تمهـيد

ثلاث مسائل في عمل الأنبياء عليهم السلام

توجد ثلاث مسائل في عمل الأنبياء والرسل عليهم السلام لم يعطها الباحثون حقها في تدوين سيرتهم ، ودراسة أعمالهم :

المسألة الأولى : أن أصل مهمتهم عليهم السلام هو تبليغ الناس رسالة ربهم فقط .. فالمحور الذي يدور عليه عمل النبي والرسول هو التبليغ والأداء ، من أجل إقامة الحجة لربه عز وجل على عباده ..

فالرسول مبلغُ رسالةٍ ومؤديها .. وهو يتقي ربه سبحانه ويخاف من غضبه وعذابه إن قصر في الأداء ، أو خالف حرفاً مما كلف بأن يؤديه ! ولذا تراه يشهد الناس على أنه أدى إليهم ، ليشهدوا له عند ربه .

والرسول مبلغٌ ، وليس له إجبار الناس على قبول الهدى ، ولا على الإلتزام به.. ولا يمكنه ذلك من تلقاء نفسه .

فالقاعدة الثابتة التي استوعبها الرسول أنه لاإجبار ولاإكراه في الدين الإلهي.. وحرية الناس يجب أن تبقى محفوظة ، ليؤمنوا إن شاؤوا أو يكفروا .. ويلتزموا بالدين أو ينحرفوا عنه .. لأن ذلك معنى فتح مدرسة الحياة في هذه الدار ، وامتحان الناس فيها بالهدى والضلال ، وإعطائهم القدرة على فعل الخير أو الشر .. ثم محاسبتهم في مرحلةٍ لاحقةٍ .. في دارٍ أخرى .

فالإجبار على الدين إذن .. يتنافى مع أصول الإمتحان ، وحرية الإختيار .

* * *

والمسألة الثانية: أن هدف الأنبياء والرسل عليهم السلام يتركز على القضايا ( الكبرى ) في حياة الناس ومسار المجتمعات .. فالرسول عليه السلام مهندس رباني ، ولكنه مهندس مدن ومجتمع ، ومسيرة تاريخ .

وأعماله يجب أن ينظر إليها بهذا المنظار وأن تقاس بهذا المقياس ، وأن يسأل الباحث نفسه : ماذا كان سيحدث في ثقافة الناس ومسار التاريخ ، لو لم يبعث هذا الرسول ، وماذا حدث بسبب بعثته وأدائه لرسالته ؟

أو يسأل : كيف كانت حالة العالم الوثنية اليوم ، لولم يبعث إبراهيم عليه السلام ويرسي أسس التوحيد ويزرع أصوله في مسيرة المجتمع الإنساني ؟!

أو كيف كانت حالة البلاد العربية ، والعالم في عصرنا ، لو لم يبعث نبينا صلى الله عليه وآله ، ولم يُحِْدثْ هذا المد الأخير من التوحيد والحضارة ؟!

لقد كان عمله صلى الله عليه وآله ( تكوين أمة ) ودفعها لتأخذ موقعها في مصاف أمم العالم ، بل في ريادتها .. وتزويدها بأحسن ما يمكن من مقومات الأمة ، مضموناً وشكلاً ..

كان عمله إنشاء سفينة ، وإطلاقها في بحر شعوب العالم ومجرى التاريخ .. وكان حريصاً أن يكون ربانها بعده أهل بيته ، الذين اصطفاهم الله وطهرهم ، وأورثهم الكتاب .. ولكن إن لم تقبل الأمة بقيادتهم ، فليكن الربان من يكون حتى يبلغ الله أمره في هذه الأمة ، ثم يبعث فيها المهدي الموعود عليه السلام .

* * *

والمسألة الثالثة : أن الجانب الذاتي في الرسول عليه السلام موجود ومؤثر دون شك ، فهو مفكر ، نابغ ، مخطط ، فاعل مختار .. ولكن الذاتية في عمله ضئيلة جداً! وما يقابل الذاتية هنا ليس الآلية ، بل طلب التوجيه من ربه دائماً عن قناعة ، وإيمان ، وتعبد .

الرسول يجتهد في أمور ، شخصية أو عامة .. ولكن مساحة الأمور التي يسمح لنفسه أن يجتهد فيها ويعمل فيها برأيه ، لاتشكل إلا جزءً قليلاً من مساحة عمله الواسع الكبير !

