الصفحة 16


 

ألا أيها العاني الذي ليس في الأذى * ولا اللوم عندي في علي بمحجم
ستأتيك مني في علي مقالة * تسوؤك فاستأخر لها أو تقدم
علي له عندي على من يعيبه * من الناس نصر باليدين وبالفم
متى ما يرد عندي معاديه عيبه * يجد ناصرا من دونه غير مفحم
علي أحب الناس إلا محمدا * إلي فدعني من ملامك أولم
علي وصي المصطفى وابن عمه * وأول من صلى ووحد فاعلم
علي هو الهادي الإمام الذي به * أنار لنا من ديننا كل مظلم
علي ولي الحوض والذائد الذي * يذبب عن أرجاءه كل مجرم
علي قسيم النار من قوله لها: * ذري ذا وهذا فاشربي منه واطعمي
خذي بالشوى ممن يصيبك منهم * ولا تقربي من كان حزبي فتظلمي
علي غدا يدعا فيكسوه ربه * ويدنيه حقا من رفيق مكرم
فإن كنت منه يوم يدنيه راغما * وتبدي الرضا عنه من الآن فارغم
فإنك تلقاه لدى الحوض قائما * مع المصطفى الهادي النبي المعظم
يجيزان من والاهما في حياته * إلى الروح والظل الضليل المكمم
علي أمير المؤمنين وحقه * من الله مفروض على كل مسلم
لأن رسول الله أوصى بحقه * وأشركه في كل فيئ ومغنم
وزوجته صديقة لم يكن لها * مقارنة غير البتول مريم
وكان كهارون بن عمران عنده * من المصطفى موسى النجيب المكلم
وأوجب يوما بالغدير ولاءه * على كل بر من فصيح وأعجم
لدى دوح " خم " آخذا بيمينه * ينادي مبينا باسمه لم يجمجم
أما والذي يهوي إلى ركن بيته * بشعث النواصي كل وجناء عيهم
يوافين بالركبان من كل بلدة * لقد ضل يوم " الدوح " من لم يسلم
وأوصى إليه يوم ولى بأمره * وميراث علم من عرى الدين محكم

* (القصيدة توجد منها 42 بيتا) *

قال الحافظ المرزباني في " أخبار السيد ": إن السيد الحميري كتب بهذه القصيدة

 


الصفحة 17


 

إلى عبد الله بن أباض رأس الأباضية لما بلغه أنه يعيب على علي عليه السلام ويتهدد السيد بذكره عند المنصور بما يوجب قتله، فلما وصلت إلى ابن أباض امتعض منها جدا وأجلب في أصحابه وسعى به إلى الفقهاء والقرآن فاجتمعوا وصاروا إلى المنصور وهو بدجلة البصرة فرفعوا قصته فأحضرهم وأحضر السيد فسألهم عن دعواهم، فقالوا:

إنه يشتم السلف، ويقول بالرجعة، ولا يرى لك ولا لأهلك إمامة. فقال لهم:

دعوني أنا واقصدوا لما في أنفسكم. ثم أقبل على السيد فقال: ما تقول فيما تقولون؟

فقال: ما أشتم أحدا وإني لا ترحم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا ابن أباض قل له: يترحم على علي وعثمان وطلحة والزبير. فقال له: ترحم على هؤلاء. فتلوى (تثاقل) ساعة فحذفه المنصور بعود كان بين يديه وأمر بحبسه فمات في الحبس وأمر بمن كان معه فضربوا بالمقارع وأمر للسيد بخمسة آلاف درهم.

(16)

يالقومي للنبي المصطفى * ولما قد نال من خير الأمم
جحدوا ما قاله في صنوه * يوم خم بين دوح منتظم
: أيها الناس فمن كنت له * واليا يوجب حقي في القدم
فعلي هو مولاه لمن * كنت مولاه قضاء قد حتم
أفلا ينفذ فيهم حكمه؟ * عجبا يولع في القلب الضرم

(17)

ألا إن الوصية دون شك * لخير الخلق من سام وحام
وقال محمد بغدير خم * عن الرحمن ينطق باعتزام
يصيح وقد أشار إليه فيكم * إشارة غير مصغ للكلام
: ألا من كنت مولاه فهذا * أخي مولاه فاستمعوا كلامي
فقال الشيخ يقدمهم إليه * وقد حصدت بداه من الزحام
ينادي: أنت مولاي ومولى الأنام. * فلم عصى مولى الأنام؟!
وقد ورث النبي رداه يوما * وبردته ولائكة اللجام

 


الصفحة 18


 

(18)

على آل الرسول وأقربيه * سلام كلما سجع الحمام
أليسو في السماء وهم نجوم * وهم أعلام عز لا يرام؟؟!!
فيا من قد تحير في ضلال * أمير المؤمنين هو الإمام
رسول الله يوم " غدير خم " * أناف به وقد حضر الأنام

تأتي القصيدة بتمامها في ترجمته. قال المعتز في طبقاته ص 8: حكوا عن بعضهم أنه قال: رأيت حمالا عليه حمل ثقيل وقد جهده، فقلت: ما هذا؟ فقال: ميميات السيد.

