فهرس الجزء التاسع

المكتبة المختصة

الصفحة الرئيسية

 

 /  ص 198 /

 

يوم الدار والقتال فيها

 أخرج ابن سعد في طبقاته 5: 25 ط ليدن من طريق أبي حفصة مولى مروان قال: خرج مروان بن الحكم يومئذ يرتجز ويقول: من يبارز ؟ فبرز إليه عروة بن شييم بن البياع الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخر لوجهه فقام إليه عبيد بن رفاعة بن رافع الزرقي بسكين معه ليقطع راسه فقامت إليه امه التي أرضعته وهي فاطمة الثقفية وهي جدة إبراهيم بن العربي صاحب اليمامة فقالت: إن كنت تريد قتله ؟ فقد قتله، فما تصنع بلحمه أن تبضعه ؟ فاستحى عبيد بن رفاعة منها فتركه.

وروى عن عياش بن عباس قال: حدثني من حضر ابن البياع يومئذ يبارز مروان بن الحكم: فكأني أنظر إلى قبائه قد أدخل طرفيه في منطقته وتحت القباء الدرع، فضرب مروان على فقاه ضربة فقطع علابي رقبته ووقع لوجهه فأرادوا أن يذففوا عليه فقيل: تبضعون اللحم ؟ فترك.

وأخرج البلاذري من طريق خالد بن حرب قال: لجأ بنو أمية يوم قتل عثمان إلى أم حبيبة ( 1) فجعلت آل العاص وآل أبي العاص وآل أسيد في كندوج ( 2 ) وجعلت سائرهم في مكان آخر، ونظر معاوية يوما إلى عمرو بن سعيد يختال في مشيته فقال: بأبي وأمي أم حبيبة، ما كان أعلمها بهذا الحي حين جعلتك في كندوج.قال: ومشى الناس إلى عثمان وتسلقوا عليه من دار بني حزم الانصاري، فقاتل دونه ثلاثة من قريش: عبدالله بن وهب بن زمعة بن الاسود ( 3 ). عبدالله بن عوف ابن السباق ( 4 ). وعبدالله ( 5 ) بن عبدالرحمن بن العوام، وكان عبدالله بن عبدالرحمن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله.

( 2 ) كندوج: شبه المخزن في البيت.

( 3 ) قال ابن الاثير في اسد الغابة 3: 273، قتل يوم الجمل أو يوم الدار وقال ابن حجر

في الاصابة 2: 381: قتل يوم الدار.

( 4 ) هو عبدالله بن أبي مرة " أبى ميسرة " العبدرى قتل مع عثمان كما في الاستيعاب 2: 3، و الاصابة 2: 367.

( 5 ) ذكر أبوعمر في الاستيعاب وابن الاثير في اسد الغابة في ترجمة عبدالرحمن، وابن حجر في الاصابة 2: 415: انه ممن قتل يوم الدار.

 

 

 /  ص 199 /

 

ابن العوام يقول: يا عبادالله بيننا وبينكم كتاب الله. فشد عليه عبدالرحمن بن عبدالله الجمحي وهو يقول:

لاضربن اليوم بالقرضاب * بــقية الــــكفار والاحــــزاب

ضرب امرئ ليس بذي ارتياب * أأنـــت تــــدعونا إلــــى الــــكتاب

نبذته في سائر الاحقاب

فقتله، وشد جماعة من الناس على عبدالله بن وهب بن زمعة، وعبدالله بن عوف ابن السباق، فقتلوهما في جانب الدار.جاء مالك الاشتر حتى انتهى إلى عثمان فلم ير عنده أحدا فرجع فقال له مسلم بن كريب القابضي من همدان: أيا أشتر دعوتنا إلى قتل رجل فأجبناك حتى إذا نظرت اليه نكصت عنه على عقبيك. فقال له الاشتر: لله أبوك أما تراه ليس له مانع ولاعنه وازع فلما ذهب لينصرف قال ناتل مولى عثمان: واثكلاه هذا والله الاشتر الذي سعر البلاد كلها على أميرالمؤمنين، قتلني الله إن لم أقتله. فشد في أثره فصاح به عمرو بن عبيد الحارثي من همدان: وراء‌ك الرجل يا أشتر فالتفت الاشتر إلى ناتل فضربه بالسيف فأطار يده اليسرى ونادى الاشتر: يا عمرو بن عبيد إليك الرجل فاتبع عمرو ناتلا فقتله. وقال مروان في يوم الدار:

وما قلت يوم الدار للقوم: حاجزوا * رويدا ولا اختاروا الحياة علــى القتل

ولكنني قد قلت للقــــوم: قاتلــــــوا * بأسيافكــــم لا يـــــــوصلن إلى الكهل

وفي رواية أبي مخنف: تهيأ مروان وعدة معه للقتال فنهاهم عثمان فلم يقبلوا منه وحملوا على من دخل الدار فأخرجوهم. ورمي عثمان بالحجارة من دار بني حزم بن زيد الانصاري ونادوا: لسنا نرميك، ألله يرميك، فقال: لو رماني الله لم يخطأني، و شد المغيرة بن الاخنس بالسيف وهو يقول:

قد علمت جارية عطبول * لــــها وشــــاح ولـها جديل

أني لمن حاربت ذو تنكيل

فشد عليه رفاعة بن رافع وهو يقول:

قد علمت خود صحوب للذيل * ترخي قـــرونا مثل أذناب الخيل

 

 

 /  ص200 /

 

أن لقرني في الوغى مني الويل

فضربه على رأسه بالسيف فقتله. ويقال: بل قتله رجل من عرض الناس، وخرج مروان بن الحكم وهو يقول:

قد علمت ذات القرون الميل * والــــكف والانـــامل الطــــفول

أني أروع أول الرعيل

ثم ضرب عن يمينه وشماله فحمل عليه الحجاج بن غزية وهو يقول:

قد علمت بيضاء حسناء الطلل * واضــــحة الليتين قـــعساء الكفل

أني غداة الروع مقدام بطل

فضربه على عنقه بالسيف فلم يقطع سيفه وخر مروان لوجهه وجاء‌ت فاطمة بنت شريك الانصارية من بلي - وهي ام ابراهيم بن عربي الكناني الذي كان عبدالملك ابن مروان ولاه اليمامة وهي التي كانت ربت مروان - فقامت على رأسه ثم أمرت به فحمل، وادخل بيتا فيه كنه ( 1 ) وشد عامر بن بكير الكناني وهو بدري على سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن امية فضربه بالسيف على رأسه، وقامت نائلة بنت الفرافصة على رأسه ثم احتملته فأدخلته بيتا وأغلقت بابه ( 2 )

