فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

-11 -

حديث عبدالرحمن بن حسان

العنزي الكوفي

لما قتل حجر بن عدي سلام الله عليه وخمسة من أصحابه رضوان الله عليهم قال عبدالرحمن بن حسان وكريم بن عفيف الخثعمي ( وكانا من أصحاب حجر ): ابعثوا بنا إلى أميرالمؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية فاخبروه فبعث: إئتوني بهما فالتفتا إلى حجر فقال له العنزي: لا تبعد يا حجر ولا يبعد مثواك فنعم أخو الاسلام كنت. وقال الخثعمي نحوذ لك. ثم مضى بهما فالتفت العنزي فقال متمثلا:

كفى بشفاة القبر بـعد الهالك * وبالموت قطاعا لحبل القرائن

 

 

 /  ص 121 /

 

 

فلما دخل عليه الخثعمي قال له: ألله ألله يا معاوية إنك مقتول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة، ومسؤول عم أردت بقتلنا وفيم سفكت دماء‌نا، فقال: ما تقول في علي ؟ قال: أقول فيه قولك، أتتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به ؟ وقام شمر بن عبدالله الخثعمي فاستوهبه، فقال: هو لك غير أني حابسه شهرا فحبسه ثم أطلقه على أن لا يدخل الكوفة مادام له سلطان، فنزل الموصل فكان ينتظر موت معاوية ليعود إلى الكوفة فمات قبل معاوية بشهر.

وأقبل على عبدالرحمن بن حسان فقال له: يا أخا ربيعة ما تقول في علي ؟ قال: أشهد أنه من الذاكرين الله كثيرا والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والعافين عن الناس. قال: فما تقول في عثمان ؟ قال: وأول من فتح أبواب الظلم، وارتج أبواب الحق قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت لا ربيعة بالوادي ( يعني انه ليس ثم أحد من قومه فيتكلم فيه ) فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه: إن هذا شر من بعثت به، فعاقبه بالعقوبة التي هوأهلها، واقتله شر قتلة. فلما قدم به على زياد بعث به إلى قيس الناطف فدفنه حيا.

الاغاني لابي الفرج 16: 10، تاريخ الطبري 6: 155، تاريخ ابن عساكر 2: 379، الكامل لابن الاثير 3: 209.

قال الاميني: انظر إلى تصلب الرجل الديني في معتقده في حق الرجلين: على أمير المؤمنين، وعثمان، وكيف بلغ من ذلك حدا إستباح فيه أن يراق دمه دون أن يعدل عما عقد عليه ضميره، وأخبتت إليه نفسه، وكان يرى من واجبه الاشادة بما ذكر وان أريق عليه دمه الطاهر، وأسبلت نفسه الزكية.

 

12 - حديث هاشم المرقال

 خرج يوم صفين ( من عسكر معاوية ) فتى شاب وهو يقول:

أنا ابن أرباب الملوك غسان * والـدائن اليوم بدين عثــــمان

أنبأنا أقوامنا بما كان: * إن عليا قتل ابــــن عفان

 

 

 /  ص 122 /

 

ثم شد فلا ينثني يضرب بسيفه، ثم جعل يلعن علياويشتمه ويسهب في ذمه،

فقال له هاشم بن عتبة: إن هذا الكلام بعده الخصام، وإن هذا القتال بعده الحساب فاتق الله فانك راجع إلى ربك فسائلك عن هذا الموقف وما أردت به، قال: فإني أقاتلكم لان صاحبكم لا يصلي كما ذكرلي، وإنكم لا تصلون، واقاتلكم إن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم وازرتموه على قتله. فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان ؟ إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمدهم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في أمور المسلمين، وما أظن أن أمر هذه الامة ولا أمرهذا الدين عناك طرفة عين قط. قال الفتى: أجل أجل والله لا أكذب فان الكذب يضر ولا ينفع ويشين ولا يزين. فقال له هاشم: إن هذا الامر لا علم لك به فخله وأهل العلم به. قال: أظنك والله قد نصحتني. وقال له هاشم: وأما قولك: إن صاحبنا لا يصلي. فهو أول من صلى مع رسول الله، وأفقهه في دين الله، وأولاه برسول الله، وأما من ترى معه فكلهم قارئ الكتاب، لا ينامون الليل تهجدا، فلا يغررك عن دينك الاشقياء المغرورون. قال الفتى: يا عبدالله إني لاظنك امرء‌ا صالحا، وأظنني مخطئا آثما، أخبرني هل تجدلي من توبة ؟ قال: نعم، تب إلى الله يتب عليك فإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويحب التوابين ويحب المتطهرين. الحديث ( 1 )

قال الاميني: هذا هاشم المرقال الصحابي المقدس، وبطل الدين العظيم، وهذا رأيه في عثمان وهو يبوح به في موقف قتال حصل من جراء قتله، مبررا فيه عمل المجهزين عليه، ويرى انه خالف حكم الكتاب وأحدث أحداثا أباحت لاصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم قتله وان من قتله هم أهل الدين والقرآن.

 

13 - حديث جهجاه بن سعيد

الغفاري ممن بايع تحت الشجرة ( 2 )

ورد من طريق أبي حبيبة انه قال: خطب عثمان الناس فقام اليه جهجاه الغفاري:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كتاب صفين لابن مزاحم ط مصر ص 402، تاريخ الطبرى 6: 23، شرح ابن ابى الحديد 2: 278، الكامل لابن الاثير 3: 135.

( 2 ) الاستيعاب. اسدالغابة. الاصابة.

 

 

 /  ص 123 /

 

فصاح: يا عثمان ألا إن هذه شارف قدجئنا بهاعليهاعباء‌ة وجامعة فأنزل فلندر عك العباء‌ة ولنطرحك في الجامع‍ ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به. قال أبوحبيبة: ولم يكن ذلك منه إلا عن ملا عن الناس، وقام إلى عثمان خيرته وشيعته من بني أمية فحملوه فأدخلوه الدار. وجاء من طريق عبدالرحمن بن حاطب قال: أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي صلى الله عليه وسلم التي كان عليها وأبوبكر وعمر رضي الله عنهما فقال له جهجاه: قم يا نعثل فانزل عن هذاالمنبر. وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى، فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الاكلة فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين حتى حصر فقتل.

وفي لفظ البلاذري: خطب عثمان في بعض أيامه فقال له جهجاه بن سعيد الغفاري يا عثمان انزل ندرعك عباء‌ة ونحملك على شارف من الابل إلى جبل الدخان كماسيرت خيار الناس، فقال له عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به. وكان جهجاه متغيظا على عثمان، فلما كان يوم الدار ودخل عليه ومعه عصا كان النبي صلى الله عليه و سلم يتخصربها فكسرها على ركبته فوقعت فيها الاكلة.

راجع الانساب للبلاذري 5: 47، تاريخ الطبري 5: 114، الاستيعاب في نرجمة جهجاه، الكامل لابن الاثير 3: 70، شرح ابن أبي الحديد 1: 165، الرياض النضرة 2: 123، تاريخ ابن كثير 7: 175، الاصابة 1: 253، تاريخ الخميس 2: 260.

قال الاميني: الجهجاه من أهل بيعة الشجرة الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه بنص الذكر الحكيم وهو يستبيح خلع عثمان ونفيه وتشهيره ملفوفا بعباء‌ة مكبلا بالحديد إلى جبل الدخان، ولا يتحرج من هتكه وكسر مخصرته، وإنما قال ما قاله وفعل ما فعل بمحضر من المهاجرين والانصار، فلم يؤاخذه على ذلك أحد منهم ولا رد عليه راد، فكأنه كان يخبر عن صميم أفئدتهم، وأظهر ما أضمروه، وجاء بما أحبوه حتى قضى ما كان مقتضيا.

