الفصل الأول

ماذا في خطب النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع

نماذج من نصوص خطب الوداع

ماذا قال صلى الله عليه وآله في خطب الوداع الست؟ في مكة يوم التروية، وفي خطبة عرفات ، وفي خطبة منى يوم العيد ، وفي خطبة اليوم الثاني ، وفي خطبة مسجد الخيف يوم النفر .. وفي خطبة غدير خم ؟

مع أن المصادر نقلت القليل من الخطب النبوية الخمس في مكة وعرفات ومنى ، وخلطت بين مضامينها .. لكنا نجد في رواياتها المتعددة أنه صلى الله عليه وآله طرح كل الأمور المهمة التي تحتاج إليها الأمة من بعده .. وهذه أولاً نماذج من الخطب الشريفة من مصادر الفريقين :

قال ابن شعبة الحراني المتوفى حدود سنة350 ، في تحف العقول ص 30 : خطبته صلى الله عليه وآله في حجة الوداع :

( الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا . من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لاإله إلا الله ، وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .

أوصيكم عباد الله بتقوى الله ، وأحثكم على العمل بطاعته ، وأستفتح الله بالذي هو خير .

أما بعد : أيها الناس ! إسمعوا مني ما أبين لكم ، فإنى لاأدري لعلي لاألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا .

أيها الناس : إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام ، إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها .

وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا العباس بن عبد المطلب.

وإن دماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب .

وإن مآثر الجاهلية موضوعة ، غير السدانة والسقاية .

والعمد قَوَدٌ ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر ، وفيه مائة بعير ، فمن ازداد فهو من الجاهلية .

أيها الناس : إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ، ولكنه قد رضي بأن يطاع فيما سوى ذلك ، فيما تحتقرون من أعمالكم .

أيها الناس : إنما النسئ زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفروا ، يحلونه عاماً ويحرمونه عاما ، ليواطؤوا عدة ماحرم الله . وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض ، منها أربعة حرم ثلاثة متوالية ، وواحد فرد : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب بين جمادى وشعبان . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

أيها الناس : إن لنسائكم عليكم حقاً ، ولكم عليهن حقاً ، حقكم عليهن أن لايوطئن أحداً فرشكم ، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم ، إلا بإذنكم، وألا يأتين بفاحشة ، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإذا انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف . أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكتاب الله، فاتقوا الله في النساء ، واستوصوا بهن خيراً .

أيها الناس : إنما المؤمنون إخوة ، ولا يحل لمؤمن مال أخيه إلا عن طيب نفس منه . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد . فلا ترجعن كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض ، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي . ألا هل بلغت ؟ اللهم اشهد .

أيها الناس : إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد ، كلكم لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى .

ألا هل بلغت ؟

قالوا : نعم .

قال : فليبلغ الشاهد الغائب .

أيها الناس : إن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ، ولا تجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث ، والولد للفراش وللعاهر الحجر .

من ادعى إلى غير أبيه ، ومن تولى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، والسلام عليكم ورحمة الله).

وفي الكافي : 1/403 :

( عن الحكم بن مسكين ، عن رجل من قريش من أهل مكة قال : قال سفيان الثوري : إذهب بنا إلى جعفر بن محمد ، قال فذهبت معه إليه ، فوجدناه قد ركب دابته ، فقال له سفيان : يا أبا عبد الله حدثنا بحديث خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الخيف .

قال : دعني حتى أذهب في حاجتي فإني قد ركبت ، فإذا جئت حدثتك .

فقال : أسألك بقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله لما حدثتني .

قال : فنزل ، فقال له سفيان : مر لي بدواة وقرطاس حتى أثبته ، فدعا به ثم قال : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم . خطبة رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الخيف :

نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلغها من لم تبلغه .

يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب ، فرب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .

ثلاثٌ لايغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم ، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم .

المؤمنون إخوةٌ تتكافى دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، يسعى بذمتهم أدناهم .

فكتبه سفيان ثم عرضه عليه ، وركب أبو عبد الله عليه السلام وجئت أنا وسفيان ، فلما كنا في بعض الطريق قال لي : كما أنت ، حتى أنظر في هذا الحديث . قلت له : قد والله ألزم أبو عبد الله رقبتك شيئاً لايذهب من رقبتك أبداً ! فقال : وأي شيء ذلك ؟ فقلت له : ثلاث لايغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، قد عرفناه . والنصيحة لأئمة المسلمين ، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم ؟ معاوية بن أبي سفيان ، ويزيد بن معاوية ، ومروان بن الحكم ، وكل من لاتجوز الصلاة خلفهم ؟ وقوله : واللزوم لجماعتهم ، فأي الجماعة ؟ مرجيء يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ؟! أو قدري يقول : لايكون ما شاء الله عز وجل ، ويكون ما شاء إبليس ؟! أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب، ويشهد عليه بالكفر ؟! أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده ، ليس الإيمان شيء غيرها ؟!

قال : ويحك ، وأي شيء يقولون ؟!

فقلت : يقولون : إن علي بن أبي طالب والله ، الإمام الذي وجب علينا نصيحته . ولزوم جماعتهم : أهل بيته .

قال : فأخذ الكتاب فخرقه ، ثم قال : لاتخبر بها أحداً !) . انتهى .

وفي تفسير علي بن إبراهيم : 1/171 :

( وحج رسول الله صلى الله عليه وآله حجة الوداع لتمام عشر حجج من مقدمه المدينة ، فكان من قوله بمنى أن حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :

أيها الناس : إسمعوا قولي واعقلوه عني ، فإني لاأدري لاألقاكم بعد عامي هذا. ثم قال : هل تعلمون أي يوم أعظم حرمة ؟

قال الناس : هذا اليوم .

قال : فأي شهر ؟

قال الناس : هذا .

قال : وأي بلد أعظم حرمة ؟

قالوا : بلدنا هذا .

قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقون ربكم ، فيسألكم عن أعمالكم . ألا هل بلغت أيها الناس ؟ قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

ثم قال : ألا وكل مأثرة أو بدعة كانت في الجاهلية ، أو دم أو مال ، فهو تحت قدمي هاتين ، ليس أحد أكرم من أحد إلا بالتقوى .

ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

ثم قال : ألا وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ، وأول موضوع منه ربا العباس بن عبد المطلب . ألا وكل دم كان في الجاهلية فهو موضوع ، وأول موضوع دم ربيعة .

ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

ثم قال : ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه ، ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد !

ألا أيها الناس : إن المسلم أخو المسلم حقاً ، لايحل لامرىء مسلم دم امرىء مسلم وماله إلا ما أعطاه بطيبة نفس منه . وإنى أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، وحسابهم على الله .

ألا هل بلغت أيها الناس ؟ قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

ثم قال : أيها الناس : إحفظوا قولي تنتفعوا به بعدي ، وافهموه تنعشوا . ألا لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف على الدنيا ، فإن فعلتم ذلك - ولتفعلن - لتجدوني في كتيبة بين جبرئيل وميكائيل أضرب وجوهكم بالسيف ثم التفت عن يمينه فسكت ساعة ، ثم قال : إن شاء الله ، أو علي بن أبي طالب .

ثم قال : ألا وإني قد تركت فيكم أمرين إن أخذتم بهما لن تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض . ألا فمن اعتصم بهما فقد نجا ، ومن خالفهما فقد هلك .

ألا هل بلغت ؟ قالوا : نعم .

قال : اللهم اشهد .

ثم قال : ألا وإنه سيرد علي الحوض منكم رجال فيدفعون عني ، فأقول : رب أصحابي ؟ فيقول : يا محمد إنهم أحدثوا بعدك وغيروا سنتك ، أقول : سحقاً سحقاً .

فلما كان آخر يوم من أيام التشريق أنزل الله : إذا جاء نصر الله والفتح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : نعيت إلى نفسي ، ثم نادى الصلاة جامعة في مسجد الخيف ، فاجتمع الناس فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال :

نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها ، وبلغها من لم يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .

ثلاث لايغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمة المسلمين ، ولزم جماعتهم ، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم . المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم ، يسعى بذمتهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم .

أيها الناس : إني تارك فيكم الثقلين . قالوا : يا رسول الله وما الثقلان ؟

قال : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، كإصبعي هاتين - وجمع بين سبابتيه - ولا أقول كهاتين وجمع سبابته والوسطى ، فتفضل هذه على هذه .

فاجتمع قوم من أصحابه وقالوا يريد محمد أن يجعل الإمامة في أهل بيته ، فخرج أربعة نفر منهم إلى مكة ودخلوا الكعبة ، وتعاهدوا وتعاقدوا وكتبوا فيما بينهم كتاباً: إن مات محمد أو قتل أن لايردوا هذا الأمر في أهل بيته أبداً! فأنزل الله على نبيه في ذلك : أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون . أم يحسبون أنا لانسمع سرهم ونجواهم ، بلى ورسلنا لديهم يكتبون ... انتهى .

وفي صحيح البخاري : 5 / 126 :

عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ، السنة اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .

أي شهر هذا ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم .

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : أليس ذا الحجة ؟

قلنا : بلى .

قال : فأي بلد هذا ؟

قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : أليس البلدة ؟ قلنا : بلى .

قال : فأي يوم هذا ؟

قلنا : الله ورسوله أعلم ، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى .

قال : فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد وأحسبه قال وأعراضكم - عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ، وستلقون ربكم فسيسألكم عن أعمالكم .

ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض .

ألا ليبلغ الشاهد الغائب ، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه . انتهى .

ويلاحظ أن في هذا النص كلمة ( ضلالاً ) بدل ( كفاراً ) في غيره .

وفي صحيح البخاري : 1/24 :

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قعد على بعيره وأمسك إنسان بخطامه أو بزمامه ، ثم قال : أي يوم هذا ؟

فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه . قال : أليس يوم النحر ؟

قلنا : بلى .

قال : فأي شهر هذا ؟ فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه .

فقال : أليس بذي الحجة ؟ قلنا : بلى .

قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ليبلغ الشاهد الغائب ، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه .

وفي صحيح مسلم : 4/41 :

فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس ، أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس ، وقال :

إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا . ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل. وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله .

فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لايوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف .

وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله .

وأنتم تسألون عني ، فما أنتم قائلون ؟

قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت .

فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، ثلاث مرات .

ورواه ابن ماجة : 2/1024 ، وفيه :

ثم أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئاً . ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف ..