(19)

نفسي فداء رسول الله يوم أتى * جبريل يأمر بالتبليغ إعلانا
: إن لم تبلغ فما بلغت فانتصب * النبي ممتثلا أمرا لمن دانا
وقال للناس: من مولاكم قبلا * يوم الغدير؟ فقالوا: أنت مولانا
أنت الرسول ونحن الشاهدون على * أن قد نصحت وقد بينت تبيانا
: هذا وليكم بعدي أمرت به * حتما فكونوا له حزبا وأعوانا
هذا أبركم برا وأكثركم * علما وأولكم بالله إيمانا
هذا له قربة مني ومنزلة * كانت لهارون من موسى بن عمرانا

(20)

أتى جبرئيل والنبي بضحوة * فقال: أقم والناس في الوخد تمحن
وبلغ وإلا لم تبلغ رسالة * فحط وحط الناس ثم ووطنوا
على شجرات في الغدير تقادمت * فقام على رحل ينادي ويعلن
وقال: ألا من كنت مولاه منكم * فمولاه من بعدي علي فأذعنوا
فقال شقي منهم لقرينه * وكم من شقي يستزل ويفتن
: يمد بضبعيه عليا وإنه * لما بالذي لم يؤته لمزين
كأن لم يكن في قلبه ثقة به * فيا عجبا أنى ومن أين يؤمن؟؟!!

(21)

منحت الهوى المحض مني الوصيا * ولا أمنح الود إلا عليا

 


الصفحة 19


 

دعاني النبي عليه السلام * إلى حبه فأجبت النبيا
فعاديت فيه وواليته * وكنت لمولاه فيه وليا
أقام بخم بحيث الغدير * فقال فأسمع صوتا نديا
: ألا ذا إذا مت مولاكم * فأفهمه العرب والأعجميا

(22)

به وصى النبي غداة " خم " * جميع الناس لو حفظوا النبيا
وناداهم: ألست لكم بمولى؟ * عباد الله فاستمعوا إليا
فقالوا: أنت مولانا وأولى * بنا منا فضم له عليا
وقال لهم بصوت جهوري * وأسمع صوته من كان حيا
: فمن أنا كنت مولاه فإني * جعلت له أبا حسن وليا
فعاد الله من عاداه منكم * وكان بمن تولاه حفيا

(23)

وقام محمد بغدير خم * فنادى معلنا صوتا نديا
لمن وافاه من عرب وعجم * وحفوا حول دوحته حنيا
: ألا من كنت مولاه فهذا * له مولى وكان به حفيا
إلهي عاد من عادى عليا * وكن لوليه ربي وليا

* (الشاعر) *

أبو هاشم وأبو عامر إسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد " نسبه " ذكر أبو الفرج الاصبهاني وكثير من المؤرخين: إنه حفيد يزيد بن ربيعة مفرغ أو ابن مفرغ الحميري الشاعر المشهور الذي هجا زيادا وبنيه ونفاهم عن آل حرب، وحبسه عبد الله بن زياد لذلك وعذبه ثم أطلقه معاوية، لكن المرزباني نسبه إلى يزيد بن وداع وقال في كتاب " أخبار الحميري ": أمه من حدان (1) تزوج بها

____________

(1) حدان بضم المهملة إحدى محال البصرة القديمة يقال لها: بنو حدان. سميت باسم قبيلة أبوها حدان بن شمس بن عمرو من الأزد.

