبري في حديث: فقام طلحة والزبير خطيبين ( يعني بالبصرة )فقالا: يا أهل البصرة توبة بحوبة، إنما أردنا أن يستعتب أمير المؤمنين عثمان ولم نرد قتله فغلب سفهاء الناس الحلماء حتى قتلوه. فقال الناس طلحة: يا أبامحمد قد كانت كتبك تأتينا بغير هذا . تاريخ الطبري 5: 179.

2 - ذكر المسعودي في حديث وقعة الجمل: ثم نادى علي رضي الله عنه طلحة حين رجع الزبير: يا أبامحمد ! ما الذى أخرجك ؟ قال: الطلب بدم عثمان. قال علي: قتل الله أولانا بدم عثمان ( 1 ) مروج الذهب 2: 11.

22 - لما نزل طلحة والزبير السبخة ( 2 ) أتاهما عبدالله بن الحكيم التميمي لكتب كانا كتباها إليه فقال لطلحة: يا أبامحمد ! أما هذه كتبك إلينا ؟ قال: بلي، قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله حتى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه، فلعمري ما هذا رأيك، لا تريد إلا هذه الدنيا، مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من علي ما عرض عليك من البيعة ؟ فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعتك، ثم جئت لتدخلنا في فتنتك. ألحديث ( 3 )

23 ـ قال ابن قتيبة: ذكروا انه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة إصطف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لقد استجاب الله تعالى دعاء الامام عليه السلام فقتل طلحة في اسرع وقت.

( 2 ) السبخة بالتحريك موضع بالبصرة.

( 3 ) شرح ابن ابى الحديد 2: 500.

 

 

 /  ص 100 /

 

لها الناس في الطريق يقولون: يا أم المؤمنين ماالذي أخرجك من بيتك ؟ فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق وكانت من أبلغ الناس فحمدت الله أثنت عليه ثم قالت: أيها الناس والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه ( 1 ) ولقد قتل مظلوما، غضبنا لكم من السوط والعصا ولا نغضب لعثمان من القتل، وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ثم يرد هذا الامر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب. فمن قائل يقول: صدقت. وآخر يقول: كذبت. فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان. فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب ؟ قال نعم. قال: فما ردك على ما كنت عليه، وكنت أمس تكتب الينا تؤلبنا على قتل عثمان وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه ؟ وقد زعمتما ان عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله إذ كنتما أسن منه فأبيتما إلا أن تقد ماه لقرابته وسابقته فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما ؟ قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا انه غير فاعل ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والانصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل فبايعناه كارهين، قال: فما بدالكما في عثمان ؟ قال: ذكرناما كان من طعننا عليه و

خذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه. قال: ما تأمراني به ؟ قال: بايعنا على قتال علي ونقض بيعته، قال: أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا اليه ما نصنع ؟ قالا: لا تبايعه. قال ما أنصفتما أتأمراني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما وتنهاني عن بيعة من لا بيعة له عليكما ؟ أما إننا قد بايعنا عليا، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثم تفرق الناس فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف، وفرقة مع طلحة والزبير. ثم جاء جارية بن قدامة فقال: يا أم المؤمنين لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون، إنه كانت لك من الله حرمة و ستر، فهتكت سترك، وأبحت حرمتك، انه من رأى قتالك، فقد رأى قتلك، فإن كنت ياأم المؤمنين أتيتينا طائعة ؟ فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مستكرهة ؟ فاستعتبي ( 2 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أنى هذا المحال والتمحل من قوارصها التى مرت في ص 77 - 85.

( 2 ) الامامة والسياسية 1: 60.

 

 

 /  ص 101 /

 

24 - ذكر ابومخنف من طريق مسافر بن عفيف من خطبة ( 1 ) لمولانا أميرالمؤمنين قوله: اللهم إن طلحة نكث بيعتي وألب على عثمان حتى قتله ثم عضهني به ورماني أللهم فلا تمهله، اللهم إن الزبير قطع رحمي ونكث بيعتي وظاهر على عدوي فاكفنيه اليوم بما شئت ( 2 )

25 - أخرج الطبري في تاريخه 5: 183 من طريق علقمة بن وقاص الليثي قال:

لماخرج طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم رأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهوضارب بلحيته على زوره ( 3 ) فقلت: يا أبا محمد ! أرى أحب المجالس اليك أخلاها وأنت ضارب بلحيتك على زورك، إن كرهت شيئا فاجلس. قال: فقال لي: يا علقمة بن وقاص بينانحن يد واحدة على من سوانا إذا صرنا جبلين من حديد يطلب بعضنا بعضا انه كان مني في عثمان شئ ليس توبتي إلا أن يسفك دمي في طلب دمه.

 الوجه في هذه التوبة إن صحت وكان الموئود من النفوس المحترمة أن يسلم نفسه لاولياء القتيل أولامام الوقت فيقيدوا منه، لا أن يلقح فتنة كبرى تراق فيها دماء بريئة من دم عثمان، وتزهق أنفس لم تكن هنالك في حل ولامرتحل، فيكون قد زاد ضغثا على ابالة، وجاء بها حشفا وسوء كيلة.

 

5 - حديث الزبير بن العوام

أحد العشرة المبشرة، وأحد أصحاب الشورى الست.

1 - أخرج الطبري في حديث وقعة الجمل: خرج علي على فرسه فدعا الزبير فتواقفا فقال علي للزبير: ما جاء‌بك ؟ قال: أنت، ولا أراك لهذا الامر أهلا ولا أولى به منا. فقال علي: لست ( 4 ) له أهلا بعد عثمان رضي الله عنه ؟ قد كنا نعدك من بني عبدالمطلب حتى بلغ إبنك ابن السوء ففرق بيننا وبينك. وعظم عليه أشياء فذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرعليهما فقال لعلي: ما يقول ابن عمتك ؟ ليقاتلنك وهو لك ظالم ( 5 )

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ذكرها ابن ابى الحديد في شرح النهج 1: 101.

( 2 ) يالها من دعوة مستجابة اصابت الرجلين من دون مهلة.

 

( 3 ) الزور: الصدر وقيل: وسط الصدر. وقيل: أعلى الصدر. وقيل: ملتقى أطراف عظام الصدر.

( 4 ) في الكامل لابن الاثير: ألست.

( 5 ) هذا الحديث اخرجه جمع من الحفاظ كما اسلفناه في الجزء الثالث ص 191 ط 2.