وفي مستدرك الحاكم : 1/77 :

وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : يا أيها الناس إني فرط لكم على الحوض ، وإن سعته ما بين الكوفة إلى الحجر الأسود ، وآنيته كعدد النجوم ، وإني رأيت أناساً من أمتي لما دنوا مني ، خرج عليهم رجل فمال بهم عني ، ثم أقبلت زمرة أخرى ففعل بهم كذلك ، فلم يفلت إلا كمثل همل النعم! فقال أبو بكر : لعلي منهم يا نبي الله ؟! قال : لا، ولكنهم قوم يخرجون بعدكم ويمشون القهقري ! هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وقد حدث به الحجاج بن محمد أيضاً عن الليث ولم يخرجاه . انتهى .

ويلاحظ أن الحديث يريدأن ينفي التهمة عن أبي بكر أنه من المعنيين بكلام النبي عن منافقي أصحابه المطرودين عن الحوض!! فمن الذي اتهمه يومذاك؟!!

وفي سنن ابن ماجة : 2/1016 :

حدثنا إسماعيل بن توبة ، ثنا زافر بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته المخضرمة بعرفات ، فقال :

أتدرون أي يوم هذا ، وأي شهر هذا ، وأي بلد هذا ؟

قالوا : هذا بلد حرام وشهر حرم ويوم حرام .

قال : ألا وإن أموالكم ودماءكم عليكم حرام ، كحرمة شهركم هذا ، في بلدكم هذا ، في يومكم هذا .

ألا وإني فرطكم على الحوض ، وأكاثر بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي .

ألا وإني مستنقذ أناساً ، ومستنقذ مني أناس ، فأقول : يا رب أصيحابي ؟ فيقول : إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك ! في الزوائد : إسناده صحيح .

وفي سنن ابن ماجة : 2/1300 :

باب لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض : عن جرير بن عبد الله ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع استنصت الناس فقال : لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض .

عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويحكم أو ويلكم ، لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض .

عن الصنابح الأحمسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إني فرطكم على الحوض ، وإني مكاثر بكم الأمم ، فلا تقتتلن بعدي ! في الزوائد إسناده صحيح ، ورجاله ثقات .

وفي سنن الترمذي : 2/62 :

سليم بن عامر قال : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال : إتقوا الله ربكم ، وصلوا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأدوا زكاة أموالكم ، وأطيعوا ذا أمركم ، تدخلوا جنة ربكم . قال : قلت لأبي أمامة : منذ كم سمعت هذا الحديث ؟ قال : سمعت وأنا ابن ثلاثين سنة . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

وفي مسند أحمد : 5/412 :

عن مرة قال : حدثني رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة حمراء مخضرمة ، فقال : أتدرون أي يومكم هذا ؟ قال : قلنا : يوم النحر .

قال : صدقتم يوم الحج الأكبر .

أتدرون أي شهركم هذا ؟ قلنا : ذو الحجة .

قال : صدقتم شهر الله الأصم .

أتدرون أي بلد بلدكم هذا ؟ قال : قلنا : المشعر الحرام .

فقال : صدقتم ، قال فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، أو قال كحرمة يومكم هذا وشهركم هذا وبلدكم هذا ، ألا وإني فرطكم على الحوض أنظركم وإني مكاثرٌ بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي ! ألا وقد رأيتموني وسمعتم مني وستسألون عني ، فمن كذب علي فليتبوأ مقعده من النار . ألا وإني مستنقذٌ رجالاً أو أناساً ، ومستنقذٌ مني آخرون ، فأقول : يا رب أصحابي ! فيقال : إنك لاتدري ما أحدثوا بعدك !!

وفي مجمع الزوائد : 3/265 :

باب : الخطب في الحج : عن أبي حرة الرقاشي عن عمه قال : كنت آخذاً بزمام ناقة رسول الله صلىالله عليه وسلم في وسط أيام التشريق أذود عنه الناس ، فقال: يا أيها الناس هل تدرون في أي شهر أنتم ، وفي أي يوم أنتم ، وفي أي بلد أنتم ؟

قالوا : في يوم حرام وبلد حرام وشهر حرام .

قال : فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، إلى يوم تلقونه .

ثم قال : إسمعوا مني تعيشوا ، ألا لاتظلموا ، ألا لاتظلموا ، ألا لاتظلموا، إنه لايحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه .

ألا وإن كل دم وماء ومال كانت في الجاهلية تحت قدمي هذه إلى يوم القيامة ، وإن أول دم يوضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل .

ألا وإن كل ربا في الجاهلية موضوع ، وإن الله عز وجل قضى أن أول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب . لكم رؤوس أموالكم لاتظلمون ولا تظلمون . ألا وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض ، ثم قرأ : إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم ، فلا تظلموا فيهن أنفسكم . ألا لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض .

ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون ، ولكنه في التحريش بينكم .

واتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان لايملكن لأنفسهن شيئاً ، وإن لهن عليكم حقاً ، ولكم عليهن حقاً أن لايوطئن فرشكم أحداً غيركم ، ولا يأذنن في بيوتكم لأحد تكرهونه ، فإن خفتم نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح - قال حميد قلت للحسن: ما المبرح ؟ قال : المؤثر - ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وإنما أخذتموهن بأمانة بالله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل .

ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها .

وبسط يده ، وقال : ألا هل بلغت ، ألا هل بلغت ؟

ثم قال ليبلغ الشاهد الغائب ، فإنه رب مبلغ أسعد من سامع .

قال حميد قال الحسن حين بلغ هذه الكلمة : قد والله بلغوا أقواماً كانوا أسعد به. قلت : روى أبو داود منه ضرب النساء فقط . رواه أحمد وأبو حرة الرقاشي ووثقه أبو داود وضعفه ابن معين . وفيه علي بن زيد وفيه كلام .

وعن أبي نضرة قال حدثني من سمع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق فقال : يا أيها الناس إن ربكم واحد وأباكم واحد ، ألا لافضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ، ولا أسود على أحمر ولا أحمر على أسود ، إلا بالتقوى .

أبلغت ؟ قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم قال : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام .

ثم قال : أي بلد هذا ؟ قالوا : بلد حرام .

قال : فإن الله عز وجل قد حرم بينكم دماءكم وأموالكم - قال : ولا أدري قال : وأعراضكم ، أم لا - كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا .

أبلغت ؟ قالوا : بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : ليبلغ الشاهد الغائب .

رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ( أحمد : 5/72 ) .

وعن ابن عمر قال : نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى في أوسط أيام التشريق فعرف أنه الموت ، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب فوقف للناس بالعقبة ، واجتمع له ما شاء الله من المسلمين فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال :

أما بعد أيها الناس ، فإن كل دم كان في الجاهلية فهو هدر ، وإن أول دمائكم أهدر دم ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل. وكل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع ، وإن أول رباكم أضع ربا العباس بن عبد المطلب .

أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض ، وإن عدة الشهور اثنا عشر شهراً ، منها أربعة حرم ، رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً ، ليواطئوا عدة ما حرم الله . كانوا يحلون صفر عاماً ويحرمون المحرم عاماً فذلك النسيء .

يا أيها الناس : من كانت عنده وديعة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها .

أيها الناس : إن الشيطان أيس أن يعبد ببلادكم آخر الزمان ، وقد رضي منكم بمحقرات الأعمال ، فاحذروا على دينكم محقرات الأعمال .

أيها الناس : إن النساء عندكم عوان ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، لكم عليهن حق ولهن عليكم حق ، ومن حقكم عليهن أن لايوطئن فرشكم غيركم ، ولا يعصينكم في معروف ، فإن فعلن ذلك فليس لكم عليهن سبيل ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، فإن ضربتم فاضربوا ضرباً غير مبرح .

لا يحل لامرئ من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه .

أيها الناس : إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله فاعملوا به .

أيها الناس : أي يوم هذا ؟ قالوا : يوم حرام .

قال : فأي بلد هذا ؟ قالوا : بلد حرام .

قال : فأي شهر هذا ؟ قالوا : شهر حرام .

قال : فإن الله تبارك وتعالى حرم دماءكم وأموالكم وأعراضكم كحرمة هذا اليوم وهذا الشهر وهذا البلد . ألا ليبلغ شاهدكم غائبكم ، لانبي بعدي ولا أمة بعدكم . ثم رفع يديه فقال : اللهم اشهد . قلت : في الصحيح وغيره طرف منه ، رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف .

وفي مجمع الزوائد : 3/272 :

وعن فهد بن البحيري بن شعيب بن عمرو بن الأزرق ، قال : خرجت إلى مكة فلما صرت بالصحرية ، قال لي بعض إخواني : هل لك في رجل له صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : نعم ، قال صاحب القبة المضروبة في موضع كذا وكذا ، فقلت لأصحابي : قوموا بنا إليه ، فقمنا فانتهينا إلى صاحب القبة ، فسلمنا فرد السلام .

فقال : مَنِ القوم ؟ قلنا : قوم من أهل البصرة بلغنا أن لك صحبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : نعم ، صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدت تحت منبره يوم حجة الوداع ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال :

إن الله يقول : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، فليس لعربي على عجمي فضل ، ولا لعجمي على عربي فضل ، ولا لأسود على أحمر فضل ، ولا لأحمر على أسود فضل ، إلا بالتقوى .

يا معشر قريش لاتجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجيء الناس بالآخرة، فإني لاأغني عنكم من الله شيئاً .

قلنا : ما اسمك ؟ قال : أنا العداء بن خالد بن عمرو بن عامر ، فارس الضحياء في الجاهلية . رواه الطبراني في الكبير بأسانيد . هذا ضعيف ، وتقدم له إسناد صحيح في الخطبة يوم عرفة .

وعن أبي قبيلة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في الناس في حجة الوداع فقال : لانبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم ، وأقيموا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، ثم ادخلوا جنة ربكم .

رواه الطبراني في الكبير ، وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس ، وبقية رجاله ثقات .

وفي سنن الدارمي : 2/47 :

فلما كان يوم التروية وجه إلى منى فأهللنا بالحج ، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ، ثم مكث قليلاً حتى إذا طلعت الشمس ، أمر بقبة من الشعر تضرب له بنمرة ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار ، لاتشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية في المزدلفة ، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة ، فوجد القبة قد ضربت بنمرة فنزلها ، حتى إذا زاغت يعني الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن الوادي فخطب الناس ، وقال :

إن دماء كم وأموالكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وأول دم أضع دماؤنا دم ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضعه ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله. فاتقوا الله في النساء ، فإنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لايؤطين فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وأنتم مسؤلون عني فما أنتم قائلون ؟

قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت .

فقال بإصبعه السبابة فرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد .

ثم أذن بلال بنداء واحد وإقامة فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر، لم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب حتى وقف ، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخيرات. . .

