الصفحة 31


 

واسحب الذيل وبادر فوتها * وانتهزها إن عمرا ينتهز (1)
أعطه مصرا وزده مثلها * إنما مصر لمن عز فبز (2)
واترك الحرص عليها ضلة * واشبب النار لمغرور يكز
إن مصرا لعلي ولنا * تغلب اليوم عليها من عجز

فلما سمع معاوية قول عتبة أرسل إلى عمرو فأعطاه مصرا فقال له عمرو: لي الله عليك بذلك شاهد. قال له معاوية: نعم لك الله علي بذلك لئن فتح الله علينا الكوفة.

قال عمرو: والله على ما نقول وكيل. فخرج عمرو من عنده فقال له إبناه: ما صنعت؟

قال: أعطانا مصر. قالا: وما مصر في ملك العرب؟!. قال: لا أشبع الله بطونكما إن لم يشبعكما مصر، وكتب معاوية على أن لا ينقض شرط طاعة. وكتب عمرو على أن لا ينقض طاعة شرطا. فكايد كل واحد منهما صاحبه.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 20 - 24، كامل المبرد 1 ص 221، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 136 - 138، تاريخ اليعقوبي 2 ص 161 - 163، رغبة الآمل من كتاب الكامل 3 ص 108، قصص العرب 2 ص 362.

 

15 - عمار بن ياسر وعمرو:

اجتمع عمار بن ياسر مع عمرو بن العاص في المعسكر يوم صفين، فنزل عمار والذين معه فاحتبوا بحمايل سيوفهم فتشهد عمرو بن العاص (يعني قال: أشهد أن لا إله إلا الله) فقال عمار: اسكت فقد تركتها في حياة محمد ومن بعده، ونحن أحق بها منك، فإن شئت كانت خصومة فيدفع حقنا باطلك، وإن شئت كانت خطبة فنحن أعلم بفصل الخطاب منك، وإن شئت أخبرتك بكلمة تفصل بيننا وبينك، وتكفرك قبل القيام، و تشهد بها على نفسك، ولا تستطيع أن تكذبني. قال عمرو: يا أبا اليقظان؟ ليس لهذا جئت إنما جئت لأني رأيتك أطوع أهل هذا العسكر فيهم، أذكرك الله إلا كففت سلاحهم، وحقنت دمائهم وحرضت على ذلك فعلام تقاتلنا؟! أو لسنا نعبد إلها واحدا؟

ونصلي قبلتكم، وندعو ودعوتكم؟ ونقرأ كتابكم؟ ونؤمن برسولكم؟ قال عمار: الحمد

____________

(1) يقال: جاء يسحب ذيله: أي يمشي متبخترا انتهز: ابتدر واغتنم.

(2) بزه غلبه. بز الشيئ منه: أخذه بجفاء وقهر.
 


الصفحة 32


 

لله الذي أخرجها من فيك إنها لي ولأصحابي القبلة، والدين وعبادة الرحمن، والنبي والكتاب، من دونك ودون أصحابك، الحمد لله الذي قررك لنا بذلك دونك ودون أصحابك، وجعلك ضالا مضلا لا تعلم هاد أنت أم ضال، وجعلك أعمى، وسأخبرك على ما قاتلتك عليه أنت وأصحابك، أمرني رسول الله أن أقاتل الناكثين وقد فعلت، و أمرني أن أقاتل القاسطين فأنتم هم، وأما المارقين فما أدري أدركهم أم لا.

أيها الأبتر؟ ألست تعلم أن رسول الله قال لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه، أللهم وال من والاه، وعاد من عاداه؟! وأنا مولى الله ورسوله وعلي من بعده وليس لك مولى. قال له عمرو: لم تشتمني يا أبا اليقظان؟ ولست أشتمك، قال عمار: وبم تشتمني؟ أتستطيع أن تقول: إني عصيت الله ورسوله يوما قط؟ قال له عمرو: إن فيك لمسبات سوى ذلك. قال عمار: إن الكريم من أكرمه الله، كنت وضيعا فرفعني الله، ومملوكا فأعتقني الله، وضعيفا فقواني الله، وفقيرا فأغناني الله. وقال له عمرو: فما ترى في قتل عثمان؟ قال فتح لكم باب كل سوء. قال عمرو: فعلي قتله. قال عمار: بل الله رب علي قتله. (1)

وروى نصر في كتابه ص 165 في حديث: فلما دنا عمار بن ياسر رحمه الله بصفين من عمرو بن العاص فقال: يا عمرو؟ بعت دينك بمصر، تبا لك، وطال ما بغيت الاسلام عوجا. ورواه سبط ابن الجوزي في تذكرته ص 53 وزاد: والله ما قصدك وقصد عدو الله ابن عدو الله بالتعلل بدم عثمان إلا الدنيا.

 

16 - أبو نوح الحميري وعمرو:

أتى أبو نوح الحميري الكلاعي يوم صفين مع ذي الكلاع إلى عمرو بن العاص وهو عند معاوية وحوله الناس، وعبد الله بن عمر يحرض الناس على الحرب، فلما وقفا على القوم قال ذو الكلاع لعمرو: يا أبا عبد الله؟ هل لك في رجل ناصح لبيب شفيق يخبرك عن عمار بن ياسر لا يكذبك؟ قال عمرو: ومن هو؟ قال ذو الكلاع: ابن عمي هذا و هو من أهل الكوفة. فقال عمرو: إني لأرى عليك سيما أبي تراب. قال أبو نوح: علي

____________

(1) كتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 176، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 373.

 


الصفحة 33


 

سيما محمد صلى الله عليه وأصحابه وعليك سيما أبي جهل وسيما فرعون.

كتاب صفين ص 174، شرح النهج لابن أبي الحديد.

 

17 - أبو الأسود الدؤلي وعمرو:

قدم أبو الأسود (1) الدؤلي على معاوية بعد مقتل علي رضي الله عنه وقد استقامت لمعاوية البلاد، فأدنى مجلسه، وأعظم جائزته، فحسده عمرو بن العاص فقدم على معاوية فاستأذن عليه في غير وقت الإذن له فقال له معاوية: يا أبا عبد الله؟ ما أعجلك قبل وقت الإذن فقال: يا أمير المؤمنين؟ أتيتك لأمر قد أوجعني وارقني وغاظني، وهو من بعد ذلك نصيحة لأمير المؤمنين. قال: وما ذاك؟ يا عمرو؟ قال: يا أمير المؤمنين؟ إن أبا الأسود رجل مفوه له عقل وأدب، من مثله للكلام يذكر؟ وقد أذاع بمصرك من الذكر لعلي، والبغض لعدوه وقد خشيت عليك أن يترى (2) في ذلك حتى يؤخذ لعنقك، وقد رأيت أن ترسل إليه، وترهبه، وترعبه، وتسبره، وتخبره، فإنك من مسألته على إحدى خبرتين، إما أن يبدي لك صفحته فتعرف مقالته، وإما أن يستقبلك فيقول ما ليس من رأيه، فيحتمل ذلك عنه فيكون لك في ذلك عاقبة صلاح إنشاء الله تعالى. فقال له معاوية: إني امرؤ والله لقل ما تركت رأيا لرأي امرئ قط إلا كنت فيه بين أن أرى ما أكره وبين بين، ولكن إن أرسلت إليه فسألته فخرج من مساءلتي بأمر لا أجد عليه مقدما ويملأني غيظا لمعرفتي بما يريد، وإن الأمر فيه أن يقبل ما أبدى من لفظه فليس لنا أن نشرح عن صدره وندع ما وراء ذلك يذهب جانبا. فقال عمرو: أنا صاحبك يوم رفع المصاحف بصفين، وقد عرفت رأي ولست أرى خلافي و ما آلوك خيرا، فأرسل إليه ولا تفرش مهاد العجز فتتخذه وطيئا.

فأرسل معاوية إلى أبي الأسود فجاء حتى دخل عليه فكان ثالثا فرحب به معاوية وقال: يا أبا الأسود؟ خلوت أنا وعمرو فتناجزنا (3) في أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقد أحببت أن أكون من رأيك على يقين. قال: سل يا أمير المؤمنين؟ عما بدا لك. فقال: يا

____________

(1) ظالم بن عمرو التابعي الكبير المتوفى سنة 69 وهو ابن خمس وثمانين سنة.

(2) ترى تريأ في الأمر: تراخى فيه.

(3) ناجزه: خاصمه. والمناجزة في الحرب المبارزة.

 


الصفحة 34


 

أبا الأسود؟ أيهم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فقال: أشدهم حبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وأوقاهم له بنفسه. فنظر معاوية إلى عمرو وحرك رأسه، ثم تمادى في مسألته فقال:

يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أفضلهم عندك؟ قال أتقاهم لربه وأشدهم خوفا لدينه. فاغتاظ معاوية على عمرو، ثم قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أعلم؟ قال: أقولهم للصواب وأفصلهم للخطاب. قال: يا أبا الأسود؟ فأيهم كان أشجع؟ قال: أعظمهم بلاء، وأحسنهم عناء، وأصبرهم على اللقاء. قال: فأيهم كان أوثق عنده؟ قال من أوصى إليه فيما بعده. قال:

فأيهم كان للنبي صلى الله عليه وآله صديقا؟ قال: أولهم به تصديقا. فأقبل معاوية على عمرو و قال: لا جزاك الله خيرا، هل تستطيع أن ترد مما قال شيئا؟ فقال أبو الأسود: إني قد عرفت من أين أتيت، فهل تأذن لي فيه؟ فقال: نعم. فقل ما بدا لك. فقال يا أمير المؤمنين، إن هذا الذي ترى هجا رسول الله صلى الله عليه وآله بأبيات من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أللهم؟

إني لا أحسن أن أقول الشعر فالعن عمرا بكل بيت لعنة. أفتراه بعد هذا نائلا فلاحا؟

أو مدركا رباحا؟ وأيم الله إن امرءا لم يعرف إلا بسهم أجيل عليه فجال لحقيق أن يكون كليل اللسان ضعيف الجنان، مستشعرا للاستكانة، مقارنا للذل والمهانة، غير ولوج فيما بين الرجال، ولا ناظر في تسطير المقال، إن قالت الرجال أصغى، وإن قامت الكرام أقعى (1) متعيص لدينه لعظيم دينه، غير ناظر في أبهة الكرام ولا منازع لهم، ثم لم يزل في دجة ظلماء مع قلة حياء، يعامل الناس بالمكر والخداع، والمكر والخداع في النار. فقال عمرو: يا أخا بني الدؤل؟ والله إنك لأنت الذليل القليل، ولولا ما تمت به من حسب كنانة لاختطفتك من حولك اختطاف الأجدل الحدية (2) غير أنك بهم تطول، وبهم تصول، فلقد استطبت مع هذا لسانا قوالا، سيصير عليك وبالا، و أيم الله إنك لأعدى الناس لأمير المؤمنين قديما وحديثا، وما كنت قط بأشد عداوة له منك الساعة، وإنك لتوالي عدوه، وتعادي وليه، وتبغيه الغوائل، ولئن أطاعني ليقطعن عنه لسانك، وليخرجن من رأسك شيطانك، فأنت العدو المطرق له إطراق الأفعوان (3) في أصل الشجرة.