وفي رواية الطبري من طريق أبي حفصة مولى مروان: لما حصر عثمان رضي الله عنه شمرت معه بنو أمية، ودخل معه مروان الدار فكنت معه في الدار، فأنا والله أنشبت القتال بين الناس رميت من فوق الدار رجلا من سلم فقتلته وهو نيار الاسلمى فنشب القتال، ثم نزلت فاقتتل الناس على الباب، فأرسلوا إلى عثمان أن أمكنا من قاتله قال: والله ما أعرف له قاتلا فباتوا ينحرفون علينا ليلة الجمعة بمثل النيران، فلما أصبحوا غدوافأول من طلع علينا كنانة بن عتاب في يده شعلة من نار على ظهر سطوحنا قد فتح له من دار آل حزم، ثم دخلت الشعل على اثره تنضح بالنفط فقاتلناهم ساعة على الخشب وقد اضطرم الخشب، فأسمع عثمان يقول لاصحابه: ما بعد الحريق شئ قد احترق الخشب واحترقت الابواب ومن كانت لي عليه طاعة فليمسك داره، ثم قال لمروان:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كنة بالضم: جناح يخرج من الحائط. والسقيفة تشرع فوق باب الدار: وقيل: هو مخدع أورف يشرع في البيت.

( 2 ) الانساب 5: 78 - 81.

 

 

 /  ص 201 /

 

اجلس فلا تخرج. فعصاه مروان فقال: والله لاتقتل ولا يخلص إليك وأنا أسمع الصوت ثم خرج إلى الناس فقلت: ما لمولاي مترك. فخرجت معه أذب عنه ونحن قليل فأسمع مروان يقول:

قـــد علمت ذات القرون الميل * والكـــــف والانـامل الــــطفول

أنـــــــي أروع أول الرعيـــــل * بفـــاره مــثـــــل قــــطا الشـليل

وقال أبوبكر بن الحارث: كأني أنظر إلى عبدالرحمن بن عديس البلوي وهو مسند ظهره إلى مسجد نبي الله صلى الله عليه وسلم وعثمان محصور فخرج مروان فقال: من يبارز

فقال عبدالرحمن بن عديس لفلان بن عروة ( 1 ): قم إلى هذا الرجل. فقام إليه غلام شاب طوال فأخذ رفيف الدرع فغرزه في منطقته فأعور له عن ساقه فأهوى له مروان وضربه ابن عروة على عنقه، فكأني أنظر إليه حين استدار وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي ليدفف عليه إلى آخر ما مر عن ابن سعد).

ومن طريق حسين بن عيسى عن أبيه قال: لما مضت أيام التشريق أطافوا بدار عثمان رضي الله عنه، وأبى إلا الاقامة على أمره، وأرسل إلى حشمه وخاصته فجمعهم فقام رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له: نيار بن عياض وكان شيخا كبيرا فنادى: يا عثمان فأشرف عليه من أعلى داره فناشده الله وذكره الله لما اعتزلهم، فبينا هو يراجعه الكلام إذا رماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم، وزعموا أن الذي رماه كثير بن الصلت الكندي، فقالوا لعثمان عند ذلك: إدفع الينا قاتل نيار بن عياض فلنقتله به. فقال: لم أكن لاقتل رجلا نصرني وأنتم تريدون قتلي، فلما رأوا ذلك ثاروا إلى بابه فاحرقوه، وخرج عليهم مروان بن الحكم من دار عثمان في عصابة، وخرج سعيد بن العاص في عصابة، وخرج المغيرة بن الاخنس الثقفي في عصابة، قاقتتلوا قتالا شديدا، وكان الذي حداهم على القتال انه بلغهم ان مددا من أهل البصرة قد نزلوا صرارا وهي من المدينة على ليلة، وأن أهل الشام قد توجهوا مقبلين فقاتلوهم قتالا شديدا على باب الدار فحمل المغيرة بن الاخنس الثقفي على القوم وهو يقول مرتجزا:

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) لعل الصحيح: عروة بن شييم البياع الليثى كما جاء في رواية الطبرى في تاريخه 5، 133 ومر في ص 198 من رواية ابن سعد في طبقاته.

 

 

 /  ص 202 /

 

قد علمت جارية عطبول * لــــها وشاح ولـها حــجول

أني بنصل السيف خنشليل

فحمل عليه عبدالله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وهو يقول:

إن تك بالسيف كما تقول * فـاثبت لقرن ماجد يصول

بمشرفي حده مصقول

فضربه عبدالله فقتله، وحمل رفاعة بن رافع الانصاري ثم الزرقي على مروان ابن الحكم فضربه فصرعه فنزع عنه وهو يرى انه قد قتله، وجرح عبدالله بن الزبير جراحات وانهزم القوم حتى لجأوا إلى القصر فاعتصموا ببابه فاقتلوا عليه قتالا شديدا فقتل في المعركة على الباب زياد بن نعيم الفهري ( 1 ) في ناس من أصحاب عثمان فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الانصاري باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان ثم نادى الناس، فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلي لهم عن باب الدار فخرجوا هرابا في طريق المدينة، وبقي عثمان في أناس من اهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه ( 2 ) وفر خالد بن عقبة بن أبي معيط أخو الوليد يوم الدار، وإليه أشار عبدالرحمن ابن سيحان ( 3 ) بقوله:

يلومـونني إن جلت في الدار حاسرا * وقــــد مر منها خالد وهو دارع ( 4 )

فـإن كـان نادى دعــوة فـسمعتهـــــا * فشــلــــــت يدي واستك مني المسامع

فقال خالد:

لعــــمري لــــقد أبصرتـهم فــتركتهم * بعينك إذ ممشاك في الدار واسع ( 5 )

وقال أبوعمر: قتل المغيرة بن الاخنس يوم الدار مع عثمان رحمه الله وله يوم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) عده من قتلى يوم الدار ابوعمر في الاستيعاب وابن حجر في الاصابة.

( 2 ) تاريخ الطبرى 5: 122 - 125، الكامل لابن الاثير 3: 73، 74.

( 3 ) كذا في الانساب وفى الاستيعاب والاصابة: أزهر بن سحبان.