 


الصفحة 20


 

أبوه لأنه كان نازلا فيهم، وأم هذه المرأة بنت يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري الشاعر المعروف، وليس ليزيد بن مفرغ عقب من ولد ذكر، ولقد غلط الأصمعي في نسبة السيد إلى يزيد بن مفرغ من جهة أبيه لأنه جده من جهة أمه. ا هـ. وذكر المرزباني له في " معجم الشعراء ":

إني امرؤ حميري حين تنسبني * جدي رعين وأخوالي ذوو يزن
ثم الولاء الذي أرجو النجاة به * يوم القيامة للهادي أبي الحسن (1)

يكنى بأبي هاشم وقال شيخ الطايفة: بأبي عامر، وكان بلقب منذ صغر سنه بالسيد قال أبو عمرو الكشي في رجاله ص 186: روي أن أبا عبد الله عليه السلام لقي السيد بن محمد الحميري وقال: سمتك أمك سيدا، وفقت في ذلك، وأنت سيد الشعراء. ثم أنشد السيد في ذلك:

ولقد عجبت لقائل لي مرة * علامة فهم من الفقهاء
سماك قومك سيدا صدقوا به * أنت الموفق سيد الشعراء
ما أنت حين تخص آل محمد * بالمدح منك وشاعر بسواء
مدح الملوك ذوي الغنى لعطائهم * والمدح منك لهم بغير عطاء
فأبشر فإنك فايز في حبهم * لو قد وردت عليهم بجزاء
ما يعدل الدنيا جميعا كلها * من حوض أحمد شربة من ماء

* (أبواه وقصته معهما) *

روى أبو الفرج في " الأغاني " 7 ص 230 بإسناده عن سليمان بن أبي شيخ: إن أبوي السيد كانا إباضيين (2) وكان منزلهما بالبصرة في غرفة بني ضبة، وكان السيد يقول: طالما سب أمير المؤمنين في هذه الغرفة، فإذا سئل عن التشيع عن أين وقع له؟ قال: غاصت علي الرحمة غوصا، وروي عن السيد: أن أبويه لما علما بمذهبه

____________

(1) البيتان من أبيات له تأتي قصتها.

(2) الإباضية بكسر الهمزة أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد وهم قوم من الحرورية زعموا أن مخالفهم كافر، وكفروا عليا أمير المؤمنين عليه السلام و أكثر الصحابة.


الصفحة 21


 

هما بقتله فأتى عقبة بن مسلم الهنائي فأخبره بذلك فأجاره وبوأه منزلا وهبه له فكان فيه حتى ماتا فورثهما.

وروى المرزباني في [أخبار السيد] بإسناده عن إسماعيل بن الساحر رواية السيد قال: كنت أتغدا مع السيد في منزله فقال لي: طال الله ما شتم أمير المؤمنين عليه السلام ولعن في هذا البيت. قلت: ومن فعل ذلك؟ قال: أبواي كانا إباضيين.

قلت: فكيف صرت شيعيا؟ قال غاصت علي الرحمة فاستنقذتني.

روى المرزباني أيضا عن حودان الحفار ابن أبي حودان عن أبيه وكان أصدق الناس أنه قال: شكى إلي السيد: إن أمه توقظه بالليل وتقول إني أخاف أن تموت على مذهبك فتدخل النار، فقد لهجت بعلي وولده فلا دنيا ولا آخرة. ولقد نغصت علي مطعمي ومشربي، وقد تركت الدخول إليها وقلت أنشد قصيدة منها:

إلى أهل بيت ما لمن كان مؤمنا * من الناس عنهم في الولاية مذهب
وكم من شقيق لامني في هواهم * وعاذلة هبت بليل تؤنب
تقول ولم تقصد وتعتب ضلة * وآفة أخلاق النساء التعتب
وفارقت جيرانا وأهل مودة * ومن أنت من حين تدعى وتنسب
فأنت غريب فيهم متباعد * كأنك مما يتقونك أجرب
تعيبهم في دينهم وهم بما * تدين به أزرى عليك وأعيب
فقلت: دعيني لن احبر مدحة * لغيرهم ما حج لله أركب
أتنهينني عن حب آل محمد؟! * وحبهم مما به أتقرب
وحبهم مثل الصلاة وإنه * على الناس من بعد الصلاة لأوجب (1)

وقال المرزباني أخبرني محمد بن عبيد الله البصري عن محمد بن زكريا العلائي، قال: حدثتني (العباسة) بنت السيد قالت: قال لي أبي: كنت وأنا صبي أسمع أبوي يثلبان أمير المؤمنين عليه السلام فأخرج عنهما وأبقى جايعا وأوثر ذلك على الرجوع إليهما فأبيت في المساجد جايعا لحبي فراقهما وبغضي إياهما حتى إذا أجهدني الجوع رجعت فأكلت ثم خرجت، فلما كبرت قليلا وعقلت وبدأت أقول الشعر قلت لأبوي: إن

____________

(1) في بعض النسخ: من بعض الصلاة لأوجب، وحق المقام أن يقول: من قبل الصلاة.