فمثله كمثل مهندس أرسله رئيسه لتنفيذ مشروع كبير ، وهو مقتنع أن عليه أن يتصل دائماً برئيسه ، ليأخذ منه التعليمات الحكيمة الصحيحة ، حتى لايقع في أخطاء ضارة .. فهو يعمل ويفكر وينفذ ، ولكنه على اتصال دائم بمركزه ، يأخذ منه مراحل الخارطة ، ويستشيره في رفع إشكالات التنفيذ !

وهذا المثل ، مصغر آلاف المرات عن مهمة الرسول عليه السلام . أما مركز توجيهه وتسديده ، فإنه لا يقاس بالله سبحانه أحد ، ولا بفعله فعل أحد .

* * *

وعلى هذا ، يجب علينا في دراسة سيرة نبينا صلى الله عليه وآله أن ندخل في حسابنا هذه الأمور الثلاثة :

- أنه مبلغ ما أمر به .

- وأن عمله إنشاء أمة وإطلاقها في مسيرة التاريخ .

- وأن عمله دائماً بتوجيه ربه وليس من عند نفسه ..

والمتأمل في سيرته صلى الله عليه وآله يلمس هذه الحقيقة لمساً ، وأن الله تعالى كان يدير أمره من أول يوم إلى آخر يوم ، وكان الرسول يطيع وينفذ .. مسلماً أمره إلى ربه ، واثقاً به ، متوكلاً عليه ، راضياً بقضائه وقدره..

ولذا جاءت نتائج عمله فوق ما يتصور العقل البشري ، وفوق ما يمكن لكل مهندسي المجتمعات ، ومنشئي الأمم ، ومؤسسي الحضارات ..

لقد استطاع الرسول صلى الله عليه وآله أن يحدث مداً عقائدياً حضارياً عالمياً في أقل مدة ، وأقل كلفة من الخسائر البشرية والمادية ..

فرغم شراسة الأعداء والحروب لم تبلغ قتلى الطرفين ألف قتيل !! وما ذلك إلا بسبب أن إدارة الرسول صلى الله عليه وآله كانت من ربه عز وجل ..

كان القرآن يتنزل عليه باستمرار من أول بعثته إلى قرب وفاته ، وكان جبرئيل عليه السلام يأتيه دائماً ، بآيات قرآنٍ ، أو وحي غير القرآن ، وأوامر وتوجيهات ، وأجوبة ... إلخ .

وما أكثر الأمثلة في سيرته صلى الله عليه وآله على ذلك ، فهي مليئة بالتدخل الإلهي والرعاية في كبير أموره وصغيرها.. وهي تدل على أنه صلى الله عليه وآله ما كان يتصرف من عند نفسه إلا في تطبيق الخطوط العامة التي أوحيت إليه أو تنفيذ الأوامر التفصيلية التي بلغه إياها جبرئيل عليه السلام .. وكثيراً ما كان يتوقف عن العمل ، ينتظر الوحي !

وقد ورد أنه صلى الله عليه وآله قال : أوتيت الكتاب ومثله معه ، أي ما كان جبريل يأتيه به من السنن ( الإيضاح / 215 ) ، وأن جبريل كان ينزل عليه بالسنة كما ينزل بالقرآن ( الدارمي : 1/145) .

وهذه التوجيهات شملت حله وترحاله ، ورضاه وغضبه صلى الله عليه وآله بل شملت حتى أموره الشخصية ، من زواجه وطلاقه ، ولباسه وطعامه ، ونومه ويقظته، ووضوئه وسواكه ، فضلاً عن عطائه ومنعه ، وحبه وبغضه ..

روى في الكافي : 4/39 ، عن الإمام الصادق عليه السلام قصة شخص كافر جاء يحاج النبي صلى الله عليه وآله ويكذبه ويؤذيه ويتهدده ، قال : فغضب النبي صلى الله عليه وآله حتى التوى عرق الغضب بين عينيه ، وتَرَبَّد وجهه وأطرق إلى الأرض ، فأتاه جبرئيل عليه السلام فقال : ربك يقرؤك السلام ويقول لك : هذا رجل سخي يطعم الطعام . فسكن عن النبي صلى الله عليه وآله الغضب ورفع رأسه ، وقال له :

لولا أن جبرئيل أخبرني عن الله عزوجل أنك سخي تطعم الطعام ، لشردت بك ، وجعلتك حديثاً لمن خلفك !

فقال له الرجل : وإن ربك ليحب السخاء ؟

فقال : نعم .

فقال : إني أشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله ، والذي بعثك بالحق لارددت من مالي أحداً . انتهى .