( 4 ) في الانساب للبلاذرى: يلوموننى في الدار إن غبت عنهم * وقد فر عنهم خالد وهو دارع

( 5 ) الانساب 5: 117، الاستيعاب 1: 155، الاصابة 1: 103، 410.

 

 

 /  ص 203 /

 

الدار أخبار كثيرة، ومنها: انه قال لعثمان حين أحرقوا بابه: والله لا قال الناس عنا إنا خذلناك وخرج بسيفه وهو يقول:

لما تهدمت الابواب واحترقت * يــممت منهن بابا غير محترق

حــــقا أقــــول لعــــبدالله آمره * إن لم تقاتل لدى عثمان فانطلق

والله لا أتركه ما دام بي رمق * حتي يزايل بـــين الراس والعنق

هو الامام فلست اليوم خاذله * إن الـفرار علي اليوم كالسرق

وحمل على الناس فضربه رجل على ساقه فقطعها ثم قتله. فقال رجل من بني زهرة لطلحة بن عبيدالله: قتل المغيرة بن الاخنس فقال: قتل سيد حلفاء قريش. راجع " الاستيعاب " ترجمة المغيرة.

وقال ابن كثير في تاريخه 7: 188: ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان زياد ابن نعيم الفهري، والمغيرة بن الاخنس بن شريق، ونيار بن عبدالله الاسلمي، في أناس وقت المعركة.

قال الاميني: لقد حدتني إلى سرد هذه الاحاديث الدلالة بها منضمة إلى ما سبقها من الاخبار على أنه لم يكن مع عثمان من يدافع عنه غير الامويين ومواليهم وحثالة ممن كان ينسج على نولهم تجاه هياج المهاجرين والانصار فقتل من اولئك من قتل، وضم إليه كندوج ام حبيبة آخرين، وتفرق شذاذ منهم هاربين في أزقة المدينة، فلم يبق إلا الرجل نفسه وأهله حتى انتهت إليه نوبة القتل من دون أي مدافع عنه، فتحفظ على هذا فإنه سوف ينفعك فيما يأتي من البحث عن سلسلة الموضوعات.

(لفت نظر ) عد نيار بن عبدالله بن أصحاب عثمان كما فعله ابن كثير غلط فاحش دعاه إليه حبه إكثار عدد المدافعين عن الخليفة المقتولين دونه، وقد عرفت ( لفت نظر ) عد نيار بن عبدالله من أصحاب عثمان كما فعله ابن كثير غلط فاحش دعاه إليه حبه إكثار عدد المدافعين عن الخليفة المقتولين دونه، وقد عرفت ان كان شيخا كبيرا حضر ذلك الموقف للنصيحة والموعظة الحسنة لعثمان فقتله مولى مروان بسهم، فشب به القتال، وطولب عثمان بقاتله ليقتص منه وامتنع عن دفعه فهاج بذلك غضب الانصار عليه.

 

 

 /  ص 204 /

 

 

حديث مقتل عثمان

إنا لله وإنا إليه راجعون

أخرج الطبري في تاريخه وغيره من طريق يوسف بن عبدالله بن سلام قال: أشرف عثمان على الناس وهو محصور وقد أحاطوا بالدار من كل ناحية فقال: أنشدكم بالله عزوجل هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب أميرالمؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يخير لكم وأن يجمعكم على خيركم فما ظنكم بالله أتقولونه لم يستجب لهم وهنتم على الله سبحانه وأنتم يومئذ أهل حقه من خلقه، وجميع اموركم لم تتفرق أم تقولون: هان على الله دينه فلم يبال من ولاه والدين يومئذ يعبد به الله ولم يتفرق اهله فتوكلوا، أو تخذلوا وتعاقبوا، أم تقولون: لم يكن أخذ عن مشورة وإنما كابرتم مكابرة، فوكل الله الامة إذا عصته، لم تشاوروا في الامام، ولم يجتهدوا في موضع كراهته، أم تقولون: لم يدر الله ما عاقبة أمري ؟ فكنت في بعض أمري محسنا ولاهل الدين رضى فما أحدثت بعد في أمري ما يسخط الله وتسخطون مما لم يعلم الله سبحانه يوم اختارني وسربلني سربال كرامته، وأنشدكم بالله هل تعلمون لي من سابقة خير و سلف خير قدمه الله لي، وأشهدنيه من حقه وجهاد عدوه حق على كل من جاء من بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلا لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصانه أو كفر بعد إسلامه، أو قتل نفسا بغير نفس فيقتل بها، فإنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لم يرفعه الله عنكم إلى يوم القيامة ولا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني لم تصلوا من بعدي جميعا أبدا، ولم تقتسموا بعدي فئ جميعا أبدا، ولن يرفع الله عنكم الاختلاف أبدا.

قالوا له: أما ما ذكرت من استخارة الله عزوجل الناس بعد عمر رضي الله عنه فيمن يولون عليهم ثم ولوك بعد استخارة الله، فإن كل ما صنع الله الخيرة، ولكن الله سبحانه جعل أمرك بلية إبتلى بها عباده.

وأما ما ذكرت من قدمك وسبقك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانك قد كنت ذا قدم

 

 

 /  ص 205 /

 

 وسلف وكنت أهلا للولاية ولكن بدلت بعد ذلك وأحدثت ما قد علمت.

وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء فإنه لا ينبغي ترك إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا

وأما قولك: إنه لا يحل إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت: قتل من سعى في الارض فسادا، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه، و قتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه، وقد بغيت، ومنعت للحق وحلت دونه وكابرت عليه، تأبى أن تقيد من نفسك من ظلمت عمدا، وتمسكت بالامارة علينا، وقد جرت في حكمك وقسمك، فإن زعمت أنك لم تكابرنا عليه وان الذين قاموا دونك ومنعوك منا إنما يقاتلون بغير أمرك فإنما يقاتلون لتمسكك بالامارة فلو أنك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك.

قال البلاذري وغيره: لمابلغ أهل مصر ومن معهم ممن حاصر عثمان ما كتب به إلى ابن عامر ومعاوية فزادهم ذلك شدة عليه وجدا في حصاره وحرصا على معاجلته بالقتل وكان طلحة قد استولى على أمر الناس في الحصار، وأمرهم بمنع من يدخل عليه والخروج من عنده، وأن يدخل اليه الماء، وأتت ام حبيبة بنت أبي سفيان بادواة وقد اشتد عليه الحصار فمنعوها من الدخول فقالت: إنه كان المتولي لوصايانا وأمر أيتامنا وأنا أريد مناظرته في ذلك، فأذنوا لها فأعطته الادواة.

