فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  ص 168 /

 

 

ـ 40 - قصة الحصار الاول

الاجتماع على عثمان من أهل الامصار:

المدينة. الكوفة. البصرة. مصر

 

أخرج البلاذري وغيره بالاسناد: إلتقى أهل الامصارالثلاثة: الكوفة والبصرة ومصر في المسجد الحرام قبل مقتل عثمان بعام، وكان رئيس أهل الكوفة كعب بن عبدة، ورئيس أهل البصرة المثنى بن مخربة العبدي، ورئيس أهل مصر كنانة بن بشر بن عتاب ابن عوف السكوني ثم التجيبي، فتذاكروا سيرة عثمان وتبديله وتركه الوفاء بما أعطى من نفسه وعاهد الله عليه، وقالوا: لا يسعنا الرضى بهذا، فاجتمع رأيهم على أن يرجع كل واحد من هؤلاء الثلاثة إلى مصره فيكون رسول من شهد مكة من أهل الخلاف على عثمان إلى من كان على مثل رأيهم من أهل بلده، وأن يوافوا عثمان في العام المقبل في داره فيستمعوه، فإن أعتب، وإلا رأوا رأيهم فيه ففعلوا ذلك. فلما حضر الوقت خرج الاشتر مع أهل الكوفة إلى المدينة في مائتين، وقال ابن قتيبة: أقبل الاشتر من الكوفة في ألف رجل في أربع رفاق، وكان أمراؤهم هو وزيد بن صوحان العبدي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبدالله بن الاصم العامري، و علي الجميع عمرو بن الاهتم. وخرج حكيم بن جبلة العبدي في مائة من أهل البصرة ولحق به بعد ذلك خمسون فكان في مائة وخمسين وفيهم: ذريح بن عباد العبدي، وبشر بن شريح القيسي، وابن المحرش - ابن المحترش - وقال ابن خلدون: وكلهم في مثل عدد أهل مصر في أربع رايات.

 وجاء أهل مصر وهم أربع مائة، ويقال: خمس مائة، ويقال: سبع مائة، ويقال: ست مائة، ويقال: ألف، وفي شرح ابن أبي الحديد: كانوا ألفين. وكان فيهم: محمد بن أبي بكر، وسودان بن حمران السكوني، وميسرة - ويقال قتيرة - السكوني، وعمرو

 

 

 /  ص 169 /

 

 ابن الحمق الخزاعي وكان من رؤسهم وعليهم أمراء أربعة:

1 - عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي. على ربع

2 - عبدالرحمن بن عديس أبومحمد البلوي. على ربع

3 - "عروة بن شييم بن البياع الكناني الليثي".

4 - "كنانة بن بشر السكوني التجيبي". 

وعليهم جميعا: الغافقي بن حرب العكي، وكان يصلي بالناس في أيام الحصار،

قال الطبري: كان جماع أمرهم جميعا إلى عمرو بن بديل الخزاعي، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى عبدالرحمن بن عديس التجيبي فلما أتوا المدينة أتوا دار عثمان، ووثب معهم رجال من أهل المدينة من المهاجرين والانصار منهم: عمار بن ياسر العبسي وكان بدريا، ورفاعة بن رافع الانصاري وكان بدريا، والحجاج بن غزية وكانت له صحبة، وعامر بن بكير وكان بدريا أحد بني كنانة.

وفي كتاب لنائلة امرأة عثمان إلى معاوية في رواية ابن عبد ربه: وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى علي ومحمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر وطلحة والزبير فأمروهم بقتله، وكان معهم من القبائل خزاعة، وسعد بن بكر، وهذيل، وطوائف من جهينة و مزينة وأنباط يثرب، وهؤلاء كانوا أشد الناس عليه.

وفي حديث سعيد بن المسيب في الانساب والعقد الفريد وغيرهما: وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر: فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار وأحلافها من غضب لابي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر.

وفي لفظ المسعودي: وفي الناس بنو زهرة لاجل عبدالله بن مسعود، لانه كان من أحلافها، وهذيل لانه كان منها، وبنو مخزوم وأحلافها لعمار، وغفار وأحلافها لاجل أبي ذر، وتيم بن مرة مع محمد بن أبي بكر، وغير هؤلاء ممن لا يحمل ذكره كتابنا. فحصروا عثمان الحصار الاول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع طبقات ابن سعد ط ليدن 3: 49، الانساب للبلاذرى 5: 6 2، 59، الامامة و السياسة 1: 34، المعارف لابن قتيبة ص 84، تاريخ الطبرى 5: 116، مروج الذهب 1: 441، العقد الفريد 2: 262، 269، ألرياض النضرة 2: 123، 124، الكامل لابن الاثير 3: 66، تاريخ ابن خلدون 2: 393، شرح ابن ابى الحديد 1: 102، تاريخ ابن كثير 7: 170، 174، حياة الحيوان للدميرى 1: 53، الاصابة 2: 411،

الصواعق ص 69، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 106، تاريخ الخميس 2: 259.

 

 

 /  ص 170 /

 

 

كتاب المصريين إلى عثمان

 

أخرج الطبري في تاريخه 5 ص 116 من طريق عبدالله بن الزبير عن أبيه قال:

كتب أهل مصر بالسقيا ( 1 ) أو بذي خشب ( 2 ) إلى عثمان بكتاب فجاء به رجل منهم، حتى دخل به عليه فلم يرد عليه شيئا فأمر به فأخرج من الدار، وكان فيما كتبوا اليه:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فاعلم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فاالله الله ثم الله الله، فإنك على دنيا فاستتم إليها معها آخرة، ولا تلبس ( 3 ) نصيبك من الآخرة فلا تسوغ لك الدنيا، واعلم أناوالله لله نغضب وفي الله نرضي، وإنا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتى تأتينا منك توبة مصر أو ضلالة مجلحة مبلجة، فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك والله عذيرنا منك. والسلام.

 

عهد الخليفة على نفسه

أن يعمل بالكتاب والسنة وذلك في سنة 35 ه‍ـ

 

أخرج البلاذري من رواية أبي مخنف في الانساب 5: 62: ان المصريين وردوا المدينة فأحاطواو غيرهم بدار عثمان في المرة الاولى " إلى أن قال ": وأتى المغيرة بن شعبة فقال له: دعني آت القوم فأنظر ما يريدون، فمضى نحوهم فلما دنا منهم صاحوا به: يا أعور وراء‌ك، يا فاجر وراء‌ك، يافاسق وراء‌ك. فرجع، ودعا عثمان عمرو بن العاص فقال له: ائت القوم فادعهم إلى كتاب الله والعتبى مما ساء‌هم. فلما دنا منهم سلم فقالوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) من أسافل أودية تهامة.

( 2 ) واد على مسيرة ليلة من المدينة كما مر.

( 3 ) كذا ولعله: لا تنس نصيبك، أخذا من القرآن الكريم.

 

 

 /  ص 171 /

 

لا سلم الله عليك، ارجع يا عدوالله راجع ياابن النابغة فلست عندنا بأمين ولامأمون فقال له ابن عمر وغيره: ليس لهم إلا علي بن أبي طالب فلما أتاه قال: يا أبا الحسن ائت هؤلاء القوم فادعهم إلى كتاب الله وسنة نبيه. قال: نعم إن أعطيتني عهدالله وميثاقه على إنك تفي لهم بكل ما أضمنه عنك، قال: نعم. فأخذ علي عليه عهد الله وميثاقه على أوكد ما يكون وأغلظ وخرج إلى القوم فقالوا: وراء‌ك، قال: لا، بل أمامي، تعطون كتاب الله وتعتبون من كل ما سخطتم، فعرض عليهم ما بذل عثمان، فقالوا: أتضمن ذلك عنه قال: نعم، قالوا: رضينا. وأقبل وجوههم وأشرافهم مع علي حتى دخلوا على عثمان و عاتبوه فأعتبهم من كل شئ فقالوا: اكتب بهذا كتابا فكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من عبدالله عثمان أميرالمؤمنين لمن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين ان لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، يعطى المحروم، ويؤمن الخائف، ويرد المنفي، ولا تجمر ( 1 ) البعوث، ويوفر الفئ، وعلي بن أبي طالب ضمين المؤمنين والمسلمين على عثمان بالوفاء في هذا الكتاب.

شهد الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيدالله وسعد بن مالك بن أبي وقاص، و عبدالله بن عمرو، وزيد بن ثابت، وسهل بن خنيف، وأبوأيوب خالد بن زيد.

وكتب في ذي العقدة سنة خمس وثلاثين. فأخذ كل قوم كتابا فانصرفوا.

وقال علي بن أبي طالب لعثمان: أخرج فتكلم كلاما يسمعه الناس ويحملونه عنك وأشهد الله ما في قلبك، فان البلاد قد تمخضت عليك، ولا تأمن أن يأتي ركب آخر من الكوفة أو من البصرة أو من مصر فتقول: يا علي اركب إليهم. فإن لم أفعل قلت: قطع رحمي، واستخف بحقي، فخرج عثمان فخطب الناس فأقر بما فعل واستغفر الله منه، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من زل فلينب. فأنا أول من اتعظ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليردوني برأيهم، فوالله لو ردني إلى الحق عبد لا تبعته وما عن الله مذهب إلا اليه، فسر الناس بخطبته واجتمعوا إلى بابه مبتهجين بما كان منه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تجمر الجيش: تحبس في ارض العدو ولم يقفل.