وروى في الكافي :1/289 : أن شخصاً سأل الإمام الباقر عليه السلام فقال حدثني عن ولاية علي ، أمن الله أو من رسوله ؟ فغضب ، ثم قال : ويحك ! كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخوف لله من أن يقول ما لم يأمره به الله ! بل افترضها الله ، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج . انتهى .

ولا نطيل الكلام بأمثلة ذلك ، فهي موضوع مهم لرسالة دكتوراه ، بل لعدة رسائل .

 

خلافة النبي .. موضوع بسيط

والخلافة بعد النبي صلى الله عليه وآله موضوع بسيط وليس معقداً .. فقد قال أهل البيت وشيعتهم إن النبي صلى الله عليه وآله نصب علياً عليه السلام ولياً للمسلمين من بعده ، وأن ذلك كان بأمر ربه عز وجل ، فلا مجال فيه لاختيار قريش أو غير قريش .

وقالت قريش إنه لم ينصب أحداً ، ولم يوص إلى أحد ، وأن ( سلطانه ) ترثه كل قبائل قريش الثلاث وعشرين ، لأن محمداً ابن قريش .

لذلك اختارت قريش بعده شخصاً قرشياً من قبيلة تيم بن مرة ، هو أبو بكر ، ثم اختار أبو بكر قرشياً من قبيلة عدي هو عمر ، ثم اختار عمر بواسطة الشورى قرشياً ثالثاً من بني أمية بن عبد شمس ، هو عثمان ..

ولم يختاروا خليفة من الأنصار ، لأنهم ليسوا قرشيين لاحقَّ لهم في سلطان محمد بن قريش ، ولم يختاروا من بني هاشم ، لأن حقهم في سلطانه ليس أكثر من غيرهم من قبائل قريش ، وقد استكثرت عليهم قريش أن يجمعوا بين النبوة والإمامة !

إنه موضوع بسيط ، يدور حول وجود النص وعدم وجوده .. ولكنه موضوع شائك لاتحب قبائل قريش واتباعها فتحه ، لأنه يضع علامة استفهام كبيرة على نظام خلافتها..

ولذا تراهم يحذرونك من البحث فيه ، بل حتى من التفكير فيه ..! ويقولون لك : إنه موضوع صعبٌ معقد ، والكلام فيه حرام !

 

خلافة النبي .. كانت مطروحة في حياته

مضافاً إلى منطق الأمور ، توجد أدلة ملموسة على أن الخلافة وولاية الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله كانت مطروحة من أول بعثته وإلى آخر حياته الشريفة ، وأن الكلام كان يجري في من يخلفه بشكل طبيعي .. لاكما تقول مصادر السنيين من أن النبي صلى الله عليه وآله لم يوص إلى أحد ، وأن المسلمين لم يطرحوا هذا الموضوع معه أبداً، ولاسألوه عنه حتى مجرد سؤال !!

وهذه الأدلة غير ما ثبت من نصوص النبي صلى الله عليه وآله على إمامة العترة من بعده عليهم السلام .

الدليل الأول

ما ورد في سيرة النبي صلى الله عليه وآله من أنه كان يعرض نفسه على القبائل في أول بعثته ، ويطلب منها أن تحميه لكي يبلغ رسالة ربه.. وأن بعض القبائل قبلت عرضه بشرط أن يكون لها الأمر من بعده ، فأجابها النبي صلى الله عليه وآله بأنه مجرد رسول والأمر ليس له ، بل هو لله تعالى يجعله لمن يريد!

وأبرز ما وجدناه من ذلك : حديث بني عامر بن صعصعة ، وحديث كندة، وكلاهما في أول البعثة ، وحديث عامر بن الطفيل ، وهو في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وآله !

 

حديث بني عامر بن صعصعة

في سيرة ابن هشام : 2/289 : ( أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل ، وعرض عليهم نفسه، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال له : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ، ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ قال : الأمر إلى الله ، يضعه حيث يشاء .

قال فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ! لاحاجة لنا بأمرك ! فأبوا عليه .

فلما صدر الناس ، رجعت بنو عامر إلى شيخ لهم ، قد كانت أدركته السن حتى لايقدر أن يوافي معهم المواسم ، فكانوا إذا رجعوا إليه حدثوه بما يكون في ذلك الموسم ، فلما قدموا عليه ذلك العام سألهم عما كان في موسمهم ، فقالوا : جاءنا فتى من قريش ثم أحد بني عبد المطلب ، يزعم أنه نبي يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا .

قال : فوضع الشيخ يديه على رأسه ، ثم قال : يا بني عامر هل لها من تلاف ؟! هل لذناباها من مُطَّلب ؟! والذي نفس فلانٍ بيده ما تقوَّلها إسماعيليٌّ قط ، وإنها لحق ، فأين رأيكم كان عنكم ! ) . انتهى .

ورواه الطبري في تاريخه :2/84 . وابن كثير في سيرته : 2/158، وحكاه في الغدير : 7/134 عن سيرة ابن هشام 2/32 ، والروض الأنف: 1/264، وبهجة المحافل لعماد الدين العامري : 1/128 ، والسيرة الحلبية : 2/3 ، وسيرة زيني دحلان : 1/302 ، بهامش الحلبية، وحياة محمد لهيكل / 152.

 

حديث قبيلة كندة

رواه ابن كثير في سيرته :2/159، قال : (قال عبد الله بن الأجلح : حدثني أبي عن أشياخ قومه أن كندة قالت له : إن ظفرت تجعل لنا الملك من بعدك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الملك لله يجعله حيث يشاء ، فقالوا لاحاجة لنا فيما جئتنا به ) ! . انتهى .

 

حديث عامر بن الطفيل

وهو شيخ مشايخ قبائل غطفان ، روى قصته ابن كثير أيضاً في سيرته : 4/114، قال : ( عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن جزء بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك ، قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا بين يديه .

فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ، ما تجعل لي إن أسلمت ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لك ما للمسلمين وعليك ماعليهم.

قال عامر : أتجعل لي الأمر إن أسلمت ، من بعدك ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس ذلك لك ، ولا لقومك ، ولكن لك أعنة الخيل .

قال : أنا الآن في أعنة خيل نجد ! إجعل لي الوَبَر ، ولك المدَر .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا .

فلما قفل من عنده قال عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً !

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يمنعك الله .

وفي ص 112 ، قال : ( وكان عامر بن الطفيل قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال: أخيرك بين ثلاث خصال : يكون لك أهل السهل ويكون لي أهل الوبر، وأكون خليفتك من بعدك ، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء !

قال فطعن ( أصيب بالطاعون ) في بيت امرأة ، فقال : أغدة كغدة البعير ، وموت في بيت امرأة من بني فلان ! - وفي رواية في بيت سلولية - ائتوني بفرسي ، فركب ، فمات على ظهر فرسه ! ) . انتهى .

الدليل الثاني

أن بيعة النبي صلى الله عليه وآله للأنصار تضمنت من أولها في مكة ثلاثة شروط :

الأول : أن يحموا النبي صلى الله عليه وآله مما يحمون منه أنفسهم .

الثاني : أن يحموا أهل بيته وذريته مما يحمون منه أولادهم وذراريهم .

الثالث : أن لاينازعوا الأمر أهله !!

وهذا الشرط الأخير دليلٌ واضحٌ على أن مبدأ الإختيار الإلهي للأئمة بعد النبي صلى الله عليه وآله كان مفروغاً عنه من أول الرسالة ، وأن لهذا الأمر أهلاً بعد النبي ، على الأمة أن تطيعهم ! وليس لها أن تختار هي ، ولا أن تنازع أهل الأمر أو أولي الأمر الذين يختارهم الله تعالى لقيادتها بعد نبيه !

وقد وفَى الأنصار بالشرط الأول خير وفاء ، ولكن أكثرهم حنث بالشرطين الأخيرين حنثاً سيئاً مع الأسف !

وقد روت الصحاح هذه الشروط النبوية الثلاثة : ففي صحيح البخاري : 8/122 : ( عن عبادة بن الصامت قال : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره ، وأن لاننازع الأمر أهله ، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا ، لانخاف في الله لومة لائم ) . ورواه مسلم : 6/16، والنسائي : 7/137 ، بعدة روايات ، وعقد باباً بعنوان ( باب البيعة على أن لاننازع الأمر أهله ) . ورواه ابن ماجة : 2/ 957 . وأحمد 5/316 ، وفي ص 415 وقال : ( قال سفيان : زاد بعض الناس : ما لم تروا كفرا
بواحاً ) . ورواه البيهقي في سننه 8/145 .

وفي مجمع الزوائد : 6/49 : عن عبادة بن الصامت أن أسعد بن زرارة قال: يا أيها الناس ، هل تدرون على ما تبايعون محمداً صلى الله عليه وسلم ؟ إنكم تبايعونه أن تحاربوا العرب والعجم ، والجن والأنس ! فقالوا : نحن حرب لمن حارب ، وسلم لمن سالم .

قالوا : يا رسول الله إشترط . قال : تبايعوني على أن: تشهدوا أن لاإله إلا الله، وأني رسول الله ، وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة ، والسمع والطاعة ، وأن لاتنازعوا الأمر أهله، وأن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم .

وعن حسين بن علي قال : جاءت الأنصار تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على العقبة فقال : يا علي قم فبايعهم ، فقال علي: ما أبايعهم يا رسول الله ؟

قال : على أن يطاع الله ولا يعصى ، وعلى أن تمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وذريته ، مما تمنعون منه أنفسكم وذراريكم . انتهى .

ومن الملفت أن مصادرهم روت أن النبي صلى الله عليه وآله ضمَّنَ شروط بيعة الشجرة التاريخية في صلح الحديبية مع المهاجرين والأنصار ، نفس هذا الشرط الذي اشترطه على الأنصار قبل الهجرة ! أن يحموه وأهل بيته وذريته مما يحمون منه أنفسهم وأن لاينازعوا الأمر أهله !

قال النووي في شرح مسلم : 13/2 : قوله : في رواية جابر ورواية معقل بن يسار ( بايعناه يوم الحديبية على أن لانفر ولم نبايعه على الموت ) وفي رواية سلمة أنهم بايعوه يومئذ على الموت ، وهو معنى رواية عبد الله بن زيد بن عاصم . وفى رواية مجاشع بن مسعود البيعة على الهجرة والبيعة على الاسلام والجهاد .

وفي حديث ابن عمر وعبادة: بايعنا على السمع والطاعة وأن لاننازع الأمر أهله .. وفى رواية عن ابن عمر في غير صحيح مسلم البيعة على الصبر .

قال العلماء : هذه الرواية تجمع المعاني كلها ، وتبين مقصود كل الروايات.

ومن الواضح لمن له أدنى خبرة أن الزيادة التي قال عنها أحمد بن حنبل (قال سفيان : زاد بعض الناس : مالم تروا كفراً بواحاً ).. من إضافات أتباع السلطة على الحديث بعد معارضة بني هاشم والأنصار لخلافة أبي بكر وعمر !

وكذلك كل ما في معناها ، كالذي رواه البخاري : 8/ 88 ( إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان ) والبيهقي في سننه : 8/145 .

لأن بيعة الأنصار كانت قبل الهجرة ، ولم يكن فيها استثناء من الطاعة ، ولم تكن مسألة إثرة القرشيين على الأنصار مطروحة أبداً إلا بعد بيعة أبي بكر والمعارضة الشديدة لرئيس الأنصار صاحب السقيفة سعد بن عبادة !

ويلاحظ أن الصحاح القرشية أكثرت من رواية شرط النبي صلى الله عليه وآله على الأنصار أن لاينازعوا الأمر أهله ، لأجل أن تحتج عليهم بأنهم لاسهم لهم في الخلافة القرشية .. ولكنها لم تروِ شرط النبي صلى الله عليه وآله على الأنصار أن يمنعوا أهل بيته وذريته مما يمنعون منه أهليهم ، لأن ذلك في غير مصلحة الخلافة القرشية ، التي هاجمت بيت فاطمة وعلي عليهما السلام ، وأشعلت فيه النار لتحرقه بمن فيه ، إن لم يخرجوا ويبايعوا !

ولاروت شرط النبي عليهم أن لاينازعوا الأمر أهله إلا ما فلت من سذاجة راويه أو صدقه كما رأيت في حديث عبدالله بن عمر ! لأنه شرط في غير مصلحة الذين اغتنموا انشغال بني هاشم بجنازة النبي وسرقوا الأمر من أهله !

وبهذا تعرف الهدف من الروايات المدبجة التي حرفت الحديث من كونه شرطاً نبوياً على المسلمين وحولته الى أمر نبوي للمسلمين بطاعة كل حاكم ! كالتي رواها أحمد في مسنده 5/321 : ( عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله : عليك السمع والطاعة ، في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك ، ولا تنازع الأمر أهله وإن رأيت أنه لك ). انتهى .

ولا يتسع المجال هنا للحديث في هذا الشرط النبوي البليغ ، الذي بدأ به النبي مبكراً فاشترطه بأمر ربه على الأنصار ، ثم اشترطه على المهاجرين.. ودلالاته على الخطة الالهية لمستقبل الاسلام ، وترتيب الامامة بعد النبوة .