 

 

 /  ص 102 /

 

فانصرف عنه الزبير وقال: فاني لا أقاتلك، فرجع إلى ابنه عبدالله، فقال: ما لي في هذا الحرب بصيرة. فقال له ابنه: إنك قد خرجت على بصيرة، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها الموت فجبنت، فأحفظه حتى أرعد وغضب وقال: ويحك إني قد حلفت له ألا أقاتله. فقال له إبنه: كفر عن يمينك بعتق غلامك ( سرجيس ) فأعتقه وقام في الصف معهم، وكان علي قال الزبير: أطلب مني دم عثمان ؟ وأنت قتلته، سلط الله على أشدنا عليه اليوم ما يكره ( 1 )

وقول علي عليه السلام للزبير: أتطلب مني دم عثمان وأنت قتلته. الخ. أخرجه أيضا الحافظ العاصمي في زين الفتى. وفي لفظ المسعودي: قال علي: ويحك يا زبير ما الذي أخرجك ؟ قال: دم عثمان. قال علي: قتل الله أولانا بدم عثمان.

قال الاميني: إنما حلف الزبير على ترك القتال لانه وجده بعد تذكير الامام عليه السلام له الحديث النبوي، وبعد إتمام الحجة عليه بذلك محرما عليه في الدين، وانه من الظلم الفاحش الذي استقل العقل بتحريمه، فهل التكفير بعتق الغلام يبيح ذلك المحرم بالعقل والشريعة ؟ ويسوغ الخروج على الامام المفترض طاعته ؟ لا. لكن تسويل عبدالله هو الذي فرق بين الزبير وبين آل عبدالمطلب، وأباح له كل محظور، فقاتل إمام الوقت ظالما كما ورد في النص النبوي، وصدق الخبر الخبر.

2 - ذكر المسعودي في حديث: ان مروان بن الحكم قال يوم الجمل: رجع الزبير، يرجع طلحة، ما أبالي رميت ها هنا أم هاهنا، فرماه في أكحله فقتله. ) مروج الذهب 2: 11)

3 - قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 2: 404: كان طلحة من أشد الناس تحريضا عليه، وكان الزبير دونه في ذلك، روواأن الزبير كان يقول: أقتلوه فقد بدل دينكم. فقالوا له: إن ابنك يحامي عنه بالباب. فقال: ما أكره أن يقتل عثمان ولوبدئ با بني، إن عثمان لجيفة على الصراط غدا.

4 - أخرج البلاذري في الانساب 5: 76 من طريق أبي مخنف قال: جاء الزبير إلى عثمان فقال له: إن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة يمنعون من ظلمك، ؤ يأخذونك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 204، مروج الذهب 2: 10، الكامل لابن ألاثير 3: 102.

 

 

 /  ص 103 /

 

بالحق، فأخرج فخاصم القوم إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج معه فوثب الناس عليه بالسلاح فقال: يا زبير ! ما أرى أحدايأخذ بحق، ولا يمنع من ظلم، ودخل ومضى الزبير إلى منزله.

5 - قال البلاذري في الانساب 5: 14: وجدت في كتاب لعبدالله عن الصالح العجلي ذكروا: ان عثمان نازع الزبير فقال الزبير: إن شئت تقاذفنا ؟ فقال عثمان: بما ذا أيا لبعير يا أباعبدالله ؟ قال: لا والله ولكن بطبع خباب، وريش المقعد، وكان خباب يطبع السيوف، وكان المقعد يريش النبل. وقال ابن المغيرة بن الاخنس متغنيا على قعود له:

حكيــــم وعمار الشجا ومــحمـــــد * وأشتــــر والمـكشوح جـــرّوا الدواهيا

وقــــد كان فيــــها للزبير عــجاجة * وصاحبه الادنى أشاب النواصيا ( 1 )

 

6 - حديث طلحة والزبير

1 - من كلام لمولانا أميرالمؤمنين في شأن الرجلين: والله ما أنكروا علي منكرا ولا جعلوابيني وبينهم نصفا، وإنهم ليطلبون حقاهم تركوه، ودماهم سفكوه، فإن كنت شريكهم فيه فإن لهم نصيبهم منه، وإن كانوا ولوه دوني فما الطلبة إلا قبلهم، وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم، وإن معي لبصيرتي ما لبست ولا لبس علي، وإنها للفئة الباغية فيها الحما والحمة ( 2 )

) نهج البلاغة 1: 254 )

وفي لفظ أبي عمر في " الاستيعاب " في ترجمة طلحة بن عبيدالله: إني منيت بأربعة: أدهى الناس وأسخاهم طلحة، وأشجع الناس الزبير، وأطوع الناس في الناس عائشة، وأسرع الناس إلى الفتنة يلعى بن منية، والله ما أنكروا علي شيئا منكرا، ولا استأثرت بمال، ولا ملت بهوى، وانهم ليطلبون حقا تركوه، ودما سفكوه، ولقد ولوه دوني، وإن كنت شريكهم في الانكار لما أنكروه، وما تبعة عثمان إلا عندهم، وانهم لهم الفئة الباغية. إلى قوله عليه السلام: والله إن طلحة والزبير وعائشة ليعلمون أني علىالحق وأنهم مبطلون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 60، 66.

( 2 ) قال ابن ابى الحديد: كنى على عليه السلام عن الزوجة بالحمة. وهى: سم العقرب. والحما

يضرب مثلا لغير الطيب ولغير الصافى.

 

 

 /  ص 104 /

 

2 - من كتاب له عليه السلام إلى أهل الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة: أما بعد: فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه، إن الناس طعنوا عليه فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه، وأقل عتابه، وكان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه الوجيف، وأرفق حدائهما العنيف، وكان من عائشة فيه فلتة غضب، فأتيح له قوم فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين بل طائعين مخيرين نهج البلاغة 2:2، الامامة والسياسة 1: 58

قال ابن أبي الحديد في الشرح 3: 290: أما طلحة والزبير فكانا شديدين عليه ) على عثمان ) والوجيف: سير سريع وهذا مثل يقال للمستمرين في الطعن عليه حتى أن السير السريع أبطأ ما يسيران في أمره، والحداء العنيف أرفق ما يحرضان به عليه.