وفي سنن الدارمي : 2/67 :

عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال : لما كان ذلك اليوم قعد النبي صلى الله عليه وسلم على بعير ، لاأدري جمل أو ناقة ، وأخذ إنسان بخطامه، أو قال بزمامه .

فقال : أي يوم هذا ؟ قال فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه .

فقال : أليس يوم النحر ؟ قلنا : بلى .

قال فأي شهر هذا ... إلخ .

 

الأسس الإسلامية في خطب الوداع الخمس

تضمنت الخطب الوداعية درراً نبوية تنتظم في الأسس الخمس التالية :

1 - أساس المساواة الإنسانية .

- مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر ، وإلغاء التمايز القومي .

- مبدأ حسن معاملة النساء ، وعدم ظلمهن .

2 - أساس وحدة الأمة الإسلامية .

- مبدأ إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام .

- مبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين .

- مبدأ احترام الملكية الشخصية ، وتحريم أموال المسلمين على بعضهم .

- مبدأ احترام حياة المسلم ، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم .

- مبدأ احترام عرض المسلم وكرامته ، وتحريم أعراضهم على بعضهم .

- مبدأ من قال لاإله إلا الله ، فقد عصم ماله ودمه .

- مبدأ ختام النبوة به صلى الله عليه وآله ، وختام الأمم بأمته .

- مبدأ شهادة النبي على الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض .

- مبدأ ضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال التي تجر إلى الإنحراف .

- مبدأ التحذير من الكذب على النبي صلى الله عليه وآله ، ووجوب التحقق فيما ينقل عنه .

3 - أساس وحدة الشريعة ووحدة ثقافة المسلمين .

- مبدأ أداء الأمانة .

- قوانين الإرث .

- قوانين الديات والقصاص .

- تشريعات مناسك الحج ( خذوا عني مناسككم ) .

4 - مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي صلى الله عليه وآله .

- مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته .

- مبدأ التأكيد على الثقلين القرآن والعترة .

- مبدأ إعلان أن علياً ولي الأمة بعده والإمام الأول من الإثني عشر .

- مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر .

- مبدأ تخليد تعاهد قريش وكنانة على حصار بني هاشم .

- مبدأ تحذير قريش أن تطغى من بعده صلى الله عليه وآله .

- مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد بعده والصراع على السلطة .

5 - أساس عقوبة المخالفين للخط النبوي .

- مبدأ لعن من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه . . . .

ولا يتسع المجال لبحث هذه الأسس والمبادئ الإلهية بالتفصيل ، لذا نكتفي بذكر نماذج من الخطب الشريفة أولاً ، ثم نذكر فقرات تتعلق بالمبادئ المذكورة ، مع التوضيحات الضرورية .

ولا يخفى عليك أن للنبي صلى الله عليه وآله في كل واحدة من هذه المبادئ بياناتٍ متعددةً في غير حجة الوداع ، وأنها تشكل مع ما في خطب الوداع الستة كلاماً موحداً ، لايمكن فصل بعضه عن بعض .. فكلامه صلى الله عليه وآله إن هو إلا وحي يوحى يكمل بعضه بعضاً ، ويفسر بعضه بعضاً، ويشكل في كل موضوع وحدة عقيدية وتشريعية متكاملة البناء ، في صرح الإسلام الرباني الشامل .

 

الأساس الأول : المساواة الإنسانية

وقد تضمن المبدأين التاليين :

- مبدأ الوحدة الإنسانية بين البشر ، وإلغاء التمايز القومي .

- مبدأ حسن معاملة النساء ، وعدم ظلمهن .

 

الأساس الثاني : وحدة الأمة الإسلامية

وقد تضمن المبادئ التالية :

1 - مبدأ إلغاء آثار الجاهلية ومآثرها وتشريعاتها المخالفة للإسلام .

2 - مبدأ الأخوة والتكافؤ بين المسلمين .

3 - مبدأ احترام الملكية الشخصية ، وتحريم أموال المسلمين على بعضهم .

4 - مبدأ احترام حياة المسلم ، وتحريم دماء المسلمين على بعضهم .

5 - مبدأ احترام عرض المسلم وكرامته ، وتحريم أعراضهم على بعضهم .

6 - مبدأ من قال لاإله إلا الله ، فقد عصم ماله ودمه .

7 - مبدأ ختام النبوة به صلى الله عليه وآله ، وختام الأمم بأمته .

8 - مبدأ شهادة النبي على الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض .

9 - مبدأضرورة الدقة والحذر من محقرات الأعمال التي تجر إلى الإنحراف.

10 - مبدأ التحذير من الكذب على النبي صلى الله عليه وآله ، والتحقق فيما ينقل عنه .

وقد روى المسلمون فقرات الخطب التي تتعلق بالمبادئ الخمس الأولى من هذا الأساس بكثرة ، وحفظوها وكرروها ، حتى ليتصور الإنسان لأول وهلة أنها الموضوع الوحيد في خطب حجة الوداع !

والسبب في ذلك : أن المجتمع العالمي كان في عصره صلى الله عليه وآله مجتمع تمييزٍ حادٍ على أساس قومي وقبلي وطبقي .. وكان يحكمه ( قانون الغلبة والقوة ) فالغالب على حق دائماً ، سواء كان حاكماً ، أو قبيلة ، أو فارساً ، أو صعلوكاً !! فما دام استطاع أن يقهر الآخرين ، أو يغزوهم ويقتلهم ويسرق أموالهم ، أو يغصبها منهم عنوة ، أو يحتال عليهم بحيلة .. فهو على حق !

فجاءت تشريعات الإسلام لتلغي ذلك كله ، وتعلن تساوي الناس أمام الشرع ، وتحرم كل أنواع الاعتداء على الحقوق الشخصية ، وتركز احترام الإنسان وملكيته وكرامته .

فالأمر الذي جعلهم يحفظون هذه المبادئ من خطب النبي صلى الله عليه وآله أكثر من غيرها ، هو إعجاب المسلمين المؤمنين بها ، وكونها تمثل حلاً لمشكلة الغزو والقتل التي كانوا يعانون منها .

وقد كان لهذه التوجيهات بصيغها الإلهية والنبوية البليغة ، تأثير كبير على مجرى احترام الإنسان وماله وعرضه ورأيه في حياة النبي صلى الله عليه وآله وبعد وفاته ، إذ لولاها لساء وضع مجتمع المسلمين أضعاف ما وصل إليه من سوء ! ولعادت النظرة إلى الإنسان والتصرف معه إلى الحالة الجاهلية مئة بالمئة!

ولا يحتاج المرء الى جهد ليلاحظ هبوط هذه القيم والقوانين هبوطاً حاداً بعد النبي صلى الله عليه وآله .. وأن أكثر الناس احتراماً للإنسان وحرياته المشروعة ، هم عترة النبي وأهل بيته الطاهرون ،ثم الأقرب منهم فالأقرب ! فعلي عليه السلام هو الحاكم الوحيد بعد النبي صلى الله عليه وآله الذي لم يجبر أحداً على بيعته ، ولم يستعمل قانون الطوارئ أو الأحكام العرفية ، ولا أي قانون استثنائي ، حتى مع خصومه والممتنعين عن بيعته ، بل حتى في حروبه .. مع أنه ابتلي بثلاثة حروب استوعبت مدة خلافته كلها !

بينما استعمل أبو بكر وعمر قانون الجاهلية في القوة والقهر في السقيفة ضد الأنصار ، وهموا بقتل سعد بن عبادة ! ثم هاجموا الممتنعين عن بيعتهم وهم مجتمعون في بيت علي وفاطمة عليهما السلام ، مع أنهم في عزاء بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وجنازته كانت مسجاة لم تدفن بعد ! وهددوهم بإحراق البيت عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا ! ولما تأخروا عن الخروج أشعلوا النار في الحطب ، وأحرقوا الباب ... الخ !!

* * *

وأما المبدأ السادس من هذا الأساس:

( من قال : لاإله إلا الله فقد عصم ماله ودمه ) ، فقد جاء في رواية تفسير علي بن إبراهيم القمي بصيغة ( وإني أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) . وهو مبدأ له ثلاثة أبعاد :

الأول : أن من أعلن الشهادتين من أي دين أو قبيلة كان فهو مسلم ، يحرم ماله ودمه وعرضه ، إلا إذا انطبقت عليه مواد الفئة الباغية ، أو المفسد في الأرض ، أو قتل أحداً عمداً ، أو ارتد عن الإسلام ، أو زنى وهو محصن.

* * *

الثاني : أن أهل الكتاب مستثنوْن من هذه القاعدة ، والموقف منهم في الحرب والسلم نصت عليه أحكام التعايش الشرعية الخاصة بهم .

الثالث : أن النبي صلى الله عليه وآله أشهد أمته أنه تقيد في الجهاد بأمر ربه عز وجل ، ولم يتعده .. فمهمته في الجهاد إنما كانت على تنزيل القرآن ، وتحقيق إعلان الشهادتين فقط ، أي لتكوين الشكل الكلي للأمة ، ولم يؤمر بقتال المنحرفين ، أو الذين يريدون أن ينحرفوا من المسلمين ، لأن ذلك قتال على التأويل ، يكون من بعده ، لافي عهده .

* * *

وأما المبدأ السابع (ختم النبوة به صلى الله عليه وآله وختم الأمم بأمته ) .

فقد ورد في رواية مجمع الزوائد المتقدمة وغيرها : ( فقال : لانبي بعدي ، ولا أمة بعدكم ، فاعبدوا ربكم ، وأقيموا خمسكم ، وصوموا شهركم ، وأطيعوا ولاة أمركم ، ثم ادخلوا جنة ربكم ) .

وهو مبدأ هيمنة شريعته صلى الله عليه وآله على شرائع الأنبياء السابقين عليهم السلام .. وردُّ مدعي النبوة الكذابين ، الذين ظهر بعضهم في زمنه صلى الله عليه وآله ، وظهر عددٌ منهم بعد وفاته .

كما أنه يعطي الأمة الإسلامية شرف ختام أمم الأنبياء عليهم السلام ، ويلقي عليها مسؤولية هذه الخاتمية في هداية الأمم الأخرى .

وقد حدد النبي صلى الله عليه وآله لهم الخطوط العامة بعبادة الله تعالى والصلاة والصوم وإطاعة ولي الأمر .. ولكن لايبعد أن الراوي نقل ما حفظه من كلامه صلى الله عليه وآله ونسي بعضه كالزكاة والحج .

ومن الملاحظ في هذه المبدأ وجود فريضة إطاعة ولي الأمر على لسان النبي صلى الله عليه وآله ! وإذا أوجب الله تعالى إطاعة أحد بدون شروط ، فمعناه أنه معصومٌ لايظلم ولا يأمر ولا ينهى إلا بالحق .. وبما أن النص النبوي لم يذكر شروطاً لإطاعة أولي الأمر ، فيكون مقصوده الإثني عشر إماماً المعينين من الله تعالى ، الذين بشر الأمة بهم .