____________

(1) أقعى الكلب: جلس على استه.

(2) الأجدل: الصقر. والحداة بكسر الحاء: طائر من الجوارح. والعامة تسميه الحدية.

(3) الأفعوان بضم الأول: ذكر الأفعى.

 


الصفحة 35


 

فتكلم معاوية فقال: يا أبا الأسود؟ أغرقت في النزع ولم تدع رجعة لصلحك. و قال لعمرو: فلم تغرق كما أغرقت ولم تبلغ ما بلغت، غير أنه كان منه الابتداء والاعتداء، والباغي أظلم، والثالث أحلم، فانصرفا عن هذا القول إلى غيره وقوما غير مطرودين، فقام عمرو وهو يقول:

لعمري لقد أعيى القرون التي مضت * لغش ثوى بين الفؤاد كمين

وقام أبو الأسود وهو يقول:

ألا إن عمرا رام ليث خفية(1) * وكيف ينال الذئب ليث عرين

تاريخ ابن عساكر 7 ص 104 - 106.

 

18 - حديث أبي جعفر وزيد:

قال أبو جعفر وزيد بن الحسن: طلب معاوية إلى عمرو بن العاص يوم صفين أن يسوي صفوف أهل الشام فقال له عمرو: على أن لي حكمي إن قتل الله ابن أبي طالب؟

واستوسقت لك البلاد. فقال: أليس حكمك في مصر؟ قال: وهل مصر تكون عوضا عن الجنة؟ وقتل ابن أبي طالب ثمنا لعذاب النار الذي لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون؟

فقال معاوية: إن لك حكمك أبا عبد الله؟ إن قتل ابن أبي طالب، رويدا لا يسمع أهل الشام كلامك. فقال لهم عمرو: يا معشر أهل الشام؟ سووا صفوفكم؟ أعيروا ربكم جماجمكم، واستعينوا بالله إلهكم، وجاهدوا عدو الله وعدوكم، واقتلوهم قتلهم الله وأدبارهم، واصبروا إن الأرض يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 123، شرح ابن أبي الحديد.

هذا أكبر كلمة تدل على ضئولة الرجل في دينه لأنها تنم عن عرفانه بحق أمير المؤمنين عليه السلام ومغبة أمر من ناواه ومع ذلك فهو يحرض الناس على قتاله و يموه عليهم، وهي ترد قول من يبرر عمله باجتهاده أو بعدله.

 

19 - عمرو وابن أخيه:

كان لعمرو بن العاص ابن أخ (2) أريب من بني سهم جاءه من مصر فقال له: ألا

____________

(1) الخفية: الغيضة الملتفة.

(2) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ابن عم.

 


الصفحة 36


 

تخبرني يا عمرو بأي رأي تعيش في قريش؟ أعطيت دينك، وتمنيت دنيا غيرك، أترى أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ وتراها إن صارت إلى معاوية لا يأخذها بالحرف الذي قدمه في الكتاب؟ (1) فقال عمرو: يا بن أخي إن الأمر لله دون علي ومعاوية. فقال الفتى:

ألا يا هند أخت بني زياد * رمي عمرو بداهية البلاد
رمي عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر محشي الكباد (2)
له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفوائد
فشرط في الكتاب عليه حرفا * يناديه بخدعته المنادي
وأثبت مثله عمرو عليه * كلا المرأين حية بطن وادي
ألا يا عمرو؟ ما أحرزت مصرا * وما ملت الغداة إلى الرشاد
وبعت الدين بالدنيا خسارا * فأنت بذاك من شر العباد
فلو كنت الغداة أخذت مصرا * ولكن دونها خرط القتاد
وفدت إلى معاوية بن حرب * فكنت بها كوافد قوم عاد
وأعطيت الذي أعطيت منها * بطرس فيه نضح من مداد
ألم تعرف أبا حسن عليا * وما نالت يداه من الأعادي؟؟!!
عدلت به معاوية بن حرب * فيا بعد البياض من السواد
ويا بعد الأصابع من سهيل * ويا بعد الصلاح من الفساد
أتأمن أن تراه على خدب؟ * يحث الخيل بالاسل الخداد (3)
ينادي بالنزال وأنت منه * قريب فانظرن من ذا تعادي

فقال عمرو: يا بن أخي؟ لو كنت مع علي وسعني بيتي ولكن الآن مع معاوية.

فقال له الفتى: إنك إن لم ترد معاوية لم يردك. ولكنك تريد دنياه ويريد دينك.

وبلغ معاوية قول الفتى، فطلبه فهرب فلحق فحدثه بأمر عمرو ومعاوية. قال

____________

(1) يعني كتابا كتبه معاوية لعمرو بمصر وجعلها طعمة له.

(2) يعني معاوية: يقال في النسبة إلى عبد شمس: عبشمى. حشا حشوا: ملا. احتشى: امتلاء.

(3) خدب بالكسر وتشديد الموحدة: سنام البعير الضخم. الأسل: الرماح.

 


الصفحة 37


 

فسر ذلك عليا وقربه قال: وغضب مروان وقال: ما بالي لا أشترى كما اشتري عمرو؟!

فقال معاوية: إنما يشترى الرجال لك. قال: فلما بلغ عليا ما صنع معاوية وعمرو قال:

يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا
يسترق السمع ويغشي البصرا * ما كان يرضى أحمد لو أخبرا
أن يقرنوا وصيه والأبترا * شاني الرسول واللعين الأخزرا (1)
كلاهما في جنده قد عسكرا * قد باع هذا دينه فأفجرا
من ذا بدنيا بيعه قد خسرا * بملك مصر إن أصاب الظفرا
إني إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا
قدم لوائي لا تؤخر حذرا * لن ينفع الحذار مما قدرا
لما رأيت الموت موتا أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا
حي يمان يعظمون الخطرا * قرن إذا ناطح قرنا كسرا
قل لابن حرب لا تدب الحمرا * أرود قليلا أبد منك الضجرا (2)
لا تحسبني يا بن حرب عمرا * وسل بنا بدرا معا وخيبرا
كانت قريش يوم بدر جزرا * إذ وردوا الأمر فذموا الصدرا (3)
لو أن عندي يا بن حرب جعفرا * أو حمزة القرم الهمام الأزهرا
رأت قريش نجم ليل ظهرا

الإمامة والسياسة 1 ص 84، كتاب صفين لابن مزاحم ص 24، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 138.

 

20 - غانمة بنت غانم وعمرو:

بلغ غانمة بنت غانم سب معاوية وعمرو بن العاص بني هاشم وهي بمكة قالت:

____________

(1) الخزر: ضيق العين. الخزرة بالضم: انقلاب الحدقة نحو اللحاظ وهو أقبح الحول.

(2) أدب الصبى: صيره. أرود في السير: رفق وتمهل. الضجر بفتح الفاء والعين. القلق من غم وضيق نفس.

(3) الجزرة. الشاة التي تذبح ج جزر. بالفتح وقد تكسر. الصدر، بالتحريك: رجوع المسافر من مقصده والشاربة من الورد.

 


الصفحة 38


 

يا معشر قريش؟ والله ما معاوية بأمير المؤمنين ولا هو كما يزعم، هو والله شانئ رسول الله صلى الله عليه وآله إني آتية معاوية وقائلة له بما يعرق منه جبينه ويكثر منه عويله. فكتب عامل معاوية إليه بذلك فلما بلغه أن غانمة قد قربت منه أمر بدار ضيافة فنظفت و ألقي فيها فرش، فلما قربت من المدينة استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة أتت دار أخيها عمرو بن غانم فقال لها يزيد: إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تصيري إلى دار ضيافته وكان لا تعرفه فقالت: من أنت؟ كلأك الله. قال: يزيد بن معاوية. قالت: فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد. فتعمر لون يزيد فأتى أباه فأخبره فقال : هي أسن قريش وأعظمهم. فقال يزيد: كم تعد لها يا أمير المؤمنين؟ قال: كانت تعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أربعمائة عام وهي من بقية الكرام، فلما كان من الغد أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: على المؤمنين السلام وعلى الكافرين الهوان. ثم قالت: من منكم ابن العاص؟ (1) قال عمرو: ها أنا ذا. فقالت: وأنت تسب قريشا وبني هاشم؟

وأنت أهل السب وفيك السب وإليك يعود السب يا عمرو؟ إني والله لعارفة بعيوبك وعيوب أمك وإني أذكر لك ذلك عيبا عيبا: ولدت من أمة سوداء مجنونة حمقاء، تبول من قيام، وتعلوها اللئام، إذا لامسها الفحل كانت نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا، وأما أنت فقد رأيتك غاويا غير راشد، ومفسدا غير صالح، ولقد رأيت فحل زوجتك على فراشك فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية؟ فما كنت في خير ولا ربيت في خير، فمالك ولبني هاشم؟ أنساء بني أمية كنسائهم ؟! الحديث. وهو طويل وقد حذفنا من أوله مقدار ما ذكر، راجع [المحاسن والأضداد] للجاحظ ص 102 - 104، وفي ط 118 - 121 و [المحاسن والمساوي] للبيهقي 1 ص 69 - 71.