 


الصفحة 22


 

لي عليكما حقا يصغر عند حقكما علي فجنباني إذا حضرتكما ذكر أمير المؤمنين عليه السلام بسوء، فإن ذلك يزعجني وأكره عقوقكما بمقابلتكما، فتماديا في غيهما فانتقلت عنهما، وكتبت إليهما شعرا وهو:

خف يا محمد فالق الإصباح * وأزل فساد الدين بالإصلاح
أتسب صنو محمد ووصيه * ترجو بذلك فوزة الإنجاح؟؟!!
هيهات قد بعدا عليك وقربا * منك العذاب وقابض الأرواح
أوصى النبي له بخير وصية * يوم " الغدير " بأبين الافصاح

إلى آخر الأبيات المذكورة في غديرياته. فتواعدني بالقتل فأتيت الأمير عقبة بن مسلم فأخبرته خبري فقال لي: لا تقربهما وأعد لي منزلا أمر لي فيه بما أحتاج إليه وأجرى علي جراية تفضل على مؤونتي.

وقال: كان أبواه يبغضان عليا عليه السلام فسمعهما يسبانه بعد صلاة الفجر فقال:

لعن الله والدي جميعا * ثم أصلاهما عذاب الجحيم
حكما غدوة كما صليا الفجر * بلعن الوصي باب العلوم
لعنا خير من مشى ظهر الأرض * أو طاف محرما بالحطيم
كفرا عند شتم آل رسول الله * نسل المهذب المعصوم
والوصي الذي به تثبت الأرض * ولولاه دكدكت كالرميم
وكذا آله أولو العلم والفهم * هداة إلى الصراط القويم
خلفاء الإله في الخلق بالعدل * وبالقسط عند ظلم الظلوم
صلوات الإله تترى عليهم * مقرنات بالرحب والتسليم

ورواها ابن شاكر في " الفوات " 1 ص 19

عظمته والمؤلفون في أخباره:

لم تفتء الشيعة تبجل كل متهالك في ولاء أئمة أهل البيت، وتقدر له مكانة عظيمة، وتكبر منه ما أكبره الله سبحانه ورسوله من منصة العظمة، أضف إلى ذلك ما كان بمرأى منهم ومسمع في حق السيد خاصة من تكريم أئمة الحق صلوات الله عليهم مثواه، وتقريبهم لمحله منهم، وإزلافهم إياه، وتقديرهم لسعيه المشكور في

 


الصفحة 23


 

الإشادة بذكرهم والذب عنهم، والبث لفضائلهم، وتظاهره بموالاتهم، وإكثاره من مدائحهم مع رده الصلاة تجاه هاتيك العقود الذهبية لأن ما كان يصدر منه من تلكم المظاهر لم تكن إلا تزلفا منه إلى المولى سبحانه، وأداءا لأجر الرسالة، وصلة للصادع بها صلى الله عليه وآله، ولقد كاشف في ذلك كله أبويه الناصبيين الخارجيين، فكان معجزة وقته في التلفع بهذه المآثر كلها، والتظاهر بهذا المظهر الطاهر، ومنبته ذلك المنبت الخبيث، فما كان الشيعي يوم ذاك وهلم جرا يجد من واجبه الديني إلا إكباره وخفض الجناح عند عظمته.

قال ابن عبد ربه في العقد الفريد 2 ص 289: السيد الحميري وهو رأس الشيعة، وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة بمسجد الكوفة، وفي حديث شيخ الطايفة الآتي: قال جعفر بن عفان الطائي للسيد: يا أبا هاشم؟ أنت الرأس ونحن الأذناب.

وليس ذلك ببدع من الشيعة بعد ما أزلفه الإمام الصادق عليه السلام وأراه من دلايل الإمامة ما أبقى له مكرمة خالدة حفظها له التاريخ كحديث إنقلاب الخمر لبنا.

والقبر وإطلاق لسانه في مرضه وغيرهما، واستفاض الحديث بترحمه عليه السلام إياه والدعاء له والشكر لمساعيه، وبلغهم قوله عليه السلام لعذاله فيه: لو زلت له قدم فقد ثبتت الأخرى، وقد أخبره بالجنة.