3 - قال البلاذري: حدثني المدائني عن ابن الجعدبة قال: مر علي بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تضرب بدف وتقول:

ظلامة عثـمان عند الزبير * وأوتــــر مـــــنه لنا طلـــحه

همــا سعـــــراها بأجذالها * وكـانا حقيقيــــــن بالفـضحه

فقال علي: قاتلها الله، ما أعلمها بموضع ثأرها الانساب 5:4

أ خرج الطبري من طريق ابن عباس قال: قدمت المدينة من مكة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بخمسة أيام فجئت عليا أدخل عليه فقيل لي: عنده المغيرة بن شعبة

فجلست بالباب ساعة فخرج المغيرة فسلم علي فقال: متي قدمت ؟ فقلت: ألساعة. فدخلت

على علي فسلمت عليه فقال لي: لقيت الزبير وطلحة ؟ قال: قلت: لقيتهما بالنواصف.

قال: من معهما ؟ قلت: أبوسعيد بن الحارث بن هشام في فئة من قريش. فقال علي: أما انهم لن يدعوا أن يخرجوا يقولون: نطلب بدم عثمان والله نعلم أنهم قتلة عثمان.

(تاريخ الطبري 5: 160 )

5 - أخرج الطبري عن عمر بن شبه من طريق عتبة بن المغيرة بن الاخنس قال: لقى سعيد بن العاص مروان بن الحكم وأصحابه بذات عرق فقال: أين تذهبون ؟ و ثأركم على أعجاز الابل اقتلوهم ( 1 ) ثم ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم. قالوا:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) يعنى طلحة والزبير وأصحابهما.

 

 

 /  ص 105 /

 

بل نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. فخلا سعيد بطلحة والزبير فقال: إن ظفرتما لمن تجعلان الامر ؟ أصدقاني. قالا: لاحدنا أينا اختاره الناس. قال: بل اجعلوه لولد عثمان فانكم خرجتم تطلبون بدمه. قالا: ندع شيوخ المهاجرين ونجعلها لابنائهم ؟ قال: أفلا أراني أسعى لاخرجها من بني عبد مناف ؟ فرجع ورجع عبدالله بن خالد بن اسيد فقال المغيرة بن شعبة: الرأي ما رأى سعيد بن كان هاهنا من ثقيف فليرجع فرجع. الحديث

(تاريخ الطبري 5: 168)

6 - وفي كتاب كتبه ابن عباس إلى معاوية جوابا: وأما طلحة والزبير فانهما أجلبا عليه وضيقا خناقه، ثم خرجا ينقضان البيعة ويطلبان الملك، فقاتلناهما على النكث كما قاتلناك على البغي. كتاب نصربن مزاحم ص 472، شرح ابن أبي الحديد 2: 289.

7 - قدم على حابس بن سعد سيد طي بالشام ابن عمه فأخبره انه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة وسار مع علي إلى الكوفة وكان له لسان وهيبة فغدا به حابس إلى معاوية فقال: هذا ابن عمي قدم من الكوفة، وكان مع علي وشهد قتل عثمان بالمدينة وهو ثقة فقال معاوية: حدثنا عن أمر عثمان. قال: نعم وليه محمد بن أبي بكر، وعمار ابن ياسر، وتجرد في أمره ثلاث نفر: عدي بن حاتم، والاشتر النخعي، وعمرو بن الحمق، ودب ( 1 ) في أمره رجلان: طلحة والزبير، وأبرأ الناس منه علي بن أبي طالب ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش حتى ضلت ( 2 ) النعل، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ ولم يذكر عثمان ولم يذكروه. الخ.

) الامامة والسياسة 1 ص 74، كتاب صفين لابن مزاحم ص 72، شرح ابن أبي

الحديد 1: 259)

8 - أخرج الحاكم في المستدرك 3: 118 باسناده عن إسرائيل بن موسى انه قال: سمعت الحسن يقول: جاء طلحة والزبير إلى البصرة فقال لهم الناس: ما جاء‌بكم ؟

قالوا: نطلب دم عثمان. قال الحسن: أيا سبحان الله أفما كان للقوم عقول فيقولون:

والله ما قتل عثمان غيركم ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لفظ ابن مزاحم: وجد في أمره رجلان.

( 2 ) وفي لفظ: ضاعت النعل.

 

 

 /  ص 106 /

 

9 - لما انتهت عائشة وطلحة والزبير إلي حفر أبي موسى ( 1 ) قريبا من البصرة أرسل عثمان بن حنيف وهو يومئذ عامل علي على البصرة إلى القوم أبالاسود الدؤلي فجاء حتى دخل على عائشة فسألها عن مسيرها فقالت: أطلب بدم عثمان. قال: إنه ليس بالبصرة من قتلة عثمان أحد، قالت. صدقت ولكنهم مع علي بن أبي طالب بالمدينة وجئت استنهض اهل البصرة لقتاله، أنغضب لكم من سوط عثمان ولا نغضب لعثمان من سيفوكم ؟ فقال لها: ما أنت من السوط والسيف ؟ إنما أنت حبيس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرك أن تقري في بيتك، وتتلي كتاب ربك، وليس علي النساء قتال، ولا لهن الطلب بالدماء، وان عليا لاولى بعثمان منك وأمس رحما فانهما إبنا عبد مناف. فقالت: لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه، أفتظن يا اباالاسود ان أحدا يقدم على قتالي ؟ قال: أما والله لتقاتلن قتالا أهونه الشديد. ثم قام فأتى الزبير فقال: يا أباعبدالله عهد الناس بك و أنت يوم بويع أبوبكر آخذ بقائم سيفك تقول: لاأحد أولى بهذا الامر من إبن أبي طالب وأين هذا المقام من ذاك ؟ فذكر له دم عثمان، قال: أنت وصاحبك وليتماه فيما بلغنا. قال: فانطلق إلى طلحة فاسمع ما يقول. فذهب إلى طلحة فوجده سادرا في غيه مصرا على الحرب والفتنة. الحديث.

الامامة والسياسة 1 ص 57، العقد الفريد 2: 278، شرح ابن أبي الحديد 2: 81

10 - خرج عثمان بن الحنيف إلى طلحة والزبير في أصحابه فناشدهم الله والاسلام واذكرهما بيعتهما عليا فقالا: نطلب بدم عثمان. فقال لهما: وما أنتما وذاك ؟ أين بنوه ؟ أين بنو عمه الذين هم أحق به منكم ؟ كلا والله، ولكنكما حسدتماه حيث إجتمع الناس عليه، وكنتما ترجوان هذا الامر وتعملان له، وهل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما ؟ فشتماه شتما قبيحا وذكرا أمه. ألحديث. شرح ابن أبي الحديد 2: 500.