وقال جبير بن مطعم: حصر عثمان حتى كان لايشرب إلا من فقير في داره فدخلت على علي فقلت: أرضيت بهذا أن يحصر ابن عمتك حتى والله مايشرب إلامن فقير في داره ؟ فقال: سبحان الله أو قد بلغوا به هذه الحال ؟ قلت: نعم، فعمد إلى روايا ماء فأدخلها إليه فسقاه.

ولما وقعت الواقعة، وقام القتال، وقتل في المعركة زياد بن نعيم الفهري في ناس من أصحاب عثمان، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو بن حزم الانصاري باب داره وهو إلي جنب دار عثمان بن عفان ثم نادى الناس فأقبلوا عليهم من داره فقاتلوهم في جوف الدار حتى انهزموا وخلي لهم عن باب الدار فخرجوا هرابا في طرق المدينة و بقي عثمان في أناس من أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه وقتل عثمان رضي الله عنه.

 

 

 /  ص 206 /

 

أخرج ابن سعد والطبري من طريق عبدالرحمن بن محمد قال: إن محمد بن أبي بكر تسور على عثمان من دار عمرو بن حزم ومعه كنانة بن بشر بن عتاب، وسودان ابن حمران، وعمرو بن الحمق، فوجدوا عثمان عندامرأته نائلة وهو يقرأ في المصحف سورة البقرة فتقد مهم محمد بن أبي بكر فأخذ بلحية عثمان فقال: قد أخزاك الله يا نعثل فقال عثمان: لست بنعثل، ولكن عبدالله وأميرالمؤمنين. فقال محمد: ما أغنى عنك معاوية وفلان و فلان. فقال عثمان: يا ابن أخي دع عنك لحيتي، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه فقال محمد: ما أريد بك أشد من قبضي على لحيتك. فقال عثمان: أستنصر الله عليك و أستعين به ثم طعن جبينه بمشقص ( 1 ) في يده.

وفي لفظ البلاذري: تناول عثمان المصحف ووضعه في حجره وقال: عبادالله لكم ما فيه، والعتبى مما تكرهون، أللهم اشهد، فقال محمد بن أبي بكر: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين، ثم رفع جماعة قداح كانت في يده فوجأ بها في خششائه ( 2 ) حتى وقعت في أوداجه فحزت ولم تقطع، فقال: عبادالله ! لا تقتلوني فتندموا و تختلفوا.

وفي لفظ ابن كثير: جاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، و ما أغنت عنك كتبك.

وفي لفظ ابن عساكر: قال محمد بن أبي بكر: على أي دين أنت يا نعثل ؟ قال: على دين الاسلام، ولست بنعثل ولكني أميرالمؤمنين. قال: غيرت كتاب الله. فقال: كتاب الله بيني وبينكم. فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لايقبل منا يوم القيامة أن نقول: ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل، وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول: يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي.

قال ابن سعد والطبري: ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ بها في أصل أذن عثمان فمضت حتى دخلت في حلقه ثم علاه السيف حتى قتله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) المشقص: نصل السهم اذا كان طويلا غير عريض.

( 2 ) الخششاء: العظم الدقيق العارى من الشعر الناتئ خلف الاذن.

 

 

 /  ص 207 /

 

وفي رواية ابن أبي عون: ضرب كنانة بن بشر التجيبي جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبه، قال الوليد بن عقبة او غيره:

عــــلاه بالــــعمود أخـــو تجيب * فأوهى الرأس منه والجبينا ( 1 )

وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فإني طعنتهن لله، وأما ست فإني طعنت إياهن لما كان في صدري عليه.

وأقبل عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعا من أضلاعه، وفي الاصابة: لما قتل عثمان وثب عمير بن ضابئ عليه فكسر ضلعين من أضلاعه. وقال المسعودي: وكان فيمن مال عليه عمير بن ضابئ البرجمي وخضخص بسيفه بطنه. وسيوافيك حديث آخر عنه لدة هذا.

وفي لفظ الطبري وابن عبد ربه وابن كثير: ضربوه على رأسه ثلاث ضربات، و طعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم العين فوق الانف ضربة أسرعت في العظم وقد أثخنوه وبه حياة وهم يريدون قطع رأسه فألقت نائلة وابنة شبيبة بن ربيعة زوجتاه بنفسهما عليه، فقال ابن عديس: اتركوه. فتركوه ووطئتا وطئا شديدا.

 وفي لفظ ابن كثير: في رواية: إن الغافقي بن حرب تقدم اليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه

بحديدة في فيه.

وذكر البلاذري من طريق الحسن عن وثاب وكان مع عثمان يوم الدار وأصابته طعنتان كأنهما كيتان قال: بعثني عثمان فدعوت الاشتر له فقال: يا أشتر ما يريد الناس مني قال: يخيرونك أن تخلع لهم أمرهم، أو تقص من نفسك وإلا فهم قاتلوك. قال: أما الخلع فما كنت لاخلع سربلنيه الله، وأما القصاص فوالله علمت ان صاحبي كانا يعاقبان، وما يقوم بدني للقصاص، وأما قتلي فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا ولا تقاتلون عدوا جميعا أبدا.

 وقال وثاب: أصابتني جراحة فأنا أنزف مرة وأقوم مرة، فقال لي عثمان: هل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) من المستغرب جدا ان أباعمر ابن عبدالبر ذكر هذا البيت في " الاستيعاب " في ترجمة مولانا أميرالمؤمنين بعد ذكر قتله وقال: قال شاعرهم:

عــــلاه بالعمود اخو تجوب * فأوحي الراس منه والجبينا.

 

 

 /  ص 208 /

 

عندك وضوء قلت: نعم فتوضأ ثم أخذ المصحف فتحرم به من الفسقة فبينا هو كذلك إذ جاء رويجل كأنه ذئب فاطلع ثم رجع، فقلنا لقد ردهم أمر ونهاهم، فدخل محمد بن أبي بكر حتى جثى على ركبتيه، وكان عثمان حسن اللحية، فجعل يهزها حتى سمع نقيض أضراسه ثم قال: ما أغنى عنك معاوية، ما أغنى عنك ابن عامر، فقال: يا ابن أخي مهلا فوالله ما كان أبوك ليجلس مني هذا المجلس، قال: فأشعره وتعاونوا عليه فقتلوه.