إن حدوث الجرح في ركبة جهجاه لولوج شئ من كسرات العصا فبها المتحول أكلة إن صح فمن ولائد الاتفاق وليس بكرامة للقتيل، كما أن وقوع عبدالله بن

 

 

 /  ص 124 /

 

أبي ربيعة المخزومي والي عثمان على اليمن من مركبه وموته وقد جاء لنصر عثمان لم يكن نقمة ولا نكبة له. قال أبوعمر وغيره: جاء عبدالله المخزومي لينصره لما حصر فسقط عن راحلته بقرب مكة فمات ( 1 )

وقال البلاذري في الانساب 875: أقبل عبدالله المخزومي وكان عامله على مخاليف الجند لينصره فلما انتهى إلى بطن نخلة سقط عن راحلته فانكسرت رجله فانصرف إلى أهله.

 

14 - حديث سهل بن حنيف

 أبي ثابت الانصاري ( بدري )

 

15 - رفاعة بن رافع بن مالك

 أبي معاذ الانصاري ( بدري )

 

16 - الحجاج بن غزية الانصارى

قال البلاذري في الانساب 5: 78: قال أبومخنف في روايته: إن زيد بن ثابت الانصاري قال: يا معشر الانصار إنكم نصرتم الله ونبيه فانصروا خليفته. فأجابه قوم منهم فقال سهل بن حنيف: يا زيد أشبعك عثمان بن عضدان المدينة - والعضيدة نخلة قصيرة ينال حملها - فقال زيد: لا تقتلوا الشيخ ودعوه حتى يموت فما أقرب أجله. فقال الحجاج بن غزية الانصاري أحد بني النجار: والله لولم يبق من عمره إلا بين الظهر والعصر لتقربنا إلى الله بدمه.

وجاء رفاعة بن مالك الانصاري ثم الزرقي بنار في حطب فأشعلها في أحد البابين فاحترق وسقط، وفتح الناس الباب الآخر واقتحموا الدار.

وفي لفظ للبلاذري ص 90: قال زيد للانصار: إنكم نصرتم رسول الله صلى الله عليه وسلم

فكنتم أنصار الله فانصروا خليفته تكونوا أنصارا لله مرتين. فقال: الحجاج بن غزية:

والله إن تدري هذه البقرة الصيحاء ما تقول، والله لو لم يبق من أجله إلا ما بين العصر إلى

الليل لتقربنا إلى الله بدمه.

وقال ابن حجر في الاصابة 1: 313: روى الحجاج بن غزية أصحاب السنن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الاستيعاب 1: 351، اسدالغابة 3: 155، الاصابة 2: 305.

 

 

 /  ص 125 /

 

حديثا صرح بسماعه فيه من النبي صلى الله عليه وآله في الحج قال ابن المديني: هو الذي ضرب مروان يوم الدار حتى سقط ( 1 )

قال الاميني: نظرية هؤلاء الثلاثة ليست بأقل صراحة من نظريات إخوانهم المهاجرين والانصار في استباحة دم الخليفة وإزالته عن منصة الملك الاسلام الديني.

 

17 - حديث أبي أيوب الانصاري

من السابقين من جلة الصحابة البدريين

قال في خطبة له: إن أمير المؤمنين - أكرمه - الله قد استمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين ويدعوكم إلى جهاد المحلين، فوالله لكأنكم صم لا تسمعون، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون، عبادالله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس ؟ وقد شمل العباد، وشاع في الاسلام، فذو حق محروم مشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى بالعراء، فلما جاء‌كم أمير المؤمنين صدع بالحق، ونشر العدل، وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، أشحذوا السيوف وجددوا آلة الحرب، واستعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصادقين.

الامامة والسياسة 1: 112 في طبع وفي آخر ص 128، جمهرة الخطب 1: 236

قال الاميني: هذا أبوأيوب الانصاري عظيم الصحابة الذي اختارالله داره منزلا لرسول الله صلى الله عليه وآله من بين الانصار، وحسبه ذلك شرفا، وهو من البدريين، وشهد المغازي

كلها، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أخذ شيئا من كريمته الشريفة بقوله: لا يصيبك السوء يا أباأيوب وهذا يعم الاسواء الظاهرة من قتل بهوان وأسر وسجن في مذلة وأمراض مخزية من جذام وبرص غيرهما، واختلال في العقل، والاسواء المعنوية من تزحزح عن الايمان وتضعضع في العقيدة، وانحياز عن الدين، فهو رضوان الله عليه ملكوء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سيوافيك حديث ضربه مروان.

 

 

 /  ص 126 /

 

عن هذه كلها بتلك الدعوة المجابة، وهو مع فضله هذا يعد عهد عثمان عهد جور و عدوان، ويعدد ما حدث هنالك من البوائق النازلة على صلحاء الامة كأبي ذر وعمار وابن مسعود وغيرهم مما مر تفصيله، ولو لم يكن الاشهادة أبي أيوب لكفت حجة في كل مهمة، فكيف وقد صافقه على ما يقول سروات المهاجرين والانصار

 

18 - حديث قيس بن سعد

ابن عبادة الانصاري، سيد الخزرج "بدري"

1 - من خطبة له خطبها بمصر في أخذ البيعة لامير المؤمنين علي صلوات الله عليه

قال: ألحمد لله الذي جاء بالحق وأمات الباطل، وكبت الظالمين، أيها الناس إنا قد بايعنا خير من نعلم بعد محمد نبينا صلى الله عليه وسلم فقوموا أيها الناس فبايعوا على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

تاريخ الطبري 5: 228، الكامل لابن الاثير 3: 115، شرح ابن أبي الحديد 2: 23.

2 - من كتاب لمعاوية إلى قيس بن سعد قبل وقعة صفين: أما بعد: فإنكم إن كنتم نقمتم على عثمان بن عفان رضي الله عنه في أثرة رأيتموها أو ضربة سوط ضربها، أو شتيمة رجل، أو في تسييره آخر، أو في إستعماله الفتي، فإنكم قد علمتم إن كنتم تعلمون أن دمه لم يكن يحل لكم، فقد ركبتم عظيما من الامر وجئتم شيئا إدا، فتب إلى الله عزوجل يا قيس بن سعد فإنك كنت في المجلبين على عثمان بن عفان رضي الله عنه إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا.

فأما صاحبك: فإنا استيقنا أنه الذي أغرى به الناس وحملهم على قتله حتى قتلوه وإنه لم يسلم من دمه عظم قومك، فإن استطعت يا قيس ! أن تكون ممن يطلب بدم عثمان فافعل، تابعنا على أمرنا ولك سلطان العراقين إذا ظهرت ما بقيت، ولمن أحببت من أهل بيتك سلطان الحجاز مادام لي سلطان، وسلني غير هذا مما تحب فإنك لا تسألني شيئا إلا أو تيته، واكتب إلي برأيك فيما كتبت به إليك. والسلام.

 

 

 /  ص 127 /

 

فكتب إليه قيس:

أمابعد: فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت فيه من قتل عثمان رضي الله عنه وذلك أمر لم أفارقه ولم أطف به. وذكرت صاحبي هو أغرى الناس بعثمان ودسهم إليه حتى قتلوه، وهذا لم أطلع عليه، وذكرت عظم عشيرتي لم تسلم من دم عثمان فأول الناس كان فيه قياما عشيرتي. إلخ.

وفي لفظ: فلعمري إن أولى الناس في أمره عشيرتي. فلعمري إن أول الناس كان فيه قياما عشيرتي ولهم أسوة

تاريخ الطبري 5: 227، كامل ابن الاثير 3: 116، شرح ابن أبي الحديد 2:23،

 النجوم لزاهرة 1: 99، جمهرة الرسائل 1: 524.

3 - تحاور قيس بن سعد والنعمان بن بشير بين الصفين بصفين فقال النعمان: يا قيس بن سعد أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه ؟ إنكم يا معشر الانصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفين فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا، كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم حقا، و نصرتم باطلا، ثم لم ترضوا أن تكونوا كالناس، شعلتم الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقدوالله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم غير أنكاس عن حربكم. الكلام.

فضحك قيس وقال: والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، المبطل فيما نصح غيره.

