الفصل الخامس

قصة الغدير

 

قريش في حجة الوداع

رأيت في أحاديث حجة الوداع كيف ركز النبي صلى الله عليه وآله في خطبه وكلامه وتصرفاته على مقام أهل بيته الطاهرين عليهم السلام ، فبشر الأمة بالأئمة الإثني عشر منهم ، وبلغها أن الله تعالى فرض وجوب طاعتهم إلى جانب القرآن ، فسماهم مع القرآن ( الثقلين ) ، وأنه تعالى كرمهم فحرم عليهم الصدقات ، وجعل لهم مالية خاصة هي : الخمس .. إلخ .

لقد كانت خطبه صلى الله عليه وآله في الحج ، وما رافقها من أعماله وأقواله ، في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، أقصى ما يمكن أن تتحمله قريش من ترسيخ قيادة بني هاشم ، و(حرمان ) بقية قبائل قريش من القيادة حسب زعمهم، بل تكريس قريش عبيداً طلقاء محكومين لبني هاشم !!

ولا تذكر المصادر السنية ردة الفعل الصريحة لزعماء قريش المعروفين على هذه الخطب والأعمال النبوية في حجة الوداع .

ومن الطبيعي أن لاتذكر ذلك .. فهل تريد من مصدر قرشي أن يعترف لك بأن قريشاً لم تكن مرتاحة لكلام النبي صلى الله عليه وآله ؟! وأن سهيل بن عمرو ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية بن خلف ، وحكيم بن حزام ، وصهيب بن سنان ، وأبا الأعور السلمي ... وغيرهم ، وغيرهم .. كانوا مكفهري الوجوه من تمهيد النبي صلى الله عليه وآله لبني هاشم ، وأنهم نشطوا في اتصالاتهم مع القرشيين المهاجرين ، من غير بني هاشم لمعالجة هذا الإتجاه النبوي الخطير ؟!!

أما مصادرنا الشيعية فتذكر أنهم نشطوا ضد بني هاشم منذ فتح مكة ، إلا أن نشاطهم زاد في حجة الوداع ، وتفاقم في منى في أيام التشريق ، وكانت نتيجة مشاوراتهم ومحادثاتهم أن كتبوا بينهم صحيفة تسميها مصادرنا ( الصحيفة الملعونة ) لأنهم تعاهدوا فيها أن لايسمحوا لبني هاشم أن يجمعوا بين النبوة والخلافة !

وتذكر أن بضعة نفر من ممثليهم انسلوا خفية من منى إلى مكة ، وعلقوا الصحيفة الملعونة الثانية في داخل الكعبة ، حيث كانوا علقوا الصحيفة الملعونة الأولى ! فكانت صحيفة قرشية جديدة ضد بني هاشم ، ولكنها هذه المرة سرية وليست علنية ، كما أنها ليست لمحاصرتهم في الشعب باسم اللات والعزى .. بل لعزلهم سياسياً وحرمانهم من القيادة بعد النبي صلى الله عليه وآله ، باسم .. الإسلام !!

وذكرت مصادرنا أن الله تعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وآله على هذه الصحيفة ، فأخبر أصحابها بفعلتهم ، فارتعدت فرائصهم !

وأنه نظر بغضب الى أبي عبيدة بن الجراح وقال له ( أصبحت أمين هذه
الأمة ؟!) لأنه كان مؤتمنا على نسخة الصحيفة !

ولكنه صلى الله عليه وآله اكتفى بإتمام الحجة عليهم ، وترك لهم حرية العمل ، تطبيقاً لقانون تبليغ الأنبياء عليهم السلام وواجبهم في إقامة الحجة لله تعالى على عباده !

ولا بد أن يكون ما ذكرته الصحاح السنية من لغطٍ وكلامٍ وضجةٍ وصراخٍ في وسط خطبة النبي صلى الله عليه وآله في عرفات ، عندما وصل إلى نسب الأئمة الإثني عشر من أهل بيته .. من فعاليات قريش المنظمة ضد بني هاشم ، وأن يكون النبي صلى الله عليه وآله أنبهم عليه أيضاً ، قال لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ، وعرفهم أنه مطلع عليه جيداً !!

* * *

 

نتائج حجة الوداع

على أي حال ، فقد اعتبر القرشيون أن حجة الوداع مرَّت بسلامٍ نسبياً ، فقد تحدث النبي صلى الله عليه وآله كثيراً عن بني هاشم وعن عترته وعن ذريته من فاطمة ، وعن اختيار الله تعالى لهم ، وللأئمة الى آخر الدهر منهم ، وتحريم الصدقات عليهم ، وفرض الخمس لهم .. ولكنه لم يتخذ إجراءاً عملياً والحمد لله ، ولم يطلب من قريش والمسلمين أن يبايعوا علياً كبير أهل البيت ، بصفته الإمام الأول من العترة !