وأخرج من طريق ابن سيرين قال: جاء ابن بديل إلى عثمان - وكان بينهما شحناء - ومعه السيف وهو يقول: لاقتلنه، فقالت له جارية عثمان: لانت أهون على الله من ذلك، فدخل على عثمان فضربه ضربة لا أدري ما أخذت منه.

راجع طبقات ابن سعد ط ليدن 3: 51، انساب البلاذرى 5: 72، 82، 83 , 2، 97، 98 الامامة والسياسة 1: 39، تاريخ الطبرى 5: 125، 131، 132، العقد الفريد 2: 270، مروج الذهب 1، 442، الاستيعاب 2: 477، 478، تاريخ ابن عساكر 4: 372، الكامل لابن الاثير 3: 72، 75، شرح ابن ابى الحديد 1: 166، 168 ، تاريخ ابن خلدون 2: 401، تاريخ ابى الفدا ج 1: 170، تاريخ ابن كثير 7، 184، 185، 187، 188، حياة الحيوان للدميرى 1: 54، مجمع الزوائد 7: 232، تاريخ الخميس 2: 263، السيرة الحلبية 2، 85، الاصابة 2: 215، ازالة الخفاء 2:239 - 242.

 

تجهيز الخليفة ودفنه

أخرج الطبري من طريق أبي بشير العابدي قال: نبذ عثمان رضي الله عنه ثلاثة أيام لا يدفن، ثم أن حكيم بن حزام القرشي ثم أحد بني أسد بن عبدالعزى، وجبير ابن مطعم كلما عليا في دفنه وطلبا إليه أن يأذن لاهله في ذلك، ففعل وأذن لهم علي، فلما سمع بذلك قعدوا له في الطريق بالحجارة، وخرج به ناس يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يقال له: حش كوكب ( 1 ) كانت اليهود تدفن فيه موتاهم، فلما خرج به على الناس رجموا سريره وهموا بطرحه، فبلغ ذلك عليا، فأرسل إليهم يعزم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) قال ابوعمر في " الاستيعاب " وياقوت في " المعجم " والمحب الطبرى في " الرياض ": كوكب رجل من الانصار، والحش: البستان.

 

 

 /  ص 209 /

 

عليهم ليكفن عنه، ففعلوا فانطلق به حتى دفن رضي الله عنه في حش كوكب، فلما ظهر معاوية بن أبي سفيان على الناس أمر بهدم ذلك الحائط حتى أفضى به إلى البقيع، فأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حول قبره حتى اتصل ذلك بمقابر المسلمين.

ومن طريق أبي كرب وكان عاملا على بيت مال عثمان قال: دفن عثمان رضي الله عنه بين المغرب والعتمة ولم يشهد جنازته إلا مروان بن الحكم وثلاثة من مواليه وابنته الخامسة فناحت ابنته ورفعت صوتها تندبه، وأخذ الناس الحجارة وقالوا: نعثل نعثل، وكادت ترجم، فقالوا: الحائط الحائط، فدفن في حائط خارجا

ومن طريق عبدالله بن ساعدة قال: لبث عثمان بعد ما قاتل ليلتين لا يستطيعون دفنه ثم حمله أربعة: حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم، ونيار بن مكرم، وأبوجهم ابن حذيفة. فلما وضع ليصلى عليه جاء نفر من الصحابة يمنعونهم الصلاة عليه فيهم: أسلم بن أوس بن بجرة الساعدي، وأبوحية المازني في عدة ومنعوهم أن يدفن بالبقيع فقال أبوجهم: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته، فقالوا: لا والله لا يدفن في مقابر المسلمين أبدا، فدفنوه في حش كوكب، فلما ملكت بنو أمية أدخلوا ذلك الحش في البقيع، فهو اليوم مقبرة بني أمية.

ومن طريق عبدالله بن موسى المخزومي قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه أرادوا حز رأسه فوقعت عليه نائلة وأم البنين فمنعهم وصحن وضربن الوجوه وخرقن ثيابهن، فقال ابن عديس: اتركوه، فأخرج عثمان ولم يغسل إلى البقيع، وأرادوا أن يصلوا عليه في موضع الجنائز فأيت الانصار، وأقبل عمير بن ضابئ وعثمان موضوع على باب فنزا عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: سجنت ضابئا حتى مات في السجن.

وأخرج ابن سعد والطبري من طريق مالك بن أبي عامر قال: كنت أحد حملة عثمان رضي الله عنه حين قتل، حملناه على باب وان رأسه لتقرع الباب لاسراعنا به، وإن بنا من الخوف لامرا عظيما حتى واريناه في قبره في حش كوكب.

وأخرج البلاذري من رواية أبي مخنف: ان عثمان رضي الله عنه قتل يوم الجمعة فترك في داره قتيلا، فجاء جبيربن مطعم، وعبدالرحمن بن أبي بكر، ومسور بن مخرمة الزهري، وأبوالجهم بن حذيفة العدوي ليصلوا عليه ويجنوه، فجاء رجال من الانصار

 

 

 /  ص 210 /

 

 فقالوا: لاندعكم تصلون عليه، فقال أبوالجهم: ألا تدعونا نصلي عليه ؟ فقد صلت عليه الملائكة، فقال الحجاج بن غزية: إن كنت كاذب فأدخلك الله مدخله، قال: نعم حشرني الله معه، قال ابن غزية: إن الله حاشرك معه ومع الشيطان، والله إن ترك إلحاقك، به لخطأ وعجز. فسكت أبوالجهم، ثم إن القوم اغفلوا أمر عثمان وشغلوا عنه، فعاد هؤلاء النفر فصلوا عليه ودفنوه، وأمهم جبير بن مطعم وحملت أم البنين بنت عيينة بن حصن امرأة عثمان لهم السراج، وحمل على باب صغير من جريد قد خرجت عنه رجلاه وأخرج حديث منع الصلاة عليه أبوعمر في " الاستيعاب " من طريق هشام بن عروة عن أبيه وقال: إنه لقيهم قوم من الانصار فقاتلوهم حتى طرحوه، ثم توطأ عمير بن ضابئ بن الحارث بن ارطاة التميمي ثم البرجمي بطنه، وجعل يقول: ما رأيت كافرا ألين بطنا منه، وكان أشد الناس على عثمان، فكان يقول يومئذ: أرني ضابئا، أحي لي ضابئا ليرى ما عليه عثمان من الحال. وقال ابن قتيبة في الشعر والشعراء ص 128: جاء عمير بن ضابئ حتى رفسه برجله.