* * *

وأما المبدأ الثامن ( شهادة النبي صلى الله عليه وآله على الأمة في الآخرة ، وموافاتها له على الحوض ) . فقد ورد في مصادر متعددة كما مر ، وفي بعضها (ألا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم ، فلا تسودوا وجهي ) ، وفي بعضها ( وإني مكاثر بكم الأمم ، فلا تقتتلن بعدي ) .

وهو أسلوب نبوي فريد في التأكيد على الأمة في وداعها ، بأنها ستوافي نبيها بين يدي ربها ، ويكون كل فردٍ منها بحاجة ماسةٍ إلى أن يسقى من حوض الكوثر ، شربةً لايظمأ الإنسان بعدها أبداً ، ويصلح بها بدنه لدخول الجنة . وهذا التوجيه منه صلى الله عليه وآله يشبه قول أب لأولاده :

إعملوا بوصيتي فإني مسافر عنكم ، وسوف تأتون إلي ، وتكونون في حالة فقر شديدة ، وعندي أموالٌ كثيرة ، وسأعرف من عمل بوصيتي منكم ، ومن خالفني !

* * *

وأما المبدأ التاسع ( التحذير من محقرات الأعمال التي توجب الانحراف ) ، ففيه إلفات إلى قاعدة مهمة في السلوك الفردي والإجتماعي ، وهي أن الإنحراف يبدأ بأمر صغير ، أو أمور تبدو بسيطة ، يحتقرها الإنسان ولا يراها مهمة في ميزان التقوى.. وإذا بها تستتبع أموراً أخرى ، وتجره إلى هاوية الهلاك الأخروي ، أو الدنيوي ! وهو أمر مشاهد سواء في حالات الهلاك الفردي أو الإجتماعي .. فقد يتسامح المسلم في النظر إلى امرأة أجنبية تعجبه ، ويتسامح في الحديث معها ، ثم في التصرف .. حتى ينجر أمره إلى الفاحشة !

وقد يتسامح في اتخاذ صديق سوء ، ولا ينصت إلى صوت ضميره الديني ، ولا يسمع نصح ناصحيه .. حتى يغرق معه في بحر ظلمه للناس ، أو بحر انحرافه ورذيلته !

وقد تتسامح الأمة في اعتداء الأجانب عليها ، أو في نفوذهم السياسي ، أو الإقتصادي أو الثقافي في بلادها .. فينجر الأمر إلى تسلطهم على مقدراتها ، وسيطرتهم عليها ..

أو يتسامح المجتمع في مظهر من مظاهر الفساد والمنكر أول ما يحدث في محلة أو منطقة منه ، أو في فئة من فئاته ..

أو يتسامح المجتمع في شروط حاكمه ، ووزرائه وقضاته ، أو في ظلمهم وسوء سيرتهم .. فينجر ذلك إلى شمول الفساد في المجتمع ، وتسارع هلاكه !

فالمحقرات من الذنوب هي المواقف أو التصرفات الصغيرة ، التي تكون في منطق الأحداث والتاريخ بذوراً غير منظورة ، لشجرة شر كبيرة ، على المستوى الفردي أو الإجتماعي !! وبهذا ورد تفسيرها عن النبي صلىالله عليه وآله في مصادر الطرفين.. ففي الكافي 2/288:

( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله نزل بأرض قرعاء ، فقال لأصحابه : إئتوا بحطبٍ ، فقالوا : يا رسول الله نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب ! قال : فليأت كل إنسان بما قدر عليه ، فجاؤوا به حتى رموا بين يديه ، بعضه على بعض ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هكذا تجتمع الذنوب ، ثم قال : إياكم والمحقرات من الذنوب ، فإن لكل شيء طالباً ، ألا وإن طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم ، وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ) . انتهى .

وفي سنن البيهقي : 10/188 :

( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إياكم ومحقرات الأعمال ، إنهن ليجمعن على الرجل حتى يهلكنه ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلاً ، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل يجيء بالعويد ، والرجل يجيء بالعويد ، حتى جمعوا من ذلك سواداً، ثم أججوا ناراً ، فأنضجت ما قذف فيها). انتهى.

وهذان الحديثان الشريفان ناظران إلى التراكم الكمي للذنوب والأخطاء المحقرة ، وكيف تتحول إلى خطر نوعي في حياة الفرد والمجتمع .

وقد يكون الحديثان التاليان ناظرين إلى التراكم الكيفي في نفس الإنسان والمجتمع ، وشخصيتهما .. ففي الكافي : 2/287 :

( عن الإمام الصادق عليه السلام قال : اتقوا المحقرات من الذنوب ، فإنها لاتغفر ! قلت : وما المحقرات ؟ : قال : الرجل يذنب الذنب ، فيقول طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك ! ).

وفي سنن ابن ماجة : 2/1417:

( عن عائشة قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال، فإن لها من الله طالباً ) . في الزوائد : إسناده صحيح، رجاله ثقات. انتهى . ورواه الدارمي : 2/303 ، وأحمد : 6/70 و151 .

ومن القواعد الهامة التي نفهمها من هذا التوجيه النبوي : أن الشيطان عندما ييأس من السيطرة على أمة في قضاياها الكبيرة ، يتجه إلى التخريب والإضلال عن طريق المحقرات ! ( ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبداً ، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم ، فيرضى بها ) . سنن ابن ماجة : 2/1015

فقد كان الإسلام الذي أنزله الله تعالى ، وبناه رسوله صلى الله عليه وآله صرحاً كبيراً وقلعةً محكمة ، يئس الشيطان من قدرته على هدمها ، فعمد الى إقناع شخص من أهله بسحب حجر واحدٍ صغير من ركن الجدار ، ثم حجر آخر .. وآخر .. حتى يفرغ تحت الأساس فينهار الصرح على من فيه !

شبيهاً بالجرذ الذي سحب الحجر الأول من جدار سد مارب !

ومن الأمور الملفتة التي وردت في التوجيه النبوي في رواية علي بن إبراهيم أن إطاعة الشيطان في محقرات الذنوب عبادة له ، فالذين يبدؤون بالإنحراف في مجتمع ، إنما يعبدون الشيطان ولا يعبدون الله تعالى ، وهم بدعوتهم الى انحرافهم يدعون الأمة العابدة لله تعالى إلى عبادة الشيطان .. ( ولكنه راض بما تحتقرون من أعمالكم ، ألا وإنه إذا أطيع فقد عبد ! ) .

كما أن شهادة النبي صلى الله عليه وآله بأن الشيطان راض بما تحتقرون من أعمالكم ، شهادةٌ خطيرة يخبر بها عن ارتياح الشيطان من نجاحه في مشروعه في إضلال الأمة ، وهدم صرحها عن طريق المحقرات.. وهو ينفع في تفسير قوله تعالى: ( ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين ) . سبأ - 20 .

أما أهل البيت عليهم السلام فقد اعتبروا أن طمع الأمة بالسلطة بعد النبي صلى الله عليه وآله وصراعها عليها ، كان أعظم المحقرات التي ارتكبتها بعد نبيها.. ففي بحار الأنوار : 28/217 : عن الإمام الباقر عليه السلام قال في تفسير قوله تعالى: ( ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) قال : ذلك والله يوم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ! ) . انتهى .

* * *

وأما المبدأ العاشر ( تحذير النبي صلى الله عليه وآله من الكذب عليه ) ، فقد ورد في روايتي أحمد المتقدمتين وغيرهما ، ووردت فيه أحاديث كثيرة مشددة في مصادر الشيعة والسنة ، تدل على أن هذه المشكلة كانت موجودة في حياة النبي صلى الله عليه وآله ، وأنه أخبر بأنها ستزداد من بعده ، ويكثر الكذابون عليه !

والمتأمل في هذه المشكلة يشمئز من أولئك الكذابين ، لأن عملهم عمل شيطاني من شأنه أن يشوه الإسلام ويزوره ، ويمنع وصوله إلى الأجيال .. خاصة أن النبي صلى الله عليه وآله لم يؤمر بمعاقبتهم على كذبهم الماضي أو الآتي !! فهل يكفي في معالجة المشكلة تحذير الكذابين ، وتحذير الأمة منهم ؟!

من الواضح أن ذلك علاج لاينفع إلا في تقليل حجم المشكلة الكمي ، وإن تصريح النبي صلى الله عليه وآله بوجودها ، وإخباره باستمرارها وتفاقمها بعده ، دليلٌ على أنه وضع لها بأمر ربه الحكيم ، علاجاً كافياً .. والعلاج ليس إلا بوجود من يميز أحاديثه الصحيحة عن غيرها .. وهم عترته الذين جعلهم عدل الكتاب وأوصى بهم الأمة من بعده (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ) .. فكل حديث خالف كتاب الله تعالى فهو زخرف باطل يستحيل أن يكون صادراً من النبي صلى الله عليه وآله ، لأنه لايقول ما يخالف القرآن ! وكل حديث يخالف عترته الطاهرين ورثة القرآن ، فهو باطل أيضاً !

* * *

 

الأساس الثالث : وحدة شريعة المسلمين وثقافتهم

وقد تضمن المبادئ التالية :

1 - مبدأ أداء الأمانة .

2 - قوانين الإرث .

3 - قوانين الديات والقصاص .

4- تشريعات مناسك الحج ( خذوا عني مناسككم ) .

وقد وردت مبادئ هذا الأساس في فقرات متعددة من خطب حجة الوداع ذكرنا منها أداء الأمانة وتشريعات الإرث والديات والحج .. ويوجد في الخطب الشريفة تشريعات أخرى أيضاً لم نذكرها .

ومن الواضح أن العامل الأساسي في وحدة ثقافة الأمة الإسلامية على اختلاف بلادها وقومياتها ، هو وحدة عقيدتها وشريعتها ..

وأن كل الدول والحضارات السابقة على الاسلام واللاحقة ، لم تستطع أن تحقق بين الشعوب التي شملتها ما حققه الإسلام من وحدة في التصور والسلوك وهي وحدة ما زالت قائمة إلى اليوم بين شعوبه ، رغم العوامل المضادة !

* * *

 

الأساس الرابع : مبادئ مسيرة الدولة والحكم بعد النبي (ص)

وقد تضمن هذا الأساس المبادئ التالية :

1 - مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته .

2 - مبدأ التأكيد على الثقلين القرآن والعترة .

3 - مبدأ إعلان أن علياً ولي الأمة بعده والإمام الأول من الإثني عشر .

4 - مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر .

5 - مبدأ تخليد تعاهد قريش وكنانة على حصار بني هاشم .

6 - مبدأ تحذير قريش أن تطغى من بعده صلى الله عليه وآله .