وكان يستنشد الإمام عليه السلام شعره ويحتفل به وقد أنشده إياه فضيل الرسان، وأبو هارون المكفوف، والسيد نفسه، روى أبو الفرج عن علي بن إسماعيل التميمي عن أبيه قال: كنت عند أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام إذا استأذن آذنه السيد فأمره بإيصاله، وأقعد حرمه خلف ستر، ودخل فسلم وجلس فاستنشده فأنشد قوله:

أمرر على جدث الحسين * فقل لأعظمه الزكيه
يا أعظما لا زلت من * وطفاء (1) ساكبة رويه
فإذا مررت بقبره * فأطل به وقف المطيه
وابك المطهر للمطهر * والمطهرة النقية
كبكاء معولة أتت * يوما لواحدها المنيه (2)

____________

(1) وطف المطر: انهمر. يقال: سحابة وطفاء. أي مسترخية لكثرة مائها.

(2) يوجد من القصيدة 23 بيتا.


الصفحة 24


 

قال: فرأيت دموع جعفر بن محمد تتحدر على خديه، وارتفع الصراخ والبكاء من داره، حتى أمره بالامساك فأمسك قال: فحدثت أبي بذلك لما انصرفت فقال لي:

ويلي على الكيساني الفاعل ابن الفاعل يقول:

فإذا مررت بقبره * فأطل به وقف المطيه

فقلت: يا أبت؟ وما يصنع؟ قال: أو لا ينحر؟! أو لا يقتل نفسه؟! فثكلته أمه.

[الأغاني 7 ص 240]

وهذه القصيدة أنشدها أبو هارون المكفوف الإمام الصادق عليه السلام، روى شيخنا ابن قولويه في " الكامل " ص 33 و 44 عن أبي هارون قال: قال أبو عبد الله عليه السلام يا أبا هارون؟ أنشدني في الحسين عليه السلام قال: فأنشدته فبكى فقال: أنشدني كما تنشدون يعني بالرقة قال: فأنشدته:

أمرر على جدث الحسين * فقل لأعظمه الزكيه

ثم قال: زدني. قال: فأنشدته القصيدة الأخرى. وفي لفظه الآخر: فأنشدته:

يا مريم قومي فاندبي مولاك * وعلى الحسين فاسعدي ببكاك

قال: فبكى وسمعت البكاء من خلف الستر. الحديث. ورواه شيخنا الصدوق في " ثواب الأعمال ". وهناك منامات صادقة تنم عن تزلف السيد عند النبي الأعظم صلى الله عليه وآله مرت جملة منها ص 221 - 224، وروى أبو الفرج عن إبراهيم بن هاشم العبدي إنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وبين يديه السيد الشاعر وهو ينشد:

أجد بآل فاطمة البكور * فدمع العين منهمر غزير

حتى أنشده إياها على آخرها وهو يسمع: قال: فحدثت هذا الحديث رجلا جمعتني وإياه طوس عند قبر علي بن موسى الرضا فقال لي: والله لقد كنت على خلاف فرأيت النبي صلى الله عليه وآله في المنام وبين يديه رجل ينشد:

أجد بآل فاطمة البكور * إلى آخرها       

فاستيقظت من نومي وقد رسخ في قلبي من حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما كنت أعتقده.

[الأغاني 7 ص 246]

هذه مكرمة للسيد تشف عن عظمة محله، وحسن عقيدته، وخلوص نيته،

 


الصفحة 25


 

وسلامة مذهبه، وطهارة ضميره، وصدق موقفه. ومهما عرف أعلام الأمة مسيس حاجة المجتمع إلى سرد تأريخ مثل السيد من رجالات الفضيلة سلفا وخلفا، أفرد جمع منهم تآليف في أخبار السيد وشعره فمنهم:

1 - أبو أحمد عبد العزيز الجلودي الأزدي البصري المتوفى 302.

2 - الشيخ صالح بن محمد الصراي شيخ أبي الحسن الجندي.

3 - أبو بكر محمد بن يحيى الكاتب الصولي المتوفى 335.

4 - أبو بشر أحمد بن إبراهيم العمي البصري، ذكر له شيخ الطايفة في فهرسته ص 30: كتاب أخبار السيد وشعره، وفي معجم الأدباء 2 ص 226: كتاب أخبار السيد، ويظهر من رجال النجاشي ص 70 ومعالم العلماء أنه ألف كتابا في أخباره وكتابا في شعره 5 - أبو عبد الله أحمد بن عبد الواحد المعروف بابن عبدون شيخ النجاشي.

6 - أبو عبد الله محمد بن عمران المرزباني المتوفى 378، له كتاب " أخبار السيد " وقفنا على بعض أجزاءه وهو جزء من كتابه " أخبار الشعراء " المشهورين المكثرين في عشرة آلاف ورقة كما في فهرست ابن النديم.