11 - لما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس من أرض خيبر أقبل عليهم سعيد ابن العاصي على نجيب له فأشرف على الناس ومعه المغيرة بن شعبة فنزل وتوكأ على قوس له سوداء فأتى عائشة فقال لها: أين تريدين يا أم المؤمنين ؟ قالت: أريد البصرة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) حفر ابن موسى هى ركايا احفرها ابوموسى الاشعرى على جادة البصرة إلى مكة بينها و بين البصرة خمس ليال.

 

 

 /  ص 107 /

 

قال: وما تصنعين بالبصرة ؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك، ثم أقبل على مروان فقال له: أين تريد أيضا ؟ قال: البصرة. قال: وما تصنع بها ؟ قال: أطلب قتلة عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك ؟ إن هذين الرجلين قتلا عثمان: طلحة والزبير، وهما يريدان الامر لانفسهما فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم والحوبة بالتوبة.

ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم ؟ فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان ؟ فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا ؟ فبينوا ما نقمتم عليه، أنشدكم الله، فتنتين في عام واحد ؟ فأبوا إلا أن يمضوا بالناس الامامة والسياسة 1: 55

12 - لما نزل طلحة والزبير البصرة قال عثمان بن حنيف: نعذر إليهما برجلين فدعا عمران بن حصين صاحب رسول الله وأباالاسود الدؤلي فأرسلهما إلى الرجلين فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما فتكلم أبوالاسود الدؤلي فقال: يا محمد ؟ انكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله، وبايعتم عليا غير مؤامرين لنا في ييعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، ولم نغضب لعلي إذ بويع، ثم بدا لكم فأردتم خلع علي ونحن على الامر الاول، فعليكم المخرج مما دخلتم فيه. ثم تكلم عمران فقال: يا طلحة إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لماذا ؟ وإن كان خطأ ؟ فحظكم منه الاوفر، ونصيبكم منه الاوفى، فقال طلحة: يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الامر غيره وليس على هذا بايعناه، وأيم الله ليسفكن دمه. فقال أبوالاسود: يا عمران أما هذا فقد صرح انه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أباعبدالله ! إنا أتينا طلحة. قال الزبير: إن طلحة وإياي كروح في جسدين، وإنه والله يا هذان قد كانت منا في عثمان فلتات إحتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا من أمرنا ما استدبرناه نصرناه الحديث. " الامامة والسياسة 1 ص 56 ".

13 - من خطبة لعمار بن ياسر خطبها بالكوفة فقال: يا أهل الكوفة ! إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت اليكم أمورنا، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس ولا ينكرون ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم فيه، أحيا الله من أحيا،

 

 

 /  ص 108 /

 

وأمات من أمات، وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن وآخر من أمر، وكانا أول من بايع عليا، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما من غيرحدث. الحديث. " الامامة والسياسة 1: 59 "

14 - روى البلاذري عن المدائني قال: ولى عبدالملك علقمة بن صفوان بن المحرث مكة فشتم طلحة والزبير على المنبر فلما نزل قال الابان بن عثمان: أرضيتك في المدهنين في أميرالمؤمنين عثمان ؟ قال: لا والله، ولكن سؤتنى، بحسبي بلية أن تكون شركا في دمه. " الانساب للبلاذري 5: 120 ".

15 أخرج أبوالحسن علي بن محمد المدائني من طريق عبدالله بن جنادة خطبة لمولانا أميرالمؤمنين منها قوله: بايعني هذان الرجلان في أول من بايع، تعلمون ذلك وقد نكثا وغدرا ونهضا إلى البصرة بعائشة ليفرقا جماعتكم، ويلقيا بأسكم بينكم، أللهم فخذهما بما عملا أخذة واحدة رابية، ولا تنعش لهما صرعة، ولا قتل لهما عثرة، ولا تمهلهما فواقا، فانهما يطلبان حقا تركاه، ودما سفكاه، أللهم إني أقتضيك وعدك فانك قلت: وقولك الحق لمن بغي عليه لينصرنه الله، أللهم فانجزلى موعدك، ولا تكلني إلي نفسي إنك على كل شئ قدير.  " شرح ابن أبي الحديد 1: 102 ".

16 - من خطبة لمولانا أميرالمؤمنين ذكرها الكلبي كما في شرح ابن أبي الحديد 1: 102: فما بال طلحة والزبير ؟ وليسا من هذا الامر بسبيل، لم يصبرا علي حولا ولا أشهرا حتى وثبا ومرقا، ونازعاني أمرا لم يجعل الله لهما إليه سبيلا بعد أن بايعا طائعين غير مكرهين، يرتضعان أما قد فطمت، ويحييان بدعة قد أميتت، أدم عثمان زعما ؟ والله ما التبعة إلا عندهم وفيهم، وإن أعظم حجتهم لعلى أنفسهم، وأنا راض بحجة الله عليهم وعلمه فيهم. الحديث.

17 - من كلمة لمالك الاشتر: لعمري يا أمير المؤمنين ! ما أمر طلحة والزبير و عائشة علينا بمخيل، ولقد دخل الرجلان فيما دخلا فيه وفارقا على غير حدث أحدثت ولا جور صنعت، زعما انهما يطلبان بدم عثمان فليقيدا من أنفسهما، فإنهما أول من ألب عليه وأخرى الناس بدمه، وأشهدالله لئن لم يدخلا فيما خرجا منه لنلحقنهما بعثمان

 

 

 /  ص 109 /

 

فإن سيوفنافي عواتقنا، وقلوبنا في صدورنا، ونحن اليوم كما كنا أمس. " شرح ابن أبي الحديد 1: 103 ".

قال الاميني: إن الاخذ بمجامع هذه الاخبار البالغة خمسين حديثا يعطينا درسا ضافيا بأن الرجلين هما أساس النهضة في قصة عثمان، وهما اللذان أسعرا عليه الفتنة، وانهما لم يريان حرجا في إراقة دمه، وقد استباحا عندئذ ما يحرم إرتكابه في المسلمين إلا أن يكون مهدور الدم بسبب من الاسباب الموجبة لذلك، فلم يتركاه حتى أوديابه، وكان لطلحة هنالك مواقف مشهودة، فمنع عنه الماء الذي هو شرع سواء بين المسلمين، وانه لم يرد على عثمان لما سلم عليه ومن الواجب رد السلام على كل مسلم، وقد منع عن دفنه ثلاثا في مقابر المسلمين، وقد أوجبت الشريعة الاسلامية المبادرة إلى دفن المسلم، وقد أمر برمي الجنازة ورمي من يتولى تجهيزها بالحجارة والمسلم حرمته ميتا كحرمته حيا، فلم يرض طلحة بالاخير إلا دفنه في مقبرة اليهود " حش كوكب " وهل لهذه الاعمال وجه بعد حفظ كرامة صحبتهما ؟ والقول بعدالة الصحابة كلهم ؟ و قبول ما ورد في الرجلين إنهما من العشرة المبشرة ؟ إلا أن يقال: إنهما كانا يريان القتيل خارجا عن حوزة المسلمين، وإلا لردعتهما الصحبة والعدالة والبشارة عن ارتكاب تلكم الاعمال في أي من ساقة المسلمين فضلا عن خليفتهم.