 

 

 /  ص 172 /

 

فخرج إليهم مروان فزبرهم وقال: شاهت وجوهكم ما اجتماعكم أميرالمؤمنين مشغول عنكم، فان احتاج إلى أحد منكم فسيدعوه فانصرفوا، وبلغ عليا الخبر فأتى عثمان و هومغضب فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بافساد دينك، وخديعتك عن عقلك وإني لاراه سيوردك ثم لايصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك وقالت له امرأته نائلة بنت الفرافضة: قد سمعت قول علي بن أبي طالب في مروان وقد أخبرك انه غير عائد إليك، وقد أطعت مروان ولا قدر له عندالناس ولا هيبة، فبعث إلى علي فلم يأته.

وأخرج ابن سعد من طريق أبي عون قال: سمعت عبدالرحمن بن الاسود بن عبد يغوث ذكر مروان فقال: قبحه الله خرج عثمان على الناس فأعطاهم الرضى وبكى على المنبر حتى استهلت دموعه، فلم يزل مروان يفتله في الذروة والغارب ( 1 ) حتى لفته عن رأيه، قال: وجئت إلي علي فأجده بين القبر والمنبر ومعه عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولون: صنع مروان بالناس ؟ قلت: نعم ( 2 )

 

صورة أخرى من توبة الخليفة

أخرج الطبري من طريق على بن عمر بن أبيه قال: إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما يسمعه الناس منك، ويشهدون عليه ويشهدالله على ما في قلبك من النزوع والانابة، فان البلاد قد تمخضت عليك فلا آمن ركبا آخرين يقدمون من الكوفة فتقول: يا علي إركب إليهم. ولا أقدر أن أركب إليهم ولا أسمع عذرا يقدم ركب آخرون من البصرة فتقول: يا علي إركب إليهم. فإن لم أفعل أيتني قد قعطت رحمك واستخففت بحقك. قال: فخرج عثمان وخطب الخطبة التي نزع فيها و أعطى الناس من نفسه التوبة فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

أما بعد: أيها الناس فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه، ولكني منتني نفسي وكذبتني، وضل عني رشدي، ولقد سمعت رسول

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لم يزل يفتل في الذروة والغارب. مثل في المخادعة. اى يدور من وراء خديعته.

( 2 ) واخرج الطبرى حديث ابن عون هذا وتبعه ابن الاثير وسيوافيك لفظه، واوعز اليه الدميرى في حياة الحيوان 1: 53.

 

 

 /  ص173 /

 

الله صلى الله عليه وسلم يقول: من زل فليتب ( 1 ) ومن أخطأ فليتب ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق، فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله عما فعلت، و أتوب إليه، فمثلي نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم، فوالله لئن ردني إلى الحق عبد لاستنن بسنة العبد، ولاذلن ذل العبد، ولاكونن كالمرقوق إن ملك مصر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلى إليه، فلا يعجزن عنكم خياركم أن يدنوا إلي، لئن أبت يميني لتتابعني شمالي قال: فرق الناس له يومئذ وبكى من بكى منهم وقام إليه سعيد بن يزيد فقال: يا أمير المؤمنين ليس بواصل لك من ليس معك، الله الله في نفسك، فاتمم على ما قلت

فلما نزل عثمان وجدفي منزله مروان وسعيدا ( 2 ) ونفرا من بني أمية ولم يكونوا شهدوا الخطبة فلما جلس قال مروان: يا أميرالمؤمنين ! أتكلم أم أصمت فقالت نائلة ابنه الفرافصة امرأة عثمان الكلبية: لابل اصمت فانهم والله قاتلوه ومؤتموه، انه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان فقال: ما أنت وذاك فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ. فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء تخبر عن أبي وهو غائب تكذب عليه، وأن أباك لا يستطيع أن يدفع عنه، أما والله لولا أنه عمه و وانه يناله غمه أخبرتك عنه ما لن أكذب عليه. قال: فأعرض عنها مروان ثم قال: يا أميرالمؤمنين أتكلم أم أصمت ؟ قال: بل تكلم. فقال مروان: بأبي أنت وأمي والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع فكنت أول من رضي بها وأعان عليها لكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين، وخلف السيل الزبى، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لاقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوف عليها، وإنك إن شئت تقربت بالتوبة ولم تقرر بالخطيئة وقد اجتمع اليك على الباب مثل

الجبال من الناس. فقال عثمان: فاخرج إليهم فكلمهم فإني أستحي أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا فقال: ما شأنكم قد اجتمعتم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه، كل إنسان آخذ باذن صاحبه إلا من أريد ( 3 ) جئتم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا في تاريخ الطبرى والصحيح ما مر في رواية البلاذرى: من زل فلينب.

( 2 ) هو سعيد بن العاص.

( 3 ) كذا في تاريخ الطبرى وفي الكامل: شاهت الوجوه إلى من اريد.

 

 

 /  ص174 /

 

تريدون أن تنزعوا ملكنا من إيدينا أخرجواعنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم منا أمر لا يسر كم ولا تحمدوا غب رأيكم، ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا، قال: فرجع الناس وخرج بعضهم حتى أتا عليا فأخبره الخبر فجاء علي عليه السلام مغضبا حتى دخل على عثمان فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحر فك ( 1 ) عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به والله ما مروان بذي رأي في دينه، ولا نفسه، وأيم الله اني لاراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك فلما خرج علي دخلت عليه نائلة ابنة الفرافضة امرأته فقالت: أتكلم أو أسكت فقال: تكلمي. فقالت: قد سمعت قول علي لك وانه ليس يعاودك ؟ وقد أطعت مروان يقودك حيت شاء قال: فما أصنع ؟ قالت: تتقي الله وحده لا شريك له وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عندالناس قدر ولا هيبة ولا محبة، وإنما تركك الناس لمكان مروان، فأرسل إلى علي فاستصلحه فإن له قرابة منك وهو لا يعصى. قال: فأرسل عثمان إلى علي فأبي أن يأتيه، وقال: قد أعلمته: أني لست بعائد. فبلغ مروان مقالة نائلة فيه فجاء إلى عثمان فجلس بين يديه فقال: أتكلم أو أسكت ؟ فقال: تكلم. فقال: إن بنت الفرافصة. فقال عثمان: لا تذكرنها بحرف فأسوء لك وجهك فهي والله أنصح لي منك. فكف مروان ( 2 )

 

 صورة اخرى من التوبة

 

من طريق أبي عون قال: سمعت عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث يذكر مروان بن الحكم قال: قبح الله مروان، خرج عثمان  إلى الناس فأعطاهم الرضا وبكى على المنبر وبكى الناس حتى نظرت إلى لحية عثمان مخضلة من الدموع وهويقول: أللهم إني أتوب اليك، أللهم إني أتوب اليك، أللهم إني أتوب اليك، والله لئن ردني الحق إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) في لفظ البلاذرى: الا بافساد دينك، وخديعتك عن عقلك. وفى لفظ ابن كثير: الا بتحويلك عن دينك وعقلك، وان مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به.

( 2 ) الانساب للبلاذرى 5: 64، 65، تاريخ الطبرى 5: 11، الكامل لابن الاثير 3:68، تاريخ ابن كثير 7: 172، شرح ابن ابى الحديد 1: 163، 164، تاريخ ابن خلدون 2:

396، 397.

 

 

 /  ص 175 /

 

أن أكون عبدا قنا لارضين به، إذا دخلت منزلي فادخلوا علي، فوالله لا أحتجب منكم ولاعطينكم ولازيدنكم على الرضا، ولانحين مروان وذويه

قال: فلما دخل أمر بالباب ففتح ودخل بيته ودخل عليه مروان فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتى فتله عن رأيه وأزاله عما كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيام ماخرج استحياء من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: شاهت الوجوه إلا من أريد ارجعوا إلى منازلكم، فإن يكن لاميرالمؤمنين حاجة بأحد منكم يرسل إليه وإلاقر في بيته. قال عبدالرحمن: فجئت إلى علي فأجده بين القبر والمنبر وأجد عنده عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر وهما يقولان: صنع مروان بالناس وصنع، قال: فأقبل علي علي فقال: أحضرت خطبة عثمان قلت: نعم. قال: أفحضرت مقالة مروان للناس قلت نعم. قال علي: عياذالله يا للمسلمين، إني إن قعدت في بيتي قال لي: تركتني وقرابتي وحقي، وإني إن تكلمت فجاء ما يريد يلعب به مروان فصار سيقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السن وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال عبدالرحمن بن الاسود: فلم يزل حتى جاء رسول عثمان إئتني فقال علي بصوت

مرتفع عال مغضب: قل له: ما أنا بداخل عليك ولا عائد. قال: فانصرف الرسول فلقيت عثمان بعد ذلك بليلتين جائيا فسألت ناتلا غلامه من أين جاء أميرالمؤمنين ؟ فقال: كان عند علي، فقال عبدالرحمن بن الاسود: فغدوت فجلست مع علي عليه السلام فقال لي: جاء‌ني عثمان بارحة فجعل يقول: إني غير عائد وإني فاعل، قال: فقلت له. بعد ما تكلمت به على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطيت من نفسك، ثم دخلت بيتك، وخرج مروان إلى الناس فشتمهم على بابك ويؤذيهم قال: فرجع وهو يقول: قطعت رحمي وخذلني و جرأت الناس علي فقلت: والله إني لاذب الناس عنك، ولكني كلما جئتك بهنة أظنها لك رضى جاء بأخرى فسمعت قول مروان علي واستدخلت مروان. قال: ثم انصرف إلى بيته فلم أزل أرى عليا منكبا عنه لا يفعل ما كان يفعل ( 1 )

 

عهد آخر بعد حنث الاول

 

أخرج الطبري من طريق عبدالله بن الزبير عن أبيه قال: كتب أهل المدينة إلى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 112، الكامل لابن الاثير 3: 96.