قال البلاذري: ودفن عثمان في حش كوكب وهو نخل لرجل قديم يقال له: كوكب، ثم أقبل الناس حين دفن إلى علي فبايعوه وأرادوا دفن عثمان بالبقيع فمنعهم من ذلك قوم فيهم أسلم بن بجرة الساعدي، ويقال: جبلة بن عمرو الساعدي، وقال ابن دأب: صلى عليه مسور بن مخرمة.

وقال المدائني عن الوقاضي عن الزهري: امتنعوا من دفن عثمان فوقفت أم حبيبة بباب المسجد ثم قالت: لتخلن بيننا وبين دفن هذا الرجل أولا كشفن ستر رسول الله فخلوا بينهم وبين دفنه.

وأخرج من طريق أبي الزناد قال: خرجت نائلة امرأة عثمان ليلة دفن ومعها سراج وقد شقت جيبها وهي تصيح: واعثماناه، وأمير المؤمنيناه، فقال لها جبير بن مطعم: اطفئي السراج فقد ترين من الباب، فأطفأت السراج وانتهوا إلى البقيع، فصلى عليه جبير وخلفه حكيم بن حزام، وأبوجهم، ونيار بن مكرم، ونائلة وأم البنين امرأتاه ونزل في حفرته نيارو أبوجهم وجبير، وكان حكيم والامر أتان يدلونه على الرجال

 

 

 /  ص 211 /

 

حتى قبر وبنى عليه وغموا قبره وتفرقوا. وفي لفظ أبي عمر: فلما دفنوه غيبوا قبره، وذكره السمهودي في وفاء الوفاء 2: 99 من طريق ابن شبة عن الزهري.

وأخرج ابن الجوزي والمحب الطبري والهيثمي من طريق عبدالله بن فروخ قال: شهدت عثمان بن عفان دفن في ثيابه بدمائه ولم يغسل. وقال المحب: خرجه البخاري والبغوي في معجمه. وذكر ابن الاثير في " الكامل " وابن أبي الحديد في الشرح انه لم يغسل وكفن في ثيابه

وأخرج أبوعمر في " الاستيعاب " من طريق مالك قال: لما قتل عثمان رضي الله عنه ألقي على المزبلة ثلاثة أيام فلما كان من الليل أتاه اثنا عشر رجلا ( 1 ) فيهم حويطب ابن عبدالعزى، وحكيم بن حزام، وعبدالله بن الزبير فاحتملوه فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه ناداهم قوم من بني مازن: والله لئن دفنتموه ههنا لنخبرن الناس غدا. فاحتملوه وكان على باب وان رأسه على الباب ليقول: طق طق، حتى صاروا به إلى حش كوكب فاحتفروا له وكانت عائشة بنت عثمان رضي الله عنهما معها مصباح في جرة، فلما أخرجوه ليدفنوه صاحب فقال لها ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لاضربن الذي في عيناك. فسكتت فدفن.

وذكره المحب الطبري في " الرياض " نقلا عن القلعي، وذكر عن الخجندي انه أقام في حش كوكب ثلاثا مطروحا لا يصلى عليه.

وذكر الصفدي في تمام المتون ص 79 عن مالك ان عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام.

وقال اليعقوبي: أقام ثلاثا لم يدفن وحضر دفنه حكيم، وجبير، وحويطب، و عمرو بن عثمان ابنه، ودفن ليلا في موضع يعرف بحش كوكب، وصلى عليه هؤلاء الاربعة وقيل: لم يصل عليه، وقيل: أحد الاربعة صلى عليه، فدفن بغير صلاة.

وقال ابن قتيبة: ذكروا أن عبدالرحمن بن الازهر قال: لم أكن دخلت في شئ من أمر عثمان لا عليه ولاله، فاني مجالس بفناء داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة إذ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) احاديث الباب مطلقة على ان الذين تولوا اجنانه كانوا اربعة. وقال المحب الطبرى وقد قيل: ان الذين تولوا تجهيزه كانوا خمسة اوستة. اربعة رجال وامراتان نائلة وام البنين.

 

 

 /  ص 212 /

 

جاء‌ني المنذر بن الزبير فقال إن أخي يدعوك فقمت إليه فقال لي: إنا أردنا أن ندفن عثمان فهل لك قلت: والله ما دخلت في شئ من شأنه وما أريد ذلك، فانصرفت عنه ثم إتبعته، فإذا هو في نفرفيهم جبير بن مطعم، وأبوالجهم، والمسور، وعبدالرحمن بن أبي بكر، وعبدالله بن الزبير فاحتملوه على باب وان رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه في موضع الجنائز فقام إليهم رجال من الانصار فقالوا لهم: لا والله لا تصلون عليه، فقال أبوالجهم: ألا تدعون نصلي عليه فقد صلى الله تعالى عليه وملائكته. فقال له رجل منهم: إن كنت كاذبا فأدخلك الله مدخله، فقال له: حشرني الله معه فقال له: إن الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منا. فقال القوم لابي الجهم: اسكت عنهم وكف فسكت، فاحتملوه ثم انطلقوا مسرعين كأني اسمع وقع رأسه على اللوح حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمرو الساعدي من الانصار فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله ولا نترككم تصلون عليه، فقال أبوالجهم: انطلقوا بنا إن

لم نصل عليه فقد صلى الله عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان معها مصباح في حق حتى إذا أتوا به جسر ( 1 ) كوكب حفروا له حفرة ثم قاموا يصلون عليه وأمهم جبير بن مطعم، ثم دلوه في حفرته فلما رأته ابنته صاحت فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لاضربن الذي في عينيك فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن وحثوا عليه التراب حثوا.

وقال ياقوت الحموي: لما قتل عثمان ألقي في حش كوكب ثم دفن في جنبه

وذكرابن كثير بعض ما أسلفناه نقلا عن البلاذري فقال: ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار وهما: صبيح ونجيح رضي الله عنهما فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، وقيل: إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط ( 2 ) فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله.