هذه حقيقة الرجل ونفسياته وروحياته منذ العهد الجاهلي وفي دور النبوة وبعده إلى ما أثاره من فتن إلتفت بها حلقتا البطان في أيام أمير المؤمنين عليه السلام يوم تحيزه إلى ابن آكلة الأكباد لدحض الحق وأهله، وما كان يتحرى فيها من الغوائل وبعدها إلى أن، اصطلمه القدر الحاتم، واخترمته منيته يوم خابت أمنيته

____________

(1) في لفظ الجاحظ: أفيكم عمرو بن العاص؟.

 


الصفحة 39


 

فطفق يتغلل بين أطباق الجحيم وتضربه زبانيتها بمقامع من حديد، ولعلنا ألمسناك هذه الحقيقة باليد فلن تجد في تضاعيف هاتيك الأعوام له مأثرة يتبجح بها ابن أنثى خلا ما تقوله زبائنه من أعداء أهل البيت عليهم السلام، وما عسى أن يكون مقيلها من ظل الحق؟ بعد ما أثبتناه من الحقيقة الراهنة، ووقفنا عليه من أحوال رواة السوء و شناشنهم في افتعال المدايح للزعانفة المؤتلفة معهم في النزعات الباطلة.

وأما تأميره في غزوة ذات السلاسل فلا يجديه نفعا بعد ما علمناه من أنه كان يتظاهر بالاسلام ويبطن النفاق في طيلة حياته، وما كان الصالح العام والحكمة الإلهية يحدوان رسول الله صلى الله عليه وآله على العمل بالبواطن، وإنما يجاري القوم مجاري ظواهرهم لأنهم حديثو عهد بالجاهلية، والاسلام لما يتحكم في أفئدتهم، فلو كاشفهم على السرائر، لانتكصوا على أعقابهم، وتقهقروا إلى جاهليتهم الأولى، فكان يسايرهم على هذا الظاهر لعلهم يتمرنوا باعتناق الدين، ويأخذ من قلوبهم محله، ولذلك أنه صلى الله عليه وآله كان يعلم بنفاق كثير من أصحابه كما أخبره الله تعالى بقوله: و من أهل المدينة مردوا على النفاق. إلى غيرها من الآيات الكريمة، لكنه يستر عليهم رعاية لما أبرمه حذار الانتكاث، فكان تأمير عمرو مع علمه بنفاقه لتلك الحكمة البالغة غير ملازم لحسن حاله على ما عرفته من كلام مولانا أمير المؤمنين من أنه صلى الله عليه وآله لما عقد له الراية شرط عليه شرطا قد أخلفه.

ويعرب عن حقيقة ما نرتأيه قول أبي عمرو وغيره: إن عمرو بن العاص ادعى على أهل الاسكندرية أنهم قد نقضوا العهد الذي كان عاهدهم، فعهد إليها فحارب أهلها وافتتحها، وقتل المقاتلة، وسبى الذرية، فنقم ذلك عليه عثمان، ولم يصح عنده نقضهم العهد، فأمر برد السبي الذي سبوا من القرى إلى مواضعهم، وعزل عمروا عن مصر وولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري مصرا بدله، فكان ذلك بدو الشر بين عمرو بن العاص وعثمان بن عفان، فلما بدا بينهما من الشر ما بدا اعتزل عمرو في ناحية فلسطين بأهله، وكان يأتي المدينة أحيانا ويطعن على عثمان (1) و

____________

(1) الاستيعاب 2 ص 435، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 112.

 


الصفحة 40


 

ولى عمر عمرو بن العاص على مصر وبقي واليا عليها إلى أول خلافة عثمان، سعر عليه الدنيا نارا، ولما أتاه قتله قال: أنا أبو عبد الله إذا نكأت (1) قرحة أدميتها.

ثم إن عثمان عزله عن الخراج واستعمله على الصلاة، واستعمل على الخراج عبد الله ابن سعد بن أبي سرح، ثم جمعهما لعبد الله بن سعد وعزل عمروا، فلما قدم عمرو المدينة جعل يطعن على عثمان فأرسل إليه يوما عثمان خاليا به. فقال: يا بن النابغة؟ ما أسرع ما قمل جربان (2) جبتك؟ إنما عهدك بالعمل عام أول، أتطعن علي وتأتيني بوجه وتذهب عني بالآخر؟ والله لولا أكلة ما فعلت ذلك. فقال عمرو: إن كثيرا مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم باطل، فاتق الله يا أمير المؤمنين؟ في رعيتك. فقال عثمان:

والله لقد استعملتك على ظلعك (3) وكثرة القالة فيك. فقال عمرو: قد كنت عاملا لعمر ابن الخطاب ففارقني وهو عني راض. فقال عثمان: وأنا والله لو أخذتك بما أخذك به عمر لاستقمت، ولكني لنت لك فاجترأت علي. فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه يأتي عليا مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي الزبير مرة فيؤلبه على عثمان. ويأتي طلحة مرة فيؤلبه على عثمان. ويعترض الحاج فيخبرهم بما أحدث عثمان.

ولما قصد الثوار إلى المدينة أخرج لهم عثمان عليا فكلمهم فرجعوا عنه وخطب عثمان الناس فقال: إن هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا إلى بلادهم، فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد:

إتق الله يا عثمان؟ فإنك قد ركبت نهابير (4) وركبناها معك، فتب إلى الله نتب، فناداه عثمان فقال: وإنك هناك يا بن النابغة؟ قملت والله جبتك منذ تركتك من العمل. و في لفظ البلاذري في الأنساب: يا بن النابغة؟ وإنك ممن تؤلب علي الطغام لأني عزلتك عن مصر.

فلما كان حصر عثمان الأول خرج عمرو من المدينة حتى إنتهت إلى أرض له

____________

(1) نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ.

(2) جربان الجبة بضم الميم والراء وكسرهما وتشديد الباء جيبها.

(3) أي على ما فيك من عيب وميل. والظلع في الأصل غمز البعير في مشيه.

(4) جمع نهبورة بالضم: المهلكة.

 


الصفحة 41


 

بفلسطين يقال لها: السبع. فنزل بها، وكان يقول: أنا أبو عبد الله إذا حككت قرحة نكأتها، والله إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه. وفي لفظ البلاذري: وجعل يحرض الناس على عثمان حتى رعاة الغنم. فبينما هو بقصره بفلسطين إذ مر به راكب من المدينة فسأله عمرو عن عثمان فقال: تركته محصورا. قال عمرو: أنا أبو عبد الله قد يضرط العير والمكواة في النار، فلما بلغه مقتل عثمان قال عمرو: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع، من يلي هذا الأمر من بعده؟ إن يله طلحة فهو فتى العرب سيبا، وإن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق (1) وهو أكره من يليه إلي.

فلما بلغه أن عليا قد بويع له، فاشتد عليه وتربص لينظر ما يصنع الناس، ثم نمى إليه معاوية بالشام يأبى أن يبايع عليا، وإنه يعظم قتل عثمان ويحرض على الطلب بدمه، فاستشار ابنيه عبد الله ومحمدا في الأمر، وقال: ما تريان؟ أما علي فلا خير عنده وهو رجل يدل (1) بسابقته، وهو غير مشركي في شئ من أمره. فقال عبد الله ابن عمرو: توفي النبي صلى الله عليه وآله وهو عنك راض، وتوفي أبو بكر رضي الله عنه وهو عنك راض، وتوفي عمر رضي الله عنه وهو عنك راض، أرى أن تكف يدك وتجلس في بيتك حتى يجتمع الناس على إمام فتبايعه. وقال محمد بن عمرو: أنت ناب من أنياب العرب فلا أرى أن يجتمع هذا الأمر وليس ذلك فيه صوت ولا ذكر. قال عمرو: أما أنت يا عبد الله؟

فأمرتني بالذي هو خير لي في آخرتي، وأسلم في ديني، وأما أنت يا محمد فأمرتني بالذي أنبه لي في دنياي، وأشر لي في آخرتي. ثم خرج عمرو بن العاص ومعه إبناه حتى قدم على معاوية، فوجد أهل الشام يحضون معاوية على الطلب بدم عثمان، فقال عمرو بن العاص: أنتم على الحق، اطلبوا بدم الخليفة المظلوم. ومعاوية لا يلتفت إلى قول عمرو، فقال ابنا عمرو لعمرو: ألا ترى إلى معاوية لا يلتفت إلى قولك؟! إنصرف إلى غيره. فدخل عمرو على معاوية فقال: والله لعجب لك إني أرفدك بما أرفدك وأنت معرض عني، أم والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها، حيث نقاتل من تعلم سابقته وفضله وقرابته، ولكنا إنما أردنا هذه الدنيا. فصالحه معاوية

____________

(1) استنظف الشئ. أخذ كله.

(2) أدل وتدلل: انبسط واجترأ.

 


الصفحة 42


 

وعطف عليه.

أنساب الأشراف للبلاذري 5 ص 74، 87، تاريخ الطبري 5 ص 108 - 111 و 224، كامل ابن الأثير 3 ص 68، تذكرة السبط ص 49، جمهرة رسائل العرب 1 ص 388.

وكان بعد تلك المساومة المشؤمة يحرض الناس على قتل الإمام أمير المؤمنين كما فعله على عثمان حتى قتله وافتخر به بقوله: أنا أبو عبد الله قتلته وأنا بوادي السباع:

ثم جعل قميصه وسيلة النيل إلى الرتبة والراتب وقام بطلب دمه قائلا: إن في النفس من ذلك ما فيها. وممن حث على أمير المؤمنين وألبه حريث مولى معاوية بن أبي سفيان قال ابن عساكر في تاريخه 4 ص 113: قال معاوية لحريث: إتق عليا ثم ضع رمحك حيث شئت. فقال له عمرو بن العاص: إنك والله يا حريث؟ لو كنت قرشيا لأحب معاوية أن تقتل عليا ولكن كره أن يكون لها حظها، فإن رأيت منه فرصة فاقتحم عليه.

ولما قتل أمير المؤمنين عليه السلام استبشر بذلك وبشره به سفيان بن عبد شمس بن أبي وقاص قال ابن عساكر في تاريخه 6 ص 181: لما طعن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ذهب سفيان يبشر معاوية وعمرو بن العاص بقتله فكتب معاوية إلى عمرو وهو يقول:

وقتك وأسباب المنون كثيرة * منية شيخ من لوي بن غالب
فيا عمرو مهلا إنما أنت عمه * وصاحبه دون الرجال الأقارب
نجوت وقد بل المرادي سيفه * من ابن أبي شيخ الأباطح طالب
ويضربني بالسيف آخر مثله * فكانت عليه تلك ضربة لازب
وأنت تناغي كل يوم وليلة * بمصرك بيضا كالظباء الشوازب

هذه نفسية الرجل وتمام حقيقته اللائحة على تجارته البائرة، وصفقته الخاسرة، وبضاعته المزجاة من الدين المبطن بالإلحاد، والمكتنف بالنفاق، ولو لم يكن كذلك لما اقتنع بتلك المساومة، وهو يعرف الثمن والمثمن، ويعلم سابقة أمير المؤمنين وفضله وقرابته ويقول: إن يله ابن أبي طالب فلا أراه إلا سيستنظف الحق. ومع ذلك يظهر بغضه وعداه بقوله: وهو أكره من يليه إلي. ويعترف بالحق ويتحيز إلى خلافه، و

 


الصفحة 43


 

يعرف الموضع الصالح للخلافة ثم يميل مع الهوى ويقول: إنما أردنا هذه الدنيا. فيبيع دينه لمعاوية بثمن بخس (مصر وكورها) ويؤلب الناس على الإمام الطاهر بنص الكتاب العزيز، ويسر بقتله، ولقد صارح بكل ذلك صراحة لا تقبل التأويل وهي مستفاد من نصوصه ونصوص الصحابة الأولين، وبها عرف في التاريخ الصحيح كما سمعت من دون أي استنباط أو تحوير، فلا بارك الله في صفقة يمينه، ولا غار له بخير.

 

حديث شجاعته:

لم نعهد لابن النابغة موقفا مشهودا في المغازي والحروب سواء في ذلك: العهد الجاهلي، ودور النبوة، وأما وقعة صفين فلم يؤثر عنه سوى مخزات سوئته مع أمير المؤمنين، وفراره من الأشتر، وقد بقي عليه عار الأولى مدى الحقب والأعوام، وجرى بها المثل وغنى بها أهل الحجاز وجاء في شعر عتبة بن أبي سفيان:

سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب

وفي شعر معاوية بن أبي سفيان يذكر عمرا وموقفه كما يأتي:

فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي

وفي شعر الحارث بن نصر السهمي:

فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه

وفي شعر الأمير أبي فراس:

ولا خير في دفع الردى بمذلة * كما ردها يوما بسوئته عمرو

وفي شعر الزاهي البغدادي:

وصد عن عمرو بسر كرما * إذ لقيا بالسوأتين من شخص

وقال آخر:

ولا خير في صون الحياة بذلة * كما صانها يوما بذلته عمرو

وقال عبد الباقي الفاروقي العمري:

وليلة الهرير قد تكشفت * عن سوءة ابن العاص لما غلبا


الصفحة 44


 

فحاد عنه مغضبا حيدرة * وعف والعفو شعار النجبا
ولو يشأ ركب فيه زجة * تركيب مزجي كمعدي كربا

وكان قد تكرر منه هذا العمل المخزي كما سيأتي، ولو كان للرجل شيئ من البسالة لجبه معيريه بتعداد مشاهده، وسلقهم بلسان حديد، وهو ذلك الصلف المفوه، وفيما أمر من الحروب كان الزحف للجيش الباسل دونه، فلم يسط أمامه، وإنما كان رئيا في أمرهم يدير وجه الحيلة فيه، كما أنه كان في صفين كذلك لم يبارح سرادق معاوية وطفق يبديه دهائه إلا في موقفين سيوافيك تفصيلهما، ولذلك كله اشتهر بدهاء دون الشجاعة. قال البيهقي في [المحاسن والمساوي] 1 ص 39: قال عمرو بن العاص لابنه عبد الله يوم صفين: تبين لي هل ترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ قال عبد الله: فنظرت إليه فرأيته فقلت: يا أبه؟ ها هو ذاك على بغلة شهباء عليه قباء أبيض وقلنسوة بيضاء. قال فاسترجع وقال: والله ما هذا بيوم ذات السلاسل ولا بيوم اليرموك ولا بيوم أجنادين، وددت أن بيني وبين موقفي بعد المشرقين.

هذا هو الذي عرفه منه معاصروه، وستقف على أحاديثهم، نعم جاء ابن عبد البر بعد لأي من عمر الدهر فتهجس في " الاستيعاب " فعده من فرسان قريش وأبطالهم في الجاهلية مذكورا بذلك فيهم. ولعل ابن منير (1) المولود بعد ابن عبد البر بعشر سنين وقف على كلامه في " الاستيعاب " وحكمه ببطولة الرجل فقال في قصيدته التترية:

وأقول إن أخطأ معاوية * فما أخطأ القدر
هذا ولم يغدر معا * وية ولا عمرو مكر
بطل بسوءته يقاتل * لا بصارمه الذكر

فإليك ما يؤثر في مواقفه حتى ترى عيه عن القحوم إلى الفوارس في مضمار النضال والدنو من نقع الحومة، وتقف على حقيقته من هذه الناحية أيضا، وتعرف قيمة كلام ابن حجر في " الإصابة " 3 ص 2 من: أن النبي صلى الله عليه وآله كان يقربه ويدنيه لمعرفته وشجاعته، ولا نسائله متى قربه وأدناه.

____________

(1) أحد شعراء الغدير في قرن السادس تأتي هناك قصيدته التترية وترجمته.

 


الصفحة 45


 

أمير المؤمنين وعمرو في معترك القتال بصفين:

كان عمرو بن العاص عدو للحرث بن نضر الخثعمي، وكان من أصحاب علي عليه السلام، وكان علي قد تهيبته فرسان الشام وملأ قلوبهم بشجاعته وامتنع كل منهم من الإقدام عليه وكان عمرو ما جلس مجلسا إلا ذكر فيه الحرث بن نضر الخثعمي وعابه فقال الحرث:

ليس عمرو بتارك ذكره الحرث * مدى الدهر أو يلاقي عليا
واضع السيف فوق منكبه الاي - من لا يحسب الفوارس شيا
ليت عمرا يلقاه في حومة النقع * وقد أمست السيوف عصيا
حيث يدعو البراز حامية القوم * إذا كان بالبراز مليا
فوق شهب مثل السحوق(*) من * النخل ينادي المبارزين: إليا
ثم يا عمرو تستريح من الفخر * وتلقى به فتى هاشميا
فالقه إن أردت مكرمة الدهر * أو الموت كل ذاك عليا

فشاعت هذه الأبيات حتى بلغت عمرا فأقسم بالله ليلقين عليا ولو مات ألف موتة.

فلما اختلطت الصفوف لقيه فحمل عليه برمحه فتقدم علي وهو مخترط سيفا، معتقل رمحا، فلما رهقه همز فرسه ليعلو عليه، فألقى عمرو نفسه عن فرسه إلى الأرض شاغرا برجليه، كاشفا عورته، فانصرف عنه علي لاقتا وجهه، مستدبرا له، فعد الناس ذلك من مكارم علي وسؤدده، وضرب بها المثل.

كتاب صفين لابن مزاحم ص 224، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 110.

وقال ابن قتيبة في - الإمامة السياسة - 1 ص 91: ذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي وتتهمني في نصيحتي إليك؟؟!! والله لأبارزن عليا و لو مت ألف موتة في أول لقائه، فبارزه عمرو فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي وولى بوجهه دونه، وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد حياء

____________

(*) سحقت النخلة. طالت. فهي سحوق بالفتح ج سحق. بالضم

 


الصفحة 46


 

وتكرما وتنزها عما لا يحل، ولا يجل بمثله كرم الله وجهه.

وقال المسعودي في مروج الذهب 2 ص 25: إن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بالبراز إلى أن يبرز إلى علي فلم يجد عمرو من ذلك بدا فبرز، فلما التقيا عرفه علي وشال السيف ليضربه به فكشف عمرو عن عورته وقال: مكره أخوك لأبطل. فحول علي وجهه وقال: قبحت. ورجع عمرو إلى مصافه.

اجتمع عند معاوية في بعض ليالي صفين عمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وعبد الله بن عامر، وابن طلحة الطلحات الخزاعي، فقال عتبة: إن أمرنا وأمر علي بن أبي طالب لعجيب، ما فينا إلا موتور مجتاح، أما أنا فقتل جدي عتبة بن ربيعة وأخي حنظلة وشرك في دم عمي شيبة يوم بدر، وأما أنت يا وليد؟ فقتل أباك صبرا، وأما أنت يا ابن عامر فصرع أباك وسلب عمك، وأما أنت يا بن طلحة؟ فقتل أباك يوم الجمل، وأيتم إخوتك، وأما أنت يا مروان، فكما قال الشاعر (1).

وأفلتهن علباء جريضا * ولو أدركته صفر الوطاب (2)

فقال معاوية: هذا الاقرار فأي غير غيرت؟ قال مروان: وأي غير تريد؟! قال:

أريد أن تشجروه بالرماح. قال: والله يا معاوية؟ ما أراك إلا هاذيا أو هاذئا وما أرانا إلا ثقلنا عليك. فقال ابن عقبة:

يقول لنا معاوية بن حرب * أما فيكم لواتركم طلوب؟
يشد على أبي حسن علي * بأسمر لا تهجنه العكوب (3)
فيهتك مجمع اللبات منه * ونقع القوم مطرد يثوب
فقلت له: أتلعب يا بن هند؟ * كأنك بيننا رجل غريب

____________

(1) البيت لامرؤ القيس، قوله. صفر الوطاب. مثل يضرب لمن مات أو قتل.

(2) أفلته: خلصه وأطلقه. أفلت: تخلص. علباء من علب اللحم: تغيرت رائحته بعد اشتداده. الجريض: المشرف على الهلاك. الصفر بالحركات الثلاث: الخالي. الوطب: سقاء اللبن ج وطاب.

(3) هجنه الأمر: قبحه وعابه. العكوب بالفتح: الغبار.
 


الصفحة 47


 

أتغرينا بحية بطن واد * إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدب ببطن واد * أتيح (1) له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منا إذا ما * لقيناه ولقياه عجيب
دعا للقاه في الهيجاء لاق * فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه * نجى ولقلبه منه وجيب
كأن القوم لما عاينوه * خلال النقع ليس لهم قلوب
كعمرو أي معاوية بن حرب * وما ظني ستلحقه العيوب
لقد ناداه في الهيجا علي * فأسمعه ولكن لا يجيب

فغضب عمرو وقال: إن كان الوليد صادقا فليلق عليا، أو فليقف حيث يسمع صوته وقال عمرو:

يذكرني الوليد دعا علي * وبطن المرء يملأه الوعيد
متى يذكر مشاهده قريش * يطر من خوفه القلب الشديد
فأما في اللقاء فأين منه * معاوية بن حرب والوليد
وعير في الوليد لقاء ليث * إذا ما زار (2) هابته الأسود
لقيت ولست أجهله عليا * وقد بلت من العلق اللبود (3)
فأطعنه ويطعنني خلاسا (4) * وماذا بعد طعنته أريد؟
فرمها أنت يا بن أبي معيط * وأنت الفارس البطل النجيد (5)
وأقسم لو سمعت ندا علي * لطار القلب وانتفخ الوريد
ولو لاقيته شقت جيوب * عليك ولطمت فيك الخدود (6)

____________

(1) تاح تيحا وتوحا: قدر وتهيأ. رجل متيح: أي لا يزال يقع في بلية.

(2) من الزئير: صوت الأسد.

(3) اللبد بالكسر: الشعر المجتمع بين كفي الأسد. ما يجعل على ظهر الفرس تحت السرج ج لبود والباد.

(4) يقال: الرجلان يتخالسان: أي يروم كل منهما قتل صاحبه.

(5) النجيد: الشجاع الماضي فيما يعجز غيره.

(6) كتاب صفين ص 222، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 110، تذكرة السبط ص 51.

 


الصفحة 48


 

* (وفي رواية سبط ابن الجوزي) *:

ثم التفت الوليد إلى عمرو بن العاص وقال: إن لم تصدقوني وإلا فسلوا. أراد تبكيت عمرو، قال هشام بن محمد: ومعنى هذا الكلام: إن عليا خرج يوما من أيام صفين فرأى عمرو بن العاص في جانب العسكر ولم يعرفه فطعنه، فوقع، فبدت عورته، فاستقبل عليا فأعرض عنه ثم عرفه فقال: يا بن النابغة؟ أنت طليق دبرك أيام عمرك، وكان قد تكرر منه هذا الفعل.

 

رواية ابن عباس:

روى نصر بإسناده عن ابن عباس قال: تعرض عمرو بن العاص لعلي يوما من أيام صفين، وظن أنه يطمع منه في غرة (أي: في غفلة) فيصيبه، فحمل عليه علي عليه السلام فلما كاد أن يخالطه أذرى (أي: ألقى) نفسه عن فرسه، ورفع ثوبه، و شغر(1) برجله فبدت عورته، فصرف عليه السلام وجهه عنه، وقام معفرا بالتراب، هاربا على رجليه، معتصما بصفوفه، فقال أهل العراق: يا أمير المؤمنين؟ أفلت الرجل. فقال:

أتدرون من هو؟ قالوا: لا. قال: إنه عمرو بن العاص تلقاني بسوأته فذكرني بالرحم (لفظ ابن كثير) فصرفت وجهي عنه، ورجع عمرو إلى معاوية فقال: ما صنعت يا أبا عبد الله؟ فقال: لقيني علي فصرعني. قال: احمد الله وعورتك - وفي لفظ ابن كثير:

احمد الله واحمد أستك - والله إني لأظنك لو عرفته لما اقتحمت عليه. وقال معاوية في ذلك:

ألا لله من هفوات عمرو * يعاتبني على تركي برازي
فقد لاقى أبا حسن عليا * فآب الوائلي مآب خازي
فلو لم يبد عورته للاقى * به ليثا يذلل كل غازي
له كف كأن براحتيها * منايا القوم يخطف خطف باز
فإن تكن المنية أخطأته * فقد غنى بها أهل الحجاز

فغضب عمرو وقال: ما أشد تعظيمك عليا في كسري هذا - وفي لفظ ابن أبي الحديد: ما أشد تغليطك أبا تراب في أمري - هل أنا إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه؟.

أفترى السماء قاطرة لذلك دما؟! قال: لا ولكنها معقبة لك خزيا. كتاب صفين ص

____________

(1) شغر الكلب: رفع إحدى رجليه فبال.

 


الصفحة 49


 

216، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 287، تاريخ ابن كثير 7 ص 263.

 

معاوية وعمرو:

إستأذن عمرو بن العاص على معاوية بن أبي سفيان فلما دخل عليه استضحك معاوية فقال عمرو: ما أضحكك يا أمير المؤمنين؟ أدام الله سرورك. قال: ذكرت ابن أبي طالب وقد غشيك بسيفه فاتقيته ووليت. فقال: أتشمت بي يا معاوية؟ وأعجب من هذا يوم دعاك إلى البراز فالتمع لونك، وأطت (1) أضالعك، وانتفخ منخرك، والله لو بارزته لأوجع قذالك (2) وأيتم عيالك، وبزك سلطانك، وأنشأ عمرو يقول:

معاوي لا تشمت بفارس بهمة * لقي فارسا لا تعتريه الفوارس
معاوي إن أبصرت في الخيل مقبلا * أبا حسن يهوي دهتك الوساوس
وأيقنت أن الموت حق وإنه * لنفسك إن لم تمض في الركض حابس
فإنك لو لاقيته كنت بومة (3) * أتيح لها صقر من الجو رايس (4)
وما ذا بقاء القوم بعد اختباطه؟ * وإن امرؤ يلقى عليا لآيس
دعاك فصمت دونه الأذن هاربا * فنفسك قد ضاقت عليها الأمالس (5)
وأيقنت أن الموت أقرب موعد * وأن الذي ناداك فيها الدهارس (6)
وتشمت بي إن نالني حد رمحه * وعضضني ناب من الحرب ناهس (7)
أبى الله إلا أنه ليث غابة * أبو أشبل تهدى إليه الفرايس
وأي امرؤ لاقاه لم يلف شلوه * بمعترك تسفي عليه الروامس (8)

____________

(1) أط: صوت. الإبل: حنت.

(2) القذال: بين الأذنين من مؤخر الرأس ج قذل وأقذلة.

(3) البوم والبومة. طائر يسكن الخراب. يضرب به المثل في الشوم.

(4) من رأس يريس. مشى متبخترا. يقال رأس القوم. اعتلى عليهم وغلبهم.

(5) الأمالس والاماليس ج امليس: الفلاة التى ليس فيها نبات.

(6) الدهرس: الشدة والبلية.

(7) نهس اللحم نهسا بفتح العين وكسره: أخذه ونتفه ومده بالفم.

(8) الرمس: الستر والتغطية. ويقال لما يحثى على القبر من التراب: رمس.

 


الصفحة 50


 

فإن كنت في شك فارهج عجاجه * وإلا فتلك الترهات البسابس (1)

فقال معاوية: مهلا يا أبا عبد الله؟ ولا كل هذا. قال: أنت استدعيته.

وفي لفظ ابن قتيبة في " عيون الأخبار " 1 ص 169: رأى عمرو بن العاص معاوية يوما يضحك فقال له: مم تضحك يا أمير المؤمنين؟ أضحك الله سنك. قال: أضحك من حضور ذهنك عند إبدائك سوأتك يوم ابن أبي طالب، أما والله لقد وافقته منانا كريما ولو شاء أن يقتلك لقتلك. قال عمرو: يا أمير المؤمنين؟ أما والله إني لعن يمينك حين دعاك إلى البراز فأحولت عيناك، وربا سحرك (2) وبدا منك ما أكره ذكره ذلك، فمن نفسك فاضحك أو دع.

وفي لفظ البيهقي في [المحاسن والمساوي] 1 ص 38: دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده ناس فلما رآه مقبلا استضحك فقال: يا أمير المؤمنين؟ أضحك الله سنك وأدام سرورك وأقر عينك ما كل ما أرى يوجب الضحك. فقال معاوية؟ خطر ببالي يوم صفين يوم بارزت أهل العراق فحمل عليك علي بن أبي طالب رضي الله عنه فلما غشيك طرحت نفسك عن دابتك وأبديت عورتك، كيف حضرك ذهنك في تلك الحال؟ أما والله لقد واقفت هاشميا منافيا ولو شاء أن يقتلك لقتلك. فقال عمرو: يا معاوية إن كان أضحكك شأني فمن نفسك فاضحك، أما والله لو بدا له من صفحتك مثل الذي بدا له من صفحتي لأوجع قذلك، وأيتم عيالك، وأنهب مالك، وعزل سلطانك، غير أنك تحرزت منه بالرجال في أيديها العوالي، أما إني قد رأيتك يوم دعاك إلى البراز فاحولت عيناك، وأربد شدقاك، وتنشر منخراك، وعرق جبينك، وبدا من أسفلك ما أكره ذكره. فقال معاوية: حسبك حيث بلغت لم نرد كل هذا.

وفي لفظ الواقدي: قال معاوية يوما لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله؟ لا أراك إلا ويغلبني الضحك قال: بماذا؟ قال: أذكر يوم حمل عليك أبو تراب في صفين فأذريت نفسك فرقا من شبا سنانه، وكشفت سوأتك له. فقال عمرو: أنا منك أشد ضحكا إني لأذكر يوم دعاك إلى البراز فانتفخ سحرك، وربا لسانك في فمك، وعصب

____________

(1) كتاب صفين 253، أمالي الشيخ ص 84، تذكرة السبط ص 52.

(2) ربا ربوا: انتفخ. السحر بفتح السين وضمه: الرئة.

 


الصفحة 51


 

ريقك، وارتدت فرائصك، وبدا منك ما أكره ذكره لك. فقال معاوية: لم يكن هذا كله، وكيف يكون؟ ودوني عك والأشعريون. قال: إنك لتعلم أن الذي وصفت دون ما أصابك، وقد نزل ذلك بك ودونك عك والأشعريون، فكيف كانت حالك؟ لو جمعكما مأقط الحرب. قال: يا أبا عبد الله؟ خض بنا الهزل إلى الجد: إن الجبن والفرار من علي لا عار على أحد فيهما. شرح ابن أبي الحديد 2 ص 111.

قال نصر في كتابه ص 229: وكان معاوية لم يزل يشمت عمرا ويذكر يومه المعهود ويضحك، وعمرو يعتذر بشدة موقفه بين يدي أمير المؤمنين، فشمت به معاوية يوما و قال: لقد أنصفتكم إذ لقيت سعيد بن قيس وفررتم وإنك لجبان، فغضب عمرو ثم قال: والله لو كان عليا ما قحمت عليه يا معاوية؟ فهلا برزت إلى علي إذا دعاك إن كنت شجاعا كما تزعم؟ وقال عمرو في ذلك:

تسير إلى ابن ذي يزن سعيد * وتترك في العجاجة من دعاكا
فهل لك في أبي حسن علي؟ * لعل الله يمكن من قفاكا
دعاك إلى النزال فلم تجبه * ولو نازلته تربت يداكا
وكنت أصم إذ ناداك عنه * وكان سكوته عنه مناكا
فآب الكبش قد طحنت رحاه * بنجدته ولم تطحن رحاكا
فما أنصفت صحبك يا بن هند * أتفرقه وتغضب من كفاكا؟؟!!
فلا والله ما أضمرت خيرا * ولا أظهرت لي إلا هواكا

أشار عمرو بن العاص في هذه الأبيات إلى ما رواه نصر في كتاب صفين ص 140 وغيره من المؤرخين من: أن عليا عليه السلام قام يوم صفين بين الصفين ثم نادى يا معاوية؟ يكررها فقال معاوية: إسألوه ما شأنه؟ قال: أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة. فبرز معاوية ومعه عمرو بن العاص فلما قارباه لم يلتفت إلى عمرو وقال لمعاوية: ويحك على م يقتتل الناس بيني وبينك، ويضرب بعضهم بعضا؟؟!! أبرز إلي فأينا قتل صاحبه فالأمر له. فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: ما ترى يا أبا عبد الله؟ فيما هيهنا، أبارزه؟؟!! فقال عمرو: لقد أنصفك الرجل واعلم أنه إن نكلت عنه لم تزل سبة عليك وعلى عقبك ما بقي عربي. فقال معاوية: يا عمرو؟ ليس مثلي يخدع عن نفسه، والله

 


الصفحة 52


 

ما بارز ابن أبي طالب رجلا قط إلا سقى الأرض من دمه. ثم انصرف معاوية راجعا حتى انتهى إلى آخر الصفوف وعمرو معه خرج علي عليه السلام ذات يوم في صفين منقطعا من خيله ومعه الأشتر يتسايران رويدا يطلبان التل ليقفا عليه وعلي يقول:

إني علي فسلوا لتخبروا * ثم ابرزوا إلى الوغا أو أدبروا
سيفي حسام وسناني أزهر * منا النبي الطيب المطهر
وحمزة الخير ومنا جعفر * له جناح في الجنان أخضر
ذا أسد الله وفيه مفخر * هذا بهذا وابن هند محجر
مذبذب مطرد مؤخر

إذ برز له بسر بن أرطاة مقنعا في الحديد لا يعرف فناداه: أبرز إلي أبا حسن؟ فانحدر إليه على تؤدة (1) غير مكترث به حتى إذا قاربه طعنه وهو دارع فألقاه على الأرض، ومنع الدرع السنان أن يصل إليه، فاتقاه بسر بعورته وقصد أن يكشفها يستدفع بأسه، فانصرف عنه عليه السلام مستدبرا له فعرفه الأشتر حين سقط فقال: يا أمير المؤمنين؟ هذا بسر بن أرطاة هذا عدو الله وعدوك، فقال: دعه عليه لعنة الله، أبعد أن فعلها؟ فحمل ابن عم لبسر شاب على علي وهو يقول:

أرديت بسرا والغلام ثايره * أرديت شيخا غاب عنه ناصره
وكلنا حام لبسر واتره

فحمل عليه الأشتر وهو يقول:

أكل يوم رجل شيخ شاغره * وعورة تحت العجاج ظاهره
تبرزها طعنة كف واتره * عمرو وبسر رميا بالفاقره

فطعنه الأشتر فكسر صلبه، وقام بسر من طعنة علي وولت خيله، وناداه علي يا بسر؟ معاوية كان أحق بهذا منك. فرجع بسر إلى معاوية فقال له معاوية: إرفع طرفك قد أدال (2) الله عمرا منك. فقال في ذلك الحارث بن نضر السهمي:

____________

(1) أي تأنى وتمهل.

(2) أدال الشئ. جعله متداولا. يقال أدال الله زيدا من عمرو، أي نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد.

 


الصفحة 53


 

أفي كل يوم فارس تندبونه * له عورة تحت العجاجة باديه
يكف بها عن علي سنانه * ويضحك منها في الخلاء معاوية
بدت أمس من عمرو فقنع رأسه * وعورة بسر مثلها حذو حاذيه
فقولا لعمرو وابن أرطاة أبصرا * سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه
ولا تحمدا إلا الحيا وخصاكما * هما كانتا للنفس والله واقيه
فلولاهما لم تنجوا من سنانه * وتلك بما فيها عن العود ناهيه
متى تلقيا الخيل المشيجة صيحة * وفيها علي فاتركا الخيل ناحيه
وكونا بعيدا حيث لا تبلغ القنا * ونار الوغى إن التجارب كافيه
وإن كان منه بعد في النفس حاجة * فعودوا إلى ما شئتما هي ماهيه

كتاب صفين ص 246، الاستيعاب 1 ص 67، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 300، مطالب السئول ص 43، تاريخ ابن كثير 4 ص 30، نور الأبصار ص 95.

ينبأنا التاريخ أن عمرو ليس بأول رجل كشف عن سوءته من بأس أمير المؤمنين وإنما قلد طلحة بن أبي طلحة فإنه لما حمل عليه أمير المؤمنين يوم أحد ورأى أنه مقتول لا محالة، فاستقبله بعورته وكشف عنها. م - راجع تاريخ ابن كثير 4 ص 20 و] ذكره الحلبي في سيرته 2 ص 247 ثم قال: وقع لسيدنا علي كرم الله وجهه مثل ذلك في يوم صفين مرتين: الأولى: حمل على بسر بن أرطاة. والثانية: حمل على عمرو بن العاص فلما رأى أنه مقتول كشف عن عورته، فانصرف عنه علي كرم الله وجهه.

 

الأشتر وعمرو بن العاص في معترك القتال بصفين:

إن معاوية دعا يوما بصفين مروان بن الحكم فقال: إن الأشتر قد غمني وأقلقني، فاخرج بهذه الخيل في يحصب والكلاعيين فالقه فقاتل بها. فقال مروان: ادع لها عمرا فإنه شعارك دون دثارك. قال: وأنت نفسي دون وريدي. قال: لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، أو ألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيته ما في يد غيرك، فإن غلبت طاب له المقام، وإن غلبت خف عليه الهرب. فقال معاوية:

 


الصفحة 54


 

سيغني الله عنك. قال: أما إلى اليوم فلن يغن، فدعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر. فقال: أما إني لا أقول لك ما قال مروان. قال: فكيف تقول؟! وقد قدمتك وأخرته، وأدخلتك وأخرجته. قال: أما والله إن كنت فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد أكثر القوم عليك في أمر مصر وإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، ثم قام فخرج في تلك الخيل فلقيه الأشتر أمام القوم وهو يقول:

يا ليت شعري كيف لي بعمرو؟ * ذاك الذي أوجبت فيه نذري
ذاك الذي أطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري
ذاك الذي إن ألقه بعمري * تغلي به عند اللقاء قدري
أجعله فيه طعام النسر * أولا فربي عاذري بعذري

فلما سمع عمرو هذا الرجز وعرف أنه الأشتر فشل وجبن واستحى أن يرجع وأقبل نحو الصوت وقال:

يا ليت شعري كيف لي بمالك * كم جاهل خيبته وحارك (1)
وفارس قتلته وفاتك * ومقدم آب بوجهه حالك (2)
ما زلت دهري عرضة المهالك

فغشيه الأشتر بالرمح فزاغ عنه عمرو فلم يصنع الرمح شيئا، ولوى عمرو عنان فرسه وجعل يده على وجهه وجعل يرجع راكضا نحو عسكره، فنادى غلام من يحصب:

يا عمرو؟ عليك العفا ما هبت الصبا.

كتاب صفين ص 233، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 295.

ينبأك صدر هذا الحديث عن نفسيات أولئك المناضلين عن معاوية الدعاة إلى إمامته، ويعرب عن غايات تلك الفئة الباغية بنص النبي الأطهر إماما ومأموما في تلك الحرب الزبون، فما ينبغي لي أن أكتب عن إمام يكون مثل عمرو بن العاص شعاره، ومثل مروان بن الحكم نفسه؟؟!! وما يحق لك أن تعتقد في مأموم هذه محاوراته في معترك القتال مع إمامه المفترضة عليه طاعته - إن صحت الأحلام - ومشاغبته دون

____________

(1) حرك. امتنع من الحق الذي عليه. غلام حرك. خفيف ذكي.

(2) حلك. اشتد سواده فهو حالك وحلك.

 


الصفحة 55


 

الرتبة والراتب؟؟!!

 

ابن عباس وعمرو:

حج عمرو بن العاص وقام بالموسم فأطرى معاوية وبني أمية وتناول بني هاشم ثم ذكر مشاهده بصفين، فقال ابن عباس: يا عمرو؟ إنك بعت دينك من معاوية فأعطيته ما في يدك ومناك ما في يد غيره، فكان الذي أخذ منك فوق الذي أعطاك، و كان الذي أخذت منه دون ما أعطيته، وكل راض بما أخذ وأعطى، فلما صارت مصر في يدك تتبعك فيها بالعزل والتنقص، حتى لو أن نفسك في يدك لألقيتها إليه، وذكرت يومك مع أبي موسى فلا أراك فخرت إلا بالغدر، ولا منيت إلا بالفجور والغش، و ذكرت مشاهدك بصفين فوالله ما ثقلت علينا وطأتك، ولقد كشفت فيها عورتك، ولا نكتنا فيها حربك، ولقد كنت فيها طويل اللسان، قصير السنان، آخر الحرب إذا أقبلت، وأولها إذا أدبرت، لك يدان: يد لا تبسطها إلى خير، ويد لا تقبضها عن شر، ووجهان: وجه مؤنس ووجه موحش، ولعمري أن من باع دينه بدنيا غيره لحري أن يطول حزنه على ما باع واشترى، لك بيان وفيك خطل، ولك رأي وفيك نكد ولك قدر وفيك حسد، فأصغر عيب فيك أعظم عيب غيرك. فقال عمرو: أما والله ما في قريش أحد أثقل وطأة علي منك، ولا لأحد من قريش قدر عندي مثل قدرك.

البيان والتبيين 2 ص 239، العقد الفريد 2 ص 136، شرح ابن أبي الحديد 1 ص 196 نقلا عن البلاذري.

 

ابن عباس وعمرو في حفلة أخرى:

روى المدايني قال: وفد عبد الله بن عباس على معاوية مرة وعنده ابنه يزيد، وزياد بن سمية، وعتبة بن أبي سفيان، ومروان بن الحكم، وعمرو بن العاص، والمغيرة ابن شعبة، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن أم الحكم فقال عمرو بن العاص: هذا والله يا أمير المؤمنين؟ نجوم أول الشر، وأفول آخر الخير، وفي حسمه قطع مادته فبادره بالحملة، وانتهز منه الفرصة، واردع بالتنكيل به غيره، وشرد به من خلفه،

 


الصفحة 56


 

فقال ابن عباس: يا بن النابغة؟ ضل والله عقلك، وسفه حلمك، ونطق الشيطان على لسانك، هلا توليت ذلك بنفسك يوم صفين حين دعيت نزال (1) وتكافح الأبطال، وكثرت الجراح، وتقصفت (2) الرماح، وبرزت إلى أمير المؤمنين مصاولا، فانكفأ نحوك بالسيف حاملا، فلما رأيت الكواثر من الموت، أعددت حيلة السلامة قبل لقائه، والانكفاء عنه بعد إجابة دعائه، فمنحته رجاء النجاة عورتك، وكشفت له خوف بأسه سوأتك، حذرا أن يصطلمك بسطوته، أو يلتهمك (3) بحملته، ثم أشرت على معاوية كالناصح له بمبارزته، وحسنت له التعرض لمكافحته، رجاء أن تكتفي مؤنته، وتعدم صورته، فعلم غل صدرك، وما انحنت عليه من النفاق أضلعك، وعرف مقر سهمك في غرضك، فاكفف غرب لسانك، واقمع عوراء لفظك، فإنك بين أسد خادر، وبحر زاجر، إن تبرزت للأسد افترسك، وإن عمت في البحر قمسك - أي: غمسك و أغرقك -. شرح ابن أبي الحديد 2 ص 105، جمهرة الخطب 2 ص 93.

 

عبد الله المرقال وعمرو:

كان في نفس معاوية من يوم صفين إحن على هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال وولده عبد الله، فلما استعمل معاوية زيادا على العراق كتب إليه: أما بعد:

فانظر عبد الله بن هاشم فشد يده إلى عنقه ثم ابعث به إلي، فحمله زياد من البصرة مقيدا مغلولا إلى دمشق، وقد كان زياد طرقه بالليل في منزله بالبصرة فادخل إلى معاوية وعنده عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو بن العاص: هل تعرف هذا؟ قال: لا. قال:

هذا الذي يقول أبوه يوم صفين:

إني شريت النفس لما اعتلا * وأكثر اللوم وما أقلا
أعور يبغي أهله محلا * قد عالج الحياة حتى ملا
لا بد أن يفل أو يفلا * أسلهم بذي الكعوب سلا
لا خير عندي في كريم ولى

____________

(1) نزال: اسم فعل بمعنى: انزل. أي حين قال الأبطال بعضهم لبعض: انزل.

(2) تقصفت: تكسرت.

(3) التهم الشئ: ابتلعه بمرة.

 


الصفحة 57


 

فقال عمرو متمثلا:

وقد نبت المرعى على دمن الثرى * وتبقى حزازات النفوس كما هيا

وإنه لهو، دونك يا أمير المؤمنين؟ الضب المضب (1) فأشخب أوداجه على أسباجه (أثباجه) ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل فتنة ونفاق، وله مع ذلك هوى يرديه وبطانة تغويه، فوالذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ليجهزن إليك جيشا تكثر صواهله لشر يوم لك، فقال عبد الله وهو المقيد: يا ابن الأبتر؟ هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين؟ ونحن ندعوك إلى البراز، وأنت تلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القوداء، أما إنه إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة، حميد المقدرة، ليس بالحبس المنكوس، ولا الثلب (2) المركوس (3). فقال عمرو: دع كيت وكيت، فقد وقعت بين لحيي لهذم (4) فروس للأعداء، يسعطك إسعاط (5) الكودن (6) الملجم. قال عبد الله:

أكثر إكثارك، فإني أعلمك بطرا في الرخاء جبانا في اللقاء، عيابة عند كفاح الأعداء، ترى أن تقي مهجتك بأن تبدي سوأتك، أنسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال؟ فتحيد عن القتال خوفا أن، يغمرك رجال لهم أبدان شداد، وأسنة حداد، ينهبون السرح، ويذلون العزيز.

فقال عمرو: لقد علم معاوية أني شهدت تلك المواطن، فكنت فيها كمدرة الشوك، و لقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن، تخفق أحشاؤه، وتنق أمعاؤه. قال: أما والله لو لقيك أبي في ذلك المقام لارتعدت منه فرائصك ولم تسلم منه مهجتك، ولكنه قاتل غيرك، فقتل دونك. فقال معاوية: ألا تسكت؟ لا أم لك. فقال: يا بن هند؟ أتقول لي هذا؟

والله لئن شئت لأغرقن جبينك، ولأقيمنك وبين عينيك وسم يلين له خدعاك، أبأكثر من الموت تخوفني؟. فقال معاوية: أو تكف يا بن أخي؟ وأمر بإطلاق عبد الله، فقال عمرو لمعاوية:

____________

(1) من أضب يضب: أي صاح وتكلم وغاض وحقد.

(2) الثلب: المعيب المهان.

(3) المركوس: الضعيف.

(4) اللهذم: الحاد القاطع من السيوف والأسنة والأنياب.

(5) الاسعاط: إدخال الدواء في الأنف. يقال: أسعطه الرمح أي طعنه به في أنفه.

(6) الكودن: البرذون الهجين. الفيل ج كوادن.

 


الصفحة 58


 

أمرتك أمرا حازما فعصيتني * وكان من التوفيق قتل ابن هاشم
أليس أبوه يا معاوية الذي * أعان عليا يوم حز الغلاصم؟! (1)
فلم ينثني حتى جرت من دمائنا * بصفين أمثال البحور الخضارم (2)
وهذا ابنه والمرء يشبه شيخه(3) * ويوشك أن تقرع به سن نادم

فقال عبد الله يجيبه:

معاوي إن المرء عمرا أبت له * ضغينة صدر غشها غير نائم
يرى لك قتلي يا بن هند وإنما * يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم
على أنهم لا يقتلون أسيرهم * إذا كان منه بيعة للمسالم
وقد كان منا يوم صفين نقرة * عليك جناها هاشم وابن هاشم
قضى ما انقضى منها وليس الذي مضى * ولا ما جرى إلا كأضغاث حالم
فإن تعف عني تعف عن ذي قرابة * وإن تر قتلي تستحل محارمي

فقال معاوية:

أرى العفو عن عليا قريش وسيلة * إلى الله في اليوم العصيب القماطر (4)
ولست أرى قتل العداة ابن هاشم * بإدراك ثاري في لوي وعامر
بل العفو عنه بعد ما بان جرمه * وزلت به إحدى الجدود العواثر
فكان أبوه يوم صفين جمرة * علينا فأردته رماح النهابر (5)

كتاب صفين لابن مزاحم ص 182، كامل المبرد 1 ص 181، مروج الذهب 2 ص 57 - 59، شرح ابن أبي الحديد 2 ص 176.

 

درس دين وأخلاق:

لعل الباحث لا يخفى عليه أن كل سوءة وعورة ذكر بها المترجم له في التاريخ

____________

(1) جمع غلضمة: اللحم بين الرأس والعنق. يعنى: أيام الحرب.

(2) الخضرم بالكسر: البحر العظيم الماء.

(3) في كامل المبرد: عيصه. يعني: أصله.

(4) القماطر بالضم: الشديد.

(5) النهابر والنهابير: المهالك. الواحدة: نهبرة. نهبور. نهبورة.

 


الصفحة 59


 

الصحيح، وما يعزى إليه وعرف به من المساوي في طيات تلكم الكلمات الصادقة المذكورة من الوضاعة والغواية والغدر والمكر والحيلة والخدعة والخيانة والفجور ونقض العهد وكذب القول وخلف الوعد وقطع الإل والحقد والوقاحة والحسد والرياء والشح والبذاء والسفه والوغد والجور والظلم والمراء والدناءة واللئم والملق والجلافة والبخل والطمع واللدد وعدم الغيرة على حليلته. إلى غير ذلك من المعاير النفسية وأضداد مكارم الأخلاق، ليست هذه كلها إلا من علايم النفاق، ومن رشحات عدم الاسلام المستقر، وانتفاء الإيمان بالله وبما جاء به النبي الأقدس، إذا الاسلام الصحيح هو المصلح الوحيد للبشر، ومهذب النفس بمكارم الأخلاق، ومجتمع الفضايل، وأساس كل فضل وفضيلة، وأصل كل محمدة ومكرمة، وبه يتأتى الصلاح في النفوس مهما سرى الإيمان من عاصمة مملكة البدن (القلب) إلى ساير الأعضاء والجوارح واحتلها واستقر بها.

وذلك أن مثل الإيمان في المملكة البدنية الجامعة لشتات آحاد الجوارح والأعضاء كمثل دستور الحكومات في الممالك الجامعة لإفراد الأشخاص، فكما أن القوانين المقررة في الحكومات والدول مبثوثة في الأفراد، وكل فرد من المجتمع له تكليف يخص به، وواجب يحق عليه أن يقوم به، وحد محدود يجب عليه رعايته، وبصلاح الأفراد وقيام كل فرد منهم بواجبه يتم صلاح المجتمع، ويحصل التقدم و الرقي في الحكومات، كذلك الإيمان في المملكة البدنية فإنه قوانين مبثوثة في الأعضاء والجوارح العاملة فيها، ولكل منها بنص الذكر الحكيم تكليف يخص به، وحد معين في السنة يجب عليه رعايته والتحفظ به، وأخذ كل بما وجب عليه هو إيمانه و به يحصل صلاحه، فواجب القلب غير فريضة اللسان، وفريضته غير واجب الأذن، وواجبها غير ما كلف به البصر، وفرضه غير واجب اليدين، وواجبهما غير تكليف الرجلين وهكذا وهكذا، وإن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، وهذا البيان يستفاد من قول النبي صلى الله عليه وآله فيما أخرجه الحافظ ابن ماجة في سننه 1 ص 35، الإيمان معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأركان (1) وقوله صلى

____________

(1) وبهذا اللفظ يروى عن أمير المؤمنين كما في " نهج البلاغة ".

 


الصفحة 60


 

الله عليه وآله: الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (1) ومن هنا يقبل الإيمان ضعفا وقوة وزيادة ونقصا، ويتصف الانسان في آن واحد بطرفي السلب والايجاب باعتبارين، فيثبت له الإيمان من جهة وينفى عنه بأخرى، ومن هنا يعلم معنى قوله صلى الله عليه وآله:

لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن (2) فلا يتأتى صلاح الممكة البدنية إلا بالسلم العام وقيام جميع أجزائها بواجبها، وامتثال كل فرد منها فيما فرض عليه، ولا يكمل الإيمان إلا بتحقيق شعبه.

وكما أن انتفاء الإيمان عن كل عضو وجارحة مكلفة يكشف عن ضعف إيمان القلب، وتضعضع حكومة الاسلام فيه، إذ هو أمير البدن ولا ترد الجوارح ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره، كذلك الصفات النفسية فإن منها ما هو الكاشف عن قوة الإيمان القلبي وضعفه كما ورد في النبوي الشريف فيما أخرجه الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 3 ص 171: إن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شئ فينقص ذلك من إيمانه. ومنها ما يلازم النفاق ولا يفارقه ولا يجتمع مع شيئ من الإيمان وإن صلى صاحبه وصام وبه عرف المنافق في القرآن العزيز. فإليك ما رود عن النبي الأقدس في كثير من الصفات المذكورة المعزوة إلى المترجم له حتى تكون على بصيرة من الأمر، فلا يغرنك تقلب الذين طغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد.

1 - آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب. وإذا وعد أخلف. وإذا ائتمن خان.

أخرجه البخاري ومسلم، وفي رواية مسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.

2 - أربع من كن فيه كان منافقا خالصا. ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا ائمتن خان. وإذا حدث كذب. وإذا عهد غدر. وإذا خاصم فجر، أخرجه البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي.

3 - لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له. أخرجه أحمد. البزار.

____________

(1) أخرجه البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي. ابن ماجة.

(2) أخرجه مسلم وغيره.

 


الصفحة 61


 

الطبراني. ابن حبان. أبو يعلى. البيهقي.

4 - المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه. متفق عليه.

5 - الكذب مجانب للإيمان. ابن عدي، البيهقي.

6 - المكر والخديعة في النار. الديلمي. القضاعي.

7 - المؤمن ليس بحقود. الغزالي. ابن الدبيع.

8 - لا إيمان لمن لا حياء له. ابن حبان. ابن الدبيع.

9 - الحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل. الديلمي. ابن الدبيع.

10 - الغيرة من الإيمان والمذاء من النفاق، الديلمي. القضاعي. ابن الدبيع 11 - اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة. ابن ماجة. الحاكم. البيهقي.

12 - من أرضى سلطانا بما يسخط به ربه خرج من دين الله. الحاكم.

13 - الحياء من الإيمان. البخاري. مسلم. أبو داود. الترمذي. النسائي. ابن ماجة.

14 - سباب المسلم فسوق وقتاله كفر. البخاري. مسلم. الترمذي. النسائي ابن ماجة.

15 - لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد. ابن حبان. البيهقي.

16 - الشح والعجز والبذاء من النفاق. الطبراني. أبو الشيخ.

17 - لا يجتمع شح وإيمان في قلب عبد أبدا. النسائي. ابن حبان. الحاكم.

18 - خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق. البخاري. الترمذي وغيرهما.

19 - المؤمن غر كريم والفاجر خب (1) لئيم. أبو داود. الترمذي. أحمد.

20 - إن الرجل لا يكون مؤمنا حتى يكون قلبه مع لسانه سواء، ويكون لسانه مع قلبه سواء، ولا يخالف قوله عمله. الأصبهاني.

21 - الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر. الحاكم.

الطبراني.

____________

(1) الخب الخداع.

 


الصفحة 62


 

22 - إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الاسلام. ابن ماجة. المنذري.

 

وفاته:

توفي ليلة الفطر سنة 43 على ما هو الأصح عند المؤرخين وقيل غير ذلك، وعاش نحو تسعين سنة وقال العجلي: عاش تسعا وتسعين سنة. قال اليعقوبي في تاريخه 2 ص 198: لما حضرت عمرا الوفاة قال لابنه: لود أبوك أنه كان مات في غزات ذات السلاسل، إني قد دخلت في أمور لا أدري ما حجتي عند الله فيها. ثم نظر إلى ماله فرأى كثرته فقال: يا ليته كان بعرا، يا ليتني مت قبل هذا اليوم بثلاثين سنة، أصلحت لمعاوية دنياه وأفسدت ديني، آثرت دنياي وتركت آخرتي، عمي علي رشدي حتى حضرني أجلي، كأني بمعاوية قد حوى مالي وأساء فيكم خلافتي.

قال ابن عبد البر في الاستيعاب 2 ص 436: دخل ابن عباس على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلا، وأفسدت من ديني كثيرا، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت، فصرت كالمنخنق بين السماء والأرض، لا أرقي بيدين ولا أهبط برجلين، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي. فقال له ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله؟ صار ابن أخيك أخاك، ولا تشاء أن تبكي إلا بكيت، كيف يؤمن برحيل من هو مقيم؟. فقال عمرو: وعلى حينها (1) حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي؟ أللهم؟ إن ابن عباس تقنطني من رحمتك، فخذ مني حتى ترضى. قال ابن عباس: هيهات يا أبا عبد الله؟

أخذت جديدا وتعطي خلقا. فقال عمرو: مالي ولك يا بن عباس؟! ما أرسلت كلمة إلا أرسلت نقيضها.

____________

(1) يعني حين الوفاة.

 


الصفحة 63


 

قال عبد الرحمن بن شماسة: لما حضرت عمرو بن العاص الوفاة بكى فقال له ابنه عبد الله: لم تبكي أجزعا من الموت؟؟!! قال: لا والله ولكن لما بعده. فقال له:

قد كنت على خير. فجعل يذكره صحبة رسول الله صلى الله عليه وآله وفتوحه الشام، فقال له عمرو: تركت أفضل من ذلك: شهادة أن لا إله إلا الله. إني كنت على ثلاث أطباق ليس منها طبق إلا عرفت نفسي فيه، كنت أول شئ كافرا فكنت أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله فلو مت يومئذ وجبت لي النار. فلما بايعت رسول الله صلى الله عليه وآله كنت أشد الناس حياء منه فما ملأت عيني من رسول الله صلى الله عليه وآله حياء منه، فلو مت يومئذ قال الناس: هنيئا لعمرو أسلم وكان على خير ومات على خير أحواله فترجى له الجنة.

ثم بليت بعد ذلك بالسلطان وأشياء فلا أدري أعلي أم لي؟؟!! فإذا مت فلا تبكين علي باكية. ولا يتبعني مادح ولا نار، وشدوا علي إزاري فإني مخاصم، وشنوا علي التراب فإن جنبي الأيمن ليس بأحق بالتراب من جنبي الأيسر. الحديث.

 

* (فائدة) *

يوجد إسم والد المترجم له في كثير من كلمات الأصحاب (العاصي) بالياء وكذا ورد في شعر أمير المؤمنين:

لا وردن العاصي بن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي

وفي رجز الأشتر:

ويحك يا بن العاصي * تنح في القواصي

ويذكر بالياء في كتب غير واحد من الحفاظ، وقال الحافظ النووي في تهذيب الأسماء واللغات 2 ص 30: وعليه الجمهور وهو الفصيح عند أهل العربية. ثم قال: ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه أو أكثرها بحذف الياء وهي لغة وقد قرئ في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع.

 

***