 

 

 /  ص 176 /

 

عثمان يدعونه إلى التوبة، ويحتجون ويقسمون له بالله لا يمسكون عنه أبدا حتى يقتلوه أو يعطيهم ما يلزمه من حق الله، فلما خاف القتل شاور نصحاء‌ه وأهل بيته فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم فما المخرج ؟ فأشاروا عليه أن يرسل إلى علي بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردهم عنه ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتى يأتيه أمداده فقال: إن القوم لن يقبلوا التعليل وهي محملي عهدا وقد كان مني في قدمتهم الاولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به. فقال مروان بن الحكم: يا أميرالمؤمين مقاربتهم حتى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فاعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، فانما هم بغوا عليك فلا عهد لهم، فأرسل إلى علي فدعاه فلما جاء‌ه قال: يا أبا حسن إنه قد كان من الناس ما قد رأيت وكان مني ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي، فأرددهم عني، فإن لهم الله عزوجل أن أعتبهم من كل ما يكرهون، وأن أعطيهم الحق من نفسي ومن غيري وإن كان في ذلك سفك دمي، فقال له علي: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإني لارى قوما لا يرضون إلا بالرضا وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من الله لترجعن عن جميع ما نقموا فرددتهم عنك، ثم لم تف لهم بشئ من ذلك فلا تغرني هذه المرة من شئ، فاني معطيهم عليك الحق. قال: نعم فاعطهم فوالله لافين لهم. فخرج علي إلى الناس فقال: أيها الناس إنكم إنما طلبتم الحق فقد اعطيتموه إن عثمان قد زعم انه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكدوا عليه. قال الناس: قد قبلنا فاستوثق منه لنا فإنا والله لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم علي: ذلك لكم. ثم دخل عليه فأخبره الخبر، فقال عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي في مهلة، فانى لا أقدر على رد ما كرهوا في يوم واحد، قال له علي: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك، قال: نعم، ولكن أجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام. قال علي: نعم. فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجله فيه ثلاثا على أن يرد كل مظلمة، ويعزل كل عامل كرهوه، ثم أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذالله على أحد من خلقه من عهد وميثاق وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والانصار، فكف المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فعجل يتأهب للقتال ويستعد بالسلاح، وقد كان اتخذ

 

 

 /  ص 177 /

 

 جندا عظيما من رقيق الخمس، فلما مضت الايام الثلاثة وهو على حاله لم يغير شيئا مما كرهوه، ولم يعزل عاملا، ثار به الناس، وخرج عمرو بن حزم الانصاري حتى أتى المصريين وهم بذي خشب فأخبرهم الخبر وسار معهم حتى قدموا المدينة فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على انك زعمت انك تائب من أحداثك، وراجع عما كرهنا منك وأعطيتنا على ذلك عهدالله وميثاقه ؟ قال: بلى، أنا على ذلك. قال: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك ؟ الحديث(1).

 

سياسة ضئيلة:

لما تكلم علي مع المصريين ورجعهم إلى بلادهم ورجع هو إلى المدينة دخل على عثمان وأخبره انهم قد رجعوا فمكث عثمان ذلك اليوم حتى إذا كان الغد جاء‌ه مروان فقال له: تكلم وأعلم الناس أن أهل مصر قد رجعوا، وان ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك من لاتستطيع دفعه. فأبي عثمان أن يخرج. فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على المنبر فحمدالله وأثني عليه ثم قال: أما بعد: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم فناداه الناس من كل ناحية: اتق الله ياعثمان ! وتب إلى الله. وكان أولهم عمرو ابن العاصي. قال: إتق الله يا عثمان فانك قد ركبت نهابير وركبناها معك فتب إلى الله

نتب. إلى آخر ما مر في هذا الجزء صفحة 137.

 

قصة الحصار الثاني ( 2 )

أخرج البلاذري من طريق أبي مخنف قال: لما شخص المصريون بعد الكتاب

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 116، الكامل لابن الاثير 3: 71، 72، شرح ابن أبى الحديد 1: 166.

( 2 ) مصادرها: الانساب 5: 26 - 69، 95، الامامة والسياسة 1: 33 - 37، المعارف لابن قتيبة ص 84، العقد الفريد 2: 263، تاريخ الطبرى 5: 119، 120، الرياض النضرة 2: 123، 125، الكامل لابن الاثير 3: 7، 71، شرح ابن أبى الحديد 1: 165، 166، تاريخ ابن خلدون 2: 397، تاريخ ابن كثير 7: 173، 174، 186، 189، حياة الحيوان للدميرى 1: 53، الصواعق ص 69، تاريخ الخلفاء للسيوطى ص 106، 107، السيرة الحلبية 2: 84، 86، 87، تاريخ الخميس 2: 259، وللفظ للبلاذرى والطبرى.

 

 

 /  ص 178 /

 

الذي كتبه عثمان فصاروا بأيلة ( 1 )أو بمنزل قبلها رأوا راكبا خلفهم يريد مصر فقالوا له:

من أنت ؟ فقال: رسول أميرالمؤمنين إلى عبدالله بن سعد، وأنا غلام أميرالمؤمنين. وكان

أسود فقال بعضهم لبعض: لو أنزلناه وفتشناه ألا يكون صاحبه قد كتب فينا بشئ، ففعلوا فلم يجدوا معه شيئا، فقال بعضهم لبعض: خلوا سبيله فقال كنانة بن بشر: أما والله دون أن أنظر في إداوته فلا. فقالوا: سبحان الله أيكون كتاب في ماء ؟ فقال: إن للناس حيلا. ثم حل الاداوة فإذا فيها قارورة مختومة، أو قال: مضمومة، في جوف القارورة كتاب في أنبوب من رصاص فأخرجه فقرى فإذا فيه: أما بعد: فإذا قدم عليك عمرو بن بديل فاضرب عنقه، واقطع يدي ابن عديس و كنانة، وعروة، ثم دعهم يتشحطون في دمائهم حتى يموتوا، ثم أوثقهم على جذوع نخل.

فيقال: إن مروان كتب الكتاب بغير علم عثمان، فلما عرفوا ما في الكتاب، قالوا: عثمان محل، ثم رجعوا عودهم على بدئهم حتى دخلوا المدينة فلقوا عليا بالكتاب وكان خاتمه من رصاص، فدخل به علي على عثمان فحلف بالله ما هو كتابه ولا يعرفه وقال: أما الخط فخط كاتبي، وأما الخاتم فعلى خاتمي، قال علي فمن تتهم ؟ قال: أتهمك وأتهم كاتبي. فخرج علي مغضبا وهويقول: بل هو أمرك. قال أبومخنف: وكان خاتم عثمان بدء عند حمران بن أبان ثم أخذه مروان حين شخص حمران إلى البصرة فكان معه:

وفي لفظ جهيم الفهري قال: أنا حاضر أمر عثمان فذكر كلاما في أمر عمار.

فانصرف القوم راضين ثم وجدوا كتابا إلى عامله على مصر أن يضرب أعناق رؤساء المصريين، فرجعوا ودفعوا الكتاب إلى علي فأتاه به فحلف له أنه لم يكتبه ولم يعلم به فقال له علي: فمن تتهم فيه ؟ فقال: أتهم كاتبي وأتهمك يا علي لانك مطاع عند القوم ولم تردهم عني.

وجاء المصريون إلى دار عثمان فأحدقوا بها وقالوا لعثمان وقد أشرف عليهم: يا عثمان أهذا كتابك فجحد وحلف فقالوا: هذا شر، يكتب عنك بما لا تعلمه، مامثلك

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أيله بالفتح: مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلى الشام. وقيل: هى آخر الحجاز وأول الشام.

 

 

 /  ص 179 /

 

يلي أمور المسلمين، فاختلع من الخلافة. فقال: ما كنت لانزع قميصا قمصنيه الله، أوقال: سربلنيه الله. وقالت بنو أمية: يا علي أفسدت علينا أمرنا ودسست وألبت، فقال: يا سفهاء إنكم لتعلمون انه لا ناقة لي في هذا ولا جمل، وإني رددت أهل مصر عن عثمان ثم أصلحت أمره مرة بعد أخرى. فما حيلتي وانصرف وهو يقول: أللهم إني برئ مما يقولون ومن دمه إن حدث به حدث قال: وكتب عثمان حين حصروه كتابا قرأه ابن الزبير على الناس يقول فيه:

والله ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا علمت بقصته وأنتم معتبون من كل ما ساء‌كم، فأمروا على مصركم من أحببتم، وهذه مفاتيح بيت مالكم فادفعوا إلى من شئتم فقالوا: قد انهمناك بالكتاب فاعتزلنا

وأخرج ابن سعد من طريق جابر بن عبدالله الانصاري قال: إن عثمان وجه إلى المصريين لما أقبلوا يريدونه محمد بن مسلمة في خمسين من الانصار أنا فيهم فأعطاهم الرضى وانصرفوا فلما كانوا ببعض الطريق رأوا جملا عليه ميسم الصدقة فأخذوه فإذا غلام لعثمان ففتشوه فإذا معه قصبة من رصاص في جوف إداوة فيها كتاب إلى عامل مصر: أن افعل بفلان كذا، وبفلان كذا، فرجع القوم إلى المدينة فأرسل إليهم عثمان محمد بن مسلمة فلم يرجعوا وحصروه.

 

صورة أخرى

عن سعيد بن المسيب قال: إن عثمان لما ولي كره ولايته نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لان عثمان كان يحب قومه، فولي الناس اثنتى عشرة سنة، وكان كثيرا ما يولي بني أمية ممن لم يكن له من رسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة، وكان يجيئ من أمرائه ما يكره أصحاب محمد، فكان يستعتب فيهم فلا يعزلهم، فلما كان في الحجج الآخرة استأثر ببني عمه فولاهم وولى عبدالله بن سعد بن أبي سرح مصر، فمكث عليها سنين فجاء أهل مصر يشكونه ويتظلمون منه، وقد كانت من عثمان قبل هنات إلى عبدالله ابن مسعود وأبي ذر عمار بن ياسر، فكان في قلوب هذيل وبني زهرة وبني غفار و أحلافها من غضب لابي ذر ما فيها، وحنقت بنو مخزوم لحال عمار بن ياسر، فلما جاء أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، كتب إليه كتاب يتهدده فيه، فأبى أن ينزع عما نهاه

 

 

 /  ص 180 /

 

عثمان عنه وضرب بعض من شكاه إلى عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مائة رجل إلى المدينة فنزلوا المسجد وشكوا ما صنع بهم ابن أبي سرح في مواقيت الصلاة إلى أصحاب محمد، فقام طلحة إلى عثمان فكلمه بكلام شديد، وأرسلت إليه عائشة رضي الله عنها تسأله أن ينصفهم من عامله، ودخل عليه علي بن أبي طالب وكان متكلم القوم فقال له: إنما يسألك القوم رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما فاعزله واقض بينهم، فإن وجب عليه حق فانصفهم منه. فقال لهم: اختاروا رجلا أوليه عليكم مكانه. فأشار الناس عليهم بمحمد بن أبي بكرالصديق فقالوا:

استعمل علينا محمد بن أبي بكر. فكتب عهده وولاه ووجه معهم عدة من المهاجرين والانصار ينظرون فيما بينهم وبين ابن أبي سرح، فشخص محمد بن أبي بكر وشخصوا جميعا فلما كانوا على مسيرة ثلاث من المدينة إذا هم بغلام أسود على بعير وهو يخبط البعير خبطا كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد بن أبي بكر: ما قصتك ؟ وماشأنك ؟ كأنك هارب أو طالب. فقال لهم مرة: أنا غلام أمير المؤمنين، وقال أخرى: أنا غلام مروان، وجهني إلى عامل مصر برسالة، قالوا: فمعك كتاب ؟ قال: لا. ففتشوه، فلم يجدوا معه شيئا وكانت معه إداوة قد يبست فيها شئ يتقلقل فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا الاداوة فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ابن أبي سرح.

فجمع محمد من كان معه المهاجرين والانصار وغيرهم ثم الكتاب بمحضر منهم فإذا فيه: إذا أتاك محمد بن أبي بكر وفلان وفلان فاحتل لقتلهم وأبطل كتاب محمد وقر على عملك حتى يأتيك رأيي، واحبس من يجئ إلى متظلما منك إن شاء‌الله، فلما قرأوا الكتاب فزعوا وغضبوا ورجعوا إلى المدينة وختم محمد بن أبي بكر الكتاب بخواتيم نفر ممن كان معه، ودفعه إلى رجل منهم وقدموا المدينة، فجمعوا عليا وطلحة والزبير وسعدا ومن كان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم و أخبروهم بقصة الغلام وأقرأوهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وزاد ذلك من كان غضب لابن مسعود وعمار بن ياسر وأبي ذر حنقا وغيظا، وقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمنازلهم ما منهم أحد إلا وهو مغتم لما في الكتاب.

وحاصر الناس عثمان وأجلب عليه محمد بن أبي بكر ببني تيم وغيرهم، وأعانه على

 

 

 /  ص 181 /

 

 ذلك طلحة بن عبيدالله، وكانت عائشة تقرصه كثيرا، ودخل علي وطلحة والزبير وسعد وعمار في نفر من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم بدري على عثمان ومع علي الكتاب والغلام والبعير فقال له علي: هذا الغلام غلامك ؟ قال: نعم، قال: والبعير وبعيرك ؟ قال: نعم. قال: وأنت كتبت هذا الكتاب ؟ قال: لا، وحلف بالله: ما كتبت هذ الكتاب ولا أمرت به ولا علمت شأنه فقال له علي: أفالخاتم خاتمك ؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ببعيرك بكتاب عليه خاتمك ولا تعلم به ؟ فحلف بالله: ما كتبت الكتاب ولا أمرت به ولا جهت هذا الغلام إلى مصر قط. وعرفوا أن الخط خط مروان فسألوه أن يدفع إليهم مروان فأبى، وكان مروان عنده في الدار، فخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من عنده غضابا وعلموا أنه لا يحلف بباطل إلا أن قوما قالوا: لن يبرأ عثمان في قلوبنا إلا أن يدفع الينا مروان حتى نبحثه عن الامر ونعرف حال الكتاب، وكيف يؤمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله بغير حق ؟ فإن يكن عثمان كتبه عزلناه، وإن يكن مروان كتبه عن لسان عثمان نظرنا ما يكون منا في أمر مروان، فلزموا بيوتهم فأبى عثمان أن يخرج مروان.

فحاصر الناس عثمان ومنعوه الماء فأشرف على الناس فقال: أفيكم علي ؟ فقالوا: لا. قال: أفيكم سعد ؟ فقالوا: لا. فسكت، ثم قال ألا أحد يبلغ عليا فيسقينا ماء ؟ فبلغ ذلك عليا فبعث إليه بثلاث قرب مملوء‌ة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية حتى وصلت.

 

لفظ الواقدى

من طريق محمد بن مسلمة وقد أسلفنا صدره في ص 132، 133، وإليك بقيته:

فوجدنا فيه هذا الكتاب فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد: فإذا قدم عليك عبدالرحمن بن عديس فاجلده مائة، واحلق رأسه ولحيته، واطل حبسه حتى أتيك أمري، وعمرو بن الحمق، فافعل به مثل ذلك، وسودان بن حمران مثل ذلك، وعروة بن البياع الليثي مثل ذلك. قال: فقلت: وما يدريكم ان عثمان كتب بهذا ؟ قالوا: فيقتات مروان على عثمان بهذا فهذا شر، فيخرج نفسه من هذا الامر. ثم قالوا: انطلق معنا إليه فقد كلمنا عليا ووعدنا أن يكلمه إذا صلى الظهر وجئنا سعد بن أبي وقاص فقال: لا أدخل في أمركم، وجئنا سعيد

 

 

 /  ص 182 /

 

 بن زيد بن عمرو فقال مثل هذا، فقال محمد: فأين وعدكم علي ؟ قالوا: وعدنا إذا صلى الظهر أن يدخل عليه. قال محمد: فصليت مع علي، قال: ثم دخلت أنا وعلي عليه فقلنا: إن هؤلاء المصريين بالباب فأذن لهم، قال: ومروان جالس فقال مروان: دعني جلعت فداك أكلمهم. فقال عثمان: فض الله فاك اخرج عني، وماكلامك في هذا الامر فخرج مروان وأقبل علي عليه قال وقد أنهى المصريون إليه مثل الذي انهوا إلي فجعل علي يخبره ما وجدوا في كتابهم، فجعل يقسم بالله ما كتب ولا علم ولا شور فيه

فقال محمد بن مسلمة: والله انه لصادق، ولكن هذا عمل مروان، فقال علي: فادخلهم عليك فليسمعوا عذرك. قال: ثم أقبل عثمان على علي فقال: إن لي قرابة ورحما والله لو كنت في هذه الحلقة لحللتها عنك، فأخرج إليهم فكلمهم فانهم يسمعون منك. قال علي: والله ما أنا بفاعل ولكن أدخلهم حتى تعتذر اليهم. قال: فادخلوا.

قال محمد بن مسلمة: فدخلوا يومئذ فما سلموا عليه بالخلافة فعرفت انه الشر بعينه قالوا: سلام عليكم، فقلنا: وعليكم السلام قال: فتكلم القوم وقد قدموا في كلامهم ابن عديس، فذكر ما صنع ابن سعد بمصر وذكر تحاملا منه على المسلمين وأهل الذمة وذكر استئثارا منه في غنائم المسلمين، فإذا قيل له في ذلك قال: هذا كتاب أميرالمؤمنين إلي، ثم ذكروا أشياء مما أحدث بالمدينة وما خالف به صاحبيه قال: فرحلنا من مصر ونحن لا نريد إلا دمك أو تنزع، فردنا علي ومحمد بن مسلمة و ضمن لنا محمد النزوع عن كل ما تكلمنا منه، ثم أقبلوا على محمد بن مسلمة قالوا: هل قلت ذاك لنا ؟ قال محمد: فقلت: نعم، ثم رجعنا إلى بلادنا نستظهر بالله عزوجل عليك ويكون حجة لنا بعد حجة، حتى إذا كنا بالبويب ( 1 ) أخذنا غلامك فأخذنا كتابك وخاتمك إلى عبدالله بن سعد تأمره فيه بجلد ظهورنا، والمثل بنا في أشعارنا، وطول الحبس لنا، وهذا كتابك، قال: فحمدالله عثمان أثنى عليه ثم قال: والله ما كتبت ولا أمرت ولا شورت ولا علمت قال: فقلت وعلي جميعا: قد صدق. قال: فاستراح إليها عثمان فقال المصريون: فمن كتبه ؟ قال: لا أدري. قال: أفيجترأ عليك فيبعث غلامك وجمل من صدقات المسلمين، وينقش على خاتمك، ويكتب إلى عاملك بهذه الامور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) البويب: مدخل اهل الحجاز بمصر.

 

 

 /  ص 183 /

 

العظام وأنت لا تعلم ؟ قال: نعم، قالوا: فليس مثلك يلي، اخلع نفسك من هذا الامر كما خلعك الله منه قال: لا أنزع قميصا ألبسنيه الله عزوجل. قال: وكثرت الاصوات واللغط فما كنت أظن أنهم يخرجون حتى يواثبوه قال: وقام علي فخرج فلما قام علي قمت وقال المصريون: اخرجوا فخرجوا، ورجعت إلى منزلي ورجع علي إلى منزله فما برحوا محاصرته حتى قتلوه.

وأخرج الطبري من طريق عبدالرحمن بن يسار: أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبوالاعور السلمي ( 1 ) وهو الذي كان يدعو عليه أميرالمؤمنين عليه السلام في قنوته مع اناس كما مر حديثه في ج 2: 32 1 ط 2، وذكره ابن أبي الحديد في شرحه 1: 165.

وأخرج من طريق عثمان بن محمد الاخنسي قال: كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر فقدم أهل مصر يوم الجمعة وقتلوه في الجمعة الاخرى. تاريخ الطبري 5: 132.

 

الخليفة تواب عواد

 

أخرج الطبري من طريق سفيان بن أبي العوجاء قال: قدم المصريون القدمة الاولى فكلم عثمان محمد بن مسلمة فخرج في خمسين راكبا من الانصار فأتوهم بذي خشب فردهم ورجع القوم حتى إذا كانوا بالبويب وجدوا غلاما لعثمان معه كتاب إلى عبدالله بن سعد فكروا وانتهوا إلى المدينة وقد تخلف بها من الناس الاشتر و حكيم بن جبلة فأتوا بالكتاب فأنكر عثمان أن يكون كتبه وقال: هذا مفتعل. قالوا: فالكتاب كتاب كاتبك ؟ قال: أجل، ولكنه كتبه بغير أمري قالوا: فإن الرسول الذي وجدنا معه الكتاب غلامك قال: أجل، ولكنه خرج بغير إذني. قالوا: فالجمل جملك قال: أجل، ولكنه أخذ بغير علمي. قالوا: ما أنت إلا صادق أو كاذب، فإن كنت كاذبا فقد استحققت الخلع لما أمرت به من سفك دمائنا بغير حقها، وإن كنت صادقا فقد استحققت أن تخلع لضعفك وغفلتك وخبث بطانتك، لانه لا ينبغي لنا أن نترك على رقابنا من يقتطع مثل الامر دونه لضعفه وغفلته، وقالوا له: إنك ضربت رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم حين يعظونك ويأمرونك بمراجعة الحق عند ما يستنكرون

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) تاريخ الطبرى 5: 115:

 

 

 /  ص 184 /

 

من أعمالك، فأقد من نفسك من ضربته وأنت له ظالم، فقال: الامام يخطئ ويصيب فلا أقيد من نفسي لاني لو أقدت كل من أصبته بخطأ أتى على نفسي قالوا: إنك قد أحدثت أحداثا عظاما فاستحققت بها الخلع، فإذا كلمت فيها أعطيت التوبة ثم عدت إليها و إلى مثلها ثم قدمنا عليك فأعطيتنا التوبة والرجوع إلى الحق ولا منا فيك محمد بن مسلمة، وضمن لنا ما حدث من أمر، فأخفرته فتبرأ منك وقال: لا أدخل في أمره، فرجعنا أول مرة لنقطع حجتك ونبلغ أقصى الاعذار إليك نستظهر بالله عزوجل عليك فلحقنا كتاب منك إلى عاملك علينا تأمره فينا بالقتل والقطع والصلب وزعمت انه كتب بغير علمك وهو مع غلامك وعلى جملك وبخط كاتبك عليه وخاتمك فقدوقعت عليك بذلك التهمة القبيحة، مع ما بلونا منك قبل ذلك من الجور في الحكم، والاثرة في القسم، والعقوبة للامر بالتبسط من الناس، والاظهار للتوبة ثم الرجوع إلى الخطيئة

ولقد رجعنا عنك وما كان لنا أن نرجع حتى نجعلك ونستبدل بك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يحدث مثل ما جربنا منك، ولم يقع عليه من التهمة ما وقع عليك فاردد خلافتنا واعتزل أمرنا، فإن ذلك أسلم لنا منك، فقال عثمان: فرغتم من جميع ما تريدون قالوا: نعم، قال:

 ألحمد لله وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلاالله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد: فإنكم لم تعدلوا في المنطق ولم تنصفوا في القضاء أما قولكم: تخلع نفسك. فلا أنزع قميصا قمصنيه الله عزوجل وأكرمني به وخصني به على غيري ولكني أتوب وأنزع ولا أعود لشئ عابه المسلمون، فإني والله الفقير إلى الله الخائف منه.

قالوا: إن هذا لو كان أول حدث أحدثته ثم تبت منه ولم نقم عليه لكان علينا أن نقبل منك، وأن ننصرف عنك ولكنه: قد كان منك من الاحداث قبل هذا ما قد علمت ولقد انصرفنا عنك في المرة الاولى وما نخشى أن تكتب فينا ولامن اعتللت به بما وجدنا في كتابك مع غلامك، وكيف نقبل توبتك وقد بلونا منك انك لاتعطى من نفسك التوبة من ذنب إلا عدت اليه، فلسنا منصرفين حتى نعزلك ونستبدل بك، فإن حال من معك

 

 

 /  ص 185 /

 

من قومك وذوي رحمك وأهل الانقطاع إليك دونك بقتال قاتلناهم حتى نخلص إليك فنقتلك، أو تلحق أرواحنا بالله.

فقال عثمان: أما أن أتبرأ من الامارة فان تصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من أمر الله عزوجل وخلافته وأما قولكم: تقاتلون من قاتل دوني. فإني لا آمر أحدا بقتالكم ( 1 ) فمن قاتل دوني فانما قتل بغير أمري، ولعمري لو كنت أريد قتالكم لقد كنت كتبت إلى الاجناد ( 2 ) فقادوا الجنود وبعثوا الرجال أو لحقت ببعض أطرافي بمصر أو عراق، فالله الله في أنفسكم فابقوا عليها إن لم تبقوا علي: فإنكم مجتلبون بهذا الامر إن قتلتموني دما. قال: ثم انصرفوا عنه وآذنوه بالحرب وأرسل إلى محمد بن مسلمة فكلمه أن يردهم فقال: والله لا أكذب الله في سنة مرتين. تاريخ الطبري 5: 120، 121.

 

نظرة في أحاديث الحصارين

 

الأول: ما يقع عليه النظر من هذه الاحاديث المجهزين على عثمان هم المهاجرون والانصار من الصحابة ولم يشذ عنهم إلا أربعة أسلفنا ذكر في صفحة 195 وهم الذين أصفقوا مع أهل مصر والكوفة والبصرة على مقت الخليفة وقتله بعد أن أعيتهم الحيل وأعوزهم السعي في استتابته، وإكفائه من الاحداث، ونزوعه عما هو عليه من الجرائم وإن في المقبلين من تلكم البلاد من عظماء الصحابة، ومن رجال الفضيلة والفقه والتقى من التابعين جماعات لا يستهان بعدتهم، ولا يغمز في دينهم، وهم رؤساء هاتيك الجماهير والمؤلبين لهم على عثمان، (فمن الكوفيين):

1 ـ زيد الخير، له إدراك أثنى عليه النبي الاعظم، وانه من الخيار الابرار.

2 ـ مالك بن الحارث الاشتر، له إدراك، أو قفناك على عظمته وفضله وموقفه من الايمان، ومبلغه من الثقة والصلاح.

3 ـ كعب بن عبدة النهدي، وقد سمعت عن البلاذري انه كان ناسكا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لم يكن معه هناك غير بنى أبيه حتى يامر أحدا بالقتال وهم ليسوا هناك وقد تحصنوا يوم قتله بكندوج ام حبيبة كما يأتيك حديثه.

( 2 ) كان يتأهب للقتال، ويستعد بالسلاح، ويكتب إلى الاجناد، ويجلب إلى المدينة الجنود

المجندة من الشام، وغيرها، غير انه كان يغفل الناس بكلماته هذه وسنوافيك كتبه.

 

 

 /  ص 186 /

 

4 ـ زياد بن النضر الحارثي، له إدراك.

5 ـ عمر وبن الاهتم، صحابي خطيب بليغ شريف في قومه، ترجمه ابن عبد البرفي " الاستيعاب "، وابن الاثير في " اسد الغابة " وابن حجر في " الاصابة ".

(وفي المصريين)

6 ـ عمرو بن الحمق الخزاعي، صحب النبي وحفظ عنه أحاديث، وحظي بدعائه صلى الله عليه وآله وسلم له كمامر تفصيله ص 45.

7 ـ عمرو بن بديل الخزاعي، صحابي عادل مترجم في معاجم الصحابة.

8 ـ عبدالله بن بديل الخزاعي: قال أبوعمر: كان سيد خزاعة وخزاعة عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد حنينا والطائف وتبوك، وكان له قدر وجلالة، وكان من وجوه الصحابة راجع الاستيعاب، وأسد الغابة، والاصابة.

9 ـ عبدالرحمن بن عديس أبومحمد البلوي، صحب النبي وسمع منه، وكان ممن بايع تحت الشجرة من الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

10 ـ محمد بن أبي بكر، وحسبك فيه ما في الاستيعاب والاصابة من أن عليا " أميرالمؤمنين " كان يثني عليه ويفضله وكانت له عبادة واجتهاد، وكان من أفضل أهل زمانه.

(ورئيس البصريين)

11 ـ حكيم بن جبلة العبدي، قال أبوعمر في " الاستيعاب ": أدرك النبي صلى الله عليه وآله

وكان رجلا صالحا له دين مطاعا في قومه. وقال المسعودي في المروج 2: 7: كان من سادات عبدالقيس وزهادها ونساكها. وأثنى عليه مولانا أميرالمومنين بقوله كما في الكامل 3: 96:

دعا حكيم دعوة سميعــــــه * نال بـــها المنزلـــــة الرفيعه

يالهف ما نفسي على ربيعه * ربيــــعة السامــــعة المــطيعه

قد سبقتني فيهـــــم الوقيعة

وإن ما جرى في غضون تلكم المعامع، وتضاعيف ذلك الحوار من أخذ ورد وهتاف وقول، كلها تنم عن صلاح القوم وتقواهم، وإنهم لم يغضبوا إلا لله، ولا دعوا

 

 

 /  ص 187 /

 

إلا إلى أمره، ولا نهضوا إلا لاقامة الامت والعوج، وتقويم دين الله وتنزيهه عن المعرات والاحداث، ولم يجلبهم إلى ذلك الموقف مطمع في إمارة، أو نزع إلى حكم أو هوى في مال، ولذلك كان يرضيهم كلما يبديه الخليفة من النزول على رغباتهم، والنزوع عن أحداثه، والانابة إلى الله مما نقموا به عليه، غير انه كان يثيرهم في الآونة بعد الاخرى ما كانوا يشاهدونه من المقام على الهنات، ونقض العهد مرة بعد مرة حتى إذا اطمأنوا إلى أن الرجل غير منكفئ عما كان يقترفه، ولامطمئن عما كان يفعله، فاطمأنوا إلى بقاء التكليف عليهم بالوثوب، فوقفوا لازالة ما رأوه منكرا ذلك الموقف الشديد حتى قضى من الامر ما كان مقدورا ولو كان للقوم غاية غيرما وصفناه لما أثنى مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام على المصريين منهم بقوله من كتاب كتبه إلى أهل مصر: إلى القوم الذين غضبوا لله حين عصي في أرضه، وذهب بحقه، إلى آخر ما مر في صفحة 74، ولما كانوا مذكورين في المعاجم والكتب بالثناء الجميل عليهم بعد تلكم المواقف المشهودة، ولو صدر عن أي أحد أقل مما صدر من اولئك الثائرين على عثمان في حق فرد من أفراد المسلمين فضلا عن الخليفة لعد جناية لا تغفر، وذنبا لا يبرر، وسقط صاحبه إلى هوة الضعة، ولا تبقى له بعد حرمة ولاكرامة، وغير أن...

الثاني: من مواقع النظر في الاحاديث المذكورة: ان الخليفة كانت عنده جرائم يستنكرها المسلمون وينكرونها عليه وهو يعترف بها فيتوب عنها، ثم يروغ عن التوبة فيعود إليها، ولا أدري انه في أي الحالين أصدق ؟ أحين اعترف بالاحداث فتاب ؟ أم حين عبث به مروان فرقى المنبر وقال: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا انه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم

الثالث: أنه أعطى العهود والمواثيق المؤكدة على النزوع عما كان يرتكبه مما ينقمونه عليه وسجل ذلك في صكوك يبثها في البلاد بأيدي الناهضين عليه، إذ كان على علم بأن البلاد قد تمخضت علبه كما مر في كلام لمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام، ثم لم يلبث حتى نكثها بعد ما ضمن له بالعمل على ذلك الضمان مثل مولانا أميرالمؤمنين ومحمد ابن مسلمة ذلك الصحابي العظيم، وقد شهدت ذلك الضمان أمة كبيرة من الصحابة،

 

 

 /  ص 188 /

 فكأنه ما كان يرى للعهد لزوما، ولا للضمان حرمة، ولا للضامنين مكانة، ولا لنكث العهد معرة، ولعله كان يجد مبررا لتلكم الفجايع أو الفصايح، وعلى أي فالمسلمون " ويقدمهم الصحابة العدول " لم يرقهم ذلك المبرر ولا اعترفوا به، فمضوا إلى ما فعلوه قدما غير متحوبين ولا متأثمين.

الرابع: إن التزامه في كتاب عهده في الحصار الاول بالعمل بالكتاب والسنة وهو في حيز النزوع عما كان يرتكبه قبل ذلك، وقد أعتب بذلك المتجمهرين عليه المنكرين على أحداثه المنحازة عنهما، يرشدنا إلى انه كان في أعماله قبل ذلك الالتزام محيد عن الكتاب والسنة، وحسب أي إنسان من الضعة أن تكون أعماله منتئية عنهما الخامس: إن الطريد بن الطريد، أو قل عن لسان النبي الامين ( 1 ): الوزغ ابن الوزع، اللعين ابن اللعين، مروان بن الحكم كان يؤثر في نفسيات الخليفة حتى يحوله " كما قال مولانا أميرالمؤمنين ( 2 ) " عن دينه وعقله، ويجعله مثل الظعينة يقاد حيث يسار به فلم يزل به حتى أربكه عند منتقض العهود ومنتكث المواثيق، فأورده مورد الهكة، وعجيب من الخليفة أن يتأثر بتسويلات الرجل وهو يعلم محله من الدين وموقفه من الايمان، ومبوأه من الصدق والامانة، وهويعلم أنه هو وزبانيته هم الذين جروا عليه الويلات وأركبوه النهابير، وأنهم سيوردونه ثم لا يصدرونه، يعلم ذلك كله وهو بين الناب والمخلب وفي منصرم الحياة، ومع ذلك كله لا يزال مقيماعلى هاتيك الوساوس المروانية، فيا للعجب.

وأعجب من ذلك انه مع هذا التأثر يتخذ نصح الناصحين له كمولانا أميرالمؤمنين عليه السلام وكثير من الصحابة العدول باعتاب الناس ورفض تمويهات مروان الموبقة له ظهريا فلا يعير لهم بعد تمام الحجة وقطع سبل المعاذير أذنا واعية، وهو يعلم أنهم لا يعدون الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدعونه إلى ما فيه نجاته ونجاح الامة.

(لفت نظر ) * وقع في عد أيام حصارعثمان خلاف بين المورخين فقال الواقدي:

حاصروه تسعة وأربعين يوما. وقال الزبير: حاصروه شهرين وعشرين يوما. وفي رواية:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) راجع ما مر في الجزء الثامن ص 260 ط 2.

( 2 ) راجع ما مضى في هذا الجزء صفحة 174.

 

 

 /  ص 189 /

 

انهم حصروه أربعين ليلة. وقال ابن كثير: استمر الحصر أكثر من شهر وقيل: بضعا و أربعين. وقال الشعبي: كانت مدته اثنتين وعشرين ليلة. وفي رواية للطبري: كان الحصر. أربعين ليلة والنزول سبعين. وفي بعض الروايات: حصروه عشرين يوما بعد قضية جهجاه المذكورة ص 124 إلى أقوال أخرى، ولعل كل منها ناظر إلى ناحية من مدة أيام الحصارين أو مدة أحدهما، ومن مدة نزول المتجمرين حول داره، و من أيام ضاق عليه الخناق، ومنع من ادخال الماء عليه، وحيل بينه وبين اختلاف الناس إليه، ومن حصار الثائرين عليه من الامصار، ومن إصفاق أهل المدينة معهم على الحصار. إلى تأويلات أخرى يتأتى بها الجمع بين تلكم الاقوال.

 

كتب عثمان ايام الحصار( 1 )

أخرج الطبري في تاريخه من طريق ابن الكلبي قال: إنما رد اهل مصر إلى عثمان بعد انصرافهم عنه أنه أدركهم غلام لعثمان على جمل له بصحيفة إلى أمير مصر أن يقتل بعضهم وأن يصلب بعضهم فلما أتوا عثمان قالوا: هذا غلامك ؟ قال: غلامي إنطلق بغير علمي، قالوا: جملك ؟ قال: أخذه من الدار بغير أمري. قالوا: خاتمك ؟ قال: نقش عليه فقال عبدالرحمن بن عديس التجيبي حين أقبل أهل مصر.

أقبلن من بلبيس والصعيد ( 2 ) * خوصـــــا كأمثــــال القسي عود

مستحـــقبات حلــــق الحــــديــــد * يطلبــــن حـــــق الله فـــي الوليد

وعنــــد عثمــــان وفــــي سعيـد * يـا رب فـــــارجـعنا بمــــا نريــــد

فلما رأى عثمان ما قد نزل به وما قد انبعث عليه من الناس كتب إلى معاوية بن أبي سفيان وهو بالشام:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الامامة والسياسة 2: 32 - 33، الانساب 5: 71، 72، تاريخ الطبرى 5: 105، 115، 116، 119، تاريخ اليعقوبى 2: 152، الكامل لابن الاثير 5. 67، 71، شرح ابن ابى الحديد 1: 165، تاريخ ابن خلدون 2: 394، الفتنة الكبرى ص 226.

( 2 ) بلبيس: بكسر الباء‌ين وسكون اللام مدينة بينها وبين فسطاط مصر عشرة على طريق الشام. الصعيد: بلاد واسعة كثيرة بمصر يقال: انها تسعمائة وسبع خمسون قرية.

 

 

 /  ص 190 /

 

بسم الله الرحمن الرحيم

أمابعد: فإن أهل المدينة قد كفروا وأخلفوا الطاعة ونكثوا البيعة، فابعث إلى من قبلك من مقاتلة اهل الشام على كل صعب وذلول.

فلما جاء معاوية الكتاب تربص به وكره إظهار مخالفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقد علم اجتماعهم، فلما أبطأ أمره على عثمان كتب إلى يزيد بن اسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه عليهم، ويذكر الخلفاء وما أمر الله عزوجل به من طاعتهم ومناصحتهم ووعدهم أن يجندهم جند أو بطانة دون الناس، وذكرهم بلاء‌ه عندهم وصنيعه إليهم، فإن كان عندكم غياث فالعجل العجل فإن القوم معاجلي.

فلما قرئ كتابه عليهم قام يزيد بن اسد بن كرز البجلي ثم القسري فحمدالله و أثنى عليه، ثم ذكر عثمان فعظم حقه، وحضهم على نصره، وأمرهم بالمسير إليه، فتابعه ناس كثيرو وساروا معه حتى إذا كان بوادي القرى ( 1 ) بلغهم قتل عثمان رضي الله عنه فرجعوا.

وأخرج البلاذي من طريق الشعبي قال: كتب عثمان إلى معاوية: أن أمدني، فأمده بأربعة آلاف مع يزيد بن اسد بن كريز البجلي، فلتقاه الناس بمقتل عثمان فرجع من الطريق وقال: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلما إلا قتلته، لان الخاذل والقاتل سواء.

 

كتابه إلى أهل الشام

قال ابن قتيبة: وكتب إلى أهل الشام عامة وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة:

أما بعد: فإني في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا القدر في، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف من الابل الدحيل، وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني، وبين أن اقيدهم ممن قتلت، ومن كان على السلطان يخطئ ويصيب، فياغوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية وأدرك ثم أدرك وما أراك تدرك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) وادى القرى: واد بين المدينة والشام من اعمال المدينة.

 

 

 /  ص 191 /

 

 

كتابه إلى اهل البصرة

وكتب إلى عبدالله بن عامر: أن أندب إلى أهل البصرة نسخة كتابه إلى أهل الشام فجمع عبدالله بن عامر الناس فقرأ كتابه عليهم، فقامت خطباء من أهل البصرة يحضونه على نصر عثمان والمسير إليه فيهم: مجاشع بن مسعود السلمي، وكان أول من تكلم وهو يومئذ سيد قيس بالبصرة، وقام أيضا قيس بن الهيثم السلمي، فخطب وحض الناس على نصر عثمان، فسارع الناس إلى ذلك، فاستعمل عليهم عبدالله بن عامر مجاشع بن مسعود فسار بهم حتى إذا نزل الناس الربذة ونزلت مقدمته عند صرار ناحية من المدينة أتاهم قتل عثمان.

وقال البلاذري: وكتب عثمان إلى عبدالله بن عامربن كريز ومعاوية بن أبي سفيان يعلمهما أن أهل البغي والعدوان من أهل العراق ومصر والمدينة قد أحاطوا بداره فليس يرضيهم بزعمهم شئ دون قتله أو يخلع السربال الذي سربله الله إياه، ويأمرهما بإغاثته برجال ذوي نجدة وبأس ورأي، لعل الله أن يدفع بهم عنه بأس يكيده و يريده، وكان رسوله إلى ابن عامر جبير بن مطعم، وإلى معاوية المسور بن مخرمة الزهري، فأما ابن عامر فوجه إليه مجاشع بن مسعود السلمي في خمس مائة أعطاهم خمس مائة خمس مائة درهم، وكان فيمن ندب مع مجاشع زفر بن الحارث على مائة رجل، وأما معاوية فبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري في ألف فارس، فقدم حبيب أمامه يزيد بن أسد البجلي جد خالد بن عبدالله بن يزيد القسري من بجيلة، وبلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجدا في حصاره وحرصا على معاجلته بالقتل. كتابه

 

كتابه إلى اهل الامصار

أخرج الطبري وغيره وقالوا: كتب عثمان إلى أهل الامصار يستمدهم:

بسم الله الرحمن الرحيم

أما بعد: فإن الله عزوجل بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا، فبلغ عن الله ما أمره به ثم مضى وقد قضى الذي عليه وخلف فينا كتابه فيه حلاله وحرامه، وبيان الامور

 

 

 /  ص 192 /

 

التي قدر فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا، فكان الخليفة أبوبكر رضي الله عنه وعمر رضى الله عنه ثم أدخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملا من الامة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملا منهم ومن الناس على غير طالب مني ولا محبة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلف، فلما انتهت الامور، وانتكث الشر بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام ولا ترة فيما مضى إلا إمضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر، فعابوا علي أشياء مما كانوا يرضون وأشياء عن ملا من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي و كففتها عنهم منذ سنين، وأنا أرى وأسمع، فأزدادوا على الله عزوجل جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الاعراب، فهم كالاحزاب أيام الاحزاب أو من غزانا بأحد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق. فأتى الكتاب أهل الامصار فخرجوا على الصعبة والذلول، فبعث معاوية حبيب ابن مسلمة الفهري، وبعث عبدالله بن سعد معاوية بن خديج السكوني، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو. الحديث.

 

كتابه إلى اهل مكة

ومن حضر الموسم سنة 35

ذكر ابن قتيبة قال: كثب عثمان كتابا بعثه مع نافع طريف إلى أهل مكة و من حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة وابن عباس يخطب وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على الموسم فقام نافع ففتح الكتاب فقرأه فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبدالله عثمان أميرالمؤمنين إلى من حضر الحج من المسلمين. أما بعد: فاني كتبت اليكم كتابي هذا وأنا محصور أشرب من بئر القصور، ولا آكل من الطعام ما يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي فأموت جوعا أنا ومن معي، لا أدعى إلى توبة أقبلها، ولاتسمع مني حجة أقولها، فأنشدالله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم علي فأخذ الحق في ومنعني من الظلم والباطل.

 

 

 /  ص 193 /

 

قال: ثم قام ابن عباس فأتم خطبته ولم يعرض لشئ به شأنه.

قال الاميني: هذا ما يمكننا أن نؤمن به من كتاب عثمان إلى الحضور في الموسم وهناك كتاب مفصل إلى الحاج ينسب إليه يتضمن آيا من الحكم والموعظة الحسنة يطفح عن جوانبه الورع الشديد في دين الله، والاخذ بالكتاب والسنة، والاحتذاء بسيرة الشيخين، يبعد جدا عن نفسيات عثمان وعما عرفته الامة من تاريخ حياته، والكتاب أخرجه الطبري في تاريخه 5: 140 - 143 وراق الدكتور طه حسين ما وجد فيه من المعاني الراقية والجمل الرائقة، والفصول القيمة فذكره في ملحق كتابه " الفتنة الكبرى " ص 227 - 231 ذاهلا عن أن الكتاب لم يرو إلا من طريق ابن أبي سبرة القرشي العامري المدني الوضاع الكذاب السابق ذكره في سلسلة الوضاعين في الجزء الخامس ،

 قال الواقدي: كان كثير الحديث وليس بحجة، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: كان يضع الحديث. قال عبدالله بن أحمد عن أبيه: ليس بشئ كان يضع الحديث ويكذب، وعن ابن معين ليس حديثه بشئ، ضعيف الحديث، وقال ابن المديني: كان ضعيفا في الحديث، وقال مرة: كان منكر الحديث. وقال الجوزجاني: يضعف حديثه وقال البخاري: ضعيف. وقال مرة: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث.

وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ وهو في جملة من يضع الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات لايجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم أبو عبدالله: يروي الموضوعات عن الاثبات ( 1 )

 

نظرة في الكتب المذكورة

لقد تضمنت هذه الكتب أشياء هي كافية في إثارة عواطف المؤمنين على من كتبها ولو لم يكن له سابقة سوء غيرها. منها: قوله عن المهاجرين والانصار وليس في المدينة غيرهم: ان أهل المدينة قد كفروا، واخلفوا الطاعة، ونكثوا البيعة. وقوله: فهم كالاحزاب أيام الاحزاب أو من غزانا بأحد. وهو يريد أصحاب محمد صلى الله عليه وآله , المشهود لهم جمعاء بالعدالة عند قاطبة أهل السنة، ولقد صعدو او صوبوا في إثبات ذلك بما لايزيد عليه عندهم، ولايزالون يحتجون بأقوالهم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع تاريخ الخطيب 14: 367 - 372، تهذيب التهذيب 12: 27.

 

 

 /  ص 194 /

 

وما يؤثر عنهم من قول أو عمل في أحكام الدين، كما يحتجون بما يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من السنة، ثقة بايمانهم، وطمأنينة بعدالتهم، ويرون انهم لا ينبسون ببنت شفة ولا يخطون في أمر الدين خطوة إلا بأثر ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسموع أن منقول: أو مشاهدة عمل منه صلى الله عليه وآله وسلم يطابق ما يرتأونه أو يعملون به، فهل على مؤمن هذا شأنه قذف أثقل عليه من هذا أو تشويه أمس بكرامته من ذلك ولعمر الحق ان من يغض عن مثله فلا يستثيره خلو عن العاطفة الدينية، خلو عن الحماس الاسلامي،

خلو عن الشهامة المبدئية، خلو عن الغيرة على الحق، خلو وخلو. ولذلك اشتدت الصحابة عليه بعد وقوفهم على هذا وأمثاله ثم إنه ليس لاحد طاعة مفترضة على أعناق المسلمين بعد الله ورسوله إلا إمام حق يعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، والمتجمهرون على عثمان وهم الصحابة أجمع كانوا يرون انه تخطاهما، وان ما كان ينوء به من فعل أو قول قد عديا الحق منهما، فأي طاعة واجبة والحال هذه وحسبان القوم كما ذكرناه حتى يؤاخذوا على الخلف والبيعة إنما لزمت إن كان صاحبها باقيا على ما بويع عليه، والقوم إنما بايعوه على متابعة الكتاب والسنة والمضي على سيرة الشيخين، وبطبع الحال انها تنتكث عند نكوص صاحبها عن الشروط، وهو الذي نقمه المسلمون على خليفتهم، فلا موجب لمؤاخذتهم أو منابذتهم، وهاهنا رأى المسلمون أن الرجل زاد ضغثا على أبالة، فهو على أحداثه الممقوتة طفق يستثير الجنود عليهم، ويعرضهم على القتل والنهب، فتداركوا الامر فأوردوه حياض المنية قبل أن يجلب إليهم البلية، وتلافوا الامر قبل أن يمسهم الشر، وما بالهم لا تستثيرهم تلكم القذائف ؟ وهم يرون أنهم هم الذين آووا ونصروا ولم يألوا جهدا في جهاد الكفار حتى ضرب الدين بجرانه، فمن العجيب والحالة هذه أن يشبهوا بالاحزاب والكفرة يوم أحد.

(ومنها ) * تلونه في باب التوبة التي تظاهر بها على صهوة المنبر بملا من الصحابة، وسجل ذلك بكتاب شهد عليه عدة من أعيان الامة وفي مقدمهم سيدنا أميرالمؤمنين علي عليه السلام، وكتب ذلك إلى الامصار النائية كما تقدم في صفحة 171 و

 

 

 /  ص 195 /

 

هو في كل ذلك يعترف بالخطيئة ويلتزم بالاقلاع عنها، لكنه سرعان ما نكث التوبة وأبطل المواثيق المؤكدة بكتبه هذه، إذ حسب أن من يكتب إليهم سينفرون اليه مقانب وكتائب وهم أولياء‌ه ومواليه، فنفى عنه المآثم التي شهد عليها أهل المدينة بل وأهل الامصار من خيرة الامة، وهو يريد أن يقلب عليهم ظهر المجن، فيؤاخذ وينتقم وكأنه نسي ذلك كله حتى قال: في كتابه إلى أهل مكة: لا أدعى إلى توبة أقبلها، ولاتسمع مني حجة أقولها:

يقول له المحامي عن المدنيين: أو لم تدع أيها الخليفة إلى التوبة فتبت على الاعواد وعلى رؤس الاشهاد مرة بعد أخرى ؟ لكنهم وجدوك لاتقر على قرار، ولا تستمر على مبدء، وشاهدوك تتلون تلون الحرباء ( 1 ) فجزموا بأن التوبة لاتردعك عن الاحداث، وان النزوع لا يزعك عن الخطايا، وجئت تماطل القوم بذلك كله حتى يوافيك جيوشك فتهلك الحرث والنسل، وتمكن من أهل دار الهجرة مثل يزيد بن كرز الذي يقول: لو دخلت المدينة وعثمان حي ما تركت بها محتلما إلا قتلته. الخ، عرف القوم أيها الخليفة نواياك السيئة فيهم، وعرفوا إنحرافك عن الطريقة المثلى بابعاد مروان إياك عنها كما قال مولانا أميرالمؤمنين عليه السلام، وهو يخاطبك: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحرفك عن دينك وعن عقلك وإن مثلك مثل الظعينة يقاد حيث يسار به ( 2 ) فنهضوا للدفع عنهم وعن بيضة الاسلام من قبل أن يقعوا بين الناب والمخلب، فوقع ما وقع وكان أمر الله قدرا مقدورا.

ولناهاهنا مناقشة أخرى في حساب الخليفة فنقول له: ما بالك تكر رأيها الخليفة قولك عن الخلافة: إنها رداء الله الذي كساني. أو انها قميص سربلنيه الله. أو ما يماثل ذلك تطفح به كتبك أو يطفو على خطبتك، ويلوكها فمك بين كلمك، كأنك قد حفظتها كلمة ناجعة لدينك ودنياك، واتخذتها وردا لك كأنك تحاذر في تركها النسيان غير أنه عزب عنك محاسبة من تخاطبهم بها إياك، فما جواب قومك إن قالوا لك متى سربلك الله بهذا القميص وقد مات من سربلك، وانقلب عليك بعد قبل موته

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الحرباء: ضرب من الزحافات تتلون في الشمس ألوانا مختلفة، يضرب بها المثل في المنقلب

( 2 ) راجع ما مر في صفحة 174، 175 من هذا الجزء.

 

 

 /  ص 196 /

 

وعددته لذلك منافقا، وأوصى أن لا تصلى عليه أنت، وكان يقول لعلي أميرالمؤمنين خذ سيفك وآخذ سيفي انه قد خالف ما أعطاني، وكان يحث الناس عليك ويقول: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه، وحلف أن لا يكلمك أبدا، وقد دخلت عليه عائدا في مرضه فتحول إلى الحائط ولم يكلمك ( 1 ) وهاجرك إلى آخر نفس لفظه. وتبعه على خلافك

الباقون من أهل الشورى.

وكلنا نحسب أن نصب الخليفة لايجب على الله سبحانه إن كنا مقتفين أثر الشيخين وإنما هو مفوض إلى الامة تختار عليها من شاء‌ت، وإن حدنا في ذلك من قول الله تعالى: وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ( 2 ) وما كان لمؤمن ولامؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ( 3 ) وعن نصوص النبي الاعظم وقد مر شطر منها في غضون أجزاء كتابنا هذا فهل ترى أيها الخليفة انه كان يجب على الله سبحانه أن يمضي خيرة الامة أكان في رأي الجليل إعواز في تقييض الامام بنفسه حتى ينتظر في ذلك مشتبك آراء الامة أو مرتبك أهوائهم فيمضي ما ارتأوه ؟ وبهذه المناسبة تنسب ذلك السربال إليه، لا أضنك أيها الخليفة يسعك أن تقرر ما استفهمناه، غير أن آخر دعواك بعد العجز عن الجواب: لا أنزع قميصا ألبسنيه الله وعلى كل لقد أوقفنا موقف الحيرة في أمر هذا السريال ومن حاكه والنول الذي حيك عليه، فقد وجدنا أول الخلفاء تسربله بانتخاب غير دستوري بانتخاب جر الويلات على الامة حتى اليوم، بانتخاب سود صحيفة التاريخ وشوه سمعة السلف، وقد تقمصه إبن أبي قحافة وهو يعلم أن في الامة من محله من الخلافة محل القطب من الرحى، ينحدر عنه السيل ولا يرقى إليه الطير، كما قاله مولانا أميرالمؤمنين ثم مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى ابن الخطاب بعده، فيا عجبا يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ( 4 ) فتقمصه الثاني بالنص ممن قبله وهو يعلم أن في الامة من هو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) راجع ما مر في هذا الجزء من حديث عبدالرحمن بن عوف ص 86 - 91.

( 2 ) سورة القصص: 67.

( 3 ) سورة الاحزاب: 36.

( 4 ) راجع ما أسلفناه في الجزء السابع ص 81 ط 2.

 

 

 /  ص 197 /

 

أولى منه كما قال مولانا أميرالمؤمنين ( 1 ) وسربلك إياه أيها الخليفة عبدالرحمن بن عوف وفي لسانه قوله لعلي: بايع وإلا ضربت عنقك، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره، فخرج علي مغضبا فلحقه أصحاب الشورى قائلين: بايع وإلا جاهدناك ( 2 ). فأي من هذه السرابيل منسوج بيد الحق حتى يصح عزوه إليه سبحانه ؟ ولهذا البحث ذيول ضافية حولها أبحاث مترامية الاطراف، حول خلافة الخلفاء من بني أمية وغيرهم يشبه بعضها بعضا، ولعلك في غنى عن التبسط في ذلك والاسترسال حول توثبهم على عرش الامامة. نعم: الخلافة التي يصح فيها أن يقال: انها سربال من الله سبحانه، هي التي قيض صاحبها المولى جلت قدرته، وبلغ عنه نبيه الامين صلى الله عليه وآله وسلم، هي التي به النبي الاعظم به أول يومه فقال: إن الامر إلى الله يضعه حيث يشاء ( 3 ) فهي إمرة إلهية لاتتم إلا بالنص وليس لصاحبها أن ينزعها، هي التي قرنت بولاية الله ورسوله في قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ( 4 ) وهي التي أكمل الله بها الدين وأتم بها النعمة ( 5 ) وشتان بينها وبين رجال الانتخاب وإن كان دستوريا وأما ما ارتآه المتجمهرون وعبثت به الميول والشهوات، فهى سلطة عادية يفوز بها المتغلبون، وبيد الامة حلها وعقدها، والغاية منها عند من يحذو حذو الخليفة في جملة من الصولات كلائة الثغور، واقتصاص القاتل، وقطع المتلصص، إلى آخر ما مر تفصيله في الجزء السابع صفحة 131 - 151 ط 2 وليس في عهدة المتسلق على عرشه تبليغ الاحكام، وترويض النفوس، وتهذيب الاخلاق، وتعليم الملكات الفاضلة، وتربية الملا في عالم النشو والارتقاء، فإن تلكم الغايات في تلكم السلطات تحصل بمن هو خلو عن ذلك كله كما شوهد فيمن فازبها عن غير نص إلهي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) يأتى حديثه بلفظه.

( 2 ) الانساب للبلاذرى 5: 22.

( 3 ) مر حديثه في الجزء السابع ص 134 ط 2.

( 4 ) راجع ما مضى في الجزء الثانى ص 47، والجرء الثالث ص 155 - 167 ط 2.

( 5 ) راجع الجزء الاول من كتابنا هذا ص 230 - 239 ط 2.