 أما ذكر عثمان فإن كان الايجاز يكفيك ؟ فخذه. قتل عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث، وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الانصار. وأما قولك: إنا لسنا كالناس فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله، نلقي السيوف بوجوهنا والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون. ولكن أنظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا أو يمانيا مستدرجا وانظر أين المهاجرين والانصار والتابعون باحسان، الذين رضي الله

 

 

 /  ص 128 /

 

عنهم ورضوا عنه ؟ ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك وصويحبك ؟ ( 1 ) ولستما والله بدريين ولا عقبيين ( 2 ) ولا لكما سابقة في الاسلام ولاآية في القرآن.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 511، الامامة والسياسة 1: 94، وفي ط 83، شرح ابن أبي الحديد 2: 298، جمهرة الخطب 1: 190.

4 - قدم المدينة قيس بن سعد فجاء‌ه حسان بن ثابت شامتا به وكان حسان عثمانيا فقال له: نزعك علي بن أبي طالب وقد قتلت عثمان، فبقي عليك الاثم ولم يحسن لك الشكر. فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر، والله لو لا أن ألقى بين رهطي ورهطك حربا لضربت عنقك، أخرج عني. تاريخ الطبري 5: 321، شرح ابن أبي الحديد 2: 25.

قال الاميني: إن فتى الانصار وأمير الخزرج وابن أميرها قيس بن سعد الذي تقدمت فضائله وفواضله في الجزء الثاني ص 69 - 110 ط 2 تراه يتبجح في كتابه إلى معاوية بأن عشيرته الانصار كانوا أول الناس قياما في دم عثمان، وفي خطبته ترى أن الحق المحيى مع مولانا أميرالمؤمنين، وإن الباطل الذي أميت كان في العهد البائد بقتل عثمان، وأن المقتولين في واقعة الدار هم الظالمون، واعطف على هذه كلها محاورته مع النعمان بن بشير بصفين، فالكل لهجة واحدة من رئي في الدين والدنيا واحد.

 

19- حديث فروة بن عمرو

 ابن ودقة البياضي الانصاري ( بدري )

أخرج مالك في الموطأ حديثه في باب ( العمل في القراء‌ة ) وسكت عن اسمه ولم يسمه، بل ذكره بلقبه " البياضي " وقال ابن وضاح ( 3 ) وابن مزين ( 4 ): إنما سكت مالك عن اسمه، لانه كان ممن أعان على قتل عثمان.

وعقبه أبوعمر في " الاستيعاب " فقال: هذا لا يعرف ولا وجه لما قالاه في ذلك و لم يكن لقائل هذا علم بما كان من الانصار يوم الدار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) يعنى به عمرو بن العاص.

( 2 ) يعنى ممن بايعوه صلى الله عليه وآله في العقبة.

( 3 ) ابوعبدالله محمد بن الحسين بن على بن الوضاح الانبارى المتوفى 345.

( 4 ) كذا في الاستيعاب واسد الغابة وشرح الموطأ للزرقانى، وفي الاصابة: ابن سيرين.

 

 

 /  ص 129 /

 

الاستيعاب ترجمة فروة، اسد الغابة 4: 179، الاصابة 3: 204، شرح الموطأ للزرقاني 1: 152.

قال الاميني: الذي يشهد ببطلان ما قالاه ان ما حسبوه جريمة من فروة إن كان مسقطا لعدالته ؟ فالاخراج عنه باطل سماه أولم يسمه، وإن كان غير مسقط لها ؟ فهو مشمول لما عم الصحابة عند القوم من الفضل والعدالة، وإن روايته حجة يؤخذبها ولا يضره إذن إلغاء الاسم، ثم إن كانت هذه الجريمة مما يؤاخذ به صاحبه ؟ فهي عامة للانصار كلهم كما أو عز إليه أبوعمر بقوله: لم يكن لقائل هذا علم بها كان من الانصار يوم الدار. فيجب إسقاط رواياتهم أوالسكوت عن اسمائهم جمعاء. وبالجملة: إن هذا الانصاري البدري عد ممن أعان على قتل عثمان، ولم يشذ في رأيه عن الانصار أو عن بقية الصحابة أجمع.

 

20- حديث محمد بن عمرو

ابن حزم أبي سليمان الانصاري

أحد المحامدة الذين سماهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محمدا. قال أبوعمر في " الاستيعاب " في ترجمته: يقال: إنه كان أشد الناس على عثمان المحمدون: محمد بن أبي بكر. محمد بن أبي حذيفة. محمد بن عمرو بن حزم.

 

21 - حديث جابر بن عبدالله

أبي عبدالله الانصاري الصحابي العظيم وقوم آخرين من الصحابة

لما فرغ الصحابة من أمر ابن الزبير كنس المسجد الحرام من الحجارة والدم وأتته ولاية مكة والمدينة، وكان عبدالملك حين بعثه لقتال عبدالله بن الزبير عقد له على مكة ولكنه أحب تجديد ولايته إياها، فشخص الحجاج إلى المدينة، واستخلف على مكة عبدالرحمن بن نافع بن عبدالحارث الخزاعي، فلما قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين فأساء إلى أهلها واستخف بهم وقال: إنهم قتلة أميرالمؤمنين عثمان، وختم يد جابر بن عبدالله برصاص وأيدى قوم آخرين كما يفعل بالذمة، منهم: أنس بن مالك

 

 

 /  ص 130 /

 

ختم عنقه، وأرسل إلى سهل بن سعد فدعاه فقال: ما منعك أن تنصر أميرالمؤمنين عثمان ابن عفان ؟ قال: قد فعلت. قال: كذبت. ثم أمر به فختم في عنقه برصاص.

أنساب البلاذري 5: 373، تاريخ الطبري 7: 206، الكامل لابن الاثير 4: 149

قال الاميني: تعطي هذه الرواية أن مؤاخذة الحجاج لبقية الصحابة وفيهم جابر صاحب الحلقة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يؤخذ منه العلم كمافي الاصابة 1: 213

كانت لتدخلهم في واقعة عثمان بمباشرة أوتخذيل عنه أو بتقاعد عن نصرته، نحن لا نقول بوثاقة الرجل فيها يرويه كما لا نقول بسداده فيما يرتأيه، غير أن الحالة تشهد أن تلكم النسبة كانت مشهورة بين الملا فاحتج بها الحجاج على ما ارتكبه من إهانتهم ولم يظهر من القوم أي إنكار لما رموا به ردئا لعادية الطاغية، لكنهم صبروا على البلاء وشدة المنازلة ثباتا منهم على ما ارتكبوه في واقعة الدار.

 

22 - حديث جبلة بن عمرو (1)

ابن ساعدة الساعدي الانصاري ( بدري)

أخرج الطبري من طريق عثمان بن الشريد قال: مر عثمان علي جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ومعه جامعة فقال: يا نعثل ؟ والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك إلى حرة النار، ثم جاء‌ه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه وأخرج من طريق عامر بن سعد قال: كان أول من اجرأ على عثمان بالمنطق السئ جبلة بن عمرو الساعدي، مر به عثمان وهو جالس في ندي قومه وفي يد جبلة بن عمرو جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم فقال جبلة: لم تردون على رجل فعل كذا وكذا ؟ قال: ثم أقبل على عثمان فقال: والله لاطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه. قال عثمان: أي بطانة ؟ فوالله إني لا أتخير الناس. فقال: مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبدالله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبدالله بن سعد تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمه وأباح رسول الله دمه ( 2 ) قال: فانصرف عثمان فما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) قال البلاذرى في الانساب 5: 47: قال الكلبى: هو رخيلة بن ثعلبة البياضى، بدرى.

( 2 ) هو عبدالله بن سعد راجع ما اسلفناه في ج 8: 280 ط 2.

 

 

 /  ص 131 /

 

زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم.

تاريخ الطبري 5: 114، الكامل لابن الاثير 3: 70، تاريخ ابن كثير 7: 176،

شرح ابن أبي الحديد 1: 165.