الدليل الثالث :

حديث الدار .. وأندر عشيرتك الأقربين

حديث الدار معروف ، فهو مرتبط في مصادر التفسير والسيرة بتفسير قوله تعالى : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) . حيث دل نص الآية على أن الله تعالى أمر رسوله في المرحلة الأولى أن يدعو بني هاشم فقط !

فماذا فعل النبي صلى الله عليه وآله في هذه المرحلة ؟ وهل استمرت مدتها شهوراً ، أو سنين ، حتى نزل الأمر بتوسيع نطاق الدعوة لعموم الناس ؟

وما معنى الأمر الإلهي : أن تكون نبوة الرسول صلى الله عليه وآله أولاً لبني هاشم خاصة ، وبعدها لقريش والعرب والناس عامة ؟

وما معنى أن قريشاً اتخذت قراراً بمحاصرة بني هاشم ، فالتفوا جميعاً حول النبي صلى الله عليه وآله ، مؤمنهم وكافرهم ، وتحملوا الحصار الشامل الذي استمر من السنة السادسة أو السابعة ، إلى السنة الحادية عشرة للبعثة .. ولم يقل أحد منهم آخ ! وما معنى أنه عندما كانت الشدائد تقع على المسلمين ، لم ينهض بحملها إلا بنو هاشم ؟

فقد انهزم المسلمون جميعاً في أحد ، ولم يثبت غير بني هاشم !

ثم تحداهم جميعاً فارس الأحزاب يوم الخندق ، فلم يجرؤ أحد على مبارزته غير بني هاشم !

ثم انهزموا في حنين وهم عشرة آلاف .. فلم يثبت غير بني هاشم !!

إنها حقائق وظواهر تفسر الحديث الذي روته مصادرنا قال فيه النبي صلى الله عليه وآله : ( بعثت إلى أهل بيتي خاصة ، وإلى الناس عامة ) .

كما تدل آية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) وما ورد في تفسيرها ، على أن إنذار بني هاشم كان مبرمجاً من الله تعالى .. وأن تعيين وصي النبي صلى الله عليه وآله وخليفته من بينهم ، كان ضمن ذلك البرنامج ..

فقد قال السيوطي في الدر المنثور : 5/97 :

( وأخرج ابن إسحق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي في الدلائل ، من طرقٍ ، عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنذر عشيرتك الأقربين ، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا علي إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت أني مهما أبادؤهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ عليها حتى جاء جبريل فقال : يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك ، فاصنع لي صاعاً من طعام ، واجعل عليه رجل شاة ، واجعل لنا عساً من لبن ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب ، حتى أكلمهم وأبلغ ما أمرت به .

ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه ، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب ، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به ، فلما وضعته تناول النبي صلى الله عليه وسلم بضعة من اللحم فشقها بأسنانه ، ثم ألقاها في نواحي الصحفة ، ثم قال : كلوا بسم الله ، فأكل القوم حتى نهلوا عنه ، ما ترى إلا آثار أصابعهم !

والله إن كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم .

ثم قال : إسق القوم يا علي ، فجئتهم بذلك العس فشربوا منه حتى رووا جميعاً ! وأيم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله ! فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام ، فقال : لقد سحركم صاحبكم ! فتفرق القوم ولم يكلمهم النبي صلى الله عليه وسلم .

فلما كان الغد قال : يا علي إن هذا الرجل قد سبقني إلى ما سمعت من القول ، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم ، فعد لنا بمثل الذي صنعت بالأمس من الطعام والشراب ، ثم اجمعهم لي ، ففعلت ثم جمعتهم ، ثم دعاني بالطعام فقربته، ففعل كما فعل بالأمس ، فأكلوا وشربوا حتى نهلوا ، ثم تكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم أحداً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على أمري هذا ؟

فقلت وأنا أحدثهم سناًّ : إنه أنا ، فقام القوم يضحكون ) . انتهى .

ثم رواها السيوطي بسند آخر عن ابن مردويه عن البراء بن عازب ، قال : ( لما نزلت هذه الآية : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ، وهم يومئذ أربعون رجلاً . . . ) إلخ..

ولكن السيوطي بتر الحديث هنا ، ولم يذكر بقية كلام النبي صلى الله عليه وآله . . وهو أسلوب دأب رواة خلافة قريش على ارتكابه في حديث الدار ، لأن بقية الحديث تقول إن الله أمر رسوله من ذلك اليوم أن يختار وزيره وخليفته من عشيرته الأقربين !

قال الأميني في الغدير : 1/ 207:

( وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتى يتبين الرشد من الغي. قال في تاريخه: 2/217 من الطبعة الأولى : ( إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيكم يوازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت وإني لأحدثهم سناً وأرمصهم عيناً وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه .

فأخذ برقبتي ثم قال : إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا . قال : فقام القوم يضحكون ، ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع ) .

وقال الأميني : 2/279 : وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفر الإسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي ، المتوفى 240 ، في كتابه نقض العثمانية ، وقال : إنه روي في الخبر الصحيح .

ورواه الفقيه برهان الدين في أنباء نجباء الأبناء 46- 48 . وابن الأثير في الكامل : 2/24 . وأبو الفداء عماد الدين الدمشقي في تاريخه : 1/116 . وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض: 3/37 ( وبتر آخره ) وقال : ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح . والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره - 390 . والحافظ السيوطي في جمع الجوامع ، كما في ترتيبه : 6/392 . وفي / 397 ، عن الحفاظ الستة : ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وأبي نعيم، والبيهقي . وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : 3/254 ) . انتهى كلام صاحب الغدير .

ثم شكا رحمه الله من الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش ، ومنهم الطبري الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم في تاريخه ، ولكنه أبهم كلام النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام فقال : ثم قال : إن هذا أخي ، وكذا وكذا !! وتبعه على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية 3/40 وفي تفسيره 3/351 !

وقال في هامش بحار الأنوار : 32/272 :

( وناهيك من ذلك مؤاخاته مع رسول الله صلى الله عليه وآله بأمر من الله عز وجل في بدء الإسلام حين نزل قوله تعالى : وأنذر عشيرتك الأقربين .

راجع : تاريخ الطبري : 2/321 ، كامل ابن الأثير : 2/24 ، تاريخ أبي الفداء : 1/11، والنهج الحديدي : 3/254 ، ومسند الإمام ابن حنبل : 1/159 ، وجمع الجوامع ترتيبه : 6/408 ، وكنز العمال : 6/401 .

وهذه المؤاخاة مع أنها كانت بأمر الله عز وجل ، إنما تحققت بصورة البيعة والمعاهدة ( الحلف ) ولم يكن للنبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ أخاً ووزيراً وصاحباً وخليفة غيره ، ولا لعلي أن يقصر في مؤازرته ونصرته والنصح له ولدينه، كمؤازرة هارون لموسى على ما حكاه الله عز وجل في القرآن الكريم.

ولذلك ترى رسول الله صلى الله عليه وآله حين يؤاخي بعد ذلك المجلس بين المهاجرين بمكة ، فيؤاخي بين كل رجل وشقيقه وشكله : يؤاخي بين عمر وأبي بكر ، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف ، وبين الزبير وعبد الله بن مسعود ، وبين عبيدة بن الحارث وبلال ، وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص ، وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة ، وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة الكلبي. راجع : ( سيرة ابن هشام : 1/504 . المحبر : 71 /70 . البلاذري : 1/270 ) ، يقول لعلي عليه السلام : والذي بعثني بالحق نبياً ما أخرتك إلا لنفسي ، فأنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لانبي بعدي ، وأنت أخي ووارثي ، وأنت معي في قصري في الجنة .

ثم قال له : وإذا ذاكرك أحد فقل : أنا عبد الله وأخو رسوله ، ولا يدعيها بعدي إلا كاذب مفتر . ( الرياض النضرة : 2/168 . منتخب كنز العمال : 5/45 و46 ) .

ولذلك نفسه تراه صلى الله عليه وآله حينما عرض نفسه على القبائل فلم يرفعوا إليه رؤوسهم ، ثم عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة قال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس بن عبد الله بن سلمة الخير بن قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة : والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ، ثم قال لرسول الله : أرأيت إن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟

قال : الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء . قال : فقال له : أفنهدف نحورنا للعرب دونك ، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لاحاجة لنا بأمرك ، فأبوا عليه، ( راجع : سيرة ابن هشام : 1/424 ، الروض الأنف : 1/264، بهجة المحافل : 1/128، سيرة زيني دحلان : 1/302 ، السيرة الحلبية : 2/3 ) .

فلولا أنه صلى الله عليه وآله كان تعاهد مع علي عليه السلام بالخلافة والوصاية بأمر من الله عز وجل قبل ذلك ، لما ردهم بهذا الكلام المؤيس ، وهو بحاجة ماسة إلى نصرة أمثالهم ) . انتهى .

وفي دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي : 1/15 :

( وروينا أيضاً عن علي بن أبي طالب صلى الله عليه أنه قال : لما أنزل الله عز وجل : وأنذر عشيرتك الأقربين ، جمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني عبد المطلب على فخذ شاة وقدح من لبن ، وإن فيهم يومئذ عشرة ليس منهم رجل إلا أن يأكل الجذعة ويشرب الفرق ، وهم بضع وأربعون رجلاً ، فأكلوا حتى صدروا وشربوا حتى ارتووا ، وفيهم يومئذ أبو لهب ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله : يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها ، إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له وصياً ووزيراً ووارثاً وأخاً وولياً ، فأيكم يكون وصيي ووارثي ووليي وأخي ووزيري ؟

فسكتوا ، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلاً رجلاً ، ليس منهم أحد يقبله ، حتى لم يبق منهم أحد غيري ، وأنا يومئذ من أحدثهم سناً ، فعرض علي فقلت : أنا يا رسول الله . فقال : نعم ، أنت يا علي .

فلما انصرفوا قال لهم أبو لهب : لو لم تستدلوا على سحر صاحبكم إلا بما رأيتم ، أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فشبعتم ورويتم ! وجعلوا يهزؤون ويقولون لأبي طالب : قد قدم ابنك اليوم عليك ) . انتهى .

ولا بد أن تكون حادثة دعوة النبي صلى الله عليه وآله لبني هاشم قد شاعت في قريش ، ثم في العرب ، فقالوا إن النبي الجديد جمع عشيرته بأمر ربه كما يزعم ، ودعاهم إلى دينه ، وطلب منهم شخصاً يكون وزيره وخليفته من بعده ، فأجابه ابن عمه الشاب الغلام علي .. فاتخذه وزيراً وخليفة !

وهنا ينبغي أن ننبه هنا على أمرٍ مهم.. هو أن مدوني السيرة النبوية الشريفة طمسوا مرحلة دعوة بني هاشم وحذفوها من السيرة ، وكأنه لايوجد في القرآن آية : ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) !

واخترعوا بدلها مرحلة بيت الأرقم ، وما قبل بيت الأرقم .. وما بعد بيت الأرقم.. ! وأكثروا فيه من الروايات غير المعقولة !

* * *

فهذه الأدلة الثلاث التي روت نصوصها المصادر الصحيحة ، لاتدع مجالاً للشك في أن ولاية الأمر بعد النبي صلى الله عليه وآله كانت مطروحةً ومنظورةً للناس ، من أول بعثته إلى آخر حياته صلى الله عليه وآله . وأن جميع الناس كانوا يعرفون أن مشروع النبوة ودعوة الناس إليها ، هو مشروع تكوين دولة يرأسها النبي صلى الله عليه وآله ، وتحتاج إلى خليفة له بعده .

ولذلك كانت القبائل ترى في نبوته بحسابها المادي ، مشروعاً مغرياً ، وتحاول أن تأخذ منه وعداً بأن يكون لها الأمر من بعده ، ومنها قبائل يمانية وعدنانية ، وزعيم قبائل نجد المتنقلة .

بل يمكننا بملاحظة هذا الواقع أن نفترض أن يكون في المسلمين الأوائل منافقون جذبهم هذا المشروع المغري وهذه الحركة النبوية التي يؤمل لها النجاح وأن يكون الواحد منهم طمع أن يجد له موقعاً فيها ينقله من ذل الهامش القبلي إلى مركز قيادي مع هذا التنبئ من بني هاشم .

وبهذا فقط نستطيع أن نفسر ذكر المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، في الآية 31 من سورة المدثر ، التي نزلت في مكة !!

أمام هذه الحقائق الصارخة ..كيف يصدق عاقل دعوى حكومات زعماء قريش ، من أنهم لم يطرحوا مسألة الخلافة مع النبي صلى الله عليه وآله أبداً أبداً ! حتى بصيغة سؤال عن الحكم الشرعي وواجب المسلمين من بعده !!

فهل يقبل عاقل أن المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وآله عن مستقبل الأمة ، ورووا عنه الأحاديث في كل ما يكون بعده ، إلا في أمر الخلافة ، وإلا في تعيين الإمام الشرعي من بعده ؟!!

* * *