 ونحن في هذا المقام نقف موقف المتحايد، ولسنا هاهنا إلا في صدد بيان آراء الصحابة الاولين في عثمان، وما أفضناه من رأيهما كان معروفا عنهما في وقتهما، ولم يزل كذلك في الاجيال المتأخرة عنهما حتى العصر الحاضر، إن كانت الآراء تؤخذ من المصادر الوثيقة، وكانت حرة غير مشوبه بحكم العاطفة، نزهة عن الميول والشهوات وأما ما أظهراه من التوبة بعد أن نكثا البيعة الصحيحة المشروعة فقد قدمنا وجهها في ص 101 في طلحة ويشاركه في ذلك الزبير أيضا، فقد قفيا الحوبة بالحوبة لا بالتوبة حسبا ( إن كانا يصدقان ) أنها تمحو السيئة، بل الحوبة الاخيرة أعظم عندالله، فقد أراقابها من الصفين في واقعة الجمل دماء تعد بالآلاف بريئة من دم عثمان.

 وهتكا حرمة رسول الله بإخراج حشية من حشاياه من خدرها، وقد نهى صلى الله عليه وآله وسلم نساء‌ه عن ذلك، وأوقفاها في محتشد العساكر وجبهة القتال الدامي، وقصدا قتل إمام الوقت

 

 

 

 /  ص 110 /

 

المفترض طاعته الواجب حفظه، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، والله من روائهم محيط.

 

7 - حديث عبدالله بن مسعود

الصحابي البدري العظيم

مر في هذا الجزء ص 63 شطرا من أحاديثه المعربة عن رأيه السديد في عثمان وعما كان حاملا بين جنبيه من الموجدة عليه، وإنه كان من الناقمين عليه يعيبه ويقدح فيه، أفسد عليه العراق بذكر محدثاته، وأخذه عثمان بذلك أخذا شديدا وحبسه وهجره ومنعه عطاء‌ه سنين وأمر به وأخرج من مسجد رسول الله إخراجا عنيقا، وضرب به الارض فدق ضلعه وضربه أربعين سوطا.

وكان ابن مسعود على اعتقاده السئ في الرجل مغاضبا له حتى لفظ نفسه الاخير وأوصى أن لا يصلي عليه، وفي الفتنة الكبرى ص 171: روي ان ابن مسعود كان يستحل دم عثمان أيام كان في الكوفة، وهو كان يخطب الناس فيقول: إن شر الامور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار ( 1 ) يعرض في ذلك بعثمان و عامله الوليد. ا ه‍.

هذا رأي ذلك الصحابي العظيم في الرجل، فبأي تمحل يتأتى للباحث تقديس عثمان بعد ما يستحل دمه أو يشدد النكير عليه ويراه صاحب محدثات وبدع مثل ابن مسعود أشبه الناس هديا ودلا وسمتا بمحمد نبي العظمة صلى الله عليه وآله وسلم ؟.

 

8 - حديث عمار بن ياسر

البدري العظيم الممدوح بالكتاب والسنة

1 من خطبة لعمار خط بهايوم صفين قال:

انهضوا معي عبادالله إلى قوم يزعمون انهم يطلبون بدم ظالم، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان، الآمرون بالاحسان، فقال هؤلاء الذين لايبالون إذا سلمت لهم دنياهم ولو درس هذا الدين: لم قتلتموه ؟ فقلنا لاحداثه، فقالوا: إنه لم يحدث

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ص 3 من هذا الجزء.

 

 

 /  ص 111 /

 

شيئا، وذلك لانه مكنهم من الدنيا فهم يأكلونهاو يرعونها، ولا يبالون لو انهدمت الجبال، والله ما أظنهم يطلبون بدم، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحلوها واستمرؤها وعلموا: أن صاحب الحق لو وليهم لحال بينهم وبين ما يأكلون ويرعون منها، إن القوم لم يكن لهم سابقة في الاسلام يستحقون بها الطاعة والولاية، فخدعوا أتباعهم بأن قالوا: قتل إمامنا مظلوما ليكونوا جبابرة وملوكا، تلك مكيدة قد بلغوا بها ما ترون ولولاها ما تابعهم من الناس رجل. إلخ.

وفي لفظ نصر بن مزاحم في كتاب صفين امضوا ( معي ) عبادالله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه، الحاكم على عبادالله بغير ما في كتاب الله، إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان. إلخ. وله لفظ آخر يأتي بعيد هذا. وفي لفظ الطبري في تاريخه: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم ابن عفان ويزعمون انه قتل مظلوما. إلخ.

راجع كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 361، 369، تاريخ الطبري 6: 21،

الكامل لابن الاثير 3: 123، شرح ابن أبي الحديد 1: 504، تاريخ ابن كثير 7:

266، جمهرة الخطب 1: 181.

2 - خطب معاوية يوم وفد إليه وفد ( 1 ) بعثه إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال:

أما بعد فإنكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة، فأما الجماعة التي دعوتم إليها فمعنا وهي، وأما الطاعة لصاحبكم فإنا لانراها، إن صاحبكم قتل خليفتنا، وفرق جماعتنا، وآوى ثأرنا وقتلنا، وصاحبكم يزعم انه لم يقتله، فنحن لا نرد ذلك عليه، أرأيتم قتلة صاحبنا ؟ ألستم تعلمون أنهم أصحاب صاحبكم ؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به، ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة.

فقال له شبث بن ربعي: أيسرك يامعاوية انك أمكنت من عمار تقتله ؟ وفي لفظ ابن كثير: لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان ؟ فقال معاوية: وما يمنعني من ذلك ؟ والله لو أمكنت ( 2 ) من ابن سمية ما قتلته بعثمان رضي الله عنه، ولكن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كان فيه: عدى بن حاتم، يزيد بن قيس، شبث بن ربعى، زياد بن حفصة.

( 2 ) في لفظ ابن مزاحم: لو امنكننى صاحبكم من ابن سمية.

 

 

 /  ص 112 /

 

كنت قاتله بناتل مولى عثمان.