أما النبي صلى الله عليه وآله فقد اعتبر أنه بلغ رسالة ربه في عترته بأقصى ما يمكنه ، وأن قريشاً لاتتحمل أكثر من ذلك .. فقد وصل الأمر عندها إلى آخر حدود الصبر ، ولو طلب منها بيعة علي بخلافته ، فإنها قد تطعن في نبوته وتتهمه بأن هدفه إقامة ملك لبني هاشم ، شبيهاً بملك كسرى وقيصر !! وتستطيع بذلك أن تقود حركة ردة في العرب ، وتخوفهم من القبول بملك بني هاشم بعد النبي صلى الله عليه وآله ، ملكٌ يبدأ بعلي ثم يكون للحسن ثم للحسين ، ثم لايخرج من أبناء فاطمة إلى يوم القيامة !

وقد سجلت المصادر مضمون هذه العبارات ، على ألسنة زعماء قريش !

وكأنهم لم يشموا رائحة الإسلام !! وكأن الملك ملك محمد صلى الله عليه وآله ، وهو الذي أعطاه أو يريد أن يعطيه لعترته عليهم السلام !!

* * *

 

الوحي يضغط على النبي (ص) من السماء وقريش من الأرض

كان جبرئيل عليه السلام في حجة الوداع وظروفها المصيرية ينزل على النبي صلى الله عليه وآله بأوامر ربه ، وقد يكون رافقه طوال موسم الحج ، وأملى عليه عبارات خطبه . . وكان مما قال له في المدينة :

يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك إنه قد دنا أجلك ، وإني مستقدمك عليَّ ، ويأمرك أن تدل أمتك على حجهم ، كما دللتهم على صلاتهم وزكاتهم وصيامهم .

وحج النبي صلى الله عليه وآله بالمسلمين ، وعلمهم حجهم ، وواصل تركيز مبادئ الإسلام في نفوسهم ، ومكانة الأئمة من عترته ، كما مر في حديث الأئمة الإثني عشر ، وحديث الثقلين ، وحديث فرض الخمس لهم ، وتحريم الصدقات عليهم ... إلخ .

وفي آخر أيام الحج نزل عليه جبرئيل عليه السلام أن الله تعالى يأمرك أن تدل أمتك على وليهم ، فاعهد عهدك ، واعمد الى ماعندك من العلم وميراث الأنبياء فورثه إياه ، وأقمه للناس علماً ، فإني لم أقبض نبياً من أنبيائي إلا بعد إكمال ديني ، ولم أترك أرضي بغير حجة على خلقي . . .الخ .

فأخذ النبي صلى الله عليه وآله يفكر في طريقة الإعلان ، نظراً إلى وضع قريش المتشنج ، وقال في نفسه : أمتي حديثو عهد بالجاهلية ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل ، ويقول قائل !

لذلك قرر أن ينفذ هذا الأمر الإلهي الجديد في عترته ، بعد رجوعه إلى المدينة ، بالتمهيد المناسب ، وبمعونة الأنصار ..

 

الوحي يوقف القافلة النبوية

ورحل النبي صلى الله عليه وآله من مكة وهو ناوٍ أن يكون أول عمل يقوم به في المدينة إعلان ولاية عترته ، كما أمره ربه تعالى .

لكن في اليوم الثالث من مسيره ، عندما وصل إلى كراع الغميم ، وهو كما في مراصد الإطلاع : موضع بين مكة والمدينة ، أمام عسفان بثمانية أميال.. جاءه جبرئيل عليه السلام لخمس ساعات مضت من النهار ، وقال له: يا محمد إن الله عز وجل يقرؤك السلام ويقول لك ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، إن الله لايهدي القوم الكافرين ) .

فخاف النبي صلى الله عليه وآله وخشع لربه ، وتَسَمَّرَ في مكانه ، وأصدر أمره إلى المسلمين بالتوقف ، وكان أولهم قد وصل إلى مشارف الجحفة ، وكانت الجحفة بلدةً عامرةً على بعد ميلين أو أقل من كراع الغميم ، ولكن النبي صلى الله عليه وآله أراد تنفيذ الأمر الإلهي المشدد فوراً ، في المكان الذي نزل فيه الوحي ..

قال صلى الله عليه وآله للناس : أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلغ رسالة ربي .. وأمرهم أن يردوا من تقدم من المسلمين إليه ، ويوقفوا من تأخر منهم حين يصلون إليه ..

ونزل الرسول عن ناقته ، وكان جبرئيل إلى جانبه ، ينظر إليه نظرة الرضا ، وهو يراه يرتجف من خشية ربه ، وعيناه تدمعان خشوعاً وهو يقول : تهديدٌ .. ووعدٌ ووعيدٌ .. لأمضين في أمر الله ، فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علي من أن يعاقبني العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة !

وقبل أن يفارقه جبرئيل أشار إليه على يمينه فإذا دوحة أشجار .. فودع النبي جبرئيل ومال إليها ، وحطَّ رحال النبوة عند غدير خُمٍّ .

قال بعض المسلمين : فبينا نحن كذلك ، إذ سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ينادي: أيها الناس أجيبوا داعي الله .. فأتيناه مسرعين في شدة الحر، فإذا هو واضعٌ بعض ثوبه على رأسه .

ونادى منادي النبي صلى الله عليه وآله في الناس بالصلاة جامعة ، ووقت الصلاة لم يَحُنْ بَعْدُ ولكن حانت قبلها ( صلاةٌ ) أخرى لابد من أدائها قبل صلاة الظهر ! إنها فريضة ولاية عترته الطاهرة ، ولا بد أن يبلغها عن ربه إلى المسلمين مهما قال فيه قائلون ، وقال فيهم قائلون !! فقد شدد عليه ربه في ذلك ، وأفهمه أن مسألة عترته ليست مسألة شخصية تخصه.. وأنك إن كنت تخشى الناس ، فالله أحق أن تخشاه وسيعصمك منهم ، فاصدع بما تؤمر !!

ونزل المسلمون حول نبيهم صلى الله عليه وآله ، وكان ذلك اليوم قائظاً شديد الحر ، فأمرهم أن يكسحوا تحت الأشجار لتكون مكاناً لخطبة الولاية ، ثم للصلاة في ذلك الهجير ، وأن ينصبوا له أحجاراً كهيئة المنبر ، ليشرف على الناس ، فيرونه ويسمعهم كلامه ..

ورتب المسلمون المكان والمنبر ، ووضعوا على أحجاره حدائج الإبل ، فصار منصة أكثر ارتفاعاً ، وحسناً ..

وورد المسلمون ماء الغدير فشربوا منه ، واستقوا ، وتوضؤوا ..

وتجمعوا لاستماع خطبة نبيهم صلى الله عليه وآله قبل الصلاة ، ولم يتسع لهم المكان تحت دوحة الغدير ، وكانت ستَّ أشجارٍ كبيرة ، فجلس كثير منهم في الشمس، أو استظل بظل ناقته ..

عرفوا أن أمراً قد حدث ، وأن النبي صلى الله عليه وآله سيخطب.. فقد نزل عليه وحيٌ أوحدث أمرٌ مهمٌ أوجب أن يوقفهم في هذا الهجير ، ولا يصبر عليهم حتى يصلوا إلى مدينة الجحفة العامرة ، التي تبعد عنهم ميلين فقط !

كان مجموع من شارك في حجة الوداع مئة ألف إلى مئة وعشرين ألفاً ، كما ذكرت الروايات ، ولكن هذا العدد كان في عرفات ومنى .. أما بعد أداء الحج فقد توزعوا ، فمنهم من أهل مكة رجعوا إليها ، ومنهم بلادهم عن طريق الطائف فسلكوا طريقها ، وآخرون بلادهم عن طريق جدة وما إليها ..

أما الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله ومناطقهم عن طريق الجحفة والمدينة فكانوا عدة ألوف.. عشرة آلاف أو أكثر .. فقد قال الإمام الصادق عليه السلام مؤرخاً تضييع قريش لحادثة الغدير :

( العجب مما لقي علي بن أبي طالب ! إنه كان له عشرةُ آلافِ شاهدٍ ولم يقدر على أخذ حقه ، والرجل يأخذ حقه بشاهدين! ). الوسائل : 18/17.

* * *

لم يدم طويلاً تطلع المسلمين إلى ما سيفعله النبي صلى الله عليه وآله وما سيقوله .. فقد رأوه صعد على منبر الأحجار والأحداج ، وبدأ باسم الله تعالى وأخذ يرتل قصيدة نبوية في حمد الله تعالى والثناء عليه .. ويشهد الله والناس على عبوديته المطلقة لربه العظيم .

ثم قدم لهم عذره ، لأنه اضطر أن ينزلهم في مكان قليل الماء والشجر ، ولم يمهلهم حتى يصلوا إلى بلدة الجحفة المناسبة لنزول مثل هذا القافلة الكبيرة ، المتوفر فيها ما يحتاج إليه المسافر .. ولا انتظر بهم وقت الصلاة ، بل ناداهم قبل وقتها ، وكلفهم الاستماع إليه في حر الظهيرة ..

أخبرهم صلى الله عليه وآله أن جبرئيل عليه السلام نزل عليه في مسجد الخيف ، وأمره أن يقيم علياً للناس.. ثم قال لهم : إن الله عز وجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً، وخفت الناس أن يكذبوني ، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني : أمتي حديثو عهد بالجاهلية ، ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي ، يقول قائل ، ويقول قائل ! فأتتني عزيمة من الله بتلة ( قاطعة ) في هذا المكان ، وتواعدني إن لم أبلغها ليعذبني . وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة من الناس ، وهو الكافي الكريم ، فأوحى إلي : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس ، إن الله لايهدي القوم الكافرين ) .

ثم قال صلى الله عليه وآله : لاإله إلا هو ، لايؤمن مكره ، ولا يخاف جوره ، أقرُّ له على نفسي بالعبودية ، وأشهد له بالربوبية ، وأؤدي ما أوحى إلي ، حذراً من أن لاأفعل فتحل بي منه قارعةٌ ، لايدفعها عني أحدٌ ، وإن عظمت حيلته .

أيها الناس : إني أوشك أن أدعى فأجيب ، فما أنتم قائلون ؟

فقالوا : نشهد أنك قد بلغت ونصحت .

فقال : أليس تشهدون أن لاإله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وأن الجنة حقٌ وأن النار حقٌ وأن البعث حق ؟

قالوا : يا رسول الله بلى .

فأومأ رسول الله إلى صدره وقال : وأنا معكم .

ثم قال رسول الله : أنا لكم فرط ، وأنتم واردون عليَّ الحوض ، وسعته ما بين صنعاء إلى بصرى ، فيه عدد الكواكب قِدْحان ، ماؤه أشد بياضاً من الفضة .. فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين .

فقام رجل فقال : يا رسول الله وما الثقلان ؟

قال : الأكبر : كتاب الله ، طرفه بيد الله وسبب طرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به ولا تزلوا ولا تضلوا .

والأصغر : عترتي أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض.. سألت ربي ذلك لهما ، فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تتخلفوا عنهم فتضلوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم .

أيها الناس : ألستم تعلمون أن الله عز وجل مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأني أولى بكم من أنفسكم ؟

قالوا : بلى يا رسول الله .

قال : قم يا علي . فقام علي ، وأقامه النبي صلى الله عليه وآله عن يمينه ، وأخذ بيده ورفعها حتى بان بياض إبطيهما ، وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه . اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ، وأدر الحق معه حيث دار . فاعلموا معاشر الناس أن الله قد نصبه لكم وليا وإماما مفترضا طاعته على المهاجرين والأنصار ، وعلى التابعين لهم بإحسان ، وعلى البادي والحاضر ، وعلى الأعجمي والعربي ، والحر والمملوك والصغير والكبير .

فقام أحدهم فسأله وقال : يا رسول الله ولاؤه كماذا ؟

فقال صلى الله عليه وآله : ولاؤه كولائي ، من كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه !

وأفاض النبي صلى الله عليه وآله في بيان مكانة علي والعترة الطاهرة والأئمة الإثني عشر من بعده : علي والحسن والحسين ، وتسعة من ذرية الحسين ، واحدٌ بعد واحد ، مع القرآن والقرآن معهم ، لايفارقونه ولا يفارقهم ، حتى يردوا عليَّ حوضي...

ثم أشهد المسلمين مراتٍ أنه قد بلغ عن ربه .. فشهدوا له ..

وأمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب .. فوعدوه وقالوا : نعم ..

وقام إليه آخرون فسألوه ... فأجابهم ..

* * *

وما أن أتم خطبته ، حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ) . فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ، ورضى الرب برسالتي ، وولاية علي بعدي ..

ونزل عن المنبر، وأمر أن تنصب لعلي خيمة، وأن يهنئه المسلمون بولايته عليهم.. حتى أنه أمر نساءه بتهنئته ، فجئن إلى باب خيمته وهنأنه !

وكان من أوائل المهنئين عمر بن الخطاب فقال له : بخٍ بخٍ لك يا بن أبي طالب ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة !

وجاء حسان بن ثابت ، وقال : إئذن لي يا رسول الله أن أقول في علي أبياتاً تسمعهن ، فقال : قل على بركة الله ، فأنشد حسان :

يناديهمُ يـوم الغديـر نبيُّهـــُــمْ          بخمٍّ فأسمع بالرسول مناديـــا

يقول فمن مولاكم ووليُّكُـــــمْ          فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مـولانا وأنت وليـــــــنـا          ولم تر منا في الـولاية عاصيا

فقال له قم يا عـــليُّ فإننـــي          رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليــــه          فكـونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعـا اللهم وال وليــــه          وكن للذي عــــادى علياً معاديا

* * *

أخذنا هذا التسلسل في قصة الغدير من مصادرنا المتعددة مثل : كمال الدين وتمام النعمة للصدوق / 276 ، والإحتجاج للطبرسي : 1 / 70 ، وروضة الواعظين للنيسابوري / 89 ، والمسترشد / 117 ، وغيرها .

وقد روت مصادر السنة حديث الغدير قريباً مما في مصادرنا ، كما تراه في كتاب الغدير للأميني ، ونكتفي هنا بنقل رواية مسلم في صحيحه : 7/122 قال :

عن يزيد بن حيان قال : انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم ، إلى زيد بن أرقم ، فلما جلسنا إليه قال له حصين :

لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً ، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعت حديثه، وغزوت معه ، وصليت خلفه ، لقد لقيت يا زيد خيراً كثيراً. حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال : يا ابن أخي ، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما حدثتكم فاقبلوا ، وما لا، فلا تكلفونيه .

ثم قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فينا خطيباً ، بماء يدعى خمّاً بين مكة والمدينة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ وذكر ، ثم قال :

أما بعد ، ألا أيها الناس ، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين : أولهما كتاب الله ، فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال : وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ).

فقال له حصين : ومن أهل بيته يا زيد ؟ أليس نساؤه من أهل بيته ؟

قال : نساؤه من أهل بيته ، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده .

قال : ومن هم ؟

قال : هم آل علي ، وآل عقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس .

قال : كل هؤلاء حرم الصدقة .

قال : نعم . انتهى . ورواه أحمد في مسنده : 2/366 ، وغيره .. وغيره .

وقال الحاكم في المستدرك 3/148:

عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إني تارك فيكم الثقلين ، كتاب الله وأهل بيتي ، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض . هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . انتهى . وقد رأيت أن مسلماً رواه ، ولكن لفظ الحاكم فيه إخبارٌ نبوي باستمرار وجود إمام من أهل بيته صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة .

وانظر كيف صوَّر ابن كثير القضية في بدايته : 5/408 ، قال :

لما تفرغ النبي من بيان المناسك ، ورجع إلى المدينة خطب خطبة عظيمة الشأن في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بغدير خم ، تحت شجرة هناك ، فبين فيها أشياء ، وذكر في فضل علي بن أبي طالب وأمانته وعدله وقربه إليه ، وأزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ، وقد اعتنى بأمر حديث غدير خم أبو جعفر الطبري ، فجمع فيه مجلدين ، وأورد فيها طرقه وألفاظه ، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة . انتهى .

فقد جعل ابن كثير القضية أن كثيراً من المسلمين كانوا غاضبين من علي بن أبي طالب ، متحاملين عليه في أنفسهم ، فأوقف النبي المسلمين صلى الله عليه وآله في غدير خم ، لكي يثبت لهم براءة علي ويرضِّيهم عنه ، فذكر فضله وقربه منه وأزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه ) وبين في خطبته ( أشياء ) من هذا القبيل ! وكان الله يحب المحسنين !

ولو كان ابن كثير مؤرخاً من عشيرة بني عبد الدار - الذين قتل علي منهم بضعة عشر فارساً منهم حملوا لواء قريش في وجه رسول الله صلى الله عليه وآله - لما كتب بأسوأ من هذا الأسلوب ! فإن المؤرخ المسلم لايستطيع أن يكتب به إلا .. إذا كان مبغضاً لعلي بن أبي طالب !

فهل عرفت لماذا يحب ( السلفيون ) ابن كثير ويهتمون بنشر كتبه ؟!

* * *

 

لماذا الجحفة وغدير خم ؟

والسؤال هنا : لماذا الوحي في طريق المدينة .. والصحراء ، والظهيرة ؟

والجواب : أن الله تعالى قال بذلك لرسوله : المدينة أيها الرسول مثل مكة ، فإن بلَّغت ولاية عترتك فيها ، فقد تعلن قريش معارضتها ، ثم رِدًّتها !

فموقفها من عترتك جازم ، ومستميت .. وبما أن واجبك التبليغ مجرد التبليغ ، وإنما بعثت للتبليغ ، فهو ممكنٌ هنا.. والزمان والمكان هنا مناسبان من جهات شتى، فبلغ ولا تؤخر .

ومن أجل أن تكمل التبليغ وتفهمهم رسالتي .. سوف أعصمك من قريش، وأمسك بقلوبها وأذهانها ، وألجم شياطينها الحاضرين ، وأعالج آثار التبليغ ، وأحفظ نبوتك فيها .. ثم أملي لها بعدك ، فتأخذ دولتك وتضطهد عترتك .. حتى يتحقق في أمتك وفي عترتك ما أريد !

ثم أبعث المهدي فيهم فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً !

ولا أسأل عما أفعل ، وهم يسألون .

والسؤال هنا : كيف تمت عصمة الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله من قريش، فلم يحدث تشويش ، ولم يقم معترض .. !

صحيح أن ثقل زعماء قريش كانوا في مكة ، لكن بعضهم كان في قافلة الرسول صلى الله عليه وآله ، وكان فيها قرشيون مهاجرون مؤيدون لهم !

فكيف سكتت قريش وضبطت أعصابها ، وهي تسمع تبليغ الرسول في علي والعترة ؟ !

ثم أشهدها النبي صلى الله عليه وآله على تبليغ ذلك .. فشهدت .

ثم طلب منها أن تبلغ الغائبين .. فوعدت .

ثم جاءت إلى خيمة علي وهنأته بالولاية ، وإمرة المؤمنين ؟!!

الجواب : أنه تعالى أراد للرسالة أن تصل ، وللحجة أن تقام ، وأن يبقى رسوله صلى الله عليه وآله محفوظ الشخصية ، سالم النبوة .. فأسكت الله قريشاً بقدرته المطلقة ، وكمَّمَ أفواهها في غدير خم .

والظاهر أن قريشاً أخذت تقنع نفسها بأن المسألة في غدير خم ، ليست أكثر من إعلانٍ وإعلامٍ ، يضاف إلى إعلانات حجة الوداع .. وأن النبي صلى الله عليه وآله ما زال حياًّ .. فإن مات ، فلكل حادثٍ حديث ..

وعندما أرادت قريش أن تخرج عن سكوتها ، وتخطو خطوةً نحو الردة .. أنزل الله على ناطقها الرسمي النضر بن الحارث حجراً من سجيل فأهلكه ، وأرسل على آخر ناراً فأحرقته !!

فزاد ذلك من قناعة قريش بالسكوت فعلاً عن ولاية العترة !

أما النبي صلى الله عليه وآله فكان تفكيره رسولياً ، وليس قرشياً ..

لقد ارتاح ضميره بأنه بلغ رسالة ربه كما أمره ، واتقى غضب ربه وعذابه .. واغرورقت عيناه بدموع الفرح والخشوع ، لأن الله رضي عنه بإعلان ولاية علي ، وأنزل عليه آية إكمال الدين وإتمام النعمة ، فأخبره بأن مهمته وصلت إلى ختامها..

كان النبي صلى الله عليه وآله في عيد ، لأنه أدى رسالة من أصعب رسالات ربه ، فرضي عنه ، وقد تكون أصعب رسالة عليه في عمره النبوي على الإطلاق !!

وتمت المسألة بسلامٍ ولم تقم قائمة قريش ، ولم يصب جابر بن سمرة وغيره بالصمم من لغط الناس عند سماع كلمة عترتي أهل بيتي ، أو كلمة علي ، أو بني هاشم .

ولم تحدث حركة عصيان منظمة ، كما حدثت في المدينة عندما طلب النبي صلى الله عليه وآله قبل وفاته بأربعة أيام ، أن يأتوه بدواة وقرطاس ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبداً..

ولم تحدث حركة ردة نهائياً ، والحمد لله !

ارتاح ضمير النبي صلى الله عليه وآله بأنه بلغ رسالة ربه كما أمره ..

وهذه هي الرسالة التي روى الحسن البصري أن الله أمر رسوله بها فضاق بها صدره ، فتوعده ربه بالعذاب إن لم يبلغها ، فخاف ربه وصدع بها .. ولكن الحسن البصري كما قال الراوي راغ عنها ، ولم يخبرهم ما هي !

وكل غلمان قريش إخوة الحسن البصري الفارسي ، يراوغون فيها وفي أمثالها ، ويخفون ما أنزل الله تعالى في عترة نبيه صلى الله عليه وآله !

كان النبي صلى الله عليه وآله يفكر ربانياً بمستوى أعلى من البيعة .. يفكر على مستوى الأمر الإلهي والاختيار الإلهي ، الذي لاخيرة فيه لأحد ، ولا محل فيه للبيعة، إلا إذا طلبها من الناس النبي أو الوصي ، فتجب .

فهذا هو منطق التبليغ ، وحسب !

ولذلك لم يشاورهم النبي صلى الله عليه وآله في بيعة علي ، لأن اختيار الله تعالى لايحتاج إلى مشورتهم ، ولا بيعتهم ، ولا رضاهم ..

لقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله أن يشاورهم ليتألفهم ، ويسيروا معه في الطريق الصحيح .. وأمره : إذا عزمت فتوكل ، ولا تسمع لكلام مخلوق لأنك تسير بهدى الخالق !

أما إذا عزم الله تعالى واختار للأمة ولياً بعد نبيه صلى الله عليه وآله ، وقال لنبيه بلغ ولا تخف ، ولست مسؤولاً عن إطاعة من أطاع ومعصية من عصى.. فهل يبقى للمشاورة محل من الإعراب ؟!

وهل يبقي للبيعة محل من الإعراب ؟!

لقد طلب منهم الرسول صلى الله عليه وآله تهنئة علي عليه السلام إقراراً بالإختيار الإلهي ، وهي تهنئةٌ أقوى من البيعة ، وألزم منها للأعناق.. ثم ليفعلوا بعدها ما يحلو لهم .. فإنما على النبي صلى الله عليه وآله أن يبلغهم ، وحسابهم على من يملك كل الأوراق ، ويملك الدنيا والآخرة ، ويفعل ما يريد .. سبحانه وتعالى !

وتدل رواياتنا على أنه صلى الله عليه وآله طلب منهم مع التهنئة البيعة ، فيكون معناها أنه طلب منهم أيضا إعلان التزامهم بإطاعة علي عليه السلام .. فأعلنوا !

ولكن الأمر لايختلف من ناحية شرعية وحقوقية ، فسواء أمرهم النبي صلى الله عليه وآله ببيعة علي عليه السلام أم أمرهم بتهنئته فقط .. فإن تبليغ الولاية أقوى من التهنئة ، والتهنئة أقوى من البيعة ..

فالتبليغ اصطفاء ، والتهنئة اعتراف وتبريك .. والبيعة تعهد بالإلتزام .

لقد سكتت قريش آنياً بسبب أنها لم تكن حاضرةً كلها في الجحفة .. وبسبب عنصر المفاجأة ، وظرف المكان والزمان ! ولعلها كانت تقنع نفسها بأن منطق التفكير النبوي يبقي لها مساحة للعمل . .

ذلك أن التبليغ وإتمام الحجة كلامً تركيٌّ عند قريش الناطقة بالضاد !

وحتى التهنئة بالولاية والبيعة المأمور بها من النبي صلى الله عليه وآله يمكن لقريش أن تجعلها مثل المراسم الدينية الأخرى الشكلية ، وتجردها من معنى إمامة علي وقيادة عترة النبي صلى الله عليه وآله من بعده !

فالباب في تصور قريش ما زال مفتوحاً أمامها للتصرف !!

* * *

 

المنطق النبوي حقق أهدافه وفضح قريشاً

نقلت المصادر السنية ندم الخليفة القرشي أبي بكر على إصداره أمراً بمهاجمة بيت علي وفاطمة عليهما السلام في اليوم الثاني أو الثالث لوفاة النبي صلى الله عليه وآله . ففي مجمع الزوائد : 5/202 :

( عن عبد الرحمن بن عوف قال : دخلت على أبي بكر أعوده في مرضه الذي توفي فيه ، فسلمت عليه وسألته : كيف أصبحت ؟

فاستوى جالساً فقال : أصبحت بحمد الله بارئاً ، فقال : أما إني على ما ترى وجع وجعلتم لي شغلاً مع وجعي !

جعلت لكم عهداً من بعدي ، واخترت لكم خيركم في نفسي ، فكلكم ورم لذلك أنفه ، رجاء أن يكون الأمر له !

ورأيت الدنيا أقبلت ، ولما تقبل ، وهي خائنة ، وستنجدون بيوتكم بستور الحرير ونضائد الديباج ، وتألمون النوم على الصوف الأذربي ، كأن أحدكم على حسك السعدان ( يقصد أنكم من ترفكم سترون السجاد الأذربيجاني خشناً لمنامكم مثل الشوك ) . والله لأن يقدم أحدكم فيضرب عنقه في غير حد ، خير له من أن يسبح في غمرة الدنيا .

ثم قال : أما إني لاآسى على شيء إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني لم أفعلهن ، وثلاث لم أفعلهن وددت أني فعلتهن ، وثلاث وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن .

فأما الثلاث التي وددت أني لم أفعلهن : فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته ، وإن أغلق على الحرب .

ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة ، قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين ، أبي عبيدة أو عمر ، وكان أمير المؤمنين وكنت وزيراً .

ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد إلى أهل الردة ، أقمت بذي القصة ، فإن ظفر المسلمون ظفروا ، وإلا كنت ردءاً ومدداً .

وأما الثلاث اللاتي وددت أني فعلتها : فوددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيراً ضربت عنقه ، فإنه يخيل إلى أنه لايكون شرٌّ إلا طار إليه .

ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي ، لم أكن أحرقته ، وقتلته سريحاً أو أطلقته نجيحاً .

ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد إلى الشام ، وجهت عمر إلى العراق فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله عز وجل .

وأماالثلاث اللاتي وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن:

فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فلا ينازع أهله . ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر سبب ؟ ووددت أني سألته عن العمة وبنت الأخ فإن في نفسي منهما حاجة ). انتهى .

وغرضنا من النص بيان حالة الخليفة وأنه يقصد بقوله ( وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب ) أنه نادمٌ على مهاجمة البيت ، حتى لو كان أهله يعدون العدة لحربه !

وخلاصة القصة : أن أبا بكر أرسل إلى علي عليه السلام يطلب منه أن يبايعه ، فامتنع علي عن بيعته ، وأجابهم جواباً شديداً ، اتهمهم فيه بخيانة الرسول صلى الله عليه وآله .

وبلغ أبا بكر أن عدداً من الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في بيت علي الذي كان يعرف ببيت فاطمة عليهما السلام ، فأشار عليه عمر بأن يهاجموا البيت ويهددوهم بإحراقه عليهم ، إن لم يخرجوا ويبايعوا !

وبالفعل هاجمت مجموعة بقيادة عمر بن الخطاب بيت الزهراء عليها السلام وحاصروه وجمَّعوا الحطب على باب داره ، وهددوا علياً وفاطمة عليهما السلام والذين كانوا في البيت - ومنهم مؤيدون لموقف علي ، ومنهم جاؤوا معزين بوفاة النبي صلى الله عليه وآله - فهددوهم إما أن تخرجوا وتبايعوا أبا بكر ، أو نحرق عليكم الدار بمن فيها !

وبالفعل أشعلوا الحطب في باب الدار الخارجي !!

ولم يشأ علي عليه السلام أن يخرج إليهم بذي الفقار عملاً بوصية النبي صلى الله عليه وآله ، الذي كان أخبره بكل ما سيحدث وأمره فيه بأوامره .. فخرجت إليهم فاطمة الزهراء عليها السلام لعلهم يستحون منها ويرجعون ، لكنهم أهانوها وضربوها حتى أسقطت جنينها .. إلى آخر تلك الأحداث المؤلمة لقلب كل مسلم ..

في ذلك الظرف ، قرر علي وفاطمة عليهما السلام أن يستنهضا الأنصار ويطالباهم بالوفاء ببيعة العقبة ، التي شرط عليهم النبي صلى الله عليه وآله فيها أن يحموه وأهل بيته وذريته ، مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم ، فبايعوه على ذلك ! وكانت فاطمة عليها السلام مريضة مما حدث لها في الهجوم على بيتها فأركبها علي عليه السلام على دابة ، وأخذا معهما الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم ، وجالوا على بيوت رؤساء الأنصار في تلك الليلة والتي بعدها ، وكلمتهم فاطمة عليها السلام فكان قول أكثرهم : يا بنت رسول الله ، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر ، ما عدلنا بعلي أحداً ! فقالت الزهراء عليها السلام :

وهل ترك أبي يوم غدير خمٍّ لأحد عذراً !! ( الخصال 1/173 )

إن منطق الزهراء عليها السلام هو منطق أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله تماماً .. فهي بضعةٌ منه ، وهي مطهرةٌ من منطق المثَّاقلين إلى الأرض وتفكيرهم .. وكل تكوينها وتفكيرها ومشاعرها وتصرفاتها ربانية ، ولذلك قال عنها أبوها ( إن الله يرضى لرضا فاطمة ، ويغضب لغضبها ) ! .

ذلك أنها ليس لها شخصيتان : واحدةٌ رسالية والأخرى شخصية ، فتغلب هذه مرة وهذه مرة .. بل وجودها عالم موحد منسجم دائماً .. فهي أَمَةُ هذا الرب العظيم لاغير ، وتابعةٌ لهذا الرسول والأب الحبيب لاغير .. صلى الله عليه وآله . وفاطمة الزهراء تعرف أنه سبحانه يتعامل مع الناس بإقامة الحجة عليهم في أصول الإسلام وتفاصيله ، وفي أسس العقيدة وجزئيات الشريعة ، وفيما يجب على الأمة في حياة نبيها ، وبعد وفاته ..

وقد أقام أبوها الحجة لربه كاملةً غير منقوصة ، في جميع الأمور ، ومن أعظمها حق زوجها علي ، وولديها الحسن والحسين عليهم السلام ، الذين أعطاهم الله حق الولاية على الأمة بعد نبيها !

بهذا المنطق قالت الزهراء عليها السلام للأنصار : إن جوابكم لي جواب سياسي .. ومنطق الحجة الإلهية أعلى من منطق اللعب السياسية ، ومهيمنٌ عليه ، ومتقدم عليه رتبةً ، وفاضحٌ له ..

فقد بلَّغ أبي صلى الله عليه وآله عن ربه ، وأخبركم أن المالك العظيم سبحانه قد قضى الأمر ، وجعل لأمة رسوله ولياً.. فمتى كان لكم الخيرة من أمركم حتى تختاروا زيداً أو عمرواً ، بعد أن قضى الله ورسوله أمراً !!

فالحجة عليكم تامةٌ من أبي ، والآن مني ، ونعم الموعدُ القيامة ، والزعيم محمد صلى الله عليه وآله .. وعند الساعة يخسر المبطلون !

* * *

لقد كان إعلان غدير خم عملاً ربانياً خالداً، بمنطق التبليغ والأعمال الرسولية . .

وكانت الأعمال المقابلة له أعمالاً قويةً بمنطق الأعمال السياسية ، وفرض الأمر الواقع . .

والعمل السياسي قد يغلب العمل الرسولي ..

ولكنها غلبةٌ سياسيةٌ جوفاء بلا حجة ، ولا وزن عند العقل.. ولو استمرت سنين ، أو قروناً ، أو إلى ظهور المهدي الموعود عليه السلام.

* * *