7 - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عياش الجوهري المتوفى 401.

8 - إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان النخعي.

9 - المستشرق الفرنسوي [بربيه دي مينار] جمع أخباره في مائة صحيفة طبعت في پاريس

فهرست النجاشي ص 53، 63، 64، 70، 141، 171، فهرست ابن النديم ص 215، فهرست شيخ الطائفة ص 30، معالم العلماء ص 16، الأعلام 1 ص 112.

* (الثناء على أدبه وشعره) *

كان السيد في مقدمي المكثرين المجيدين وأحد الشعراء الثلاثة الذين عدوا أكثر الناس شعرا في الجاهلية والاسلام وهم: السيد. وبشار. وأبو العتاهية.

قال أبو الفرج: لا يعلم أن أحدا قدر على تحصيل شعر أحد منهم أجمع. وقال المرزباني:

لم يسمع أن أحدا عمل شعرا جيدا وأكثر غبر السيد، وروى عن عبد الله بن إسحاق الهاشمي قال: جمعت للسيد ألفي قصيدة وظننت إنه ما بقي علي شئ فكنت لا أزال

 


الصفحة 26


 

أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت ثم نركت. وقال: سئل أبو عبيدة من أشعر المولدين؟ قال: السيد وبشار. ونقل عن الحسين بن الضحاك أنه قال:

ذاكرني مروان بن أبي حفصة أمر السيد بعد موته وأنا أحفظ الناس بشعر بشار والسيد فأنشدته قصيدته المذهبة التي أولها: (1)

أين التطرب بالولاء وبالهوى * أإلى الكواذب من بروق الخلب؟؟!!
أإلى أمية أم إلى شيع التي * جاءت على الجمل الخدب الشوقب؟!

حتى أتى على آخرها، فقال لي مروان: ما سمعت قط شعرا أكثر معاني وألخص منه وعدد ما فيه من الفصاحة. وكان يقول لكل بيت منها: سبحان الله، ما أعجب هذا الكلام؟. وروى عن التوزي أنه قال: لو أن شعرا يستحق أن لا ينشد إلا في المساجد لحسنه لكان هذا، ولو خطب به خاطب على المنبر في يوم الجمعة لأتى حسنا ولحاز أجرا.

وقال أبو الفرج: كان شاعرا متقدما مطبوعا، وله طراز من الشعر ومذهب قلما يلحق فيه أو يقاربه. وروي عن ليطة بن الفرزدق قال: تذاكرنا الشعراء عند أبي فقال: إن هاهنا لرجلين لو أخذا في معنى الناس لما كنا معهما في شئ. فسألناه من هما؟

فقال: السيد الحميري، وعمران بن حطان السدوسي، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه.

الأغاني 7 ص 231.

وعن التوزي قال: رأى الأصمعي جزءا فيه من شعر السيد فقال لمن هذا؟

فسترته عنه لعلمي بما عنده فيه، فأقسم علي أن أخبره فأخبرته فقال: أنشدني قصيدة منه فأنشدته قصيدة ثم أخرى وهو يستزيدني ثم قال: قبحه الله ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته. وفي لفظه الآخر: لما تقدمه من طبقته أحد. وعن أبي عبيدة أنه قال: أشعر المحدثين: السيد الحميري وبشار (الأغاني 7 ص 232، 236).

وقف السيد على بشار وهو ينشد الشعر فأقبل عليه وقال:

أيها المادح العباد ليعطى * إن لله ما بأيدي العباد

____________

(1) مر أول القصيدة ص 213 والبيتان هما البيت الخامس عشر والسادس عشر منها.

 


الصفحة 27


 

فأسئل الله ما طلبت إليهم * وارج نفع المنزل العواد
لا تقل في الجواد ما ليس فيه * وتسمي البخيل باسم الجواد

قال بشار. من هذا؟ فعرفه. فقال: لولا أن هذا الرجل قد شغل عنا بمدح بني هاشم لشغلنا، ولو شاركنا في مذهبنا لأتعبنا.

(الأغاني 7 ص 237)

وعن غانم الوراق قال: خرجت إلى بادية البصرة فصرت إلى عمرو بن نعيم فجلسوا إلي فأنشدتهم للسيد.