7 - مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد بعده والصراع على السلطة .

8 - مبدأ البشارة بالأئمة الإثني عشر من عترته .

9 - مبدأ التأكيد على الثقلين : القرآن والعترة .

10 - مبدأ إعلان علي ولياً للأمة من بعده ، الإمام الأول من الإثني عشر.

11 - مبدأ أداء الفرائض ، وإطاعة ولاة الأمر .

12 - مبدأ تخليد تعاهد قريش على حصار بني هاشم .

13 - مبدأ تحذير قريش أن تطغى من بعده صلى الله عليه وآله .

14 - مبدأ تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة .

وسوف يأتي إن شاء الله بحث أحاديث الأئمة الإثني عشر ، الذي شهدت رواياته بأنه صدر في خطب حجة الوداع .. والعاقل لايمكنه أن يقبل أن النبي صلى الله عليه وآله قد أخفى هوية هؤلاء الأئمة الإثني عشر المعينين من الله تعالى وضيعهم في ثلاث وعشرين قبيلة من قريش .. أو أنه طرح موضوعهم وهو يودع الأمة نظرياً لمجرد إخبارها بوجودهم ، كما تدعي قريش ورواتها !

وأما المبدأ الثاني من هذا الأساس: ( التأكيد على الثقلين : القرآن والعترة ) فقد روته مصادرنا في خطبة الغدير ، وفي خطبة مسجد الخيف أيضاً ، وربما في غيرها من خطب حجة الوداع، كما تقدم في رواية تفسير علي بن إبراهيم.

أما مصادر السنيين فقد روت بشكل واسع تأكيد النبي صلى الله عليه وآله على الثقلين القرآن والعترة في خطبة غدير خم فقط ، وصححوا روايتها ، وقد تقدم أن الطبري المعروف ألف كتاباً من مجلدين جمع فيه طرق أحاديث الغدير وأسانيدها .

أما في بقية خطب حجة الوداع: فقد رواها من صحاحهم المعروفة الترمذي في سننه : 5/ 328 ، قال :

( عن جابر بن عبد الله قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته يوم عرفة وهو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: يا أيها الناس ، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وفي الباب عن أبي ذر ، وأبي سعيد ، وزيد بن أرقم ، وحذيفة بن أسيد . هذا حديث غريب حسن ، من هذا الوجه . وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان ، وغير واحد من أهل العلم ) . انتهى .

ومن الملاحظ أن عدداً من المصادر السنية روت وصية النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بالكتاب وحده ، بدون العترة ! ففي صحيح مسلم : 4/41 : ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ) .

ومثله في أبي داود : 1/427 ، وسنن البيهقي : 5/8، ونحوه في ابن ماجة: 2/1025 ، وفي مجمع الزوائد : 3/265 : بصيغة ( أيها الناس إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله فاعملوا به ) .

والمتتبع لأحاديث الباب يطمئن بأن الذي حصل هو إسقاط العترة من روايتهم ، بسبب رقابة قريش على أحاديث نبيها صلى الله عليه وآله ! والدليل على ذلك : أن نفس المصادر التي روت هذا الحديث ناقصاً في حجة الوداع ، روته تاماً في غيرها ، فيحمل الناقص على التام ! فقد روى مسلم والبيهقي وابن ماجة والهيثمي بروايات متعددة ، وصية النبي صلى الله عليه وآله بالقرآن والعترة معاً ، وتأكيداته المتكررة على ذلك ..

ففي صحيح مسلم : 7/122 : ( عن زيد بن أرقم : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خماً ، بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر، ثم قال : أما بعد ، ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب ، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله ، واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي . فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد ، أليس نساؤه من أهل بيته ؟ قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده . قال : ومن هم ؟ قال : هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس . قال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم ). انتهى. ورواه البيهقي في سننه 7/30 و10/114 .

وفي مجمع الزوائد : 1/170: ( عن زيد بن ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إني تركت فيكم خليفتين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا علي الحوض . رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ).

ورواه بنحوه : 9/162 وقال : رواه أحمد وإسناده جيد .

وأما أبو داود فلم يرو حديثاً صريحاً في الثقلين ، ولكنه عقد في سننه : 2/309 كتاباً باسم (كتاب المهدي ) ، روى فيه حديث الأئمة الإثني عشر وبشارة النبي صلى الله عليه وآله بالإمام المهدي وأنه من ذرية علي وفاطمة عليهما السلام ، وروى عن النبي صلى الله عليه وآله قوله :

( لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً ) . انتهى .

* * *

والذي يؤكد ما ذهبنا اليه من أن الوصية بالعترة حذفت من خطب حجة الوداع: أن الكلام النبوي الذي هو جوامع الكلم ، له خصائص عديدة يتفرد بها .. ومن خصائصه أنه يستعمل تراكيب معينة لمعان معينة ، لايستعملها لغيرها ، فهو بذلك يشبه القرآن . وتركيب ( ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ) خاص لوصيته للأمة بالقرآن والعترة ، لم يستعمله صلى الله عليه وآله في غيرهما أبداً .. كما أن تعبير ( إني تارك فيكم الثقلين ) .. لم يستعمله في غيرهما أبداً . ولذلك عندما قال لهم في مرض وفاته : إيتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً .. فهمت قريش أنه يريد أن يلزم المسلمين بإطاعة الأئمة من عترته بشكل مكتوب ، فرفضت ذلك بصراحة ووقاحة ! وقد روى البخاري هذه الحادثة في ستة أماكن من صحيحه !! وروت مصادرهم أن عمر افتخر في خلافته ، بأنه بمساعدة قريش حال دون كتابة ذلك الكتاب !!

وعليه فإن ورود هذا التركيب في أكثر رواياتهم لخطب حجة الوداع للقرآن وحده دون العترة ، يخالف الأسلوب النبوي ، وتعبيره المبتكر في الوصية بهما معاً .. خاصة وأن الترمذي وغيره رووهما معاً !

والنتيجة : أن بشارة النبي صلى الله عليه وآله لأمته في حجة الوداع بالأئمة الإثني عشر ، ووصيته بالثقلين ، وجعله عترته الطاهرين علياً وفاطمة والحسن والحسين عدلاً للقرآن في وجوب الأتباع ، أمرٌ ثابتٌ في مصادر جميع المسلمين . . لاينكره إلا من يريد أن يتعصب لقبيلة قريش ، في مقابل الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله .

* * *

وأما المبدأ الثالث من هذا الأساس ( إعلان علي ولياً للأمة من بعده ) ، فهو صريح خطبة الغدير ، وقد اقتصرنا منها على نزول الآيات الثلاث فيها ، ولا يتسع موضوعنا لبحث أسانيد الخطبة ونصوصها ، ودلالتها.. وقد تكفلت بذلك المصادر الحديثية والكلامية ، ومن أقدمها كتاب ( الولاية ) للطبري السني ، ومن أواخرها كتاب ( الغدير ) للعلامة الأميني رحمه الله .

وأما المبدأ الرابع من هذا الأساس ( تأكيده صلى الله عليه وآله على أداء الفرائض وإطاعة ولاة الأمر ) ، فقد تقدم ذكره في فقرات الأساس الثاني ، وقد اعترف الفخر الرازي وغيره في تفسير قوله تعالى ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) بأن غير المعصوم لايمكن أن يأمرنا الله تعالى بطاعته بدون شرط ، لأنه يكون بذلك أمر بالمعصية ! فلا بد أن يكون أولو الأمر في الآية معصومين .. وكذلك الأمر في الحديث النبوي الشريف في حجة الوداع ، وغيرها .

* * *

وأما المبدأ الخامس من هذا الأساس ( تخليده صلى الله عليه وآله مكان تعاهد قريش على حصار بني هاشم ) فقد رواه البخاري في صحيحه : 5/92 ، قال : (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : منزلنا إن شاء الله إذا فتح الله ، الخيف ، حيث تقاسموا على الكفر ). انتهى .

ورواه في: 4/246 و8/194 ورواه في : 2/158 ، بنص أوضح ، فقال : ( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم من الغد يوم النحر وهو بمنى : نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة ، حيث تقاسموا على الكفر . يعني بذلك المحصب ، وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أو بني المطلب ، أن لايناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم !! ). انتهى .

ورواه مسلم: 4/86 ، وأحمد : 2/322 و237 و263 و353 و540 . ورواه البيهقي في سننه: 5/160 ، بتفاوت ، وقال ( أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث الأوزاعي ) .

وقد رواه مسلم عن الأوزاعي ، ولكن البخاري لم يروه عنه ، بل عن أبي هريرة ، ولم نجد في طريقه الى الأوزاعي ، فهو اشتباه من البيهقي ، ويحتمل أنه سقط من نسخة البخاري التي بأيدينا .

وفي رواية البيهقي عن الأوزاعي زيادة ( أن لايناكحوهم ، ولا يكون بينهم شيء، حتى يسلموا إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .

كما أن في رواياتهم تفاوتاً في وقت إعلان النبي صلى الله عليه وآله للمسلمين عن مكان نزوله في منى ، فرواية البخاري تذكر أنه أعلن ذلك في منى بعد عرفات ، بينما تذكر رواية الطبراني أنه أعلن ذلك في مكة قبل توجهه إلى الحج .. وهذا أقرب إلى اهتمامه صلى الله عليه وآله بالموضوع ، وحرصه على تركيزه في أذهان المسلمين ، خاصة أنه نزل في هذا المنزل ، وبات فيه ليلة عرفات ، وهو في طريقه إليها كما تقدم في رواية الدارمي ، ثم نزل في ذلك المكان بعد عرفات طيلة أيام التشريق ! قال في مجمع الزوائد : 3/250: ( عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل يوم التروية بيوم : منزلنا غداً إن شاء الله بالخيف الأيمن، حيث استقسم المشركون . رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله ثقات ) . انتهى .

والمسألة المهمة هنا أن هدف النبي أن يذكر قريشاً والمسلمين بحادثةٍ عظيمة وقعت في هذا المكان ، قبل نحو أربع عشرة سنة من ذلك اليوم فقط ! وهي حادثة تريد قريش أن تدفنها وأن ينساها الناس ، ويريد الله ورسوله أن تخلد في ذاكرة المسلمين والتاريخ .. وكلها عارٌ على قريش ، وفخرٌ للنبي صلى الله عليه وآله وبني هاشم.. وصورةٌ عن جهود فراعنة قريش ، حيث استطاعوا أن يحققوا إجماع قبائلهم ، ويقنعوا قبائل كنانة القريبة من الحرم بالتحالف معهم وتنفيذ المقاطعة التامة لبني هاشم ! !