وذكر الحلبي في السيرة عن ابن ماجشون عن مالك: ان عثمان بعد قتله ألقي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) كذا في النسخة، والصحيح: حش.

( 2 ) البلاط من الارض: وجهها، او منتهى الصلب منها. وفي لفظ الحلبى كما يأتى: التلال

ولعله الصحيح.

 

 

 /  ص 213 /

 

على المزبلة ثلاثة أيام، وقيل، أغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيام، لا يستطيع أحد أن يدفنه ( إلى آخر ما مر من حديث مالك ) ولما دفنوه عفواقبره خوفا عليه أن ينبش، وأما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليها وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب.

وذكر ابن أبي الحديد وابن الاثير والدميري انه أقام ثلاثة أيام لم يدفن ولم يصل عليه، وقيل لم يغسل ولم يكفن، وقيل: صلى عليه جبير بن مطعم ودفن ليلا.

وذكر السمهودي في وفاء الوفا عن عثمان بن محمد الاخنسي عن أم حكيمة

قالت: كنت مع الاربعة الذين دفنوا عثمان بن عفان: جبير، حكيم، أبوجهم، نيار الاسلمي وحملوه على باب اسمع قرع رأسه على الباب كأنه دباة ويقول: دب دب حتى جاؤا به حش كوكب فدفن به ثم هدم عليه الجدار وصلي عليه هناك.

طبقات ابن سعد 3: 55: انساب البلاذرى 83، 86، 99، الامامة والسياسة 1: 40، تاريخ الطبرى 5: 143، 144، تاريخ اليعقوبى 2: 153، الاستيعاب 2: 478، 479

صفة الصفوة 1: 117، الكامل لابن الاثير 3: 76، الرياض النضرة 2: 131، 132، معجم البلدان 3: 281، شرح ابن ابى الحديد 1: 168، تاريخ ابن كثير 7: 190، 191، حياة الحيوان للدميرى 1: 54، وفاء الوفا للمسهودى 2: 99، السيرة الحلبية 2: 85، تاريخ الخميس 2: 265.

وقال الشاعر المفلق أحمد شوقي بك في دول العرب ص 49.

من لقتيل بالسفــــــا ( 1 ) مكفـن * مــــرت بــــه ثلاثـــــة لــــم يــدفن

تعــــرضه نـــوادبـــا أرامــلـــــــه * ويشفــــــق النعـــش ويأبى حامله

قد حيـــــل بين الارض وابن آدما * ونـــوزعت دار البــــقاء قــــادمـا

قال الاميني: إن هاهنا صحيفة غامضة أقف تجاهها موقف السادر لا تطاوعني النفس على الركون إلي أي من شقي الاحتمال الذين يخالجان في الصدر، وذلك ان ما ارتكب من الخليفة في التضييق عليه وقتله بتلكم الصور المشددة، ثم ما نيل منه بعد القتل من المنع عن تجهيزه وتغسيله ودفنه والصلاة عليه والوقيعة فيه بالسباب المقذع وتحقيره برمي جنازته بالحجارة وكسر بعض اضلاعه، يستدعي إما فسق الصحابة أجمع

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) السفا: الغبار.

 

 

 /  ص 214 /

 

فانهم كانوا بين مباشر لهاتيك الاحوال، وبين خاذل للمودى به، وبين مؤلب عليه، إلى مثبط عنه، إلي راض بما فعلوا، إلى محبذ لتلكم الاهوال، وكان يرن في مسامعهم قوله تعالى: لا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. وقوله تعالى: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا. وقوله تعالى: ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما وما جاء في ذلك من السنة أكثر، وما يؤثر عن نبي العظمة صلى الله عليه وآله من وجوب دفن موتى المؤمنين وتغسيلهم وتكفينهم والصلاة عليهم، وان حرمة المؤمن ميتا كحرمته حيا، فالقوم إن كانوا متعمدين في مخالفة هذه النصوص فهم فساق إن لم نقل إنهم مراق عن الدين بخروجهم على الامام المفترص طاعته.

أو أن هذه الاحوال تستدعي انحراف الخليفة عن الطريقة المثلى ؟ وان القوم اعتقدوا بخروجه عن مصاديق تلكم الاوامر والمناهي المؤكدة التى تطابق عليها الكتاب والسنة. وليس من السهل الهين البخوع إلى أي من طرفى الترديد أما الصحابة فكلهم عدول عند القوم يركن إليهم ويحتج بأقوالهم وأفعالهم ويوثق بايمانهم، وقد كهربتهم صحبة الرسول صلى الله عليه وآله فأخرج درن نفوسهم، وكان في المعمعة منهم بقايا العشرة المبشرة كطلحة والزبير، ولطلحة خاصة فظاظات حول ذلك الجلاد، إلي اناس آخرين من ذوي المآثر نظراء عمار بن ياسر، ومالك الاشتر، وعبدالله بن بديل، وكان بين ظهرانيهم إمام المسلمين أميرالمؤمنين علي عليه السلام وهو المرموق يومئذ للخلافة، وقد انثنت إليه الخناصر، والامة أطوع له من الظل لذيه. أفتراه والحالة هذه سكت عن تلكم الفظايع وهو مطل عليها من كثب وهو أعلم الناس بنواميس الشريعة، وأهداهم إلى طريقها المهيع، وهو يعلم أن من المحظور إرتكابها ؟ لا هاالله.

أو أنه عليه السلام أخذ الحياد في ذلك المأزق الحرج وهو مستبيح للحياد أو لما يعملون به أنا لا أدري.

وليس من المستطاع القول بأن معظم الصحابة ما كانوا عالمين بتلكم الوقايع، أو انهم ما كانوا يحسبون ان الامر يبلغ ذلك المبلغ، أو أنهم كانوا غير راضين بهاتيك الاحدوثة، فإن الواقعة ما كانت مباغتة ولا غيلة حتى يعزب عن أحد علمها، فإن

 

 

 /  ص 215 /

 

الحوار استدام أكثرمن شهرين، وطيلة هذه المدة لم يكن للمتجمهرين طلبة من الخليفة إلا الاقلاع عن أحداثه، أو التنازل عن عرش الخلافة، وكانوا يهددونه بالقتل إن لم يخضع لاحدى الطلبتين، وكانت نعرات القوم في ذلك تتموج بها الفضاء، وعقيرة عثمان في التوبة تارة وعدم التنازل أخرى وتخويفهم بمغبات القتل ثالثة تتسرب في فجوات الجو، فلو كان معظم الصحابة منحازين عن ذلك الرأي لكان في وسعهم تفريق الجمع بالقهر أو الموعظة، لكن بالرغم عما يزعم عليهم لم يؤثر عن أحد منهم ما يثبت ذلك أو يقربه، وما أسلفناه من الاحاديث الجمة النامة عن معتقدات الصحابة في الخليفة وفي التوثب عليه تفند هذه المزعمة الفارغة، إن لم نقل انها تثبت ما يعلمه الكل من الاجماع على مقت الخليفة والتصافق على ما نقموا عليه والرضا بما نيل منه، حتى أن أحد الم يروعن انه ساء‌ه نداء قاتله حين طاف بالمدينة ثلاثا قائلا: أنا قاتل نعثل ( 1 ).