أتعرف رسما بالثويين قد دثر؟ * عفته أهاضيب السحائب والمطر
وجرت به الأذيال ريحان خلفه * صبا ودبور بالعشيات والبكر
منازل قد كانت تكون بجوها * هضيم الحشاريا الشوى سحرها النظر
قطوف الخطا خمصانة بخترية * كأن محياها سنا دارة القمر
رمتني ببعد بعد قرب بها النوى * فبانت ولما أقض من عندها الوطر
ولما رأتني خشية البين موجعا * أكفكف مني أدمعا بيضها درر
أشارت بأطراف إلي ودمعها * كنظم جمان خانه السلك فانتثر
وقد كنت مما أحدث البين حاذرا * فلم يغن عني منه خوفي والحذر

قال: فجعلوا يمرقون لإنشادي ويطربون وقالوا: لمن هذا؟ فأعلمتهم. فقالوا:

هو والله أحد المطبوعين، لا والله ما بقي في هذا الزمان مثله (الأغاني 7 ص 238) عن الزبير بن بكار قال: سمعت عمي يقول: لو أن قصيدة السيد التي يقول فيها:

إن يوم التطهير يوم عظيم * خص بالفضل فيه أهل الكساء

قرأت على منبر ما كان فيها بأس، ولو أن شعره كله كان مثله لرويناه وما عبناه، وروي عن الحسين بن ثابت قال: قدم علينا رجل بدوي وكان أروى الناس لجرير، فكان ينشدني الشئ من شعره فأنشد في معناه للسيد حتى أكثرت فقال لي: ويحك من هذا: هو والله أشعر من صاحبنا

(الأغاني 7 ص 239).

ويروى عن إسحاق بن محمد قال: سمعت العتبي (1) يقول: ليس في عصرنا هذا

____________

(1) أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله الأموي الشاعر البصري المتوفى 228 ينسب إلى جده عتبة ابن أبي سفيان.

 

الصفحة 28


 

أحسن مذهبا في شعره، ولا أنقى ألفاظا من السيد، ثم قال لبعض من حضر: أنشدنا قصيدته اللامية التي أنشدتناها اليوم فأنشده قوله:

هل عند من أحببت تنويل * أم لا؟ فإن اللوم تضليل
أم في الحشى منك جوى باطن * ؟!ليس تداويه الأباطيل
علقت يا مغرور خداعة * بالوعد منها لك تخييل
ريا رداح النوم خمصانة * كأنها إدماء عطبول
يشفيك منها حين تخلو بها * ضم إلي النحر وتقبيل
وذوق ريق طيب طعمه * كأنه بالمسك معلول
في نسوة مثل المها خرد * تضيق عنهن الخلاخيل

يقول فيها:

أقسم بالله وآلائه * والمرء عما قال مسئول
إن علي بن أبي طالب * على التقى والبر مجبول (1)

فقال العتبي: أحسن والله ما شاء، هذا والله الشعر الذي يهجم على القلب بلا حجاب [الأغاني 7 ص 247].

وقبل هذه كلها حسبه ثناءا عليه قول الإمام الصادق عليه السلام: أنت سيد الشعراء. فينم عن مكانته الرفيعة في الأدب، يقصر الوصف عن استكناهها، ولا يدرك البيان مداها. فكان يعد من شعراءه عليه السلام وولده الطاهر الكاظم كما في " نور الأبصار " للشبلنجي.

إكثاره في آل الله:

كان السيد بعيد المنزعة، ولعا بإعادة السهم إلى النزعة، وقد أشف وفاق كثيرين من الشعراء بالجد والاجتهاد في الدعاية إلى مبدءه القويم، والاكثار في مدح العترة الطاهرة، وساد الشعراء ببذل النفس والنفيس في تقوية روح الإيمان في المجتمع و إحياء ميت القلوب ببث فضايل آل الله، ونشر مثالب مناوئيهم ومساوي أعداءهم قائلا:

أيا رب إني لم أرد بالذي به * مدحت عليا غير وجهك فارحم

____________

(1) تأتي بقية القصيدة في ذكر أخبار المترجم له وملحه.

 


الصفحة 29


 

وصدق بشعره رؤياه التي رواها عنه أبو الفرج والمرزباني في أخباره أنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله في النوم وكأنه في حديقة سبخة فيها نخل طوال وإلى جانبها أرض كأنها الكافور ليس فيها شئ فقال: أتدري لمن هذا النخل؟! قلت: لا يا رسول الله؟ قال: لامرئ القيس بن حجر فاقلعها واغرسها في هذه الأرض. ففعلت. وأتيت ابن سيرين فقصصت رؤياي عليه. فقال: أتقول الشعر؟ قلت: لا. قال: أما إنك ستقول شعرا مثل شعر امرئ القيس إلا أنك تقول في قوم بررة أطهار.

وكان كما قال أبو الفرج لا يخلو شعره من مدح بني هاشم أو ذم غيرهم ممن هو عنده ضد لهم. وروى عن الموصلي عن عمه قال: جمعت للسيد في بني هاشم ألفين وثلثمائة قصيدة فخلت أن قد استوعبت شعره حتى جلس إلي يوما رجل ذو أطمار رثة فسمعني أنشد شيئا من شعره فأنشدني به ثلاث قصايد لم تكن عندي فقلت في نفسي : لو كان هذا يعلم ما عندي كله ثم أنشدني بعده ما ليس عندي لكان عجبا فكيف وهو لا يعلم وإنما أنشد ما حضره، وعرفت حينئذ أن شعره ليس مما يدرك ولا يمكن جمعه كله. الأغاني 7 ص 236، 237.

قال أبو الفرج كان السيد يأتي الأعمش سليمان بن مهران - الكوفي المتوفى 148 - فيكتب عنه فضايل علي أمير المؤمنين سلام الله عليه ويخرج من عنده ويقول في تلك المعاني شعرا فخرج ذات يوم من عند بعض أمراء الكوفة قد حمله على فرس وخلع عليه فوقف بالكناسة ثم قال: يا معشر الكوفيين؟ من جاءني منكم بفضيلة لعلي بن أبي طالب لم أقل فيها شعرا أعطيته فرسي هذا وما علي. فجعلوا يحدثونه و ينشدهم حتى أتاه رجل منهم وقال: إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه عزم على الركوب فلبس ثيابه وأراد لبس الخف فلبس أحد خفيه ثم أهوى إلى الآخر ليأخذه فانقض عقاب من السماء فحلق به ثم ألقاه فسقط منه أسود وإنساب فدخل جحرا فلبس علي عليه السلام الخف. قال: ولم يكن قال في ذلك شيئا ففكر هنيهة ثم قال:

ألا يا قوم للعجب العجاب * لخف أبي الحسين وللحباب
م عدو من عداة الجن وغد * بعيد في المرادة من صواب

 


الصفحة 30


 

أتى خفا له وانساب فيه * لينهش رجله منه بناب
م لينهش خير من ركب المطايا * أمير المؤمنين أبا تراب
فخر من السماء له عقاب * من العقبان أو شبه العقاب
فطار به فحلق ثم أهوى * به للأرض من دون السحاب
م فصك بخفه وانساب منه * وولى هاربا حذر الحصاب
إلى جحر له فانساب فيه * بعيد القعر لم يرتج بباب
كريه الوجه أسود ذو بصيص * حديد الناب أزرق ذو لعاب
م يهل له الجري إذا رآه * حثيث الشد محذور الوثاب
م تأخر حينه ولقد رماه * فأخطاه بأحجار صلاب
ودوفع عن أبي حسن علي * نقيع سمامه بعد انسياب (1)

قال المرزبناني: ثم حرك فرسه وثناها وأعطى ما كان معه من المال والفرس للذي روى له الخبر وقال: إني لم أكن قلت في هذا شيئا. وذكر المرزباني عن تشبيبها أحد عشر بيتا لم يرو أبو الفرج إلا مستهلها:

صبوت إلى سليمى والرباب * وما لأخي المشيب وللتصابي

قال أبو الفرج: أما العقاب الذي انقض على خف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فحدثني بخبره أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: حدثني جعفر بن علي بن نجيح قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المسعودي عن أبي داود الطهوي عن أبي الزغل المرادي قال:

قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فتطهر للصلاة ثم نزع خفه فانساب فيه أفعى فلما عاد ليلبسه انقضت عقاب فأخذته فحلقت به ثم ألقته فخرج الأفعى منه. وقد روي مثل هذا لرسول الله صلى الله عليه وآله.

وقال ابن المعتز في طبقاته ص 7: كان السيد أحذق الناس بسوق الأحاديث والأخبار والمناقب في الشعر لم يترك لعلي بن أبي طالب فضيلة معروفة إلا نقلها إلى الشعر، وكان يمله الحضور في محتشد لا يذكر فيه آل محمد صلوات الله عليهم، و لم يأنس بحفلة تخلو عن ذكرهم روى أبو الفرج عن الحسن بن علي بن حرب بن أبي

____________

(1) الأغاني 7 ص 257 غير أن الأبيات المرموزة أخذناها عن أخبار السيد للمرزباني.