وقد نفذوها لسنين طويلة وضيقوا عليهم اقتصادياً واجتماعياً تضييقاً تاماً ، حتى يتراجع محمد عن نبوته ، أو يسلمه بنو هاشم إلى قريش ليقتلوه !! وقد اعتبر الفراعنة يومذاك أنهم نجحوا نجاحاً كبيراً وحققوا إجماع قريش وكنانة على هذا الهدف الشيطاني ، وكان مؤتمرهم ذلك في المحصب في خيف بني كنانة حيث تقاسموا باللات والعزى على هدفهم ، وكتبوا الصحيفة وختمها ثمانون رئيساً وشخصية منهم بخواتيمهم ، وبدؤوا من اليوم الثاني بتنفيذها ، واستمر حصارهم ومقاطعتهم نحو أربع سنوات وربما أكثر ، الى قبيل هجرته صلى الله عليه وآله من مكة !!

وقد تضامن بنو هاشم مع النبي صلى الله عليه وآله ، وقبلوا أن يحاصروا في شعب أبي طالب ، مسلمهم وكافرهم ما عدا أبي لهب ، وتحملوا سنوات الحصار والفقر والأذى والإهانة ، ولم يشاركهم في ذلك أحد من المسلمين ! حتى فرج الله عنهم بمعجزة !

لقد أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يوعي المسلمين الجدد على تاريخ الإسلام، وتكاليف الوحي ، ليعرفوا قيمته.. ويعرفهم أين يقع معدن الإسلام وأين يقع معدن الكفر !

كما أراد أن يبعث بذلك رسالة إلى بقية الفراعنة من زعماء قريش ، من أعضاء مؤتر المقاطعة ، الذين ما زالوا أحياء ، بأنهم قد تحملوا وزر هذا الكفر والعار ، ثم ارتكبوا بعده ما هو أعظم منه ، ولم يتراجعوا إلا عندما جمعهم النبي في فتح مكة تحت سيوف بني هاشم والأنصار ، فأعلنوا إسلامهم خوفاً من القتل .. وهاهم اليوم يخططون لوراثة دولة الإسلام التي بناها الله تعالى ورسوله ، وهم كارهون !!

لقد أهلك الله تعالى عدداً قليلاً من أبطال ذلك الحلف الشيطاني ، من سادة مؤتمر المحصب ، بالموت ، وبسيف علي بن أبي طالب .. ولكن العديد مثل سهيل بن عمرو ، وأبي سفيان ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ، وغيرهم من زعماء قريش وكنانة .. ما زالوا أحياءً ينظرون ، وكانوا حاضرين مع النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع يسمعون كلامه ويذكرون ماضيهم بالأمس القريب جيداً ، ويتعجبون من عفوه عنهم واكتفائه بإقامة الحجة الدامغة عليهم ! وكانت تصرفاتهم الظاهرة والخفية ، ومنطق الأمور ، وشهادة أهل البيت ، ومجرى التاريخ .. تدل على فرحهم بأن النبي صلى الله عليه وآله يعلن قرب موته ورحيله عنهم ، وأنهم يعدون العدة لما بعده لحصار جديد لبني هاشم باسم الاسلام !!

فأراد النبي صلى الله عليه وآله أن يذكرهم بخطتهم في حصارهم القديم ، كيف أحبطها الله تعالى! وأنه سيحبط حصارهم الجديد أيضاً ولو بعد حين !!

وأما المبدأ السابع من هذا الأساس ( تحذيره قريشاً أن تطغى من بعده ) ، فقد ذكرته أحاديث مصادرنا ، وذكرته رواية الهيثمي المتقدمة في مجمع الزوائد عن فهد بن البحيري ، الذي استمع على ما يبدو إلى خطبة يوم عرفة ونقل عن النبي صلى الله عليه وآله قوله :

( يا معشر قريش لاتجيئوا بالدنيا تحملونها على رقابكم وتجيء الناس بالأخرة، فإني لاأغني عنكم من الله شيئاً ) . انتهى .

ونشكر الله تعالى أن فهداً البحيري هذا كان بدوياً ، ولم يكن قرشياً ولا كنانياً ، وإلا لجعل هذه الرواية سيفاً مسلطاً على رقبة بني هاشم ، وأبعدها عن قريش ، كما فعل الرواة القرشيون ! فجعلونا نقرأ في مصادر السنيين عشرات الأحاديث ( الصحيحة ) في تحذير النبي صلى الله عليه وآله بني هاشم وبني عبد المطلب وذمهم ، ومنها هذا الحديث بهذه الصيغة ولكنه بزعمهم موجه لبني عبد المطلب .. وليس لقريش !!

وجعلونا نقرأ عشرات الأحاديث في مدح قريش ووجوب أن تكون القيادة فيهم ! ولا تكاد تجد فيها حديثاً في ذم قريش إلا وقد حرفوه إلى ذم بني هاشم! أو أحبطوا معناه بحديث آخر ! أو حولوه إلى مدح لقريش !!

وحديث ابن البحيري هذا في حجة الوداع تحذيرٌ نبويٌّ صريح لقريش ، وهو في محله ووقته تماماً.. لأن قريشاً ذات موقع مميز في العرب .. وهي المتصدية لقيادة عرب الجزيرة في حياة النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده .. فالخطر على أهل بيته إنما هو من قريش وحدها .. والتحريف الذي يخشى على الإسلام.. والظلم الذي يخشى على المسلمين إنما هو من قريش وحدها .. وبقية القبائل تبع لها !

والنبي صلى الله عليه وآله إنما هو مبلغ عن ربه ، ومتمم لحجة ربه ، وعليه أن يحذر وينذر .. ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة .

* * *

وأما المبدأ الثامن من هذا الأساس ( تحذيره الصحابة من الإرتداد والصراع على السلطة ) ، فقد روته مصادر الجميع بصيغتين : مباشرة ، وغير مباشرة ..

أما غير المباشرة فهي قوله صلى الله عليه وآله : لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض . وقد تقدم في نصوص الخطب أن ابن ماجة عقد باباً في سننه : 2/1300 ، تحت هذا العنوان وقال فيه إن النبي صلى الله عليه وآله : ( استنصت الناس فقال ... ويحكم أو ويلكم ، لاترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض... فلا تقتتلن بعدي ) . وهذا يعني أن ذلك سوف يقع منهم ، وقد أخبرهم أنهم سيفعلون ، ولكنه صلى الله عليه وآله استعمل كل بلاغته وكل عاطفته وكل موجبات الخوف والحذر ليقيم الحجة عليهم لربه عز وجل حتى إذا وافوه يوم القيامة لايقولوا : لماذا لم تحذرنا ؟!

والذين يحذرهم من الإقتتال ليسوا إلا الصحابة لاغير .. لاغير .. لااليهود ولا القبائل العربية ، ولا حتى زعماء قريش بدون شركائهم من الصحابة .. فالدولة الإسلامية كانت قائمة ، وقد حققت مركزيتها على كل الجزيرة ، والخوف من الإقتتال بعد النبي صلى الله عليه وآله ليس من القبائل التي خضعت للإسلام طوعاً أو كرهاً ، مهما كانت كبيرة وموحدة مثل هوازن وغطفان .. فهي لاتستطيع أن تطمح إلى قيادة هذه الدولة ، وإن طمحت فلا حظَّ لها في النجاح ، إلا بواسطة الصحابة ..

واليهود قد انكسروا وأجلى النبي صلى الله عليه وآله قسماً منهم من الجزيرة ، ولم تبق لهم قوة عسكرية تذكر .. ومكائدهم وخططهم مهما كانت قوية وخبيثة ، فلا حظَّ لها في النجاح إلا .. بواسطة الصحابة ..

وزعماء قريش ، مع أنهم يملكون جمهور قبائل قريش ، ومعهم ألفا مقاتل ، فهم لايستطيعون أن يدعوا حقاً في قيادة الدولة بعد النبي صلى الله عليه وآله لأنهم كلهم أعداؤه وطلقاؤه ، يعني كان للنبي صلى الله عليه وآله الحق في أن يقتلهم ، أو يتخذهم عبيداً ، فاتخذهم عبيداً وأطلقهم .. فلا طريق لهم للقيادة إلا بواسطة العدد الضئيل من الصحابة ، من القرشيين المهاجرين ..

وبذلك يتضح أن تحذيره صلى الله عليه وآله من الصراع بعده على السلطة، ينحصر بالصحابة المهاجرين ، ثم بالأنصار فقط .. وفقط !!

وهنا يأتي دور التحذير المباشر ، الذي لاينقصه إلا الأسماء الصريحة .. وقد جاء هذا الإعلان النبوي على شكل لوحة من الغيب ، عن المصير الذي يمشي إليها هؤلاء الصحابة المنحرفون المحرفون ! لوحةٌ أخبره بها جبرئيل عليه السلام عن الله تعالى ، يوم يجعل الله محمداً صلى الله عليه وآله رئيس المحشر ، ويعطيه جبرئيل لواء الحمد ، فيدفعه النبي إلى علي بن أبي طالب ، فهو حامل لوائه في الدنيا والآخرة ، ويكون جميع أهل المحشر تحت قيادة محمد صلى الله عليه وآله ويفتخر به آدم عليه السلام ، حتى يدعى أبا محمد .. صلى الله عليه وآله .

ويعطي الله تعالى رسوله الشفاعة وحوض الكوثر ، فيفد عليه الوافدون من الأمم فيشفع لهم ويعطيهم بطاقة للشرب من حوض الكوثر ، ليتغير بتلك الشربة تركيبهم الفيزيائي وتصلح أجسادهم لدخول الجنة والخلود في نعيمها .

وعندما يفد عليه أصحابه تحدث المفاجأة :

يأتي النداء الإلهي بمنع النبي صلى الله عليه وآله من الشفاعة لهم ، ومنعهم من ورود الحوض ، ويؤمر ملائكة العذاب بأخذهم إلى جهنم !!

هذا هو مستقبل هؤلاء الصحابة على لسان أصدق الخلق !!

إنها صورة رهيبة ، جاء بها جبرئيل الأمين ، لكي يبلغها النبي صلى الله عليه وآله إلى الأمة في حجة الوداع !!

وإنها أعظم كارثة على صحابة أعظم رسول صلى الله عليه وآله .. ولا بد أن سببها أنهم سوف يوقعون في أمته من بعده .. أعظم كارثة !! ولا ينجو من هؤلاء الصحابة إلا مثل ( همل النعم ) كما في روايات محبيهم الصحيحة بأشد شروط الصحة كالبخاري .. وهو تعبير نبوي عجيب ، لأن همل النعم هي الغنم أو الإبل الفالتة من القطيع ، الخارجة على راعيه !