وأما ثاني الاحتمالين فمن المستعصب أن يبلغ سوء الظن بالخليفة هذا المدى، وإن كانت الصحابة جزموا بذلك، والشاهد يرى ما لا يراه الغايب، وقد أوقفناك على قول السيدة عائشة: اقتلوا نعثلا قتله الله وقد كفر.

وقولها لمروان: وددت والله انه في غرارة من غرائري هذه واني طوقت حمله حتى ألقيه في البحروقولها لابن عباس: إياك أن ترد الناس عن هذا الطاغية.

وقول عبدالرحمن بن عوف للامام أميرالمؤمنين عليه السلام: إذا شئت فخذ سيفك وآخذ سيفي، انه قد خالف ما أعطاني وقوله: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه.

وقوله له: لله علي أن لا اكلمك أبدا.

وقول طلحة لمجمع بن جارية لما قال له: أظنكم والله قاتليه: ( فإن قتل فلا ملك مقرب ولانبي مرسل ).

وقد مر ان طلحة كان أشد الناس على عثمان في قتله يوم الدار، وقتل دون دمه وقول الزبير: اقتلوه فقد بدل دينكم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الاستيعاب 2: 478.

 

 

 /  ص 216 /

 

وقوله: إن عثمان لجيفة على الصراط غدا.

وقول عمار يوم صفين: امضوا معي عبادالله إلى قوم يطلبون فيما يزعمون بدم الظالم لنفسه الحاكم على عبادالله بغير ما في كتاب الله.

وقوله: ما تركت في نفسي حزة أهم إلي من أن لا نكون نبشنا عثمان من قبره ثم أحرقناه بالنار

وقوله: أراد أن يغير ديننا فقتلناه.

وقوله: والله إن كان إلا ظالما لنفسه الحاكم بغير ما أنزل الله.

وقوله: إنما قتله الصالحون المنكرون للعدوان الآمرون بالاحسان.

وقول حجر بن عدي وأصحابه: هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق.

وقول عبدالرحمن العنزي: هو أول من فتح أبواب الظلم، وارتج أبواب الحق.

وقول هاشم المرقال: إنما قتله أصحاب محمد وقراء الناس حين أحدث أحداثا و خالف حكم الكتاب، وأصحاب محمد هم أصحاب الدين، وأولى بالنظر في امور المسلمين وقول عمرو بن العاص: أنا أبوعبدالله إذا حككت قرحة نكأتها، إن كنت لاحرض عليه حتى إني لاحرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل وقوله له: ركبت بهذه الامة نهابير من الامور فركبوها منك، وملت بهم فمالوا بك، اعدل أو اعتزل. وقوله: أنا عبدالله قتلته وأنا بوادي السباع.

وقول سعد بن أبي وقاص: إنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار بيده، وأمسكنا نحن ولو شئنا دفعناه عنه. إلخ.

وقول جهجاه الغفاري: قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر، ندرعك عباء‌ة، ولنطرحك في الجامعة، ولنحملك على شارف من الابل ثم نطرحك في جبل الدخان.

وقول مالك الاشتر: إلى الخليفة المبتلى الخاطئ الحائد عن سنة نبيه، النابذ لحكم القرآن وراء ظهره.

وقول عمرو بن زرارة: إن عثمان قد ترك الحق وهو يعرفه. الخ.

وقول الحجاج بن غزية الانصاري: والله لو لم يبق من عمره إلا بين الظهر والعصر

 

 

 /  ص 217 /

 

 لتقربنا إلى الله بدمه.

وقول قيس بن سعد الانصاري: أول الناس كان فيه " قتل عثمان " قياما عشيرتي ولهم أسوة.

وقول جبلة بن عمرو الانصاري: يانعثل ! والله لاقتلنك ولاحملنك على قلوص جرباء ولاخرجنك إلى حرة النار.

وقوله وقد سئل الكف عن عثمان: والله لا ألقى الله غدا فأقول: إنا أطعنا سادتنا وكبراء‌نا فأضلونا السبيل.

وقول محمد بن أبي بكر له: على أي دين أنت يا نعثل غيرت كتاب الله. وقوله له: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.

وقول الصحابة مجيبين لقوله: لا تقتلوني فانه لا يحل إلا قتل ثلاثة: إنا نجد في كتاب الله قتل غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الارض فسادا، وقتل من بغى ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شئ من الحق ومنعه ثم قاتل دون وكابر عليه، وقد بغيت، ومنعت الحق، وحلت دونه وكابرت عليه. الخ.

وقول عبدالله بن أبي سفيان بن الحارث من أبيات مرت ج 8: 288.

وشبهته كسرى وقد كان مثله * شبيها بـكسرى هديه وضرائبه

إلى كلمات آخرين محكمات وأخر متشابهات، يشبه بعضها بعضا.

إن في هذا المأزق الحرج لابد لنا من ركوب إحدى الصعبتين، والحكم هي الفطرة السليمة مهما دار الامر بين تخطئة إنسان واحد محتف بالاحداث، وبين تضليل آلاف مؤلفة فيهم الائمة والعلماء والحكماء والصالحون وقد ورد في فضلهم ما ورد كما نرتأيه نحن، أو أن كلهم عدول يحتج بأقوالهم وأفعالهم كما يحبسه أهل السنة، وإن كان في البين إجتهاد كما يحسبونه في أمثال المقام فهو في الطرفين، والتحكم بإصابة إنسان واحد وخطأ تلك الامة الكبيرة في اجتهادها، تهور بحت، وتحمل لايصار إليه، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين.