الفصل السابع

تفسير آية سأل سائل بعذاب واقع

قال الله تعالى في مطلع سورة المعارج :

( سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج ... ) إلى آخر السورة الكريمة التي هي 44 آية .

 

أحداث كانت وراءها قريش

نمهد لتفسير الآية بفهرسٍ لعدد من الأحداث الخطيرة في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله .. ثبت أن قريشاً كانت وراء بعضها ، وتوجد مؤشرات توجب الظن أو الاطمئنان بأنها كانت وراء الباقي !

الأولى : محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في حنين .. وقد تقدم في البحث الخامس اعتراف بعض زعماء قريش بها !

الثانية : محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في العقبة في طريق رجوعه من تبوك ، وقد كانت محاولةً متقنةً ، نفذتها مجموعةٌ منافقة بلغت نحو عشرين شخصاً ، حيث عرفوا أن النبي صلى الله عليه وآله سيمر ليلاً من طريق الجبل بينما يمر الجيش من طريق حول الجبل ، وكانت خطتهم أن يكمنوا فوق عقبة الجبل التي سيمر فيها الرسول صلى الله عليه وآله ، حتى إذا وصل إلى المضيق ألقوا عليه ما استطاعوا من صخور لتنحدر بقوةٍ وتقتله ، ثم يفرون ويضيعون أنفسهم في جيش المسلمين ، ويبكون على الرسول ، ويأخذون خلافته !

وقد تركهم الله تعالى ينفذون خطتهم ، حتى إذا بدؤوا بدحرجة الصخور ، جاء جبرئيل وأضاء الجبل عليهم ، فرآهم النبي صلى الله عليه وآله وناداهم بأسمائهم ، وأراهم لمرافقيه المؤمنين : حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر ، وأشهدهما عليهم ، فسارعوا ونزلوا من الجهة الثانية من الجبل ، وضيعوا أنفسهم في المسلمين !!

أما لماذا يعاقبهم النبي ؟ أو يعلن أسماءهم ويوبخهم على الأقل ؟!

فلا جواب إلا أنهم من قريش ، ومن المعروفين فيها .. وإعلان أسمائهم يعني معاقبتهم ، ومعاقبتهم تعني خطر ارتداد قريش عن الإسلام ، ويعني إمكان أن تقنع قريش بعض قبائل العرب بالإرتداد معها ، بحجة أن محمداً أعطى كل شيء من بعده لبني هاشم ، ولم يعط لقريش والعرب شيئاً !

وهذا يعني السمعة السيئة للإسلام ، وأن نبيه صلى الله عليه وآله بعد أن آمن به أصحابه اختلف معهم على السلطة والملك ، وقاتلهم وقاتلوه !

ويعني الحاجة من جديد إلى بدرٍ ، وأحدٍ ، والخندق ، وفتح مكة !

ولن تكون نتائج هذه الدورة للإسلام أفضل من الدورة الأولى !

فالحل الإلهي هو : السكوت عنهم ما داموا يعلنون قبول الإسلام ، ونبوة الرسول صلى الله عليه وآله ، وينكرون فعلتهم !!

ومن الملاحظ أن روايات مؤامرة العقبة ذكرت أسماء قرشية معروفة ، وقد ضعَّفها رواة قريش طبعاً ، لكن أكثرهم وثقوا الوليد بن جُمَيْع وغيره من الرواة الذين نقلوا أسماء هؤلاء ( الصحابة ) المشاركين فيها ! كما أنهم رووا عن حذيفة وعمار رواياتٍ فاضحةٍ لبعض الصحابة الذين كانوا يسألونهما عن أنفسهم : هل رأياهم في الجبل ليلة العقبة ؟! ويحاولون أن يأخذوا منهما براءةً من النفاق والمشاركة في المؤامرة ! ورووا أنهم كانوا يعرفون الشخص أنه من المنافقين أم لا، عندما يموت .. فإن صلى حذيفة على جنازته فهو مؤمن ، وإن لم يصل على جنازته فهو منافق .

ورووا أن حذيفة لم يصل على جنازة أي زعيمٍ من قريش مات في حياته!!

* * *

الثالثة : قصة سورة التحريم ، التي تنص على أن النبي صلى الله عليه وآله أسرَّ بحديثٍ خطيرٍ إلى بعض أزواجه ، وأكد عليها أن لاتقوله لأحد ، ولا بد أن الله تعالى أمره بذلك لِحِكَمٍ ومصالح يعلمها سبحانه ..

فخالفت ( أم المؤمنين ) حكم الله تعالى ، وخانت زوجها رسول الله صلى الله عليه وآله بإفشاء سره ، وعملت مع صاحبتها لمصلحة ( قريش ) ضد مصلحة زوجها الرسول !!

وأطْلع الله تعالى نبيه على مؤامرتهما ، فأخبرهما بما فعلتا ، ونزل القرآن بكشف سرهما وسر من ورائهما ، وهددهما وضرب لهما مثلاً بامرأتي نوح ولوط ، اللتين خانتاهما ، فدخلتا النار !!

أما رواة الخلافة القرشية فيقولون إن المسألة كانت عائلية محضة ! تتعلق بغيرة النساء من بعضهن ، وبعض الأخطاء الفنية الخفيفة لهن مع النبي صلى الله عليه وآله !!

إنهم يريدونك أن تغمض عينيك عن آيات الله تعالى في سورة التحريم ، التي تتحدث عن خطرٍ عظيمٍ على الرسول صلى الله عليه وآله والرسالة ، وتحشد أعظم جيشٍ جرارٍ لمواجهة الموقف فتقول ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما ، وإن تظاهرا عليه ، فإن الله هو مولاه ، وجبريل ، وصالح المؤمنين ، والملائكة بعد ذلك ظهير ! ) .

فالى مَن صغت قلوبهما ، ولمصلحة من تعاونتا ضد الرسول صلى الله عليه وآله ؟! وما هي القضية الشخصية التي تحتاج معالجتها إلى هذا الجيش الإلهي الجرار ، الذي لايستنفره الله تعالى إلا لحالات الطوارئ القصوى ؟!

ما ابن عباس الذي يصفونه بحبر الأمة ، فكان يقرأ الآية (زاغت قلوبكما).

وبذلك تكون أما المؤمنين عائشة وحفصة احتاجتا إلى تجديد إسلامهما !

* * *

الرابعة : حادثة هجر النبي صلى الله عليه وآله لنسائه شهراً ، وشيوع خبر طلاقه لهن.. وذهابه بعيداً عنهن وعن المسجد ، إلى بيت مارية القبطية الذي كان في طرف المدينة أو خارجها !

وعلى العادة ، صورت الروايات القرشية هذه الحادثة على أنها حادثةٌ شخصية.. شخصيةٌ بزعمهم وشغلت النبي صلى الله عليه وآله والوحي والمسلمين ! وادعوا أن سببها كثرة طلبات نسائه المعيشية منه صلى الله عليه وآله ، وأكدوا أنه لاربط للحادثة أبداً بقضايا الإسلام المالئة للساحة السياسية آنذاك ، والشاغلة لزعماء قريش خاصة !!

* * *

الخامسة : تصعيد عمل قريش ضد علي بن أبي طالب عليه السلام لإسقاط شخصيته ، وغضب النبي صلى الله عليه وآله وشدته عليهم في دفاعه عن علي، وتركيزه لشخصيته .. ولهذا الموضوع مفرداتٌ عديدة في حروب النبي وسلمه وسفره وحضره صلى الله عليه وآله.. لكن يلاحظ أنها كثرت في السنة الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وآله وأنه غضب بسببها مراراً ، وخطب أكثر من مرة ، مبينا فضل علي عليه السلام ، وفسق من يؤذيه أو كفره !

ولو لم يكن من ذلك إلا قصة بريدة الأسلمي الكاسحة ، التي روتها مصادر السنيين بطرق عديدة ، وأسانيد صحيحة عالية ، وكشفت عن وجود شبكة عملٍ منظم ترسل الرسائل وتضع الخطط ضد علي عليه السلام ، وسجلت إدانة النبي صلى الله عليه وآله الغاضبة لهم ، وتصريحه بأن علياً وليكم من بعدي، وأن كل من ينتقد علياً ولا يحبه فهو منافق ! وهي حادثةٌ تكفي دليلاً على ظلم زعماء قريش وحسدهم لعلي عليه السلام ... إلخ !

* * *

السادسة : منع تدوين سنة النبي صلى الله عليه وآله في حياته .. أما القرآن فقد كان عامة الناس يكتبونه من حين نزوله ، وكان النبي صلى الله عليه وآله يأمر بوضع ما ينزل منه جديداً بين منبره والحائط ، حيث كان يوجد ورق ودواة ، لمن يريد أن يكتب ما نزل جديداً منه . وكان النبي صلى الله عليه وآله يأمرعلياً عليه السلام بكتابة القرآن وحديثه . وكان آخرون يكتبون حديث النبي صلى الله عليه وآله ، ومنهم شبانٌ قرشيون يعرفون الكتابة مثل عبد الله بن عمرو بن العاص .. وقد أحست قريش بأن ذلك يعني تدوين مقولات النبي صلى الله عليه وآله العظيمة في حق عترته وبني هاشم ، ومقولاته في ذم عددٍ كبيرٍ من فراعنة قريش وشخصياتها .. فعملت على منع كتابة سنة النبي صلى الله عليه وآله في حياته ، في حين أن بعض زعمائها كان يكتب أحاديث اليهود ، ويحضر درسهم في كل سبت ! !

وقد وثقنا ذلك في كتاب تدوين القرآن .

وقد روت مصادر السنيين أن عبد الله بن عمرو شكى إلى النبي صلى الله عليه وآله أن ( قريشاً ) نهته عن كتابة حديثه ، لأن أحاديثه التي فيها غضبٌ عليها ليست حجة شرعاً ! قال أبو داود في سننه : 2/176 : ( عن عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيءٍ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أريد حفظه ، فنهتني قريش ( يعني عمر ) وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه! ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ يتكلم في الغضب والرضا ! فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بإصبعه إلى فيه فقال: (أكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) ! انتهى . ورواه أحمد في مسنده : 2/192 ، و215 ، والحاكم في المستدرك : 1/105 و3/528 ، وصححه .

* * *

السابعة : محاولة اغتيال النبي صلى الله عليه وآله في طريق عودته من حجة الوداع عند عقبة هرشى بعد نصبه علياً في غدير خم ، وقد كشف الوحي المؤامرة ، وكانت شبيهةً إلى حد كبيرٍ بمؤامرة اغتياله صلى الله عليه وآله في العقبة ، في طريق رجوعه من مؤتة !

الثامنة : تصعيد قريش انتقادها ومقاومتها لأعمال النبي صلى الله عليه وآله لتركيز مكانة عترته عليهم السلام وأسرته بني هاشم في الأمة ، واعتراض عددٍ منهم عليه بصراحةٍ ووقاحةٍ ، ومطالبتهم بأن يجعل الخلافة لقريش تدور في قبائلها ، أو يشرك مع علي غيره من قبائل قريش !!

وقد رفض النبي صلى الله عليه وآله كل مطالبهم ، لأنه لايملك شيئاً مع الله تعالى ، ولم يعط شيئاً من عنده حتى يمنعه ، وإنما هو عبدٌ ورسولٌ مبلغ صلى الله عليه وآله . وقد تقدم نص تنزيه الأنبياء للشريف المرتضى / 167:

( جاءه قوم من قريش فقالوا له : يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن الناس قريبو عهد بالإسلام ، لايرضون أن تكون النبوة فيك والإمامة في ابن عمك علي بن أبي طالب . فلو عدلت به إلى غيره لكان أولى . فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله : ما فعلت ذلك برأيي فأتخير فيه ، لكن الله تعالى أمرني به وفرضه علي . فقالوا له : فإذا لم تفعل ذلك مخافة الخلاف على ربك ، فأشرك معه في الخلافة رجلاً من قريش تركن الناس إليه ، ليتم لك أمرك ، ولا يخالف الناس عليك !! ) .

* * *

التاسعة : أن النبي صلى الله عليه وآله عندما كان مريضاً شكل جيشاً بقيادة أسامة بن زيد ، وجعل تحت إمرته كل زعماء قريش غير بني هاشم ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ، وهو شاب عمره 18 سنة ، أسمر أمه أم ايمن الإفريقية، وأمره أن يسير إلى مؤتة في الأردن لمحاربة الروم حيث استشهد أبوه في حملة جعفر بن أبي طالب .. وقد أراد النبي بذلك أن يرسخ قدرة الدولة الإسلامية ويأخذ بثأر شهداء مؤتة ، وفي نفس الوقت أراد أن يفرغ المدينة من المعارضين لعلي عليه السلام قبيل وفاته صلى الله عليه وآله .

فخرج أسامة بمن معه وعسكر خارج المدينة ، ولكن زعماء قريش أحبطوا خطة النبي صلى الله عليه وآله بتثاقلهم عن الانضمام إلى جيش أسامة ، وتأخيرهم من استطاعوا عنه ، ثم طعنوا في تأمير النبي صلى الله عليه وآله لأسامة الإفريقي الشاب بحجة صغر سنه ، وواصلوا تسويفهم للوقت ، فكانوا يذهبون الى معسكر أسامة عند ضغط النبي عليهم ، ثم يرجعون إلى المدينة ! حتى صعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر وشدد على إنفاذ جيش أسامة ، وأبلغ المسلمين صدور اللعنة من ربه عز وجل ومن رسوله على كل من تخلف عن جيش أسامة !!

* * *

العاشرة : تصعيد قريش فعاليتها ضد النبي صلى الله عليه وآله ، وقرارها الخطير بمواجهته صلى الله عليه وآله مباشرة إذا أراد أن يستخلف علياً وأهل بيته عليهم السلام ، رسمياً !

وبالفعل قام زعيم قريش الجديد عمر بن الخطاب بمهمة أقسى مواجهة لأمة مع نبيها ! وذلك عندما جمع النبي صلى الله عليه وآله زعماء قريش والأنصار في مرض وفاته ، وأخبرهم أنه قرر أن يكتب لأمته كتاباً لن تضل بعده أبداً ، فعرفوا أنه يريد أن يثبت ولاية علي وأهل بيته عليهم السلام على الأمة بصورة رسمية مكتوبة ، فواجهه عمر بصراحة ووقاحة : لانريد كتابك وأمانك من الضلال ، ولا سنتك ولا عترتك ، وحسبناكتاب الله .. وحتى تفسيره من حقنا نحن لامن حقك ، وحق عترتك !!

وأيده القرشيون الحاضرون ومن أثَّروا عليهم من الأنصار ، وصاحوا في وجه نبيهم صلى الله عليه وآله : القول ما قاله عمر .. القول ما قاله عمر !!

وانقسم المحتشدون في بيت نبيهم في آخر أيامه ، وتشادوا بالكلام فوق رأسه صلى الله عليه وآله ، منهم من يقول قربوا له قلماً وقرطاساً يكتب لكم أماناً من الضلال . وأكثرهم يصيح : القول ما قاله عمر ، لاتقربوا له شيئاً ، ولا تَدَعُوهُ يكتب!!

ويظهر أن جبرئيل حينذاك كان عند النبي صلى الله عليه وآله فقد كثر نزوله عليه في الأيام الأخيرة ، فأخبره أن الحجة قد تمت ، وأن الإصرار على الكتاب يعني دفع قريش نحو الردة ، والحل هو الاعراض عنهم وإكمال تبليغهم بطردهم !!

فطردهم النبي صلى الله عليه وآله وقال لهم : قوموا فما ينبغي عند نبي تنازع ! قوموا ، فما أنا فيه خير مما تدعوني إليه ... !!

وهذا الحديث ( إيتوني بدواةٍ وقرطاسٍ ) حديث معروفٌ ، رواه البخاري في عدة مواضع من صحيحه ! وروى أن ابن عباس سمى تلك الحادثة ( رزية يوم الخميس ) !

* * *

الحادية عشرة : أصيب النبي صلى الله عليه وآله بحمى شديدة في مرضه ، وكان يغشى عليه لدقائق من شدة الحمى ويفيق .. فأحس بأن بعض من حوله أرادوا أن يسقوه دواء عندما أغمي عليه ، فأفاق ونهاهم ، وشدد عليهم النهي بأن لايسقوه أي دواء إذا أغمي عليه .. ولكنهم اغتنموا فرصة الأغماء عليه بعد ذلك ، وصبوا في فمه دواء فرفضه ، فسقوه إياه بالقوة !!

فأفاق النبي صلى الله عليه وآله ، ووبخهم على عملهم ! وأمر كل من كان حاضراً أن يشرب من ذلك الدواء ، ما عدا بني هاشم !!

ورووا أن الجميع غير بني هاشم شربوا من ( ذلك ) الدواء !!

هذه الحادثة المعروفة في السيرة بحادثة ( لَدّ النبي ) صلى الله عليه وآله ينبغي أن تعطى حقها من البحث والتحقيق ، فربما كانت محاولةً لقتل النبي صلى الله عليه وآله بالسم !!

إن كل واحدة من هذه الحوادث تصلح أن تكون موضوعاً لرسالة دكتوراه .. ولكنا أردنا منها التمهيد لتفسير آية (سأل سائل) في مطلع سورة المعارج..

وإذا أردت أن تعرف الأبطال الحقيقيين لهذه الحوادث ، والأدمغة المخططة لها .. فابحث عن قريش ! وإذا أردت أن تفهم أكثر وتتعمق أكثر ، فابحث .. عن علاقة قريش باليهود !!

اليس من حق الباحث أن يعجب من ذلك ، ويفهم كيف عصم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله من أن ترتد قريش في حياته، وتعلن كفرها بنبوته ! ولكنه لم يعصمه من أذاها ومؤامراتها .. فذلك هو طريق الأنبياء عليهم السلام وتكاليفه .. لاتغيير فيها !

 

استنفار قريش بعد الغدير

تحركت قافلة النبوة والإمامة من غدير خمٍ نحو المدينة .. وسكن قلب النبي صلى الله عليه وآله واطمأن .. ولكن قريشاً لم تسكن ، بل صارت في حالة غليان من الغيظ !

هكذا تقول الأحاديث ، ومنطق الأحداث .. فقريش لاتسكت حتى ترى العذاب الأليم ! وقد قال لهم الصادق الأمين الذي لاينطق إلا وحياً صلى الله عليه وآله : ( لاأراكم منتهين يا معشر قريش ) !!

إن آية العصمة من الناس كما قدمنا ، لاتعني أن الله تعالى جعل الطريق أمام رسوله صلى الله عليه وآله ناعماً كالحرير ، ولا أنه جعل له قريشاً فرساً ريِّضاً طائعاً.. نعم ، إن قدرته تعالى لا يمتنع منها شيء .. ولكنه أراد للأمور أن تجري بأسبابها ، وللأمة أن تجري عليها سنن الأمم الماضية ، فتمتحن بإطاعة نبيها من بعده، أو معصيته .. وهذا يستوجب أن تبقى لها القدرة على معصيته .. أما على الردة في حياته وفي وجهه .. فلا .

إن قدرتها تصل إلى حد قولها لنبيها صلى الله عليه وآله : لانريد وصيتك ولا سنتك ولا عترتك ، حسبنا كتاب الله !! لكن ما بعد ذلك خطٌّ أحمر . . هكذا أراد الله تعالى !!

لقد تحققت عصمة النبي صلى الله عليه وآله من قريش في منعطفات كثيرة في حجة الوداع .. في مكة ، وعرفات ، وفي ثلاث خطب في منى ، خاصةً خطبة مسجد الخيف .. وما تنفست قريش الصعداء إلا برحيل النبي من مكة بعد حجة الوداع دون أن يطالبها بالبيعة لعلي !

ولكن الله تعالى لم يكتف بذلك ، حتى أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يوقف المسلمين في طريق عودتهم في حر الظهيرة ، في صحراء ليس فيها كلأ لخيولهم وجمالهم ، ولا سوق ليشتروا منه علوفة وطعاماً ، إلا دوحةٌ من بضع أشجار على قليل من ماء ، وذلك بعد مسير ثلاثة أيام .. فلم يصبر عليهم حتى يصلوا إلى مدينة الجحفة التي لم يبق عنها إلا ميلان أو أقل ، بل كان أول القافلة وصل إلى مشارفها .. فبعث إليهم النبي وأرجعهم إلى صحراء الغدير !

كل ذلك لكي يصعد الرسول صلى الله عليه وآله المنبر في غير وقت صلاة ويرفع بيد ابن عمه وصهره علي عليه السلام ويقول لهم : هذا وليكم من بعدي ، ثم من بعده ولداه الحسن والحسين ، ثم تسعة من ذرية الحسين عليهم السلام .

هنا تجلت آية العصمة من الناس مجسمةً للعيان .. فقد كمَّمَ الله تعالى أفواه قريش عن المعارضة ، وفتح أفواههم للموافقة ، فقالوا جميعاً : نشهد أنك بلغت عن ربك .. وأنك نعم الرسول .. سمعنا وأطعنا .. وتهافتوا مع المهنئين إلى خيمة علي.. وكبروا مع المكبرين عندما نزلت آية ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتتمت عليكم نعمتي ) !

ثم أصغوا جميعاً إلى قصيدة حسان بن ثابت في وصف نداء النبي صلى الله عليه وآله ، وإبلاغه عن ربه ولاية علي عليه السلام من بعده .

واستمرت التهنئة من بعد صلاة العصر إلى ما شاء الله .. وبعد صلاة المغرب والعشاء تتابع المهنئون لعلي على ضوء القمر ليلة التاسع عشر من ذي الحجة .. فقد بات النبي صلى الله عليه وآله في غدير الإمامة ، وتحرك إلى المدينة بعد صلاة فجره .. وقيل بقي فيه يومان !

أما كيف سلب الله تعالى قريشاً القدرة على تخريب مراسم الغدير .. وكيف كف ألسنتها .. وهي السليطةُ بالاعتراض .. الجريئةُ على الأنبياء ؟! وكيف جعلها تفكر بأن تمرر هذا اليوم لمحمد صلى الله عليه وآله كي يفعل لبني هاشم وعليٍّ ما يشاء ؟!

ذلك من عمله عز وجل، وقدرته المطلقة .. المطلقة !

وما نراه من الظاهر هو الأسلوب الأول الذي عصم الله به رسوله من ارتداد قريش ، ولا بد أن ما خفي عنا من ألطافه تعالى أعظم .

أما الأسلوب الثاني فكان لغة العذاب السماوي ، التي لاتفهم قريش غيرها كما لم يفهم غيرها اليهود في زمان أنبيائهم !!

 

أحجار من السماء للناطقين باسم قريش

وردت في أحاديث السنة والشيعة أسماءٌ عديدةٌ لأشخاص اعترضوا على إعلان النبي صلى الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام في غدير خم . ويفهم منها أن عدداً منها تصحيفات لاسم شخص واحد ، ولكن عدداً آخر لايمكن أن يكون تصحيفاً ، بل يدل على تعدد الحادثة ، خاصة أن العقاب السماوي في بعضها مختلف عن الآخر .. وهم :

جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ..

والحارث بن النعمان الفهري ..

والحرث بن النعمان الفهري ..

وعمرو بن عتبة المخزومي ..

والنضر بن الحارث الفهري ..

والحارث بن عمرو الفهري ..

والنعمان بن الحارث اليهودي ..

والنعمان بن المنذر الفهري ..

وعمرو بن الحارث الفهري ..

ورجل من بني تيم .. ورجل أعرابي .. ورجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة .

وكل هؤلاء قرشيون إلا الربيعي واليهودي ، إذا صحت روايتهما !

وليس فيهم أنصاري واحد ، إذ لم يعهد من الأنصار اعتراضٌ على الإمتيازات التي أعطاها الله تعالى لعترة النب في حياته صلى الله عليه وآله ! وإن تخاذلوا وخذلوهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ولم يفوا له فيهم .

وخلاصة الحادثة : أن أحد هؤلاء الأشخاص - أو أكثر من واحد - اعترض على النبي صلى الله عليه وآله واتهمه بأن إعلانه علياً عليه السلام ولياً على الأمة ، كان عملاً من عنده وليس بأمر الله تعالى ! ولم يقتنع بتأكيد النبي صلى الله عليه وآله له ، بأنه ما فعل ذلك إلا بأمر ربه !

وذهب المعترض من عند النبي صلى الله عليه وآله غاضباً وهو يدعو الله تعالى أن يمطر الله عليه حجارة من السماء إن كان هذا الأمر من عنده .. فرماه الله بحجرٍ من سجيلٍ فأهلكه ! أو أنزل عليه ناراً من السماء فأحرقته !

وهذه الحادثة تعني أن الله تعالى استعمل التخويف مع قريش أيضاً ، ليعصم رسوله صلى الله عليه وآله من تكاليف حركة الردة التي قد تُقْدِم عليها .. وبذلك تعزز عند زعماء قريش الإتجاه القائل بفشل المواجهة العسكرية مع النبي صلى الله عليه وآله ، وضرورة الصبر حتى يتوفاه الله تعالى !

* * *

مسائل وبحوث في الآية

وفي هذا الحديث النبوي ، والحادثة الربانية ، مسائل وبحوث ، أهمها :

المسألة الأولى : في أن مصادر السنيين روت هذا الحديث

لم تختص بروايته مصادرنا الشيعية بل روته مصادر السنيين أيضاً ، وأقدم من رواه من أئمتهم : أبو عبيد الهروي في كتابه : غريب القرآن .

قال في مناقب آل أبي طالب 2/240 :

أبو عبيد ، والثعلبي ، والنقاش ، وسفيان بن عينيه ، والرازي ، والقزويني ، والنيسابوري ، والطبرسي ، والطوسي في تفاسيرهم ، أنه لما بَلَّغَ رسول صلى الله عليه وآله بغدير خم ما بَلَّغ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى الحارث بن النعمان الفهري ، وفي رواية أبي عبيد : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال : يا محمد ! أمرتنا عن الله بشهادة أن لاإله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك ، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيء منك أم من الله ؟!

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : والذي لاإله إلا هو إن هذا من الله .

فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر ، فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع .. الآية . انتهى .

وقد أحصى علماؤنا ، كصاحب العبقات ، وصاحب الغدير ، وصاحب إحقاق الحق ، وصاحب نفحات الأزهار ، وغيرهم .. عدداً من أئمة السنيين وعلمائهم الذين أوردوا هذا الحديث في مصنفاتهم ، فزادت على الثلاثين .. نذكر منهم اثني عشر :

1 - الحافظ أبو عبيد الهروي المتوفى 223 ، في تفسيره (غريب القرآن ) .

2 - أبو بكر النقاش الموصلي البغدادي المتوفى 351 ، في تفسيره .

3 - أبو إسحاق الثعلبي المتوفى 427 ، في تفسيره ( الكشف والبيان ).

4 - الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب ( أداء حق الموالاة ) .

5 - أبو بكر يحيى القرطبي المتوفى 567 ، في تفسيره .

6 - أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي المتوفى 654 في تذكرته .

7 - شيخ الإسلام الحمويني المتوفى 722 ، روى في فرائد السمطين في الباب الثالث عشر قال :

أخبرني الشيخ عماد الدين الحافظ بن بدران بمدينة نابلس ، فيما أجاز لي أن أرويه عنه إجازة ، عن القاضي جمال الدين عبد القاسم بن عبد الصمد الأنصاري إجازة ، عن عبد الجبار بن محمد الحواري البيهقي إجازة ، عن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي قال : قرأت على شيخنا الأستاذ أبي إسحاق الثعلبي في تفسيره : أن سفيان بن عيينه سئل عن قوله عز وجل : سأل سائل بعذاب واقع ، فيمن نزلت فقال ...

8 - أبو السعود العمادي المتوفى 982 ، قال في تفسيره 8/292 :

قيل هوالحرث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه قول رسول الله عليه السلام في علي رضي الله عنه : من كنت مولاه فعلي مولاه ، قال ...

9 - شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفى 977 ، قال : في تفسيره السراج المنير : 4/364 : اختلف في هذا الداعي فقال ابن عباس : هو النضر بن الحرث ، وقيل : هو الحرث بن النعمان . . .

10 - الشيخ برهان الدين علي الحلبي الشافعي المتوفى 1044 ، روى في السيرة الحلبية : 3 / 302 ، وقال : لما شاع قوله صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه في ساير الأمصار وطار في جميع الأقطار ، بلغ الحرث بن النعمان الفهري ... إلى آخر لفظ سبط ابن الجوزي .

11 - شمس الدين الحفني الشافعي المتوفى 1181 ، قال في شرح الجامع الصغير للسيوطي : 2/387 ، في شرح قوله صلى الله عليه وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه .

12 - أبو عبد الله الزرقاني المالكي المتوفى 1122 ، في شرح المواهب اللدنية / 13 . انتهى .

وسيأتي ذكر بقية مصادر الحديث في بحث أسانيده .

المسألة الثانية : هل أن سورة المعارج مكية أو مدنية

يلاحظ القاريء أن الجو العام للسورة الشريفة الى آية 36 ، أقرب إلى جو السور المدنية وتشريعات سورة النور والمؤمنين ، وأن جو الآيات 36 إلى آخر السورة أقرب إلى جو السور المكية ، التي تؤكد على مسائل العقيدة والآخرة .

ولهذا لايمكن معرفة مكان نزول السورة من آياتها ، حسب ما ذكروه من خصائص للسور المكية والمدنية ، وضوابط للتمييز بينها .. على أن هذه الخصائص والضوابط غير دقيقة ولا علمية ! وإذا صح لنا أن نقبل بها ، فلا بد أن نقول إن القسم الأخير من السورة من قوله تعالى ( فما للذين كفروا قبلك مهطعين ) إلى آخرها ، نزلت أولاً في مكة ، ثم نزل القسم الأول منها في المدينة ، ووضع في أولها !! ولكن ذلك ليس أكثر من ظن ! والطريق الصحيح لتعيين مكيتها أو مدنيتها هو النص ، والنص هنا متعارضٌ سواءً في مصادرنا أو مصادر السنيين ، ولكن المفسرين السنيين رجحوا مكيتها وعدوها في المكي . ولا يبعد أن ذلك هو المرجح حسب نصوص مصادرنا أيضاً . فقد روى القاضي النعمان في شرح الأخبار 1/241 :

عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : نزلت والله بمكة للكافرين بولاية علي عليه السلام . انتهى . والظاهر أن مقصوده عليه السلام : أنها نزلت في مكة وكان مقدراً أن يأتي تأويلها في المدينة عند اعتراضهم على إعلان النبي صلى الله عليه وآله ولاية علي عليه السلام .

وقال الكليني في الكافي 5/450 :

قال : سأل أبو حنيفة أبا جعفر محمد بن النعمان صاحب الطاق ، فقال له: يا أبا جعفر ما تقول في المتعة ، أتزعم أنها حلال ؟ قال : نعم . قال : فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن ويكتسبن عليك ؟

فقال له أبو جعفر : ليس كل الصناعات يرغب فيها ، وإن كانت حلالاً ، وللناس أقدار ومراتب يرفعون أقدارهم .

ولكن ما تقول يا أبا حنيفة في النبيذ ، أتزعم أنه حلال ؟ فقال : نعم .

قال : فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات فيكتسبن عليك ؟

فقال أبو حنيفة : واحدةٌ بواحدة ، وسهمك أنفذ !!

ثم قال له : يا أبا جعفر إن الآية التي في سأل سائل ، تنطق بتحريم المتعة والرواية عن النبي صلى الله عليه وآله قد جاءت بنسخها ؟

فقال له أبو جعفر : يا أبا حنيفة إن سورة سأل سائل مكية ، وآية المتعة مدنية ، وروايتك شاذة ردية .

فقال له أبو حنيفة : وآية الميراث أيضاً تنطق بنسخ المتعة ؟

فقال أبو جعفر : قد ثبت النكاح بغير ميراث .

قال أبو حنيفة : من أين قلت ذاك ؟

فقال أبو جعفر : لو أن رجلاً من المسلمين تزوج امرأة من أهل الكتاب ، ثم توفي عنها ما تقول فيها ؟ قال : لاترث منه .

قال : فقد ثبت النكاح بغير ميراث . ثم افترقا . انتهى .

وقول أبي حنيفة إن سورة سأل سائل تنطق بتحريم المتعة ، يقصد به قوله تعالى في السورة ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ). فأجابه مؤمن الطاق بأن السورة مكيةوآية (فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهن) مدنية ، فكيف ينسخ المتقدم المتأخر ؟

ولكن الجواب الأصح : أن المتمتع بها زوجةٌ شرعية ، فهي مشمولة لقوله تعالى ( إلا على أزواجهم ) وقد أفتى عدد من علماء السنيين بأنه يجوز للرجل أن يتزوج امرأة حتى لو كان ناوياً أن يطلقها غداً ، وهو نفس المتعة التي يشنعون بها علينا . بل أفتى أبو حنيفة نفسه بأن الرجل لو استأجر امرأة لخدمته وكنْس منزله وغسل ثيابه ، فقد جاز له مقاربتها بدون عقد زواج ، لادائمٍ ولا منقطع !! بحجة أن عقد الأجارة يشمل ذلك !

وهذا أوسع من المتعة التي يقول بها الفقه الشيعي ، لأن عقد الزواج شرطٌ فيها، وإلا كانت زنا .

وغرضنا أن المرجح أن تكون سورة المعارج مكية ، ولكن ذلك لايؤثر على صحة الحديث القائل بأن العذاب الواقع هو العذاب النازل على المعترض على النبي صلى الله عليه وآله عندما أعلن ولاية علي عليه السلام ، لأن ذلك يكون تأويلاً لها ، وإخباراً من جبرئيل عليه السلام بأن هذه الحادثة هي من العذاب الواقع الموعود .

فقد تقدمت رواية شرح الأخبار في ذلك ، وستأتي منه رواية فيها (فأصابته الصاعقة فأحرقته النار ، فهبط جبرئيل وهو يقول : إقرأ يا محمد : سأل سائلٌ بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ) . وهي كالنص في أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وآله بتطبيق الآية أو تأويلها .

بل يظهر من أحاديثنا أن ما حل بالعبدري والفهري ما هو إلا جزءٌ صغيرٌ من ( العذاب الواقع ) الموعود ، وأن أكثره سينزل تمهيداً لظهور الإمام المهدي عليه السلام أو نصرةً له ..

وقد أوردنا في معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام : 5/458 ، عدة أحاديث عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام في تفسير العذاب الواقع بأحداثٍ تكون عند ظهور الإمام المهدي عليه السلام .. منها ما رواه علي بن إبراهيم القمي في تفسيره : 2/385 قال :

سأل سائلٌ بعذاب واقع، قال : سئل أبو جعفر عليه السلام عن معنى هذا، فقال: نارٌ تخرج من المغرب ، وملكٌ يسوقها من خلفها حتى تأتي دار بني سعد بن همام عند مسجدهم ، فلا تدع داراً لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها ، ولا تدع داراً فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها ، وذلك المهدي عليه السلام .

ومنها ما رواه النعماني في كتاب الغيبة / 272 قال :

حدثنا محمد بن همام قال : حدثنا جعفر بن محمد بن مالك قال : حدثنا محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن الحسن بن علي ، عن صالح بن سهل ، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام في قوله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع، قال : تأويلها فيما يأتي عذابٌ يقع في الثوية يعني ناراً حتى تنتهي إلى الكناسة كناسة بني أسد، حتى تمر بثقيف لاتدع وتراً لآل محمد إلا أحرقته، وذلك قبل خروج القائم عليه السلام . انتهى .

والأمكنة التي ذكرتها الروايتان ، من أمكنة الكوفة التي ثبت أن الإمام المهدي عليه السلام سيتخذها عاصمةً له.

وقول الإمام الصادق عليه السلام ( تأويلها فيما يأتي ) يدل على أن مذهب أهل البيت عليهم السلام أن العذاب الواقع في الآية وعيدٌ إلهيٌّ مفتوحٌ منه ما وقع فيما مضى على المشركين والمنافقين ، ومنه ما يقع فيما يأتي على بقيتهم . . وهو المناسب لإطلاق التهديد في الآية ، ولسنة الله تعالى وانتصاره لدينه وأوليائه .

المسألة الثالثة : هل العذاب في سورة المعارج دنيوي أم أخروي

المتأمل في السورة نفسها بقطع النظر عن الأحاديث والتفاسير .. يلاحظ في النظرة الأولى أن موضوعها ومحور كل آياتها هو العذاب الأخروي وليس الدنيوي . كما أن آياتها لاتنص على ذم السائل لأنه سأل عن ذلك العذاب ، فقد يكون مجرد مستفهمٍ لاذنب له ، وقد يكون السائل بالعذاب هنا بمعنى الداعي به ، وقد رأيت أن القرطبي ذكر قولاً بأن السائل بالعذاب نبي الله نوح عليه السلام ، وقولاً آخر بأنه نبينا صلى الله عليه وآله !

ولذلك يرد في الذهن سؤال : من أين أطبق المفسرون الشيعة والسنة على أنها تشمل العذاب الدنيوي وأن ذلك السائل بالعذاب سأل متحدياً ومكذباً؟!

والجواب : أن سر ذلك يكمن في ( باء ) العذاب ، وأن ( سأل به ) تعني التساؤل عن الشيء المدعي وطلبه ، استنكاراً وتحدياً ! فكلمة ( سأل به ) تدل على أن السائل سمع بهذا العذاب ، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان ينذرهم بالعذاب الدنيوي والأخروي معاً .. فتساءل عنه ، وأنكره ، وتحدى أن يقع !

وقد أجابه الله تعالى بالسورة ، ولم ينف سبحانه العذاب الدنيوي لأعدائه ، وإن كان ركز على العذاب الأخروي وأوصافه ، لأنه الأساس والأكثر أهميةً واستمراراً ، وصفته الجزائية أكثر وضوحاً . فكأن السورة تقول :

أيها المستهزؤون بالعذاب الذي ينذركم به رسولنا .. إن كل ما أنذركم به من عذاب دنيوي أو أخروي سوف يقع ، ولا دافع له عن الكفار .. فآمنوا بالله ليدفعه عنكم بقوانينه في دفع عذابه عن المؤمنين .

فقوله تعالى ( للكافرين ليس له دافع ) ينفي إمكان دفعه عن الكافرين ، فهو ثابت لمن يستحقه منهم ، وهو أيضاً ثابتٌ لمن يستحقه من الذين قالوا آمنا .. والدافع له التوبة والاستغفار مثلاً .

كما أن كلمة ( الكافرين ) في الآية لايبعد أن تكون بالمعنى اللغوي ، فتشمل الكافرين ببعض آيات الله تعالى ، أو بنعمه ، ولو كانوا مسلمين .

وعندما نشك في أن كلمة استعملت بمعناها اللغوي أو الإصطلاحي ، فلا بد أن نرجح المعنى اللغوي ، لأنه الأصل ، والإصطلاحي يحتاج إلى قرينة .

وقد وقع المفسرون السنيون في تهافتٍ في تفسير السورة ، لأنهم جعلوا (العذاب الواقع ) عذاباً أخروياً أو لغير المسلمين ، وفي نفس الوقت فسروه بعذاب النضر بن الحارث العبدري بقتله يوم بدر ، فصار بذلك شاملاً للعذاب الدنيوي ! وما أكثر تهافتهم في التفسير !

ويلاحظ الباحث في التفاسير السنية أنه يوجد منهجٌ فيها ، يحاول أصحابه دائماً أن يفسروا آيات العذاب الواردة في القرآن الكريم - خاصة التي نزلت في قريش - بالعذاب الأخروي ، أو يرموها على أهل الكتاب ، ويبعدوها حتى عن المنافقين ! وقد أوجب عليهم حرضهم هذا على تبرئة قريش ، أن يتهموا النبي صلى الله عليه وآله بأنه دعا ربه بالعذاب على قومه ، فلم يستجب له ! بل وبخه الله تعالى بقوله : ليس لك من الأمر شيء ...!! إلخ .

وهكذا ركزت الدولة القرشية على مقولة اختيار الله لقريش ، وعدم سماحه بعذابها ، وجعلتها أحاديث نبوية ، ولو كان فيها تخطئةٌ وإهانةٌ للنبي صلى الله عليه وآله .. وأدخلتها في مصادر التفسير والحديث !!

أما عندما يضطرون إلى الإعتراف بوقوع العذاب الدنيوي لأحد فراعنة قريش ، فيقولون إنه خاصٌ بحالة معينة ، مثل حالة النضر بن الحارث ، وقد وقعت في بدر وانتهى الأمر !

اختار الفخر الرازي في تفسيره : 30/122 ، أن العذاب المذكور في مطلع السورة هو العذاب الأخروي ، وأن الدنيوي مخصوص بالنضر بن الحارث ، قال : ( لأن العذاب نازل للكافرين في الآخرة لايدفعه عنهم أحد، وقد وقع بالنضر لأنه قتل يوم بدر ) ، ثم وصف هذا الرأي بأنه سديد .. وهو بذلك يتابع جمهور المفسرين السنيين ، الذين قالوا بانتهاء العذاب الدنيوي الموعود ، مع أن السورة لاتشير إلى انتهاء أي نوع من العذاب الموعود !!

على أن حرص المفسرين القرشيين على إبعاد العذاب عن قريش ، أقل تشدداً من حرص المحدثين الرسميين ، فهؤلاء لايقبلون ( العذاب الواقع ) لأحدٍ من قريش ، حتى للنضر بن الحارث وحتى لأبي جهل ! فهم الذين اخترعوا تهمة النبي صلى الله عليه وآله بأنه دعا على قومه، فوبخه الله تعالى !

فقد روى البخاري في صحيحه : 5/199 : ( عن أنس بن مالك قال : قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزلت : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) . ورواه البخاري في عدة أماكن أخرى ، ورواه مسلم في : 8/129 !!

وإذا أردت أن تقرأ ما لاتكاد تصدقه عيناك ، فاقرأ ما رووه في تفسير قوله تعالى ( ليس لك من الأمر شيء ) فهي آيةٌ تنفي عن النبي صلى الله عليه وآله كل أنواع الألوهية والشراكة لله تعالى ، ولكنها في نفس الوقت لاتسلب عنه شيئاً من مقامه النبوي وخلقه العظيم وحكمته ، وحرصه على هداية قومه .. لكن أنظر ماذا عمل المحدثون القرشيون في تفسيرها ، وكيف صوروا النبي صلى الله عليه وآله بأنه ضيق الصدر ، مبغضٌ لقريش ، يريد الإعتداء عليها وظلمها .. !! فينزل الوحي مدافعاً عن هذه القبائل المقدسة الثلاث وعشرين ، ورد عدوانية نبيه عنها !!

ولا يتسع المجال للإفاضة في هذا الموضوع ، ولكن القاريء السني يجد نفسه متحيراً بين ولاء المفسرين لقريش ، كالمفسر مجاهد الذي يسمح بكون قتل بعض فراعنتها كالنضر عذاباً لها ، وبين ولاء المحدثين لها كالبخاري الذي يقول إن قتل النضر وأبي جهل ليس هو العذاب الإلهي ، فهؤلاء قومٌ برزوا إلى مضاجعهم ، فقد رفع الله عذابه عن قريش ، ووبخ رسوله ، لأنه دعا عليها !!

وأخيراً .. يمكن للباحث أن يستدل لنصرة رأي المفسرين القائل بأن العذاب في السورة يشمل العذاب الدنيوي ، بما رواه ابن سعد في الطبقات ، من قصة اختلاف طلحة والزبير وابنيهما على إمامة الصلاة في معسكر عائشة في حرب الجمل ، قال : ( ولما قدموا البصرة أخذوا بيت المال ، وختماه جميعاً طلحة والزبير ، وحضرت الصلاة فتدافع طلحة والزبير حتى كادت الصلاة تفوت ، ثم اصطلحا على أن يصلي عبد الله بن الزبير صلاةً ومحمد بن طلحة صلاةً ، فذهب ابن الزبير يتقدم فأخره محمد بن طلحة ، وذهب محمد بن طلحة يتقدم فأخره عبد الله بن الزبير عن أول صلاة !! فاقترعا فقرعه محمد بن طلحة ، فتقدم فقرأ : سأل سائل بعذاب واقع ) !!. انتهى .

فقد فهم محمد بن طلحة القرشي التيمي من السورة أنها تهديدٌ بعذاب دنيوي ، ولذلك هدد بها ابن الزبير ! وهو دليلٌ على أن الإرتكاز الذهني عند الصحابة المعاصرين للنزول ، أن العذاب في السورة يشمل العذاب الدنيوي أيضاً .

المسألة الرابعة : موقف السنيين من الحديث

موقف الذين أوردوا الحديث من السنيين ليس واحداً .. فمنهم من قبله ورجحه على غيره كأبي عبيد والثعلبي والحمويني .. ومنهم من نقله بصيغة : روي أو قيل أو رجح غيره عليه .

ولكن أحداً منهم لم يطعن فيه.. وأقل موقفهم منه أنه حديثٌ موجودٌ ، قد يكون سنده صحيحاً ، ولكن غيره أرجح منه ، كما سترى .

إن العالم السني يرى نفسه ملزماً باحترام هذا الحديث ، بل يرى أنه بإمكانه أن يطمئن إليه ويأخذ به ، لأن الذين قبلوه من أئمة العلم والدين قد يكتفي العلماء بمجرد نقل أحدهم للحديث وقبوله له ، كأبي عبيد وسفيان بن عيينة..

وقد رأينا المحدث الألباني الذي يعتبره الكثيرون المجتهد الأول في التصحيح والتضعيف في عصرنا، ربما اكتفي في سلسلة أحاديثه الصحيحة للحكم بصحة الحديث بتصحيح عالمين أو ثلاثة من قبيل : ابن تيمية والذهبي وابن القيم .

مضافاً إلى أن المحدثين السنة ذكروا له طرقاً أخرى ، عن حذيفة ، وعن أبي هريرة وغيرهما .. وتجد ترجمات أئمتهم والرواة الذين رووا الحديث مفصلةً في مصادر الجرح والتعديل السنية ، وفي عبقات الأنوار ، والغدير ، ونفحات الأزهار ، من مصادرنا .

نماذج من تفسيرات السنيين لآية : سأل سائل

قال الشوكاني في فتح القدير : 5/352 :

( وهذا السائل هو النضر بن الحارث حين قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . وهو ممن قتل يوم بدر صبراً . وقيل : هو أبو جهل . وقيل : هو الحارث بن النعمان الفهري . والأول أولى لما سيأتي ) . انتهى .

وقصده بما يأتي ما ذكره في ص 356 ، من رواياتهم التي تثبت أن السورة مكية وأن صاحب العذاب الواقع هو النضر ، وليس ابنه جابراً ، ولا الحارث الفهري قال : ( وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : سأل سائل ، قال : هو النضر بن الحارث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) . انتهى .

ولم يذكر الشوكاني الحديث المروي في جابر والحارث ، ومن رووه ، ولماذا رجح عليه حديث النضر ؟ هل بسبب السند أو الدلالة ..؟ إلخ . ولو أنه اقتصر على ذكر ما اختاره في سبب نزولها لكان له وجهٌ ، ولكنه ذكر القولين ، وذكر رواية أحدهما دون الآخر ، وهذا تحيز بدون مبرر !

لكن شمس الدين الشربيني القاهري الشافعي المتوفى سنة 977 ، صاحب التفسير المعروف ، كان أكثر إنصافاً من الشوكاني ، فقد ذكر السببين معاً ، فقال كما نقل عنه صاحب عبقات الأنوار : 7/398 :

( سأل سائل بعذاب واقع : اختلف في هذا الداعي ، فقال ابن عباس : هو النضر بن الحارث . وقيل : هو الحارث بن النعمان ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه ، ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته في الأبطح ثم قال : يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك ...) إلخ . انتهى .

أما أبو عبيد المتوفى سنة 223 ، فقد جعل الحديث سبباً لنزول الآية على نحو الجزم ، لأنه ثبت عنده ، ولعله لم يثبت عنده غيره حتى يذكره . فقال كما في نفحات الأزهار : 7/291 : ( لما بَلَّغَ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدير خم ما بلغ ، وشاع ذلك في البلاد ، أتى جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري فقال : يا محمد ! أمرتنا من الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله ، وبالصلاة ، والصوم والحج ، والزكاة ، فقبلنا منك .. ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك ففضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيء منك أم من الله ؟!

فقال رسول الله : والله الذي لاإله إلا هو إنَّ هذا من الله .

فولى جابر يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وقتله ، وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع.. الآية ) . انتهى .

وقال القرطبي في تفسيره : 18/278 :

( أي سأل سائل عذاباً واقعاً . للكافرين : أي على الكافرين . وهو النضر بن الحارث حيث قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، فنزل سؤاله . وقتل يوم بدر صبرا هو وعقبة بن أبي معيط ، لم يقتل صبرا غيرهما ، قاله ابن عباس ومجاهد .

وقيل : إن السائل هنا هو الحارث بن النعمان الفهري ، وذلك أنه لما بلغه قول النبي صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) ركب ناقته فجاء حتى أناخ راحلته بالأبطح .. إلى آخره ، بنحو رواية أبي عبيد . ثم قال :

وقيل : إن السائل هنا أبو جهل ، وهو القائل لذلك ، قاله الربيع.

وقيل : إنه قول جماعةٍ من كفار قريش .

وقيل : هو نوح عليه السلام سأل العذاب على الكافرين .

وقيل : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي دعا عليه السلام بالعقاب، وطلب أن يوقعه الله بالكفار ، وهو واقع بهم لامحالة ، وامتد الكلام إلى قوله تعالى : فاصبر صبراً جميلاً أي : لاتستعجل فإنه قريب ) . انتهى .

* * *

وبذلك نلاحظ أن المفسرين السنيين وإن رجحوا تفسير الآية بالنضر بن الحارث العبدري ، ورجحوا أن العذاب الموعود فيها هو قتله في بدر..لكنهم في نفس الوقت ذكروا تفسيرها بوقوع العذاب على من اعترض على النبي صلى الله عليه وآله لإعلانه ولاية علي عليه السلام من بعده في غدير خم ! ومجرد ورود ذلك التفسير في مصادرهم بصفته قولاً محترماً في تفسير الآية ، وإن رجحوا عليه غيره ، يدل على وجود إعلان نبوي رسمي بحق علي ، ووجود اعتراضٍ عليه !

والمسلم لايحتاج إلى أكثر من اعتراف المفسرين بذلك ، سواء ًوقعت الصاعقة على المعترض أم لم تقع ، وسواء نزلت سورة المعارج عند هذه الحادثة أم لم تنزل !! فلا بد لنا من توجيه الشكر لهم ، وإن ناقشناهم في الوجه الآخر الذي رجحوه .

وأهم الإشكالات التي ترد عليهم : أن القول الذي رجحوه إنما هو قول صحابي أو تابعي ، ابن عباس ومجاهد ، وليس حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله ، بينما التفسير الشيعي لها حديث مرفوع .

ويرد على تفسيرهم أيضاً : أن من المتفق عليه عندهم تقريباً أن السؤال في الآية حقيقي وليس مجازياً ، فالنضر بن الحارث ، حسب قولهم سأل بالعذاب الواقع ، وطلب نزوله فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فعذبه الله في بدرٍ بالقتل .

لكن آية مطر الحجارة هي من سورة الأنفال التي نزلت مع أحكام الأنفال بعد بدر ، وبعد قتل النضر .. فكيف يكون جواب قول النضر نزل في سورة مكية قبل الهجرة ، ونفس قوله نزل في سورة مدنية ، بعد هلاكه ؟!

ويرد عليه أيضاً : أن قولهم ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأنزل علينا حجارة من السماء ) أكثر تناسباً وانطباقاً على تفسيرنا ، وأصعب انطباقاً على تفسيرهم ..

لأن معناه على تفسيرهم : اللهم إن كان هذا الدين منزلاً من عندك فأمطر علينا حجارة !

ومعناه على تفسيرنا : اللهم إن كان الحكم لآل محمد صلى الله عليه وآله من بعده منزلاً من عندك ، فأمطر علينا حجارة !

وهذا أكثر تناسباً ، لأن الدعاء بحجارة من السماء لايقوله قائله إلا في حالة اليأس من التعايش مع وضع سياسي جديد ، يتحدى وضعه القبلي المتجذر في صميمه !!

ويرد عليه أيضاً : أنه لو صح قولهم ، فهو لايمنع من تفسيرنا ، فلا وجه لافتراضهم التعارض بينهما.. فأي تعارض بين أن يكون العذاب الواقع هو العذاب الذي وقع على النضر بن الحارث في بدر ، ثم وقع على ولده جابر بن النضر ، كما في رواية أبي عبيد ، ثم وقع ويقع على الآخرين من مستحقيه !

وينبغي أن نشير هنا إلى قاعدة مهمة في تفسير القرآن والنصوص عامة ، وهي ضرورة المحافظة على إطلاقات النص ما أمكن وعدم تضييقها وتقييدها.. فالآية الكريمة تقول إن أحدهم تحدى وتساءل عن العذاب الموعود ، الذي أنذر به النبي صلى الله عليه وآله ، فأجابه الله تعالى إنه واقعٌ بالكفار لامحالة كما أنذركم به رسولنا صلى الله عليه وآله حرفياً ، في الدنيا وفي الآخرة ، وأنه جارٍ في الكفار وفي من آمن ، حسب القوانين الخاصة التي وضعها له الله تعالى . وعليه فيكون عذاب الله تعالى لقريش في بدر والخندق من ذلك العذاب الواقع الموعود ، وعذابهم بالجوع والقحط ، منه أيضاً . وعذابهم بفتح مكة واستسلامهم وخلعهم سلاحهم ، منه أيضاً .

ويكون عذاب المعترضين على النبي صلى الله عليه وآله لإعلانه ولاية عترته من بعده ، منه أيضاً !

فلا موجب لحصر الآية بالنضر وحده ، ولا لتضييق العذاب المنذر به بقتل شخص ، ولو كان فرعوناً ، ولاحصره بعصر دون عصر ، بل هو مفتوح الى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

وكم تجد عند المفسرين السنيين من هذه التضييقات في آيات العذاب والرحمة ، حيث يحصرون أنفسهم فيها بلا موجب ، ويحصرون فيها كلام الله المطلق ، بلا دليل !

المسألة الخامسة : موقف النواصب من حديث حجر السجيل

لم نعثر على أحد من النواصب المبغضين لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، رد هذا الحديث وكذبه قبل .. ابن تيمية ، فقد هاجمه بعنف وتخبط في رده ! وتبعه على ذلك من المتأخرين الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه تفسير المنار.. ومن الملاحظ أنه شخص ناصبي متأثرٌ بابن تيمية وتلميذه ابن قيم المدرسة الجوزية ، بل مقلدٌ لهما في كثير من أفكارهما ، وقد أدخلها في تفسيره وقد استفاد لنشرها من اسم أستاذه الشيخ محمد عبده رحمه الله ، حيث خلط في تفسيره بين أفكاره وأفكار أستاذه ! ويلمس القارئ الفرق بين الجزءين الأولين من تفسير المنار اللذين كتبهما في حياة الشيخ محمد عبده ، واستفاد مما سجله من دروسه ، ففيهما من عقلانيته رحمه الله واعتقاده بولاية أهل البيت عليهم السلام ، وبين الأجزاء التي أخرجها رشيد رضا بعد وفاة الشيخ محمد عبده ، أو أعاد طباعتها ، وفيها أفكاره الناصبة لأهل البيت عليهم السلام .

وقد نقل صاحب تفسير المنار في : 6/464 وما بعدها عن تفسير الثعلبي أن هذا القول من النبي صلى الله عليه وآله في موالاة علي شاع وطار في البلاد ، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري فأتى النبي صلى الله عليه وآله على ناقة وكان بالأبطح فنزل وعقل ناقته ، وقال للنبي صلى الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه: يا محمد أمرتنا من الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ... ثم ذكر سائر أركان الإسلام ... ثم لم ترضَ بهذا حتى مددت بضبعي ابن عمك وفضلته علينا وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا منك أم من الله ! فقال صلى الله عليه وآله : والله الذي لاإله إلا هو ، هو أمر الله . فولى الحارث يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم !

فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجرٍ فسقط على هامته وخرج من دبره وأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع .. الحديث ... ثم قال رشيد رضا :

وهذه الرواية موضوعة ، وسورة المعارج هذه مكية ، وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ..) كان تذكيراً بقول قالوه قبل الهجرة ، وهذا التذكير في سورة الأنفال ، وقد نزلت بعد غزوة بدر قبل نزول المائدة ببضع سنين ، وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد ، ولم يعرف في الصحابة ، والأبطح بمكة والنبي صلى الله عليه وآله لم يرجع من غدير خم إلى مكة ، بل نزل فيه منصرفه من حجة الوداع إلى المدينة . انتهى .

وكأن رشيد رضا اغتاظ من هذا الحديث ، وحاول تكذيبه من ناحية سنده فلم يجد ما يشفي غليله ، ولما وجد تكذيب ابن تيمية له بنقد متنه فرح به وتبناه ، ولكنه لم ينسبه الى إمامه ابن تيمية !

وعمدة ما قاله ابن تيمية وصاحب المنار : أن مكان الرواية الأبطح ، وهو مكان في مكة ، والنبي صلى الله عليه وآله لم يرجع بعد الغدير إلى مكة .. وقد جهلا أو تجاهلا أبطح المدينة المشهور !

ثم قالا : إن الرواية تدعي أن الآية نزلت في المدينة ، مع أن سورة المعارج مكية..وقد تجاهلا أن جوَّ السورة إلى الآية 36 على الأقل مدني ، وأن هذا الحديث دليل على مدنيتها .

ثم لو صح كونها مكية ، فقد يتكرر نزول الآية لبيان تفسيرها أو تأويلها ، فتكون الحادثة تأويلاً لها. وقد روى المفسرون نزول آية (إنا أعطيناك الكوثر) في عدة مواضع نزل بها جبرئيل ، تسليةً لقلب الرسول صلى الله عليه وآله .

فما المانع أن يكون تأويل العذاب الواقع قد وقع في ( عشيرة العذاب الواقع) فتحقق في الأب النضر بن الحارث عندما قتله النبي صلى الله عليه وآله في بدر ، ثم تحقق في الابن جابر عندما قتله الله بحجرٍ من السماء في أبطح المدينة ، وأن يكون جبرئيل عليه السلام أكد الآية عندما تحقق تأويلها .

ثم من حق الباحث أن يقول لهما: لو سلمنا أن ذكر نزول الآية في الحادثة خطأ ، أو زيادة ، فما ذنب بقية الحديث ؟! فلماذا تردونه كله ولا تقتصرون على رد زيادته، وهو نزول الآية بمناسبته ؟!

وقد ناقش صاحب تفسير الميزان 6/54 ، تضعيف صاحب المنار للحديث فقال : وأنت ترى ما في كلامه من التحكم . أما قوله إن الرواية موضوعة وسورة المعارج هذه مكية ، فيعول في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عباس وابن الزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة ، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية على تلك الرواية، والجميع آحاد .

ولو سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده مضامين معظم آياتها ، فما هو الدليل على أن جميع آياتها مكية ؟ فلتكن السورة مكية والآيتان خاصة غير مكيتين . كما أن سورتنا هذه ، أعني سورة المائدة ، مدنية نازلة في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وقد وضعت فيها الآية المبحوث عنها ، أعني قوله تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، الآية ) وهو ، كغيره من المفسرين ، مصرّ على أنها نزلت بمكة في أول البعثة ! ...

وأما قوله وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش .. إلى آخره ، فهو في التحكم كسابقه ، فهب أن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين ، فهل يمنع ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها ، كما وضعت آيات الربا وآية : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ) البقرة – 281 وهي آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله عندهم ، في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة ، وقد نزلت قبلها ببضع سنين ؟

ثم قوله إن آية : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ، الآية ) تذكيرٌ لما قالوه قبل الهجرة ، تحكمٌ آخر من غير حجة ، لو لم يكن سياق الآية حجة على خلافه ، فإن العارف بأساليب الكلام لايكاد يرتاب في أن هذا ، أعني قوله : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) لاشتماله على قوله : إن كان هذا هو الحق من عندك ، بما فيه من اسم الإشارة وضمير الفصل والحق المحلى باللام ، وقوله من عندك ، ليس كلام وثني مشرك يستهزىء بالحق ويسخر منه ، إنما هو كلام من أذعن بمقام الربوبية ، ويرى أن الأمور الحقة تتعين من لدنه وأن الشرائع مثلاً تنزل من عنده ، ثم إنه يتوقف في أمر منسوب إلى الله تعالى يدعي مدعٍ أنه الحق لاغيره ، وهو لايتحمل ذلك ويتحرج منه ، فيدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحياة .

وأما قوله : وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلماً فارتد ، ولم يعرف في الصحابة ، تحكم آخر ! فهل يسع أحداً أن يدعي أنهم ضبطوا أسماء كل من رأى النبي صلى الله عليه وآله ، وآمن به ، أو آمن به فارتد ! وإن يكن شيء من ذلك فليكن هذا الخبر من ذلك القبيل .

وأما قوله والأبطح بمكة والنبي صلى الله عليه وآله لم يرجع من غدير خم إلى مكة ، فهو يشهد على أنه أخذ لفظ الأبطح اسماً للمكان الخاص بمكة ، ولم يحمله على معناه العام وهو كل مكان ذي رمل .. ولا دليل على ما حمله عليه ، بل الدليل على خلافه وهو القصة المسرودة في الرواية وغيرها ... قال في مراصد الإطلاع : أبطح بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء المهملة : كل مسيل فيه رقاق الحصى فهو أبطح ...

على أن الرواية بعينها رواها غير الثعلبي ، وليس فيه ذكر من الأبطح ، وهي ما يأتي من رواية المجمع من طريق الجمهور وغيرها .

وبعد هذا كله ، فالرواية من الآحاد وليست من المتواترات ، ولا مما قامت على صحتها قرينة قطعية ، وقد عرفت من أبحاثنا المتقدمة أنا لانعول على الآحاد في غير الأحكام الفرعية ، على طبق الميزان العام العقلائي ، الذي عليه بناء الإنسان في حياته ، وإنما المراد بالبحث الآنف بيان فساد ما استظهر به من الوجوه التي استنتج منها أنها موضوعة ) . انتهى .

* * *

وكلام صاحب الميزان رحمه الله في رد تضعيف رشيد رضا للحديث كلامٌ قوي ، لكن ليته بدل أن يضعِّف الحديث بدعوى أنه من أخبار الآحاد ، اطلع على مصادره ورواته.. وعلى بحث الأميني حوله في المجلد الأول من الغدير ، وبحث السيد النقوي الهندي في عبقات الأنوار : مجلد 7 و8 ، وغيرهما . ونورد فيما يلي خلاصةً لما كتبه صاحب الغدير رحمه الله في : 1/239 ، قال :

ومن الآيات النازلة بعد نص الغدير ، قوله تعالى من سورة المعارج : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج .

وقد أذعنت به الشيعة وجاء مثبتاً في كتب التفسير والحديث لمن لايستهان بهم من علماء أهل السنة ، ودونك نصوصها ..

ثم أورد صاحب الغدير أعلى الله مقامه نصوص ثلاثين عالما سنياً رووا الحديث في مؤلفاتهم بعدة طرق ، وفيهم محدثان أقدم من الثعلبي كما تقدم ..

ثم أفاض في رد الوجوه التي ذكرها ابن تيمية في كتابه منهاج السنة : 4/13 ، وأجاب عنها ، ونورد فيما يلي خلاصتها ، قال رحمه الله :

الوجه الأول : إن قصة الغدير كانت في مرتجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من حجة الوداع ، وقد أجمع الناس على هذا ، وفي الحديث : أنها لما شاعت في البلاد جاءه الحارث ، وهو بالأبطح بمكة ، وطبع الحال يقتضي أن يكون ذلك بالمدينة ، فالمفتعل للرواية كان يجهل تاريخ قصة الغدير .

الجواب : أولاً ، ما سلف في رواية الحلبي في السيرة ، وسبط ابن الجوزي في التذكرة ، والشيخ محمد صدر العالم في معارج العلي ، من أن مجيء السائل كان في المسجد إن أريد منه مسجد المدينة ، ونص الحلبي على أنه كان بالمدينة، لكن ابن تيمية عزب عن ذلك كله ، فطفق يهملج في تفنيد الرواية بصورة جزمية .... فحسب اختصاص الأبطح بحوالي مكة ، ولو كان يراجع كتب الحديث ومعاجم اللغة والبلدان والأدب لوجد فيها نصوص أربابها بأن الأبطح كل مسيل فيه دقاق الحصى . روى البخاري في صحيحه : 1/181 ، ومسلم في صحيحه : 1/382 : ( عن عبد الله ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها ) .

الوجه الثاني : أن سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم ، فيكون نزولها قبل واقعة الغدير بعشر سنين أو أكثر من ذلك .

الجواب : أن المتيقن من معقد الإجماع المذكور هو نزول مجموع السورة مكياً ، لاجميع آياتها ، فيمكن أن يكون خصوص هذه الآية مدنياً ، كما في كثير من السور .

ولا يرد عليه أن المتيقن من كون السورة مكية أو مدنية ، هو كون مفاتيحها كذلك أو الآية التي انتزع منها اسم السورة ، لما قدمناه من أن هذا الترتيب هو ما اقتضاه التوقيف ، لاترتيب النزول ، فمن الممكن نزول هذه الآية أخيراً ، وتقدمها على النازلات قبلها بالتوقيف ، وإن كنا جهلنا الحكمة في ذلك ، كما جهلناها في أكثر موارد الترتيب في الذكر الحكيم ، وكم لها من نظير ، ومن ذلك :

1 - سورة العنكبوت ، فإنها مكية إلا من أولها عشرة آيات ، كما رواه الطبري في تفسيره في الجزء العشرين / 86 ، والقرطبي في تفسيره 13/323 .

2 - سورة الكهف ، فإنها مكية إلا من أولها سبع آيات ، فهي مدنية ... كما في تفسير القرطبي 10/346 ، وإتقان السيوطي 1/16 ...

ثم عدد الأميني سبع عشرة سورة مكية ، فيها آيات مدنية ، وسوراً مدنية فيها آيات مكية .

الوجه الثالث : أن قوله تعالى : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، نزلت عقيب بدر بالإتفاق قبل يوم الغدير بسنين .

الجواب : كأن هذا الرجل يحسب أن من يروي تلك الأحاديث المتعاضدة يرى نزول ما لهج به الحارث بن النعمان الكافر من الآية الكريمة ... في اليوم المذكور . والقارئ لهاتيك الأخبار جد عليم بمينه في هذا الحسبان ، أو أنه يرى حجراً على الآيات السابق نزولها أن ينطق بها أحدٌ ، فهل في هذه الرواية غير أن الرجل المرتد الحارث أو جابر تفوه بهذه الكلمات ؟ وأين هو من وقت نزولها، فدعها يكن نزولها في بدر أو أحد ، فالرجل أبدى كفره بها كما أبدى الكفار قبله إلحادهم بها !

لكن ابن تيمية يريد تكثير الوجوه في إبطال الحق الثابت .

الوجه الرابع : أنها نزلت بسبب ما قاله المشركون بمكة ، ولم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي صلى الله عليه وآله ، لقوله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .

الجواب : لاملازمة بين عدم نزول العذاب في مكة على المشركين ، وبين عدم نزوله هاهنا على الرجل ، فإن أفعال المولى سبحانه تختلف باختلاف وجوه الحكمة .

ثم أورد الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله فعذبهم الله تعالى ، ثم قال : ( ولو كان وجود الرسول صلى الله عليه وآله مانعاً عن جميع أقسام العذاب بالجملة ، لما صح ذلك التهديد ، ولما أصيب النفر الذين ذكرناهم بدعوته ، ولما قتل أحد في مغازيه بعضبه الرهيف ، فإن كل هذه من أقسام العذاب ، أعاذنا الله منها ) .

الوجه الخامس : أنه لو صح ذلك لكان آية كآيةً أصحاب الفيل ، ومثلها تتوفر الدواعي لنقله ، ولما وجدنا المصنفين في العلم من أرباب المسانيد والصحاح والفضايل والتفسير والسير ونحوها ، قد أهملوه رأساً فلا يروى إلا بهذا الإسناد المنكر ، فعلم أنه كذب باطل .

الجواب : إن قياس هذه التي هي حادثة فردية ، لاتحدث في المجتمع فراغاً كبيراً يؤبه له ، وورائها أغراض مستهدفة تحاول إسدال ستور الإنساء عليها كما أسدلوها على نص الغدير نفسه ... مجازفةٌ ظاهرةٌ ، فإن من حكم الضرورة أن الدواعي في الأولى دونها في الثانية ...

وأما ما ادعاه ابن تيمية من إهمال طبقات المصنفين لها ، فهو مجازفة أخرى لما أسلفناه من رواية المصنفين لها من أئمة العلم ، وحملة التفسير ، وحفاظ الحديث ، ونقلة التاريخ . . .

لم نعرف المشار إليه في قوله : بهذا الإسناد المنكر ! فإنه لاينتهي إلا إلى حذيفة بن اليمان الصحابي العظيم ، وسفيان بن عيينة المعروف بإمامته في العلم والحديث والتفسير ، وثقته في الرواية .

وأما الإسناد إليهما ، فقد عرفه الحفاظ والمحدثون والمفسرون المنقبون في هذا الشأن ، فوجدوه حرياًّ بالذكر والإعتماد ، وفسروا به آيات من الذكر الحكيم ، من دون أي نكير ، ولم يكونوا بالذين يفسرون الكتاب بالتافهات .

نعم : هكذا سبق العلماء وفعلوا ، لكن ابن تيمية استنكر السند ، وناقش في المتن لأن شيئاً من ذلك لايلائم دعارة خطته !

الوجه السادس : أن المعلوم من هذا الحديث أن حارثاً المذكور كان مسلماًَ باعترافه بالمباديء الخمسة الإسلامية ، ومن المعلوم بالضرورة أن أحداً من المسلمين لم يصبه عذاب على العهد النبوي .

الجواب : إن الحديث كما أثبت إسلام الحارث ، فكذلك أثبت ردته برده قول النبي صلى الله عليه وآله وتشكيكه فيما أخبر به عن الله تعالى ، والعذاب لم يأته حين إسلامه ، وإنما جاءه بعد الكفر والإرتداد ... على أن في المسلمين من شملته العقوبة لما تجرؤوا على قدس صاحب الرسالة ...

ثم ذكر الأميني عدداً من الذين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وآله من المسلمين ، منهم من ذكره مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع : أن رجلاً أكل عند النبي صلى الله عليه وآله بشماله ، فقال : كل بيمينك . قال : لاأستطيع ، قال : لااستطعت ! قال : فما رفعها إلى فيه بعد .. إلخ .

الوجه السابع : أن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة ، ولم يذكره ابن عبد البر في الإستيعاب وابن مندة وأبو نعيم الأصبهاني وأبو موسى في تآليف ألفوها في أسماء الصحابة ، فلم نتحقق وجوده .

الجواب : إن معاجم الصحابة غير كافلة لاستيفاء أسمائهم ، فكل مؤلف من أربابها جمع ما وسعته حيطته وأحاط به إطلاعه ، ثم جاء المتأخر عنه فاستدرك على من قبله بما أوقفه السير في غضون الكتب وتضاعيف الآثار ، وأوفى ما وجدناه من ذلك كتاب الإصابة بتمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ، ومع ذلك فهو يقول في مستهل كتابه : ( ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعاً الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي قال : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان ، من رجل وامرأة ، كلهم قد روى عنه سماعاً أو رؤية ... ) وبعد هذا كله فالنافي لشخص لم يجد اسمه في كتب هذا شأنها خارج عن ميزان النصفة ، ومتحايد عن نواميس البحث ، على أن من المحتمل قريباً أن مؤلفي معاجم الصحابة أهملوا ذكره لردته الأخيرة . انتهى .

ونضيف إلى ما ذكره صاحب الغدير رحمه الله وما تقدم :

أولاً : أن من الأدلة القوية على صحة هذا الحديث أنه لايمكن أن ينشأ من فراغ، وأن احتمال وضعه من قبل رواة الخلافة القرشية غير معقول ، لأنهم لايقدمون على وضع حديث يثبت أن ولاية علي عليه السلام نزلت من السماء قبل بيعة أبي بكر في السقيفة ، وأن الله تعالى عاقب من اعترض عليها بحجر من السماء ، كما عاقب أصحاب الفيل والكفار !

كما أن القول بتسرب الحديث من مصادر الشيعة إلى مصادر السنة باب خطير عليهم.. فلو قبلوا بفتحه لانهار بناء صحاحهم كلها ، ثم انهارت الخلافة القرشية وسقيفتها ! وذلك لأن رواة هذه الأحاديث ( الشيعية ) هم رواة أصول عقيدة الخلافة القرشية وبناة قواعدها.. فالسنين مجبورون على توثيقهم وقبول رواياتهم ، ومنها هذه الروايات التي تضر أصول مبانيهم !

ثانياً : أن المتفق عليه في مصادر الشيعة والسنة أقوى من المختلف فيه .. لأنك عندما ترى أن مذاهب المسلمين كلها تروي حديثاً ، يقوى عندك احتمال أن يكون صدر عن النبي صلى الله عليه وآله ، وعندما يرويه بعضها ويرده بعضها تنزل عندك درجة الاحتمال .

ومما يزيد في درجة احتمال الصحة : أن يكون الطرف الراوي للحديث متضرراً منه ضرراً مؤكداً ، ومتحيراً في كيفية التخلص منه !

وحديثنا من هذا النوع، فهو حديثٌ يتضرر منه أتباع خلافة قريش من المسلمين، ويبغضه عَبَدَةُ قبيلة قريش من النواصب ! أما أتباع أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله فيحتجون به ، وتخبت له قلوبهم .

ثالثاً : أن الإختلاف في اسم الشخص الذي نزل عليه حجر السجيل ، لايضر في صحة الحديث ، إذا تمت بقية شروطه .. خاصة أن اسمه صار سوأةً على أقاربه وعشيرته ، ولا بد أنهم عملوا على إخفائه ونسيان أمره ، حتى لايعيرهم به المسلمون ، كما قال الأميني رحمه الله .

على أن للباحث أن يرجح أن اسم المعترض هو : جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري ، وليس الحارث بن النعمان الفهري .. بدليل أن الحافظ أبي عبيد الهروي المتوفى سنة 223 ، ضبطه في تفسيره بهذا الاسم ، وكل العلماء السنيين يحترمون علم أبي عبيد ، وخبرته بالأحاديث ، وقدم عصره .. وجابر بن النضر شخصيةٌ قرشية معروفة ، لأنه ابن زعيم بني عبد الدار ، حامل لواء قريش يوم بدر.. فلا يبقى لابن تيمية والنواصب حجةٌ في رد الحديث !

على أن الباقين الذين وردت أسماؤهم في روايات الحديث ، كالحارث الفهري وغيره ، ترجم لهم المترجمون للصحابة أيضاً ، أو ترجموا لمن يصلحوا أن يكونوا أقارب لهم .

المسألة السادسة : طرق وأسانيد حديث حجر الغدير

أولاً : طرق وأسانيد المصادر السنية

الطريق الأول : حديث أبي عبيد الهروي :

في كتابه : غريب القرآن ، وقد تقدم ، وهو بمقاييس أهل الجرح والتعديل السنيين مسند مقبول .

الطريق الثاني : حديث الثعلبي عن سفيان بن عيينة :

وله أسانيد كثيرة ، وأكثر الذين ذكرهم صاحب الغدير رحمه الله ، رووه عن الثعلبي بأسانيدهم إليه ، أو نقلوه من كتابه .

وذكر السيد المرعشي رحمه الله عدداً منهم في إحقاق الحق: 6/358، قال:

العلامة الثعلبي في تفسيره ( مخطوط ) : روى بسنده عن سفيان بن عيينة رحمه الله سئل عن قوله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع ، فيمن نزلت ؟ فقال للسائل : لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ، حدثني أبي ، عن جعفر بن محمد عن آبائه رضي الله عنهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا ، فأخذ بيد علي رضي الله عنه وقال من كنت مولاه فعلي مولاه ، فشاع ذلك فطار في البلاد ، وبلغ ذلك الحارث ( خ . الحرث ) بن النعمان الفهري ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناقة له ، فأناخ راحلته ونزل عنها ، وقال : يا محمد أمرتنا عن الله عز وجل أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصلي خمساً فقبلنا منك ، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك ، وأمرتنا أن نصوم رمضان وأمرتنا بالحج فقبلنا ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا فقلت من كنت مولاه فعلي مولاه ! فهذا شيء منك أم من الله عز وجل ؟!

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي لاإله إلا هو إنَّ هذا من الله عز وجل. فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول : اللهم إن كان ما يقول محمد حقاًّ فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم !! فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله عز وجل بحجر سقط على هامته فخرج من دبره فقتله ، فأنزل الله عز وجل ( سئل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج ) .

ومنهم العلامة الحمويني في فرائد السمطين ( المخطوط ) قال :

أخبرني الشيخ عماد الدين عبد الحافظ بن بدران بن شبل المقدسي بمدينة نابلس فيما أجازني أن أرويه عنه ، عن القاضي جمال الدين عبد القاسم بن عبد الصمد بن محمد الأنصاري إجازة ، عن عبد الجبار بن محمد الخوارزمي البيهقي إجازة ، عن الإمام أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي رحمه الله قال : قرأت على شيخنا الأستاذ أبي إسحاق الثعلبي رحمه الله في تفسيره أن سفيان بن عيينة .. فذكر الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي .

ومنهم العلامة الزرندي في نظم درر السمطين / 93 ط . مطبعة القضاء :

روى الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي .

ومنهم العلامة ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة / 24 ط . الغري :

روى الحديث نقلاً عن الثعلبي بعين ما تقدم عن تفسيره بلا واسطة .

ومنهم العلامة عبد الرحمن الصفوري في نزهة المجالس 2/209 ط . القاهرة :

روى الحديث نقلاً عن تفسير القرطبي بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي .

ومنهم العلامة السيد جمال الدين عطاء الله الشيرازي الهروي في الأربعين حديثاً ( مخطوط ) : روى الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي ، لكنه زاد بعد قوله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث كان ، وفي رواية اللهم أعنه وأعن به وارحمه وارحم به ، وانصره وانصر به .

ومنهم العلامة عبد الله الشافعي في المناقب / 205 مخطوط :

روى الحديث بعين ما تقدم عن تفسير الثعلبي .

ومنهم العلامة القندوزي في ينابيع المودة / 274 ط . اسلامبول :

روى الحديث عن الثعلبي بعين ما تقدم عنه في تفسيره .

ومنهم العلامة الآمرتسري في أرجح المطالب / 568 ط . لاهور :

روى الحديث من طريق شهاب الدين الدولت آبادي ، والسيد السمهودي في جواهر العقدين ، وجمال الدين المحدث صاحب روضة الأحباب في أربعينه.

وعبد الرؤوف المناوي في فيض القدير .

ومحمد بن محمد القادري في الصراط السوي .

والحلبي في إنسان العيون .

وأحمد بن الفضل بن محمد باكثير في وسيلة الآمال .

ومحمد بن إسماعيل الأمير في الروضة الندية .

والحافظ محمد بن يوسف الكنجي في كفاية الطالب ... انتهى .

 

سندا القاضي الحسكاني إلى ابن عيينة

قال في شواهد التنزيل : 2/381 :

( 1030 - أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي أخبرنا أبو بكر الجرجرائي ، حدثنا أبو أحمد البصري قال : حدثني محمد بن سهل حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصاري ، حدثنا محمد بن أيوب الواسطي ، عن سفيان بن عينية ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : عن علي قال : لما نصب رسول الله صلى الله عليه وسلم علياًّ يوم غدير خم فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه . طار ذلك في البلاد ، فقدم على رسول الله النعمان بن الحرث الفهري فقال : أمرتنا عن الله أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله ، وأمرتنا بالجهاد والحج والصلاة والزكاة والصوم فقبلناها منك ، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فهذا شيء منك أو أمر من عند الله ؟!!

قال : أمرٌ من عند الله .

قال : الله الذي لاإله إلا هو إن هذا من الله ؟

قال : الله الذي لاإله إلا هو إن هذا من الله .

قال : فولى النعمان وهو يقول ( اللهم ) إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . فرماه الله بحجر على رأسه فقتله ، فأنزل الله تعالى ( سأل سائل ) .

1031 - حدثونا عن أبي بكر السبيعي ، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الضبعي ، قال : حدثني زيد بن إسماعيل بن سنان ، حدثنا شريح بن النعمان ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن جعفر عن أبيه ، عن علي بن الحسين قال : نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علياً يوم غدير خم ( و ) قال : من كنت مولاه فعلي مولاه فطار ذلك في البلاد . الحديث به سواء معنى ).

الطريق الثالث : للقاضي الحسكاني عن جابر الجعفي

قال في شواهد التنزيل : 2/382 :

( 1032 - ورواه أيضاً في التفسير العتيق قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي قال : حدثني نصر بن مزاحم ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفي ، عن محمد بن علي قال : أقبل الحارث بن عمرو الفهري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنك أتيتنا بخبر السماء فصدقناك وقبلنا منك. فذكر مثله إلى قوله : فارتحل الحارث ، فلما صار ببطحاء ( مكة ) أتته جندلة من السماء فشدخت رأسه ، فأنزل الله ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ) بولاية علي عليه السلام . وفي الباب عن حذيفة ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبي هريرة ، وابن عباس ) .

الطريق الرابع : للقاضي الحسكاني عن حذيفة بن اليمان

قال في شواهد التنزيل : 2/383 :

( 1033 - حدثني أبوالحسن الفارسي، حدثنا أبو الحسن محمد بن إسماعيل الحسني ، حدثنا عبد الرحمان بن الحسن الأسدي ، حدثنا إبراهيم . وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد البغدادي ، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر الشيباني ، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن الأسدي ، حدثنا إبراهيم بن الحسن الكسائي ، حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان بن سعيد ، حدثنا منصور، عن ربعي ، عن حذيفة بن اليمان قال : لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي : من كنت مولاه فهذا مولاه . قام النعمان بن المنذر الفهري ( كذا ) فقال : هذا شيء قلته من عندك أو شيء أمرك به ربك .

قال : لا، بل أمرني به ربي .

فقال : اللهم أنزل علينا حجارة من السماء . فما بلغ رحله حتى جاءه حجرٌ فأدماه فخر ميتاً ، فأنزل الله تعالى ( سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ) و ( الطريقان ) لفظهما واحد ) .

الطريق الخامس : للقاضي الحسكاني عن أبي هريرة

قال في شواهد التنزيل : 2/385 :

( 1034 - وأخبرنا عثمان أخبرنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال : حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب البجلي قال : حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد المهدي ، حدثنا محمد بن أبي معشر المدني ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضد علي بن أبي طالب يوم غدير خم ، ثم قال : من كنت مولاه فهذا مولاه . فقام إليه أعرابي فقال : دعوتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله فصدقناك ، وأمرتنا بالصلاة والصيام فصلينا وصمنا ، وبالزكاة فأدينا ، فلم يقنعك إلا أن تفعل هذا ! فهذا عن الله أم عنك ؟

قال : عن الله ، لاعني .

قال : الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعنك ؟!

قال : نعم ، ثلاثاً ، فقام الأعرابي مسرعاً إلى بعيره ، وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك .. الآية ، فما استتم الكلمات حتى نزلت نار من السماء فأحرقته ، وأنزل الله في عقب ذلك : سأل سائل .. إلى قوله دافع ). انتهى .

وقد ذكر الحسكاني كما رأيت طريقين آخرين إلى سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، ولم يذكر سندهما .. ولعلهما الطريقان الموجودان في تفسير فرات الكوفي .

ثانياً : طرق وأسانيد مصادرنا إلى سفيان بن عيينة

1. أسانيد فرات بن إبراهيم الكوفي إلى سفيان بن عيينة

تفسير فرات الكوفي ص 505 :

( 3 - فرات قال : حدثني محمد بن أحمد ظبيان معنعناً : عن الحسين بن محمد الخارفي قال : سألت سفيان بن عيينة عن : سأل سائل ، فيمن نزلت : قال : يا ابن أخي سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك ، لقد سألت جعفر بن محمد عليهما السلام عن مثل الذي سألتني عنه ، فقال : أخبرني أبي عن جدي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنه قال : لما كان يوم غدير خم ، قام رسول الله صلى الله عليه وآله خطيباً فأوجز في خطبته ، ثم دعا علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ بضبعه ثم رفع بيده حتى رئي بياض إبطيهما وقال: ألم أبلغكم الرسالة ؟ ألم أنصح لكم ؟ قالوا : اللهم نعم .

فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله .

ففشت في الناس فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري ، فرحل راحلته ثم استوى عليها ورسول الله صلى الله عليه وآله إذ ذاك بمكة حتى انتهى إلى الأبطح ، فأناخ ناقته ثم عقلها ، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فسلم ، فرد عليه النبي صلى الله عليه وآله ، فقال :

يا محمد ! إنك دعوتنا أن نقول لاإله إلا الله فقلنا ! ثم دعوتنا أن نقول إنك رسول الله فقلنا ، وفي القلب ما فيه ، ثم قلت صلوا فصلينا ، ثم قلت صوموا فصمنا فأظمأنا نهارنا وأتعبنا أبداننا ، ثم قلت حجوا فحججنا ، ثم قلت إذا رزق أحدكم مأتي درهم فليتصدق بخمسة كل سنة ، ففعلنا .

ثم إنك أقمت ابن عمك فجعلته علما وقلت : من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، أفعنك أم عن الله؟!

قال : بل عن الله . قال : فقالها ثلاثاً .

قال : فنهض ، وإنه لمغضب وإنه ليقول : اللهم إن كان ما قال محمد حقاًّ فأمطر علينا حجارة من السماء ، تكون نقمة في أولنا وآية في آخرنا ، وإن كان ما قال محمد كذبا فأنزل به نقمتك .

ثم أثار ناقته فحل عقالها ثم استوى عليها ، فلما خرج من الأبطح رماه الله تعالى بحجر من السماء فسقط على رأسه وخرج من دبره ، وسقط ميتاً فأنزل الله فيه : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج ) . انتهى .

2. أسانيد محمد بن العباس إلى سفيان بن عيينة

تأويل الآيات : 2/722 :

( قال محمد بن العباس رحمه الله : حدثنا علي بن محمد بن مخلد ، عن الحسن بن القاسم ، عن عمر بن الأحسن ، عن آدم بن حماد ، عن حسين بن محمد قال : سألت سفيان بن عيينة عن قول الله عز وجل : سأل سائل ، فيمن نزلت ؟ فقال ...) ، بنحو رواية فرات الأخيرة .

3. سند الشريف المرتضى إلى سفيان بن عيينة

مدينة المعاجز : 1/407 :

( 270 - السيد المرتضى في عيون المعجزات : قال: حدث أبو عبدالله محمد بن أحمد قال : حدثنا أبي قال : حدثني علي بن فروخ السمان قال : حدثني يحيى بن زكرياء المنقري قال : حدثنا سفيان بن عيينة قال : حدثني عمر بن أبي سليم العيسى ، عن جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه عليهما السلام قال : لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علياً يوم غدير خم وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه...

قلت : قد ذكرت في معنى هذا الحديث رواية المفضل بن عمر الجعفي ، عن الصادق عليه السلام في كتاب البرهان في تفسير القرآن بالرواية عن أهل البيت في قوله تعالى : قل فلله الحجة البالغة ، من سورة الأنعام .

وفي سورة المعارج في قوله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع ، رواية أخرى).

4. سند منتجب الدين الرازي إلى سفيان بن عيينة

الأربعون حديثاً لمنتجب الدين الرازي ص 82 :

( الحكاية الخامسة : أنا أبو العلاء زيد بن علي بن منصور الأديب والسيد أبو تراب المرتضى بن الداعي بن القاسم الحسني قالا : نا الشيخ المفيد عبد الرحمن بن أحمد الواعظ الحافظ إملاءً : أنا محمد بن زيد بن علي الطبري أبو طالب بن أبي شجاع البريدي بآمل بقراءتي عليه ، أنا أبو الحسين زيد بن إسماعيل الحسني ، نا السيد أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني ، أنا عبد الرحمن بن الحسن الخاقاني ، نا عباس بن عيسى ، نا الحسن بن عبد الواحد الخزاز ، عن الحسن بن علي النخعي ، عن رومي بن حماد المخارقي قال :

قلت لسفيان بن عيينة : أخبرني عن ( سأل سائل ) فيمن أنزلت ؟ قال : لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك ، سألت عنها جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن آبائه عليهم السلام قال : لما حج النبي صلى الله عليه وآله حجة الوداع فنزل بغدير خم ، نادى في الناس فاجتمعوا .

فقال : يا أيها الناس ألم أبلغكم الرسالة ؟ قالوا : اللهم بلى .

قال : أفلم أنصح لكم ؟ قالوا : اللهم بلى .

قال : فأخذ بضبع علي عليه السلام فرفعه حتى رؤي بياض إبطيهما ، ثم قال : أيها الناس من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .

قال : فشاع ذلك ، فبلغ الحارث بن النعمان الفهري ، فأقبل يسير على ناقة له حتى نزل بالأبطح فأناخ راحلته وشد عقالها ، ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وهو في ملأ من أصحابه ، فقال : يا رسول الله والله الذي لاإله إلا هو إنك أمرتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله فشهدنا ، ثم أمرتنا أن نشهد أنك رسوله فشهدنا ، ثم أمرتنا أن نصلي خمساً فصلينا ، ثم أمرتنا أن نصوم شهر رمضان فصمنا ، ثم أمرتنا أن نزكي فزكينا ، ثم أمرتنا أن نحج فحججنا ، ثم لم ترض حتى نصبت ابن عمك علينا ، فقلت : من كنت مولاه فهذا علي مولاه هذا عنك أو عن الله تعالى ؟! قال النبي صلى الله عليه وآله : لا، بل عن الله .

قال : فقام الحارث بن النعمان مغضباً وهو يقول : اللهم إن كان ما قال محمد حقاًّ فأنزل بي نقمة عاجلة .

قال : ثم أتى الأبطح فحل عقال ناقته واستوى عليها ، فلما توسط الأبطح رماه الله بحجر فوقع وسط دماغه وخرج من دبره ، فخر ميتاً ، فأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع . وقد أورد أبو إسحاق الثعلبي إمام أصحاب الحديث في تفسيره هذه الحكاية بغير إسناد .

5. سند الطبرسي إلى سفيان بن عيينة

تفسير الميزان : 6/58 :

( وفي المجمع أخبرنا السيد أبو الحمد قال : حدثنا الحاكم أبو القاسم الحسكاني قال : أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي قال : أخبرنا أبو بكر الجرجاني قال : أخبرنا أبو أحمد البصري قال : حدثنا محمد بن سهل قال : حدثنا زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال : حدثنا محمد بن أيوب الواسطي قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن محمد الصادق ، عن آبائه قال : لما نصب رسول الله صلى الله عليه وآله علياًّ يوم غدير خم قال : من كنت مولاه فهذا علي مولاه ...) .

ثالثاً : طرق وأسانيد من مصادرنا من غير طريق سفيان بن عيينة

1. أسانيد محمد بن يعقوب الكليني

الكافي : 1/422 :

( 47 - علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد ، عن محمد بن خالد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: سأل سائل بعذاب واقع للكافرين (بولاية علي) ليس له دافع ثم قال: هكذا والله نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ). انتهى .

ومعنى قوله عليه السلام ( هكذا والله نزل بها جبرئيل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله ) أن جبرئيل نزل بتأويلها ، وهو مثل قول ابن مسعود المتقدم في آية التبليغ أنهم كانوا يقرؤون على عهد النبي صلى الله عليه وآله ( بلغ ما أنزل إليك - في علي ) ، ومثله عن ابن عباس في آيات الخندق أنه كان يقرأ ( وكفى الله المؤمنين القتال - بعلي ) فهذه ليست قراءات ، لأنه لايجوز إضافة أي حرفٍ إلى نص كتاب الله تعالى ، بل كلها تفاسير من الصحابة أو تفسيرٌ نزل به جبرئيل عليه السلام فبلغهم إياه النبي صلى الله عليه وآله فكانوا يقرؤونها كالذي يشرح آيةً ، أو كتبوها في تفاسيرهم كالهامش .

وفي الكافي : 8/57 :

( 18- عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالساً إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: إن فيك شبهاً من عيسى بن مريم ، ولولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم ، لقلت فيك قولاً لاتمر بملأٍ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك ، يلتمسون بذلك البركة .

قال : فغضب أعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم ، فقالوا : ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلاً إلا عيسى بن مريم ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وآله فقال : ( ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ، وقالوا أآلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون ، إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل . ولو نشاء لجعلنا منكم - يعني من بني هاشم - ملائكة في الأرض يخلفون ) . قال : فغضب الحارث بن عمرو الفهري فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلاً بعد هرقل ، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ... إلى آخره .

ولعل في متن هذا الحديث اضطراباً ، وفيه : ( ثم قال له : يا بن عمرو إما تبت وإما رحلت . فقال : يا محمد ، بل تجعل لسائر قريش شيئاً مما في يديك، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم ! فقال له النبي صلى الله عليه وآله : ليس ذلك إلي ، ذلك إلى الله تبارك وتعالى .

فقال : يا محمد قلبي ما يتابعني على التوبة ، ولكن أرحل عنك ، فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة ، أتته جندلةٌ فرضخت هامته ، ثم أتى الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : ( سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين - بولاية علي - ليس له دافع ، من الله ذي المعارج ) .

2. أسانيد فرات بن إبراهيم الكوفي

تفسير فرات الكوفي ص 503 :

( 1 - قال : حدثنا الحسين بن محمد بن مصعب البجلي قال : حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد المهتدي قال : حدثنا محمد بن معشر المدني ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : طرحت الأقتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم قال فعلا عليها فحمد الله وأثنى عليه ، ثم أخذ بعضد علي بن أبي طالب عليه السلام فاستلها فرفعها ، ثم قال : اللهم من كنت مولاه فعلي ( فهذا علي ) مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله .

فقام إليه أعرابي من أوسط الناس فقال : يا رسول الله دعوتنا أن نشهد أن لاإله إلا الله فشهدنا وأنك رسول الله فصدقنا ، وأمرتنا بالصلاة فصلينا ، وبالصيام فصمنا ، وبالجهاد فجاهدنا ، وبالزكاة فأدينا ، قال : ولم يقنعك إلا أن أخذت بيد هذا الغلام على رؤوس الأشهاد ، فقلت : اللهم من كنت مولاه فهذا علي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ، وانصر من نصره واخذل من خذله ! فهذا عن الله أم عنك ؟!

قال : هذا عن الله ، لاعني .

قال : الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعنك ؟!

قال : الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن الله لاعني .

ثم قال ثالثة : الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن ربك لاعنك ؟

قال : الله الذي لاإله إلا هو لهذا عن ربي لاعني .

قال : فقام الأعرابي مسرعاً إلى بعيره وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . قال : فما استتم الأعرابي الكلمات حتى نزلت عليه نار من السماء فأحرقته ، وأنزل الله في عقب ذلك : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع ، من الله ذي المعارج .

2 - قال فرات : حدثني جعفر بن محمد بن بشرويه القطان معنعناً ، عن الأوزاعي ، عن صعصعة بن صوحان والأحنف بن قيس قالا جميعاً : سمعنا ابن عباس رضي الله عنه قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ دخل علينا عمرو بن الحارث الفهري قال : يا أحمد أمرتنا بالصلاة والزكاة ، أفمنك هذا أم من ربك يا محمد ؟ قال : الفريضة من ربي وأداء الرسالة مني ، حتى أقول : ما أديت إليكم إلا ما أمرني ربي .

قال : فأمرتنا بحب علي بن أبي طالب ، زعمت أنه منك كهارون من موسى ، وشيعته على نوق غر محجلةٍ يرفلون في عرصة القيامة ، حتى يأتي الكوثر فيشرب ويسقي هذه الأمة ، ويكون زمرة في عرصة القيامة ، أبهذا الحب سبق من السماء أم كان منك يا محمد ؟

قال : بل سبق من السماء ثم كان مني . لقد خلقنا الله نوراً تحت العرش !

فقال عمرو بن الحارث : الآن علمت أنك ساحر كذاب ! يا محمد ألستما من ولد آدم ؟ قال : بلى ، ولكن خلقني الله نوراً تحت العرش قبل أن يخلق الله آدم باثني عشر ألف سنة ، فلما أن خلق الله آدم ألقى النور في صلب آدم ، فأقبل ينتقل ذلك النور من صلب إلى صلب ، حتى تفرقنا في صلب عبد الله بن عبد المطلب وأبي طالب ، فخلقنا ربي من ذلك النور لكنه لكن لانبي بعدي .

قال : فوثب عمرو بن الحارث الفهري مع اثني عشر رجلاً من الكفار ، وهم ينفضون أرديتهم فيقولون : اللهم إن كان محمد صادقاً في مقالته فارم عمرواً وأصحابه بشواظ من نار .

قال فرمي عمرو وأصحابه بصاعقة من السماء ، فأنزل الله هذه الآية : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج . فالسائل عمرو وأصحابه .

4 - فرات قال : حدثنا أبو أحمد يحيى بن عبيد بن القاسم القزويني معنعناً، عن سعد بن أبي وقاص ، قال : صلى بنا النبي صلى الله عليه وآله صلاة الفجر يوم الجمعة ، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم الحسن وأثنى على الله تبارك وتعالى ، فقال : أخرج يوم القيمة وعلي بن أبي طالب أمامي ، وبيده لواء الحمد ، وهو يومئذ من شقتين شقة من السندس وشقة من الإستبرق ، فوثب إليه رجل أعرابي من أهل نجد من ولد جعفر بن كلاب بن ربيعة ، فقال : قد أرسلوني إليك لأسألك ، فقال : قل يا أخا البادية .

قال : ما تقول في علي بن أبي طالب ، فقد كثر الإختلاف فيه ؟

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله ضاحكاً فقال : يا أعرابي ، ولم يكثر الإختلاف فيه ؟ علي مني كرأسي من بدني ، وزري من قميصي .

فوثب الأعرابي مغضباً ثم قال : يا محمد إني أشد من علي بطشاً ، فهل يستطيع علي أن يحمل لواء الحمد ؟

فقال النبي صلى الله عليه وآله : مهلاً يا أعرابي ، فقد أعطي علي يوم القيامة خصالاً شتى : حسن يوسف ، وزهد يحيى ، وصبر أيوب ، وطول آدم، وقوة جبرئيل . وبيده لواء الحمد وكل الخلائق تحت اللواء ، يحف به الأئمة والمؤذنون بتلاوة القرآن والأذان ، وهم الذين لايتبددون في قبورهم . فوثب الأعرابي مغضباً وقال: اللهم إن يكن ما قال محمد فيه حقاًّ فأنزل علي حجراً .

فأنزل الله فيه : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع من الله ذي المعارج ) .

3. سندا محمد بن العباس

تأويل الآيات : 2/722 :

( وقال أيضاً : حدثنا أحمد بن القاسم ، عن أحمد بن محمد السياري ، عن محمد بن خالد ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه تلا : ( سأل سائل بعذاب واقع للكافرين - بولاية علي - ليس له دافع ) ثم قال : هكذا هي في مصحف فاطمة عليها السلام .

ويؤيده : ما رواه محمد البرقي ، عن محمد بن سليمان ، عن أبيه ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين - بولاية علي - ليس له دافع ، ثم قال : هكذا والله نزل بها جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله .) انتهى .

وقد تقدم أن عبارة ( بولاية علي عليه السلام ) تفسير للآية ، وكانوا يكتبون ذلك في هامش مصاحفهم ، كما ورد عن مصحف ابن عباس أنه كان فيه : وكفى الله المؤمنين القتال ، بعلي ، عليه السلام .

4. سند جامع الأخبار

بحار الأنوار : 33/165 :

( 42 - جامع الأخبار : أخبرنا علي بن عبد الله الزيادي ، عن جعفر بن محمد لدوريستي ، عن أبيه ، عن الصدوق ، عن أبيه ، عن سعد ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، عن أبيه ، عن محمد بن سنان ، عن زرارة قال : سمعت الصادق عليه السلام قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مكة في حجة الوداع ، فلما انصرف منها - وفي خبر آخر : وقد شيعه من مكة اثنا عشر ألف رجل من اليمن وخمسة آلاف رجل من المدينة - جاءه جبرئيل في الطريق فقال له : يا رسول الله إن الله تعالى يقرؤك السلام ، وقرأ هذه الآية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .. فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله : يا جبرئيل إن الناس حديثو عهد بالإسلام فأخشى أن يضطربوا ولا يطيعوا . . . فقال له : يا جبرئيل أخشى من أصحابي أن يخالفوني ، فعرج جبرئيل ونزل عليه في اليوم الثالث وكان رسول الله صلى الله عليه وآله بموضع يقال له غدير خم ، وقال له :( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ، والله يعصمك من الناس) .

فلما سمع رسول الله هذه المقالة قال للناس : أنيخوا ناقتي فوالله ما أبرح من هذا المكان حتى أبلغ رسالة ربي ، وأمر أن ينصب له منبر من أقتاب الإبل وصعدها وأخرج معه علياً عليه السلام وقام قائماً وخطب خطبة بليغة ، وعظ فيها وزجر ، ثم قال في آخر كلامه : يا أيها الناس ألست أولى بكم منكم ؟

فقالوا : بلى يا رسول الله . . . . .

فلما كان بعد ثلاثة ، وجلس النبي صلى الله عليه وآله مجلسه أتاه رجل من بني مخزوم يسمى عمر بن عتبة ، وفي خبر آخر حارث بن النعمان الفهري ، فقال : يا محمد أسألك عن ثلاث مسائل . فقال : سل عما بدا لك .

فقال : أخبرني عن شهادة أن لاإلا الله وأن محمداً رسول الله ، أمنك أم من ربك ؟

قال النبي صلى الله عليه وآله : أوحي إلي من الله ، والسفير جبرئيل ، والمؤذن أنا ، وما أذنت إلا من أمر ربي .

قال : فأخبرني عن الصلاة والزكاة والحج والجهاد ، أمنك أم من ربك ؟

قال النبي صلى الله عليه وآله مثل ذلك .

قال : فأخبرني عن هذا الرجل - يعني علي بن أبي طالب عليه السلام - وقولك فيه: من كنت مولاه فهذا علي مولاه..... أمنك أم من ربك ؟!

قال النبي صلى الله عليه وآله : أوحي إلي من الله ، والسفير جبرئيل ، والمؤذن أنا ، وما أذنت إلا ما أمرني .

فرفع المخزومي رأسه إلى السماء فقال : اللهم إن كان محمد صادقاً فيما يقول فأرسل عليَّ شواظاً من نار ، وفي خبر آخر في التفسير فقال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، وولى ، فوالله ما سار غير بعيد حتى أظلته سحابة سوداء ، فأرعدت وأبرقت فأصعقت ، فأصابته الصاعقة فأحرقته النار !

فهبط جبرئيل وهو يقول : إقرأ يا محمد : سأل سائل بعذاب واقع ، للكافرين ليس له دافع .

فقال النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه : رأيتم ؟! قالوا : نعم .

قال : وسمعتم ؟ قالوا : نعم .

قال : طوبى لمن والاه والويل لمن عاداه ، كأني أنظر إلى علي وشيعته يوم القيامة يزفون على نوقٍ من رياض الجنة ، شباب متوجون مكحلون لاخوفٌ عليهم ولا هم يحزنون ، قد أيدوا برضوان من الله أكبر ، ذلك هو الفوز العظيم ، حتى سكنوا حظيرة القدس من جوار رب العالمين ، لهم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون ، ويقول لهم الملائكة : سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) .

5. سند مدينة المعاجز للبحراني

مدينة المعاجز : 2/267 :

(العلامة الحلي في الكشكول: عن محمد بن أحمد بن عبدالرحمان الباوردي: فقال النضر بن الحارث الفهري : إذا كان غداً اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله حتى أقبل أنا وأتقاضاه ما وعدنا به في بدء الإسلام ، وانظر ما يقول ، ثم نحتج ، فلما أصبحوا فعلوا ذلك فأقبل النضر بن الحارث فسلم على النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إذا كنت أنت سيد ولد آدم، وأخوك سيد العرب، وابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين وابناك الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وعمك حمزة سيد الشهداء وابن عمك ذو الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء. وعمك جلدة بين عينيك وصنو أبيك، وشيبة له السدانة ، فما لسائر قومك من قريش وسائر العرب ؟!

فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا مالك وعلينا ما عليك .

فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله طويلاً ثم رفع رأسه فقال : أما أنا والله ما فعلت بهم هذا ، بل الله فعل بهم هذا فما ذنبي ؟!

فولى النضر بن الحارث وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم . يعني الذي يقول محمد فيه وفي أهل بيته ، فأنزل الله تعالى : وإذ قالوا إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، أو ائتنا بعذاب أليم .. إلى قوله : وهم يستغفرون . فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله إلى النضر بن الحارث الفهري وتلا عليه الآية فقال : يا رسول الله إني قد سررت ذلك جميعه أنا ومن لم تجعل له ما جعلته لك ولأهل بيتك من الشرف والفضل في الدنيا والآخرة ، فقد أظهر الله ما أسررنا به . أما أنا فأسألك أن تأذن لي أن أخرج من المدينة ، فإني لاأطيق المقام بها !

فوعظه النبي صلى الله عليه وآله إن ربك كريم ، فإن أنت صبرت وتصابرت لم يخلك من مواهبه ، فارض وسلم ، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره ، ويخفف عمن يشاء ، وله الخلق والأمر ، مواهبه عظيمة ، وإحسانه واسع .

فأبى الحارث ، وسأله الإذن فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل إلى بيته وشد على راحلته وركبها مغضباً ، وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم .

فلما صار بظهر المدينة وإذا بطيرٍ في مخلبه حجرٌ ، فأرسله إليه فوقع على هامته ، ثم دخلت في دماغه وخرج من جوفه ووقع على ظهر راحلته وخرج من بطنها، فاضطربت الراحلة وسقطت وسقط النضر بن الحارث من عليها ميتين ، فأنزل الله تعالى : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين - بعلي وفاطمة والحسن والحسين وآل محمد - ليس له دافع من الله ذي المعارج . انتهى .

وقال في هامشه : لم نجد كتاب الكشكول للعلامة الحلي رحمه الله بل هو للمحدث الجليل العلامة السيد حيدر بن علي الحسيني الآملي من علماء القرن الثامن الهجري ، أوله : أما البداية فليس بخفي من علمك ولا يستتر عن فهمك وآخره : والحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين . انتهى .

6. رواية المناقب لابن شهرآشوب

بحار الأنوار : 31/320 :

( 17 - قب : أبو بصير عن الصادق عليه السلام لما قال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي لولا أنني أخاف أن يقول فيك ما قالت النصارى في المسيح لقلت اليوم فيك مقالة لاتمر بملأ من المسلمين إلا أخذوا التراب من تحت قدمك .. الخبر .

قال الحارث بن عمرو الفهري لقوم من أصحابه : ما وجد محمد لابن عمه مثلاً إلا عيسى بن مريم يوشك أن يجعله نبياً من بعده . والله إن آلهتنا التي كنا نعبد خير منه ! فأنزل الله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلاً .. إلى قوله : وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون ، هذا صراط مستقيم .

وفي رواية : أنه نزل أيضاً : إن هو إلا عبد أنعمنا عليه .. الآية . فقال النبي صلى الله عليه وآله : يا حارث إتق الله وارجع عما قلت من العداوة لعلي بن أبي طالب . فقال : إذا كنت رسول الله وعلي وصيك من بعدك وفاطمة بنتك سيدة نساء العالمين والحسن والحسين ابناك سيدي شباب أهل الجنة ، وحمزة عمك سيد الشهداء ، وجعفر الطيار ابن عمك يطير مع الملائكة في الجنة ، والسقاية للعباس عمك ، فما تركت لسائر قريش وهم ولد أبيك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ويلك يا حارث ما فعلت ذلك ببني عبد المطلب ، لكن الله فعله بهم !

فقال : إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء .. الآية . فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، ودعا رسول الله صلى الله عليه وآله الحارث فقال : إما أن تتوب أو ترحل عنا .

قال : فإن قلبي لايطاوعني إلى التوبة ، لكني أرحل عنك ! فركب راحلته ، فلما أصحر أنزل الله عليه طيراً من السماء في منقاره حصاة مثل العدسة فأنزلها على هامته وخرجت من دبره إلى الأرض ، ففحص برجله ، وأنزل الله تعالى على رسوله : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين - بولاية علي - .

7. رواية علي بن إبراهيم القمي

تفسير القمي : 2/385 :

( أخبرنا أحمد بن إدريس ، عن محمد بن عبد الله ، عن محمد بن علي ، عن علي بن حسان ، عن عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي الحسن عليه السلام في قوله : سأل سائل بعذاب واقع ، قال : سأل رجل عن الأوصياء وعن شأن ليلة القدر ، وما يلهمون فيها . فقال النبي صلى الله عليه وآله : سألت عن عذابٍ واقع ، ثم كفر بأن ذلك لايكون، فإذا وقع فليس له من دافع ).انتهى .

وهناك أسانيد أخرى ، يصعب استقصاؤها فراجع شرح الأخبار للقاضي النعمان المغربي ، وكنز الحقائق للكراجكي ، والفضائل لشاذان بن جبرئيل ، وتفسير القمي ، والمناقب لابن شهرآشوب ، وغاية المرام للبحراني .. وغيرها.

النتيجة : صحة أصل الحديث ، وتعدد العقاب الإلهي

المتأمل في روايات العقاب الإلهي العاجل لمن اعترض على ولاية علي عليه السلام يصل إلى نتيجتين :

النتيجة الأولى : أن أصل الحديث مستوفٍ لشروط الصحة .. فمهما كان الباحث بطيء التصديق ، ميالاً للتشكيك ، وأجاز لنفسه القول إن الشيعة وضعوا هذا الحديث ودونوه في مصادرهم .. فلا يمكنه أن يفسر وجوده في مصادر السنة بذلك ، لأن عدداً من أئمتهم المحدثين قد رووه وتبنوه ، كما رأيت !

نعم قد يعترض متعصبٌ بأن هؤلاء الأئمة السنيين ، قد رووا ذلك عن أئمة أهل البيت عليهم السلام .

وجوابه أولاً ، أن مقام أهل البيت عليهم السلام عند السنة لايقل عن مقام كبار أئمتهم ، خاصة مثل الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام الذين يروي عنهما مباشرة أو بالواسطة عدد من كبار أئمتهم ، مثل أبي عبيد والسفيانين والزهري ومالك وأحمد .. وغيرهم .

والحساسية التي قد تراها عند السنيين من أحاديث أهل البيت عليهم السلام إنما هي مما نرويه نحن الشيعة ! أما ما يرويه عنهم أئمتهم ، فقد قبلوه ودونوه في صحاحهم .

وجوابه ثانياً ، أن طرق الحديث ليست محصورةً بأهل البيت عليهم السلام فقد تقدم طريق الحاكم الحسكاني عن حذيفة ، وأبي هريرة ، وغيرهما أيضاً .

والنتيجة الثانية : أن الحادثة التي وردت في الأحاديث المتقدمة وغيرها لايمكن أن تكون حادثة واحدة، بل هي متعددة.. وذلك بسبب تعدد الأسماء، ونوع العقوبة والأمكنة ، والأزمنة ، والملابسات المذكورة في روايات الحديث .. فرواية أبي عبيد والثعلبي وغيرها تقول إن الحادثة كانت في المدينة أو قربها ، وأن العذاب كان بحجرٍ من سجيل .. ورواية أبي هريرة وغيرها تقول إن الإعتراض كان في نفس غدير خم بعد خطبة النبي صلى الله عليه وآله ، وأن العقوبة كانت بنارٍ نزلت من السماء .. وبعضها يقول إنها كانت بصاعقة ..

والأسماء الواردة متعددة أيضاً ، والتصحيف يصح في بعضها ، لكن لايصح في جميعها .

المسألة السابعة : عشيرة سأل سائل بعذاب واقع

بقيت عدة مسائل وبحوث ، تتعلق بموضوعنا :

منها ، عدد المعترضين على النبي صلى الله عليه وآله بعد الغدير ، وهوياتهم.. ونوع العقوبة الإلهية التي وقعت عليهم ..

ومنها ، ما أحدثه الإعلان النبوي عن ولاية العترة الطاهرة من تأثير على المسلمين عامة ، وعلى قريش خاصة .. وما يتصل به من الجو العام في الشهرين الأخيرين من حياة النبي صلى الله عليه وآله ، والآيات التي نزلت ، والأحداث التي وقعت .. ومن أهمها تشاور الأنصار وعرضهم على النبي صلى الله عليه وآله أن يخصصوا له ولعترته ثلث أموالهم لمصارفهم ، ونزول آية ( قل لاأسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) وزيادة حساسية قريش بسبب ذلك.

ومن أهمها أيضاً ، أن النبي صلى الله عليه وآله قرر أن يرسل كل شخصيات قريش المؤثرين في جيش إلى مؤتة ، وأمَّر عليهم شاباً أسود البشرة من أصل إفريقي عمره تسع عشرة سنة ، هو أسامة بن زيد !

وهدف النبي صلى الله عليه وآله من ذلك أن يوجه نظر الأمة إلى الجبهة الخارجية ، ويفرغ المدينة من المخالفين لعترته ، حتى إذا توفي لم يكن فيها إلا علي والأنصار .. الى آخر الأحداث في هذه الفترة الحاسمة .

ومنها ، بحث محاولتي اغتيال النبي صلى الله عليه وآله بعد إعلان الغدير ، في طريق رجوعه في عقبة هرشى ، وفي قصة لده وإعطائه الدواء بالقوة عندما أغمي عليه من الحمى في مرضه رغم نهيه إياهم عن ذلك !

ومنها ، قصة الصحيفة الملعونة الثالثة ، التي ورد في مصادرنا أن المعارضين لإعلان ولاية علي عليه السلام كتبوها في المدينة ، وتعاهدوا ضد آل النبي صلى الله عليه وآله !

ومن البحوث المفيدة أيضاً ، بحث فضل يوم الغدير ، وما ورد في مصادر الفريقين من استحباب صومه ، والشكر وإظهار السرور فيه ... إلخ .

ومع أنها جميعاً بحوث مفيدة ، ترتبط بموضوعنا .. لكن فضلنا عدم الإطالة والاقتصار على أولها ، وهو عشيرة بني عبد الدار القرشية ، التي ورد عند الفريقين أن آية ( سأل سائل بعذاب واقع ) نزلت في رئيسها النضر بن الحارث ، وفي ابنه جابر بن النضر .. وغرضنا منه استكمال الصورة الصحيحة عن قبائل قريش وحسدها للنبي وأهل بيته الطاهرين ، صلى الله عليه وعليهم .

 

الحسد القديم وحلف لعقة الدم

كانت الجزيرة العربية مجتمعات قبلية ، ولم تكن فيها حكومةٌ مركزية ، بل معظم مناطقها تحكمها القبائل ..وكانت الصراعات والحروب ، والتحالفات القبلية أمراً شائعاً بين قبائلها ، ومنها قبائل قريش .

ومن أهم الأحلاف القرشية التي سجلتها مصادر التاريخ ، حلف الفضول الذي دعا إليه عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وآله ، وسموه حلف المطيبين ، لأنهم أكدوا تحالفهم بغمس أيديهم في جفنة طيبٍ صنعتها لهم بنت عبد المطلب .

وكانت أهم مبادئ هذا الحلف : أن يحموا الكعبة الشريفة ممن يريد بها شراً ويمنعوا الظلم فيها ، وينصروا المظلوم حتى يصل إلى حقه . وهو الحلف الذي شارك فيه النبي صلى الله عليه وآله ، وكان عمره الشريف نحو عشرين سنة ..

بل تدل بعض الأحاديث على أنه صلى الله عليه وآله أمضاه بعد بعثته ، كما في مسند أحمد : 1/190 ، قال : شهدت حلف المطيبين مع عمومتي وأنا غلام ، فما أحب أن لي حمر النعم ... وصححه الحاكم : 2/220 .

وكان هذا الحلف جواباً لحلف مضاد ، دعا إليه بنو عبد الدار ، فأجابتهم بعض قبائل قريش ، وعرف حلفهم باسم ( لعقة الدم ) لأنهم ذبحوا بقرة ، وأكدوا تحالفهم بأن يلعق ممثل القبيلة لعقةً من دمها !

وقد اختلفت النصوص في سبب الحلفين ووقتهما ، فذكر بعضها أنه عند بناء الكعبة بسبب اختلافهم على القبيلة التي تفوز بشرف وضع الحجر الأسود في موضعه . وذكر بعضها أنه كان بسبب شكاية بائع مظلوم ، اشترى منه قرشي بضاعة ، وأراد أن يأكل عليه ثمنها ..

والأرجح ما ذكره ابن واضح اليعقوبي من أن بني عبد الدار حسدوا عبد المطلب ، فدعوا إلى حلف لعقة الدم ، فدعا عبد المطلب في مقابلهم إلى حلف المطيبين . قال اليعقوبي في تاريخه : 1/248 :

( ولما رأت قريش أن عبد المطلب قد حاز الفخر ، طلبت أن يحالف بعضها بعضاً ليعزُّوا ، وكان أول من طلب ذلك بنو عبد الدار لما رأت حال عبد المطلب ، فمشت بنو عبد الدار إلى بني سهم فقالوا : إمنعونا من بني عبد مناف ..... فتطيب بنو عبد مناف ، وأسد ، وزهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر ، فسموا حلف المطيبين .

فلما سمعت بذلك بنو سهم ذبحوا بقرةً وقالوا : من أدخل يده في دمها ولعق منه ، فهو منا ! فأدخلت أيديها بنو سهم ، وبنو عبد الدار ، وبنو جمح، وبنو عدي ، وبنو مخزوم ، فسموا اللعقة .

وكان تحالف المطيبين ألا يتخاذلوا ، ولا يسلم بعضهم بعضاً .

وقالت اللعقة : قد أعتدنا لكل قبيلةٍ قبيلة . انتهى .

وقال اليعقوبي : 2/17 : ( حضر رسول الله صلى الله عليه وآله حلف الفضول وقد جاوز العشرين ، وقال بعد ما بعثه الله : حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ، ما يسرني به حمر النعم ، ولو دعيت إليه اليوم لأجبت . وكان سبب حلف الفضول أن قريشاً تحالفت أحلافاً كثيرة على الحمية والمنعة، فتحالف المطيبون وهم بنو عبد مناف ، وبنو أسد ، وبنو زهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر ، على أن لايسلموا الكعبة ما أقام حراء وثبير ، وما بلَّ بحرٌ صوفة .

وصنعت عاتكة بنت عبد المطلب طيباً فغمسوا أيديهم فيه ... فتذممت قريش فقاموا فتحالفوا ألا يظلم غريب ولا غيره ، وأن يؤخذ للمظلوم من الظالم ، واجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان التيمي .

وكانت الأحلاف هاشم ، وأسد ، وزهرة ، وتيم ، والحارث بن فهر ، فقالت قريش : هذا فضول من الحلف ، فسمي حلف الفضول ) . انتهى .

وفي سيرة ابن هشام : 1/85 : ( فكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصي ، وبنو زهرة بن كلاب ، وبنو تيم بن مرة بن كعب ، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر ، مع بني عبد مناف .

وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة ، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب ، وبنو عدي بن كعب ، مع بني عبد الدار ) . انتهى .

* * *

ويفهم من هذه النصوص وغيرها أن حركة التحالف بدأها بنو عبد الدار حسداً لعبد المطلب ، فسعوا للتحالف ضده ، فبادر عبد المطلب ومؤيدوه الى عقد حلف المطيبين قبلهم ، ثم عقد بنو عبد الدار ومؤيدوهم حلف لعقة الدم. ويفهم منها ، أن أهداف حلف عبد المطلب حماية الكعبة ونصرة المظلوم ، بينما هدف حلف بني عبد الدار مواجهة المطيبين !

بنو عبد الدار أصحاب لواء قريش

وذكر المؤرخون أن بني عبد الدار ورثوا من جدهم قصي دار الندوة التي كانت مركزاً لمجلس شيوخ قريش ، يبحثون فيها الأمور المهمة ، ويتخذون فيها القرارات ، كما ورث بنو عبد الدار لواء الحرب ، فكانوا هم أصحاب لواء قريش في حروبها .. قال البلاذري في فتوح البلدان 60 :

( فلم تزل دار الندوة لبني عبد الدار بن قصي ، حتى باعها عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ، من معاوية بن أبي سفيان ، فجعلها داراً للإمارة ) . انتهى .

وقد قتل علي عليه السلام من بني عبد الدار كل من رفع لواء قريش في وجه رسول صلى الله عليه وآله ، فبلغوا بضعة عشر ، وروي أن بعضهم قتله عمه حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه !

قال ابن هشام في : 3/587 : واصفاً تحميس أبي سفيان وزوجته لبني عبد الدار في أحد : ( قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال : يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر ، فأصابنا ما قد رأيتم ، وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم ، إذا زالت زالوا ، فإما أن تكفونا لواءنا ، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه !

فهمُّوا به وتواعدوه ، وقالوا : نحن نسلم إليك لواءنا ؟!! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع ! وذلك أراد أبو سفيان .

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض ، قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها ، وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم ، فقالت هند فيما تقول :

وَيْهاً بني عبد الدار ... وَيْهاً حماة الأدبار ضرباً بكل بتار

وفي سيرة ابن هشام : 3/655 : ( قال ابن هشام : أنشدني أبو عبيدة للحجاج بن علاط السلمي يمدح أبا الحسن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ويذكر قتله طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار ، صاحب لواء المشركين يوم أحد :

لله أيُّ مذبـبٍ عــــن حـــــــــرمةٍ          أعني ابن فاطمة المعِمَّ المخْوِلا

سبقت يــــداك له بعاجل طعـــنـةٍ          تركت طليحــــة للجبــــين مجدلا

وشددت شدةَ باســـلٍ فكشفــتهم           بالجر إذ يهـــــوون أخول أخولا

* * *

وقد تتابع على حمل لواء المشركين يوم أحد تسعة من بني عبد الدار ، وقيل أكثر وركزوا حملاتهم على قتل النبي صلى الله عليه وآله بعد أن تركه المسلمون وهربوا صعوداً في الجبل ، وثبت النبي صلى الله عليه وآله ومعه علي عليه السلام وحدهما! في وجه حملات قريش التي تواصلت إلى ما بعد الظهر ! وكان النبي صلى الله عليه وآله يقاتل في مركزه ، وعلي عليه السلام يحمل عليهم ، يضرب مقدمتهم ، ثم يغوص فيهم يضرب يميناً وشمالاً ، حتى يصل إلى العبدري حامل لوائهم فيحصد رأسه ، فتنكفيء الحملة ..

ثم يتحمس عبدريٌّ آخر فيحمل لواء الشرك ، ويهجمون باتجاه الرسول صلى الله عليه وآله فيتلقاهم علي عليه السلام وهو راجلٌ وهم فرسان !! حتى قتل من فرسان قريش عشرات ، ومن العبدريين أصحاب ألويتهم تسعة ! فيئسوا وانسحبوا ، ونادى مناديهم كذباً : قتل محمد !

وقد أصابته صلى الله عليه وآله بضع جراحات ، وأصابت علياًّ عليه السلام بضع وسبعون جراحة ! منها جراحاتٌ بليغة ، مسح عليها النبي صلى الله عليه وآله بريقه فبرأت !

 

بنو عبد الدار علموا قريشاً فناًّ مبتكراً في الدفاع

ومن طريف ما ذكره المؤرخون عن بني عبد الدار الشجعان ، أنهم أول من علم قريشاً أسلوباً في الدفاع عن نفسها في الحرب أمام بني هاشم ، فابتكروا طريقة في الحرب تستفيد من سمو بني هاشم الأخلاقي وخساسة أقرانهم !

روى ابن كثير في السيرة : 3/39 ، ناقلاً عن ابن هشام :

( لما اشتد القتال يوم أحد ، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية الأنصار ، وأرسل إلى علي أن قدم الراية ، فقدم علي وهو يقول : أنا أبو القصم ، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة ، وهو صاحب لواء المشركين : هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة ؟ قال : نعم .

فبرزا بين الصفين ، فاختلفا ضربتين ، فضربه علي فصرعه ، ثم انصرف ولم يجهز عليه ! فقال له بعض أصحابه : أفلا أجهزت عليه ؟

فقال : إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم ، وعرفت أن الله قد قتله .

وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة ، لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته ، فرجع عنه .

وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه علي في بعض أيام صفين ، أبدى عن عورته ، فرجع علي أيضاً . ففي ذلك يقول الحارث بن النضر :

أفي كــل يوم فارسٌ غير منـــتـــــهٍ          وعورته وســــــط العجاجة باديـه

يكفُّ لهــــا عنه عــــليٌّ سنـانـــــه          ويضحك منها في الخلاء معاويه!!

 

النضر بن الحارث رئيس بني عبد الدار

قال ابن هشام في سيرته : 1/195 :

( وكان النضر بن الحارث من شياطين قريش ، وممن كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصب له العدواة ، وكان قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث رستم واسفنديار ، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله ، وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله ، خلفه في مجلسه إذا قام ، ثم قال : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه ، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسبنديار ، ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثاً مني ؟!

قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله .

قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول فيما بلغني : نزل فيه ثمان آيات من القرآن ، قول الله عز وجل : إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين . وكل ما ذكر فيه الأساطير من القرآن ) . انتهى .

وذكر ابن هشام 1/239 ، قول النضر عن النبي صلى الله عليه وآله ( وما حديثه إلا أساطير الأولين اكتبتها كما اكتتبتها ! ) .

وقال السيوطي في الدر المنثور : 3/181 :

( وأخرج ابن جرير عن عطاء قال : نزلت في النضر : وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ، ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ، وسأل سائل بعذاب واقع ! قال عطاء رضي الله عنه : لقد نزل فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ).انتهى . وروى نحوه في : 5 / 297عن عبد بن حميد .

وقال عنه في تفسير الجلالين 540 :

( وهو النضر بن الحارث ، كان يأتي الحيرة يتجر فيشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول : إن محمداً يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث فارس والروم ، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن ! ) . انتهى .

وقد عرفت أن مصادرنا وعدداً من مصادر السنيين ذكرت أن السائل بالعذاب الواقع هو جابر بن النضر بن الحارث ، أو الحارث الفهري . وأن أكثر مصادر السنيين رجحت أنه أبوه النضر بن الحارث ، اعتماداً على روايات عن ابن جبير وابن عباس غير مرفوعة .

فقد روى الحاكم في المستدرك : 2/502 : ( عن سعيد بن جبير ، سأل سائل بعذاب واقع ، قال : هو النضر بن الحارث بن كلدة ، قال : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ) .

وقال السيوطي في الدر المنثور : 6/263 :

أخرج الفريابي ، وعبد بن حميد ، والنسائي ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، عن ابن عباس ... إلخ ) . انتهى .

ولم أجد في مصادر السيرة والتراجم عن الابن غير قصة هلاكه بحجر من السماء ، لكفره وبغضه لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، ولعله كان شاباً، أو أنهم عتَّموا على ذكره حسداً لأهل البيت عليهم السلام .

ويدل الموجود في مصادر السيرة على أن الأب أسوأ من الأبن بكثير ، لأنه من كبار الفراعنة الذين واجهوا النبي صلى الله عليه وآله ، ولعل ابنه لو عاش لفاق أباه كفراً وعتواً !!

وكان النضر عضو مجلس الفراعنة المتآمرين على النبي صلى الله عليه وآله قال ابن هشام : 1/191 : ( ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين . ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة ... اجتمع عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث أخو بني عبد الدار ، وأبو البختري بن هشام ، والأسود بن المطلب بن أسد ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم ... قال : اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، قال بعضهم لبعض : إبعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه . فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم ، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فقالوا له : يا محمد ، إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلاً من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة، فما بقي أمرٌ قبيحٌ إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا - : فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً .

وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا .

وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا .

وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئياً - فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيك !

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً ، وأنزل علي كتاباً ، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم .... الى آخر مناظرتهم .

وقال ابن هشام : 2/331 :

( عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : لما أجمعوا لذلك واتعدوا أن يدخلوا دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غدوا في اليوم الذي اتعدوا له وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة ... وقد اجتمع فيها أشراف قريش من بني عبد شمس : عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب . ومن بني نوفل بن عبد مناف : طعيمة بن عدي ، وجبير بن مطعم ، والحارث بن عامر بن نوفل . ومن بني عبد الدار بن قصي : النضر بن الحارث بن كلدة . . . إلخ .

فقال أبو جهل بن هشام : والله إن لي فيه رأياً ما أراكم وقعتم عليه بعد .

قالوا : وما هو يا أبا الحكم ؟

قال : أرى أن نأخذ من كان قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثم نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه ، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعها، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فرضوا منا بالعقل فعقلناه لهم . انتهى . ورواه الطبري في تاريخه : 2/98

وكان النضر رسول قريش إلى اليهود

جاء في سيرة ابن هشام : 1/195

( قام النضر بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي ... قال : يا معشر قريش إنه والله قد نزل بكم أمرٌ ما أتيتم له بحيلة بعد ، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم حديثاً ، وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما جاءكم به ، قلتم ساحر ، لاوالله ما هو بساحر ، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم . وقلتم كاهن ، لاوالله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة وتخالجهم وسمعنا سجعهم . وقلتم شاعر ، لاوالله ما هو بشاعر ، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها : هزجه ورجزه . وقلتم مجنون ، لاوالله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقة ، ولا وسوسته ، ولا تخليطه . يا معشر قريش فانظروا في شأنكم ، فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم ...

فلما قال لهم ذلك النضر بن الحارث بعثوه ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة ، وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصفاً لهم صفته ، وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة ، فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفا لهم أمره ، وأخبراهم ببعض قوله وقالا لهم : إنكم أهل التوراة ، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا ؟

فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن ، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقول فَرَوْا فيه رأيكم . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجيب ؟ وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبأه ؟ وسلوه عن الروح ما هي ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتبعوه فإنه نبي ، وإن لم يفعل فهو رجلٌ متقول ، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم ... إلى آخر القصة . ورواها في عيون الأثر : 1/142 .

كاتب الصحيفة الملعونة الأولى ضد بني هاشم

قال ابن هشام : 1/234 :

( اجتمعوا بينهم أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على بني هاشم ، وبني المطلب ، على أن لاينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم ، فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة ، تعاهدوا وتواثقوا على ذلك ، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم ، وكان كاتب الصحيفة منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي . قال ابن هشام : ويقال النضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشل بعض أصابعه ) .

وقال ابن واضح اليعقوبي في تاريخه : 2/31 :

( وهمت قريش بقتل رسول الله ، وأجمع ملأها على ذلك ، وبلغ أبا طالب فقال:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم          حتى أغيَّـبَ في التراب دفيـنا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح          ولقـــد صدقت وكنت ثَمَّ أمينا

وعرضت ديناً قد علمت بأنــه          من خـــير أديـان البرية دينا

فلما علمت قريش أنهم لايقدرون على قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأن أبا طالب لايسلمه ، وسمعت بهذا من قول أبي طالب ، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة ألا يبايعوا أحداً من بني هاشم، ولا يناكحوهم ، ولا يعاملوهم، حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه .

وتعاقدوا على ذلك وتعاهدوا ، وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً ، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، فشلت يده .

ثم حصرت قريش رسول الله وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب أبي طالب ست سنين من مبعثه . فأقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين ، حتى أنفق رسول الله ماله ، وأنفق أبو طالب ماله ، وأنفقت خديجة بنت خويلد مالها ، وصاروا إلى حد الضر والفاقة .

ثم نزل جبريل على رسول الله فقال : إن الله بعث الأرضة على صحيفة قريش فأكلت كل ما فيها من قطيعة وظلم ، إلا المواضع التي فيها ذكر الله ! فخبر رسول الله أبا طالب بذلك ، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله وأهل بيته حتى صار إلى الكعبة فجلس بفنائها ، وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا أبا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك ، وتدع اللجاج في ابن أخيك ! فقال لهم : يا قوم أحضروا صحيفتكم فلعلنا أن نجد فرجاً وسبباً لصلة الأرحام وترك القطيعة ، وأحضروها وهي بخواتيمهم . فقال : هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها ؟ قالوا: نعم .

قال : فهل أحدثتم فيها حدثاً ؟ قالوا : اللهم لا .

قال : فإن محمداً أعلمني عن ربه أنه بعث الأرضة فأكلت كل ما فيها إلا ذكر الله ، أفرأيتم إن كان صادقاً ماذا تصنعون ؟

قالوا : نكف ونمسك .

قال : فإن كان كاذباً دفعته إليكم تقتلونه .

قالوا : قد أنصفت وأجملت . وفضت الصحيفة فإذا الأرضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عز وجل !! فقالوا : ما هذا إلا سحر ، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه !! وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم ، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو المطلب فلم يرجعوا إليه ) . انتهى .

- قال ابن كثير في تاريخه :3 / 121 ، وسيرته : 2 /69 :

قال ابن إسحاق : فلما مزقت وبطل ما فيها ، قال أبو طالب ، فيما كان من أمر أولئك القوم الذين قاموا في نقض الصحيفة يمدحهم :

ألا هل أتى بحرينـــــا صنع ربـنا          على نأيهم والله بالنــــــاس أرود

فيخبرهم أن الصحيفة مزقـــــت          وأن كل ما لم يـــرضه الله مفسد

تراوحهـا إفك وسحــــر مجـــمع          ولم يلف سحرا آخر الدهر يصعد

تداعى لها من ليس فيها بقرقـر          فطائرهـــــا في رأسهــــــا يتـردد

وكانت كفاء وقعــــة بأثـــيمــــة          ليقطـع منهـــا ســـــــاعـد ومقلـد

ويظعن أهــــل المكتـين فيهربوا          فرائصهم من خشية الشر ترعد

ويترك حــــراث يقـــــلـب أمـــره          أيتهم فيها عـــــند ذاك وينجـــــد

فمن ينش من حضـــار مكة عزة          فعزتنـا في بطن مكـــــة أتـــــلـد

نشأنا بها والناس فيهــــا قـــلائل          فلم ننفك نزداد خــيرا ونحــــمـد

وبعده في السيرة :

وتصعد بين الاخشبــــين كتـــــيبـــة          لها حـــــدج سهم وقــــوس ومرهد

ونطعم حتى يـــــترك الناس فضلهم          إذا جعــــلت أيدي المفيضين ترعــد

جزى الله رهطا بالحجون تبايعـــوا          على مـلا يهدي لحـــــزم ويــــــرشد

قعودا لذي خطم الحجـــــون كـأنهم          مقاولـة بل هـم أعــــــــز وأمجــــــد

أعان عليها كــــل صقـــــر كـــــأنه          إذا مامشى في رفرف الدرع أحــرد

جرئ على جلى الخطـــــوب كـــأنه          شهـاب بكفـــــي قـــــــابـس يتوقــــد

( ألا إن خير النـــــاس نفسا ووالداً          إذا عـد ســــــــادات البريــــة أحمـد

نبي الإلـه والكـــــريــم بأصلـــــــــه          وأخلاقـه وهو الــــرشيـد المؤيـــــد

جرئ على جلى الخطــــوب كأنـــــه           شهـاب بكـــفي قـــــابس يتوقــــــد)

من الاكرمين من لؤي بــــن غـالب          إذا سيم خـــــسفا وجهـــــه يتــــربد

طويل النجادخارج نصــف ساقــــــه          على وجهـــــه يسقي الغمام ويسعد

عــظــــــيم الرمــــاد سيـد وابن سيد          يحض على مقرى الضيوف ويحشد

والخبر في سيرة ابن هشام : 1 /254 )

وفي هامشه : ( بحرينا : قال السهيلي : يعني الذين بأرض الحبشة ، والذين هاجروا إليها من المسلمين في البحر .

قال السهيلي : وللنساب من قريش في كاتب الصحيفة قولان ، أحدهما : إن كاتب الصحيفة هو بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد الدار .

والقول الثاني : أنه منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم من بني عبد الدار أيضا! ! وهو خلاف قول ابن إسحاق ، ولم يذكر الزبير في كاتب الصحيفة غير هذين القولين ، والزبيريون أعلم بأنساب قومهم ) . انتهى .

والأبيات الثلاثة التي وضعناها بين قوسين لاتوجد في نسخة ابن هشام ولا ابن كثير المتداولة ، وقد ذكرها الأميني رحمه الله (7/366) في روايته عن ابن كثير .. ومن عادة قدماء الرواة والمؤلفين السنيين أن يحذفوا أمثالها ، لأنها تضر بزعمهم أن أبا طالب رضوان الله عليه مات مشركاً ولم يسلم !!

وقال الأميني رحمه الله : ( توجد في ديوان أبي طالب أبيات من هده القصيدة غير ما ذكر لم نجدها في غيره .

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة          متى ما يخبر غائب القوم يعجب

محى الله منها كفرهم وعقوقهم          وما نقموا من ناطق الحق معرب

فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا          ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

انتهى . وهي أبيات من قصيدة طويلة لأبي طالب رضوان الله عليه ، يبدو أنه قالها قبل القصيدة المتقدمة. وقد روى منها الشيخ المفيد رحمه في ( إيمان أبي طالب) ص33 ، وكذا ابن شهرا شوب في مناقب آل ابي طالب:1/ 60:

- كما رواها البحراني رحمه الله في حلية الأبرار :1/ 79 (و86)، عن تفسير علي بن ابراهيم بن هاشم قال : حدثنا علي بن جعفر ، قال : حدثني محمد بن عبد الله الطائي ، قال : حدثنا محمد بن أبي عمير ، قال : حدثنا حفص الكناسي ، قال : سمعت عبد الله بن بكر الأرجاني ... : ( فقال أبو طالب : يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه ، فتفرق القوم ولم يتكلم أحد ، ورجع أبو طالب إلى الشعب ، وقال في ذلك قصيدته البائية ، التي أولها :

ألا من لهم آخــــر الليل منصب           وشعب العصا من قومك المتشعب

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة          متى ما يخبر غائب القوم يعجــــب

محا الله منها كفرهــم وعقوقهم          وما نقموا من ناطق الحق معـرب

وأصبح ما قالوا من الأمر باطلاً          ومن يختلق ما ليس بالحق يكـذب

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقاً          على سخط من قومنا غير معــتب

فلا تحسبونــا مسلمين محمــــداً          لذي عـزة منـــــــا ولا متعـــــــرب

ستمنعه منــــا يـــــدٌ هـاشميـــــةٌ          مركبها في النـــــاس خــير مركب

انتهى

وقد بحثنا في المجلد الثالث من العقائد الاسلامية ، افتراء قريش على بني هاشم وزعمها أن أبا طالب مات مشركاً !!

وكان النضر من المطعمين جيش قريش في بدر

تقدم في البحث الخامس أن النضر أحد الرهط الذين كانوا يطعمون جيش قريش في حرب بدر ، وقد عده النبي صلى الله عليه وآله من أفلاذ أكباد مكة عاصمة قريش ! ( ابن هشام :2/ 488 ، وتاريخ الطبري : 2 / 142 ) .

نهاية الأول من فراعنة ( سأل سائل )

قال ابن هشام في سيرته : 2/206 - 207 :

( ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلاً إلى المدينة ، ومعه الأسارى من المشركين ، وفيهم عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث ... قال ابن إسحاق : حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء ، قتل النضر بن الحارث ، قتله علي بن أبي طالب ، كما خبرني بعض أهل العلم من أهل مكة . قال ابن إسحاق : ثم خرج حتى إذا كان بعرق الظبية ، قتل عقبة ابن أبي معيط . ( راجع أيضاً سيرة ابن هشام : 2/286 و527 ، وتاريخ الطبري : 2/157 و286 ) .

وفي معجم البلدان : 1/94 :

الأثيل : تصغير الأثل موضعٌ قرب المدينة ، وهناك عين ماء لآل جعفر بن أبي طالب ، بين بدر ووادي الصفراء ، ويقال له ذو أثيل .... وكان النبي صلى الله عليه وسلم ، قتل عنده النضر بن الحارث بن كلدة ، عند منصرفه من بدر ، فقالت قتيلة بنت النضر ترثي أباها ، وتمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :

يا راكباً إن الأثـــــيل مظـــــنـــــةٌ          من صبحِ خامسةٍ ، وأنت موفقُ

بلغ به ميتاً ، فـــــــإن تحــــيـــــةً          ما إن تـــزال بها الركائب تخفق

مني إليه ، وعـــــــبرةً مسفـوحةً          جادت لمائحهـــــا وأخرى تخنق

فليسمعن النضــــــر ، إن ناديـته          إن ان يسمــــع ميــــت أو ينطق

ظلت سيوف بـنـــــي أبيه تـنوشه          لله أرحـام هنــــاك تشــــقــــق !

أمحمد ! ولأنت ضــــنء نجــــيبة          في قومها ، والفحل فحل معرق

لو كنت قــــابل فدية ، فلنأتــيـــن          بأعـــزماً يغـــــلـو لـــديـك وينفق

ما كان ضرك لو مننت وربمـــــا          مَنَّ الفتى ، وهو المغيظ المحنق

والنضر أقرب من أصبت وسيلة          وأحقــــهم ، إن كان عــتق يعتق

فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شعرها رق لها ، وقال : لو سمعت شعرها قبل قتله لوهبته لها . انتهى .

ومن الثابت عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان أكره الناس للقتل ، وأنه لم يقتل أحداً إلا عند اللزوم والضرورة .. وحسبك أن جميع القتلى في جميع حروبه صلى الله عليه وآله من الطرفين ومن أقام عليهم الحد الشرعي لايبلغون ست مئة شخص ، وبذلك كانت حركته العظيمة صلى الله عليه وآله أعظم حركة في نتائجها ، وأقل حركة في كلفتها !

وأما قتله للنضر فلأنه كان جرثومة شر وفساد !

وومثله صديق النضر وشريكه في الشر ، عقبة بن معيط الأموي ، وكان صاحب خمارة ومبغى في مكة ، وكان معروفاً بإلحاده .

وإذا صح ما قاله صلى الله عليه وآله لبنت النضر الشاعرة ، فمعناه أن الله تعالى أجاز له أن يعفو عنه لابنته ، لما في شعرها من قيم واستعطاف !

 

النضير بن الحارث .. أخ النضر ووارثه

ذكرت مصادر السيرة والتاريخ أن لواء قريش بعد النضر كان بيد آخرين من بني عبد الدار ، ولم تذكر أن أخاه النضير كان فارساً مثله ، ويظهر أنه صار بعد أخيه النضر رئيس بني عبد الدار ، وإن لم يكن شجاعاً صاحب اللواء ، فقد وصفه رواة قريش وأصحاب السير بالحلم ، إشارة إلى أنه كان سياسياً محباً للدعة .. وعدوه من رؤساء قريش والمؤلفة قلوبهم ، الذين أعطى النبي لكل واحد منهم مئة بعير من غنائم حنين .

قال الطبري في تاريخه : 2/358 عن عطاءات النبي في حنين :

( فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير ، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير ، وأعطى حكيم بن حزام مائة بعير ، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة بن علقمة أخا بني عبد الدار مائة بعير ، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة مائة بعير ، وأعطى الحارث بن هشام مائة بعير ، وأعطى صفوان بن أمية مائة بعير ، وأعطى سهيل بن عمرو مائة بعير ، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مائة بعير ... ونحوه في سيرة ابن هشام : 4/929 ، وابن كثير : 3/682 وتاريخ اليعقوبي . وقد تقدم ذكره في البحث الخامس ، واعترافه بأنه خطط مع زعماء قريش لقتل النبي صلى الله عليه وآله في حنين ، ولم يتمكنوا من ذلك !

وقد اختلط اسم النضير عند بعضهم باسم أخيه النضر ، قال الرازي في الجرح والتعديل : 8 / 473 :

( النضر بن الحارث بن كلدة العبدري من مسلمة الفتح ، ويقال نضير وليست له رواية ، سمعت أبي يقول ذلك . وقال في هامشه : وهذا هو الصواب إن شاء الله ، لأن النضر بن الحارث قتل كافراً إجماعاً ، وإنما هذا أخوه ، واحتمال أن يكون مسمى باسمه أيضاً بعيد ، وأثبت ما جاء في الروايات أن هذا هو ( النضير ) .. راجع الإصابة الترجمتين ) . انتهى .

 

رواة قريش يجعلون النضير مسلماً مهاجراً شهيداً !

وعلى عادة رواة قريش ، فقد جعلوا من الحارث أو النضير شخصيةً إسلامية ، وعدوه في المهاجرين وشهداء اليرموك .. ويظهر أنهم جعلوا كل الذين كانوا في الشام من القرشيين وماتوا في طاعون عمواس ، مثل سهيل بن عمرو والعبدريين ، جعلوهم شهداء ، وعدوهم في شهداء اليرموك !

قال السمعاني المحب لقريش وبني أمية ، في أنسابه : 3/110 :

( الرهيني : بفتح الراء وكسر الهاء بعدهما الياء الساكنة آخر الحروف وفي آخرها النون ، هذه النسبة إلى رهين ، وهو لقب الحارث بن علقمة ويلقب بالرهين ، ومن ولده محمد بن المرتفع بن النضير بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي الرهيني ، يروي عن عبد الله بن الزبير ، روى عنه سفيان بن عيينة .

فأما جده النضير بن الحارث فكان من المهاجرين ، وكان يعد من حلماء قريش ، قتل يوم اليرموك شهيداً ، وهو أخو النضر بن الحارث الذي قتله علي بن أبي طالب بالصفراء صبرا يوم بدر ، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه نزلت سورة ( سأل سائل بعذاب واقع ) وقالت بنته أبياتاً من الشعر ... وتبعه في إكمال الكمال : 1/327 ، وغيره .

 

هل اعترض النضير على النبي صلى الله عليه وآله

مثل أخيه وابن أخيه ؟

روت مصادرنا مناقشة غريبة لأحدهم مع النبي صلى الله عليه وآله في المدينة ، وسمته النضر بن الحارث الفهري ، ويحتمل أن تكون كلمة الفهري تصحيف العبدري ، نسبةً إلى بني عبد الدار ، والنضر تصحيف النضير .. وإذا صحت نسبتها إليه ، فتكون صدرت منه في المدينة بعد حجة الوداع . وقد تقدمت من كتاب مدينة المعاجز للبحراني : 2/267 ، وفيها :

( أقبل النضر بن الحارث فسلم على النبي صلى الله عليه وآله فقال : يا رسول الله إذا كنت أنت سيد ولد آدم ، وأخوك سيد العرب ، وابنتك فاطمة سيدة نساء العالمين ، وابناك الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة ، وعمك حمزة سيد الشهداء ، وابن عمك ذا الجناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء ، وعمك جلدة بين عينيك وصنو أبيك ، وشيبة له السدانة .. فما لسائر قومك من قريش وسائر العرب ؟! فقد أعلمتنا في بدء الإسلام أنا إذا آمنا بما تقول لنا ما لك وعلينا ما عليك .

فأطرق رسول الله صلى الله عليه وآله طويلاً ، ثم رفع رأسه فقال : أما أنا والله ما فعلت بهم هذا ، بل الله فعل بهم هذا ، فما ذنبي ؟! ...

فوعظه النبي صلى الله عليه وآله وقال له : إن ربك كريم ، فإن أنت صبرت وتصابرت ، لم يخلك من مواهبه ، فارض وسلم ، فإن الله يمتحن خلقه بضروب من المكاره ، ويخفف عمن يشاء ، وله الخلق والأمر ، مواهبه عظيمة، وإحسانه واسع . فأبى الحارث ) . انتهى .

وقد نص ابن هشام : 2 / 488 ، على أن النضير هذا يسمى الحارث أيضاً باسم أبيه ، وسماه اليعقوبي في تاريخه : 2 / 63 ( الحارث بن الحارث بن كلدة ) ، وهو أمر يوجب الشك ، لأنه يستغرب أن يكون لشخص اسمان معاً ، خاصةً إذا كان أحدهما باسم أبيه ، لأن العوائل المالكة في القبائل تحترم اسم الأب ولا تغيره إلى اسمٍ آخر ، ولا تضيف معه اسماً آخر ، لأنه يضعف مكانته ! وهذا يفتح باب الاحتمال أن يكون الحارث أخاهم الثالث ، وأن يكون هو الذي ورد اسمه في بعض الروايات أنه اعترض على النبي صلى الله عليه وآله لإعلانه ولاية علي والحسنين من بعده عليهم السلام، فرماه الله بصاعقة أو حجر من سجيل ! وبذلك يكون العذاب الواقع نزل بثلاثة أشخاص من هذه الأسرة : الأب في بدر ، وولده جابر الذي نص عليه أبو عبيد ، والحارث هذا .. ويكون اسم عشيرة العذاب الواقع ، مثلث الانطباق على هذه القبيلة !!

كما يحتمل أن يكون صاحبنا النضير بن الحارث ، أو الحارث بن الحارث العبدري ، هو الحارث المعترض ، لكن لم تنزل عليه العقوبة ، لأنهم ذكروا وفاته في الشام ، وليس بالعذاب الواقع .

ومهما يكن ، فإن من المؤكد أنه يوجد حارثٌ غيره اعترض على النبي صلى الله عليه وآله حيث ورد ذكره في تفسير الثعلبي ، وعدد من مصادرنا باسم الحارث بن النعمان الفهري ، وأنه هو صاحب حجر السجيل ، كما تقدم . وكذلك تقدم اسم الحارث بن عمرو الفهري، في رواية الحاكم الحسكاني، ورواية الكافي والمناقب .

ومما يؤيد أنه حارثٌ آخر ، أنهم ترجموا لشخص وأولاده ، ولم يذكروا عنه شرحاً ، ولا ذكروا سبب موته .. فقد ينطبق عليه !

قال ابن كثير في سيرته : 2/499 : ( عامر بن الحارث الفهري ، كذا ذكره سلمة عن ابن إسحاق وابن عائذ . وقال موسى بن عقبة وزياد عن ابن إسحاق : عمرو بن الحارث ) .

وقال في ص 502 : ( عمرو بن عامر بن الحارث الفهري ، ذكره موسى بن عقبة). انتهى . وذكر نحوه في عيون الأثر : 1/358 .

وعليه ، يكون الحارث صاحب حجر السجيل فهرياً ، وليس عبدرياً .

ويكون جابر بن النضر العبدري الذي ورد في رواية أبي عبيد ، صاحب حجر سجيل آخر .. والله العالم .

الأفجران من قريش أم ... الأفجرون ؟

ورد في مصادر الحديث أن أسوأ قبائل قريش ، وأشدها على النبي صلى الله عليه وآله هم بنو أمية ، وبنو المغيرة ، وهم فرع أبي جهل من مخزوم ، وورد وصفهم بالأفجرين .. ولا بد أن نضيف إليهم بني عبد الدار فيكون الأفجرون بالجمع .. وإن كان الإنسان بعد أن يستثني بني هاشم والقلة الذين معهم من قريش ، يشك في من هو الأحسن والأفجر من الباقين !!

قال السيوطي في الدر المنثور : 4/84 :

( وأخرج البخاري في تاريخه ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، عن عمربن الخطاب رضي الله عنه في قوله : ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا، قال : هما الأفجران من قريش : بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين ! ) . انتهى .

ويشبه أن يكون ذلك كلاماً نبوياً ردده عمر ، وإذا صح ذلك عنه ، يتوجه إليه السؤال : لماذا ولى معاوية الأموي على حكم الشام ، وأطلق يده ولم يحاسبه أبداً ، ثم رتب الخلافة من بعده في شورى جعل فيها حق النقض لصهر عثمان الأموي ، فأكمل بذلك تسليم الدولة الإسلامية لأحد الأفجرين من قريش ؟ ولكنها.. السياسة!!

* * *

تم كتاب آيات الغدير ، والحمد لله رب العالمين

* * *