وهو يدل على أن قطيع الصحابة في النار ، وهملهم الذي يفلت منهم ، يفلت من النار إلى الجنة ! بل ذكر النبي صلى الله عليه وآله أن الصحابة الجهنميين زمرتان، مما يدل على أنهم خطان من صحابته لاخط واحد، وتقدم قول الحاكم عن حديثه: صحيح على شرط الشيخين ، وفيه ( ثم أقبلت زمرة أخرى ، ففعل بهم كذلك ، فلم يفلت إلا كمثل النعم !! ) .

إنها مسألةٌ مذهلةٌ .. صعبة التصور والتصديق ، خاصة على المسلم الذي تربي على حب كل الصحابة ، وخير القرون ، والجيل الفريد ، وحديث أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم .. وعلى الصور واللوحات الرائعة للصحابة ، التي كبر السني المسكين معها وكبرت معه .. فإذا به يفاجأ بهذه الصورة الشيطانية المخيفة عنهم !!

لو كان المتكلم عن الصحابة غير الرسول صلى الله عليه وآله لقالوا عنه إنه عدو للإسلام ولرسوله يريد أن يكيد للإسلام عن طريق الطعن في صحابة الرسول .. صلى الله عليه وآله !

ولكن المتكلم هو .. الرسول صلى الله عليه وآله .. بعينه .. بنفسه .. وكلامه ليس اجتهاداً منه ولا رأياً رآه ، حتى تقول قريش إنه يتكلم في الرضا والغضب ، وكلامه في الغضب ليس حجة ..

بل هو ، يا عبّاد الصحابة المساكين ، وحي نزل عليه من رب العالمين !!

إنها حقيقةٌ مرةٌ .. ولكن هل يجب أن تكون الحقيقة دائماً حلوة كما نشتهي .. وأن يكون الحق دائماً مفصلاً على مزاجنا ، مطابقاً لموروثاتنا ؟!

وماذا نصنع إذا كانت أحاديث الصحابة المطرودين ، المرفوضين ، الممنوعين من ورود الحوض مستفيضة في الصحاح ، وهي في غير الصحاح أكثر .. وهي تصرح بأنه لاينجو منهم إلا مثل الهمل !!

قال الجوهري في الصحاح : 5/1854 : والهمل بالتحريك : الإبل التي ترعى بلا راع، مثل النفش ، إلا أن النفش لايكون إلا ليلاً ، والهمل يكون ليلاً ونهاراً . يقال : إبلٌ هملٌ وهاملة وهمال وهوامل . وتركتها هملاً : أي سدى ، إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهاراً بلا راع .وفي المثل : اختلط المرعى بالهمل . والمرعى الذي له راع . انتهى .

ولكن السؤال هو : لماذا طرح الرسول صلى الله عليه وآله موضوعهم في حجة الوداع ؟!

الجواب : لأن الله تعالى أمره بذلك ، فهو لاينطق عن الهوى ، ولا علم له من نفسه بما سيفعله أصحابه من بعده ، ولا بما سيجري له معهم يوم القيامة!!

وسؤال آخر : وماذا فعل الصحابة بعد الرسول ؟ هل كفروا وارتدوا كما يقول الحديث ؟ هل حرفوا الدين ؟

هل اقتتلوا على السلطة والحكم ؟!

والجواب : إقبل ما يقوله لك نبيك صلى الله عليه وآله ، واسكت ، ولا تصر رافضياً !

وسؤال آخر : لماذا اختار الله تعالى هذا الأسلوب في التحذير ، ولم يهلك هؤلاء الصحابة ، الذين سينحرفون ، أو يأمر رسوله بقتلهم ، أو يكشفهم للمسلمين ليحذروهم !

والجواب : هذه سياسته سبحانه وتعالى في إقامة الحجة كاملة على العباد ، وترك الحرية لهم .. ليحيى من حي عن بينة ، ويهلك من هلك عن بينة .. ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون ..

فهو سبحانه مالكهم له حق سؤالهم، وهو لايفعل الخطأ حتى يحاسب عليه. وهو سبحانه أعلم ، وغير الأعلم لايمكنه أن يحاسب الأعلم ويسأله !

وسؤال آخر : ماذا كان وقع ذلك على الصحابة والمسلمين ؟!

ألم يهرعوا إلى الرسول صلى الله عليه وآله ليحدد لهم الطريق أكثر ، ويعين لهم من يتبعونه بعده ، حتى لايضلهم هؤلاء الصحابة الخطرون ؟!

والجواب : لقد عين لهم الثقلين من بعده : كتاب الله وعترته ، وبشرهم باثني عشر إماماً ربانياً يكونون منهم بعده .. وقبل حجة الوداع وبعدها ، طالما حدد النبي صلى الله عليه وآله لهم عترته وأهل بيته بأسمائهم : علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، حتى أن أحاديث الصحاح تقول إنه حددهم حسياً فأدار عليهم كساء يمانياً ، وقال للمسلمين :

هؤلاء عترتي أهل بيتي !!

ولم يكتف بذلك حتى أوقف المسلمين في رمضاء الجحفة بغدير خم ، وأخذ بيد علي عليه السلام وبلغ الأمة إمامته من بعده ، ونصب له خيمة ، وأمر المسلمين أن يسلموا عليه بإمرة المؤمنين ، ويباركوا له ولايته عليهم التي أمر بها الله تعالى . فهنؤوه جميعاً وباركوا له ، وأمر النبي صلى الله عليه وآله نساءه وكنَّ معه في حجة الوداع ، أن يهنئن علياً فجئن إلى باب خيمته وهنأنه وباركن له .. معلناتٍ رضاهن بولايته على الأمة .

ثم أراد صلى الله عليه وآله في مرض وفاته أن يؤكد الحجة على الأمة بوثيقة مكتوبة ، فطلب منهم أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً .. ولكنهم رفضوا ذلك بشدة ! وقالوا له : شكراً أيها الرسول ، لقد قررنا أن نضل ، عالمين عامدين مختارين !! ولا نريد أن تكتب لنا أطيعوا بعدي عترتي علياً، ثم حسناً، ثم حسيناً ، ثم تسعة من ذرية الحسين ! وقالوا : لاتقربوا له دواة ولا قرطاساً !!

فهل تريد من نبيك صلى الله عليه وآله أن يقيم الحجة أكثر من هذا ؟!

* * *

 

الأساس الخامس : عقوبة المخالفين للوصية النبوية بأهل بيته عليهم السلام

وقد تضمن مبدأ لعن من ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ...

ولا نطيل في هذا الأساس لوضوحه ، وقد تقدمت عدة فقرات تتعلق به في نماذج النصوص من خطبه صلى الله عليه وآله .

وهي عقوبة أخروية ، تتناسب مع مسؤولية النبي صلى الله عليه وآله في التبليغ ، والشهادة على الأمة .. وقد جاءت شديدةً قاطعة ، بصيغة قرار من الله تعالى بلعن المخالفين لرسوله صلى الله عليه وآله في أهل بيته ، وطردهم من الرحمة الإلهية ، وحكماً بعدم قبول توبتهم نهائياً واستحقاقهم العذاب في النار.

وربما يزيد من شدتها، أنها كانت آخرفقرة من خطبته صلى الله عليه وآله!!

وقد تقدم نص هذه اللعنة النبوية في رواية تحف العقول من مصادرنا ، وقد نصت مصادر السنيين على أنها صدرت من النبي صلى الله عليه وآله في حجة الوداع . ففي سنن ابن ماجة : 2/905 :

عن عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطبهم وهو على راحلته ، وإن راحلته لتقصع بجرتها ، وإن لغامها ليسيل بين كتفي ، قال : ... ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ . أو قال : عدلٌ ولا صرفٌ .

وفي سنن الترمذي : 3/293 :

عن أبي أمامة الباهلي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع : .. .. ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو انتمى إلى غير مواليه ، فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة .

وفي مسند أحمد : 4/239 :

عن عمرو بن خارجة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمنى على راحلته ، وإني لتحت جران ناقته، وهي تقصع بجرتها ، ولعابها يسيل بين كتفي، فقال : ألا ومن ادعى إلى غير مواليه رغبة عنهم ، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين .

ورواه أحمد : 4/187 بلفظ : ( ألا ومن ادعى إلى غير أبيه ، أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً أو عدلاً ولا صرفاً ) . انتهى . ورواه بعدة روايات في نفس الصفحة والتي قبلها ، وفي ص 238 و186. ورواه الدارمي في سننه : 2/244 و344 ومجمع الزوائد : 5/14 ، عن أبي مسعود ، ورواه البخاري في صحيحه : 2/221 ، و4/67 .

ولعلك تسأل : ما علاقة هذه اللعنة المشددة المذكورة في خطب حجة الوداع وغيرها بوصية النبي صلى الله عليه وآله بأهل بيته ؟! فهذه تنصب على الذي ينكر نسبه من أبيه وينسب نفسه إلى شخص آخر ، وعلى العبد الذي ينكر مالكه ويدعي أنه عبد لشخص آخر، أو ينكر ولاءه وسيده الذي أعتقه، ويدعي أن ولاءه لشخص آخر ! فهذا هو المعنى المعروف ( من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه ) !

والجواب : أن مقصود النبي صلى الله عليه وآله بالأبوة في هذه الأحاديث الشريفة : أبوته هو المعنوية للأمة ، وبالولاء : ولايته وولاية أهل بيته عليها ، وليس مراده الأبوة النسبية ولا ولاء المالك لعبده !

والدليل على ذلك : لو أن ولداً هرب من أبيه ، وسجل نفسه باسم والد آخر ، ثم تاب من فعلته وصحح هويته ، واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء جميعاً يفتون بأن توبته تقبل! ولو أن عبداً مملوكاً هرب من سيده ولجأ إلى شخص ، وادعى أنه سيده، وبعد مدة رجع إلى سيده واستغفر الله تعالى .. فإن الفقهاء يفتون بأن توبته تقبل .

بينما الشخص الملعون في كلام النبي صلى الله عليه وآله مصبوب عليه الغضب الإلهي إلى الأبد ! ( فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لايقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ) . والصرف هو التوبة ، والعدل الفدية ، وقد فسرتهما الأحاديث الشريفة بذلك . فهي عقوبة إلهية لاتصلح إلا لحالات الخيانة العظمى ، مثل الإرتداد وشبهه، ولا يعقل أن يكون الاسلام شرعها لولدٍ جاهل يدعو نفسه لغير أبيه ، أو لعبد مملوك أو مظلوم يدعو نفسه لغير سيده ! ويؤيد ذلك أن بعض رواياتها صرحت بكفر من يفعل ذلك ، وخروجه من الإسلام ! كما في سنن البيهقي : 8/26 ، ومجمع الزوائد : 1/9 ، وكنز العمال : 5/872. وفي كنز العمال : 10/324 : ( من تولى غير مواليه فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . أحمد عن جابر ) . وفي /326 : ( من تولى غير مواليه فليتبوأ بيتا في النار . ابن جرير عن عائشة ) . وفي / 327 : ( من تولى غير مواليه فقد كفر . ابن جرير عن أنس ) . وفي : 16/255 : ( ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على رسوله . ش ) .

ولا نحتاج إلى تتبع هذه الأحاديث في مصادرها وأسانيدها ، لأنها مؤيدات لحكم العقل القطعي بأن مقصوده صلى الله عليه وآله يستحيل أن يكون الأب النسبي ، ومالك العبد .

ويؤيد ذلك أيضاً : أن بعض رواياته كالتي مرت آنفاً وغيرها من روايات أحمد ، ليس فيها ذكر للولد والوالد ، بل اقتصرت على ذكر العبد الذي هو أقل جرماً من الولد ومع ذلك زادت العقوبة واللعنة عليه ، ولم تخففها !

ويؤيد ذلك أيضاً: أن هذه اللعنة وردت في بعض روايات الخطب الشريفة بعد ذكر ما ميز به الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام من مالية خاصة هي الخمس، وحرم عليهم الصدقات والزكوات ! ففي مسند أحمد : 4/186: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فقال : ألا إن الصدقة لاتحل لي ولا لأهل بيتي ، وأخذ وبرة من كاهل ناقته ، فقال : ولا ما يساوي هذه ، أو ما يزن هذه . لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه . انتهى . ورواه في كنز العمال : 5/293 وفي كنز العمال: 10/235 : ( ومن تولى غير مواليه ، فليتبوأ بيتا في النار. ابن عساكر عن عائشة ) . انتهى .

أما في مصادر أهل البيت عليهم السلام فالحديث ثابتٌ عنه صلى الله عليه وآله في خطب حجةالوداع في المناسك . . وهو أيضاً جزء من حديث الغدير . . ففي بحار الأنوار : 37/123 : عن أمالي المفيد ، عن علي بن أحمد القلانسي ، عن عبد الله بن محمد، عن عبدالرحمان بن صالح، عن موسى بن عمران،عن أبي إسحاق السبيعي، عن زيد بن أرقم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم يقول: إن الصدقة لاتحل لي ولا لأهل بيتي ، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه ، لعن من تولى إلى غير مواليه ، الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر ، وليس لوارث وصية .

ألا وقد سمعتم مني ، ورأيتموني .. ألا من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار .

ألا وإني فرطكم على الحوض ومكاثر بكم الأمم يوم القيامة، فلا تسودوا وجهي .

ألا لأستنقذن رجالاً من النار ، وليستنقذن من يدي أقوامٌ .

إن الله مولاي ، وأنا مولى كل مؤمن ومؤمنة . ألا من كنت مولاه فهذا علي مولاه. انتهى . وروى نحوه في / 186 ، عن بشارة الإسلام . وقال ابن البطريق الشيعي في كتابه العمدة / 344 :

وأما الأخبار التي تكررت من الصحاح من قول النبي صلى الله عليه وآله : لعن الله من انتمى إلى غير أبيه ، أو توالى غير مواليه ، فهي أدل على الحث على اتباع أمير المؤمنين عليه السلام بعده ، بدليل ما تقدم من الصحاح من غير طريق ، في فصل مفرد مستوفي، وهو قول النبي صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه، ثم قال مؤكداًً لذلك : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله .

فمن كان النبي صلى الله عليه وآله مولاه فعلي مولاه ، ومن كان مؤمناً فعلي مولاه أيضاً ، بدليل ما تقدم من قول عمر بن الخطاب لعلي لما قال له النبي صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقال له عمر : بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة . وفي رواية : مولاي ومولى كل مؤمنة ومؤمن .

وهذه منزلة لم تكن إلا لله سبحانه وتعالى ، ثم جعلها الله لرسوله صلى الله عليه وآله ولعلي عليه السلام بدليل قوله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة وهم راكعون ...

وقوله صلى الله عليه وآله : من انتمى إلى غير أبيه ، فالمراد به : من انتمى إلى غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الولاء ، مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : أنا وأنت أبوا هذه الأمة ، فعلى عاق والديه لعنة الله . انتهى .

كما ورد في مصادر الفريقين أن هذا الحديث جزء مما كان مكتوباً في صحيفة صغيرة معلقة في ذؤابة سيف النبي صلى الله عليه وآله الذي ورثه لعلي عليه السلام.. فقد رواه : البخاري في صحيحه : 4/67 ، ومسلم : 4/115 ، و216 ، بعدة روايات ، والترمذي : 3/297 . . ورواه غيرهم أيضاً ، وقد أكثروا من رواية هذا الحديث لأن الراوي زعم فيه على لسان علي عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله لم يورث أهل بيته شيئاً من العلم ، إلا القرآن وتلك الصحيفة المعلقة في ذؤابة السيف ! ورووا فيها لعن من تولى غير مواليه !!

وقد وجدنا في مصادرنا مناسبة رابعة لإطلاق النبي صلى الله عليه وآله هذه اللعنة ، وذلك عندما كثر طلقاء قريش في المدينة ، وتصاعد عملهم مع المنافقين ضد أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وقالوا : ( إنما مثل محمد في بني هاشم كمثل نخلة نبتت في كبا : أي مزبلة ) فبلغ ذلك النبي فغضب ، وأمر عليا أن يصعد المنبر ويجيبهم !! فقد روي في بحار الأنوار : 38/204 :

عن أمالي المفيد ، عن محمد بن عمر الجعابي ، عن ابن عقدة ، عن موسى بن يوسف القطان ، عن محمد بن سليمان المقري ، عن عبد الصمد بن علي النوفلي ، عن أبي إسحاق السبيعي ، عن الأصبغ بن نباتة قال :

لما ضرب ابن ملجم لعنه الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، غدونا نفر من أصحابنا أنا والحارث وسويد بن غفلة ، وجماعة معنا ، فقعدنا على الباب ، فسمعنا البكاء فبكينا ، فخرج إلينا الحسن بن علي فقال : يقول لكم أمير المؤمنين : انصرفوا إلى منازلكم ، فانصرف القوم غيري فاشتد البكاء من منزله فبكيت ، وخرج الحسن وقال : ألم أقل لكم : انصرفوا ؟ فقلت : لاوالله يا ابن رسول الله لاتتابعني نفسي ولا تحملني رجلي أنصرف حتى أرى أميرالمؤمنين عليه السلام .

قال : فبكيت ، ودخل فلم يلبث أن خرج ، فقال لي : أدخل ، فدخلت على أمير المؤمنين عليه السلام فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء ، قد نزف واصفر وجهه ، ما أدري وجهه أصفر أو العمامة ؟ فأكببت عليه فقبلته وبكيت . فقال لي : لاتبك يا أصبغ ، فإنها والله الجنة .

فقلت له : جعلت فداك إني أعلم والله أنك تصير إلى الجنة ، وإنما أبكي لفقداني إياك يا أمير المؤمنين . جعلت فداك حدثني بحديث سمعته من رسول الله، فإني أراك لاأسمع منك حديثاً بعد يومي هذا أبداً . قال : نعم يا أصبغ : دعاني رسول الله صلى الله عليه وآله يوماً ، فقال لي : يا علي انطلق حتى تأتي مسجدي ، ثم تصعد منبري ، ثم تدعو الناس إليك ، فتحمد الله تعالى وتثني عليه وتصلي علي صلاة كثيرة ، ثم تقول :

أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهو يقول لكم : إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي على من انتمى إلى غير أبيه أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره .

فأتيت مسجده وصعدت منبره ، فلما رأتني قريش ومن كان في المسجد أقبلوا نحوي فحمدت الله وأثنيت عليه ، وصليت على رسول الله صلى الله عليه وآله صلاة كثيرة ، ثم قلت : أيها الناس إني رسول رسول الله إليكم ، وهويقول لكم: ألا إن لعنة الله ولعنة ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين ولعنتي، على من انتمى إلى غير أبيه ، أو ادعى إلى غير مواليه ، أو ظلم أجيراً أجره .

قال : فلم يتكلم أحد من القوم إلا عمر بن الخطاب ، فإنه قال : قد أبلغت يا أبا الحسن ، ولكنك جئت بكلام غير مفسر ، فقلت : أُبْلِغُ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله .

فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وآله فأخبرته الخبر ، فقال : إرجع إلى مسجدي حتى تصعد منبري ، فأحمد الله وأثن عليه وصل علي ، ثم قل : أيها الناس، ما كنا لنجيئكم بشىء إلا وعندنا تأويله وتفسيره ، ألا وإنس أنا أبوكم ألا وإني أنا مولاكم ، ألا وإني أنا أجيركم . انتهى .

وقد وجدنا لهذا الحديث مناسبة خامسة أيضاً . فقد روى فرات بن إبراهيم الكوفي في تفسيره /392 ، قال : حدثنا عبد السلام بن مالك قال : حدثنا محمد بن موسى بن أحمد قال : حدثنا محمد بن الحارث الهاشمي قال : حدثنا الحكم بن سنان الباهلي ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح قال : قلت لفاطمة بنت الحسين : أخبريني جعلت فداك بحديث أحدث ، واحتج به على الناس .

قالت : نعم ، أخبرني أبي أن النبي صلى الله عليه وآله كان نازلاً بالمدينة ، وأن من أتاه من المهاجرين عرضوا أن يفرضوا لرسول الله صلى الله عليه وآله فريضة يستعين بها على من أتاه ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وقالوا : قد رأينا ما ينوبك من النوائب ، وإنا أتيناك لتفرض فريضة تستعين بها على من أتاك . قال : فأطرق النبي صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال : إني لم أؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً ، إنطلقوا فإني لم أؤمر بشيء ، وإن أمرت به أعلمتكم .

قال : فنزل جبرئيل عليه السلام فقال : يا محمد إن ربك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك ، وقد أنزل الله عليهم فريضة : قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى .

قال فخرجوا وهم يقولون : ما أراد رسول الله إلا أن تذل الأشياء ، وتخضع الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلب .

قال : فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى علي بن أبي طالب أن اصعد المنبر وادع الناس إليك ثم قل : أيها الناس من انتقص أجيراً أجره فليتبوأ مقعده من النار ، ومن ادعى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار ، ومن انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار ! قال : فقام رجل وقال : يا أبا الحسن ما لهن من تأويل ؟ فقال : الله ورسوله أعلم .

فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره ، فقال رسول الله : ويل لقريش من تأويلهن ، ثلاث مرات ! ثم قال :

يا علي انطلق فأخبرهم أني أنا الأجير الذي أثبت الله مودته من السماء ، ثم أنا وأنت مولى المؤمنين ، وأنا وأنت أبوا المؤمنين . انتهى .

* * *