فقال شبث: وإله الارض وإله السماء ما عدلت معتدلا، لا والذي لا إله إلا هو، لا تصل إلى عمار حتى تندر الهام عن كواهل الاقوام، وتضيق الارض الفضاء عليك برحبها. إلخ.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 223، تاريخ الطبري 6: 3، الكامل لابن الاثير 3: 124، شرح ابن أبي الحديد 1: 344، تاريخ ابن كثير 7: 257، جمهرة الخطب 1: 158.

3 - أرسل أمير المؤمنين إبنه الحسن وعمار بن ياسر إلى الكوفة فلما قدماها كان أول من أتاهما مسروق بن الاجدع فسلم عليهما وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان علام قتلتم عثمان رضي الله عنه ؟ قال: على شتم أعراضنا، وضرب أبشارنا ( 1 ). فقال: والله ما عوقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لكان خيرا للصابرين.

فخرج أبوموسى فلقي الحسن فضمه إليه وأقبل على عمار فقال: يا أبا اليقظان أعدوت ( 2 ) فيمن عدا على أميرالمؤمنين فأحللت نفسك مع الفجار ؟ قال: لم أفعل ولم يسؤني، فقطع عليهما الحسن فأقبل على أبى موسى فقال: ياأبا موسى ! لم تثبط الناس عنا ؟ فوالله ما أردنا إلا الاصلاح ومامثل اميرالمؤمنين يخاف على شئ، فقال: صدقت بأبي أنت وأمي، ولكن المستشار مؤتمن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير ما الماشي، والماشي خير من الراكب، وقد جعلنا الله عزوجل إخوانا وحرم علينا أموالنا ودماء‌نا وقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما. وقال عزوجل: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جنهم. الآية فغضب عمار وساء‌ه وقام وقال: يا أيها الناس إنما قال رسول الله له خاصة: أنت فيها قاعدا خير منك قائما. وقام رجل من بني تميم فقال لعمار: أسكت أيها العبد أنت أمس مع الغوغاء واليوم تسافه أميرنا و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) ابشار جمع البشرة: أعلى جلدة الوجه والجسد من الانسان.

( 2 ) شرح ابن ابى الحديد: غدوت فيما غدا.

 

 

 /  ص 113 /

 

ثار زيد بن صوحان. ألحديث ( 1 )

تاريخ الطبري 5: 187، شرح ابن أبي الحديد 3: 285، الكامل لابن الاثير 3: 97.

4 - قال الباقلاني في التمهيد ص 220: روي ان عمارا كان يقول: عثمان كافر.

وكان يقول بعد قتله: قتلنا عثمان يوم قتلناه كافرا. وهذا سرف عظيم من خرج إلى ما هو دونه استحق الادب من الامام. فلعل عثمان انتهره وأد به لكثرة قوله: قد خلعت عثمان وأنا بري منه، فأوى الادب إلى فتق أمعائه، ولو أدى الادب إلى تلف النفس لم يكن بذلك مأثوما ولا مستحقا للخلع، فإما أن يكون ضربه باطلا وإما أن يكون صحيحا فيكون ردعا وتأديبا ونهيا عن الاغراق والسرف، وذلك صواب من فعل عثمان، وهفوة من عمار.

قال الاميني: هذه التمحلات تضاد ما صح وثبت عن النبي الاقدس في عمار، ونحن لايسعنا تكذيب النبي الصادق الامين تحفظا على كرامة أي ابن أنثى فضلا عن أن يكون من أبناء الشجرة المنعوتة في القرآن.

5 - روى أبومخنف عن موسى بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال: أقبلنا مع الحسن وعمار بن ياسر من ذي قال حتى نزلنا القادسية فنزل الحسن وعمار ونزلنا معهما، فاحتبى عمار بحمائل سيفه، ثم جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم، ثم سمعته يقول: ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثم أحرقنا بالنار. " شرح ابن أبي الحديد 3: 292 ".

6 - جاء في محاورة وقعت بين عمار بن ياسر وعمرو بن العاص فيما أخرجه نصر في كتابه: قال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان ؟ قال: فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلي قتله، قال عمار: بل الله رب علي قتله وعلي معه. قال عمرو: أكنت فيمن قتله ؟ قال: كنت مع من قتله وأنا اليوم أقاتل معهم. قال عمرو: فلم قتلتموه ؟ قال عمار: أراد أن يغير ديننا فقتلناه ؟ فقال عمرو: ألا تسمعون ؟ قد اعترف بقتل عثمان. قال عمار: وقد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في هذا الحديث اشياء موضوعة حذف بعضها ابن الاثير في الكامل وزاد فيه أيضا، وهو من مكاتبات السرى وكلها باطل فيها دجل.

 

 

 /  ص 114 /

 

قالها فرعون قبلك لقومه: ألا تسمعون ؟. الحديث.

كتاب صفين لا بن مزاحم ص 384، شرح ابن ابي الحديد 2: 273.

7 - إن عمار بن ياسر نادى يوم صفين ( 1 ): أين من يبغي رضوان ربه ولا يؤوب إلى مال ولا ولد ؟ قال: فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما، والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله. " كتاب صفين ص 369 ".

وفي الفتنة الكبرى ص 171: فقد روي أن عمار بن ياسر كان يكفر عثمان و يستحل دمه ويسميه نعثل.

قال الاميني: هذا الصحابي البطل الذي عرفته في صفحة 20 - 28 من هذا الجزء

عمار بن ياسر المعني في عدة آيات كريمة من الذكر الحكيم، ومصب الثناء البالغ المتكرر المستفيض من صاحب الرسالة، من ذلك: أنه ملئ ايمانا من قرنه إلى قدمه، وانه مع الحق والحق معه يدور معه أينما دار، وانه ما عرض عليه أمر ان إلا أخذ بالارشد منهما، وانه من نفر تشتاق اليهم الجنة، وإنه جلدة بين عينيه صلى الله عليه وآله، وإنه تقتله الفئة الباغية، فمعتقد هذا الرجل العظيم وهو متلفع بهاتيك الفضائل كلها في الخليفة ما تراه يكرره من أنه كان ظالما لنفسه، حاكما بغير ما أنزل الله، مريدا تغيير دين الله تغييرا أباح لهم قتله، وانه قتله الصالحون، المنكرون للعدوان، الآمرون بالاحسان، إلى مالهذه من عقائد تركته جازما بما نطق به، مصرا على ما ارتكبه، معترفا بأنه كان مع المهجزين عليه، متأسفا على ما فاته من نبش قبره وإحراقه بالنار، فلم يبرح كذلك حتى أخذ يقاتل الطالبين بثاره مع قاتليه وخاذليه، مذعنا بأن الثائرين له مبطلون يجب قتالهم فلم يفتأ على هذه المعتقد حتى قتلته الفئة الباغية. أصحاب معاوية، وقاتله وسالبه وباغضه في النار نصا من النبي المختار صلى الله عليه وآله.

 

9 - حديث المقداد

ابن الاسود الكندي فارس يوم بدر.

قال اليعقوبي في تاريخه 2: 140 في بيعته عثمان واستخلافه: مال قوم مع علي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في شرح ابن ابى الحديد 2: 269: ناداه في صفين قبل مقتله بيوم. او يومين.

 

 

 /  ص 115 /

 

ابن أبي طالب، وتحاملوا في القول على عثمان، فروى بعضهم قال: دخلت مسجد رسول الله فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها وهو يقول: واعجبا لقريش ودفعهم هذاالامر على أهل بيت نبيهم، وفيهم أول المؤمنين، وابن عم رسول الله، أعلم الناس وأفقههم في دين الله، وأعظمهم عناء‌ا في الاسلام، وأبصرهم بالطريق، وأهداهم للصراط المستقيم، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الظاهر النقي، وما أرادوا إصلاحا للامة، ولا صوابا في المذهب، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين.

فدنوت منه فقلت: من أنت يرحمك الله ومن هذا الرجل ؟ فقال: أنا المقداد بن عمرو وهذا الرجل علي بن ابي طالب، قال فقلت: ألا تقوم بهذا الامر بهذا فاعينك عليه ؟ فقال: يا ابن أخي إن هذاالامرلا يجزي فيه الرجل ولاالرجلان، ثم خرجت فلقيت أباذر فذكرت له ذلك، فقال: صدق أخي المقداد، ثم أتيت عبدالله بن مسعود فذكرت ذلك له، فقال لقد أخبرنا فلم نأل.

وذكرابن عبدربه في العقد 2: 260 في حديث بيعة عثمان: فقال عمار بن ياسر لعبدالرحمن: إن أردت أن لايختلف المسلمون ؟ فبايع عليا، فقال المقدادبن الاسود: صدق عمارإن بايعت عليا قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن ابي سرح: إن أردت أن لا تختلف قريش ؟ فبايع عثمان، إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا. فشتم عمار إبن أبي سرح وقال: متى كنت تنصح المسلمين ؟ فتكلم بنو هاشم وبنو أمية فقال عمار: ايها الناس إن الله أكرمنا بنبينا وأعزنا بدينه، فأنى تصرفون هذا الامر عن بيت نبيكم ؟ فقال له رجل من بني مخزوم: لقد عدوت طورك يابن سمية، وما أنت وتأمير قريش لانفسها ؟ فقال سعد بن أبي وقاص: أفزع قبل أن يفتتن الناس، فلاتجعلن أيها الرهط على أنفسكم سبيلا. ودعا عليا فقال: عليك عهدالله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده، قال: أعمل بمبلغ علمي وطاقتي، ثم دعا عثمان فقال: عليك عهدالله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة نبيه وسيرة الخليفتين من بعده. فقال: نعم. فبايعه فقال علي حبوته محاباة ليس ذا بأول يوم تظاهرتم فيه علينا، أما والله ما وليت عثمان إلا ليرد الامراليك، والله كل يوم هو في شأن. فقال عبدالرحمن: يا علي لا تجعل على نفسك

 

 

 /  ص 116 /

 

 سبيلا فإني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان أحدا، فخرج علي و هو يقول: سيبلغ الكتاب أجله، قال المقداد: أما والله لقد تركته من الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، فقال: يا مقداد والله لقد اجتهدت للمسلمين. قال: لئن كنت أردت بذلك الله فأثابك الله ثواب المحسنين. ثم قال المقداد: مارأيت مثل ما اوتي أهل هذا البيت بعد نبيهم، ولا أقضى منهم بالعدل، ولا أعرف بالحق، أما والله لو أجد أعوانا.

قال له عبدالرحمن: يا مقداد اتق الله فاني أخشى عليك الفتنة. وأخرج الطبري نحوه في تاريخه 5: 37، وذكره ابن الاثير في الكامل 3: 29، 30، وابن أبي الحديد في شرح النهج 1: 65. وفي لفظ المسعودي في المروج 1: 440: فقام عمار في المسجد فقال: يا معشر قريش أما إذا صرفتم هذا الامر عن أهل بيت نبيكم ههنامرة وههنامرة فما أنا بآمن أن ينزعه الله فيضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله، وقام المقداد فقال: ما رأيت مثل ماأوذي به أهل هذا البيت بعد نبيهم. فقال له عبدالرحمن بن عوف: وما أنت وذاك يا مقدادبن عمرو ؟ فقال: إني والله لاحبهم بحب رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وإن الحق معهم وفيهم يا عبدالرحمن أعجب من قريش - وأنت تطولهم على الناس أهل هذا البيت - قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده من أيديهم، أما وأيم الله يا عبدالرحمن ! لوأجدعلى قريش أنصار لقاتلتهم كقتالى إياهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر. وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا ذكره في كتابنا أخبار الزمان في اخبار الشورى والدار.

 ومر في هذا الجزء ص 17: أن المقداد أحد الجمع الذين كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان وخوفوه ربه وأعلموه انهم مواثبوه إن لم يقلع راجع حديث البلاذري المذكور .

قال الاميني: لعلك تعرف المقداد ومبلغه من العظمة، ومبوأه من الدين، ومثواه من الفضيلة، قال أبوعمر: كان من الفضلاء النجباء الكبار الخيار هاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد كلها، أول من حارب فارسا في الاسلام. كان فارسا يوم بدر، ولم يثبت انه كان فيها على فرس غيره، وهو عند القوم أحد السبعة الذين أظهروا الاسلام، وأحد

 

 

 /  ص 117 /

 

 

النجباء الاربعة عشر وزراء رسول الله ورفقائه ( 1 ) سماه رسول الله صلى الله عليه وآله أو اباكما في حديث أخرجه أبوعمر في " الاستيعاب ".

وأنى يسع للباحث أن يستكنه ما لهذا الصحابي العظيم من الفضائل أو يدرك شأوه وبين يديه قول رسول الله صلى الله عليه وآله في الثناء عليه: إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي. والمقداد. وأبوذر. وسلمان ( 2 )

وقوله صلى الله عليه وآله: إن الجنة تشتاق إلى أربعة: علي. وعمارو سلمان. والمقداد

أخرجه ابونعيم في حلية الاولياء 1: 142.

 فهذاالرجل الديني الذي يحبه الله ويأمر نبيه صلى الله عليه وآله بحبه كان ناقما على الخليفة واجدا على خلافته من أول يومه، متلهفا على استخلافه تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها، وكان يثبط الناس ويخذ لهم عنه، ويرى إمراته إمرا من الامر وإدا، يعتقدها ظلما على أهل بيت العصمة، ويستنجد أعوانا يقاتل بهم مستخلفيه كقتاله إياهم يوم بدر، هذا رأيه في عثمان من يوم الشورى قبل بوائقه، فكيف بعد ما شاهد منه من هنات وهنات.

 

10ـ حديث حجر بن عدى

الكوفي سلام الله عليه وعلى أصحابه

إن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 دعاه فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا، وقد قال المتلمس ( 3 ):

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * ومــــا علــــم الانــــسان إلا لــــيعلمها

وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم، وقد أردت ايصاء‌ك بأشياء كثيرة فأنا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) مستدرك الحاكم 3: 348، 349، الاستيعاب 1: 289، اسد الغابة 4: 410، الاصابة 3: 455.

( 2 ) أخرجه الترمذى في جامعه، وابوعمر بن الاستيعاب 1: 290، وذكره ابن الاثير في اسد الغابة 4، 410، وابن حجر في الاصابة 3: 455.

( 3 ) هو جرير بن عبدالمسيح من بنى ضبيعة، توجد ترجمته في ( الشعر والشعراء ) لابن قتيبة ص 52، وفي ( المؤتلف والمختلف ) ص 71، 202، 207.

 

 

 /  ص 118 /

 

تاركها إعتمادا على بصرك بما يرضيني، ويسعد سلطاني، ويصلح به رعيتي، ولست تاركا ايصاء‌ك بخصلة: لا تتحم عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له والعيب على أصحاب علي والاقصاء لهم وترك الاسماع منهم، وباطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم والاستماع منهم. فقال المغيرة: قد جربت وجربت و عملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أوتذم ثم قال: بل نحمد إن شاء الله.

فأقام المغيرة بالكوفة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا لا يدع ذم علي والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له والتذكية لاصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك قال: بل إياكم فذمم الله ولعن. ثم قام فقال: إن الله عزوجل يقول: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل، وان من تركون وتطرون أولى بالذم. فيقول له المغيرة: يا حجر لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك، يا حجر ويحك إتق السلطان، إتق غضبه وسطوته، فإن غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول وكانت مقالته: اللهم أرحم عثمان بن عفان وتجاوز عنه واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك واتبع سنة نبيك صلى الله عليه وسلم وجمع كلمتنا وحقن دمائنا وقتل مظلوما، اللهم فارحم أنصاره وأولياء‌ه ومحبيه والطالبين بدمه. ويدعو على قتلته فقام حجر بن عدي فنعر نعرة بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال: إنك لا تدري بمن تولع من هرمك أيها الانسان مرلنا بأرزاقنا واعطياتنا فإنك قد حبستها عنا وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت بذم أمير المؤمنين وتقريظ المجرمين. قال: فقام معه كثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مرلنا بأرزاقنا واعطياتنا، فانا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئا وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه.

إلى أن هلك المغيرة سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل حتى دخل القصر بالكوفة ثم صعد المنبر فخطب ثم ذكر عثمان وأصحابه فقر ظهم وذكر

 

 

 /  ص 119 /

 

قتلته ولعنهم، فقام حجر ففعل مثل الذي كان يفعل بالمغيرة.

قال محمد بن سيرين: خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر بن عدي: الصلاة. فمضى في خطبته ثم قال: الصلاة فمضى في خطبته، فلما خشى حجر فوت الصلاة ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه فكتب إليه معاوية: أن شده في الحديد ثم احمله إلى. فلما أن جاء كتاب معاوية أراد قوم حجر أن يمنعوه فقال: لا، ولكن سمع وطاعة، فشد في الحديد ثم حمل إلى معاوية. ساروا به وبأصحابه وهم:

1 - الارقم بن عبدالله الكندي من بني الارقم.

2 - شريك بن شداد الحضرمي.

3 - صيفي بن فسيل الشيبانى.

4 - قبيصة بن ضبيعة بن حرملة العبسي.

5 - كريم بن عفيف الخثعمي من بني عامر ثم من قحافة.

6 - عاصم بن عوف البجلي.

7 - ورقاء بن سمي البجلي.

8 - كدام بن حيان العنزي.

9 - عبدالرحمن بن حسان العنزي.

10 - محرز بن شهاب التميمي من بني منقر.

11 - عبدالله بن حوية السعدي من بني تميم.

وأتبعهم زياد برجلين وهما: عتبة بن الاخنس السعدي، وسعيد بن نمران الهمداني، فمضوا بهم حتى انتهوا إلى مرج عذراء ( بينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا) فحبسوا بها فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة وبقتل ثمانية، فقال لهم رسول معاوية: إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراء‌ة من علي واللعن له فإن فعلتم تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وإن أميرالمؤمنين يزعم ان دماء‌كم قد حلت بشهادة أهل مصركم عليكم غير انه قد عفى عن ذلك، فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا: أللهم إنا

 

 

 /  ص 120 /

 

لسنا فاعلي ذلك. فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ قالوا: هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق. فقال أصحاب معاوية: أميرالمؤمنين كان أعلم بكم. ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرؤن من هذا الرجل قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه. فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله

وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة وهم.

1 - حجر 2 - شريك 3 - صيفي 4 - قبيضة 5 - محرز 6 - كدام.

أخذنا من القصة ما يهمنا ذكره راجع الاغاني لابي الفرج 16: 2 - 11،

تاريخ الطبري 6: 141 - 160، تاريخ ابن عساكر 2: 370 - 381، الكامل لابن الاثير 3: 202 - 210، تاريخ ابن كثير 7: 49 - 55.

قال الاميني: هذه نظرية الصحابي العظيم حجر وأصحابه العظماء الصلحاء الاخيار في عثمان فكانوا يرونه أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق، وكان حجر يراه من المجرمين فيما جابه به المغيرة بالكوفة، وقد بلغ هو وزملائه الابرار من ذلك حد إستساغوا القتل دون ما يرونه، وأبوا أن يتحولوا عن عقائدهم، وبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فاستمرؤا جرع الموت في سبيلها زعافا ممقرا.