وأخرج البلاذري في الانساب 5: 47 الحديث الاول باللفظ المذكور فقال: ثم أتاه وهو على المنبر فأنزله، وكان أول من اجترأ على عثمان وتجهمه بالمنطق الغليظ وأتاه يوما بجامعة فقال: والله لاطرحنها في عنقك، أو لتتركن بطانتك هذه، أطعمت الحارث بن الحكم السوق وفعلت وفعلت، وكان عثمان ولى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمه ويبيعه بسومه، ويجبي مقاعد المتسوقين، ويصنع صنيعا منكرا، فكلم في إخراج السوق من يده فلم يفعل، وقيل لجبلة في أمر عثمان وسئل الكف عنه فقال: والله لا ألقى الله غدا فأقول: إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل.

 وأخرج ابن شبه في أخبار المدينة من طريق عبدالرحمن بن الازهر: انهم لما أرادوا دفن عثمان فانتهوا إلى البقيع من دفنه جبلة بن عمرو فانطلقوا إلى حش كوكب فدفنوه فيه ( 1 )

قال الاميني: إنك جد عليم بما في هذاالمبجل البدري الذي أثنى عليه أبوعمر في " الاستيعاب " بقوله: كان فاضلا من فقهاء الصحابة. وهو أحد الصحابة العدول الذين يحتج بما رووه أورأوه من شدة على عثمان وثباة عليها، حتى انه يعد المحايدة يومئذ من الضلال الذي يأمر به السادة والكبراء الضالون، ويهدد عثمان و يرعد ويبرق وينهى عن رد السلام عليه الذي هو تحية المسلمين، ومن الواجب شرعا ردها، وينزله عن منبر الخطابة إنزالا عنيفا بين الملا، ثم لم يزل يستخف به ويهينه ولا تأخذه فيه هوادة حتى منعه عن الدفن في البقيع، فذفن في حش كوكب مفابر اليهود وكل هذه لا تلتئم مع حسن ظنه به فضلا عن حسن عقيدته.

نعم: إن جبلة فعل هذه الافاعيل بين ظهراني الملا الديني الصحابة العدول وهم بين متجمهر معه، ومخذل عن الخليفة المقتول، ومتثبط عنه، وراض بما دارت على الخليفة من دائرة سوء، ما خلا شذاذ من الامويين الذين وصفهم جبلة في بيانه،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الاصابة 1: 223.

 

 

 /  ص 132 /

 

 

وقدمنا نحن تفصيل ما نزل في القرآن فيهم في الجزء الثامن ( 1 ) ولم تقم الجامعة الدينية لهم ولآرائهم وزنا.

 

23 - حديث محمد بن مسلمة

أبي عبدالرحمن الانصاري ( بدري )

أخرج الطبري من طريق محمد بن مسلمة قال: خرجت في نفر من قومي إلى المصريين وكان رؤساء هم أربعة: عبدالرحمن بن عديس البلوي، وسودان بن حمران المرادي، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وابن النباع ( 2 ) قال: فدخلت عليهم وهم في خباء لهم أربعتهم ورأيت الناس لهم تبعا، قال: فعظمت حق عثمان، وما في رقابهم من البيعة، وخوفتهم بالفتنة، وأعلمتهم أن في قتله اختلافا وأمرا عظيما، فلا تكونوا أول من فتحه وانه ينزع عن هذه الخصال التي نقمتم منها عليه وأنا ضامن لذلك. قال القوم: فإن لم ينزع قال: قلت فأمركم إليكم. قال: فانصرف القوم وهم راضون فرجعت إلى عثمان فقلت: اخلني. فأخلاني فقلت: الله الله يا عثمان في نفسك، إن هؤلاء القوم إنما قدموا يريدون دمك وأنت ترى خذلان أصحابك لك، لا، بل هم يقوون عدوك عليك، قال: فأعطاني الرضا وجزاني خيرا قال: ثم خرجت من عنده فأقمت ماشاء‌الله أن اقيم، قال: وقد تكلم عثمان برجوع المصريين وذكرأنهم جاء‌وا لامر فبلغهم غيره فانصرفوا. فأردت أن آتيه فاعنفه ثم سكت فإذا قائل يقول: قدقدم المصريون وهم بالسويداء ( 3 ) قال: قلت: أحق ما تقول ؟ قال: نعم، قال: فأرسل إلى عثمان، قال: وإذا الخبر قد جاء‌ه و قد نزل القوم من ساعتهم ذا خشب ( 4 ) فقال: يا أبا عبدالرحمن هؤلاء القوم قدرجعوا فما الرأي فيهم ؟ قال قلت: والله ما أدري إلا إني أظن أنهم لم يرجعوا لخير قال: فارجع إليهم فارددهم قال: قلت: لا والله ما أنا بفاعل، قال: ولم ؟ قال: لاني ضمنت لهم امورا تنزع عنها، فلم تنزع عن حرف منها قال: فقال: الله المستعان قال: وخرجت

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع صفحة 247 - 249، 275، 218 ط 2.

( 2 ) كذا في تاريخ الطبرى وفيما حكى عنه والصحيح: ابن البياع وهو عروة بن شييم الليثى

( 3 ) السويداء: موضع على ليلتين من المدينة على طريق الشام.

( 4 ) واد على مسيرة ليلة من المدينة.

 

 

 /  ص 133 /

 

وقدم القوم وحلوا بالاسواف وحصروا عثمان وجاء‌ني عبدالرحمن ابن عديس ومعه سودان بن حمران وصاحباه فقالوا: يا أبا عبدالرحمن ألم تعلم أنك كلمتنا ورددتنا وزعمت ان صاحبنا نازع عما نكره ؟ فقلت: بلى، فإذا هم يخرجون إلى صحيفة صغيرة وإذا قصبة من رصاص فإذاهم يقولون: وجدنا جملا من إبل الصدقة عليه غلام عثمان فأخذنا متاعه ففتشناه فوجدنا فيه هذا الكتاب. الحديث يأتي بتمامه. تاريخ الطبري 5: 118، الكامل لابن الاثير 3: 70.

قال الاميني: إنك تجد محمد بن مسلمة هاهنا لايشك في أن ما نقمه القوم على الخليفة موبقات يستحل بهاهتك الحرمات ممن ارتكبها، لكنه كره المناجزة وحاول الاصلاح حذار الفتنة المستتبعة لطامات وهنابث، وسعى سعيه في رد القوم بضمانه عسى أن ينزع الخليفة عما فرط في جنب الله، وأن يكون ذلك توبة نصوحا، فلعل الفورة تهدأ، ولهيب الثورة يخبأ، لكنه لما شاهد الفشل في مسعاه، وأخفق ظنه بعثمان، و رأى منه حنث الال، وعدم النزوع عن أحداثه، تركه والقوم، فارتكبوا منه ما ارتكبوا ولم يجبه حينما استنصره، ولم يقم لطلبته وزنا، ولم ير له حرمة يدافع بها عنه، و لذلك خاشنه في القول، فكان ما كان مقضيا.

 

24 - حديث ابن عباس

حبر الامة ابن عم النبي الاعظم صلى الله عليه وآله

1 - أخرج أبوعمرفي " الاستيعاب " في ترجمة مولانا أميرالمؤمنين علي صلوات الله علي‍ من طريق طارق قال: جاء ناس إلى ابن عباس فقالوا: جئناك نسألك فقال: سلوا عما شئتم فقالوا: أي رجل كان أبوبكر ؟ فقال: كان خيرا كله. أو قال: كالخير كله على حدة كانت فيه. قالوا: فأي رجل كان عمر ؟ قال: كان كالطائر الحذر الذي يظن أن له في كل طريق شركا. قالوا: فأي رجل كان عثمان ؟ قال: رجل ألهته نومته عن يقظته. قال: فأي رجل كان علي ؟ قال: كان قد ملئ جوفه حكما وعلما وبأسا و نجدة مع قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يظن أن لا يمد يده إلى شئ إلا ناله، فما مد يده إلى شئ فناله.

 

 

 /  ص 134 /

 

2 - من كتاب لمعاوية إلى ابن عباس: لعمري لو قتلتك بعثمان رجوت أن يكون ذلك لله رضا وأن يكون رأيا صوابا، فإنك من الساعين عليه، والخاذلين له، و السافكين دمه، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني ولا بيدك أمان ( 1 )

فكتب إليه ابن عباس جوابا طويلا يقول فيه: وأما قولك " إني من الساعين على عثمان والخاذلين له، والسافكين له، وما جرى بيني وبينك صلح فيمنعك مني " فاقسم بالله لانت المتربص بقتله، والمحب لهلاكه، والحابس الناس قبلك عنه على بصيرة من أمره، ولقد أتاك كتابه وصريخه يستغيث بك ويستصرخ فما حفلت به حتى بعثت إليه معذرا باجرة أنت تعلم انهم لن يتركوه حتى يقتل، فقتل كما كنت أردت ثم علمت عند ذلك أن الناس لن يعدلوا بينناو بينك فطفقت تنعي عثمان وتلزمنا دمه، وتقول قتل مظلوما، فإن يك قتل مظلوما فأنت أظلم الظالمين، ثم لم تزل مصوبا و مصعدا وجاثما ورابضا تستغوي الجهال وتنازعنا حقنا بالسفهاء حتى أدركت ما طلبت وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.

قال الاميني: إن حبر الامة وإن لم يكن له أي تدخل في واقعة الدار، وكان أمير الحاج في سنته تلك، لكنك تراه لا يشذ عن الصحابة في الرأي حول الخليفة، ولا يقيم له وزنا، ولا يرى له مكانة، ومن أجل ذلك أعطى المقام حقه في جواب السائل عن الخلفاء، غير انه لم يصف عثمان إلا بما ينبأ عن عدم كفائته برقدته الطويلة الغاشية على يقظته، وسباته العميق الساتر لانتباهته، ومن جراء ذلك الاعتقاد تجده لم يهتم بشئ من أمره لماجاء‌ه نافع بن طريف بكتاب (2 ) من الخليفة يستنجد الحجيج و يستغيث بهم، على حين انه محصور، فقرأه نافع على الناس بينما كان ابن عباس يخطب فلما نجزت قراء‌ته أتم خطبته من حيث أفضت اليه، ولم يلو إلى أمر عثمان وحصاره، ولم ينبس في أمره ببنت شفة، وكان في وسعه أن يستثيرهم لنصرته، وهل ذلك كله لسوء رأي منه في الخليفة ؟ أو لعدم الاهتمام في أمره أو لحسن ظنه بالثائرين عليه إخترما شئت، ولعلك تختار تحقق الجميع لدى ابن عباس، وكأن عائشة شعرت منه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) شرح ابن ابى الحديد 4: 58. قال: كتبه اليه عند صلح الحسن عليه السلام يدعوه إلى بيعته

( 2 ) يأتى تفصيله في هذا الجزء عند ذكر كتب عثمان ان شاء‌الله.

 

 

 /  ص 135 /

 

ذلك فقالت يوم مر بها ابن عباس في منزل من منازل الحج: يا ابن عباس إن الله قد اتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية. ( 1 ) ومن جراء رأيه الذايع الشايع كان يحذر معاوية ويخاف بطشه، ولما قال له أمير المؤمنين عليه السلام: إذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها. قال: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك، ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنه وعده. الحديث ( 2)وفي أثر ذلك الرأى كان يسكت عن لعن قتلة عثمان ولما كتب اليه معاوية: أن اخرج إلى المسجد والعن قتله عثمان. أجاب بقوله: لعثمان ولد وخاصة وقرابة هم أحق بلعنهم مني، فإن شاء‌وا أن يلعنوا، وإن شاء‌وا أن يمسكوا فليمسكوا (3)

 

25 - حديث عمرو بن العاصى

الذي عرفناكه في ج 2 ص 120 - 176

1 ـ أخرج الطبري من طريق أبي عون مولى المسور قال: كان عمرو بن العاصي على مصر عاملا لعثمان فعزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، استعمل عبدالله بن سعد على الخراج، ثم جمعهما لعبدالله بن سعد، فلما قدم عمرو بن العاصي المدينة جعل يطعن على عثمان، فأرسل اليه يوما عثمان خاليا به فقال: يا ابن النابغة ما أسرع ما قمل به جربان جبتك ؟ إنما عهدك بالعمل عاما أول، أتطعن علي، ويأتيني بوجه، وتذهب عني بآخر ؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أميرالمؤمنين في رعيتك، فقال عثمان: والله لو استعملتك على ظلعك وكثرة القالة فيك، فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر بن الخطاب ففارقني وهو عني راض فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك بما آخذك به عمر لا ستقمت ولكني لنت عليك فاجترأت علي، أماوالله لانا أعز منك نفرا في الجاهلية وقبل أن ألي هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء من حديث عائشة.

( 2 ) تاريخ ابن كثير 7: 228، الكامل لابن الاثير 3: 83.

( 3 ) الامامة والسياسة قتيبة 1: 148.

 

 

 /  ص 136 /

 

السلطان، فقال عمرو: دع عنك هذا فالحمد لله الذي أكرمنا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وهدانا به، قد رأيت العاصي بن وائل ورأيت أباك عفان فوالله للعاصي كان أشرف من أبيك ( 1 ) فانكسر عثمان وقال: ما لنا ولذكر الجاهلية، وخرج عمرو ودخل مروان فقال: يا أمير المؤمنين وقد بلغت مبلغا يذكر عمرو بن العاصي أباك، فقال عثمان: دع هذا عنك، من ذكر آباء الرجال ذكروا أباه. قال فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه

على عثمان، ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان، ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلما كان حصر عثمان الاول خرج من المدينة حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها: السبع، فنزل في قصر له يقال له: العجلان وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفان قال: فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه إبناه محمد، وعبدالله، وسلامة بن روح الجذامي إذا مر بهم راكب فناده عمرو: من أين قدم الرجل ؟ فقال: من المدينة، قال: ما فعل الرجل ؟ يعني عثمان. قال: تركته محصورا شديد الحصار قال عمرو: أنا أبوعبدالله قد يضرط العير والمكواة في النار فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مر به راكب آخر فناداه عمرو: ما فعل الرجل ؟ يعني عثمان. قال: قتل. قال: أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لاحرض عليه حتي إني لاحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه، فما حملكم على ذلك ؟ فقال: أردنا أن نخرج الحق من حافرة الباطل، وأن يكون الناس في الحق شرعا سواء، وكانت عند عمرو أخت عثمان لامه كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ففارقها حين عزله ( 2 )

2 - لما ركب علي وركب معه ثلاثون رجلا من المهاجرين والانصار إلى أهل مصر في أول مجيئهم المدينة ناقمين على عثمان، وردهم عنه فانصرفوا راجعين ورجع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ليت شعرى ما مكانة من الشرف ان كان يفضل عليه العاصى الساقط المشرف بقوله تعالى: " ان شانئك هو الابتر " كما مر تفصيله في الجزء الثانى ص 120 ط 2

( 2 ) تاريخ الطبرى 5: 108، 203، الانساب للبلاذرى 5: 74، الامامة والسياسة 1: 42، الاستيعاب ترجمة عبدالله بن سعد بن أبى سرح، شرح ابن أبى الحديد 1: 63، وأوعز اليه ابن كثير في تاريخه 7: 170 بصورة مصغرة جريا على عادته فيما لا يروقه.

 

 

 /  ص 137 /

 

علي عليه السلام إلى عثمان وأخبره انهم قد رجعوا، حتى إذا كان الغد جاء مروان عثمان فقال له: تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وإن ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا، فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لا تستطيع دفعه. فأبى عثمان أن يخرج، فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمدالله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم ( 1 ) فناداه عمرو بن العاصي من ناحية المسجد: إتق الله يا عثمان فإنك قد ركبت نهابير ( 2 ) وركبناها معك فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان: وإنك هناك يا ابن النابغة ؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل، فنودي من ناحية أخرى: تب إلى الله وأظهر التوبة يكف الناس عنك. فرفع عثمان يديه مدا واستقبل القبلة فقال: أللهم إني أول تائب تاب إليك. ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاصي حتى نزل منزله بفلسطين فكان يقول: والله إن كنت لالقى الراعي فأحرضه عليه.

 وفي لفظ البلاذري: يا ابن النابغة وإنك ممن تؤلب علي الطغام ؟ وفي لفظ: قال عمرو: يا عثمان إنك قد ركبت بهذه الامة نهاية من الامر وزغت فزاغوا فاعتدل أو اعتزل. وفي لفظ: ركبت بهذه الامة نهابير من الامور فركبوها منك، وملت بهم فمالوا بك، اعدل أو اعتزل.

تاريخ الطبري 5: 110، 114، أنساب البلاذري 5: 74، الاستيعاب ترجمة عثمان، شرح ابن أبي الحديد 2: 113، الكامل لابن الاثير 3: 68، الفائق للزمخشري 2: 296، نهاية ابن الاثير 4: 196، تاريخ ابن كثير 7: 175، تاريخ ابن خلدون 2: 396، لسان العرب 7: 98، تاج العروس 3: 592.

3 - قال اين قتيبة: ذكروا ان رجلا من همدان يقال له " برد " قدم على معاوية فسمع عمرا يقع في علي فقال له: يا عمرو إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

من كنت مولاه فعلي مولاه. فحق ذلك أم باطل ؟ فقال عمرو: حق وأنا أزيدك انه ليس

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ما عذر الخليفة في هذا الكذب الفاحش على منبر النبي الاعظم وهو بين يدى قبره الشريف لعله يعتذر بأن مروان حثه عليه ولم يكن له منتدح من قبول أمره، والملك عقيم.

( 2 ) النهابير والنهابر: المهالك: الواحدة: نهبرة ونهبور.

 

 

 /  ص 138 /

 

أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي. ففزع الفتى فقال عمرو: إنه أفسدها بأمره في عثمان فقال برد: هل أمر أو قتل ؟ قال: لا، ولكنه آوى ومنع، قال: فهل بايعه الناس عليها ؟ قال: نعم. قال: فما أخرجك من بيعته ؟ قال: إتهامي إياه في عثمان.

قال له: وأنت أيضا قد أتهمت. قال: صدقت فيها، خرجت إلى فلسطين. فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم، علي على الحق فاتبعوه.

" الامامة والسياسة 1 ص 93 ".

4 - أخرج الطبري في تاريخه 5: 234 من طريق الواقدي قال: لما بلغ عمرا قتل عثمان رضي الله عنه قال: أنا أبوعبدالله قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الامر من بعده ؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق، وهو أكره من يليه إلي.

5 - أسلفنا في حديث طويل في الجزء الثاني ص 133 - 136 ط 2 من قول الامام الحسن السبط الزكي لعمرو بن العاصي: وأما ما ذكرت من أمر عثمان فأنت سعرت عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين فلما أتاك قتله قلت: أنا أبوعبدالله إذا نكأت " أي قشرت " قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا، ولا غضبت له مقتولا.

قال أبوعمر في " الاستيعاب " في ترجمة عبدالله بن سعيد بن أبي سرح: كان عمرو ابن العاصي يطعن على عثمان ويؤلب عليه ويسعى في إفساد أمره، فلما بلغه قتل عثمان وكان معتزلا بفلسطين قال: إني إذا نكأت قرحة أدميتها أو نحو هذا. وقال في ترجمة محمد بن أبي حذيفة: كان عمرو بن العاص مذ عزله عثمان عن مصر يعمل حيلة في التأليب والطعن على عثمان.

وفي الاصابة 3: 381: إن عثمان لما عزل عمرو بن العاص عن مصر قدم المدينة فجعل يطعن على عثمان، فبلغ عثمان فزجره، فخرج إلى أرض له بفلسطين فأقام بها.

قال الاميني: لعل مما يستغني عن الافاضة فيه مناوء‌ة ابن العاصي لعثمان ورأيه في سقوطه، وتبجحه بالتأليب عليه، ومسرته على قتله، وقوله بملافمه: أنا أبوعبدالله قتلته

 

 

 /  ص 139 /

 

وأنا بوادي السباع. وقوله: إني إذا نكأت قرحة أدميتها. وهل الاحن بينهما استفحلت فتأثرت بها نفسية ابن العاصى حتى انه اجتهد فأخطأ. أو انه أصاب الحق، فكان اجتهاده عن مقدمات صحيحة مقطوعة عن الضغائن الثائرة، معتضدة بآراء الصحابة، و أياما كان فهو عند القوم من أعاظم الصحابة العدول يرى في الخليفة هذا الرأي.

 

26 - حديث عامر بن واثلة

أبي الطفيل الشيخ الكبير الصحابي

قدم أبوالطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال معاوية فأخبر معاوية بقدومه فأرسل إليه فأتاه وهو شيخ كبير فلما دخل عليه قال له معاوية: أنت أبوالطفيل عامر ابن واثلة ؟ قال: نعم. قال معاوية: أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين ؟ قال: لا، ولكن ممن شهده فلم ينصره. قال: ولم ؟ قال: لم ينصره المهاجرون والانصار، فقال معاوية أما والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا وفرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل والله بكم ما أنتم أهله وأصاركم إلى ما رأيتم. فقال أبوالطفيل: فما منعك يا أميرالمؤمنين إذ تربصت به ريب المنون أن لا تنصره ومعك أهل الشام قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له فضحك أبوالطفيل وقال بلى: ولكني وإياك ( 1 ) كما قال عبيد بن الابرص:

لاعـرفنك بعد الموت تندبني * وفــي حياتي ما زودتني زادي

فدخل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وعبدالرحمن بن الحكم فلما جلسوا نظر إليهم معاوية ثم قال: أتعرفرن هذا الشيخ ؟ قالوا: لا. فقال معاوية: هذا خليل علي بن أبي طالب، وفارس صفين وشاعر أهل العراق، هذا أبوالطفيل. قال سعيد بن العاص: قد عرفناه يا أمير المؤمنين فما يمنعك منه ؟ وشتمه القوم فزجرهم معاوية قال: فرب يوم ارتفع عن الاسباب قد ضقتم به ذرعا ثم قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل ؟ قال: ما أنكرهم من سوء ولاأعرفهم بخير وأنشد شعرا:

فإن تكن العداوة وقد أكنت * فشر عـــدواة المرء السباب

فقال معاوية: يا أبا الطفيل ما أبقى لك الدهر من حب علي ؟ قال: حب أم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا والصحيح كمافى مروج الذهب. ولكنك واياه.

 

 

 /  ص 140 /

 

موسى وأشكو إلى الله التقصير. فضحك معاوية وقال: ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سألوا عني ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل والله لا نقول الباطل.

الامامة والسياسة 1: 158، مروج الذهب 2: 62، تاريخ ابن عساكر 7: 201،

الاستيعاب في الكنى، تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 133.

قال الاميني: أترى هذا الشيخ الكبير الصالح كيف يعترف بخذلانه عثمان و يحكي مصافقته على ذلك عن المهاجرين والانصار الصحابة العدول، غير متندم على ما فرط هنالك، ولو كان يتحرج هو ومن نقل عنهم موافقتهم له لردعتهم الصحبة والعدالة عما ارتكبوه من القتل والخذلان، ولو كان لحقه وإياهم شئ من الندم لباح به وباحوا، لكنهم اعتقدوا وأمرا فمضوا على ضوئه، وإنهم كانوا على بصيرة من أمرهم، وما اعتراهم الندم إلى آخر نفس لفظوه.

 

17 - حديث سعد بن ابى وقاص

أحد العشرة المبشرة، وأحد الستة أصحاب الشورى

1 - روى ابن قتيبة في الامامة والسياسة 1 ص 43 قال: كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان ومن قتله ومن تولى كبره فكتب إليه سعد:

إنك سألتني من قتل عثمان وأني اخبرك انه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشاربيده، وأمسكنا نحن ولوشئنا دفعناه عنه، ولكن عثمان غير وتغير وأحسن وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغر الله. الحديث مر بتمامه ص 83.

2 - عن أبي حبيبة قال: نظرت إلى سعد بن أبي وقاص يوم قتل عثمان دخل عليه ثم خرج من عنده وهو يسترجع مما يرى على الباب فقال له مروان: الآن تندم ؟ أنت أشعرته. فأسمع سعدا يقول: استغفر الله لم أكن أظن الناس يجترؤن هذه الجرأة ولا يطلبون دمه، وقد دخلت عليه الآن فتكلم بكلام لم تحضره أنت ولا أصحابك فنزع عن كل ما كره منه وأعطى التوبة. وقال: لا أتمادى في الهلكة ان ما تمادى في الجور كان أبعد من الطريق فأنا أتوب وأنزع. فقال مروان: إن كنت تريد أن تذب عنه فعليك

 

 

 /  ص 141 /

 

بابن أبي طالب فإنه متستر وهولا يجبه. فخرج سعد حتى أتى عليا وهو بين القبر والمنبر فقال: يا أباالحسن قم فداك أبي وأمي جئتك والله بخير ما جاء به أحد قط إلى أحد، تصل رحم ابن عمك، وتأخذ بالفضل عليه، وتحقن دمه، ويرجع الامر على مانحب. قد أعطى خليفتك من نفسه الرضى فقال علي: تقبل الله منه يا أباإسحاق

والله ما زلت أذب عنه حتى اني لاستحيي، ولكن مروان ومعاوية وعبدالله بن عامر

وسعيد بن العاص هم صنعوا به ماترى، فإذا نصحته وأمرته أن تنحيهم استغشني حتى جاء ما ترى. قال: فبينا هم كذلك جاء محمد بن أبي بكر فسار عليا فأخذ علي بيدي ونهض علي وهو يقول: وأي خير توبته هذه ؟ فوالله ما بلغت داري حتى سمعت الهائعة: ان عثمان قد قتل. فلم نزل والله في شر إلى يومنا هذا. تاريخ الطبري 5: 121.

قال الاميني: يترأى للقارئ من هذه الجمل أن سعدا خذل الخليفة على حين أنه مكثور لا يراد به إلا القتل وهو على علم منه أنه مقتول لا محالة لما كان يرى انه غير ومتغير، وغير عازب عن سعد حينئذ حكم الشريعة بوجوب كلاء‌ة النفس المحترمة للمتمكن منها وهو يقول: وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. حتى أنه بعد هدوء الثورة غير جازم بأنه ارتكب حوبا في خذلانه فيقول: إن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله، وعلى تقدير كونه إساء‌ة يراها من اللمم الممحو بالاستغفار، ولعل الشق الاخير من كلمته مجاملة مع عمرو بن العاصي لئلا يلحقه الطلب بدم عثمان ولذلك ألقى المسؤولية على أناس آخرين من علية الامة ذكرهم في كتابه، وعليه فصميم رأيه هو ما ارتكبه ساعة القتل من الخذلان.

 

27 - حديث مالك الاشتر

ابن الحارث المترجم له فيما مر ص 38 - 40

ذكر البلاذري في الانساب 5: 46: إن عثمان كتب إلى الاشتر وأصحابه مع عبدالرحمن بن أبي بكر، والمسور بن مخرمة يدعوهم إلى الطاعة ويعلمهم انهم أول من سن الفرقة، ويأمرهم بتقوى الله ومراجعة الحق، والكتاب إليه بالذي يحبون

 

 

 /  ص 142 /

 

فكتب إليه الاشتر:

من مالك الحارث إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره. أما بعد: فقد قرأنا كتابك فانه نفسك وعمالك عن الظلم والعدوان وتسيير الصالحين نسمح له بطاعتنا، وزعمت أنا قد ظلمنا أنفسنا، وذلك ظنك الذي أرداك، فأراك الجور عدلا، والباطل حقا، وأما محبتنا فإن تنزع تتوب وتستغفر الله من تجنيك على خيارنا، وتسييرك صلحاء‌نا، وإخراجك إيانا من ديارنا، وتوليتك الاحداث علينا، وأن تولي مصرنا عبدالله بن قيس أبا موسي الاشعري وحذيفة فقد رضيناهما، واحبس عنا وليدك وسعيدك ومن يدعوك إليه الهوى من أهل بيتك إن شاء الله والسلام.

وخرج بكتابهم يزيد بن قيس الارحبي، ومسروق بن الاجدع الهمداني، وعبد الله بن أبي سبرة الجعفي، وعلقمة بن قيس أبوشبل النخعي، وخارجة بن الصلت البرجمي في آخرين. فلما قرأ عثمان الكتاب قال: أللهم إني تائب وكتب إلى أبي موسى وحذيفة: أنتما لاهل الكوفة رضى ولنا ثقة، فتوليا أمرهم وقوما به بالحق غفر الله ولكما. فتولى أبوموسى وحذيفة الامر، وسكن أبوموسى الناس وقال عتبة بن الوغل:

تصدق علينا يا ابن عفان واحتسب * وأمــــر عــــلينا الاشــــعري لـــيالـيا

فقال عثمان: نعم وشهورا إن بقيت.

قال الاميني: نظرية مالك الذي عرفته صحيفة 38 في عثمان صريحة واضحة لا تحتاج إلى تحليل وتعليل، وإنما أعطى من نفسه الرضا في كتابه بشرط النزوع و التوبة، لكنه لما لم يجد للشرط وفاء ابل وجد منه إصرارا على ما نقمه هو والصحابة كلهم تنشط للمخالفة، وأجلب عليه خيلا ورجلا، ولم يزل مشتدا في ذلك حتى بلغ ما أراد. وسنوقفك على حقيقة أمر الخليفة من توبته بعد توبته في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى.

 

 

 /  ص 143 /

 

 

28 - حديث عبدالله بن عكيم

أخرج ابن سعد والبلاذري باسنادهما عن عبدالله بن بعكيم الجهني " الصحابي "

قال: لا أعين على دم خليفة أبدا بعد عثمان. فقيل له ياأبا معيد وأعنت على دمه ؟ قال: إني أعد ذكر مساويه إعانة على دمه.

طبقات إبن سعد 3: 56، الانساب للبلاذري 5: 101.

قال الاميني: هذا الحديث صريح في أن الرجل كان يعتقد في عثمان مساوي

ومثالب، وقد اطمأن بثبوتها له، فتحدث بها في الاندية والمحاشد إعانة على دمه، فكان ذلك من موجبات قتله، ولم يزل معترفا به بعد أن أسيلت نفسه وأريق دمه.

 

29 - حديث محمد بن أبي حذيفة

كان أبوالقاسم محمد بن أبي حذيفة العبشمي من أشد الناس تأليبا على عثمان، و ذكرالبلاذري في الانساب قال: كان محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة، ومحمد بن أبي حذيفة، خرجا إلى مصر عام مخرج عبدالله بن سعد بن أبي سرح إليها، فأظهر محمد بن أبي حذيفة عيب عثمان والطعن عليه وقال: إستعمل عثمان رجلا أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح ونزل القرآن بكفره حين قال: سأنزل مثل ماأنزل الله ( 1 )

وكانت غزاة ذات الصورى في المحرم سنة أربع وثلاثين وعليها عبد بن سعد، فصلى بالناس فكبر ابن أبي حذيفة تكبيرة أفزعه بها فقال: لولا إنك أحمق لقربت بين خطوك، ولم يزل يبلغه عنه وعن ابن أبي بكر ما يكره، وجعل ابن أبي حذيفة يقول: يا أهل مصر إنا خلفنا الغزو وراء‌نا. يعني غزو عثمان.

إن محمد بن أبي حذيفة ومحمد بن أبي بكر حين أكثر الناس في أمر عثمان قدما مصر وعليها عبدالله بن سعد بن أبي سرح، ووافقا بمصر محمد بن طلحة بن عبيدالله وهومع عبدالله بن سعد، وإن ابن أبي حذيفة شهد صلاة الصبح في صبيحة الليلة التي قدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) يعنى بذلك عبدالله بن سعد بن ابى سرح وهو صاحب يوم الفتح وفيه نزلت الآية كما مر في ص 281 من ج 8 ط 2.

 

 

 /  ص 144 /

 

فيها فقاتته الصلاة فجهر بالقراء‌ة فسمع ابن أبي سرح قراء‌ته فسأل عنه، فقيل: رجل أبيض وضئ الوجه. فأمر إذا صلى أن يؤتي به فلما رآه قال: ماجاء بك إلى بلدي قال: جئت غازيا، قال: ومن معك ؟ قال: محمد بن أبي بكر. فقال: والله ما جئتما إلا لتفسدا الناس، وأمر بهما فسجنا، فأرسلا إلى محمد بن طلحة يسألانه أن يكلمه فيهما لئلا يمنعهما من الغزو، فأطلقهما ابن أبي سرح وغزا ابن أبي سرح افريقية فأعد لهما سفينة مفردة لئلا يفسد عليه الناس، فمرض ابن أبي بكر فتخلف وتخلف معه ابن أبي حذيفة، ثم إنهما خرجا في جماعة الناس فما رجعا من غزاتهما إلا وقد أوغرا صدور الناس على عثمان فلما وافى ابن أبي سرح مصر وافاه كتاب عثمان بالمصير إليه، فشخص إلى المدينة وخلف على مصر رجلا كان هواه مع ابن أبي بكر وابن أبي حذيفة، فكان ممن شايعهم وشجعهم على المسير إلى عثمان.

قالوا: وبعث عثمان إلى ابن أبي حذيفة بثلاثين ألف درهم وبحمل عليه كسوة فأمر فوضع في المسجد وقال: يا معشر المسلمين ألا ترون إلى عثمان يخادعني عن ديني و يرشوني عليه ؟ فازداد أهل مصر عيبا لعثمان وطعنا عليه، واجتمعوا إلى ابن أبي حذيفة فرأسوه عليهم، فلما بلغ عثمان ذلك دعا بعمار بن ياسر فاعتذر إليه مما فعل به واستغفر الله منه وسأله أن لا يحقده عليه، وقال: بحسبك من سلامتي لك ثقتي بك، وسأله الشخوص إلى مصر ليأتيه بصحة خبر ابن أبي حذيفة، وحق ما بلغه عنه من باطله، وأمره أن يقوم بعذره، ويضمن عنه العتبى لمن قدم عليه، فلما ورد عمار مصر ( 1 ) حرض الناس على عثمان ودهاهم إلى خلعه، وأشعلها عليه، وقوى رأي ابن أبي حذيفة وابن أبي بكر وشجعهما على المسير إلى المدينة، فكتب ابن أبي سرح إلى عثمان يعلمه ما كان من عمار، ويستأذنه في عقوبته، فكتب إليه: بئس الرأي رأيت يا ابن أبي سرح فأحسن جهاز عمار وأحمله إلي، فتحرك اهل مصر وقالوا: سيرعمار، ودب فيهم ابن أبي حذيفة ودعاهم إلى المسير فأجابوه ( 2 )

وذكر أبوعمر الكندي في امراء مصر: ان عبدالله بن سعد أمير مصر كان توجه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سنوفقك على ان بعث عمار إلى مصر قط لا يصح.

( 2 ) أنساب البلاذرى 5: 49 - 51، تاريخ ابن كثير 7: 157.

 

 

 /  ص 145 /

 

إلى عثمان لما قام الناس عليه، فطلب أمراء الامصار فتوجه إليه في رجب سنة 35

واستناب عقبة بن عامر فوثب محمد بن أبي حذيفة على عقبة وكان يوم ذاك بمصر فأخرجه من مصر وغلب عليها، وذلك في شوال منها، ودعا إلى خلع عثمان، واسعر البلاد، وحرض على عثمان ( 1 )وأخرج من طريق الليث عن عبدالكريم الحضرمي كما في الاصابة 3: 373

إن ابن أبي حذيفة كان يكتب الكتب على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الطعن على عثمان كان يأخذ الرواحل فيحصرهاثم يأخذ الرجال الذين يريد أن يبعث بذلك معهم فيجعلهم على ظهور بيت في الحر، فيستقبلون بوجوههم الشمس ليلوحهم تلويح المسافر، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة، ثم يرسل رسلا يخبروا بقدومهم فيأمر بتلقيهم، فإذا لقوا الناس قالوا لهم: ليس عندنا خبر، الخبر في الكتب، فيتلقاهم ابن أبي حذيفة و معه الناس فيقول لهم الرسل: عليكم بالمسجد فيقرأ عليهم الكتب من أمهات المؤمنين: إنا نشكوا إليكم يا أهل الاسلام كذاو كذا من الطعن على عثمان، فيضج أهل المسجد بالبكاء والدعاء، فلما خرج المصريون ووجهوا نحو المدينة على عثمان شيعهم محمد بن أبي حذيفة إلى عجرود ثم رجع.

قال الاميني: أترى هذا الصحابي العظيم كيف يجد ويجتهد في إطفاء هذه النائرة ولا يخاف فيما يعتقدانه في الله لومة لائم، غير مكترث لما بهته به العثمانيون من إختلاق الكتب على أمهات المؤمنين، وتسويد الوجوه بمواجهة الشمس، ولم يزل على دؤبه و اجتهاده حتى قضي الامر، وأزيحت المثلات، وما نبزوه به من الافتعال والتزوير هو حرفة كل عاجز، ولعله دبر في الازمنة الاخيرة كما دبرت أمثاله في كل من الثائرين على عثمان سترا على الحقائق الراهنة.

وهل من المستبعد أن تكتب في التأليب على عثمان صاحبة قول: اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا إنه قد كفر. وقائلة: وددت والله إنك " يامروان " وصاحبك هذا الذي يعنيك أمره في رجل كل واحد منكما رحا وانكما في البحر. وقائلة: بعدا لنعثل و

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 109، الاستيعاب 1: 233، الكامل لابن الاثير 3: 67، الاصابة 3: 373.

 

 

 /  ص 146 /

 

سحقا. وقائلة: أبعده الله، ذلك لما قدمت يداه وماالله بظلام للعبيد. وقائلة: يا ابن عباس إن الله قد أتاك عقلا وفهما وبيانا فإياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية.

وهي كانت في الرعيل الاول من الثائرين على عثمان بشتى الحيل والطرق الثائرة:

هب انهم بهتوا القوم بتلكم الافائك لكن هل يسعهم إنكار تألبهم على الخليفة يومئذ ؟ وقد التزموا بعدالتهم، والصحاح والمسانيد مشحونة بالاحتجاج بهم والاخراج عنهم، نعم غاية ما يمكنهم من التقول الحكم بالخطأ في الاجتهاد شأن كل متقابلين في حكم شرعي، وليس تحكمهم هذا بأرجح من رأي من يرى أنهم أصابوا في الاجتهاد وإجماع الصحابة يومئذ كان معاضد الهم، وهم يقولون: إن أمة محمد لا تجتمع على خطأ

 

30 - حديث عمرو بن زرارة

النخعي أدرك عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم

قال البلاذري وغيره: إن أول من دعا إلى خلع عثمان والبيعة لعلي عمرو بن زرارة ابن قيس النخعي، وكميل بن زياد بن نهيك النخعي، فقام عمرو بن زرارة فقال: أيها الناس إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه، وقد أغرى بصلحائكم يولي عليهم شراركم فبلغ الوليد فكتب إلى عثمان بما كان من ابن زرارة، فكتب إليه عثمان: إن ابن زرارة أعرابي جلف فسيره إلى الشام. وشيعه إلى الاشتر والاسود بن يزيد بن قيس وعلقمة بن قيس بن يزيد وهو عم الاسود والاسود أكبر منه فقال قيس بن قهدان يومئذ:

أقسـم بالله رب البيت مجتهدا * أرجو الثواب به سر او إعلانا

لاخلــــعن أباوهـب وصـــاحبه * كهف الضلالة عثمان بن عفانا

وقال ابن الاثير: هو ممن سيره عثمان من أهل الكوفة إلى دمشق.

راجع الانساب للبلاذري 5: 30، اسد الغابة 4: 104، الاصابة 1: 548، ج 2: 536.

قال الاميني: ليس على نظرية هذا الصحابي ستر يماط عنها، ولا انه كان يلهج بغير المكشوف حتى يسدل عليه شئ من التمويه، فانك لا تجد رأيه إلا في عدد آراء الصحابة جمعاء يومئذ.